النص المفهرس
صفحات 401-420
٤٠١ باب بُدُوّ إسلام الأنصار وعقبة بن عامر بن نابي بن زَيْد بن حَرَام بن كعب بن سَلِمة السَّلَمي أيضاً ، ثم من بني حَرَام . وجابر بن عبد الله بن رئاب بن النعمان بن سِنان بن عُبيد بن عَدِيّ بن غَنْم بن كعب بن سَلِمة السَّلَمي أيضاً ، ثم من بني عُبيد رضي الله عنهم . وهكذا روي عن الشعبي والزُّهري وغيرهما١) ، أنهم كانوا ليلتئذٍ ستةَ نفرٍ من الخزرج . وذكر موسى بن عقبة(٢) فيما رواهُ عن الزُّهْري وعروة بن الزُّبير ، أنَّ أول اجتماعه عليه السلام بهم كانوا ثمانية وهم ؛ معاذ بن عفراء ، وأسعد بن زرارة ، ورافع بن مالك ، وذكوان - وهو ابن عبد قيس - وعُبادة بن الصامت ، وأبو عبد الرحمن يزيد بن ثعلبة ، وأبو الهيثم بن التَّيِّهان ، وعُويم بن ساعدة . فأسلموا وواعدُوه إلى قابل. فرجعوا إلى قومهم فدعوهم إلى الإسلام، وأرسلوا إلى رسول الله وَله معاذَ بن عَفْرَاء ، ورافع بن مالك ، أن ابعَثْ إلينا رجلاً يفقِّهُنا . فبعث إليهم مصعب بن عمير ، فنزل على أسعد بن زُرَارة وذكر تمامَ القصة كما سيوردُها ابنُ إسحاق أتمَّ من سياقِ موسى بن عقبة ، والله أعلم . قال ابن إسحاق (٣): فلما قدموا المدينةَ إلى قومهم ذكروا لهم رسولَ الله وَّر ودعَوْهم إلى الإسلام حتى فشا فيهم ، فلم يبقَ دارٌ من دُور الأنصار إلا وفيها ذكْرُ رسولِ الله ◌ِ لَ حتى إذا كان العامُ المقبل وافَى المَوْسم من الأنصار اثنا عشر رجلاً وهم : أبو أمامة أسعد بن زرارة المتقدِّم ذكره ، وعوف بن الحارث المتقدِّم ، وأخوه معاذ وهما ابنا عَفْراء ، ورافع بن مالك المتقدِّم أيضاً . وذَكْوَان بن عبد قيس بن خَلْدَة بن مُخَلَّد بن عامر بن زُرَيق الزُّرَقي . قال ابنُ هشامُ(٤) : وهو أنصاريٌّ مهاجريّ . وعبادة بن الصامت بن قيس بن أصْرَم بن فِهْر بن ثعلبة بن غَنْم بن عَوْف بن عمرو بن عوف بن الخزرج ، وحليفهم أبو عبد الرحمن يزيد بن ثعلبة بن خَزْمَة بن أصْرم البَلَوِيّ ، والعباس بن عُبَادة بن نَضْلَة بن مالك بن العَجْلان بن يزيد بن غَنْم بن سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج العَجْلاني ، وعقبة بن عامر بن نابي المتقدِّم ، وقُطْبَة بن عامر بن حَديدة المتقدم ؛ فهؤلاء عشرةٌ من الخزرج ، ومن الأوس اثنان وهما : عُويم بن ساعدة . وأبو الهيثم مالك بن التيِّهان . قال ابنُ هشامُ(٥) : التَّيِّهان يخفَّفُ ويُثَقَّل كمَيْتٍ ومَيِّت . (١) في ح : وعندهما. دلائل البيهقي (٤٣٠/٢، ٤٣١). (٢) (٣) سيرة ابن هشام (١/ ٤٣٠) والروض (٢/ ١٧٧). (٤) في السيرة (١/ ٤٣١). (٥) في السيرة (٤٣٣/١). ٤٠٢ باب بُدْوَ إسلام الأنصار قال السُّهيلي(١): أبو الهيثم بن التَّيِّهان، اسْمُه مالك بن مالك بن عَتِيك بن عمرو بن عبد الأعلم بن عامر بن زَعُوراء بن جُشَمُ(٢) بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس . قال: وقيل إنه أرَاشيّ وقيل بَلَوي . وهذا لم ينسُبْهُ ابنُ إسحاق ولا ابنُ هشام . قال : والهيثم فَرْعُ العقاب ، وضربٌ من النبات(٣). والمقصود أنَّ هؤلاء الاثني عشر رجلاً شهدوا المَوْسِم عامئذ، وعزموا على الاجتماع برسولِ الله اله فَلَقُوه بالعقبة فبايعوه عندها بيعةَ النساء وهي العقبةُ الأولى . وروى أبو نُعيمُ(٤) أنَّ رسول الله ◌َ لَه قرأ عليهم من قوله في سورة إبراهيم: ﴿ وَإِذْقَالَ إِبْرَهِمُ رَبِّ أَجْعَلْ هَذَا بَلَدَاءَإِنًا﴾ [البقرة: ١٢٦] إلى آخرها. وقال ابن إسحاق(٥): حدَّثني يزيد بن أبي حَبيب، عن مَرْثد بن عبد الله اليَزَني ، عن عبد الرحمن بن عُسَيلة الصُّنَابحي ، عن عُبادَة بنِ الصامت قال : كنتُ فيمن حضر العقبة الأولى وكنا اثني عشر رجلاً ، فبايعنا رسولَ الله ◌َّه على بَيْعة النساء، وذلك قبل أن يُفترض الحرب، على أن لا نُشرك بالله شيئاً، ولا نَسْرق ولا نَزْنِي، ولا نقتل أولادَنا، ولا نأتي ببُهْتَانٍ نَفْتريه بين أيدينا وأرجُلنا ولا نعصيه في معروف . فإنْ وقَيتُمْ فلكم الجنَّةَ ، وإنْ غَشِيتم من ذلك شيئاً فأمْرُكم إلى الله، إنْ شاء عذَّب وإنْ شاء غَفَر . وقد روى البخاري ومسلم(٦) هذا الحديث من طريق اللَّيث بن سعد عن يزيد بن أبي حَبيب به نحوه . قال ابنُ إسحاق (١) : وذكر ابنُ شهاب الزُّهْري عن عائذ الله بن عبد الله أبي إدريس الخَوْلاني أنَّ عُبادَةَ بن الصامت حدَّثه قال: بايعنا رسولَ الله وَلَه ليلة العقبةِ الأولى أن لا نشرك بالله شيئاً ولا نسرِق ولا نزني ولا نقتل أولادنا ، ولا نأتي ببُهْتانٍ نفتريهِ بين أيدينا وأرجُلنا ، ولا نعصيهِ في معروف ، فإنْ وَيْتم فلكم الجنَّة ، وإنْ غشيتم من ذلك شيئاً فأخذتم بحدِّه في الدُّنيا ، فهو كفَّرةٌ له ، وإن سُترتم عليه إلى يوم القيامة فأمْرُكم إلى الله ، إنْ شاء عذَّب ، وإن شاء غَفَر . (١) في الروض (٢/ ١٩٤، ١٩٥). (٢) في ح : عمر بن رعور بن جبير ، وفوق جبير خيثم ، وفي ط والروض : عامر بن زعون بن جشم . وكلاهما فيه تصحيف ، والمثبت من الاشتقاق لابن دريد (ص ٤٤٣) وجمهرة الأنساب لابن حزم (ص ٣٤٠). (٣) في الروض : ضرب من العشب فيما ذكر أبو حنيفة . (٤) في الدلائل (١/ ٤٠٠) . في سيرة ابن هشام (٤٣٣/١) والروض (١٨٥/٢). (٥) (٦) فتح الباري (٣٨٩٣) مناقب الأنصار باب وفود الأنصار إلى النبي وَله، وصحيح مسلم (١٧٠٩) (٤٤) الحدود باب الحدود كفارات لأهلها . (٧) في سيرة ابن هشام (١/ ٤٣٤) والروض (١٨٥/٢). ٤٠٣ باب بُدُوّ إسلام الأنصار وهذا الحديث مخرَّجٌ في الصحيحَيْنُ(١) وغيرهما من طُرق عن الزُّهري به نحوه ، وقوله : على بيعة النساء - يعني على وفق ما نزلت عليه بيعة النساء بعد ذلك عام الحُدَيبية - وكان هذا مما نزل على وفق ما بايع عليه أصحابه ليلة العقبة . وليس هذا بعجيب ، فإنَّ القرآن نزل بموافقة عمر بن الخطاب في غير ما مَوْطنٍ كما بيَّناه في سيرته وفي التفسير ، وإنْ كانت هذه البيعة وقعَتْ عن وَحْي غيرِ مَتْلُوّ ، فهو أظهر والله أعلم . قال ابن إسحاق (٢): فلما انصرف عنه القوم بعث رسولُ اللهَوَّل معهم مُصْعَب بن عمير بن هاشم بن عبد مَنَاف بن عبد الدَّار بن قُصَي . وأمرَهُ أنْ يُقرئهم القرآن ، ويعلِّمهم الإسلام ويفقِّههم في الدين . وقد روى البيهقي(٣) عن ابن إسحاق قال: فحدّثني عاصم بن عمر بن قتادة أنَّ رسولَ الله ◌َل إنما بعث مصعباً حين كتبوا إليه أن يبعثه إليهم . وهو الذي ذكره موسى بن عقبة كما تقدّم ، إلا أنه جعل المرةَ الثانية هي الأولى . قال البيهقي(٤) : وسياق ابن إسحاق أتمّ . وقال ابن إسحاق(٥) : فكان عبد الله بن أبي بكر يقول : لا أدري ما العقبةُ الأولى . ثم يقول ابنُ إسحاق : بلى لعمري قد كانت عَقَبة وعَقَبة . قالوا كلُّهم : فنزل مصعبٌ على أسعد بن زرارة فكان يسمَّى بالمدينة المقرىء . قال ابن إسحاق(٦) : فحدَّثني عاصم بن عمر بن قتادة أنه كان يصلي بهم ، وذلك أن الأوس والخَزْرَج كِه بعضُهم أن يؤمَّه بعضٌ رضي الله عنهم أجمعين . قال ابن إسحاق(٧): وحدَّثني محمد بن أبي أمامة بن سَهْل بن حُنيف ، عن أبيه ، عن عبد الرحمن ابن كعب بن مالك قال : كنت قائدَ أبي حين ذهبَ بصرُهُ ، فكنتُ إذا خرجتُ به إلى الجمعة فسمع الأذان بها صلَّى على أبي أمامة أسعد بن زُرَارة قال : فمكث حيناً على ذلك لا يسمع الأذانَ للجمعة إلا صلَّى عليه واستغفرَ له . قال : فقلتُ في نفسي والله إنَّ هذا لي لَعَجْزٌ ، ألا أسأله؟ فقلت: يا أبت مالك إذا سمعتَ الأذانَ للجمعة صلَّيتَ على أبي أمامة ؟ فقال : أيْ بُنَّيّ ، كان أولَ مَنْ جمَّع بنا بالمدينة في هَزْم (١) فتح الباري (٣٨٩٢) مناقب الأنصار باب وفود الأنصار إلى النبي ◌َّطير، وصحيح مسلم (١٧٠٩) (٤١) الحدود باب الحدود كفارات لأهلها . (٢) في سيرة ابن هشام (٤٣٤/١) والروض (١٨٥/٢). (٣) في الدلائل (٢/ ٤٣٧). (٤) في الدلائل (٤٣٣/٢). (٥) قول ابن إسحاق هذا في الدلائل للبيهقي (٤٣٨/٢). (٦) في سيرة ابن هشام (٤٣٤/١) والروض (١٨٥/٢). (٧) في سيرة ابن هشام (٤٣٥/١) والروض (١٨٥/٢). ٤٠٤ باب بُدُوّ إسلام الأنصار النَّبِيتُ(١) من حَرَّة بني بَيَاضة في نقيع يقال له نَقيع الخَضِمات(٢) . قال : قلت : وكم أنتم يومئذ ؟ قال : أربعون رجلاً . وقد روى هذا الحديث أبو داود وابنُ ماجَهُ(٣) من طريق محمد بن إسحاق رحمه الله . وقد روى الدار قطني(٤) عن ابن عباس أنَّ رسول الله وَ لل كتب إلى مصعب بن عمير يأمره بإقامة الجُمعة. وفي إسناده غرابة ، والله أعلم . وقال ابن إسحاق(٥): وحدَّثني عبيد الله بن المغيرة بن مُعَيْقِيب (٦) ، وعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم أنَّ أسعد بن زرارة خرج بمصعب بن عمير يُريد به دارَ بني عبد الأشهل ، ودارَ بني ظَفَر ، وكان سعدُ بن معاذ ابنَ خالة أسعد بن زرارة . فدخل به حائطاً من حوائط بنِي ظَفَر على بئرٍ يقالُ له بثر مَرَق ، فجلسا في الحائط واجتمع إليهما رجالٌ ممن أسلم ، وسعدُ بن معاذ وأَسيد بن الحُضَير يومئذٍ سيِّدا قومِهما من بني عبد الأشهل ، وكلاهما مُشْرِكٌ على دين قومه ، فلما سمعا به قال سعد لأُسيد : لا أبالك ، انطلقْ إلى هذين الرجلَيْن اللذين قد أتيا دارَينا ليسفِّها ضعفاءنا ، فازْجُرْهُما ، وانههما أن يأتيا دارَينا ، فإنه لولا أسعد بن زرارة مني حيث قد علمت كفيتُك ذلك ، هو ابنُ خالتي ولا أجد عليك مقدَّماً . قال: فأخذ أُسيد بن حُضَير حَرْبَتَه ثم أقبل إليهما، فلما رآه أسعدُ بن زرارة قال لمصعب: هذا سيِّدُ قومه وقد جاءك ، فاصْدُقِ الله فيه ، قال مصعب : إنْ يجلس أكلِّمُهُ . قال : فوقف عليهما متشتِّماً فقال : ما جاء بكما إلينا تسفِّهانِ ضعفاءنا ؟ اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة - وقال موسى بن عقبة : فقال له غلام : أتيتنا في دارنا بهذا الوحيد الغريب الطريد ليُسَفِّه ضعفاءنا بالباطل ويدعوهم إليه - قال ابنُ (١) في ح : هزم الحرم. والمثبت من ط والسيرة والروض وقال السهيلي فيه (٢/ ١٩٦): هزم النبيت جبل على بريد من المدينة . (٢) قال السهيلي في الروض (١٩٦/٢): بقيع : بالباء وجدته في نسخة الشيخ أبي بحر وكذلك وجدته في رواية يونس عن ابن إسحاق وذكره البكري في كتاب معجم ما استعجم من أسماء البقع أنه نقيع بالنون ذكره في باب النون والقاف ... وقال النووي في تهذيب الأسماء واللغات (٤/ ١٧٧): وأما نقيع الخضمات بقرب المدينة فبالنون ، كذا قيده الحازمي وغيره ، ونقل الحازمي أن الخطابي قال : من قاله بالباء فقد أخطأ ، وهو قرية بقرب المدينة على ميل من منازل بني سلمة . وقال ياقوت في معجم البلدان (٢/ ٣٧٧): فكأنه جمع خَضِمة ، وهي الماشية التي تخضم فكأنه سمي بذلك للخِصْب فيه . (٣) سنن أبي داود (١٠٦٩) الصلاة باب الجمعة في القرى، وسنن ابن ماجه (١٠٨٢) إقامة الصلاة باب في فرض الجمعة . وأخرجه أيضاً عن ابن إسحاق الدار قطني في السنن (٥/٢) الجمعة باب ذكر العدد في الجمعة . أقول : وهو حديث حسن . (٤) لم أجده في كتاب السنن للدار قطني . (٥) في سيرة ابن هشام (٤٣٥/١) والروض (١٨٦/٢). (٦) وقع في سيرة ابن هشام والروض : معيقب. والمثبت من ط وتهذيب الكمال للمزي وتهذيب التهذيب والتقريب لابن حجر والجرح والتعديل . ٤٠٥ باب بُدُوّ إسلام الأنصار إسحاق : فقال له مصعب : أو تجلسُ فتسمع ، فإنْ رضيتَ أمْراً قَبِلْتَه ، وإنْ كرهتَهُ كُفَّ عنك ما تكره ؟ قال : أنصفت . قال : ثم ركز حَرْبَته وجلس إليهما، فكلَّمه مُصعب بالإسلام ، وقرأ عليه القرآن ، فقالا فيما يُذكر عنهما : والله لعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلّم في إشراقه وتسهُّله . ثم قال : ما أحسن هذا وأجمله! كيف تصنعون إذا أردتُم أن تدخلوا في هذا الدين ؟ قالا له : تغتسل فتطهَّر ، وتطهِّر ثوبَيْك ثم تشهد شهادة الحق ، ثم تصلي ، فقام فاغتسل ، وطهّر ثوبيه وتشهَّد شهادة الحقّ ، ثم قام فركع ركعتَيْن ، ثم قال لهما: إنَّ ورائي رجلاً إن اتبعَكما لم يتخلَّفْ عنه أحدٌ من قومه ، وسأُرسله إليكما الآن ، سعدَ بن معاذ . ثم أخذ حربته وانصرف إلى سعدٍ وقومه وهم جلوسٌ في ناديهم ، فلما نظر إليه سعد بن مُعاذ مُقْبِلاً ، قال : أحلف بالله لقد جاءكم أَسَيد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم . فلما وقف على النادي قال له سعد: ما فعلت ؟ قال : كلَّمتُ الرجلَيْن ، فوالله ما رأيتُ بهما بأساً . وقد نهيتُهما فقالا : نفعل ما أحببت ، وقد حُدِّثت أن بني حارثة خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه ، وذلك أنهم عرفوا أنه ابنُ خالتك ليُخْفِرُو(١) ، قال: فقام سعدُ بن معاذ مُغْضَباً مبادراً تخوُّفاً للذي ذكر له من بني حارثة ، فأخذ الحربة في يده ثم قال : والله ما أراك أغْنَيْتَ شيئاً ، ثم خرج إليهما فلما رآهما سعد مطمئنَّينِ عرف أن أُسيداً إنما أراد أن يسمعَ منهما ، فوقف عليهما متشتِّماً ثم قال لأسعد بن زرارة : يا أبا أمامة ، والله لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رُمْتَ هذا مني ، أتغشانا في دارَينا بما نكره ؟ - قال : وقد قال أسعد لمصعب : جاءك والله سيدُ من وراءَهُ قومُه ، إنْ يَتَّبَعْك لا يتخلَّفْ عنك منهم اثنان - قال : فقال له مصعب : أو تقعد فتسمع ، فإنْ رضِيتَ أمراً ورغبتَ فيه قَبِلْتَه، وإنْ كرهتَه عَزْلنا عنكَ ما تكره ؟ قال سعد : أنصفت . ثم ركز الحربة وجلس ، فعرض عليه الإسلام وقرأ عليه القرآن - [وذكر موسى بن عقبة أنه قرأ عليه أول الزخرف ]٢) - قال : فعرفنا والله في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم في إشراقه وتسهُّله . ثم قال لهما : كيف تصنعون إذا أنتم أسلمتم ودخلتم في هذا الدين ؟ قالا : تغتسل فتطهّرُ وتطهِّرُ ثوبَيْك ، ثم تشهد شهادة الحق ، ثم تصلي ركعتين . قال : فقام فاغتسل ، وطهّر ثوبيه وشهد شهادة الحق ، ثم ركع ركعتين ، ثم أخذ حربته فأقبل عائداً إلى نادي قومه ومعه أُسيد بن الحُضير . فلما رآه قومُه مقبلاً قالوا : نحلف بالله لقد رجع إليكم سعدٌ بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم ، فلما وقف عليهم قال : يا بني عبد الأشهل ، كيف تعلمون أمري فيكم ؟ قالوا : سيِّدُنا وأفْضَلُنا رأياً وأيمننا نَقِيبةٌ . قال : فإنَّ كلام رجالكم ونسائكم عليَّ حرامٌ حتى تؤمنوا بالله ورسوله . قال : فوالله ما أمسى في دار بني عبد الأشهل رجلٌ ولا امرأة إلا مسلماً ومسلمة ، ورجع أسعد(٣) (١) في ح ، ط: ليحقروك، والمثبت من سيرة ابن هشام ، والإخفار نقض العهد والغدر . اللسان ( خفر ). (٢) ليس ما بين المعقوفين في سيرة ابن هشام . (٣) في ط : سعد . تصحيف ، والمثبت من ح ومصادر الخبر . ٤٠٦ باب بُدُوَّ إسلام الأنصار ومصعب إلى منزل أسعد بن زرارة فأقامُ(١) عنده يدعو٢ُ) الناس إلى الإسلام حتى لم تبق دارٌ من دور الأنصار إلا وفيها رجالٌ ونساء مسلمون ، إلا ما كان من دار بني أمية بن زيد ، وخَطْمة ، ووائل ، وواقف ، وتلك أوسُ الله، وهم من الأوس بن حارثة ، وذلك أنهم كان فيهم أبو قيس بن الأسْلَت واسمه صَيْفي - [ وقال الزُّبير بن بكَّار : اسمه الحارث، وقيل عبيد الله واسم أبيه الأسلت عامر بن جُشَم بن وائل بن زيد بن قيس بن عامر بن مرة بن مالك بن الأوس ، وكذا نسبه ابن الكلبي أيضاً ] - وكان شاعراً لهم قائداً يستمعون منه ويطيعونه ، فوقف بهم عن الإسلام حتى كان بعد الخندق . قلت : وأبو قيس بن الأسْلَت هذا ذكر له ابنُ إسحاق أشعاراً ربَّانيةٌ(٣) حسنة ، تقرب من أشعار أمية بن أبي الصَّلْت الثقفي . قال ابن إسحاق فيما تقدم(٤): ولما انتشر أمر رسولِ الله وَّل في العرب، وبلغ البلدان ذُكر بالمدينة، ولم يكن حيٌّ من العرب أعلمَ بأمر رسولِ الله ◌َّل حين ذُكر، وقبل أن يُذكر من هذا الحيِّ من الأوس والخزرج ، وذلك لما كان يسمعون من أحبار يهود . فلما وقع أمره٥) بالمدينة وتحدَّثوا بما بين قريش فيه من الاختلاف قال أبو قيس بن الأسْلت أخو بني واقف (٦) - وكان يحبُّ قريشاً ، وكان لهم صِهْراً . كانت تحته أرْنَبُ بنت أسد بن عبد العُزَّى بن قُصَيّ ، وكان يُقيم عندهم السنين بامرأته - قال قصيدةً يُعَظّم فيها الحُرْمة ، وينهَى قريشاً فيها عن الحرب ، ويذكر فضلهم وأحلامهم ، ويذكَّرهم بلاءَ الله عندهم ودَفْعَهُ عنهم الفيل وكَيْدَه، ويأمرهم بالكفِّ عن رسول الله وَّل: [من الطويل ] أيا راكباً إمَّا عرَضْتَ فبلِّغَنْ مُغَلْغَلَةً عنّي لُؤَيَّ بنَ غالبٍ(٧) رسولَ امرىءٍ قد راعَه ذاتُ بينكم على النَّأْي محزونٍ بذلك ناصِبٍ (١) في ط : فأقاما . تصحيف ، والمثبت من ح ومصادر الخبر . (٢) في ط : يدعوان . تصحيف ، والمثبت من ح ومصادر الخبر . (٣) في ط : بائية ، والمثبت من ح . (٤) في سيرة ابن هشام (٢٨٢/١) والروض (١٧/٢). (٥) في السيرة والروض : ذكره . (٦) زادت نسخة ط هنا ما نصه : قال السهيلي: هو أبو قيس صرمة بن أبي أنس ، واسم أبي أنس قيس بن صرمة بن مالك بن عدي بن عمرو بن غنم بن عدي بن النجار ، قال : وهو الذي أنزل فيه وفي عمر ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَاءِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ الآية. قال ابن إسحاق: قلت: إن إثبات هذه الزيادة خَلْطٌ شنيع وغفلةٌ فاضحة ، لأن أبا قيس بن الأسلت تقدم اسمه ونسبه قبل أسطر ، أما أبو قيس صرمة بن أبي أنس فشاعر آخر ذكره ابن هشام في السيرة (١/ ٥١٠) وساق السهيلي نسبه المذكور في هذه الزيادة في الروض (٢/ ٢٨٧) . ومن فضل الله تعالى أن هذه الزيادة ليست في ح ولعلها من تعليق أحد القراء أو النساخ والله أعلم . (٧) ((المغلغلة من الرسائل)): المحمولة من بلد إلى بلد. القاموس (غلل) وفي الروض (٢٩/٢): الداخلة إلى أقصى ما يراد بلوغه منها . ٤٠٧ باب بُدْوَ إسلام الأنصار وقد كان عندي للهموم مُعَرَّسٌ نُبِيِتُكُمْ شَرْجَيْنِ ، كلَّ قبيلة أعيذُكُم بالله من شرِّ صُنْعِكم وإظهارِ أخلاقٍ ونجوى سقيمةٍ فذكِّرْهُمُ بالله أوَّلَ وَهْلَةٍ وقلْ لهمُ واللهُ يُحكم حُكْمَهُ متى تبعثوها تبعثوها ذَميمةٌ تُقَطِّعُ أرحاماً وتُهلكُ أمَّةٌ وتستبدلوا بالأتْحَمِيَّةِ بعدَها وبالمسكِ والكافورِ غُبْراً سَوابغاً فإياكُم والحربَ لا تَعْلَقَنَّكم تزيّنُ للأقوام ثم يَرَونها (١) ولم أقض منها حاجتي وماربي لها أزْمَلٌ من بينِ مُذْكٍ وحاطِب (٢) وشرِّ تَباغيكم ودسِّ العقارب كوَخْزِ الأَشَافي وقُعُها حقُّ صائب(٣) وإحلالِ إحرام الظّياء الشوازِب(٤) ذَرُوا الحربَ تذهبْ عنكمُ في المَرَاحِبُ(٥) هي الغُولُ للأقْصَيْنَ أو للأقاربِ (٦) وتَبْرِي السَّدِيفَ من سنَامٍ وغاربٍ(٧) شَليلاً وأصْداءً ثيابَ المحارب (٨) كأنَّ قَتِيرَيْها عيونُ الجنادِبِ(٩) وحَوْضاً وخيمَ الماء مُزَّ المشارب بعاقبةِ إذْ بَيَّنتْ أمَّ صاحب(١٠) (١) (( المُعَرَّس)): المكان الذي ينزله المسافرون آخر الليل للاستراحة. القاموس (عرس). (٢) قال السهيلي في الروض (٢/ ٣٠): نبيتكم شرجين: أي فريقين مختلفين، ونبئتكم لفظ مشكل وفي حاشية الشيخ : نبيتكم شرجين ، وهو بيِّنٌ في المعنى ، وفيه زحاف خرم ، ولكن لا يعاب المعنى بذلك ، وأما لفظ التبيت في هذا البيت فبعيد من معناه . والأزمل : الصوت ، والمذكي : الذي يوقد النار ، والحاطب : الذي يحطب لها . ضرب هذا مثلاً لنار الحرب كما قال الآخر : [من الوافر] ويوشك أن يكون لها ضرامُ أرى خلل الرماد وميضَ جمرٍ وإن الحرب أولها الكلامُ فإن النار بالعودين تُذْكى (٣) ((الإشفَى)): المِثْقب يخرز به. جمعه أشافي القاموس ( شفى ). (٤) أي : إن بلدكم بلد حرام تأمن فيه الظباء الشوازب التي تأتيه من بُعْد لتأمن فيه فهي شازبة ، أي ضامرة من بعد المسافة ، وإذا لم تحلوا بالظباء فيه فأحرى ألا تحلوا بدمائكم ، وإحرام الظباء : كونها في الحرم ، يقال من دخل في الشهر الحرام ، أو في البلد الحرام: مُحْرِم. الروض (٢/ ٣٠). (٥) ((المراحب)): جمع مَرْحَب وهو من الأمكنة الواسع الفسيح انظر اللسان ( رحب ). (٦) ((الغول)): الهلاك. الروض (٢/ ٣٠) والشطر الأول من البيت صدر بيت في معلقة زهير: [من الطويل] متى تبعثوها تبعثوها ذميمة وتضرَ إذا ضريتموها فتضرم (٧) ((السَّديف)): شحم السنام، والغارب: ما بين السنام والعنق. وتبري: تُهْزِل . القاموس ( سدف، غرب، بری ) . (٨) ((الأتحمية)): ثياب رقاق تصنع باليمن . والشليل: درع قصيرة ، والأصداء : جمع صدأ الحديد . الروض (٣٠/٢) . (٩) ((القتير)): حلق الدرع، شبهها بعيون الجراد. الروض (٣٠/٢). (١٠) قال السهيلي في الروض (٢/ ٣٠): هو كقول عمرو بن معديكرب: [من الكامل] = ٤٠٨ باب بُدُوّ إسلام الأنصار تحرَّقُ لا تُشْوِي ضعيفاً وتنتحي ألم تعلموا ما كان في حَرْبِ داحِسٍ وكم ذا أصابتْ من شريفٍ مُسَوَّدٍ عظيمٍ رمادِ النارِ يُحمَد أمرُه وماءٍ هُريقَ في الضَّلال كأنما يخبِّركم عنها امرؤٌ حقّ عالمٍ فبيعوا الحِرَاب مِلْمُحاربٍ واذكروا وليُّ امرىءٍ فاختارَ ديناً فلا يَكُنْ أقيموا لنا ديناً حَنيفاً فأنتمو وأنتم لهذا الناسِ نُورٌ وعِضْمةٌ وأنتم إذا ما حُصِّلَ الناسُ جوهرٌ تصونون أجساماً كِراماً عتيقةً يرى طالبُ الحاجات نحو بيوتكم لقد علمَ الأقوامُ أنَّ سَرَاتكم وأفضلُه رأياً وأعلاه سُنّةً ذوي العِزِّ منكم بالحُتوف الصوائبُ(١) فتعتبروا أو كانَ في حَرْب حاطِبٍ طويل العِماد ضيفُه غيرُ خائب وذي شيمةٍ مَحْضٍ كريمِ المَضَارب (٢) أذاعَتْ به ريحُ الصَّبَا والجَنَائِبِ(٣) بأيامها والعلمُ علمُ التجارب حِسَابكم واللهُ خيرُ محاسب عليكم رقيباً غيرَ ربِّ الثواقب(٤) لنا غايةٌ، قد يُهتدَى بالذوائب تؤمُّون والأحلامُ غيرُ عوازب لكم سُرَّةُ البطحاء شُمُّ الأرانبِ مهذَّبة الأنسابِ غيرَ أشائب عصائبَ هَلْكَى تهتدي بعصائب على كل حالٍ خيرُ أهلِ الجباجب(٥) وأقولُه للحقِّ وسط المواكب الحرب أول ما تكون فتية حتى إذا اشتعلت وشب ضرامها شمطاء جزت رأسها فتنكرت تسعى بزينتها لكلِّ جهولٍ ولت عجوزاً غير ذات خليل مكروهة للشم والتقبيل فقوله أم صاحب : أي عجوزاً كأم صاحب لك ، إذ لا يصحب الرجلَ إلا رجلٌ في سنه . (١) ((لا تُشوي)): لا تخطىء في قتلها. وتنتحي: تقصد. القاموس ( شوي ، نحي ). (٢) ((كريم المضارب)): وفي حاشية الشيخ: لعله الضرائب. يريد جميع ضريبة ( الطبيعة)، ولا يبعد أيضاً أن يكون قال : المضارب . يريد أن مضارب سيوفه غير مذمومة ، ولا راجعة عليه إلا بالثناء والحمد والوصف بالمكارم . الروض (٣١/٢). (٣) ويروى في الصلال جمع صَلَّة ، وهي الأرض التي لا تمسك الماء . أي رب ماءٍ هريق في الضلال من أجل السراب ، لأنه لا يهريق ماء من أجل السراب إلا ضال غير مميز بمواضع الماء . وأذاعت به : أي بدَّدته فلم ينتفع به . وهذا مثل ضربه للنظر في عواقب الأمور . ويروى : وما أهريق في أمر . ومعناه والذي أهريق في أمر الضلال ، فوصل ألف القطع ضرورة . الروض (٣١/٢) . (٤) أي هو وليُّ امرىءٍ اختار ديناً، والفاء زائدة. الروض (٣١/٢). (٥) ((الجباجب)): منازل منى، وقيل هي حفر بمنى يجمع فيها دم البُدْن، والهدايا، والعرب تعظمها وتفخر بها . الروض (٣١/٢). ٤٠٩ باب بُدُوّ إسلام الأنصار بأركان هذا البيتِ بينَ الأخاشب(١) فقوموا فصلُّوا ربّكم وتمسّحوا غداةَ أبي يَكسومَ هادي الكتائب(٢) فعندكمُ منهُ بلاءٌ ومِصْدَقٌ كتيبتُه بالسَّهْلِ تُمسي ورَجْله على القاذفاتِ في رؤوسِ المناقب (٣) جنودُ المليك بين سافٍ وحاصب (٤) فلما أتاكم نصرُ ذي العرش ردَّهم إلى أهله مِلحُبْشِ غيرُ عصائب فولَّوا سِراعاً هاربين ولم يَؤُبْ يُعاشُ بها ، قولُ امرىءٍ غيرِ كاذب(٥) فإنْ تهلِكوا نهلِكْ وتَهلِكْ مواسمٌ وحَرْب داحس الذي(٦) ذكرها أبو قيس في شعره كانت في زمن الجاهلية مشهورة ، وكان سببها فيما ذكره أبو عبيدة معمرُ بن المثنَّى وغيره : أنَّ فرساً يقال له داحس ، كانت لقيس بن زهير بن جَذِيمة بن رواحة الغَطَفاني، أجراه مع فرسٍ لخُذَيفة بن بَدْر بن عمرو بن جَوَيَّهُ(٧) الغَطَفاني أيضاً ، يقال لها الغَبْراء ، فجاءتْ داحِسُ سابقاً ، فأمر حُذيفةُ من ضرب وجهها ، فوثب مالك بن زهير فلطم وجه الغبراء ، فقام حَمَلُ بنُ بَدْر فلطم مالكاً ، ثم إنَّ أبا جُنيدب العَبْسي لقي عوفَ بن حُذيفة فقتله ، ثم لقي رجلٌ من بني فزارة مالكاً فقتله ، فشبَّتِ الحرب بين بني عبس وفَزَارة، فقُتل حذيفةُ بن بدر وأخوه حَمَلُ بن بدر وجماعاتٌ آخرون ، وقالوا في ذلك أشعاراً كثيرة يطول بسطُها وذكرها . قال ابن هشام(٨): ويُقال: أَرسل قيسٌ داحساً والغبراء، وأرسل حذيفةُ الخطَّار والحَنْفاء ، والأول أصحّ . قال : وأما حَرْبُ حاطب فيعني حاطب بن الحارث بن قيس بن هَيْشَة بن الحارث بن أمية بن معاوية بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس . كان قَتَل يهودياً جاراً للخَزْرَج ، فخرج إليه يزيد(٩) بن الحارث بن قيس بن مالك بن أحمر بن حارثة بن ثعلبة بن كعب بن [ مالك بن كعب )١٠) (١) ((الأخاشب)): جمع أخشب ، وهو الجبل الخشن العظيم. والأخشبان : جبلا مكة أبو قبيس والأحمر . القاموس : ( خشب ) . (٢) (( أبو يكسوم)): صاحب الفيل المذكور في التنزيل. القاموس ( كسم). (٣) كذا في ح ، ط : القاذفات . ولعل الصواب : القُذُفات . وهي ما أشرف من رؤوس الجبال واحدتها قُذْفة كغُرْفَة . والمناقب : الجبل فيه ثنايا . اللسان ( قذف ، نقب ) . (٤) ((السافي)): الذي يرمي بالتراب، والحاصب الذي يقذف بالحصباء. الروض (٣١/٢). (٥) في هامش ح عند نهاية القصيدة ما نصه : بلغ مقابلة على الأصل المعتمد الموقوف بشيخو . (٦) كذا في ح ، ط والحرب مؤنثة وقد تذكّر . (٧) في ط : جوبة، وفي سيرة ابن هشام : جويَّة. والمثبت من الإكمال (٢/ ١٧٠) من غير همز . (١) في سيرة ابن هشام (٢٨٧/١) والروض (٢٠/٢). (٩) في ط : زيد . والمثبت من السيرة وشرح القاموس مادة فسحم . (١٠) ليس ما بين المعقوفين في سيرة ابن هشام ولا الروض ولا جمهرة الأنساب لابن حزم (ص٣١٢، ٣١٣) في ترجمته ، ولعله زيدَ وهماً . ٤١٠ باب بُدُوِ إسلام الأنصار ابن الخزرج بن الحارث بن الخزرج وهو الذي يقال له ابن فُسْحُمُ(١) في نفرٍ من بني الحارث بن الخزرج فقتلوه ، فوقعتِ الحرب بين الأوس والخزرج فاقتتلوا قتالاً شديداً ، وكان الظفر للخزرج ، وقتل يومئذ سُويد بن الصامت الأوسي ، قتله المُجَذَّر بن زياد ، حليفُ بني عوف بن الخزرج ؛ ثم كانت بنيهم حروب يطول ذِكْرُها أيضاً . والمقصود أن أبا قيس بن الأسْلَت مع علمه وفهمه لم ينتفع بذلك حين قدم مصعب بن عمير المدينة ودعا أهلها إلى الإسلام ، فأسلم من أهلها بشرٌ كثير ولم يبق دارٌ - أي محلة - من دور المدينة إلا وفيها مسلم ومسلمات غيرَ دارِ بني واقف قبيلةِ أبي قيس ، ثبَّطهم عن الإسلام ، وهو القائل أيضاً : [ من الوافر] يُلَفُّ الصَّعْبُ منها بِالذَّلُولِ أربَّ الناسِ أشياءٌ ألمَّتْ فَيَسِّرْنا لمعروفِ السبيل (٢) أربَّ الناس أمَّا إِذْ ضَلَلْنَا وما دينُ اليهودِ بذي شُكول(٣) فلولا ربنا كنّا يهوداً مع الرُّهبانِ في جَبَل الجَليل(٤) ولولا ربنا كنّا نصارَى حنيفاً دينا عن كلِّ جيل ولكنَّا خُلقنا إذْ خُلقنا نسوقُ الهَدْيَ ترسفُ مُذْعِناتٍ مكثّفةَ المناكبِ في الجلُول(٥) وحاصلُ ما يقول أنه حائرٌ فيما وقع من الأمر الذي قد سمعه من بعثةِ رسول الله بَّر فتوقّف الواقفيُّ في ذلك مع علمه ومعرفته . وكان الذي تبَّطَه عن الإسلام أولًا عبدُ الله بن أُبيِّ بن سَلُول ، بعد ما أخبره أبو قيس أنه الذي بشر به يهود ، فمنعه عن الإسلام . قال ابنُ إسحاق : ولم يسلم إلى يوم الفتح هو وأخوه وخرج . وأنكر الزُّبير بن بكَّار أن يكون أبو قيس أسلم. وكذا الواقدي(٦) ، قال : (١) في ط : قسحم . بالقاف تصحيف ، والمثبت من القاموس وشرحه: وفسحم أَمُّه ، ومعناه : الواسع الصدر . (٢) في ح، ط: إمَّا أن ضللنا. والمثبت من السيرة والروض. (٣) أراد جمع شَكْل، وشَكْل الشيء - بالفتح - هو مثله، والشِّكل بالكسر: الدَّلُّ والحُسْن، فكأنه أراد أن دين اليهود بدع ، فليس له شكول أي : ليس له نظير في الحقائق ؛ ولا مثيل يعضده من الأمر المعروف المقبول . الروض (٢٠٠/٢) . (٤) الجليل بالجيم الثُّمام، وهذا الجبل من جبال الشام معروف. الروض (٢/ ٢٠٠). (٥) ((ترسف)): تمشي مشي المقيَّد. الجلول: مفردها جل وهو ما تلبسه الدابة لتصان به . القاموس (رسف ، جلل). والأبيات في سيرة ابن هشام (٤٣٨/١) والروض (٢/ ١٨٧) وما عدا الأول برواية مختلفة في طبقات ابن سعد (٣٨٥/٤) . (٦) رواية الواقدي بأطول مما هنا في طبقات ابن سعد (٣٨٣/٤ - ٣٨٥). ٤١١ باب بُدْوَ إسلام الأنصار كان عزَمَ على الإسلام أولَ ما دعاه رسولُ اللهِّهِ، فلامَهُ عبدُ الله بن أُبَيّ ، فحلف لا يسلم إلى حَوْل فمات في ذي القعدة . وقد ذكر غيرُه فيما حكاه ابنُ الأثير في كتابه: ((أُسْد الغابة)(١) أنه لما حضرَهُ الموتُ دعاهُ النبيُّ وَّل يقول : لا إله إلا الله . (٢) إلى الإسلام فسُمع وقال الإمام أحمد (٣): حدَّثنا حسن بن موسى، حدَّثنا حماد بن سَلَمة ، عن ثابت ، عن أنس بن مالك ، أنَّ رسولَ الله وَّهِ عاد رجلاً من الأنصار، فقال: (( يا خال، قُلْ لا إله إلا الله)) فقال: أخالٌ أمْ عَمّ؟ قال: ((لا، بلْ خال)) قال: فخير لي أنْ أقولَ لا إله إلا الله؟ فقال رسولُ اللهِ وَّرَ: ((نعم)). تفرد به أحمد رحمه الله تعالى . وذكر عكرمةُ وغيرُه أنه لما تُوفِّي أراد ابنُه أن يتزوَّج امرأتَهُ كُبَيشة بنت مَعْن بن عاصم ، فسألَتْ رسولَ الله ◌ََّ في ذلك، فأنزل الله ﴿ وَلَا تَنْكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَابَآؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّ مَا قَدْ سَلَفَّ﴾ الآية٤) وقال ابن إسحاق(٥) وسعيدُ بن يحيى الأموي في ((مغازيه)): كان أبو قيس هذا قد ترهَّب في الجاهلية ولبس المسوح، وفارق الأوثان، واغتسل من الجنابة ، وتطهّر من الحائض من النساء ، وهمَّ بالنصرانية ثم أمسك عنها ، ودخل بيتاً له فاتخذه مسجداً، لا يدخل عليه فيه حائضٌ ولا جُنُب . وقال : أعْبُد إلَّه إبراهيم حين فارق الأوثان وكرهها ، حتى قدم رسولُ الله ◌َّهِ المدينة فأسلم ، فحسُن إسلامه، وهو شيخٌ كبير ، وكان قوَّالا بالحق ، معظّماً لله في جاهليّته ، يقولُ في ذلك أشعاراً حِساناً وهو الذي يقول : ( من الطويل ] يقول أبو قيسٍ وأصبحَ غادياً ألا ما استطعتُم من وَصَاتيَ فافعلوا (١) أسد الغابة (٢٧٨/٥). (٢) في ح : فسمعه ، والمثبت من ط وأسد الغابة . (٣) في مسنده (٣/ ١٥٤) رقم (١٢٥٠١) وهو حديث صحيح . (٤) سورة النساء الآية (٢٢). قلت: رواية عكرمة في تفسير الطبري (٣١٨/٤) تقول: إن الآية نزلت في أبي قيس نفسه خلف على أم عبيد بنت ضمرة ، كانت تحت الأسلت أبيه . أما رواية غيره التي تعزوها لابنه قيس فقد أخرجها البيهقي في سننه (٧/ ١٦١) عن عدي بن ثابت الأنصاري . وأخرجها أيضاً الفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني كما ذكره السيوطي في الدر المنثور (٤٦٨/٢) وذكر رواية عكرمة أيضاً ابن حجر في الإصابة ترجمة كبشة هذه إذ يقال لها كبشة وكبيشة وقال : أخرجه أبو موسى المستغفري . (٥) في سيرة ابن هشام (١/ ٥١٠) قلت: ابن إسحاق يسوق هذا الخبر بعد هجرة النبي ◌ُّر ويعزو الشعر إلى أبي قيس صِرْمة بن أبي أنس لا إلى أبي قيس بن الأسلت ، ولا أدري سبب هذا الخلط بين الشاعرين والذي نبهت عليه سابقاً ، وإني لأستبعد أن يكون وضع هذه الفقرة هنا من صنع ابن كثير بدلالة ذكره اسم صرمة في الصفحة الآتية بعد هذه ، فحق هذه الأشعار إذاً أن يكون محلّها فيما سيأتي بعد الهجرة كما ساقها ابن هشام في السيرة (١/ ٥١٠ - ٥١٢). وربما كانت قد سقطت من هناك فأعيد وضعها إلى هنا على يد أحد النساخ والله أعلم . ٤١٢ باب بُدُوِ إسلام الأنصار فأُوصيكمُ باللهِ والبرِّ والتُّقَى وإنْ قومُكم سادوا فلا تَحْسُدُنَّهُمْ وإنْ نزلتْ إحدى الدواهي بقومكم وإن نابَ غُزْمٌ فادٌ فَارْفقُوهِمُ وإن أنتمُ مَغَّرْتُمُ(١) فتعقَّفوا وقال أبو قيس أيضاً : [من الخفيف ] سبِّحوا اللهَ شرقَ كلِّ صباحٍ عالمُ السرِّ والبيانِ جميعاً وله الطيرُ تستريد وتأوي وله الوحشُ بالفَلاةِ تراها وله هؤَدَتْ يهودُ ودانَتْ وله شمَّس النصارى وقامُوا وله الراهبُ الحبيسُ تراه يا بنيَّ الأرحامَ لا تقطّعوها وانَّقوا اللهَ في ضِعاف اليتامى واعلموا أنَّ لليتيم وليّاً ثم مالَ اليتيم لا تأكلُوه وأعراضِكم، والبرُّ بالله أولُ وإنْ كنتمُ أهلَ الرِّياسةِ فاعدِلوا فأنفسَكم دونَ العشيرة فاجعلوا وما حَمَّلوكم في المُلِمَّاتِ فاحملوا وإنْ كان فضلُ الخيرِ فيكم فأفضلوا طلعتْ شمسُه وكلِّ هلالٍ ليس ما قال ربنا بضلالٍ في وكورٍ من آمناتِ الجبال(٢) في حِقافٍ وفي ظلالِ الرمالٍ(٣) كلَّ دينٍ مخافةً من عُضالٍ كلَّ عيدٍ لربِّهم واحتفالٍ(٤) رَهْنَ بؤسٍ وكان ناعمَ بالٍ(٥) وصِلُوها قصيرةً من طِوال(٦) وبما٧) يُستحَلُّ غيرُ الحلال عالماً يَهتدي بغير سؤال إنَّ مالَ اليتيم يرعاه والي (١) في ط : أمعزتم ، وفي السيرة: أمعرتم . براء مهملة ومعناه: افتقرتم ، والمثبت من ح وهو بمعناه . (٢) ((تستريد)): تطلب مواضع الكلأ. القاموس (كلأ). (٣) ((الحقاف)): جمع حِقّف، وهو ما اعوجَّ من الرمل. القاموس (حقف ). (٤) (( شمَّس النصارى)): يعني دين الشماسة، وهم الرهبان لأنهم يشمِّسون أنفسهم ، يريدون تعذيب النفوس بذلك في زعمهم . الروض (٢٨٨/٢) . (٥) في ط : أنعم . والمثبت من ح وسيرة ابن هشام . (٦) قصيرة من طوال : فيحتمل تأويلين أحدهما : أن يريد صِلوا قصرها من طولكم ، أي: كونوا أنتم طوالاً بالصلة والبر إن قصرت هي. وفي الحديث: (( أسرعكن لحوقاً بي أطولكن يداً)). أراد الطول بالصدقة والبر، فكانت صفة زينب بنت جحش . والتأويل الآخر أن يريد مدحاً لقوله بأن أرحامهم قصيرة النسب ، ولكنها من قوم طوال كما قال : أحب من النسوان كل طويلة لها نسب في الصالحين قصير الروض الأنف (٢٨٨/٢) (٧) في السيرة : ربما . وهو أشبه . ٤١٣ قصة بيعة العقبة الثانية إنَّ جَزْلَ الثُّخوم ذو عُقَّال(١) يا بَنيَّ النُّجُومَ لا تَجْزِلوها يا بنيَّ الأيامَ لا تأمنوها واعلموا أنَّ مُرَّها لِفِادِ الْـ واحذَروا مَكرها وَمَرَّ الليالي خلْقِ ما كان في جديدٍ وبال ـوى وتَرْكِ الخَنا وأخذِ الحلال واجمعوا أمرَكم على البرِّ والتَّقْـ قال ابن إسحاق (٢): وقال أبو قيس صرمة(٣) أيضاً يذكرُ ما أكرمهم الله به من الإسلام ، وما خصَّهم به من نزول رسول الله وَ ل٣ عندهم. (من الطويل ] ثوى في قريشٍ بضعَ عشرةَ حجَّةٌ يُذكِّر لو يَلقى صديقاً مُواتيا وسيأتى ذكرها بتمامها فيما بعد إن شاء الله وبه الثقة . قصة بيعة العقبة الثانية(٤) قال ابن إسحاق(٥) : ثم إنَّ مصعب بن عُمير رجع إلى مكة ، وخرج مَنْ خرج من الأنصار من المسلمين مع حُجَّاج قومهم من أهل الشِّرك حتى قدموا مكة فواعدوا رسولَ الله بِّه العقبةَ من أوسط أيام التشريق حين أراد الله بهم [ ما أراد ] من كرامته، والنَّصر لنبيِّه، وإعزاز الإسلام وأهله [ وإذلال الشِّرك وأهله ] . فحدِّثني معبد بن كعب بن مالك أنَّ أخاه عبد الله بن كعب - وكان من أعلم الأنصار - حدَّثه أنَّ أباه كعباً حدَّثه - وكان ممن شهد العقبة وبايع رسولَ الله وَ لَهبها - قال: خرجنا في حُجَّاج قومنا من المشركين، وقد صلَّينا وفقهنا ومعنا البراءُ بن معرور سيِّدُنا وكبيرُنا ، فلما وجَّهنا لسفرنا ، وخرجْنا من المدينة قال البراء : يا هؤلاء ، إني قد رأيتُ رأياً ، والله ما أدري أتوافقونني عليه أم لا ؟ قلنا : وما ذاك ؟ قال : قد رأيتُ أن لا أدعَ هذه البنيَّة مني بظَهْر - يعني الكعبة - وأنْ أصلِّي إليها. قال: فقلنا والله ما بلغنا أن نبيَّا وَّل يصلّي إلا إلى الشام ، وما نريد أن نخالفه . فقال : إنِّي لمصلٍّ إليها ، قال : فقلنا له : لكنَّا لا نفعل . قال : فكنا إذا حضرتِ الصلاةُ صلَّينا إلى الشام وصلَّى هو إلى الكعبة ، حتى قدمنا مكة . قال وقد كنَّا عبنا (١) ((التخوم)): حدود البلاد والقرى، والعقال: ما يمنع الرِّجْلَ من المشي ويعقلها. يريد أن الظُلم يخلف صاحبه ويعقله عن السباق، ويحبسه في مضايق الاحتقاق . الروض (٢٨٨/٢) وفي السيرة والروض: لا تخزلوها ... خزل . بالخاء المعجمة ، ومعناه : لا تقطعوها ، وكلا الروايتين بمعنى . (٢) في سيرة ابن هشام (١/ ٥١٢) والروض (٢٥٥/٢). (٣) سقطت هذه اللفظة من ح وهي في ط وسيرة ابن هشام . ولعل سقوطها من ح عن عمد لتوافق سياق الأبيات لأبي قيس بن الأسلت . كما تقدم في الصفحة السابقة . (٤) سقطت هذه اللفظة من ح . (٥) في سيرة ابن هشام (١/ ٤٣٨) والروض (٢/ ١٨٧) وما يأتي بين معقوفين منهما. ٤١٤ قصة بيعة العقبة الثانية عليه ما صنع ، وأبى إلا الإقامة على ذلك ، فلما قدمنا مكة قال لي : يا ابن أخي ، انطلقْ بنا إلى رسولِ الله وَّ حتى أسأله عما صنعتُ في سفري هذا، فإنه قد وقع في نفسي منه شيء لما رأيتُ من خلافِكم إيّاتي فيه. قال: فخرجنا نسألُ عن رسولِ الله ◌ِّهــ وكنّا لا نعرفُه ولم نره قبل ذلك - فَلَقِينا رجلاً من أهل مكة فسألناه عن رسولِ الله وَّر قال : هل تعرفانه ؟ فقلنا: لا . فقال : هل تعرفانِ العباس بن عبد المطلب عمَّه ؟ قال : قلنا نعم - وقد كنّا نعرفُ العباس ، كان لا يزال يقدم علينا تاجراً - قال: فإذا دخلتما المسجد فهوِ الرجلُ الجالسُ مع العباس. قال: فدخلنا المسجد وإذا العباسُ جالسٌ ورسولُ اللهِ وَلّ جالسٌ معه ، فسلَّمنا ثم جلسنا إليه، فقال رسولُ اللهِوَّ للعباس: ((هل تعرفُ هذيْن الرجلَيْن يا أبا الفضل؟» قال: نعم هذا البراءُ بن مَعْرُور سيدُ قومه، وهذا كعب بن مالك. قال: فوالله ما أنسى قولَ رسولِ اللهِلّ: ((الشاعر))؟ قال: نعم . فقال له البراءُ بن معرور: يا نبيَّ الله ، إني خرجتُ في سفري هذا ، قد هداني الله تعالى للإسلام ، فرأيتُ أن لا أجعلَ هذه البنيَّة مني بظَهْر ، فصلَّيتُ إليها وقد خالفني أصحابي في ذلك ، حتى وقع في نفسي من ذلك شيء فماذا ترى يا رسول الله؟ قال: (( قد كنتَ على قبلةٍ لو صبرتَ عليها) قال: فرجع البراءُ إلى قبلةِ رسولِ اللهِ وَ لَرٍ فصلَّى معنا إلى الشام. قال: وأهله يزعمون أنه صلَّى إلى الكعبة حتى مات ، وليس ذلك كما قالوا ، نحن أعلم به منهم . قال كعب بن مالك : ثم خرجنا إلى الحج وواعدنا رسول الله وَليل العقبة من أوسط أيام التشريق، فلما فرغنا من الحج وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله وَ ير لها١) ومعنا عبدُ الله بن عمرو بن حَرَام أبو جابر ، سيدٌ من سادتنا، أخذناه وكنَّا نكتم مَنْ معنا من قومنا من المشركين أمرنا، فكلَّمناه وقلنا له: يا أبا جابر إنك سيدٌ من ساداتنا، وشريفٌ من أشرافنا ، وإنا نرغبُ بك عما أنت فيه أن تكون حَطباً للنار غداً، ثم دعوناه إلى الإسلام، وأخبرناه بميعاد رسولِ الله وَّه إيَّنا العقبة. قال: فأسلم وشهد معنا العقبة ، وكان نقيباً . وقد روى البخاري(٢): حدَّثني إبراهيم، حدَّثنا هشام، أنَّ ابن جُرَيج أخبرهم ، قال عطاء : قال جابر : أنا وأبي وخالي(٣) من أصحاب العقبة . قال عبد الله بن محمد : قال ابنُ عيينة: أحدُهم البراءُ بن مَعْرور . (١) في ط : فيها ، والمثبت من ح والسيرة . (٢) في صحيحه ، فتح الباري (٣٨٩١) مناقب الأنصار باب وفود الأنصار إلى النبي ◌َّالقر بمكة. (٣) رواية البخاري: خالاي. وقال ابن حجر في الفتح (٧/ ٢٢٢): ووقع عند ابن التين: وخالي . بغير ألف وتشديد التحتانية وقال : لعل الواو واو المعية أي مع خالي ، ويحتمل أن يكون بالإفراد بكسر اللام وتخفيف الياء . وقال الدمياطي : أم جابر هي أنيسة بنت غنمة بن عدي ، وأخواها ثعلبة وعمرو وهما خالا جابر ، وقد شهدا العقبة الأخيرة ؛ وأما البراء فليس من أخوال جابر ، قلت ( القائل بن حجر ) : لكن من أقارب أمه وأقارب الأم يسمون أخوالا مجازاً . ٤١٥ قصة بيعة العقبة الثانية وحدثنا علي بن المَدِينيُ(١) ، حدثنا سفيان قال: كان عمرٌو يقول: سمعتُ جابر بن عبد الله يقول: شهِدَ بي خالايَ العقبة . وقال الإمامُ أحمد٢): حدَّثنا عبد الرزاق، أخبرنا مَعْمَر، عن ابن خُثَيم، عن أبي الزُّبير ، عن جابر، قال : مكث رسول الله وَ ل بمكةَ عشر سنين يتبعُ الناسَ في منازلهم ، بعُكاظ ومَجَنَّة ، وفي المواسم يقول: ((مَنْ يُؤْويني؟ مَنْ يَنْصُرُني؟ حتى أبلِّغَ رسالةَ ربِّي وله الجنَّة)) [ فلا يجدُ أحداً يؤويه ولا ينصره ]٣)، حتى إنَّ الرجلَ ليخرجُ من اليمن أو من مضر(٤) - كذا قال فيه ـ فيأتيه قومه [ وذوو رحمه ] فيقولون: احذر غلام قريش لا يفتنك، ويمشي (٥) بين رحالهم٦) ، وهم يشيرون إليه بالأصابع حتى بعثَنا الله إليه من يثرب ، فآويناه وصدَّقناه ، فيخرج الرجل منا فيؤمن به ، ويقرئه القرآن فينقلب إلى أهله فيسلمون بإسلامه ، حتى لم يبقَ دارٌ من دور الأنصار إلا وفيها رهطٌ من المسلمين يُظهرون الإسلام ، ثم ائتمروا جميعاً ، فقلنا: حتى متى نتركُ رسولَ الله وَّهَ يُطردُ في جبال مكة ويخاف؟ فرحل إليه منَّا سبعونَ رجلاً حتى قدموا عليه في الموسم فواعدناه شعبَ العقبة ، فاجتمعنا عندها٧) ، من رجل ورجلَيْن حتى توافَيَّنا فقلنا : يا رسولَ الله، علامَ نبايعك؟ قال: (( تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل ، والنفقة في العُسْر واليسر ، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وأن تقولوا في الله لا تخافون في الله لومة لائم ، وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمتُ عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة)). فقمنا إليه [فبايعناه]، وأخذ بيده أسعدُ بن زرارة - وهو من أصغرهم - وفي رواية البيهقي: وهو أصغر السبعينَ إلا أنا٨) . فقال: رويداً يا أهلَ يثرب ، فإنَّا لم نضربْ إليه أكبادَ الإبل إلا ونحنُ نعلم أنه رسولُ الله ◌ََّ، وأنَّ إخراجَهُ اليوم مفارقةُ العرب(٩) كافَّة ، وقتلُ خياركم و[ أن ] تعضَّكم السيوف، فإما أنتم قومٌ تصبرونَ على ذلك فخذوه وأجرُكم على الله، وإمَّا أنتم قوم تخافونَ من أنفسكم خيفة فذروه(١٠) . فبيِّنوا ذلك، فهو أعذَرُ لكم عند الله. قالوا: أمطْ عنّا(١) يا أسعد (١) وهي الرواية الثانية للحديث عند البخاري فتح (٣٨٩٠) مناقب الأنصار باب وفود الأنصار إلى النبي وَلا بمكة. (٢) في مسنده (٣٢٢/٣) وما يأتي بين معقوفين منه . (٣) ليس ما بين المعقوفين في ح ولا في مسند أحمد في هذه الرواية ، وهو من الرواية الثانية عند أحمد والبيهقي الآتي ذكرها. (٤) في ح : مصر . بصاد مهملة . (٥) في ط : ويمضى . والمثبت من ح ومسند أحمد . (٦) كذا في ح ، ط ، وفي المسند : رجالهم بجيم . (٧) في مسند أحمد : عليه . (٨) ما بين معترضين من رواية البيهقي في الدلائل (٢/ ٤٤٣). وقوله : إلا أنا . يعني جابرٌ وهو راوي الخبر . (٩) في ط : مناوأة للعرب . والمثبت من ح ومسند أحمد . (١٠) كذا في ط ، وفي مسند أحمد : جبينة ، وسقطت الكلمتان من ح . (١١) في ط : أبط تصحيف ، والمثبت من ح والمسند ، وفي النهاية لابن الأثير : أمط عنا : أي ابْعُدْ . ٤١٦ قصة بيعة العقبة الثانية فوالله لا ندَعُ هذه البيعة أبداً، ولا نُسلَبُها(١) أبداً. قال: فقمنا إليه فبايعناه ، وأخذَعلينا وشرط ، ويعطينا على ذلك الجنَّة . وقد رواه الإمام أحمد أيضاً - والبيهقي (٢) من طريق داود بن عبد الرحمن العطّار ، زاد البيهقي عن الحاكم - بسنده إلى يحيى بن سليم، كلاهما عن عبد الله بن عثمان بن خُثَيم عن أبي الزُّبِيرُ(٣) ، به نحوه . وهذا إسناد على شرط مسلم(٤) ولم يخرِّجوه . [ وقال البزار(٥): وروى غيرُ واحدٍ عن ابنِ خُثَيم ولا نعلمه يُروى عن جابر إلا من هذا الوج (٦) . وقال الإمام أحمد(٧) : حدَّثنا سليمان بن داود ، حدَّثنا عبد الرحمن بن أبي الزِّناد ، عن موسى بن عُقْبةُ(٨)، عن أبي الزُّبير، عن جابر، قال: كان العباسُ آخذاً بيد رسولِ اللهِ وَلَه ورسولُ الله يواثقنا ، فلما فرغنا قال رسولُ اللهِّمَ: ((أخذتُ وأعطَيْت)). وقال البزَّار(٩): حدَّثنا محمد بن معمر ، حدَّثنا قَبِيصة ، حدَّثنا سفيان - هو الثوري - عن جابر - يعني الجُعْفي - وداودُ ١٠) - وهو ابنُ أبي هند - عن الشعبي، عن جابر - يعني ابنَ عبد الله - قال: قال رسولُ الله وَلّ النقباء من الأنصار: ((تُؤْووني وتمنعوني؟)) قالوا: نعم، فمالنا؟ قال: ((الجنَّة)). ثم قال(١١): لا نعلمه يُروى إلا بهذا الإسناد عن جابر . ثم قال ابنُ إسحاق (١٢) ، عن معبد ، عن عبد الله عن أبيه كعب بن مالك ، قال : فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا ، حتى إذا مضى ثلثُ الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسولِ اللهِ وَ لَهَ نتسلَّلُ تسلُّلَ القَطَّا مُسْتَخفين ، حتى اجتمعنا في الشِّعْب عند العقبة ، ونحن ثلاثة وسبعون رجلاً ومعنا امرأتانٍ من نسائنا : (١) في ح: ولا نستقيلها، وهي رواية البيهقي وفيه: نستقبلها. بالموحّدة تصحيف. (٢) مسند أحمد (٣٣٩/٣) ودلائل النبوة للبيهقي (٤٤٢/٢). (٣) في ط : عن أبي إدريس. تحريف ، والمثبت من ح ومسند أحمد ودلائل البيهقي . (٤) في ط: ((إسناد جيد على شرط مسلم))، وما أثبتناه من ح ، وهو الأصوب. (٥) قول البزار هذا في كشف الأستار للهيثمي (٣٠٨/٢) وأخرجه أيضاً فيه (١٧٥٦) الهجرة والمغازي باب البيعة على الحرب . (٦) ليس ما بين المعقوفين في ح ، ولعلها ملاحظة كتبت على الهامش فدخلت النص. (٧) في المسند (٣٩٦/٣)، وإسناده حسن . (٨) في ط : موسى بن عبد الله . تحريف ، والمثبت من ح ومسند أحمد وترجمة موسى بن عقبة في تهذيب الكمال (١١٥/٢٩). (٩) في كشف الأستار (١٧٥٥) الهجرة والمغازي باب البيعة على الحرب. (١٠) في ط : عن داود. تحريف، والمثبت من ح وكشف الأستار . (١١) يعني البزار . (١٢) في سيرة ابن هشام (١/ ٤٤١). ٤١٧ قصة بيعة العقبة الثانية نُسَيبة بنتُ كعب أُ عمارة ، إحدى نساء بني مازن بن النجّار ، وأسماء ابنة عمرو بن عدي بن نابي ، إحدى نساء بني سَلِمة ، وهي أمُّ مَنيع . وقد صرَّح ابنُ إسحاق في روايةٍ يونس بن بُكير عنه بأسمائهم وأنسابهم ، وما ورد في بعض الأحاديث أنهما كانوا سبعين ، فالعرب كثيراً ما تحذف الكسر . وقال عروة بن الزبير وموسى بن عقبة (١): كانوا سبعين رجلاً، وامرأة واحدة . قال : منهم أربعون من ذوي أسنانهم ، وثلاثون من شبابهم . قال : وأصغرهم أبو مسعود ، وجابر بن عبد الله . [ وقول محمد بن إسحاق: إنهم خمسة وسبعون أثبت]٢) . قال كعب بن مالك(٣): فاجتمعنا في الشّعب ننتظرُ رسولَ الله ◌ِّ حتى جاءنا ومعه العباس بن عبد المطلب وهو يومئذ على دينِ قومه ، إلا أنه أحبّ أن يحضُرَ أمرَ ابنِ أخيه ويتوثَّق له ، فلما جلس كان أوَّل متكلِّم العباسُ بن عبد المطلب فقال : يا معشر الخزرج - قال: وكانتِ العرب إنما يسمُّون هذا الحيَّ من الأنصار الخزرجَ خزرجَها وأَوْسَها - : إنَّ محمداً منا حيث قد علمتم ، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه ، فهو في عزَّ من قومه ، ومنَعة في بلده ، وإنه قد أبَى إلا الانحيازَ إليكم واللحوقَ بكم ، فإنْ كنتم ترَوْن أنكم وافُونَ له بما دعوتموه إليه ومانعوه ممن خالفه ، فأنتم وما تحمَّلتم من ذلك ؛ وإن كنتم ترَوْن أنكم مُسْلموه وخاذلوه بعد الخروجِ إليكم فمن الآن فدَعُوه ، فإنه في عزَّ ومنَعَةٍ من قومه وبلده . قال : فقلنا له : قد سمعنا ما قلت ، فتكلَّم يا رسول الله ، فخذْ لنفسك ولربِّك ما أحببت . قال: فتكلَّم رسولُ الله وَّه فتلا القرآن ودعا إلى الله ورغَّب في الإسلام. قال: (( أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعونَ منه نساءكم وأبناءكم )) قال: فأخذ البراءُ بن معرور بيده ثم قال : نعم . فوالذي بعثك بالحق لنمنعنَّك مما نمنعُ منه أُزُرَنا(٤) : فبايعنا يا رسولَ الله فنحن والله أبناء الحروب وأهل الحَلْقَةُ(٥) ، ورثناها كابراً عن كابر، قال : فاعترض القولَ والبراءُ يكلِّم رسولَ اللهِ وَّل أبو الهيثم بن التَّيَّهان فقال: يا رسول الله، إنَّ بيننا وبين الرجال حبالاً وإنَّا قاطعوها - يعني اليهود - فهل عسيتَ إن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ قال: فتبسَّم رسولُ اللهِ مَّهِ ثم قال: ((بل الدَّمَ الدَّم، والهَدْمَ (١) روايتهما في دلائل النبوة للبيهقي (٤٥٤/٢). ٢١) سقط ما بين المعقوفين من ط . (٣) رجع الحديث إلى رواية ابن إسحاق في سيرة ابن هشام (١/ ٤٤١). (٤) ((أزرنا)): أي نساءنا وأهلنا، كنَّى عنهنّ بالأزر. وقيل أراد أنفسنا، وقد يكنَّى عن النفس بالإزار، ومنه حديث عمر : كتب إليه من بعض البعوث أبيات في صحيفة منها : فدى لك من أخي ثقة إزاري ألا أبلغ أبا حفص رسولاً أي أهلي ونفسي. النهاية لابن الأثير (٤٥/١). .) ((الحلقة)): أي السلاح. النهاية لابن الأثير (١/ ٤٢٧). ٤١٨ قصة بيعة العقبة الثانية الهَدْمُ(١)، أنا منكم وأنتم مني، أحاربُ مَن حاربتم وأسالمُ مَنْ سالمتم)). قال كعب: وقد قال رسولُ اللهِ وَلّل: ((أخرجوا إليَّ منكم اثني عَشَر نقيباً يكونون على قومهم بما فيهم)) . فأخرجوا منهم اثني عشر نَقِيباً ، تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس . قال ابن إسحاق(٢) : وهم أبو أمامة أسعد بن زرارة المتقدم ، وسعد بن الربيع بن عمرو بن أبي زُهير بن مالك بن امرىء القيس بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج ، وعبد الله بن رواحة بن امرىء القيس [ بن عمرو بن امرىء القيس ]٣) بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج ، ورافع بن مالك بن العَجْلان المتقدم ، والبراء بن معرور بن صخر بن خَنْساء بن سنان بن عُبيد بن عدي بن غَنْم بن كعب بن سلمة بن سعد بن عليّ بن أسد بن ساردة بن تَزيد بن جُشَم بن الخزرج ، وعبد الله بن عمرو بن حَرَام بن ثعلبة بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة ، وعبادة بن الصامت المتقدم ، وسعد بن عبادة بن دُليم بن حارثة بن [ أبي ] حَزيمة (٤) بن ثعلبة بن طَرِيف بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج ، والمنذر بن عمرو بن خُنَيس بن حارثة بن لَوْذان بن عبد ودّ بن زيد بن ثعلبة بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج . فهؤلاء تسعةٌ من الخزرج ، ومن الأوس ثلاثة وهم : أُسَيد بن حُضير بن سماك بن عتيك بن رافع بن امرىء القيس بن زيد بن عبد الأشهل بن جشم بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس ، وسعد بن خَيْثَمة بن الحارث بن مالك بن كعب بن النخَّاط بن كعب بن حارثة بن غَنْم بن السَّلْم بن امرىء القيس بن مالك بن الأوس ، ورفاعة بن عبد المنذر بن زَنْبَر(٥) بن زيد بن أمية بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس . (١) (( الهَدْم)): يُروى بسكون الدال وفتحها، فالهدَم بالتحريك: القَبْر، يعني أني أُقبر حيث تقبرون ، أو هو كحديث الآخر: ((المحيا محياكم والممات مماتكم)) أي لا أفارقكم . والهدْم بالسكون والفتح أيضاً : هو إهدار دم القتيل ، يُقال : دماؤهم بنيهم هَدْم: أي مُهْدَرة . والمعنى : إن طُلب دَمُكم فقد طُلب دمي ، وإن أهدر دمكم فقد أهدر دمي الاستحكام الألْفَة بيننا ، وهو قول معروف للعرب ، يقولون : دمي دمك وهدمي هدمك ، وذلك عند المعاهدة والنصرة . النهاية لابن الأثير (٢٥١/٥) والروض (٢٠٢/٢) . (٢) سيرة ابن هشام (١/ ٤٤٣) والروض (١٨٩/٢). (٣) ما بين معقوفين من سيرة ابن هشام والروض . (٤) في ط: خزيمة تصحيف، والمثبت من ح وسيرة ابن هشام وشرح السيرة لأبي ذر، والإكمال (١٤١/٣) وضبطه : أوله حاء مهملة مفتوحة بعدها زاي مكسورة وقال: أبو ثابت أحد السبعين الذين بايعوا رسول الله وَ له ليلة العقبة وأحد النقباء الاثني عشر . (٥) في ط: زنير، وفي السيرة والروض: زبير، وكلاهما تصحيف، والمثبت من ح والإكمال (٤/ ١٦٧) وضبطه فيه : زنبر بفتح الزاي وبعدها نون ساكنة وباء مفتوحة . ٤١٩ قصة بيعة العقبة الثانية قال ابنُ هشامُ (١): وأهل العلم يعدُّون فيهم أبا الهيثم بن التَّيِّهان بدَلَ رفاعة هذا. وهو كذلك في رواية يونس، عن ابن إسحاق. واختاره السُّهيلي وابنُ الأثير في ((أسد الغابة)(٢) ثم استشهد ابنُ هشامُ(٣) على ذلك بما رواه عن أبي زيد الأنصاري فيما ذكره من شعر كعب بن مالك في ذكر النقباء الاثني عشر هذه الليلة - ليلة العقبة الثانية - حين قال : [ من الطويل ] وحان غداةَ الشّعبِ والحَيْنُ واقِعُ(٤ ) أبلغْ أَبَيّاً أنَّهُ فالَ رأيُه أبَى اللهُ ما منَّتْكَ نفسُك إنه وأبلغْ أبا سفيانَ أنْ قد بدا لَنا فلا ترغَبَنْ في حشدِ أمرٍ تُريده ودونَك فاعلمْ أنّ نقضَ عهودنا أباهُ البراءُ وابنُ عمرو كلاهما وسعدٌ أباه الساعديُّ ومنذِرٌ وما ابنُ ربيعٍ إن تناولتَ عهدَه وأيضاً فلا يعطيكهُ ابنُ رَواحة وفاءً به ، والقوقليّ بنُ صامتٍ أبو هيثم أيضاً وفيٍّ بمثلها وما ابنُ حُضيرٍ إنْ أردتَ بمَطْمَعٍ وسعدُ أخو عمرو بن عوف فإنه أولاكَ نجومٌ لا يُغِبُّك منهمُ بمرصادِ أمرِ الناس راءٍ وسامعُ بأحمد نورٌ من هُدى الله ساطعُ وألِّبْ وجمِّعْ كلَّ ما أنت جامعُ أباه عليكَ الرهطُ حينَ تتابعوا وأسعدُ يأباه عليكَ ورافعُ لأنفِك إنْ حاولتَ ذلك جادِعُ بِمُسْلِمِهِ لا يطمعَنْ ثَمَّ طامعُ وإخفارُه من دونه السمُّ ناقع بمندوحةٍ عمَّا تُحاولُ يافعُ(٥) وفاءً بما أعطىٍ من العهدِ خانع فهل أنتَ عن أُحموقةِ الغي نازع ضَروحٌ لما حاولتَ مِلأمرٍ مانعُ(٢) عليكَ بنحسٍ في دُجى الليل طالع قال ابنُ هشامُ(٧) : فذكر فيهم أبا الهيثم بن التَّيِّهان ولم يذكُزْ رفاعة . قلت : وذكر سعد بن معاذ وليس من النقباء بالكلية في هذه الليلة ، والله أعلم . وروى يعقوب بن سفيان عن يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب عن مالك ، قال : كان الأنصار ليلة (١) في السيرة النبوية (٤٤٥/١) والروض (١٩٠/٢). (٢) أسد الغابة (٢٨٠/٥). (٣) في السيرة (٤٤٥/١) والروض: (١٩٠). (٤) فال رأيه : ضعف وأخطأ. والحَيْن: الهلاك والمِحنة . القاموس ( فيل ، حين ). (٥) ((القوقلي)): نسبة إلى قوقل وهو أبو بطن من الأنصار سمِّي به لأنه كان إذا أتاه إنسان يستجير به أو بيثرب قال له قَوْقِلْ في هذا الجبل وقد أمنت ، أي : ارتقِ . وهم القواقلة . القاموس ( قوقل ) . (٦) ((الضَّرُوح)): الدفوع المنوع. القاموس (ضرح) وفي ح: للأمر. (٧) في السيرة (٤٤٥/١) والروض (٢/ ١٩١). ٤٢٠ قصة بيعة العقبة الثانية العقبة سبعين(١) رجلاً ، وكان نقباؤهم اثني عشر نقيباً تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس . وحدثني شيخٌ من الأنصار أن جبريل عليه السلام كان يُشير إلى رسول الله وَّه إلى مَنْ يجعله نقيباً ليلة العقبة، وكان أُسيد بن حُضير أحد النقباء تلك الليلة . رواه البيهقي(٢) وقال ابنُ إسحاق (٣): فحدَّثني عبد الله بن أبي بكر أنَّ رسولَ الله وَ لّ قال للنقباء: ((أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم ، وأنا كفيلٌ على قومي )) . قالوا : نعم . وحدَّثني عاصم بن عمر بن قتادة أنَّ القوم لما اجتمعوا لبيعةِ رسولِ الله وَّ قال العباس بن عُبادة بن نَضْلَة الأنصاري أخو بني سالم بن عوف: يا معشر الخَزْرج ، هل تدرون علامُ(٤) تبايعون هذا الرجل ؟ قالوا : نعم . قال : إنكم تبايعونه على حَرْب الأحمر والأسود من الناس ، فإنْ كنتم ترَوْن أنكم إذا نُهكتْ أموالُكُم مُصِيبً وأشرافُكم قتلاً أسلمتموه ، فمن الآن ، فهو والله إنْ فعلتم خزْيُ الدنيا والآخرة ، وإنْ كنتم ترون أنكم وافُون له بما دعوتموه إليه على نَهْكَةِ الأموال وقتل الأشراف فخذوه ، فهو والله خيرُ الدنيا والآخرة . قالوا : فإنا نأخذُه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفَّينا ؟ قال: ((الجنَّة )) قالوا : ابْسُطْ يدَك . فبسط يده فبايعوه . قال عاصم بن عمر بن قتادة : وإنما قال العباس بن عبادة ذلك ليشدّ العقد فى أعناقهم . وزعم عبد الله بن أبي بكر أنه إنما قال ذلك ليؤخِّر البيعة تلك الليلة ، رجاءَ أن يحضُرَها عبد الله بن أُبَي بن سَلُول سيِّدُ الخزرج ليكون أقوى لأمر القوم ، فالله أعلم أيّ ذلك كان . قال ابن إسحاق(٥): فبنو النجَّار يزعمون أن أبا أمامة أسعد بن زرارة كان أوَّلَ مَنْ ضرب على يده . وبنو عبد الأشهل يقولون : بل أبو الهيثم بن التَّيِّهان . قال ابن إسحاق (٦): وحدَّثني معبد بن كعب ، عن أخيه عبد الله ، عن أبيه كعب بن مالك قال : فكان أول من ضرب على يد رسولِ اللهِوَ﴿ البرَاءُ بن مَعْرور ، ثم بايع القوم . وقال ابنُ الأثير في («أسد الغابة (٧): وبنو سلمة يزعمون أنَّ أول من بايعه ليلتئذٍ كعب بن مالك . وقد ثبت في صحيح البخاري ومسلم(٨) من حديث الزُّهْري ، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب ، (١) في ط : سبعون . والمثبت من ح ودلائل البيهقي. (٢) في الدلائل (٤٥٣/٢). (٣) في سيرة ابن هشام (١/ ٤٤٦) والروض (٢/ ١٩١). (٤) في ح : على ما . (٥) في سيرة ابن هشام (١/ ٤٤٧) والروض (٢/ ١٩١). (٦) في سيرة ابن هشام (١/ ٤٤٧) والروض (٢/ ١٩١). (٧) انظر الكامل (١٠٠/٢). (٨) فتح الباري (٣٨٨٩) مناقب الأنصار باب وفود الأنصار إلى النبي وَلقر بمكة، وصحيح مسلم (٥٣ - ٢٧٦٩) التوبة =