النص المفهرس
صفحات 381-400
٣٨١ فصل في ذهابه وما إلى أهل الطائف فصل في ذهابه مثلّ إلى أهل الطائف يدعوهم إلى دين الله فردوا عليه ذلك ولم يقبلوه منه فرجع عنهم إلى مكة قال ابن إسحاق (١): فلما هلك أبو طالب نالت قريشٌ من رسولِ اللهِ وَّ من الأذى ما لم تكنْ تنالُ منه في حياة عمِّه أبي طالب، فخرج رسولُ اللهِ وَّهِ إلى الطائف يلتمسُ من ثقيف النُّصْرَة والمَنَعة بهم من قومه . ورجاءً أن يقبلوا منه ما جاءهم به من الله تعالى ، فخرج إليهم وحدَه ؛ فحدَّثني يزيد بن أبي زياد ، عن محمد بن كعب القُرَظي قال: لما انتهى رسولُ الله ◌َِّ إلى الطائف عَمَد إلى نفرٍ من ثقيف هم سادةٌ ثقيف وأشرافُهم ، وهم إخوة ثلاثة : عبد يا ليل ، ومسعود ، وحبيب بن عمرو بن عمير بن عَوْف بن عُقْدَة بن غِيَرة بن عوف بن ثَقيف . وعند أحدهم امرأةٌ من قريش ، من بني جُمَح ، فجلس إليهم فدعاهم إلى الله وكلَّمهم لما جاءهم له من نُصرته على الإسلام والقيام معه على مَنْ خالفه من قومه ، فقال أحدهم - هو يَمْرُطُ ثيابَ الكعبة (٢) -: إنْ كان الله أرسلك. وقال الآخر : أما وَجَد الله أحداً أرسله غيرَك ؟ وقال الثالث : والله لا أكلِّمك أبداً؛ لئن كنتَ رسولًا من الله كما تقول لأنت أعظمُ خَطَراً من أنْ أَرُدَّ عليك الكلام، ولئن كنتَ تكذِبُ على الله ما ينبغي لي أنْ أكلِّمَك. فقام رسولُ اللهِوَ لّ من عندهم وقد يئس من خَيْرِ ثقيف، وقد قال لهم - فيما ذُكر لي - : ((إنْ فعلتم ما فعلتم فاكتُمُوا عليّ(٣))) وكره رسولُ اللهَوَّل أن يبلغ قومه عنه فَيُذْئِرَهُمُ(٤) ذلك عليه . فلم يفعلوا ، وأغْرَوْا به سفهاءهم وعَبيدَهم يسبُّونه ويَصِيحون به ، حتى اجتمع عليه الناس وألجؤوهُ إلى حائطٍ لعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وهما فيه ، ورجع عنه من سفهاء تَقِيف مَنْ كان يتبعه . فَعَمَد إلى ظلِّ حَبَلٍ(٥) من عِنب ، فجلس فيه وابنا ربيعةَ ينظران إليه ويريانٍ ما لَقي من سفهاء أهل الطائف، وقد لقي رسولُ اللهِوَ ل ◌ّه ـ فيما ذُكر لي - المرأةَ التي من بني جُمَح، فقال لها: (( ماذا لَقِينا من أحْمائك(٦) ؟! فلما اطمأنَّ قال - فيما ذُكر - : ((اللهمَّ إليك أشكو ضَعْفَ قُوَّتي، وقِلَّة حيلتي، وهَوَاني على الناس )) ؛ يا أرحم الراحمين ، أنت ربُّ المستضعفين ، وأنت ربِّي، إلى مَنْ تَكِلُني؟! إلى بعيدٍ (١) في سيرة ابن هشام (٤١٩/١) والروض (٢/ ١٧٢). (٢) في الأساس ( مرط ): فلان يمرط ما يجده ويمترطه: يجمعُه . ويقال : مرَّط الثوب ، قصَّر كُمَّيْه فجعله مِرْطاً . القاموس ( مرط ) . (٣) في سيرة ابن هشام : إذا فعلتم ما فعلتم فاكتموا عني . (٤) يقال : أذأرتُ الرجل بصاحبه : أي حرَّشتُه وأوْلَعْتُه به وجرَّأْتُه عليه . الصحاح ( ذار). (٥) (( الحَبَلة)): الكرمة، والحَبَل: شجر العنب. الروض (١٧٧/٢) والقاموس (حبل ). (٦) إسناده ضعيف لضعف يزيد بن أبي زياد . ٣٨٢ فصل في ذهابه مهنة إلى أهل الطائف يتجَهَّمُني ، أم إلى عدوّ ملَّكْتَهُ أمْرِي ؟ إنْ لم يكنْ بك غضبٌ عليَّ فلا أُبالي ، ولكنْ عافيتُك هي أوسعُ لي ، أعوذُ بنورِ وجهك الذي أشرقتْ له الظلمات (١)، وصَلَح عليه أمْرُ الدنيا والآخرة ، من أنْ تُنْزل بي غضَبَك، أو يَحِلَّ عليَّ سَخَطُك ، لك العُثْبَى حتى ترضى، ولا حولَ ولا قُوَّةَ إلا بك)(٢) قال : فلما رآه ابنا ربيعةَ عتبةُ وشيبةُ ، وما لَقِيَ تحركتْ له رَحِمُهما ، فدَعَوْا غلاماً لهما نصرانياً يقال له عدَّاس فقالا له : خُذْ قِطْفاً من هذا العِنَب فضَعْهُ في هذا الطبق ، ثم اذهب به إلى ذلك الرجل فقل له يأكل منه. ففعل عدَّاس، ثم ذهب به حتى وضعه بين يدي رسولِ الله ◌ِّ ثم قال له: كُلْ. فلما وضع رسولُ الله وَلَ يده فيه قال: ((بسم الله)). ثم أكل، فنظر عدَّاسٌ في وجهه ثم قال: واللهِ إنَّ هذا الكلامَ ما يقولُهُ أهلُ هذه البلاد! فقال له رسولُ الله ◌ِّهِ: ((ومن أهلِ أَيِّ بلادٍ أنتَ يا عدَّاس وما دينُك)) ؟ قال: نَصْرَاني، وأنا رجلٌ من أهلِ نِينَوَى. فقال رسولُ اللهِوَّهِ: ((من قريةِ الرجلِ الصالحِ يُونُس بن متَى)). فقال له عدَّاس: وما يُدريك ما يونسُ بن متى؟ فقال رسولُ الله ◌ِ ◌ّرَ ذلك أخي، كان نبيّاً وأنا نبيّ. فأكبَّ عدَّاس على رسولِ الله ◌ِ لّه يِقْبِّلُ رأسَه ويدَيْه وقدمَيْهُ(٣) قال : يقولُ ابنا ربيعة أحدهما لصاحبه : أمَّا غلامك فقد أفسدَهُ عليك. فلما جاءهما عدَّاس قالا له : ويلك يا عدّاس ، مالك تقبّلُ رأسَ هذا الرجل ويدَيْه وقدميه ؟ قال : يا سيدي ، ما في الأرض شيءٌ خيرٌ من هذا ، لقد أخبرني بأمرٍ ما يعلمه إلا نبيّ ! قالا له : ويحك يا عداس ، لا يصرفنَّك عن دينك ، فإنَّ دينَكَ خيرٌ من دينه . وقد ذكر موسى بن عُقبة نحواً من هذا السياق ، إلا أنه لم يذكرِ الدُّعاء ، وزاد : وقعد له أهلُ الطائف صفَّين على طريقه ، فلما مرّ جعلوا لا يرفعُ رجلَيْه ولا يضعهما إلا رضخوهما بالحجارة حتى أدْمَوْه ، فخلص منهم وهما يسيلانِ بالدماء ، فعمد إلى ظلِّ نخلةٍ وهو مكروب ، وفي ذلك الحائط عتبة وشيبة ابنا ربيعة ، فكره مكانهما لعداوتهما الله ورسوله . ثم ذكر قصة عدَّاس النصراني كنحو ما تقدَّم . وقد روى الإمام أحمد(٤) عن أبي بكر بن أبي شيبة ، حدَّثنا مروان بن معاوية الفَزَاريّ ، عن عبد الله (١) معنى الوجه وإشراق الظلمات: أما الوجه إذا جاء ذكره في الكتاب والسنة فهو ينقسم في الذكر إلى موطنين : موطن تقرّب واسترضاء بعمل كقوله تعالى: ﴿ يُرِيدُونَ وَجْهَةٌ﴾ وكقوله ﴿إِلَّا أَبِغَاءَ وَجْهِ رَبِهِ الْأَعْلَى﴾، فالمطلوب في هذا الموطن : رضاه وقبوله للعمل ، وإقباله على العبد العامل ؛ وأصله أن من رضي عنك أقبل عليك ، ومن غضب عليك أعرض عنك ولم يرك وجهه . والموطن الثاني : ما ظهر إلى القلوب والبصائر من أوصاف جلاله ومجده ، والوجه لغة ما ظهر من الشيء معقولاً كان أو محسوساً ، تقول : هذا وجه المسألة ، ووجه الحديث ، أي الظاهر إلى رأيك منه. الروض (١٧٨/٢). (٢) ذكر دعاء الطائف هذا الحافظ الهيثمي في ((مجمع الزوائد » (٦/ ٣٥) وفيه تدليس ابن اسحاق. فالحديث ضعيف . (٣) قال السهيلي في الروض (١٧٩/٢): وزاد التميمي فيها أنَّ عدَّاساً حين سمعه يذكر يونس بن متَّى قال: والله لقد خرجت منها - يعني نينوى - وما فيها عشرة يعرفون ما متَّى، فمن أين عرفت أنت متَّى، وأنت أمي ، وفي أمة أمِّيَّة ؟. (٤) في مسنده (٣٣٥/٤). ٣٨٣ فصل في ذهابه : إلى أهل الطائف ابن عبد الرحمن الطائفي ، عن عبد الرحمن بن خالد بن أبي جَبَل(١) العَدَوانيّ ، عن أبيه ، أنه أبصر رسولَ الله ◌ِّرَ في مَشْرِق ثقيف ، وهو قائم على قوس - أو عصا - حين أتاهم يبتغي عندهم النصر، فسمعته يقول: ﴿وَلْتَمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ [الطارق: ١]. حتى ختمها. قال: فوعَيْتُها في الجاهليّة وأنا مشرك، ثم قرأتُها في الإسلام . قال : فدعتني ثقيفٌ فقالوا : ماذا سمعتَ من هذا الرجل ؟ فقرأتُها عليهم ، فقال مَنْ معهم من قريش : نحن أعلم بصاحبنا ، لو كنّا نعلم ما يقولُ حقّاً لاتبعناه . وثبت في الصحيحَيْن (٢) من طريق عبد الله بن وَهْب ، أخبرني يونس بن يزيد ، عن ابن شهاب قال : أخبرني عروة بن الزُّبير أنَّ عائشة حدَّثَتْه أنها قالَتْ لرسولِ الله وَّه: هل أتى عليك يومٌ كان أشدَّ عليكَ من يوم أُحُد ؟ قال : (( ما لقيتُ من قومك كانَ أشدَّ منه يومُ العقبةُ(٣) ، إذْ عرضتُ نفسي على ابنِ عَبْدِ يا ليلَ بن عبدَ كُلال ، فلم يُجِبْني إلى ما أردت ، فانطلقت وأنا مهمومٌ على وَجْهي ، فلم أستفق إلا وأنا بقَرْنِ الثعالب ، فرفعتُ رأسي ، فإذا أنا بسحابةٍ قد أظلَّتْني ، فنظرتُ فإذا فيها جِبْرِيلُ عليه السلام ، فناداني فقال : إنَّ الله قد سمع قولَ قَوْمِكَ لك، وما ردُّوا عليك، وقد بعث إليك مَلَك الجِبال، لتأمُرَهُ بما شئتَ فيهم . ثم ناداني مَلَكُ الجبال فسلّم عليَّ ثم قال: يا محمد(٤)، إنَّ الله قد سمع قولَ قومِكَ لك، وأنا مَلَك الجبال قد بعثني إليك ربُّك لتأمرني بما شئت، إنْ شئتَ تطبق عليهم الأخْشَبَيْن(٥) ؟ فقال رسولُ الله مِ *: «بل أرجو أن يُخرِجَ اللهُ من أصلابهم مَنْ يعبُدَ اللهَ لا يُشرك به شيئاً)). فصل وقد ذكر محمد بن إسحاق(٦) سماع الجن لقراءة رسولِ الله وَل * وذلك مرجعه من الطائف حين بات بنَخْلَة وصلَّى بأصحابه الصُّبْحِ ، فاستمع الجنُّ الذين صُرفوا إليه قراءته هنالك . (١) قال ابن حجر في الإصابة في ترجمة خالد بن أبي جبل : بفتح الجيم والموخَّدة ، ووقع في رواية البخاري وابن البرقي: جيل . بكسر الجيم بعدها تحتانية ساكنة ، ورجّح ابن ماكولا الأول والخطيب الثاني . (٢) فتح الباري (٣٢٣١) بدء الخلق باب إذا قال أحدكم آمين ، وصحيح مسلم (١٧٩٥) (١١١) الجهاد والسير باب ما لقي النبي ◌َّ من أذى المشركين والمنافقين. (٣) كذا في ح ، ط ، ولفظ البخاري هكذا : لقد لقيتُ من قومك ما لقيت، وكان أشدَّ ما لقيت منهم يوم العقبة)). وكذا رواية مسلم إلا أنه ليس فيه قوله: (( ما لقيت)) ، وكذلك هي في إحدى روايات البخاري ، كما يظهر من إشارة في النسخة اليونينية . (٤) زادت ط هنا ما نصه : قد بعثني الله وليست هذه الزيادة في ح ولا في الصحيحين . (٥) ((الأخشبان)): جبلا مكة، أبو قبيس والذي يقابله وكأنه فعيقعان، وقال الصغاني: بل هو الجبل الأحمر الذي يشرف على قعيقعان، ووهم من قال ثور كالكرماني ، وسُمِّيا بذلك لصلابتهما وغلظ حجارتهما. فتح الباري (٣١٦/٦). (٦) سيرة ابن هشام (٤٢١/١) والروض (١٧٣/٢). ٣٨٤ فصل في ذهابه مية إلى أهل الطائف قال ابنُ إسحاق : وكانوا سبعةَ نَفَر، وأنزل الله تعالى فيهم قوله: ﴿ وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيَّكَ نَفَرًّا مِّنَ آلْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءَانَ﴾ [الأحقاف: ٢٩]. قلت : وقد تكلَّمنا على ذلك مستقصىّ في التفسير ، وتقدَّم قطعةٌ من ذلك . والله أعلم . ثم دخل رسولُ الله ◌َِّ مكة مَرْجِعَهُ من الطائف في جوار المُطْعِم بن عدي ، وازداد قومُه عليه حَنَقَاً وغيظاً وجرأة وتكذيباً ، وعناداً ، والله المستعانُ وعليه التُّكْلان . وقد ذكر الأموي في ((مغازيه)) أنَّ رسولَ الله ◌َ ◌ّه بعث عبد الله بن أُريقط إلى الأخنس بن شَرِيق يطلبُ منه أن يُجيرَهُ بمكة . فقال: إنَّ حليفَ قريش لا يُجيرُ على صَميمها . ثم بعثه إلى سُهيل بن عمرو ليجيرَهُ فقال : إنَّ بني عامرِ بنِ لُؤي لا تجيرُ على بني كعب بن لؤي. فبعثه إلى المُطِعِم بن عدي ليجيرَه فقال: نعم ، قل له فلْيأَتِ . فذهب إليه رسولُ الله ◌ِ لّه فبات عنده تلك الليلة، فلما أصبح خرج معه هو وبنوه ستة - أو سبعة - متقلدي السيوف جميعاً، فدخلوا المسجد وقالوا لرسولِ الله ◌ِّ: طُفْ واحْتَبَوْا بحمائل سيوفهم في المطاف، فأقبل أبو سفيان إلى مُطْعِم. فقال: أمجيرٌ أو تابع(١) ؟ قال: لا بلْ مُجير. قال إذاً لا تُخْفَر. فجلس معه حتى قَضَى رسولُ الله ◌َ لّ طوافه؛ فلما انصرف انصرفوا معه. وذهب أبو سفيان إلى مجلسه . قال : فمكث أياما ثم أذن الله له في الهجرة، فلما هاجر رسول الله وَّه إلى المدينة تُوفِّي مطعم بن عدي بعدَهُ بيسير ، فقال حسان بن ثابت: والله لأرْثِيَنَّه فقال فيما قال(٢): [من الطويل ] من الناس نجَّى مَجْدُهُ اليومَ مُطْعِما فلو كانَ مَجْدٌ يُخْلِدُ اليومَ واحداً عِبادَك ما لَّى مُحِلٌّ وأحرما أجرتَ رسولَ الله منهم فأصبحوا وقَحْطانُ أو باقي بقيَّةِ جُرْهُما فلو سُئلَتْ عنه مَعَدٌّ بأسرها وذِمَّتِهِ يوماً إذاً ما تجشَّما٣ً) لقالوا هو المُوفي بخُفْرَةِ جارِهِ على مثلِهِ فيهم أعزَّ وأكرَما(٤) وما تطلعُ الشمسُ المنيرةُ فوقهم وأنومَ عن جارٍ إذا الليلُ أظلما إياءً إذا يأبى وألينَ شيمةٍ قلتُ : ولهذا قال النبيُّ ◌َّهَ يوم أُسَارَى بَدْر: ((لو كانَ المَطْعِمُ بنُ عَدِي حيّاً ثمّ سألني في هؤلاء النَّْى لوهبتُهُمْ له (٥) . (١) في ديوان حسان : أمجير أم مانع . والخبر في مقدمة القصيدة . (٢) القصيدة في ديوان حسان (١٩٩/١) والخبر في مقدمة القصيدة . وتخريجها فيه . (٣) كذا في ط ، وفي ح : تحتما . وفي الديوان : تذمَّما وهو أشبه . (٤) في ح : المنيرة عندهم ... أعزَّ وأعظما. (٥) انظر الحديث في الجزء التالي . ٣٨٥ فصل في عرض رسول الله يح ثّ نفسه على أحياء العرب فصل في عَرْض رسول الله مَّ نفسَهُ الكريمة على أحياء العرب في مواسم الحج أن يؤوه وينصروه ، ويمنعوه ممن خالفه وكذَّبه ، فلم يجبه أحد منهم لما ذخره الله للأنصار من الكرامة العظيمة رضي الله عنهم قال ابنُ إسحاق(١): ثم قدم رسولُ الله وَ لَه مكة وقومُه أشدُّ ما كانوا عليه من خِلافه وفراقٍ دينه ، إلا قليلاً مستضعفين ممن آمن به ، فكان رسولُ الله وَ لَهُ يعرضُ نفسه في المواسم - إذا كانت - على قبائل العرب، يدعوهم إلى الله عزَّ وجلّ ، ويُخبرهم أنه نبيٌّ مُرْسَل ، ويسألهم أنْ يصدِّقوه ويمنعوه حتى يبِيِّنَ عن الله ما بعثَهُ به . قال ابن إسحاق(٢) : فحدَّثني من أصحابنا من لا أتَّهم ، عن زيد بن أسلم ، عن ربيعة بن عباد الدُّؤَلي - ومن حدَّثه أبو الزناد عنه - وحدَّثني حُسين بن عبد الله بن عُبيد الله بن عباس قال : سمعتُ ربيعة بن عبَّاد يحدِّثه أبي، قال: إني لغلامٌ شابٌّ مع أبي بمنى، ورسولُ الله ◌ِّلَهَ يقفُ على منازلِ القبائل من العرب فيقول: (( يا بني فلان، إني رسولُ اللهِوَ ◌ّهِ إليكم، أمرَكم أن تعبدوا اللهَ ولا تُشْرِكوا به شيئاً، وأنْ تَخْلَعُوا ما تعبدون من دونه من هذه الأنْداد ، وأن تؤمنوا بي وتصدِّقوا بي ، وتمنعوني حتى أَبَيِّنَ عن الله ما بعثني به)). قال: وخلفَهُ رجلٌ أحول وَضِيء له غَدِيرتان، عليه حُلَّةٌ عَدَنِيَّة، فإذا فرغ رسولُ اللهِ وَ ل من قوله وما دعا إليه . قال ذلك الرجل : يا بني فلان، إِنَّ هذا إنما يدعوكم إلى أنْ تسلخوا اللاتَ والعُزَّى من أعناقكم ، وحلفاءكم من الجِنّ من بني مالك بن أُقَيْش ، إلى ما جاء به من البِدْعَةِ والضَّلالة ، فلا تطيعوه ولا تسمعوا منه . قال : فقلت لأبي : يا أبتِ ، من هذا الرجلُ الذي يتبعه ويردُّ عليه ما يقول ؟ قال : هذا عمُّه عبد العُزَّى بن عبد المطلب أبو لهب . وقد روى الإمام أحمد(٣) هذا الحديث عن إبراهيم بن أبي العباس ، حدَّثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه ، أخبرني رجلٌ يقال له : ربيعة بن عبَّاد ، من بني الدِّيل - وكان جاهلياً فأسلم(٤) - قال : رأيتُ رسولَ الله ◌َ﴿ في الجاهلية، في سوق ذي المجاز وهو يقول: (( يا أيُّها الناس ، قولوا لا إله إلا الله تُفْلِحوا )) والناسُ مجتمعونَ عليه، ووراءهُ رجلٌ وَضِيءُ الوجه أحول ، ذو غَدِيرتين يقول : إنَّه صابىء كاذب - يتبعه حيثُ ذهب - فسألتُ عنه(٥) فقالوا : هذا عمُّه أبو لهب . (١) في سيرة ابن هشام (١/ ٤٢٢) والروض (١٧٣/٢). (٢) في سيرة ابن هشام (١/ ٤٢٢) والروض (١٧٣/٢). (٣) في مسنده (٣٤١/٤). (٤) قوله : فأسلم . ليس في مسند أحمد . (٥) زاد مسند أحمد هنا قوله: فذكروا لي نسب رسول الله اله . ٣٨٦ فصل في عرض رسول الله جة نفسه على أحياء العرب ورواه البيهقي(١) من طريق محمد بن عبد الله الأنصاري ، عن محمد بن عمرو ، عن محمد بن المُنْكَدِر، عن ربيعة الدُّئلي: رأيتُ رسولَ اللهِوَل بسوقِ ذي المَجَاز يَتْبَعُ الناسَ في منازلهم يدعوهم إلى الله، ووراءَهُ رجلٌ أحْوَل تَقِدُ وَجْنتاه وهو يقول : أيُّها الناس لا يَغُرَّنَّكم هذا عن دينكم ودينٍ آبائكم . قلت : مَنْ هذا ؟ قالوا : هذا أبو لهب . وكذا رواه أبو نعيم في (( الدلائل)(٢) من طريق ابن أبي ذئب ، وسعيد بن سلمة بن أبي الحسام كلاهما عن محمد بن المنكدر به نحوه . ثم رواه البيهقي(٣) من طريق شعبة عن الأشعث بن سُليم ، عن رجلٍ من كنانة ، قال : رأيتُ رسولَ اللهِ وَ لَه بسوقِ ذِي المَجَاز وهو يقول: (( يا أيها الناس، قولوا لا إله إلا الله تُفْلِحُوا)). وإذا رجلٌ خلفَهُ يَسْفِي عليه التراب ، فإذا هو أبو جهل ، وإذا هو يقول : يا أيها الناس ، لا يغرَّنَّكم هذا عن دينكم ، فإنما يريدُ أن تتركوا عبادةَ اللاتِ والعُزَّى . كذا قال في هذا السياق أبو جهل . وقد يكون وهماً ، ويحتمل أن یکون تارة یکون ذا ، وتارة یکون ذا وأنهما كانا يتناوبَانِ على إيذائه وَله. قال ابن إسحاق(٤): وحدَّثني ابنُ شهاب الزُّهري أنه نَّوَ أَتى كِنْدَةَ في منازلهم، وفيهم سيِّدٌ لهم يقال له مُلَيح ، فدعاهم إلى اللهِ عزَّ وجل وعَرَض عليهم نفسه فأبَوْا عليه . قال ابن إسحاق(٢): وحدَّثني محمد بن عبد الرحمن بن حُصين أنه أتى كلباً في منازلهم إلى بطنٍ منهم يقال لهم بنو عبد الله، فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسَه حتى إنه ليقول: (( يا بني عبد الله، إنَّ الله قد أحسن اسم أبيكم)) . فلم يقبلوا منه ما عرض عليهم . وحدَّثني بعضُ أصحابنا عن عبد الله بن كعب بن مالك، أنَّ رسولَ الله ◌ِ ل أتى بني حَنِيفة في منازلهم ، فدعاهم إلى الله ، وعرَضَ عليهم نفسَه ، فلم يكنْ أحدٌ من العربِ أقبحَ ردّاً عليه منهم . وحدَّثني الزُّهري أنه أتى بني عامر بن صَعْصعة ، فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه ، فقال له رجلٌ منهم يقال له بَيْحَرة بن فراس : والله لو أني أخذتُ هذا الفتى من قريش لأكلتُ به العربَ . ثم قال له : أرأيتَ إنْ نحنُ تابعناك(٥) على أمرك ، ثم أظهرك الله على من يخالفك ، أيكونُ لنا الأمر من بعدك ؟ قال : ((الأمر لله يضَعُه حيثُ يشاء )). قال فقال له: أفَنُهدِفُ نحورَنا للعرب دونَك(٦)، فإذا أظهرك الله كان الأمر (١) في الدلائل (١٨٥/٢). (٢) ليس فيما طبع منه . في الدلائل (١٨٦/٢). (٣) في سيرة ابن هشام (٤٢٤/١) والروض (١٧٤/٢). (٤) (٥) في إحدى نسخ سيرة ابن هشام : بايعناك. (٦) أي أنجعلها هدفاً لسهامهم؟ والهدف: الغرض. الروض (١٨١/٢). ٣٨٧ فصل في عرض رسول الله مدينة نفسه على أحياء العرب لغيرنا ؟! لا حاجة لنا بأمرك . فأبَوْا عليه . فلما صدرَ الناسُ رجعتْ بنو عامر إلى شيخ لهم ، قد كان أدركه السنّ ، حتى لا يقدِرُ أنْ يوافي معهم المواسم ، فكانوا إذا رجعوا إليه حدَّثوه بما يكون في ذلك الموسم ، فلما قدموا عليه ذلك العام سألهم عمَّا كان في مَوْسِمهم فقالوا : جاءنا فتّى من قريش ، ثم أحد بني عبد المطلب يزعمُ أنه نبيّ يدعونا إلى أنْ نمنعه ونقومَ معه ، ونخرج به إلى بلادنا . قال : فوضع الشيخ يده على رأسِه ثم قال : يا بني عامر ، هل لها من تَلافٍ؟ هل لذُنَابَاها من مَطْلبُ(١) ؟ والذي نفسُ فلانٍ بيده ما تقوَّلها إسماعيليٌّ قطّ(٢) ، وإنها لحق ، فأين رأيكم كان عنكم ؟! وقال موسى بن عقبة عن الزهري: فكان رسولُ اللهِوَ ﴿ في تلك السنين يعرضُ نفسه على قبائل العرب في كلِّ موسم، ويكلُّم كلَّ شريفٍ قوم ، لا يسألهم مع ذلك إلا أن يُؤْووه ويمنعوه ويقول: « لا أُكْرِهُ أحداً منكم على شيء ، مَنْ رَضِيٍ مِنكم بالذي أدعوه إليه فذلك ، ومن كره لم أُكْرِهْه، إنما أُريدُ أن تُحرزوني مما يُرادُ بي من القتل حتى أَبَلَّغ رسالة رَبِّي، وحتى يقضي الله لي ولمن صحبني بما شاء)). فلم يقبله (٣) أحدٌ منهم، وما يأتي أحداً من تلك القبائل إلا قال : قومُ الرجلِ أعلم به، أترَوْنَ أنَّ رجلاً يُصلحنا وقد أفسد قومَهُ ولفظوه ؟! وكان ذلك مما ذَخَرَهُ اللهُ للأنصار وأكرمَهُمْ به(٤) . وقد روى الحافظ أبو نعيم(٥) من طريق عبد الله بن الأجلح ويحيى بن سعيد الأموي ، كلاهما عن محمد بن السائب الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس عن العباس ، قال: قال لي رسولُ الله وَليّةٍ: ((لا أرى لي عندك ولا عند أخيك منَعة، فهل أنت مُخْرِجي إلى السُّوق غداً حتى تُعَرِّفني(٦) منازلَ قبائلٍ الناس )) وكانتْ مجمعَ العرب، قال: فقلت: هذه كِنْدَةُ ولفّها ٧) ، وهي أفضلُ مَنْ يحُّ البيت من اليمن ، وهذه منازلُ بكر بن وائل ، وهذه منازلُ بني عامر بن صعصعة ، فاختَرْ لنفسك؟ قال فبدأ بكِنْدَةَ فأتاهم فقال: ((ممنِ القوم؟)) قالوا: من أهل اليمن. قال: ((من أيِّ اليمن؟)) قالوا: من كِنْدَة. قال: (( من أيِّ كِنْدَة؟)) قالوا: من بني عمرو بن معاوية. قال: ((فهل لكم إلى خير؟)) قالوا : وما هو ؟ قال: ((تشهدونَ أنْ لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله ، وتقيمون الصلاة ، وتؤمنون بما جاء من عند الله)). (١) ((هل لها من تلافٍ)): أي تدارك. وقوله هل لذناباها من مطلب: مثل ضُرب لما فاته منها، وأصله: من ذنَابَى الطائر: إذا أفلت من الحبالة ، فطلب الأخذ بذناباه . الروض (٢/ ١٨١). (٢) أي ما ادعى النبوة كاذباً أحد من بني إسماعيل. الروض (١٨١/٢). (٣) في ح: يصحبه . وإلى جابنها في الهامش: يقبله . وفوقها: (خ) إشارة إلى رواية نسخة. (٤) أخرجه البيهقي في الدلائل (٢/ ٤١٤) عن موسى بن عقبة، وأخرجه أبو نعيم في الدلائل (٣٨٩/١) عن الطبراني، حدثنا محمد بن عمرو بن خالد الحراني ، حدثنا أبي ، حدثنا ابن لهيعة عن الأسود عن عروة بن الزبير فذكره . (٥) ليس فيما طبع من دلائل النبوة وسيأتي شطر من هذا الخبر مثبت في الدلائل يشار إليه في موضعه . (٦) في ط : حتى نقرّ في ، والمثبت من ح . (٧٠) ليست اللفظة في ح . ٣٨٨ فصل في عرض رسول الله وحماية نفسه على أحياء العرب قال عبد الله بن الأجلح : وحدثني أبي عن أشياخ قومه أنَّ كندةَ قالت له : إن ظفِرْتَ تجعلْ لنا المُلْكَ من بعدك؟ فقال رسولُ الله ◌ِّله: ((إنَّ المُلْكَ الله يجعلُهَ حيثُ يشاء)) فقالوا : لا حاجة لنا فيما جئتنا به . وقال الكلبي فقالوا : أجئتنا لتصدَّنا عن آلهتنا وننابذ العَرَب . الحَقْ بقومك فلا حاجةَ لنا بك . فانصرف من عندِهم، فأتَى بكر بن وائل فقال: ((ممنِ القوم؟)) قالوا: من بكر بن وائل. فقال: ((من أيِّ بكر بن وائل))؟ قالوا: من بني قيس بن ثعلبة. قال: (( كيف العدَدُ؟ قالوا: أكثر من الثرَى(١). قال: ((فكيف المنعة)) ؟ قالوا : لا مَنَعة ، جاوَزْنا فارس ، فنحن لا نمتنع منهم ولا نجير عليهم . قال : (( فتجعلون لله عليكم إنْ هو أبقاكم حتى تنزلوا منازلهم ، وتنكحوا نساءهم ، وتستعبدوا أبناءهم ، أن تسبِّحوا الله ثلاثاً وثلاثين، وتحمدوه ثلاثاً وثلاثين، وتكبروه أربعاً وثلاثين)) قالوا : ومن أنت ؟ قال : ((أنا رسولُ الله)). ثم انطلق فلما ولَّى عنهم قال الكلبي: وكان عُّه أبو لهب يتبعه فيقول للناس : لا تقبلوا قولَه. ثم مرَّ أبو لهب فقالوا: هل تعرفُ هذا الرجل؟ قال: ((نعم، هذا في الذِّرْوَة منَّا ، فعن أيِّ شأنِهِ تسألون ؟ فأخبروه بما دعاهم إليه وقالوا : يزعم أنه رسولُ الله، قال: ألا لا ترفعوا بقوله رأسا٢ً) فإنَّه مجنون ، يَهْذي من أُمَّ رأسه . قالوا : قد رأينا ذلك حين ذكر من أمرٍ فارس ما ذكر . قال الكلبي(٣): فأخبرني عبدُ الرحمن العامري (٤): عن أشياخ من قومه قالوا: أتانا رسولُ اللهِوَل ونحن بسوقِ عُكاظ ، فقال: (( ممنِ القوم؟)) قلنا: من بني عامر بن صَعْصَعة. قال: ((من أيِّ بني عامرٍ بن صعصعة؟ قالوا: بنو كعب بن ربيعة. قال: (( كيف المَنَعةُ؟ قلنا : لا يُرامُ ما قِبَلنا، ولا يُصْطلى بنارنا. قال: فقال لهم: ((إنِّي رسولُ الله ◌ِوَّ وأتيتُكم لتمنعوني حتى أبلِّغ رسالةَ ربِّي، ولا أُكْرِهُ أحداً منكم على شيءٍ)). قالوا: ومن أيِّ قريشٍ أنت؟ قال: ((من بني عبد المطلب)) قالوا : فأين أنت من عبد مَنافَ؟ قال: ((هم أولُ مَنْ كذَّبني وطردني)) . قالوا: ولكنَّا لا نطردُك ولا نؤمنُ بك ، وسنمنعُك حتى تبلّغ رسالةَ ربِّك. قال: فنزلَ إليهم والقوم يتسوَّقون، إذْ أتاهم بَيْحَرةُ(٥) بن فراس القُشيري فقال : مَنْ هذا الرجل أراه عندكم ؟ أنكره . قالوا : محمد بن عبد الله القُرَشي . قال : فما لكم وله ؟ قالوا : ويزعم لنا أنه رسولُ الله فطلب إلينا أن نمنعَهُ حتى يبلِّغ رسالةَ ربِّه . قال : ماذا ردَدْتُم عليه؟ قالوا بالرَّحْبِ والسَّعَة، نُخرِجُك إلى بلادنا ونمنعُك ما نمنع به أنفسنا. قال بَيْحَرَة(٥): ما أعلم أحداً من (١) في ط : كثير مثل الثرى. (٢) في ط : لا ترفعوا برأسه قولا ، والمثبت من ح . (٣) قول الكلبي من هنا إلى نهاية الخبر في دلائل النبوة لأبي نعيم (١/ ٣٨٠) يبدو أن مختصر المطبوع حذف الشطر الأول منه كما أشار محققه . (٤) في ط : المعايري ، والمثبت من ح ودلائل النبوة . (٥) في الدلائل : بجرة . والمثبت من ح ومما سلف (ص ٣٨٢) نقلاً عن ابن إسحاق في سيرة ابن هشام ، ومما ذكره ابن حجر في الإصابة في ترجمة سميِّه بيحرة بن عامر . ٣٨٩ فصل في عرض رسول الله ما نفسه على أحياء العرب أهل هذه السوق يرجعُ بشيءٍ أشرَّ من شيءٍ ترجعون به بدءاً، ثم(١) لتنابذوا الناسَ وترميكم العربُ عن قوسٍ واحِدة ، قومُه أعلم به لو آنسوا منه خيراً لكانوا أسعدَ الناس به ، أتعمدون إلى رَهيقٍ قومُ(٢) قد طردَهُ قومُهُ وكذَّبوه فتؤوونَه وتنصرونه؟ فبئس الرأي رأيتُم. ثم أقبل على رسولِ اللهِوَ ل﴿ فقال: قمْ فَالْحَقْ بقومِك، فوالله لولا أنك عند قومي لضربتُ عنقك. قال: فقام رسولُ اللهِ وَّ إلى ناقته فركبها، فغمزَ الخبيثُ بَيْحَرَةُ شاكِلَتَها فَقَمَصَتْ(٣) برسولِ اللهِوَ ◌ّهِ فَأَلْقَتْه. وعند بني عامر يومئذ ضُبَاعة ابنة عامر بن قُرْط، كانتْ من النسوةِ اللاتي أسلَمْنَ مع رسولِ اللهِوَّه بمكة، جاءتْ زائرةً إلى بني عمِّها ، فقالت: يا آل عامر - ولا عامرَ لي - أيُصنعُ هذا برسول الله بين أظهركم لا يمنعه أحدٌ منكم ؟ فقام ثلاثةُ نفر من بني عمها إلى بَيْحَرَة واثنين أعاناه ، فأخذ كلُّ رجلٍ منهم رجلاً فجلَدَ به الأرض ، ثم جلس على صدره ، ثم علَوْا وجوهَهم لطماً ، فقال رسولُ اللهِوَّهِ: ((اللهمَّ باركْ على هؤلاء والْعَنْ هؤلاء)) قال: فأسلم الثلاثةُ الذين نصروه ، وقُتلوا شهداء وهم ؛ غطيف وغطفان ابنا سهل(٤) ، وعروة - أو عذرةٌ(٥) - بن عبد الله بن سلمة رضي الله عنهم . وقد روى هذا الحديثَ بتمامه الحافظ سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي في (« مغازيه)»، عن أبيه به . وهلك الآخرون لعناً وهم : بَيْحَرة بن فراس ، وحَزْن بن عبد الله بن سلمة بن قشير ، ومعاوية بن عُبَادة ، أحد بني عقيل ، لعنهم الله لعناً كثيراً . وهذا أثرٌ غريب كتبناه لغرابته والله أعلم(٦) . وقد روى أبو نُعيم له شاهداً من حديث كعب بن مالك رضي الله عنه في قصة عامر بن صَعْصعة وقبيح ردِّهم عليه . وأغْرَبُ من ذلك وأطول ما رواه أبو نُعيم والحاكم والبيهقي (٧) - والسياق لأبي نعيم رحمهم الله - من حديث أبان بن عبد الله البَجَلي عن أبان بن تغلب ، عن عكرمة، عن ابن عباس ، حدَّثني عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه قال: لما أمر الله رسوله وَّر أن يعرض نفسه على قبائل العرب خرج - وأنا معه وأبو بكر - إلى مِنَى حتى دَفَعْنَا إلى مجلسٍ من مجالسِ العرب ، فتقدَّم أبو بكرٍ رضي الله عنه فسلّم ، وكان أبو بكر مقدَّماً في كلِّ خير ، وكان رجلاً نسَّابة فقال : ممنِ القوم ؟ قالوا : من ربيعة . قال : وأيٍّ ربيعةً (١) كذا في ح ، ط ، وفي الدلائل : ثم بدأتم لتنابُذِ الناس . (٢) ((الرهيق)): السفيه. النهاية لابن الأثير. ووقع في ط: زهيق. تصحيف، وسقطت لفظة قوم. والمثبت من ح والدلائل . (٣) ((الشاكلة من الفرس)): الجلد الذي في عرض الخاصرة والثّفِنة وهو مدخل الفخذ في الساق . وقمصت : هو أن ترفع يديها وتطرحهما معاً وتعجن برجليها . اللسان والتاج ( شكل ، قمص ) . (٤) كذا في ط ، وفي ح : سهيل ، وفي دلائل أبي نعيم : غطريف وغطفان ابنا سهل . ولم أقف لهما على ترجمة . (٥) في ح : عزرة ولم أقف له على ترجمة . (٦) هو من رواية الكلبي الكذاب . (٧) دلائل النبوة لأبي نعيم (١/ ٣٧٢) ودلائل النبوة للبيهقي (٢/ ٤٢٢) وتاريخ ابن عساكر في ترجمة دغفل انظر مختصر ابن منظور لتاريخ ابن عساكر (١٩٩/٨). ٣٩٠ فصل في عرض رسول الله بل نفسه على أحياء العرب أنتم ؟ أمِنْ هامها أم من لَهَازِمِها١) ؟ قالوا : بل من هامتها العظمى . قال أبو بكر : فمن أيِّ هامتها العظمى أنتم ؟ فقالوا : ذُهْل الأكبر . قال لهم أبو بكر : منكم عَوْف الذي كان يقال لهم: لا حُرَّ بوادي عَوْف (٢) ؟ قالوا: لا . قال : فمنكم بِسْطَام بن قيس بن مسعود أبو اللواء ومنتَهَى الأحياء ؟ قالوا لا . قال فمنكم الحَوْفَزالُ(٣) بن شريك ، قاتل الملوك وسالبها أنفسها ؟ قالوا : لا . قال : فمنكم جسَّاس بن مُرَّة بن ذُهْل، حامي الذِّمَار ومانع الجار؟ قالوا: لا . قال: فمنكم المُزْدَلِف صاحبُ العِمَامة الفَرْدَة٤ُ) ؟ قالوا : لا . قال : فأنتم أخوالُ الملوك من كِنْدَة ؟ قالوا : لا . قال : فأنتم أصهار الملوك من لَخْم؟ قالوا: لا . فقال لهم أبو بكرٍ رضي الله عنه: فلستم بذُهْل الأكبر، بل أنتم ذُهْل الأصغر . قال : فوثب إليه منهم غلامٌ يُدْعَى دَغْفَل بن حنظلة الذُّهْلي - حين بَقَلَ وَجْهُهُ(٥) - فأخذ بزِمام ناقةِ أبي بكرٍ وهو يقول : [ من الرجز ] إنّ علَى سائِلِنا أن نسألَهُ والعبءُ لا نعرفُهُ أوْ نحمِلَةْ يا هذا، إنك سألتنا فأخبرناك ولم نكتُمْك شيئاً، ونحن نريد أن نسألك فمن أنت؟ قال: رجلٌ من قريش. فقال الغلام : بخ بخ ! أهل السُّؤْدُدِ والرياسة ، قادمةُ العرب وهداتُها٦) ، فمن أنت من قريش ؟ فقال له : رجلٌ من بني تَيْم بن مُرَّة . فقال له الغلام: أمكنتَ واللهِ الرامي من سواءِ الثُّغْرَةُ(٧) ؟ أفمنكم قُصَيُّ بن كلاب الذي قتل بمكة المتغلِّبين عليها ، وأَجْلَى بقيَّتَهم ، وجمعَ قومَهُ من كل أَوْبٍ حتى أوطنهم مكة ، ثم استولى على الدار ونزَّل قريشاً منازلَها، فسمَّتْهُ العربُ بذلك مُجَمِّعاً ، وفيه يقول الشاعر : [ من الطويل ] أليسَ أبوكم كان يُدعى مُجَمِّعاً به جَمَع اللهُ القبائلَ من فِهْرٍ فقال أبو بكر : لا . قال : فمنكم عبدُ مناف الذي انتهتْ إليه الوصايا وأبو الغطاريف السادة ؟ فقال (١) أي من أشرافها أو من أوساطها ؛ واللهازم : أصول الحنكين ، واحدتها لِهْزمة، فاستعارها لوسط النسب والقبيلة . اللسان ( لهزم ) . (٢) أي لا سيِّد يناوئه، وهو من أمثالهم، يعني أنه يقهر من حلَّ بواديه ؛ يضرب للعزيز الذي يذلُّ له الأعزّاء. وعوف هو ابنُ مُحَلّم بن ذهل بن شيبان . مجمع الأمثال (٢٣٦/٢) والمستقصى (٢٦٢/٢ و٤٣٧/١) واللسان (عوف ) . (٣) سمِّ بذلك لأن قيس بن عاصم التميمي حفزه بالرمح حين خاف أن يفوته ، فعرج من تلك الحفزة . وكل ما قلعته فقد حفزته . اللسان ( حفز ) والاشتقاق لابن دريد (ص٣٥٨). (٤) سمِّي المزدلف لاقترابه إلى الأقران وإقدامه عليهم. اللسان (زلف) وقال ابن دريد في الاشتقاق (ص٣٥٨): لأنه قال لقومه وهو في حرب : ازدلفوا قيد رمحي . أي اقتربوا . (٥) ((بَقَل وجهه)): أي أول ما نبتت لحيته. اللسان (بقل). وترجمة دغفل هذا في مختصر تاريخ ابن عساكر لابن منظور (١٩٨/٨) والخبر فيه . (٦) في ح والدلائل : وأزمة العرب، والمثبت من ط . والقادم والقادمة: الرأس . القاموس ( قدم ). وصحفت (( هداتها )) في ط والمثبت من الدلائل . (٧) (( سواء الثُّغْرَة)): أي وسط الثغرة، وهي نقرة النحر فوق الصدر. اللسان (ثغر). ٣٩١ فصل في عرض رسول الله بطيخ: نفسه على أحياء العرب أبو بكر : لا . قال : فمنكم عمرو بن عبد مناف ، هاشم الذي هَشَم الثريدَ لقومه ، وأهل مكة مسنتون ، ففيه يقول الشاعر(١) : [ من الكامل ] ورجالُ مكّةَ مُسْنِتونَ عِجِافُ عَمْرو العُلا هشَمَ الثريدَ لقومِهِ عندَ الشتاءِ ورحلةَ الأصْيافِ سَتُّوا إليه الرحلتَيْن كِلَيْهما فالمُحُ خالِصُهُ لعبدٍ مَنَافٍ(٢) كانت قريشٌ بيضةٌ فتفلَّقَتْ والقائلينَ هلُمَّ للأَضياف(٣) الرائِشينَ وليس يُعْرَفُ رائشٌ والمانعينَ البَيْضَ بالأسياف(٤) والضاربين الكَبْشَ يَبْرُقُ بَيْضُهُ منَعُوكَ مِن أَزْلٍ ومن إِقْراف(٥) اللهِ دُكَ لو نزلتَ بدارِهم فقال أبو بكر : لا. قال : فمنكم عبد المطلب شَيْبَةُ الحَمْد، وصاحب عِير٦ٍ) مكة ، ومطعم طيرِ السماء ، والوحوش والسباع في الفلا ، الذي كأنَّ وجهه قمَرٌ يتلألأ في الليلةِ الظلماء ؟ قال : لا . قال: أفمِنْ أهلِ الإفاضة أنت ؟ قال : لا . قال : أفمن أهل الحِجَابَة أنت ؟ قال: لا . قال أفمن أهلِ النَّدْوَة أنت ؟ قال : لا . قال : أفمن أهل السِّقَاية أنت؟ قال: لا . قال : أفمن أهل الرِّفَادَةِ أنت ؟ قال : لا . قال: أفمن المفيضين [ بالناسِ ]١) أنت ؟ قال : لا . ثم جذَبَ أبو بكرٍ رضي الله عنه زِمام ناقتِهِ من يده ، فقال له الغلام: [ من الرجز ] صادَفَ دَرْءُ السَّيلِ دَرْءاً يَدْفَعُهْ يَهِيضُهُ حيناً وحيناً يَصْدَعُهُ(٨) ثم قال : أما والله يا أخا قريش لو ثبت لخبَّرْتُك أنك من زَمَعَاتٍ قريش ولست من (١) قيل: هو عبد الله بن الزِّبَعْرَى، وقيل غيره. سيرة ابن هشام (١٣٦/١) والروض (١٦١/١). (٢) في ح، ط : فالمخ بالخاء المعجمة، والمثبت من دلائل أبي نعيم والروض الأنف (١/ ١٦١) وكلاهما بمعنى، وهو الخالص من كل شيء ، وبالمهملة : صُفْرة البيض . القاموس ( محح ، مخخ ) . (٣) ((الرائش)): من قولهم : رِشْتُ فلاناً: قوَّيتُ جناحه بالإحسان إليه فارتاش وتريَّش، قال النابغة: [من البسيط] قوماً و کم راش قوماً بعد إقتارِ كم قد أحَلَّ بدار الفقر بعد غِنى الله من رائشٍ عمرٌو ومن بارٍ يَريش قوماً ويبري آخرين بهم أساس البلاغة ( ريش ) . (٤) ((الكبش هنا)): قائد الكتيبة في الحرب؛ وبَيْضُه: ما عليه من حديد وسلاح . والبَيْض الثانية : ساحة القوم، وحوزة كل شيء . القاموس والأساس ( كبش ، بيض ) . (٥) ((الأزْل)): ضيق العيش. يقال: أزلوا حتى هزلوا: أي حُبسوا وضُيِّق عليهم. والإقراف: أن يأتيهم وهم مرضى فيصيبه ذلك . أساس البلاغة ( أزل - قرف ) . (٦) في الدلائل : بئر مكة . (٧) من الدلائل : وفي ح : أفمن الصفين أنت . (٨) يقال للسيل إذا أتاك من حيث لا تحتسبه : سيلٌ دَرْء ، أي يدفع هذا ذاك، وذاك هذا. وقوله يهيضه حيناً وحيناً يصدعه: أي يكسره مرة ويشقُّه أخرى . اللسان ( درأ، هيض ) والبيتان فيهما . ووقع في ط في القافية : يرفعه . تصحيف . ٣٩٢ فصل في عرض رسول الله بية نفسه على أحياء العرب الذوائب(١). قال: فأقبل إلينا رسولُ اللهِ وَّه يتبسَّم. قال عليّ: فقلت له: يا أبا بكر لقد وقَعْتَ من الأعرابيِّ على باقِعَة(٢) . فقال: أجل يا أبا الحسن، إنه ليس من طامَّةٍ إلا وفوقها طامَّة، والبلاءُ مُوَكَّلٌ بالقول (٣). قال : ثمَّ انتهينا إلى مجلسٍ عليه السَّكينهُ والوقار ، وإذا مشايخ لهم أقدار وهيئات ، فتقدَّم أبو بكر فسلَّم - قال علي : وكان أبو بكر مقدَّماً في كلِّ خَيْر - فقال لهم أبو بكر : ممِن القَوْم ؟ قالوا : من بني شيبان بن ثعلبة . فالتفت إلى رسولِ الله وَ ﴿ فقال: بأبي أنت وأمي، ليس بعد هؤلاء من عِزَّ في قومهم - وفي رواية: ليس وراء هؤلاء عذر(٤) من قومهم ، وهؤلاء [ غرر في قومهم، وهؤلاء }(٥) غرر الناس - وكان في القوم مَفْروق بن عمرو ، وهانىء بن قَبيصة ، والمُثَنَّى بن حارثة ، والنعمان بن شريك . وكان أقرب القوم إلى أبي بكر مفروقُ بن عمرو ، وكان مفروق بن عمرو قد غلب عليهم بياناً ولسانا(٦) ، وكانت له غَدِيرتان تسقطان على صدره ؛ فكان أدنى القوم مجلساً من أبي بكر ، فقال له أبو بكر : كيف العددُ فيكم ؟ فقال له : إنا لنزيدُ على ألف، ولن يُغلب ألفٌ من قِلَّة. فقال له : فكيف المَنَعَةُ فيكم ؟ فقال : علينا الجهد ، ولكل قوم جدّ . فقال أبو بكر : فكيف الحرب بينكم وبين عدوّكم ؟ فقال مفروق : إنا أشد ما نكونُ غضباً حين نُلْقَى (٧)، وأشد ما نكونُ لقاءً حين نغضب، وإنَّا لنؤثرُ الجيادَ على الأولاد، والسلاحَ على اللِّقاح، والنصرُ من عند الله، يديلُنا مرَّة، ويُديل علينا(٨). لعلك أخو قريش ؟ فقال أبو بكر : إنْ كان بلغكم أنَّه رسول الله وَّ فها هو ذا . فقال مفروق: قد بَلَغنا أنه يذكر ذلك ، ثم التفت إلى رسول الله وَّ فقال: إلى ما تدعو يا أخا قريش؟ فتقدَّم رسولُ الله ◌َ ل فجلس، وقام أبو بكرٍ يُظِلُّه بثوبه، فقال ◌َّ : (( أدعوكم إلى شهادةٍ أنْ لا إله إلا الله وحدَهُ لا شَريكَ له وأنِّي رسولُ الله، وأن تؤووني وتمنعوني وتنصروني ، حتى أؤديَ عن الله الذي أمرني به ، فإنَّ قريشاً قد تظاهرتْ على أمْرِ الله ، وكذَّبتْ رسولَه ، واستغنَتْ بالباطل عن الحق ، والله هو الغنيُّ الحميد)) . قال له : وإلى ما تدعو أيضاً يا أخا قريش ؟ فتلا رسولُ اللهِوَةِ: ﴿﴿ قُلْ تَعَالَوَاْ أَثْلُ مَا حَزَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنَّاً ﴾ إلى قوله ﴿ ذَلِكُمْ وَضَّنَكُمْ بِهِ، لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [ الأنعام: ١٥١ - ١٥٣ ] فقال له مفروق: وإلى ما تدعو أيضاً يا أخا (١) أي ليست من أشرافهم: والزَّمَعَة في الأصل: التَّلْعَة الصغيرة ، أو هي ما دون مسايل الماء من جانبي الوادي . النهاية لابن الأثير ( زمع ) . (٢) ((الباقعة)): الرجل الداهية، والذكي العارف الذي لا يفوته شيء. اللسان (بقع). (٣) وفي رواية: والبلاء موكّلٌ بالمنطق. فذهب مثلاً، وأبو بكر أول من قاله، مجمع الأمثال (١/ ١٧). (٤) كذا في ط وفي ح : غرر . وليس ما بين المعترضتين في الدلائل . (٥) ما بين المعقوبين ليس في ح . (٦) في مختصر تاريخ ابن عساكر : جمالاً ولساناً . (٧) في ح : نلتقي . والمثبت من الدلائل ، وسقطت اللفظة وما قبلها وما بعدها من ط . (٨) ((يديلنا)): ينصرنا . ٣٩٣ فصل في عرض رسول الله في نفسه على أحياء العرب قريش؟ فوالله ما هذا من كلام أهلِ الأرض، ولو كان من كلامهم لعرفناه، فتلا رسولُ الله ◌ِوَلَه ﴿﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَأَلْإِحْسَنِ وَإِيتَآٍ ذِى الْقُرْبَ وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِّ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [ النحل ٩٠] فقال له مفروق: دعوتَ والله يا قرشي١ُّ) إلى مكارم الأخلاق ومحاسنِ الأعمال، ولقد أفِكَ قومٌ كذَّبوكَ وظاهروا عليك - وكأنَّ أحبّ أن يشركه في الكلام هانىءُ بن قبيصة فقال - : وهذا هانىءُ بن قَبيصة شيخُنا وصاحبُ ديننا . فقال له هانىء : قد سمعتُ مقالتَك يا أخا قريش، وصدَّقْتُ قولك، وإني أرى أنَّ ترْكَنَا ديننا واتِّبَاعَنا إِيَّاك على دينك لمجلسٍ جلستَهُ إلينا ليس له أولٌ ولا آخر ، لم نتفكَّرْ في أمرك ، وننظر في عاقبة ما تدعو إليه زلَّةٌ في الرأي ، وطَيْشٌ في العقل، وقلَّة نظرٍ في العاقبة ، وإنما تكونُ الزَّلَّةُ مع العَجَلة ، وإنَّ من ورائنا قوماً نكرَهُ أن نعقِد عليهم عَقْداً ؛ ولكنْ ترجع ونرجع ، وتنظر وننظر - وكأنَّه أحبَّ أن يشركه في الكلام المثنَّى بن حارثة فقال - : وهذا المثنَّى شيخُنا وصاحبُ حَرْبنا . فقال المثنى : قد سمعتُ مقالتَك واستحسنتُ قولَك يا أخا قريش ، وأعجبني ما تكلَّمتَ به . والجوابُ هو جوابُ هانىء بن قبيصة، وتركنا دينَنا واتِّباعنا إياك على ديننا لمجلسٍ جلستَهُ إلينا ، وإنا إنما نزلنا بين صَرَيَيْنٍ (٢) أحدُهما اليمامة، والآخر السماوة(٢). فقال له رسول الله وَلّ: ((وما هذان الصَّرَيَان)»؟ فقال له: أما أحدُهما فطُفُوفٌ (٤) البَرِّ وأرضُ العرب، وأما الآخر فأرضُ فارس وأنهارُ كسرى وإنما نزلنا على عهدٍ أخذه علينا كسرى أن لا نحدثَ حدَثاً ، ولا نُؤْوي مُحدِثاً . ولعلَّ هذا الأمر الذي تدعونا إليه مما تكرهه الملوك ؛ فأما ما كان مما يلي بلاد العرب فذنبُ صاحبه مغفور ، وعُذرُه مقبول ، وأما ما كان يلي بلادَ فارس ، فذنبُ صاحبِهِ غيرُ مغفور، وعذرُهُ غيرُ مقبول ؛ فإن أردت أن ننصرَك ونمنعك مما يلي العرب فعلْنا. فقال رسول الله وَيهِ: (( ما أسأتُمُ الرَّدّ، إذْ أفصحتُمْ بالصدق، إنه لا يقوم بدين الله إلا مَنْ حاطَهُ من جميع جوانبه)). ثم قال رسولُ اللهَ وَّةِ: ((أرأيتُمْ إنْ لم تَلْبَثُوا إلا يسيراً حتى يمنحَكم اللهُ بلادَهم وأموالهم ويفرشَكُم بناتِهم ، أتسبِّحون الله وتقدِّسونه ؟)) فقال له النعمان بن شريك: اللهمَّ وإن ذلك لك يا أخا قريش! فتلا رسولُ الله ◌َّهِ ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّا أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا وَمُبَشِرًا وَنَذِيرًا ﴾ وَدَاعِيًّا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ، وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٦] ثم نهض رسولُ الله وَ لّه قابضاً على يد أبي بكر . قال علي: ثم التفتَ إلينا رسولُ اللهِ وَ له فقال: يا علي أيَّةُ أخلاقٍ للعربِ كانت في الجاهليَّة ؟ ما أشرفها! بها يتحاجَزَون فيما بينهم في الحياة الدنيا )). (١) في ط : يا أخا قريش ، والمثبت من ح والدلائل . (٢) ((الصَّرَيان)): تثنية صَرَى وهو الماء المجتمع الذي يحضره الناس. ورواية ح: صِيرَيْن تثنية صِير، وهو بمعناه وبهما وردت الرواية في النهاية لابن الأثير ( صير ، صري ) ووقع في رواية ابن منظور في مختصر ابن عساكر : ضرَّتين . (٣) في النهاية لابن الأثير : اليمامة والسمامة . وفي مختصر ابن منظور : الشأمة . (٤) ((الطُّفوف)): جمع طَفّ، وهو ساحل البحر وجانب البَرّ. النهاية لابن الأثير ( طفف ). ٣٩٤ فصل في عرض رسول الله ميزة نفسه على أحياء العرب قال: ثم دفعنا إلى مجلسِ الأوْسِ والخَزْرَج، فما نهضنا حتى بايعوا النبيَّ وَلَّه. قال عليّ: وكانوا صدُقاً صُبُراً، فسُرَّ رسولُ الله ◌َّ بذلك، مما رأى من معرفة أبي بكرٍ رضي الله عنه بأنسابهم . قال : فلم يلبَثْ رسولُ الله ◌ِ لَه إلا يسيراً حتى خرج إلى أصحابه فقال: ((ادعوا لإخوانكم من ربيعة، فقد أحاطت بهم اليوم أبناء فارس )) ثم دخل منزله ، فلم يلبَثْ إلا يسيراً حتى خرج إلى أصحابه فقال لهم : ((احْمَدُوا الله كثير١ً) فقد ظفِرتِ اليومَ أبناءُ ربيعةَ بأهل فارس ، قتلوا ملوكهم واستباحوا عسكرهم وبي نُصروا)). قال: وكانت الوقعة بقُرَاقر إلى جَنْب ذي قار، وفيها يقول الأعشى(٢): [من الطويل ] وراكبُها عند اللَّقاء وقَلّتِ فِدَى لبني ذُهْلٍ بنٍ شَيْبانَ ناقتي مُقَدِّمةَ الهامُزْزِ حتَّى تولَّتِ هُمُو ضربوا بالحِنْوِ حِنْوِ قُرَاقِرٍ كذُهلِ بنِ شيبان بها حينَ وَلَّتٍ(٣) فللهِ عينا مَنْ رأى من فوارسٍ وكانت علينا غَمْرَةً فَتَجَلَّت(٤) فَثَاروا وثُرْنا والمودَّة بينَا هذا حديثٌ غريبٌ جداً ، كتبناه لما فيه من دلائلِ النبوّة ومحاسنِ الأخلاق ، ومكارم الشِّيَم ، وفصاحةٍ العرب وقد ورد هذا من طريقٍ أخرى ، وفيه أنهم لما تحاربوا وفارس والتقَوْا معهم بقُرَاقِرٍ - مكانٍ قريبٍ من الفُرات - جعلوا شعارَهم اسم محمد ◌َّ فَنُصروا على فارس بذلك، وقد دخلوا بعد ذلك في الإسلام. وقال الواقدي(٥): أخبرنا عبد الله بن وابصة العبسي عن أبيه عن جده قال: جاءنا رسولُ الله وَلِّ فِي منازلنا بمنى ونحن نازلون بإزاء الجمرة الأولى التي تَلِي مسجد الخَيْف ، وهو على راحلته مُزْدِفاً خلفه زيد بن حارثة ، فدعانا ، فوالله ما استجَبْنا له ولا خُيِّر لنا . قال : وقد كنَّا سمعنا به وبدعائه في المواسم ، فوقف علينا يدعونا ، فلم نستجبْ له ، وكان معنا ميسرةُ بنُ مسروق العَبْسي ، فقال لنا : أحلفُ بالله لو قد صدَّقنا هذا الرجل وحَملْنَاهُ حتى نحلَّ به وسطَ بلادِنا لكان الرأي . فأحلف بالله ليظهرنَّ أمْرُهُ حتى يبلغ كلَّ مبلغ. فقال القوم : دعنا منك لا تعرَّضنا لما لا قِبَلَ لنا به. وطمع رسولُ اللهِوََّ في ميسرة، فكلَّمه فقال (١) في ح : احمدوا الله تعالى فقد ظهرت . (٢) الأبيات في ديوان الأعشى ميمون بن قيس (٢٥٩) بتحقيق د . محمد حسين هيكل . (٣) رواية هذا البيت وبيتين من بعده في الديوان هكذا : أشدَّ على أيدي السُّعاةِ من التي فلله عيناً من رأى من عصابة أتتهم من البطحاء يبرق بَيْضُها وقد رفعت رایاتها فاستقلَّتِ فثاروا وثرنا والمنية بيننا وهاجت علينا غمرةٌ فتجلَّتِ (٤) رواية ح للشطر الثاني هكذا : وكانت علينا جمرة فتولت . (٥) أخرجه أبو نعيم في دلائل النبوة (١/ ٣٨٧) بسنده عن الواقدي. أقول : الواقدي: متروك مع سعة علمه . كما قال الحافظ ابن حجر في التقريب . ٣٩٥ فصل في عرض رسول الله به نفسه على أحياء العرب ميسرة : ما أحسنَ كلامَكَ وأنورَه ! ولكنَّ قومي يخالفونني وإنما الرجلُ بقومه، فإذا لم يعضُدوه فالعِدَى أَبْعَدُ(١). فانصرف رسولُ اللهِوََّ، وخرج القوم مبادرينٌ(٢) إلى أهليهم. فقال لهم ميسرة : ميلوا بنا إلى (٣) فَدَك، فإنَّ بها يهود، نسائلهم عن هذا الرجل . فمالوا إلى يهود ، فأخرجوا سِفْراً لهم فوضعوه ، ثم درسوا ذكْرَ رسولِ اللهِ وَّه النبيِّ الأميِّ العربي، يركبُ الحمار ويَجْتَزِىء بالكِسْرَة ، وليس بالطويل ولا بالقصير ، ولا بالجَعْد القَطَط ولا بالسَّبَط، في عينيه حُمْرَة ، مشرقُ(٤) اللَّون. فإنْ كان هو الذي دعاكم فأجيبوه وادْخُلوا في دينه ، فإنا نحسُده ولا نتَّبِعُه ، ولنا منه في مواطن(٥) بلاءٌ عظيم ، ولا يَبْقَى أحدٌ من العرب إلا اتَّبعه وإلا قاتله(٦) ، فكونوا ممن يتَّبِعُه . فقال ميسرة : يا قوم ، إنّ(١) هذا الأمر بيِّن ، فقال القوم نرجعُ إلى الموسم ونلقاه . فرجعوا إلى بلادهم وأبَى ذلك عليهم رجالُهم ، فلم يتَّبَعْهُ أحدٌ منهم، فلما قدم رسولُ الله وَليل المدينة مهاجراً وحجَّ حجَّة الوداع لَقِيَهُ ميسرةُ فعرفه . فقال : يا رسولَ الله ، والله ما زلتُ حريصاً على اتِّباعك من يوم أنختَ بنا حتى كان ما كان ، وأبَى الله إلا ما ترى من تأخّر إسلامي، وقد مات عامَّةُ النفر الذين كانوا معي فأين مدخَلُهم يا رسول الله؟ فقال رسولُ الله ◌ِّهِ: «كُلُّ مَنْ مات على غير دين الإسلام فهو في النار )) فقال : الحمد لله الذي أنقذني . فأسلم وحسن إسلامه ، وكان له عند أبي بكرٍ مكان . وقد استقصى الإمام محمد بن عمر الواقدي قصصَ القبائل واحدةً واحدة ، فذكر عَرْضَهُ عليه السلام نفسَه على بني عامر وغسان ، وبني فَزَارة ، وبني مُرَّة ، وبني حنيفة ، وبني سُليم ، وبني عبس ، وبني نضر بن هوازن ، وبني ثعلبة بن عُكَابة ، وكِنْدة وكَلْب وبني الحارث بن كعب ، وبني عُذْرَة وقيس بن الخَطيم وغيرهم . وساق أخبارَها مطوَّلةً ، وقد ذكرنا من ذلك طَرَفاً صالحاً ولله الحمدُ والمنة . وقال الإمام أحمد(٨): حدّثنا أسودُ بن عامر ، أنا إسرائيل ، عن عثمان - يعني ابن المغيرة - عن سالم بن أبي الجَعْد، عن جابر بن عبد الله، قال: كان النبيُّ وَلهَ يعرضُ نفسَه على الناس بالموقف فيقول : (( هل مِنْ رجلٍ يحمِلُني إلى قومه؟ فإنَّ قريشاً قد منعوني أنْ أبلِّغ كلامَ ربي عزَّ وجل)) فأتاه رجلٌ من هَمْدان فقال: (( ممن أنت؟)) قال الرجل: من هَمْدان. قال: ((فهل عند قومِك من مَنَعة؟)) قال: (١) ((العِدَى)): بالكسر، الغرباء والأجانب والأعداء، وأما بالضم فهم الأعداء خاصة. النهاية لابن الأثير (عدي). (٢) في ط والدلائل : صادرين ، والمثبت من ح . (٣) في ط : ميلوا نأتي . والمثبت من ح والدلائل . (٤) في الدلائل : مشرب . (٥) في ط : وإنا [ منه ] في مواطن. وفي ح: وليأتيه بلاء . والمثبت من الدلائل. (٦) في الدلائل : إلا اتبعه أو قاتله وهو أشبه بالصواب . (٧) في ط : ألا [ إن ] هذا الأمر، وفي ح: إلى هذا الأمر ، والمثبت من الدلائل. (٨) في المسند (٣٩٠/٣) رقم (١٥١٣٠). ٣٩٦ فصل قدوم وفد الأنصار عاما بعد عام نعم. ثم إنَّ الرجل خَشِيَ أن يُخْفِرَة١ُ) قومُه، فأتَى رسولَ الله ◌َه فقال: آتيهم فأُخبرُهم ثم آتيكَ من عام قابِل. قال: ((نعم)) فانطلق وجاء وَفْدُ الأنصار في رجب . وقد رواهُ أهل السُّنَنِ الأربعة من طرق عن إسرائيل به ، وقال الترمذي: حسنٌ صحيحٌ(٢). فصل قدوم وفد الأنصار عاماً بعد عام حتى بايعوا رسول اللّه ◌َلّ بيعةً بعد بيعة ثم بعد ذلك تحوَّل إليهم رسولُ الله ◌ِثّ إلى المدينة فنزل بين أظهرهم كما سيأتي بيانه وتفصيله إن شاء الله وبه الثقة حديث سويد بن صامت الأنصاري وهو سويد بن الصامت بن عطيّة بن حَوْط بن حُبَيِّب بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس ، وأمُّه ليلى بنت عمرو النجَّاريّة ، أخت سلمى بنت عمرو أم عبد المطلب بن هاشم ، فسويد هذا ابنُ خالة عبد المطلب جدًّ رسول الله ێ . قال محمد بن إسحاق بن يسار(٣): وكان رسولُ الله وسلّ على ذلك من أمره، كلَّما اجتمع له الناسُ بالمَوْسم أتاهم يدعو القبائلَ إلى الله وإلى الإسلام ويعرضُ عليهم نفسه وما جاء به من الهدى والرحمة ، ولا يسمع بقادمٍ يقدم مكةَ من العرب، له اسمٌ وشرف إلا تصدَّى له فدعاه إلى الله تعالى ، وعرض عليه ما عنده . قال ابنُ إسحاق(٤) : حدَّثني عاصم بن عمر بن قتادة عن أشياخ من قومه ، قالوا : قدم سُويد بن الصامت أخو بني عمرو بن عَوْف مكة حاجّاً - أو معتمراً - وكان سُويد إنما يُسمِّيه قومُه فيهم الكامل ، لجَلَدِه وشعرِه وشرَفه ونسبه ، وهو الذي يقول: [ من الطويل ] ألا رُبَّ مَنْ تدعو صديقاً ولو تَرَى مقالتَهُ بالغَيْب ساءَكَ ما يَفْرِيُ(٥) (١) في المسند : يحقره، وأخفرتُه: نقضتُ عهدَه؛ ويحقره: يستهين به التاج ( خفر، حقر). (٢) في سنن أبي داود (٤٧٣٤) السنة باب في القرآن، وسنن الترمذي (٢٩٢٥) فضائل القرآن باب (٢٤) حدثنا محمد بن إسماعيل ، وسنن ابن ماجه (٢٠١) المقدمة باب فيما أنكرت الجهمية ، وسنن النسائي الكبرى ، في النعوت (٧٧٢٧). وأخرجه الدارمي (٣٣٥٧)، والبخاري في خلق أفعال العباد (١٣) و(٢٨) والحاكم في المستدرك (٦١٣/٦١٢/٢) كتاب التاريخ . (٣) في سيرة ابن هشام (٤٢٥/١) والروض (١٧٤/٢). (٤) في سيرة ابن هشام (٤٢٥/١) والروض (١٧٥/٢). (٥) في ح : من يفري . ٣٩٧ إسلام إياس بن معاذ مقالتُه كالشَّهْدُ(١) ما كان شاهداً يسرُك باديهِ وتحتَ أديمهِ تُبين لك العينانِ ما هو كاتمٌ وبالغيبِ مأثورٌ على ثُغْرةِ النَّحْر(٢) نَميمةُ غِشِّ تَبْتَرِي عَقَبَ الظّهر(٣). من الغِلِّ والبغضاءِ بالنظر الشَّزْر وخيرُ الموالي من يَريشُ ولا يَبْريّ(٤) فَرِشْني بخيرٍ طالما قد بَرَيْتَني قال(٥): فتصدَّى له رسولُ اللهِبَ له حين سمع به، فدعاه إلى الله والإسلام، فقال له سويد: فلعلَّ الذي معك مثلُ الذي معي. فقال له رسولُ اللهِوَّرَ: ((وما الذي معك؟)) قال: مجلّة لُقْمانُ(٦) - يعني حكمة لقمان - فقال رسولُ اللهِوَ لَّ: ((اعرِضْها عليَّ)) فعرضها عليه فقال: ((إنَّ هذا الكلام حسن ، والذي معي أفضلُ من هذا ؛ قرآنٌ أنزله الله عليّ، هو هُدَى ونُور)) فتلا عليه رسولُ اللهِ وَّه القرآن، ودعاه إلى الإسلام . فلم يَبْعُدْ منه وقال : إنَّ هذا القول حسن . ثم انصرف عنه، فقدِم المدينة على قومه ، فلم يلبَثْ أَن قَتَتْهُ الخزرج ؛ فإن كان رجالٌ من قومه ليقولون: إنَّا لنراه قُتل وهو مسلم . وكان قتلُه قبل بُعَاث . وقد رواه البيهقي (٧) عن الحاكم ، عن الأصم ، عن أحمد بن عبد الجبار ، عن يونس بن بُكير ، عن ابن إسحاق بأخصرَ من هذا . إسلام إياس بن معاذ قال ابن إسحاق(٨): وحدَّثني الحُصَين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن مُعَاذ عن محمود بن لَبيد ، قال : لما قدم أبو الحَيْسَر أنسُ بن رافع مكة ومعه فتيةٌ من بني عبد الأشْهَل ، فيهم إياس بن معاذ يلتمسون الحِلْفَ من قريش على قومهم من الخزرج، سمع بهم رسولُ الله ◌ِّر فأتاهم فجلس إليهم فقال : ((هل لكم في خيرٍ مما جئتم له؟)) فقالوا: وما ذاك؟ قال: « أنا رسولُ الله إلى العباد ، أدعوهم إلى أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئاً، وأنزل عليَّ الكتاب)). ثم ذكر لهم الإسلام وتلا عليهم القرآن . قال : فقال إياسُ بن معاذ - وكان غلاماً حدثاً -: يا قوم، هذا والله خيرٌ مماجئتم له. فأخذ أبو الحَيْسَر أنسُ بن (١) في ح : كالشحم . (٢) ((المأثور)): يعني به السيف، ومأثور: من الأثر، وهو فِرَنْد السيف. الروض (١٨٥/٢). (٣) في ط : تميمة غش . والمثبت من ح وسيرة ابن هشام والروض . في ح : وشر الموالي ، والمثبت من ط وسيرة ابن هشام والروض . (٤) يعني ابن إسحاق في سيرة ابن هشام (٤٢٧/١) والروض (١٧٥/٢). (٥) (٦) قال السهيلي في الروض (٢/ ١٨٣): ولقمان كان نوبياً من أهل أيلة، وهو لقمان بن عنقاء بن سرور فيما ذكروا ، وابنه الذي ذكر في القرآن هو ثاران فيما ذكر الزجاج وغيره ، وقد قيل في اسمه غير ذلك ، وليس بلقمان بن عاد الحميري . اهـ . (٧) في دلائل النبوة (٤١٩/٢). (٨) في سيرة ابن هشام (٤٢٧/١) والروض (٢/ ١٧٥) وأخرجه البيهقي في الدلائل (٢/ ٤٢٠). ٣٩٨ إسلام إياس بن معاذ رافع حفنة من تراب البَطْحاء فضرب بها وجه إياس بن معاذ وقال : دعنا منك ، فلعمري لقد جئنا لغير هذا. قال : فصمَتَ إياس، وقام رسولُ الله وَّر عنهم، وانصرفوا إلى المدينة ، وكانت وقعةُ بُعَاث بين الأوس والخزرج . قال : ثم لم يلبَثْ إياسُ بن معاذ أنْ هلك. قال محمود بن لَبيد: فأخبرني مَنْ حضرَهُ(١) من قومه أنهم لم يزالوا يسمعونه يهلِّلُ الله ويكبِّرُه ويحمَدُه، ويسبّحُه حتى مات. فما كانوا يشكُّون أنه قد مات مسلماً ، لقد كان استشعر الإسلام في ذلك المجلس حين سمع من رسولِ الله وَ لّ ما سمع. قلتُ : كان يومُ بُعَاث - وبُعَاث موضعٌ بالمدينة - كانت فيه وقعةٌ عظيمة قُتل فيها خلقٌ كثير من أشرافِ الأوس والخزرج وكبرائهم ، ولم يبقَ من شيوخهم إلا القليل . وقد روى البخاري في صحيحه(٢) عن عُبيد بن إسماعيل، عن أبي أسامة(٣) ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة، قالت: كان يوم بُعَاث يوماً قدَّمَهُ الله لرسوله، فقدِم٤ُ) رسولُ اللهِ وَلَه إلى المدينة وقد افترق مَلَوْهم، وقُتَلَتْ سَرَواتُهم(٥) وقال(٦) أبو زرعة الرازي في كتابه ((دلائل النبوة)) باب إسلام رافع بن مالك ومعاذ بن عفراء: حدّثنا إبراهيم بن يحيى بن محمد(٧) بن هانىء الشَّجري(٨)، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق(٩) ، حدَّثني عبيد (١) بن يحيى عن معاذ بن رفاعة بن رافع ، عن أبيه ، عن جدِّه ، أنه خرج هو وابن خالته معاذ بن عفراء حتى قدِما مكة ، فلما هبطا من الثنيَّة رأيا رجلاً تحت شجرة - قال : وهذا قبل خروج الستة من (١) في ط : حضرني ، وفي ح : حضر ، والمثبت من سيرة ابن هشام والروض. (٢) فتح الباري (٣٧٧٧) مناقب الأنصار باب مناقب الأنصار . في ط : عن أبي أمامة . تصحيف ، والمثبت من ح وصحيح البخاري في الفتح . (٣) (٤) في ح ، ط : قدم والمثبت من صحيح البخاري . (٥) ((الملأ)): عِليَةُ القوم وأشرافهم. وفي ط : قتل سراتهم. وفي ح: قتلت سراتهم ، والمثبت من صحيح البخاري. قال ابن حجر في الفتح (٧/ ١١١) : سرواتهم : أي خيارهم ، والسروات جمع سراة بفتح المهملة وتخفيف الراء ، والسراة جمع سَرِيّ وهو الشريف . (٦) من هنا يبدأ سقط من نسخة ط وزيادة في ح تنتهي بنهاية هذا الفصل وهذا الخبر أخرجه الحاكم في المستدرك (١٤٩/٤). (٧) في ح: ((إبراهيم بن محمد بن يحيى)) مقلوب، والصواب ما أثبتناه من المستدرك (١٤٩/٤) وتهذيب الكمال (٢٣٠/٢)، والجرح والتعديل (١٤٧/٢) وغيرها. (بشار). (٨) في ح: ((السِّجْزي))، مصحف، والصواب ما أثبتنا ، نسب كذلك لأنه كان ينزل الشجرة بذي الحليفة، كما في أنساب السمعاني (٦٣/٨)، وتهذيب الكمال (٢٣١/٢)، وهي على ستة أميال من المدينة وتعرف اليوم بآبار علي. ( بشار) . (٩) قوله: ((عن ابن إسحاق)) ليس في المستدرك، وما هنا أصح، فرواية يحيى بن محمد بن عباد الشجري عن ابن إسحاق عند الترمذي ، ونص عليها المزي في التهذيب (٥٢١/٣١)، ولا تصح روايته عن عبيد بن يحيى. (بشار). (١٠) في المستدرك: ((عبد)) محرف، وما أثبتناه من تهذيب الكمال (١٢١/٢٨). (بشار). ٣٩٩ إسلام إياس بن معاذ الأنصار - قال: فلما رأيناه كلمناه(١) قلنا : نأتي هذا الرجل نستودعه راحلتينا حتى نطوف بالبيت ، فجئنا فسلَّمنا عليه تسليم أهل الجاهلية ، فردَّ علينا تسليم أهل الإسلام، وقد سمعتُ بالنبي [ِّ ]٢) قال: فأنكرنا، فقلنا: من أنت؟ قال: (( انزلوا)). فنزلنا فقلنا: أين هذا الرجل الذي يدَّعي ما يدَّعي ويقول ما يقول؟ قال: ((أنا هو)). قلنا: فاعْرِضْ علينا الإسلام. فعرض وقال: (( من خلق السماوات والأرض والجبال؟)) قلنا: خلقهنَّ الله. قال: ((من خلقكم))؟ قلنا: الله. قال: ((فمن عمل هذه الأصنام التي تعبدون؟)) قلنا: نحن. قال: ((الخالق أحقُّ بالعبادة أو المخلوق؟)) قلنا : الخالق. قال: ((فأنتم أحق أن تعبدوا ربكم ، وأنتم عملتموهن ، والله أحق أن تعبدوه من شيء عملتموه ، وأنا أدعو إلى عبادة الله وشهادة أن لا إله إلا الله وأنِّي رسول الله، وصلةِ الرَّحِم، وترك الولدالُ(٣) العدوان وإن غضب الناس )) فقالا : لو كان هذا الذي تدعوه إليه باطلاً لكان من معالي الأمور ومحاسن الأخلاق ، فأمسك راحلتينا حتى نأتي البيت ، فجلس عنده معاذ بن عفراء . قال رافع : وجئت البيت فطفت وأخرجت سبعة قداح ، وجعلت له بينها قدحاً فاستقبلت وقلت : اللهمّ إن كان ما يدعو إليه محمد حقاً فأخرج قدَحَه سبع مرات ، فضربتُ بها سبع مرات ، فصحت أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسولُ الله ، فاجتمع الناسُ علي وقالوا : مجنون رجلٌ صبأ . فقلت : رجلٌ صبأ! بل رجل مؤمن . ثم جئت إلى النبي وَلّر بأعلى مكة، فلما رآني معاذ بن عفراء قال: لقد جئتَ بوجهٍ ما ذهبت به . [ قال }٤) رافع : فجئت وآمنت ، وعلَّمنا رسول الله وَلخير سورة يوسف [ و](٤) اقرأ باسم ربك الذي خلق ، ثم خرجنا راجعين إلى المدينة فلما كنا بالعَقيق قال معاذ : إني لم أطْرُقْ ليلاً قط ، فبتْ بنا حتى نصبح . فقلت : أبيتُ ومعي ما معي من الخير !؟ ما كنتُ لأفعل . وكان رافع إذا خرج سفراً ثم قدم عرض قومه . إسنادٌ حسنٌ(٥) وسياقٌ حسَنُ(٦). (١) في ح: (( وترك الولدان العدوان))، وفي المستدرك: فلما رأيناه كلمناه قلنا . كما أثبتناه . (٢) زيادة يقتضيها السياق. (٣) كذا في ح ، ولكن كلمة الولدان مقحمة من الناسخ وليست في المستدرك. زيادة يقتضيها السياق . (٤) (٥) قال بشار : هكذا قال ، ومن أين يأتيه الحسن ويحيى بن محمد بن عباد بن هانىء الشجري ضعيف ، كما قال أبو حاتم وغيره . وقال الذهبي متعقباً تصحيح الحاكم لهذا الحديث في المستدرك: (( يحيى الشجري صاحب مناكير))، وقال الحافظ ابن حجر في التقريب : ضعيف . (٦) إلى هنا ينتهي السقط المشار إليه في الحاشية (٦) من الصفحة السابقة. ٤٠٠ باب بُدُوّ إسلام الأنصار باب بُدُوِّ إسلام الأنصار رضي الله عنهم قال ابن إسحاق: فلما أراد اللهُ إظهار دينه وإعزازَ نبيِّه، وإنجاز موعده له، خرج رسولُ اللهِوَ لَ فِي الموسم الذي لقيَهُ فيه النَّفَر من الأنصار فعرض نفسَه على قبائل العرب كما كان يصنعُ في كلِّ مَوْسم ، فبينا هو عند العقبة لَقِيَ رَهْطاً من الخزرج أراد الله لهم خيراً . فحدَّثني عاصمُ بن عمر بن قتادة، عن أشياخ من قومه قالوا: لما لقيهم رسولُ الله ◌ِّ قال لهم: ((من أنتم؟)) قالوا: نفرٌ من الخزرج. قال: ((أمَّن موالي يَهُود؟)) قالوا: نعم. قال: ((أفلا تجلسونَ أكلِّمكم؟)) قالوا: بلى . فجلسوا معه فدعاهم إلى الله وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهمُ القرآن . قال : وكان مما صنع الله بهم في الإسلام أنَّ يهودَ كانوا معهم في بلادهم ، وكانوا أهلَ كتابٍ وعِلْم ، وكانوا هم أهلَ شِرْكٍ وأصحاب أوثان ، وكانوا قد غزَوْهم ببلادهم ، فكانوا إذا كان بينهم شيءٌ قالوا : إنَّ نبيّاً مبعوثٌ الآن قد أظلَّ زمانُه نتَبعه، نقتلكم معه قَتْلَ عادٍ وإرَم. فلمَّا كلَّم رسولُ اللهِوَّهِ أولئك النَّفَر ودعاهم إلى الله ، قال بعضُهم لبعض : يا قوم ، تعلمون والله إنه النبيُّ الذي توعَّدكم به يهود ، فلا يسبِقُنَّكم إليه ، فأجابوه فيما دعاهم إليه ، بأن صدَّقوه وقبلوا منه ما عرَض عليهم من الإسلام وقالوا له : إنا قد ترَكْنا قومَنا ، ولا قومَ بينهم من العداوة والشرِّ ما بينهم، وعسى أن يجمعَهُم اللهُ بك، فسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك ، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين ، فإنْ يجمَعْهم الله عليك فلا رجلَ أعزُّ منك. ثم انصرفوا راجعين إلى بلادهم قد آمنوا وصدَّقوا . قال ابن إسحاق(١) : وهم - فيما ذُكر لي - ستة نفر، كلُّهم من الخزرج ، وهم أبو أمامة أسعدُ بن زُرَارة بن عُدَس بن عبيد بن ثعلبة بن غَنْم بن مالك بن النجَّارُ(٢) ، وعوف بن الحارث بن رفاعة بن سَوَاد بن مالك بن غَنْم بن مالك بن النَّار - وهو ابن عَفْراء - النجَّاريان ، ورافع بن مالك بن العَجْلان بن عمرو بن عامر بن زُرَيق الزُّرَقِي، وقُطْبَة بن عامر بن حَدِيدة بن عمرو بن غَنْم بن سواء٣) بن غَنْم بن كعب بن سَلِمة بن سعد بن علي بن أسَد بن سارِدَة بن تَزِيد بن جُشَم بن الخَزْرَجِ السَّلَمي ثم من بني سواد ، (١) في سيرة ابن هشام (٤٢٩/١) والروض (١٧٦/٢). (٢) زادت نسخة ط هنا ما نصه: قال أبو نعيم: وقد قيل: إنه أول من أسلم من الأنصار من الخزرج . ومن الأوس أبو الهيثم بن التيهان . وقيل إن أول من أسلم رافع بن مالك ومعاذ بن عفراء والله أعلم ، وهذه الزيادة ليست في ح ويبدو لي أنها حاشية كانت في إحدى النسخ فأدخلها النساخ في المتن ، إذ ليس من عادة المؤلف أن يقحم رواية ما في رواية أخرى وخاصة إذا كانت من سيرة ابن هشام . (٣) قال ابن هشام بعد أن ساق قول ابن إسحاق في السيرة (١/ ٤٣٠) : عمرو بن سواد ، وليس لسواد ابن يقال له غَنْم . اهـ قلت : وكتب الأنساب تؤيد ما ذهب إليه ابن هشام؛ انظر جمهرة أنساب العرب لابن حزم (ص٣٥٨، ٣٥٩) وترجمة قطبة بن عامر في الإصابة .