النص المفهرس
صفحات 301-320
٣٠١ باب هجرة من هاجر من أصحاب رسول الله العائلة. على الأرض وقد قتلتَ محمدا؟ أفلا ترجعُ إلى أهل بيتك فتقيمَ أمْرَهم ؟ قال : وأيَّ أهل بيتي ، قال : حَتَنك وابن عمِّك سعيد بن زيد، وأختك فاطمة، فقد والله أسلما وتابعا محمداً مج لّ على دينه ، فعليك بهما . فرجع عمر عائداً إلى أخته فاطمة وعندها خباب(١) بن الأرتّ، معه صحيفةٌ فيها ﴿طه﴾ يُقرِثُها إياها ، فلما سمعوا حِسَّ عمر تغيَّب خبَّابٌ في مُخْدَع لهمُ(٢) - أو في بعض البيت - وأخذَتْ فاطمةُ بنتُ الخطاب الصحيفةَ فجعلَتْها تحت فَخِذِها ، وقد سمع عمرُ حين دنا إلى الباب قراءةَ خَّاب عليها ، فلما دخل قال : ما هذه الهيئمة (٣) التي سمعتُ ؟ قالا له : ما سمعتَ شيئاً . قال : بلى والله ، لقد أُخبرتُ أنكما تابعتما محمداً على دينه ، وبَطَش بخَتَنِهِ سعيد بن زيد. فقامت إليه أختُه فاطمةُ بنتُ الخطّاب لتكفَّه عن زوجها فضربها فشجَّها ، فلما فعل ذلك قالت له أخته وختَنُهُ : نعم قد أسلَمْنا وآمنا بالله ورسوله فاصنَعْ ما بدا لك . فلما رأى عمر ما بأختِهِ من الدَّم ندم على ما صنع وازْعَوَى ، وقال لأخته : أعطيني هذه الصحيفةَ التي كنتم تقرؤونَ آنفاً أنظرْ ما هذا الذي جاء به محمد ؟ - وكان عمر كاتباً - فلما قال ذلك قالتْ له أختُهُ إنا نخشاك عليها . قال : لا تخافي وحلَفَ لها بآلهته ليرُدَّنَّها إذا قرأها إليها ، فلما قال ذلك طمعَتْ في إسلامه، فقالت : يا أخي، إنك نَجَسٌ على شِرْكك، وإنَّه لا يمسُّه إلا المُطَهَّرُون . فقام عمر فاغتسل ، فأعطَتْهُ الصحيفة ، وفيها ﴿طه﴾ فقرأها، فلما قرأ منها صدراً قال: ما أحسن هذا الكلام وأكرمَه . فلما سمع ذلك خبّاب بن الأرتّ خرج إليه فقال له : والله يا عمر ، إنِّي لأرجو أن يكون الله قد خصَّك بدعوةٍ نبيِّهِ بَّهَ، فإني سمعتُه أمسِ وهو يقول: ((اللهمَّ أيِّدِ الإسلامَ بأبي الحكم بن هشام ، أو بعمرَ بنِ الخطّاب)) . فاللهَ اللهَ يا عمر . فقال عند ذلك: فدُلَّني يا خبابُ على محمدٍ حتى آتيَهُ فأُسلم . فقال له خباب : هو في بيتٍ عند الصَّفا ، معه نفرٌّ من أصحابه . فأخذ عمر سيفه فتوشَّحه ثم عمد إلى رسولِ الله وََّ وأصحابه، فضرَبَ عليهمُ الباب . فلما سمعوا صوْتَه قام رجلٌ من أصحابِ رسولِ الله ◌ِّ﴿ فنظر من خَلَلِ الباب ، فإذا هو بعمر متوشّحٌ بالسيف ، فرجع إلى رسول الله وَ له وهو فَزِع فقال: يا رسولَ الله، هذا عمر بن الخطاب متوشِّحاً بالسيف، فقال حمزة : فأُذَنْ له، فإنْ كان جاء يريدُ خيراً بذَلْناه، وإنْ كان يريدُ شرّاً قتلناهُ بسيفه. فقال رسولُ اللهِ وَ لَه: ((ايذنْ له)) فأذِنَ له الرجل ونهض إليه رسولُ اللهِ وَّهِ حتى لَقِيهُ في الحُجْرَة، فأخذ بحُجْزِه أو بمجمع ردائه ثم جذَبهُ جذبةً شديدة فقال: (( ما جاء بك يا ابنَ الخطاب؟ فوالله ما أرى أنْ تنتهيَ حتى ينزلَ اللهُ بك قارعة)) . فقال عمر: يا رسول الله جئتُك لأومنَ بالله وبرسوله، وبما جاء من عند الله. قال: فكتبَر رسولُ الله وَلهم (١) في سيرة ابن هشام : إلى أخته وختنه ، وعندهما خباب. (٢) ((المخدع)): هو البيت الصغير الذي يكون داخل البيت، وتضم ميمه وتفتح. اللسان ( خدع). (٣) في ح : الهمهمة . وفي الهامش : الهينمة. وفوقها ( خ ) إشارة إلى رواية نسخة ، والهمهمة والهينمة : الكلام الخفي لا يفهم . النهاية لابن الأثير ( همهم ، هينم ) . ٣٠٢ باب هجرة من هاجر من أصحاب رسول الله تكبيرة ، فعرف أهلُ البيت أنَّ عمر قد أسلم . فتفرَّق أصحابُ رسولِ الله من مكانهم وقد عزُّوا في أنفسهم حين أسلم عمر مع إسلام حمزة، وعلموا أنهما سيمنعان رسولَ الله ◌َ له، وينتصفون بهما من عدوّهم . قال ابن إسحاق(١) : فهذا حديثُ الرواةِ من أهل المدينة عن إسلام عمرَ حين أسلم رضي الله عنه . قال ابن إسحاق(٢): وحدَّثني عبد الله بن أبي نجيح المكي عن أصحابه : عَطاء ومجاهد وعمن روى ذلك. أنَّ إسلام عمر فيما تحدَّثوا به عنه، أنه كان يقول : كنتُ للإِسلام مُبَاعداً وكنتُ صاحبَ خمرٍ في الجاهليّة أُحِبُها وأشربها(٣)، وكان لنا مجلسٌ يجتمع فيه رجالٌ من قريش بالحَزْوَرَةُ(٤) فخرجتُ ليلةً أريدُ جلسائي أولئك فلم أجدْ فيه منهم أحداً ، فقلت : لو أني جئتُ فلاناً الخمَّار لعلِّي أجد عنده خمراً فأشربَ منها . فخرجتُ فجئتُه فلم أجدْه قال : فقلت : لو أنِّي جئتُ الكعبة فطُفْتُ سبعاً أو سَبْعَيْن ، قال : فجئتُ المسجد، فإذا رسولُ اللهِوَه قائمٌ يصلِّي، وكان إذا صلَّى استقبل الشام وجعل الكعبة بينه وبين الشام ، وكان مصلاه بين الرُّكْنَين : الأسود واليماني . قال : فقلت حين رأيتُه : واللهِ لو أنِّي استمعتُ لمحمدٍ الليلةَ حتى أسمعَ ما يقول، فقلت : لئن دنوتُ منه لأستمع منه لأُرَوَّعَنَّه ، فجئتُ من قِبَلِ الحِجْر ، فدخلت تحت ثيابها ، فجعلتُ أمشي رويداً ورسولُ الله ◌َِّ قائمٌ يصلِّي يقرأ القرآن، حتى قمتُ في قبلتِه مستقبلَهُ ، ما بيني وبينه إلا ثيابُ الكعبة قال: فلما سمعتُ القرآن رقَّ له قلبي وبكَيْتُ ودَخَلني الإسلام ، فلم أزَلْ في مكاني قائماً حتى قَضَى رسولُ الله ◌ِّ صلاتَه ثم انصرف، وكان إذا انصرف خرج عل دارابن أبي حُسين - وكان مسكنه في الدار الرَّقْطَاء التي كانت بيد معاوية -. قال عمر : فتبعتُه حتى إذا دخل بين دارٍ عباس ودار ابن أزهر أدركتُه. فلما سمع [ رسول الله ◌ِ﴿٥٣) حِسِّي عرفني، فظنَّ أني إنما اتبعتُهُ لأُوذِيَه، فَنَهَمني(٦)، ثم قال: (( ما جاءَ بك يا ابنَ الخطّاب هذه الساعة)) قال: قلت: جئتُ لأومنَ بالله وبرسوله، وبما جاء من عند الله. قال: فحمد الله رسولُ اللهَوَ ◌ّه ثم قال: ((قد هَدَاكَ الله يا عمر)) ثم مسح صَدْري ودعا لي بالثبات ثم انصرفتُ ودخلَ رسولُ الله ◌ِ لّهِ بِيتَه . قال ابن إسحاق : فالله أعلم أيّ ذلك كان . سيرة ابن هشام (٣٤٦/١) والروض (٩٦/٢). (١) (٢) سيرة ابن هشام (٣٤٦/١) والروض (٩٧/٢). (٣) في سيرة ابن هشام والروض : وأسرُّ بها . (٤) ((الحزورة)): بالفتح ثم السكون وفتحت الواو، وراء وهاء ؛ هو في اللغة الرابية الصغيرة وجمعها حزاور، وقال الدار قطني : كذا صوابه ، والمحدثون يفتحون الزاي ويشددون الواو وهو تصحيف ، وكانت الحزورة سوق مكة وقد دخلت المسجد لمَّا زيد فيه . معجم البلدان (٢/ ٢٥٥). (٥) الزيادة من سيرة ابن هشام . (٦) أي زجرني وصاح بي. النهاية لابن الأثير (نهم). ٣٠٣ باب هجرة من هاجر من أصحاب رسول الله لية قلت : وقد استقصيتُ كيفيَّة إسلام عمر رضي الله عنه وما ورد في ذلك من الأحاديث والآثار مطوّلاً في أول سيرتِه التي أفردتُّها على حدة ولله الحمد والمنَّة . قال ابن إسحاق(١): وحدَّثني نافع مولى ابنِ عمر عن ابن عمر . قال : لما أسلم عمر قال : أيُّ قريش أنقل للحديث ؟ فقيل له : جميل بن معمر الجمحي ، فغدا عليه ، قال عبد الله : وغدوتُ أتبع أثره وأنظر ما يفعل - وأنا غلامٌ أعقِلُ كلَّ ما رأيت - حتى جاءه فقال له : أعلمتَ يا جميلُ أني أسلمتُ ودخلتُ في دينِ محمد ◌ِّ؟ قال: فوالله ما راجعه حتى قام يجُزُّ رداءَه واتَّبعه عمر ، واتبعتُه أنا حتى قام على باب المسجد ، صرَخَ بأعلى صوته : يا معشر قريش - وهم في أنديتهم حول الكعبة - ألا إنَّ ابنَ الخطّاب قد صبَأ . قال : يقول عمر من خلفه : كذَب ، ولكنِّي قد أسلمْتُ وشهدتُ أنْ لا إله إلا الله وأنَّ محمداً رسولُ الله ، وثاروا إليه ، فما بَرِحِ يقاتلُهم ويقاتلونه حتى قامتِ الشمس على رؤوسهم . قال : وطَلَحُ(٢) فقعد، وقاموا على رأسه وهو يقول: افعلوا ما بَدَا لكم، فأحلفُ بالله أنْ لو قد كنّا ثلاثمئة رجل لقد تركناها لكم أو تركتموها لنا . قال : فبينما هم على ذلك إذْ أقبل شيخٌ من قريش، عليه حُلَّةٌ حِبَرَة ، وقميصٌ مُوَشَّى ، حتى وقف عليهم فقال : ما شأنكم ؟ فقالوا : صَبَأ عمر . قال : فمه ؟ رجلٌ اختارَ لنفسه أمْراً فماذا تريدون ؟ أترون بني عديٍّ يُسلمون لكم صاحبَهم هكذا ؟ خلُّوا عن الرجل . قال : فوالله لكأنما كانوا ثوباً كُشِط عنه. قال : فقلت لأبي بعد أنْ هاجر إلى المدينة : يا أبة من الرجلُ الذي زَجَر القومَ عنك بمكةَ يوم أسلمت وهم يقاتلونك ؟ قال : ذاك أيْ بُني العاصُ بن وائل السهمي . وهذا إسنادٌ جِيِّدٌ قويّ، وهو يدلُّ على تأخّر إسلام عمر، لأنَّ ابنَ عمر عُرض يومَ أُحُد وهو ابنُ أربعَ عشرةَ سنة، وكانت أُحُد في سنة ثلاثٍ من الهجرة ، وقد كان مميِّزاً يوم أسلم أبوه ، فيكون إسلامهُ قبل الهجرة بنحوٍ من أربع سنين ، وذلك بعد البِعْثة بنحْوِ تسع سنين والله أعلم . وقال البيهقي(٣) حدّثنا الحاكم ، أخبرنا الأصم، أخبرنا أحمد بن عبد الجبّار، حدَّثنا يونس، عن ابن إسحاق قال: ثم قدِم على رسولِ الله وَ ﴿ عشرون رجلاً وهو بمكة - أو قريبٌ من ذلك - من النصارى حين ظهر خبّرُه من أرض الحبشة ، فوجدوه في المجلس ، فكلّموه وساءلوه ، ورجالٌ من قريش في أنديتهم حول الكعبة، فلما فرغوا من مساءلتهم رسولَ الله وَلَّ عما أرادوا، دعاهم رسولُ اللهَ يَّةٍ إلى الله عزَّ وجلّ ، وتلا عليهم القرآن . فلما سمعوا فاضَتْ أعينُهم من الدَّمْع ، ثمّ استجابوا له وآمنوا به وصدَّقوه ، وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره ، فلما قاموا من عنده اعترضهم أبو جهلٍ في نفرٍ من قريش فقال : خيَّبكم الله مِنْ ركُب بعثكم مَنْ وراءكم من أهل دينكم ترتادون لهم ، فتأتونهم بخبر الرجل ، فلم تطمئنَّ مجالسكم عنده حتى فارقتُم دينكم وصدَّ قتموهُ بما قال لكم ! ما نعلم ركباً أحمقَ منكم (١) سيرة ابن هشام (٣٤٨/١) والروض (٢/ ٩٧). (٢) ((طَلَحَ)): أي أعْيَا. النهاية ( طلح). (٣) في دلائل النبوة (٣٠٦/٢) . ٣٠٤ باب هجرة من هاجر من أصحاب رسول الله الخالق - أو كما قال - قالوا لهم: لا نجاهلكم، سلام عليكم، لنا أعمالنا ولكم أعمالُكم لا نأُلُوَنُ(١) أنفسنا خيراً . فيقال : إنَّ النَّفَرَ من نصارى نجران ؛ والله أعلم أيّ ذلك كان . ويقال : والله أعلم : إنَّ فيهم نزلت هذه الآيات: ﴿الَّذِينَ ءَانَيْنَهُمُ الْكِتَبَ مِن قَبْلِهِ، هُم بِهِ، يُؤْمِنُونَ (٢) وَإِذَا يُثَلَى عَلَيْهِمْ قَالُوَاْءَ امَنَّا بِهِ: إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبَِّآَ إِنَّا كُنَامِن قَبْلِهِ، مُسْلِمِينَ (٢) أُوْلَقِّكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَا رَزَقْنَهُمْ يُنْفِقُونَ (٥٥) وَ إِذَا سَمِعُواْ اَللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ وَقَالُوْ لَنَآ أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ سَلَمْ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِى الْجَاهِلِينَ﴾ [ القصص: ٥٢ - ٥٥]. فصل قال البيهقي في ((الدلائل)(٢): باب ما جاء في كتاب النبي ◌ُّ إلى النجاشي، ثم روى عن الحاكم، عن الأصم، عن أحمد بن عبد الجبّار، عن يونس، عن ابن إسحاق قال: هذا كتابٌ من رسول الله وله إلى النجاشي: [ (( بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا كتاب من محمد رسول الله إلى النجاشي ] الأصحم عظيم الحبشة ، سلامٌ على من اتَّبَع الهُدَى ، وآمن بالله ورسوله ، وشهد أنْ لا إله إلا الله وحدَهُ لا شريكَ له . لم يَتَّخِذْ صاحبةً ولا ولداً، وأنَّ محمداً عبده ورسوله ؛ وأدعوك بدعاية الله ، فإنِّي أنا رسولُه، فأسلمْ تَسْلَمْ ﴿ يَأَهْلَ الْكِتَبِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاِ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ، شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَوْ فَقُولُواْ أَشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [ آل عمران: ٦٤] فإنْ أَبَيْتَ فعليكَ إِثْمُ النَّصَارَى من قومِك )). هكذا ذكره البيهقي بعد قصة هجرة الحبشة ، وفي ذِكْره هاهنا نظر ، فإن الظاهرَ أنَّ هذا الكتاب إنما هو إلى النجاشي الذي كان بعد المسلم صاحبِ جعفرٍ وأصحابه ، وذلك حين كتَبَ إلى ملوك الأرض يدعوهم إلى الله عزَّ وجلّ قُبيل الفتح ، كما كتب إلى هِرَقْلَ عظيم الرُّوم قيصر الشام ، وإلى كسرى ملك الفرس ، وإلى صاحب مصر ، وإلى النجاشي . قال الزُّهْري: كانت كتبُ النبيِّ وَلَه إليهم واحدة يعني نسخةً واحدة ، وكلُّها فيها هذه الآية وهي من سورة آل عمران ، وهي مدنيَّة بلا خلاف ، فإنَّهُ من صَدْر السورة ، وقد نزل ثلاث وثمانون آية من أولها في وَفْد نَجْرَان كما قرَّرْنا ذلك في التفسير ولله الحمد والمنة . فهذا الكتاب إلى الثاني لا إلى الأول ، وقوله فيه إلى النجاشي الأصحم ، لعلَّ الأصحم مقحمٌ من الراوي بحسب ما فهم . والله أعلم . وأنسب من هذا هاهنا ما ذكره البيهقي(٣) أيضاً عن الحاكم ، عن أبي الحسن محمد بن عبد الله الفقيه (١) في الدلائل : لا نألوا . (٢) دلائل النبوة (٢/ ٣٠٨) وما يأتي بين معقوفين منه، وأخرجه الحاكم في المستدرك (٦٢٣/٢) كتاب التاريخ من كتاب الهجرة الأولى إلى الحبشة . (٣) في دلائل النبوة (٣٠٩/٢). ٣٠٥ فصل في ذكر مخالفة قبائل قريش بني هاشم وبني عبد المطلب في نصر رسول الله معالجة - بمرو - حدَّثنا حماد بن أحمد، حدَّثنا محمد بن حُميد، حدَّثنا سَلَمة بن الفضل ، عن محمد بن إسحاق قال: بعث رسولُ الله ◌ِ لّ عمرو بن أمية الضَّمْري إلى النجاشي في شأنٍ جعفر بن أبي طالب وأصحابه ، وكتب معه كتاباً: (( بسم الله الرحمن الرحيم ، من محمدٍ رسول الله إلى النجاشي الأصْحم ملكِ الحَبَشة ، سلامٌ عليك، فإني أحمد إليك الله الملكَ القدُّوس المؤمنَ المُهَيْمنَ ، وأشهدُ أنَّ عيسى روحُ الله وكلمتُه ألقاها إلى مريم البَتُول(١) الطيبة الحصينة، فحملتْ بعيسى، فخلقَهُ من رُوحه ونَفْخَتِهِ ، كما خلَقَ آدم بيده ونفخه ، وإني أدعوك إلى الله وحدَهُ لا شريكَ له ، والموالاة على طاعَتِهِ وأَنْ تَّبِعَني فتؤمنَ بي وبالذي جاءني ، فإني رسولُ الله، وقد بعثتُ إليك ابنَ عمِّي جعفراً ، ومعه نفرٌ من المسلمين ، فإذا جاؤوك فأقِرَّهم ودع التجَبُّر فإنِّي أدعوك وجنودَك إلى الله عزَّ وجلَّ، وقد بلَّغْتُ ونصحت ، فاقبلوا نصيحتي ، والسلام على من اتّبع الهُدى )). فكتب النجاشي إلى رسولِ الله وَّةٍ: بسم الله الرحمن الرحيم، إلى محمدٍ رسولِ الله من النجاشي ، الأصحم بن أبجر ، سلامٌ عليك يا نبيَّ الله، من الله ورحمة الله وبركاته ، لا إله إلا هو الذي هدَاني إلى الإسلام ، فقد بلغني كتابُكَ يا رسول الله فيما ذكرتَ من أمْرِ عيسى ، فَوَربِّ السماءِ والأرض إنَّ عيسى ما يزيد على ما ذكرت ، وقد عرفْنا ما بُعثتَ به إلينا، وقرَيْنا ابنَ عمِّك وأصحابَه ، فأشهدُ أنَّكَ رسولُ الله صادقاً ومصدَّقاً وقد بايعتك (٢) وبايعتُ ابنَ عمِّك، وأسلمتُ على يديه للهِربِّ العالمين ، وقد بعثتُ إليك يا نبيَّ الله بأريحا بن الأصحم بن أبجر ، فإنِّي لا أمْلِكُ إلا نفسي، وإنْ شئتَ أنْ آتيكَ فعلتُ يا رسولَ الله، فإنِّي أشهدُ أنَّ ما تقولُ حقٌ(٣). فصل في ذِكر مخالفة قبائل قريش بني هاشم وبني عبد المطلب في نصر رسول الله وليه وتحالفهم فيما بينهم عليهم ، على أن لا يبايعوهم ولا يُناكحوهم حتى يُسلموا إليهم رسولَ الله لَّهِ، وحَصْرهم إيَّهم في شِعْبِ أبي طالب مدَّةً طويلة، وكتاباتهم بذلك صحيفةً ظالمة فاجرة ، وما ظهر في ذلك كلِّه من آياتِ النبوّة ودلائل الصدق قال موسى بن عقبة عن الزهري(٤) : ثم إن المشركين اشتدوا على المسلمين كأشد ما كانوا ، حتى بلغ (١) زادت ط : الطاهرة . وليست هذه الزيادة في ح أو الدلائل. (٢) في ح : تابعتك . وكذا في إحدى نسخ الدلائل . (٣) إسناده ضعيف لضعف محمد بن حميد الرازي ، فضلاً عن إرساله . (٤) الدلائل للبيهقي (٣١١/٢). ٣٠٦ فصل في ذكر مخالفة قبائل قريش بني هاشم وبني عبد المطلب في نصر رسول الله الزر المسلمين الجهد، واشتدَّ عليهم البلاء واجتمعت(١) قريشٌ في مكْرها أنْ يقتلوا رسولَ الله محلّ علانيةً. فلما رأى أبو طالب عملَ القوم جمع بني عبد المطلب وأمرهم أنْ يُدْخِلوا رسولَ الله ◌ِ ◌ّ شِعْبَهُمْ، وأمرهم أنْ يمنعوه ممن أرادوا قتله . فاجتمع على ذلك مسلمُهم وكافرُهم ، فمنهم من فعله حميَّةً ، ومنهم من فعله إيماناً ويقيناً ؛ فلما عرفتْ قريش أنَّ القوم قد منعوا رسول الله بِيّة، وأجمعوا على ذلك اجتمع المشركون من قريش فأجمعوا أمرهم أن لا يجالسوهم ولا يبايعوهم ولا يدخلوا بيوتهم حتى يُسلموا رسولَ الله اله للقَتْل ، وكتبوا في مكْرهم صحيفةً وعهوداً ومواثيق ، لا يقبلوا٢) من بني هاشم صُلْحاً أبداً، ولا تأخذهم بهم(٣) رأفة حتى يسلموه للقتل . فلبث بنو هاشم في شِعْبهم ثلاثَ سنين ، واشتدَّ عليهم البلاءُ والجهد ، وقطعوا عنهم الأسواق ، فلا يتركوا٤) لهم طعاماً يقدم مكة ، ولا بيعاً إلا بادروهم إليه فاشترَؤْه يريدون بذلك أن يدركوا سفكَ دم رسول الله وَيرٍ؛ فكان أبو طالب إذا أخذ الناسُ مضاجعَهم أمر رسولَ الله مُصَلّ فاضطجع على فراشِه حتى يرى ذلك من أراد به مكراً واغتيالً له ، فإذا نامَ الناسُ أمر أحدَ بنيه أو إخوته أو بني عمه فاضطجعوا على فراش رسولِ الله وَّ وأمر رسولَ الله ◌َ ◌ّهِ أَنْ يأتيَ بعضَ فُرشِهم فينامَ عليه ؛ فلما كان رأس ثلاثٍ سنين تلاوم رجالٌ من بني عبد مناف ومن [ بني ]°) قصي ، ورجالٌ سواهم من قريش قد ولدَتْهم نساءٌ من بني هاشم ، ورأوا أنهم قد قطعوا الرَّحِم واستخفُّوْا بالحق ، واجتمع أمرُهم من ليلتهم على نقض ما تعاهدوا عليه من الغَدْر والبراءةِ منه، وبعث الله على صحيفتهم الأرَضَةُ(٦) فَلَحِسَتْ كلَّ ما كان فيها من عهدٍ وميثاق . ويقال : كانتْ معلَّقةً في سقف البيت ، فلم تتركِ اسماً لله فيها إلا لَحِسَتْه ، وبقي ما كان فيها من شِرْكٍ أو ظلم أو قطيعة رحم؛ وأطلع اللهُ عزَّ وجلَّ رسولَهُ على الذي صنع بصحيفتهم، فذكر ذلك رسولُ الله ◌ِلآله لأبي طالب . فقال أبو طالب : لا والثواقب(٧) ما كذبني ، فانطلق يمشي بعصابةٍ من بني عبد المطلب حتى أتى المسجدَ وهو حافلٌ من قريش ، فلما رأوهم عامدين لجماعتهم أنكروا ذلك ، وظنُّوا أنهم خرجوا من شدَّة البلاء ، فأتَوْهم ليعطوهم رسول الله بِّه. فتكلم أبو طالب فقال: قد حدثتْ أمورٌ بينكم لم نذكُرْها لكم ، فأَتُوا بصحيفتكم التي تعاهدْتُم عليها فلعلَّه أن يكونَ بيننا وبينكم صُلْح . وإنما قال ذلك خشيةَ أنْ ينظروا في الصحيفة قبل أنْ يأتوا بها. فأتَوْا بصحيفتهم معجَبينَ بها، لا يشكُّون أنَّ رسولَ الله ◌ِّه (١) في ط : وجمعت ، والمثبت من ح والدلائل. كذا في ح ، ط ودلائل البيهقي . (٢) (٣) في الدلائل : به . كذا في جميع الأصول والدلائل بحذف نون الرفع ، وهي لغة . (٤) الزيادة من الدلائل . (٥) ((الأرضة)): دويبة، أو دودة تأكل ( تلحس ) الخشب ونحوه . المعجم الوسيط ( أرض ). (٦) (٧) في ح : الثوابت ، والمثبت من ط والدلائل ؛ والثواقب : جمع ثاقب ، وهو النجم المضيء ، أو ما ارتفع من النجوم . اللسان ( ثقب ) . ٣٠٧ فصل في ذكر مخالفة قبائل قريش بني هاشم وبني عبد المطلب في نصر رسول الله مائية. مدفوعا١ً) إليهم فوضعوها بينهم وقال : قد آن لكم أن تقبلوا وترجعوا إلى أمر يَجْمَعُ قومكم ، فإنما قطع بيننا وبينكم رجلٌ واحد جعلتموه خطراً لهلكة قومكم وعشيرتكم وفسادهم . فقال أبو طالب : إنما أتيتُكم لأعطيكم أمراً لكم فيه نَصَف(٢) ، إنَّ ابن أخي أخبرني - ولم يكذبني - أنَّ الله بريءٌ من هذه الصحيفةِ التي في أيديكم ، ومحا كلَّ اسمٍ هو له فيها ، وترك فيها غَدْرَكم وقطيعتكم إيانا وتظاهرَكم علينا بالظُلْم ، فإنْ كان الحديثُ الذي قال ابنُ أَخي كما قال فأفيقوا ، فوالله لا نُسْلِمُه أبداً حتى نموت من عند (٣) آخرنا ، وإن كان الذي قال باطلاً دفعناهُ إليكم فقتلتموه أو استحييتم . قالوا : قد رَضِينا بالذي تقول، ففتحوا الصحيفة فوجدوا الصادق المصدوق وَل* قد أخبر خبرها، فلما رأتها قريش كالذي قال أبو طالب قالوا : والله إنْ كان هذا قطُّ إلا سحرٌ من صاحبكم . فارتكسوا وعادوا بشرِّ ما كانوا عليه من كفرهم، والشدَّة على رسولِ الله ◌ِوَ لَّه والقيام على رهطه بما تعاهدوا عليه (٤). فقال أولئك النفر من بني عبد المطلب : إنَّ أولى بالكذب والسحر غيرُنا ، فكيف ترَوْن ؟ فإنَّ نعلم أن الذي اجتمعتم عليه من قطيعتنا أقربُ إلى الجبْتِ والسِّحْر من أمرنا ، ولولا أنكم اجتمعتم على السحر لم تفسد صحيفتكم ، وهي في أيديكم طمس [ الله }(٥) ما كان فيها من اسمه ، وما كان فيها من بغي تركه ، أفنحن السَّحَرَةُ أم أنتم ؟ فقال عند ذلك النَّفَرُ من بني عبد مناف وبني قُصَيّ ورجالٌ من قريش ولدتْهم نساءٌ من بني هاشم، منهم أبو البَخْتَري والمُطْعِم بن عدي ، وزُهير بن أبي أمية بن المغيرة ، وزَمَعَة بن الأسود ، وهشام بن عمرو ؛ وكانت الصحيفةُ عنده وهو من بني عامر بن لُؤَيّ - في رجالٍ من أشرافهم ووجوههم - نحن بُرَآءُ مما في هذه الصحيفة . فقال أبو جهل لعنه الله : هذا أمر قُضي بليل . وأنشأ أبو طالب يقول الشعر في شأن صحيفتهم ويمدح النفر الذين تبرّؤوا منها ونقضُوا ما كان فيها من عهد ويمتدح (٦) النجاشي قال البيهقي(٧) : وهكذا روى شيخنا أبو عبد الله الحافظ - يعني من طريق ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير - يعني كسياق موسى بن عقبة رحمه الله - وقد تقدَّم عن موسى بن عقبة أنه قال : إنما كانت هجرة الحبشة بعد دخولهم إلى الشِّعب عن أمر رسول الله وَ لّ لهم في ذلك. فالله أعلمُ(٨). (١) كذا في ح ، ط والدلائل ، والوجه : مدفوع . (٢) ((النَّصَف)): من الإنصاف وهو العدل، قال ابن الأعرابي: أنصف؛ إذا أخذ الحق وأعطى الحق ، والاسم النَّصف والنصَفة محركتين ، وتفسيره أن تعطيه من الحق كالذي تستحقه لنفسك . التاج ( نصف ) . (٣) في ح ، ط : عندنا ، والمثبت من الدلائل . (٤) في الدلائل: والشدة على رسول الله وَل وعلى المسلمين رهطه، والقيام بما تعاهدوا عليه. (٥) الزيادة من الدلائل . (٦) القصيدة ستأتي . (٧) في الدلائل (٣١٤/٢) . (٨) انظر قول موسى بن عقبة في ص (٢٨٢) . ٣٠٨ فصل في ذكر مخالفة قبائل قريش بني هاشم وبني عبد المطلب في نصر رسول الله معالجة قلت : والأشبه أنَّ أبا طالب إنما قال قصيدته اللَّميَّة التي قدَّمنا ذِكرها بعد دخولهم الشعب أيضاً فِذِكْرُها هاهنا أنسب . والله أعلم . ثم روى البيهقي (١) من طريق يونس، عن محمد بن إسحاق قال: لما مضى رسولُ الله ◌ُّل على الذي بعث به [ وقامَتْ بنو هاشم وبنو المطلب دونه ، وأبَوْا أن يُسْلموه وهم من خلافه على مِثْلِ ما قومُهم عليه ، إلا أنهم أنِفُوا أن يُستذلُّوا ويُسْلِموا أخاهم لمن فارقه من قومه . فلما فعلتْ ذلك بنو هاشم وبنو المطلب وعرفتْ قريش أنْ لا سبيلَ إلى محمد ، اجتمعوا على أن ]٢) يكتبوا فيما بينهم على بني هاشم وبني عبد المطلب أن لا يناكحوهم ولا ينكحوا إليهم ولا يبايعوهم ولا يبتاعوا منهم ، وكتبوا صحيفةً في ذلك وعلَّقوها بالكعبة ، ثم عدَوْا على مَنْ أسلم فأوثقوهم وآذَوْهم، واشتدَّ عليهم البلاء وعظمتِ الفتنة وزُلْزِلُوا زِلْزالاً شديداً . ثم ذكر القصةَ بطولها في دخولهم شِعْبَ أبي طالب وما بلَغُوا فيه من فتنة الجهْد الشديد ، حتى كان يسمعُ أصواتَ صبيانِهِم يتضاغَوْنَ من وراء الشِّعْب من الجوع ، حتى كره عامَّةُ قريش ما أصابهم وأظهروا كراهيتهم لصحيفتهم الظالمة ، وذكر(٣) أن الله برحمته أرسل على صحيفة قريش الأرَضة فلم تدَعْ فيها اسماً هو الله إلا أكلَتْه وبقي فيها الظلم والقَطِيعة والبُهْتان، فأخبر اللهُ تعالى بذلك رسولَ الله ◌ُ ◌َّ فَأُخبر بذلك عمُّه أبو طالب ، ثم ذكر بقيَّة القصة كرواية موسى بن عقبة وأتم . وقال ابنُ هشام(٤) عن زيد عن محمد بن إسحاق: فلما رأت قريش أنَّ أصحاب رسولِ الله پ# قد نزلوا بلداً أصابوا فيها أمْناً وقراراً ، وأنَّ النجاشِي قد مَنَعَ مَنْ لجأ إليه منهم ، وأنَّ عمر قد أسلم فكان هو وحمزةٌ مع رسولِ الله ◌ُّه وأصحابه، وجعل الإسلام يَفْشُو في القبائل اجتمعوا وأتَمروا على أن يكتبوا كتاباً يتعاقدون فيه على بني هاشم وبني المطلب(٥) على أن لا يُنكحوا إليهم ولا يُنكحوهم ، ولا يبيعوهم شيئاً ولا يبتاعوا منهم ؛ فلما اجتمعوا لذلك كتبوه(٦) في صحيفة ثم تعاهدوا وتواثقوا على ذلك ، ثم علَّقوا الصحيفة في جَوْف الكعبة توكيداً على أنفسهم ، وكان كاتبَ الصحيفة منصورُ بنُ عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي . قال ابنُ هشام : ويقال : النَّضْر بن الحارث ، فدعا عليه رسولُ اللهِ وَّ فشلَّ بعضُ أصابعه . (١) في الدلائل (٢/ ٣١٤). (٢) سقط ما بين المعقوفين من ح وتقويمه من الدلائل . في ح، ط : وذكروا . والمثبت من الدلائل ، والذي ذكر هو محمد بن إسحاق كما تقدم . (٣) (٤) سيرة ابن هشام (١/ ٣٥٠) والروض (١٠١/٢). (٥) في ح ، ط : وبني عبد المطلب ، والمثبت من سيرة ابن هشام . (٦) في ح ، ط : كتبوا ، والمثبت من سيرة ابن هشام . ٣٠٩ فصل في ذكر مخالفة قبائل قريش بني هاشم وبني عبد المطلب في نصر رسول الله مجانية وقال الواقدي : كان الذي كتب الصحيفة طلحة بن أبي طلحة العَبْدَريُ(١) قلت : والمشهور أنه منصور بن عكرمة كما ذكره ابن إسحاق ، وهو الذي شَلَّتْ يدُه فما كان ينتفع بها ، وكانت قريش تقول بينها : انظروا إلى منصور بن عكرمة . قال الواقدي (٢) : وكانت الصحيفة معلقة في جوف الكعبة . قال ابن إسحاق(٣) : فلما فعلتْ ذلك قريش انحازت بنو هاشم وبنو المطلب إلى أبي طالب فدخلوا معه في شِعْبِه واجتمعوا إليه ، وخرج من بني هاشم أبو لهب عبدُ العُزَّى بن عبد المطلب إلى قريش فظاهرهم . وحدَّثني حسين بن عبد الله ، أن أبا لهب لقي هند بنت عتبة بن ربيعة حين فارق قومه وظاهر عليهم قريشا ، فقال : يا ابنة عتبة ، هل نصرتِ اللاتَ والعُزَّى وفارقتِ مَنْ فارقها وظاهر عليها٤) ؟ قالت : نعم ! فجزاك الله خيراً يا أبا عتبة . قال ابن إسحاق(٣): وحُدِّثتُ أنه كان يقول - في بعض ما يقول - يَعِدُني محمد أشياءَ لا أراها يزعم أنها كائنٌ بعد الموت ، فماذا وضع في يدي بعد ذلك ، ثم ينفخ في يدَيْه فيقول : تباً لكما ، لا أرى فيكما شيئاً مما يقول محمد. فأنزل الله تعالى ﴿ تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [ المسد: ١]. قال ابن إسحاق(٥) : فلما اجتمعتْ على ذلك قريش وصنعوا فيه الذي صنعوا قال أبو طالب: (من الطويل] ألا أبلِغَا عنِّي على ذاتِ بيننا لُؤَياً وخُصَّا من لُؤَيٍّ بني كَعْبٍ(٦) نبياً كموسى خُطَّ في أولِ الكُتْبِ (٧) ألم تعلموا أنا وجدْنا محمداً ولا خير ممَّنْ خصَّهُ اللهُ بالحُبِّ(٨) وأنَّ عليه في العبادِ محبةً (١) في ط : العبدوي، والمثبت من ح والإكمال (٣٤٩/٦). (٢) قول الواقدي في طبقات ابن سعد (٢٠٩/١). (٣) سيرة ابن هشام (٣٥١/١) والروض (١٠٢/٢). في سيرة ابن هشام والروض : فارقهما وظاهر عليهما . (٤) (٥) سيرة ابن هشام (٣٥٢/١) والروض (١٠٢/٢) والشعر فقط في السير والمغازي ص (١٥٧). (٦) هذه رواية ط وسيرة ابن هشام والروض . ورواية ح : ألا بلَغا عني قريشاً وبيتنا لؤياً وخصًا من لؤي بني كعب وفي السير :... على ذات نايها، والمثبت من سيرة ابن هشام والروض وقال السهيلي فيه (١٠٩/٢): ((ذات بيننا وذات يده وما كان نحوه : صفة لمحذوف مؤنث ، كأنه يريد الحال التي هي ذات بينهم ، كما قال الله سبحانه : ﴿ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ ، فكذلك إذا قلت ذات يده ، يريد أمواله أو مكتسباته . (٧) رواية ح: نبياً كما قد خط ... ، وفي الهامش : كموسى ، وفوقها حرف : خ إشارة إلى رواية نسخة . (٨) قال السهيلي: معلقاً على الشطر الثاني في الروض (٢/ ١١٠): وهو مشكل جداً لأن ((لا)) في باب التبرئة لا تنصب مثل هذا إلا منوناً تقول : لا خيراً من زيد في الدار ، ولا شراً من فلان ، وإنما تنصب بغير تنوين إذا كان الاسم غير= ٣١٠ فصل في ذكر مخالفة قبائل قريش بني هاشم وبني عبد المطلب في نصر رسول الله ماثلة وأن الذي ألصقْتُمُ من كتابكم لكم كائنٌ نحساً كراغيةِ السَّقْبِ (١) أفيقوا أفيقوا قبل أنْ يُحفَرَ الثَّرَى ولا تَتْبَعُوا أمرَ الوشاةِ وتقطعوا وتستَجلِبوا حَرْباً عَواناً وربما فلسنا وربِّ البيتِ نُسْلم أحمداً ولما تَبِنْ منَّا ومنكُم سوالفٌ بمعتركٍ ضَيْقٍ ترى كِسَرَ القَنَا كأن مَجَالَ الخيل في حَجَراتِهِ أليس أبونا هاشمٌ شُدَّ أزْرُهُ ولسنا نملُّ الحربَ حتى تملَّنا ولكنَنا أهلُ الحفائظِ والنُّهى ويصبح من لم یجنِ ذنباً کذي الذئب أواصرَنا بعدَ المودَّة والقُرْبِ(٢) أمَرَّ على مَن ذاقه حَلَبُ الحرب(٣) لعزَّاءَ من حضِّ الزمانِ ولا كَرْب (٤) وأيدٍ تبارَتْ بالقساسِيَةِ الشُّهْبِ (٥) بهِ والنسورَ الطُّخْمَ يعْكُفْنَ كالشَّرْبِ (٦) ومعمعةَ الأبطالِ معركةُ الحرب(٧) وأوصَى بنيهِ بالطِّعانِ وبالضَّرْبِ ولا نشتكي ما قد ينوبُ من النَّكْبِ إذا طارَ أرواحُ الكماةِ من الرُّعْبِ موصول بما بعده كقوله تعالى: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَّ﴾ لأن عليكم ليس من صلة التثريب، لأنه في موضع الخبر؛ = وأشبه ما يقال في بيت أبي طالب أن خير مخفف من ((خيِّر)) كهيِّن وميِّت وفي التنزيل ﴿ خَيْرَتُّ حِسَانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] هو مخفف من خيِّرات. وقوله ((ممن من متعلقة بمحذوف ، كأنه قال : لا خير أخير ممن خصه الله ، وخير أخير : لفظان من جنس واحد فحسُن الحذف استثقالاً لتكرار اللفظ كما حسُن ﴿ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ﴾ و﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَتُ﴾ لما في تكرار الكلمة مرتين من الثقل على اللسان ... وفيه يجوز وجه آخر ، وهو أن يكون حذف التنوين مراعاة لأصل الكلمة لأن خيراً من زيد إنما معناه : أخير من زيد ، وكذلك شر من فلان ، إنما أصله : أشر على وزن أفعل ، وحذف الهمزة تخفيفاً ، وأفعل لا ينصرف ، فإذا انحذفت الهمزة انصرف ونوِّن ، فإذا توهمتها غير ساقطة التفاتاً إلى أصل الكلمة لم يبعد حذف التنوين على هذا الوجه مع ما يقويه من ضرورة الشعر. اهـ. (١) في ح: لصَّقْتُم ... لراعية الشعب. قال السهيلي في الروض (١١١/٢): وقوله كراغية السقب: يريد ولد الناقة التي عقرها قدار ، فرغا ولدها ، فصاح برغائه كل شيء له صوت فهلكت ثمود عند ذلك ، فضربت العرب ذلك مثلاً في كل هلكة اهـ . (٢) في ح : وتقطعوا عناصرنا . . . (٣) جاء في الأساس ( حلب ) : هذا فَيْءُ المسلمين وحَلَبُ أسيافهم . وذاقوا حلب أمرهم : أي وباله . وفي سيرة ابن هشام (( جلب)) بالجيم . (٤) ((العزَّاء)): الشدة من مرض أو موت أو غير ذلك. الأساس (عزز). (٥) قال السهيلي في الروض: (١١١/٢): وقوله بالقساسية الشهب: يعني السيوف، نسبها إلى قساس، وهو مَعْدن حديد لبني أسد ، وقيام اسم للجبل الذي فيه المعدن. ورواية ط والسيرة : وأيد أَتِرَّتْ . أي قطعت . وما أثبتُه رواية ح . (٦) ((النسور الطخم)): هي السود الرؤوس، قاله صاحب العين، وقال أيضاً: الطخمة سواد في مقدَّم الأنف. الروض (١١١/٢). (٧) ((الحَجَرات)): النواحي مفردها. حجرة، وهي الناحية. اللسان (حجر). ٣١١ فصل في ذكر مخالفة قبائل قريش بني هاشم وبني عبد المطلب في نصر رسول الله يشعر قال ابن إسحاق(١): فأقاموا على ذلك سنتَيْن أو ثلاثاً حتى جُهدوا، ولم يصلْ إليهم شيءٌ إلا سرّأَ مستخفياً به مَنْ أراد صِلَتَهُمْ من قريش ، وقد كان أبو جهل بن هشام - فيما يذكرون - لَقِي حَكِيمَ بنَ حِزَام بن خُويلد بن أسد معه غلامٌ يحمل قمحاً ، يُريد به عمَّتْهُ خَدِيجة بنت خُويلد ، وهي عند رسولِ الله تَّ في الشّعْب ، فتعلَّق به وقال : أتذهبُ بالطعام إلى بني هاشم؟ والله لا تذهب أنت وطعامك حتى أفضحك بمكة . فجاءه أبو البَخْتَرِيِّ بنُ هشام بن الحارث بن أسد فقال : ما لك وله ؟ فقال : يحمِلُ الطعام إلى بني هاشم . فقال له أبو البختريّ : طعامٌ كان لعمَّتِه عنده بعثتْ به إليه أتمنعه أنْ يأتيَها بطعامها ؟ خلِّ سبيلَ الرجل . قال : فأبَى أبو جهل لعنه الله حتى نالَ أحدُهما من صاحبه ، فأخذ أبو البختريِّ لَحْيَ بعيرٍ فضربه، فشجَّهُ ووطِئَهُ وْئَاً شديداً ، وحمزةُ بن عبد المطلب قريبٌ يرى ذلك ، وهم يكرهون أن يبلغ ذلك رسولَ الله وَهِ وأصحابَه فيشمتون بهم، ورسولُ اللهِ وَلَّ على ذلك يدعو قومَهُ ليلاً ونهاراً وسِرّاً وإعلاناً وجهاراً مُبَاديا لأمر(٢) الله تعالى، لا يتقي فيه أحداً من الناس . فجعلت قريشٌ حين منعَهُ الله منها وقام عمُّه وقومُه من بني هاشم وبني عبد المطلب(٣) دونه وحالُوا بينهم وبين ما أرادوا من البَطْش به ، يهمزونه ويستهزئون به ويخاصمونه وجعل القرآنُ ينزلُ في قريش بأحداثهم وفيمن نَصَبَ لعداوته ، منهم من سُمّي لنا ، ومنهم من نزل القرآن في عامَّةٍ مَنْ ذكر الله من الكفار . فذكر ابن إسحاق(٤) أبا لهب ونزولَ السورةِ فيه، وأُمَّة بن خلف ونزول قوله تعالى: ﴿ وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةِ﴾ [الهمزة: ١] السورة بكمالها فيه. والعاص بن وائل ونزول قوله: ﴿أَفَرَغَيْتَ الَّذِى كَفَرَ بَِايَتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَ مَالَا وَوَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧] فيه. وقد تقدَّم شيءٌ من ذلك. وأبا جهل بن هشام وقولهُ للنبيِّي وَل لتَتْرُكَنَّ سبَّ آلهتِنا أو لنسبَّنَّ آلهتك، ونزول قول الله فيه ﴿ وَلَا تَسُبُواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّواْ اللَّهَ عَدْوَا بِغَيْرِ عِلَّمِ ﴾ [الأنعام: ١٠٨] الآية. والنَّضْر بن الحارث بن كَلَدة بن علقمةُ(٥)، وجلوسه بعد النبي ◌ِّ في مجالسه حيث يتلو القرآن ، ويدعو إلى الله ، فيتلو عليهم النضْرُ شيئاً من أخبار رستم واسفنديار ، وما جرى بينهما من الحروب في زمنِ الفرس ، ثم يقول : والله ما محمدٌ بأحسنَ حديثاً مني ، وما حديثُه (١) سيرة ابن هشام (٣٥٣/١) والروض (١٠٣/٢). (٢) في ط : منادياً بأمر الله ، والمثبت من ح . (٣) في السيرة والروض : وبني المطلب . (٤) في سيرة ابن هشام (١/ ٣٥٦ - ٣٦٠). (٥) زادت ط بين معترضتين ما نصه : ومنهم من يقول علقمة بن كلدة قاله السهيلي . وليست هذه الزيادة في ح ولعلها من النساخ لأن السهيلي أثبت نص ابن هشام كما هو ثم علق عليه بقوله الروض (٢/ ١١٥): وقال في نسبه : كلدة بن علقمة ، وغيره من النساب يقول : علقمة بن كلدة ، وكذلك ألفيته في حاشية كتاب الشيخ أبي بحر عن الوليد . اهـ . جمهرة الأنساب لابن حزم (ص١٢٦) . ٣١٢ فصل في ذكر مخالفة قبائل قريش بني هاشم وبني عبد المطلب في نصر رسول الله وعليه إلا أساطير الأولين اكتتبها كما اكتتبها . فأنزلَ اللهُ تعالى: ﴿ وَقَالُواْ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ آكْتَتَّبَهَا فَهِىَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥] وقوله: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَاكٍ أَنِمِ ﴾ [ الجاثية: ٧]. قال ابن إسحاق(١): وجلس رسولُ الله ◌ُ - - فيما بلغنا٢) - يوماً مع الوليد بن المغيرة في المسجد ، فجاء النَّصْر بن الحارث حتى جلس معهم ، وفي المجلس غيرُ واحدٍ من رجال قريش ، فتكلّم رسولُ الله وَ فعرض له النضر، فكلَّمه رسولُ الله ◌ُ ◌ّل حتى أفحمه، ثم تلا عليه وعليهم ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَرِدُونَ (٢) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ ،َالِهَةٌ مَّا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيَهَا خَلِدُونَ لَهُمْ فِيهَا زَفِيْرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ ﴾ [الأنبياء: ٩٨ - ١٠٠]. ثم قام رسولُ اللهُ بَّه، وأقبل عبد الله بن الزِّبَعْرَى السَّهْمِيّ حتى جلس، فقال الوليد بن المغيرة له : والله ما قامَ النضْرُ بن الحارث لا بن عبد المطّلبِ آنفاً وما قعد ، وقد زعم محمدٌ أنَّا وما نعبدُ من آلهتنا هذه حَصَبُ جهنّم . فقال عبد الله بن الزِّبَعْرَى: أما والله لو وجدتُه لخصَمْتُه، فسلوا محمداً أكلُّ ما٣) يُعبَدُ من دون الله حَصَب جهنم مع من عَبَدَه ؟ فنحن نعبدُ الملائكة ، واليهود تعبدُ عُزَيْراً، والنصارى تعبدُ عيسى . فعجِبَ الوليدُ ومَنْ كان معه في المجلس من قول ابن الزِّبَعْرَى! ورأَوا أنه قد احتجَّ وخاصم. فذُكر ذلك لرسولِ الله وَّر. فقال: (( كلُّ مَن أحبّ أن يُعبد من دونِ الله فهو مع مَنْ عبَدَهُ في النَّار، إنَّهم إنما يعبدُون الشياطين ومن أمَرَتْهُمْ بعبادته )) . فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا الْحُسْنَّ أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (٥ لَا يَسَمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِ مَا آَشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَلِدُونَ﴾ [ الأنبياء: ١٠١ - ١٠٢] أيْ: عيسى وعُزَير ومَنْ عُبد من الأحبار والرُّهْبان الذينَ مضَوْا على طاعةِ الله تعالى . ونزّل فيما يذكرون أنهم يعبدون الملائكة وأنها بناتُ الله ﴿ وَقَالُواْ اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَنَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦]. والآيات بعدَها ونزّل في إعجاب وَقَالُوَاْءَأَلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ المشركين بقول ابن الزِّبَعْرَى ﴿﴿ وَلَمَّا ضُرِبَ أَبْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ هُوَّ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلَا بَلْ هُمْ قَوْمُّ خَصِمُونَ﴾ [ الزخرف: ٥٧ -٥٨ ] وهذا الجدل الذي سَلَكُوه باطلٌ وهم يَعْلَمُون ذلك لأنهم قومٌ عَرَبٌّ ومِنْ لُغتِهم أنَّ ما لما لا يعقل، فقوله: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَرِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] إنما أُريدَ بذلك ما كانوا يعبدونه من الأحجار التي كانتْ صورَ أصنام ، ولا يتناولُ ذلك الملائكةَ الذين زعموا أنهم يعبدونهم في هذه الصور ، ولا المسيحَ ، ولا عُزيراً ، ولا أحداً من الصالحين لأنَّ اللفظ لا يتناولهم لا لفظاً ولا معنىّ . فهم يعلمون أنَّ ما ضربوه بعيسى بن مريم من المَثَل جدلٌ باطلٌ كما قال الله تعالى ﴿ وَقَالُوَأْءَ أَلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَّ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلََّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمُ خَصِمُونَ﴾. ثم قال: ﴿ إِنْ هُوَ﴾ أي عيسى ﴿إِلَّا عَبْدَّ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ أي بنبوَّتنا ﴿ وَحَعَلْنَهُ مَثَلًا لِبَنِىّ إِسْرَِّيلَ﴾ [الزخرف: ٥٩] أي دليلاً على تمام قدرتنا على ما نشاء حيث خلقناه من أنثى بلا ذكر ، وقد (١) سيرة ابن هشام (٣٥٨/١) والروض (١٠٦/٢). (٢) في سيرة ابن هشام والروض : فيما بلغني . (٣) في ط : أكل من بعده . والمثبت من ح وسيرة ابن هشام والروض . ٣١٣ فصل في ذكر مخالفة قبائل قريش بني هاشم وبني عبد المطلب في نصر رسول الله صل: خلقنا حواءَ من ذكرٍ بلا أنثى ، وخلقنا آدم لا من هذا ولا من هذا ، وخلَقْنا سائر بني آدم من ذكرٍ وأنثى كما قال في الآية الأخرى: ﴿ وَلِنَجْعَلَهُ: ءَايَةً لِلنَّاسِ﴾ أي أَمَارةً ودليلاً على قُدْرتنا الباهرة ﴿ وَرَحْمَةً مِنَّأَ ﴾ [ مريم: ٢١] نرحم بها مَنْ نشاء . وذكر ابن إسحاق(١): الأخنس بن شَريق ونزول قوله تعالى فيه: ﴿ وَلَا تُطِعْ كُلّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ ﴾ [ القلم : ١٠] الآيات، وذكر الوليد بن المغيرة حيث قال: أينزَّلُ على محمدٍ وأُترك وأنا كبيرُ قريش وسيِّدُها ، ويترك أبو مسعود عمرو بن عُمير(٢) الثقفي سيد ثقيف فنحن عظيما القريتين . ونزل قوله فيه ﴿ وَقَالُواْ لَوْلًا نُزِلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾(٢) والتي بعدها . وذكر(٣) أَبيَّ بن خلف حين قال لعقبة بن مُعَيط: ألم يَبْلُغْني أنك جالستَ محمداً وسمعتَ منه، وَجْهي من وجهك حرام إلا أنْ تَتْفُلَ في وجهه . ففعل ذلك عدوُّ الله عقبةُ لعنَهُ الله، فأنزل الله ﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَيْتَنِ اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٤٦) يَوَبِلَى لَيْتَنِى لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان ٢٧ -٢٨] والتي بعدها . قال : ومشى أَبَيُّ بن خلف بعظم بالٍ قد أرَم٤ُ) فقال: يا محمد ، أنت تزعمُ أن الله يبعث هذا بعدما أرمّ. ثم فتَّهُ بيده ثم نفخَهُ في الرِّيحِ نحو رسول الله وَّه. فقال: (( نعم، أنا أقولُ ذلك، يبعثُهُ الله وإيّاك بعدَما تكونانِ هكذا، ثم يُدخلكَ النار)). فأنزل الله تعالى: ﴿ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِىَ خَلْقَةٌ قَالَ مَن يُخِى اَلْعِظَمَ وَهِىَ رَمِيمٌ (١) قُلْ يُحِبِهَا الَّذِىّ أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ﴾ [ يس: ٧٨ - ٧٩] إلى آخر السورة. قال : واعترضَ رسولَ اللهِوَليه - فيما بلغني - وهو يطوف عند باب الكعبة - الأسودُ بن المغيرة، وأميَّةُ بن خلف ، والعاص بن وائل فقالوا : يا محمد ، هَلُمَّ فلنعْبُدْ ما تعبد ، وتعبدُ ما نعبد ، فنشترك نحن وأنتَ في الأمر. فأنزل الله فيهم ﴿قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ ﴿لَآ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ١ - ٢] إلى آخرها . ولما سمع أبو جهل بشجرة الزَّقُوم . قال: أتدرون ما الزَّقُوم؟ هو تمر يثرب(٥) بالزُّبْد . ثم قال : هلمُّوا فلنتزقَّمْ . فأنزلَ الله تعالى ﴿ إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُومِ (٤ طَعَامُ الْأَثِمِ﴾ [الدخان: ٤٣ - ٤٤]. (١) في سيرة ابن هشام (١/ ٣٦٠) والروض (٢/ ١٠٧). (٢) في ح: عمرو بن عمرو وفي أصل ط : عمرو بن عمر والمثبت من سيرة ابن هشام (١/ ٣٦١) واختلف فيمن نزلت هذه الآية ﴿عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ من بني ثقيف ؛ فقيل : نزلت بأبي مسعود عروة بن مسعود ، أو حبيب بن عمرو بن عمير الثقفي ، أو مسعود بن عمرو بن عمر الثقفي، أو كنانة بن عمرو بن عمير . تفسير الطبري (١٣ / ٦٥) وتفسير ابن كثير (٣٧٤/٧، ٣٧٥) في تفسير آية ٣١ من سورة الزخرف . (٣) يعني ابن إسحاق في سيرة ابن هشام (١/ ٣٦١). (٤) ((أرمَّ)): بلي؛ وفي السيرة: ارفثَّ. ومعناه تحطم وتكسَّر. اللسان (رمم، رمُت). (٥) في ط : يضرب ، والمثبت من ح وسيرة ابن هشام والروض. قال السهيلي في الروض (٢/ ١١٨). ٣١٤ فصل في ذكر مخالفة قبائل قريش بني هاشم وبني عبد المطلب في نصر رسول الله الة قال(١): ووقف الوليد بن المغيرة فكلَّم رسولَ الله ◌ِ لَه ورسول الله بِ ◌َّ يكلِّمُه وقد طَمِع في إسلامه فمرَّ به ابنُ أمِّ مكتوم - عاتكة بنت عبد الله بن عَنْكَثَةُ(٢) - الأعمى، فكلَّم رسولَ الله وَ لّه ، وجعل يستقرئه القرآن ، فشقَّ ذلك عليه حتى أضْجَرَه ، وذلك أنه شغَلَهُ عمَّا كان فيه من أمْرِ الوليدِ وما طمع فيه من إسلامه ، فلما أكثر عليه انصرف عنه عابساً، وتركه فأنزل الله تعالى ﴿ عَبَسَ وَتَوَلٌَ (٤) أَن ◌َهُ الْأَعْمَى﴾ إلى قوله ﴿ قَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ ﴾ [عبس: ١ - ٤١]. وقد قيل : إنَّ الذي كان يحدِّث رسولَ الله ◌َُّ حين جاءه ابنُ أمِّ مكتوم أميةُ بن خلف . فالله أعلم . ثم ذكر ابنُ إسحاق(٣) مَنْ عاد من مهاجرة الحبشة إلى مكة وذلك حين بلغهم إسلامُ أهلِ مكة ، وكان النقلُ ليس بصحيح ، ولكن كان له سبب، وهو ما ثبت في الصحيح وغيره أنَّ رسول الله بِ ◌ّ جلس يوماً مع المشركين، وأنزل الله عليه ﴿ وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى ◌ِأَ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ ﴾ [النجم: ١ - ٢] يقرؤها عليهم حتى ختمها وسجد . فسجد مَنْ هناك مِنَ المسلمين والمشركين والجنِّ والإنس ، وكان لذلك سببٌ ذكرهُ كثيرٌ من المفسّرين عند قوله تعالى: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍ إِلَّ إِذَا تَمَنَّىَ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِىّ أُمْنِيَّتِهِ، فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِى الشَّيْطَنُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ عَيَتِهِ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [ الحج: ٥٢] وذكروا قصة الغَرَانِيقُ(٤) ، وقد أحبينا الإضرابَ عن ذكرها صفحاً لئلا يسمعها مَنْ لا يضَعُها على مواضيعها ، إلا أنَّ أصلَ القصة في الصحيح . قال البخاري(٥): حدَّثنا أبو معمر، حدَّثنا عبد الوارث، حدَّثنا أيوب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال: سَجَدَ النبيُّ ◌َله بالنجم، وسجد معه المسلمون والمشركون والجنُّ والإنس . انفرد به البخاري دون مسلم . وقال البخاري(٦): حدَّثنا محمد بن بشار، حدَّثنا غُنْدَر ، حدثنا شعبة ، عن أبي إسحاق ، سمعتُ الأسود، عن عبد الله قال: قرأ النبيُّ وَّهِ والنجم بمكة، فسجد فيها وسجد مَنْ معه غيرَ شيخ أخذَ كفّاً من حصاً - أو تراب - فرفعه إلى جَبْهَتِهِ وقال: يكفيني هذا، فرأيتُه بعد [ ذلك ] قُتل كافراً. ورواه مسلم وأبو داود والنسائي من حديث شعبةً(٧) (١) يعني ابن إسحاق في سيرة ابن هشام (٣٦٣/١) والروض (١٠٨/٢). (٢) ليس ما بين المعترضتين في ح ولا في سيرة ابن هشام ، وهو في الروض وترجمته في الإصابة عمرو بن أم مكتوم ويقال : اسمه عبد الله . سيرة ابن هشام (٣٦٥/١) وما بعدها . (٣) قصة الغرانيق باطلة . (٤) (٥) فتح الباري (٤٨٦٢) التفسير باب فاسجدوا لله واعبدوا . (٦) فتح الباري (١٠٦٧) سجود القرآن باب ما جاء في سجود القرآن وسنتها . وما يأتي بين معقوفين منه. (٧) صحيح مسلم (٥٧٦) (١٠٥) المساجد ومواضع الصلاة باب سجود التلاوة، وسنن أبي داود (١٤٠٦) الصلاة باب= ٣١٥ فصل في ذكر مخالفة قبائل قريش بني هاشم وبني عبد المطلب في نصر رسول الله بائية وقال الإمام أحمد(١): حدّثنا إبراهيم ، حدَّثنا رباح ، عن معمر ، عن ابن طاووس ، عن عكرمة بن خالد، عن جعفر بن عبد المطلب بن أبي وَدَاعَة، عن أبيه قال: قرأ رسولُ الله ◌َله بمكة سورةً النجم ، فسجد وسجد من عنده ، فرفعتُ رأسي وأبَيْتُ أنْ أسجد - ولم يكن أسلم يومئذ المطلب - فكان بعد ذلك(٢) لا يسمعُ أحداً يقرؤها إلا سجد معه . وقد رواهُ النَّسائي(٣) عن عبد الملك بن عبد الحميد ، عن أحمد بن حنبل به . وقد يجمع بين هذا والذي قبلَه بأنَّ هذا سجد ولكنه رفع رأسه استكباراً ، وذلك الشيخ الذي استثناهُ ابنُ مسعود لم يسجد بالكِليَّة . والله أعلم . والمقصود أنَّ الناقل لما رأى المشركين قد سجدوا متابعةً لرسولِ الله وَّرَ اعتقد أنهم قد أسلموا واصطلحوا معه ، ولم يبق نزاعٌ بينهم . فطار الخبر بذلك وانتشر حتى بلغ مهاجرةَ الحبشة بها ، فظنُّوا صحة ذلك ، فأقبل منهم طائفةٌ طامعين بذلك . وثبتتْ جماعةٌ ، وكلاهما محسِنٌ مُصيبٌ فيما فعل ، فذكر ابن إسحاق(٤) أسماء مَنْ رجعَ، منهم: عثمان بن عفان، وامرأتُهُ رُقَيَّة بنتُ رسولِ الله ◌ِصَ لّه، وأبو حُذَيفة ابن عُتبة بن ربيعة، وامرأته سَهْلَة بنت سُهَيل، وعبد الله بن جَحْش بن رِئَاب ، وعُتْبَة بن غَزْوان ، والزُّبير بن العوَّام، ومُصعب بن عُمير ، وسُوَيبط بن سعد، وطُلَيب بن عمر ، وعبد الرحمن بن عَوْف والمِتْدَاد بن عمرو ، وعبد الله بن مسعود، وأبو سلمة بن عبد الأسد ، وامرأتُهُ أم سلمة بنت أبي أُمَيَّة بن المغيرة ، وشَمَّاس بن عثمان ، وسَلَمة بن هشام ، وعيّاش بن أبي ربيعة - وقد حُبسا بمكة حتى مضت بدرٌ وأُحُدُ(٥) والخندق - وعمَّار بن ياسر - وهو ممَّنْ شُكَّ فيه أَخَرَجَ إلى الحبشة أم لا . ومُعَتِّب بن عوف ، وعثمان بن مَظْعون ، وابنه السائب ، وأخواه قدامة وعبد الله ابنا مظعون، وخُنَيْس بن حُذَافة ، وهشام بن العاص بن وائل - وقد حُبس بمكة إلى بعد الخندق - وعامر بن ربيعة ، وامرأته ليلى بنت أبي حَثْمة ، وعبد الله بن مَخْرَمة ، وعبد الله بن سُهيل بن عمرو - وقد حُبس حتى كان يوم بدر فانحاز إلى المسلمين فشهد معهم بَدْرا - وأبو سَبْرَة بن أبي رُهْم ، وامرأته أم كلثوم بنت سُهيل ، والسكران بن عمرو بن عبد شَمْس، وامرأتُه سَوْدَة بنت زمعة - وقد ماتَ بمكة قبل الهجرة، وخَلَف على امرأته رسولُ اللهِ وَه ـ وسعد بن خَوْلَة ، وأبو عُبيدة بن الجرّاح ، وعمرو بن الحارث بن زهير ، وسُهَيل بن بَيْضاء ، وعمرو بن أبي سَرْح ، فجميعُهم ثلاثةٌ وثلاثونَ رجلاً رضي الله عنهم . من رأى فيها السجود ، وسنن النسائي (٩٥٩) الافتتاح باب السجود في والنجم . (١) في مسنده (٣/ ٤٢٠) رقم (١٥٤٠٣ - ١٥٤٠٤). (٢) ليست اللفظة في مسند أحمد . سنن النسائي (٩٥٨) الافتتاح باب السجود في والنجم ، وهو حديث صحيح . (٤) سيرة ابن هشام (٣٦٥/١) وما بعدها . (٣) (٥) في ح ، ط : مضت بدراً واحداً ، والمثبت من سيرة ابن هشام . ٣١٦ فصل في ذكر مخالفة قبائل قريش بني هاشم وبني عبد المطلب في نصر رسول الله رعايته وقال البخاري(١): وقالت عائشة: قال رسولُ الله ◌َّهُ: ((أُريتُ دارَ هجرتِكُمْ ذاتَ نخلٍ بينَ لابَيْن)) فهاجر مَنْ هاجر قِبَلَ المدينة ، ورجَعَ عامَّةُ مَنْ كان هاجر إلى الحبشة إلى المدينة ، فيه عن أبي موسى وأسماء رضي الله عنهما عن النبي ◌َّر. وقد تقدَّم حديثُ أبي موسى وهو في الصحيحين(٢)، وسيأتي حديثُ أسماء بنت عُمَيس بعد فتح خيبر حين قَدِمَ مَنْ كان تأخّر من مهاجرةِ الحَبَشةِ إنْ شاء الله وبه الثقةُ ٣) . وقال البخاري(٤): حدَّثنا يحيى بن حمّاد: حدَّثنا أبو عَوَانة ، عن سليمان ، عن إبراهيم ، عن علقمة، عن عبد الله، قال: كنّا نسلِّمُ على النبيِّ وَله وهو يصلِّي، فيرُدُّ علينا، فلما رجعنا من عند النَّجاشي سلَّمنا عليه فلم يرُدَّ علينا ، فقلنا: يا رسول الله، إنَّا كنّا نسلِّمُ عليك فتردُّ علينا ، فلما رجعنا من عند النجاشي لم تردّ علينا؟ قال: ((إنَّ في الصلاة شُغْلاً)). وقد روى البخاري أيضاً ومسلم وأبو داود والنسائي من طرُق أُخَر عن سليمان بن مهران عن الأعمش به(٥) ؛ وهو يقوِّي تأويل مَنْ تأوَّل حديثَ زيد بن أرقم الثابت في الصحيحين(٦) : كنا نتكلّم في الصلاة حتى نزلَ قوله: ﴿ وَقُومُواْلِلَِّ قَنِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨ ] فأُمِرْنا بالسُّكوت ونُهينا عن الكلام . على أنَّ المراد جنس الصحابة ، فإنَّ زيداً أنصاريٌّ مدنيّ ، وتحرِيمُ الكلام في الصلاة ثَبَتَ بمكة ، فتعيَّنَ الحَمْلُ على ما تقدَّم . وأمَّا ذكْرُه الآية وهي مدنيّة فمشكل، ولعلَّه اعتقدَ أنَّها المحرِّمة لذلك، وإنما كان المحرِّم له غيرُها معها ، والله أعلم . قال ابن إسحاق (٧) : وكان ممن دخل معهم بِجِوَارٍ ؛ عثمان بن مظعون في جوار الوليد بن المغيرة ، وأبو سلمة بن عبد الأسد في جوارٍ خاله أبي طالب، فإنَّ أُمَّهُ بَرَّة بنتَ عبد المطّلب . فأما عثمان بن (١) فتح الباري (١٨٦/٧) مناقب الأنصار بهجرة الحبشة . هكذا رواه هنا معلقاً مجزوماً، وأخرجه موصولاً في باب هجرة النبي ◌ُّ إلى المدينة (٣٩٠٥) عن عائشة في حديث طويل. وأخرجه أيضاً في (٢٢٩٧) الكفالة باب جوار أبي بكر في عهد النبي ◌َّل وعقده . (٢) تقدم حديث أبي موسى في ص (٢٨٨ ح٦)، وروايته التامة في فتح الباري (٣٨٧٦) مناقب الأنصار وباب هجرة الحبشة ، وصحيح مسلم (٢٥٠٢) (١٦٩) فضائل الصحابة باب فضائل جعفر بن أبي طالب. (٣) سيأتي في (٤ /٢٠٥) ط . (٤) فتح الباري (٣٨٧٥) مناقب الأنصار باب هجرة الحبشة . (٥) فتح الباري (١١٩٩) العمل في الصلاة باب ما ينهى من الكلام في الصلاة و(١٢١٦) باب لا يرد السلام في الصلاة ، وصحيح مسلم (٥٣٨) (٣٤) المساجد ومواضع الصلاة باب تحريم الكلام في الصلاة ، وسنن أبي داود (٩٢٣) الصلاة باب رد السلام في الصلاة ، وسنن النسائي (١٢٢١) السهو باب الكلام في الصلاة . (٦) فتح الباري (١٢٠٠) العمل في الصلاة باب ما ينهى من الكلام في الصلاة، و(٤٥٣٤) التفسير باب وقوموا لله قانتين ، وصحيح مسلم (٥٣٩) (٣٥) المساجد ومواضع الصلاة باب تحريم الكلام في الصلاة . (٧) سيرة ابن هشام (٣٦٩/١). ٣١٧ فصل في ذكر مخالفة قبائل قريش بني هاشم وبني عبد المطلب في نصر رسول الله مح لة: مظعون فإنَّ صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف حدَّثني عمن حدَّثه عن عثمان قال : لما رأى عثمان بن مظعون ما فيه أصحابُ رسولِ الله وَّ له من البلاء وهو يروح ويغدو في أمانٍ من الوليد بن المغيرة قال: والله إنَّ غُدُوِّي ورَوَاحي في جوار رجلٍ من أهل الشِّرْك ، وأصحابي وأهلُ ديني يَلْقَوْنَ من البلاء والأذى في الله ما لا يُصيبني لنقصٌ كبير(١) في نفسي . فمشى إلى الوليد بن المغيرة فقال له : يا أبا عبد شمس ، وفَتْ ذِمَّتُك ، وقد رددتُ إليك جِوارَك. قال: لِمَ يا ابنَ أخي ؟ لعلَّه آذاك أحدٌ من قومي ! قال : لا ، ولكنِّي أرضَى بجوارِ الله عزَّ وجلَّ، ولا أريد أن أستجيرَ بغيره . قال : فانطلقْ إلى المسجد فاردُدْ عليَّ جوارِي علانيةً كما أجَرْتُكَ علانيةً . قال : فانطلقا فخرجا حتى أتيا المسجد ، فقال الوليد بن المغيرة : هذا عثمان قد جاء يردُّ عليَّ جواري . قال : صَدَقَ ، قد وجدْتُه وفّاً كريم الجوار ، ولكنِّي قد أحببتُ أنْ لا أستجيرَ بغيرِ الله فقد رددتُ عليه جِواره . ثمَّ انصرف عثمان رضي الله عنه ولَبِيدُ بن ربيعة بن مالك بن جعفر في مجلسٍ من قريش يُنشدِهُم ، فجلس معهم عثمان فقال لبيد : [ من الطويل ] ** ألا كُلُّ شيءٍ ما خَلا اللهَ باطِلُ ** فقال عثمان : صَدَقْت . فقال لَبيد : * وكلُّ نعيمٍ لا محالةَ زائلٌ(٢) ﴾. فقال عثمان : كذبت، نعيمُ الجنَّةِ لا يزول . فقال لبيد: يا معشر قريش، والله ما كان يُؤْذَی جليسُكُم ، فمتى حدَثَ هذا فيكم ؟ فقال رجلٌ من القوم : إنَّ هذا سَفِيه في سفهاءَ معه قد فارقوا ديننا ، فلا تَجِدَنَّ في نفسك من قوله . فردَّ عليه عثمان حتى شَرِيَ أمْرُهما٣) ، فقام إليه ذلك الرجل ولطَمَ عَيْنَه فخضَّرَها والوليد بن المغيرة قريب يَرَى ما بلغ عثمان . فقال : أما والله يا ابن أخي إنْ كانت عينُك عمَّا أصابها لغَنِيَّة ، ولقد كنت في ذمَّةٍ منيعة. قال يقول عثمان: بل والله، إنَّ عيني الصحيحة لفقيرةٌ إلى مثل ما أصاب أختَها في الله ، وإني لفي جوارِ مَنْ هو أعزُّ منك وأقدر يا أبا عبد شمس . فقال له الوليد : هلمَّ يا بن أخي إلى جوارِك فعُدْ . قال : لا . قال ابن إسحاق(٤): وأما أبو سلمة بن عبد الأسد، فحدَّثني أبي إسحاقُ بن يسار، عن سَلَمة بن عبد الله بن عمر بن أبي سلمة ، أنه حدَّثه أنَّ أبا سلمة لما استجار بأبي طالب مشى إليه رجالٌ من بني مَخْزوم فقالوا له : يا أبا طالب، هلأ٥) منعت منا ابنَ أخيك محمداً فمالك ولصاحبنا تمنعه منَّا ؟ قال: إنَّه استجار بي، وهو ابنُ أُختي ، وإنْ أنا لم أمنعِ ابنَ أختي لم أمنع ابن أخي . فقام أبو لهب فقال : يا معشر (١) في ح، ط : كثير ، والمثبت من سيرة ابن هشام . (٢) البيت في شرح ديوان لبيد (ص ٢٥٦) من قصيدة يرثي فيها النعمان بن المنذر ، وتخريجه فيه (ص٣٨٩). (٣) ((شري أمرهما)): أي عظم وتفاقم ولجُّوا فيه . النهاية لابن الأثير ( شري). (٤) سيرة ابن هشام (١/ ٣٧١) والروض (١٢١/٢). (٥) في سيرة ابن هشام : لقد منعت ... ٣١٨ ذكر عزم الصدِّيق على الهجرة إلى أرض الحبشة قريش ، والله لقد أكثرتم على هذا الشيخ ، ما تزالون تتواثبون عليه في جواره من بين قومه ، والله لتنتهنَّ أو لنقومنَّ معه في كلِّ ما قام فيه حتى يبلغ ما أراد. قالوا: بل ننصرف عما تكره يا أبا عُتيبهُ(١) . وكان لهم ولّاً وناصراً على رسولِ الله ◌ِّهَ فَأَبِقَوْا على ذلك، فطمع فيه أبو طالب حين سمعه يقولُ ما يقول ، ورجا أن يقوم معه في شأنِ رسولِ اللهِ وَ له، فقال أبو طالب يُحرِّضُ أبا لهبٍ على نصرتِه ونصرةِ رسولِ الله وَلَ﴾(٢): [ من الطويل ] وإنَّ امرءاً أبو ◌ُتَيْبة عمُّهُ أقول لهُ، وأينَ منه نَصِيحتي ولا تقبلَنَّ الدهرَ ما عشتَ خُطَّةً ووَلِّ سبيلَ العجز غيرَك منهمُ وحاربْ فإنَّ الحربَ نِصْفٌ ولن ترى وكيفَ ولم يَجْنُوا عليكَ عظيمةً جزى اللهُ عنَّا عبدَ شمسٍ ونَوْفَلاً بتفريقهمْ من بعدِ وُدِّ وأُلفةٍ كذبتم وبيتِ الله نُبْزَى محمداً قال ابن هشام : وبقى منها بيتٌ تركناه . لفي روضةٍ ما إنْ يُسَامُ المظالما أبا مُعْتبٍ ثبّتْ سَوادك قائما تُسَبُّ بها إمَّا هبطْتَ المواسما فإنك لم تُخلقَ على العجزِ لازما أخا الحرب يُعطى الخَسْفَ حتى يسالما ولم يخذلوك غانماً أو مُغارما وتَيْماً ومخزوماً عُقُوقاً ومَأثما جماعتَنَا كيما ينالوا المحارِما ولما ترَوْا يوماً لدى الشّعْبِ قائما٣ً) ذكر عَزْم الصدِّيق على الهجرة إلى أرض الحبشة قال ابن إسحاق(٤): وقد كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه كما حدَّثني محمد بن مسلم الزُّهْري ، عن عروة ، عن عائشة حين ضاقَتْ عليه مكة، وأصابه فيها الأذى، ورأى من تظاهر قريش على رسول الله الكلية. وأصحابه ما رأى، استأذنَ رسولَ الله ◌ِّ في الهجرة فأذِنَ له ، فخرج أبو بكرٍ رضي الله عنه مهاجراً حتى إذا سار من مكة يوماً - أو يومين - لقيَهُ ابنُ الدُّغُنَّة (٥) أخو بني الحارث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة وهو (١) في ط وسيرة ابن هشام : عتبة ، والمثبت من ح . (٢) لم أجد الأبيات في ديوان شيخ الأباطح . (٣) انظر صدر هذا البيت في (ص ٢٦٤ موضع ح٤). (٤) سيرة ابن هشام (١/ ٣٧٢) والروض (١٢١/٢). (٥) قال ابن حجر في الفتح (٧/ ٢٣٣) : ابن الدغنة : بضم المهملة والمعجمة وتشديد النون عند أهل اللغة ، وعند الرواة بفتح أوله وكسر ثانيه وتخفيف النون ؛ قال الأصيلي وقرأه لنا المروزي بفتح الغين . وقيل : إن ذلك لاسترخاء في لسانه والصواب الكسر ، وثبت بالتخفيف والتشديد من طريق ، وهي أمه وقيل أم أبيه وقيل دابته ، ومعنى الدغنة المسترخية وأصلها الغمامة الكثيرة المطر . ٣١٩ ذكر عزم الصدِّيق على الهجرة إلى أرض الحبشة يومئذ سيد الأحابيش(١) فقال(٢): أين يا أبا بكر ؟ قال : أخرَجني قومي وآَذَوْني وضيَّقُوا عليَّ قال : ولم ؟ فوالله إنَّك لتزيِّنُ العشيرة ، وتُعين على النوائب ، وتفعل المعروف ، وتكسِبُ المعدوم ؛ ارجعْ فإنك في جِوَارِي . فرجع حتى إذا دخل مكة قام ابنُ الدُّغْنَّة فقال : يا معشر قريش ، إني قد أجرتُ ابنَ أبي قُحافة فلا يعرِضْ لهُ(٣) أحدٌ إلا بخير . قالت: فكقُّوا عنه . قالت : وكان لأبي بكر مسجد عند باب داره في بني جُمَح ، فكان يصلي فيه ، وكان رجلاً رقيقاً إذا قرأ القرآن استبكى . قالت : فيقف عليه الصبيانُ والعبيد والنساء يَعْجَبُون لما يَرَوْنَ من هيئته! قالت: فمشى رجالٌ من قريش إلى ابنِ الدُّغُنَّة فقالوا : يا ابنَ الدُّغْنَّة ، إنك لم تُجِرْ هذا الرجل ليؤذيَنا، إنه رجلٌ إذا صلَّى وقرأ ما جاء به محمد يَرقّ ، وكانت له هيئة ، ونحن نتخوَّف على صبياننا ونسائنا وضعفائنا أن يَفْتِنَهم ، فأَتِهِ فمُرْهُ بأن يدخل بيته فليصنَعْ فيه ما شاء . قالت : فمشى ابن الدُّغُنَّةَ إليه فقال: يا أبا بكر، إني لم أُجِرْكَ لتؤذيَ قومَك. وقد(٤) كرهوا مكانك الذي أنت به وتأذَّوْا بذلك منك ، فادْخُلْ بيتك فاصنع فيه ما أحببت . قال : أوَ أردّ عليك جوارك وأرْضَى بجوارٍ الله ؟ قال : فاردُدْ عليَّ جواري . قال: قد ردَدْتُه عليك. قالت: فقام ابنُ الدُّغُنَّة فقال : يا معشر قريش ، إنَّ ابنَ أبي قُحَافة قد ردَّ علي جواري فشأنكم بصاحبكم . وقد روى الإمام البخاري هذا الحديث متفرداً به ، وفيه زياداتٌ حسنة ، فقال(٥) : حدَّثنا يحيى بن بُكير ، حدَّثنا الليث، عن عُقَيل، قال ابن شهاب(٦): فأخبرني عروة بن الزُّبير أنَّ عائشة زوجَ النبيِّ وَّل قالت: لم أَعْقِلْ أبويّ(٧) قط إلا وهما يَدِينان الدِّين، ولم يَمُرَّ علينا يوم إلا يأتينا فيه رسولُ اللهِوَ لَ طِرَفي النهار بُكْرَةً وعشيّة ، فلما ابتُليَ المسلمون خرج أبو بكر مهاجراً نحو أرض الحبشة ، حتى إذا بلغ بَرْكَ الغِمَاد ، لَقِيَهُ ابنُ الدُّغُنَّة - وهو سيدُ القارَة - فقال : أين تريد يا أبا بكر ؟ فقال أبو بكر : أخرجني قومي (١) في ح : القارَة، وسيأتي ، والقارة : قبيلة مشهورة من بني الهون بن خزيمة كما في جمهرة الأنساب لابن حزم (ص١٨٨، ١٩٠) وسيرة ابن هشام (١/ ٣٧٣) وفتح الباري (٢٣٣/٧). (٢) زادت ط ما نصه : قال الواقدي : اسمه الحارث بن يزيد أحد بني بكر من عبد مناة بن كنانة . وقال السهيلي : اسمه مالك . قلت : جعلتُ هذه الزيادة في الحاشية لأنها ليست في ح ، من جهة ولا يعقل أن تكون من ابن إسحاق لتقدمه على الواقدي والسهيلي من جهة أخرى ، ثم إن ابن كثير ينقل عن ابن إسحاق وهو ما جاء في سيرة ابن هشام الذي أحلت عليه في أول الخبر . وقول السهيلي هذا في الروض (٢/ ١٢٧) أما قول الواقدي فلم أجده في طبقات ابن سعد . ولعل هذه الزيادة كانت تعليقاً في الحاشية على الكتاب فأدخلها بعض النساخ إلى المتن . والله أعلم . (٣) في سيرة ابن هشام (١/ ٣٧٣) : فلا يعترض إليه . (٤) في ح : أي قد وفي سيرة ابن هشام : إنهم قد . وهو أشبه . (٥) فتح الباري (٣٩٠٥) مناقب الأنصار باب هجرة النبي وأصحابه إلى المدينة ، وساقه مختصراً في (٤٧٦) الصلاة باب المسجد يكون في الطريق من غير ضرر بالناس . (٦) في ط : قال ابن هشام. تحريف ، والمثبت من ح وفتح الباري . وعُقيل هو ابن خالد بن عقيل الأيلي الأموي مولى عثمان ، ترجمته في تهذيب التهذيب ، يروي عن ابن شهاب الزهري وعنه الليث بن سعد . (٧) في ح ، ط : أبواي ، والمثبت من فتح الباري. ٣٢٠ ذكر عزم الصدِّيق على الهجرة إلى أرض الحبشة فأريد أنْ أسيحَ في الأرض فأعبدَ ربِّي . فقال ابنُ الدغنَّة : فإنَّ مثلكَ يا أبا بكر لا يخرجُ ولا يُخرَجُ مثله ، إنك تَكْسِبُ المعدوم، وتصِلُ الرَّحِم، وتحمِلُ الكَلّ ، وتَقْري الضيف ، وتُعينُ على نوائب الحق . وأنا لك جارٌ فاعبدْ ربَّك ببلدك . فرجع وارتحل معه ابنُ الدُّغُنَّة، وطافَ ابنُ الدغنّة عشيةً في أشراف قريش فقال لهم : إنَّ أبا بكر لا يَخْرُجُ مثلُه ولا يُخرج، أَتُخْرِجون رجلاً يكسِبُ المعدوم، ويصلُ الرَّحِم، ويحمِلُ الكَلَّ ، ويَقْري الضيف ، ويُعين على نوائب الحق ؟ فلم تُكذّبْ قريشٌ بجوارِ ابنِ الدغُنَّة وقالوا لابن الدُّغُنَّة : مُرْ أبا بكر فلْيعبُدْ ربَّه في داره ويصلِّ فيها ولْيقرأ ما شاء ، ولا يؤذينا بذلك ولا يستعلنْ به ، فإنا نخشى أنْ يفتِنَ نساءنا وأبناءنا . فقال ابنُ الدغنَّة ذلك لأبي بكر ، فلبث أبو بكر بذلك يعبُدُ ربَّه في داره ، ولا يستعلنُ بصلاته ، ولا يقرأ في غير داره ، ثم بَدَا لأبي بكر فابتنى مسجداً بفِناءِ دارِه ، وكان يصلِّي فيه ويقرأ القرآن، فيتقذَّفُ(١) عليه نساءُ المشركينَ وأبناؤهم [ وهم ] يعجبونَ منه وينظرون إليه . وكان أبو بكر رجلاً بِكَّاءً لا يملكُ عينَيْهِ إذا قرأ القرآن ، فأفزَعَ ذلك أشرافَ قريش من المشركين فأرسلوا إلى ابن الدغُنَّة فقدِم عليهم ، فقالوا : إنَّا كنَّا أجرْنا أبا بكر بجوارك على أن يعبُدَ ربَّه في داره ، فقد جاوز ذلك فابتنى مسجداً بفناء داره ، فأعلن بالصلاة والقراءةِ فيه ، وإنَّا قد خَشِينا أن يفتتن أبناؤنا ونساؤنا فانْهَهُ ، فإنْ أحبَّ على أنْ يقتصرَ أنْ يعبُدَ ربَّه في دارِه فعل ، وإنْ أبَى إلا أنْ يُعلن ذلك فسلْه أن يرُدَّ عليك ذِمَّتكَ ، فإنَّا قد كرِهنا نخفرك، ولسنا مُقِرِّين لأبي بكرٍ الاستعلان . قالت عائشة: فأتى ابنُ الدغُنَّة إلى أبي بكر فقال : قد علمتَ الذي قد عاقدتُ عليه قريش ، فإمَّا أن تقتصرَ على ذلك وإمَّا أنْ تردَّ إليَّ ذمَّتي، فإنِّي لا أحبُّ أن تسمعَ العربُ أنَّي أُخفرتُ في رجلٍ عقدتُ له . فقال أبو بكر : فإني أرُدُّ عليك جوارك وأرضى بجوارِ الله عزَّ وجلَّ . ثم ذكر تمامَ الحديث في هجرة أبي بكرٍ رضي الله عنه مع رسول اللهِوَ ليل كما سيأتي مبسوطأ(٢). قال ابن إسحاق(٣): وحدَّثني عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه القاسم بن محمد بن أبي بكر الصدِّيق قال : لقيه - يعني أبا بكر الصديق حين خرج من جوار ابنِ الدُّغُنَّة - سَفيةٌ من سفهاء قريش وهو عامدٌ إلى الكعبة ، فحَثًا على رأسه تراباً ، فمر بأبي بكر الوليد بن المغيرة - أو العاص بن وائل - فقال له أبو بكر رضي الله عنه : ألا ترى ما يصنعُ هذا السَّفيه ؟ فقال : أنت فعلتَ ذلك بنفسك . وهو يقول : أي ربِّ ما أحْلَمَكَ ! أي ربِّ ما أحلمك ! أي رب ! ما أحلمك ! (١) في ح : وكان نساء المشركين ، والمثبت من النسخة المصرية بدلالة ط ، وفتح الباري ، وما يأتي بين معقوفين منه ، قال ابن حجر (٢٣٤/٧): قوله فيتقذف، بالمثناة والقاف والذال المعجمة الثقيلة، تقدم في الكفالة بلفظ : فيتقصف . أي يزدحمون عليه حتى يسقط بعضهم على بعض فيكاد ينكسر ، وأطلق يتقصف مبالغة . قال الخطابي : هذا هو المحفوظ ، وأما يتقذف فلا معنى له إلا أن يكون من القذف أي يتدافعون فيقذف بعضهم بعضاً فيتساقطون عليه فيرجع إلى معنى الأول . (٢) سيرد في ص (٤٤٨) موضع الحاشية (١) من هذا الجزء. (٣) سيرة ابن هشام (٣٧٤/١) والروض (١٢٢/٢).