النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ باب أمر الله رسوله محلة بإبلاغ الرسالة ﴿ تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١] وأخرجاه(١) من حديث الأعمش به نحوه . وقال أحمد (٢): حدثنا معاويةُ بن عمرو ، حدثنا زائدة ، حدثنا عبد الملك بن عُمير ، عن موسى بن طلحة، قال: لما نزلتْ هذه الآية ﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ اُلْأَقْرَبِينَ﴾ دعا رسولُ اللهِ وَه قريشاً فعمَّ وخصَّ فقال : (( يا معشر قريش، أنقذوا أنْفُسَكُمْ من النار ، يا معشر بني كعب [ بن لُؤَي أنقذوا أنفسكم من النار ، يا معشر بني عبد مناف ] أنقذوا أنفسكم من النار ، يا معشر بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار ، يا معشر بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار ، يا فاطمةٌ بنتَ محمد أنقذي نفسَكِ من النار ، فإني والله لا أمْلِكُ لكم من الله شيئاً ، إلا أنَّ لكم رَحِماً سأبُلُّها بِبلالِها٣) ورواه مسلم(٤) من حديث عبد الملك بن عُمير ، وأخرجاه في الصحيحين(٥) ، من حديث الزُّهْري ، عن سعيد بن المُسَيِّب وأبي سَلَمَة، عن أبي هريرة، وله طُرُقٌ أُخَرُ عن أبي هريرة في مسند أحمد وغيره(٦) . وقال أحمدُ أيضاً : (٧) حدثنا وكيع ، حدَّثنا هشام ، عن أبيه ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : لمَّا نزل ﴿ وَأَنْذِرُ عَشِيَتَّكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ قام رسولُ الله ◌ِ له فقال: ((يا فاطمةُ بنتَ محمد، يا صَفِيَّةُ بنتَ عبد المطلب، يا بني عبد المطلب لا أمْلِكُ لكم من الله شيئاً ، سَلُوني من مالي ما شِئْتُمْ)). ورواه مسلمٌ أيض٨ً) . وقال الحافظ أبو بكرٍ البيهقيُّ في الدلائل (٩): أخبرنا محمد بن عبد [ الله ] الحافظ ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ، حدثنا أحمد بن عبد الجبار ، حدثنا يونس بن بُكَير ، عن محمد بن إسحاق قال : فحدثني مَنْ سمع عبد الله بن الحارث بن نَوْفل - واستكتمني اسمه - عن ابن عباس ، عن عليٍّ بن وَأَخْفِضْ أبي طالب، قال: لما نزلتْ هذه الآية على رسول الله وَّهِ ﴿وَأَنَذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَفْرَينَ (١) يعني البخاري ومسلم، فتح (٤٩٧٢) التفسير سورة ١١١ باب وتب. وصحيح مسلم (٢٠٨) الإيمان باب في قوله تعالى وأنذر عشيرتك الأقربين . (٢) في مسنده (٢ / ٣٦٠) وما يأتي بين معقوفين منه . (٣) أي أصلكم في الدنيا ولا أغني عنكم من الله شيئاً . والبلال جمع بلل ؛ وقيل: هو كل ما بلَّ الحلق من ماءٍ أو لبن أو غيره . النهاية (١/ ١٥٣ / بلل). (٤) صحيح مسلم (٢٠٤) الإيمان باب في قوله تعالى : وأنذر عشيرتك الأقربين . (٥) فتح الباري (٢٧٥٣) الوصايا باب هل يدخل النساء والولد في الأقارب ، وصحيح مسلم (٢٠٦) الإيمان باب في قوله تعالى وأنذر عشيرتك الأقربين . (٦) مسند أحمد (٣٣٣/٢ و٥١٩) وجامع الترمذي (٣١٨٥) التفسير باب ٢٧ ومن سورة الشعراء وسنن النسائي (٣٦٤٤) الوصايا باب إذا أوصى لعشيرته الأقربين . (٧) في مسنده (٦/ ١٨٧). (٨) صحيح مسلم (٢٠٥) الإيمان باب في قوله تعالى: وأنذر عشيرتك الأقربين. (٩) دلائل النبوة للبيهقي (٢ / ١٧٨، ١٧٩) وما يأتي بين معقوفين منه. وساقه أيضاً ابن الجوزي في الوفا (١/ ١٨٤). ٢٤٢ باب أمر الله رسوله محنة بإبلاغ الرسالة جَنَاحَكَ لِمَنْ أَنَّعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾. قال رسولُ الله ◌ِّيّةُ: ((عرَفْتُ أَنِّي إنْ بادَيْتُ(١) بها قومي رأيتُ منهم ما أكره فصمتُ ، فجاءني جبريلُ عليه السلام فقال : يا محمد ، إنْ لم تفعل ما أمَرَكَ به رَبُّكَ عذَّبَكَ بالنار )). قال [علي ]: فدعاني فقال: (( يا عليّ إنَّ الله قد أمرني أن أَنذِرَ عشيرتي الأقربين [ فعرفتُ أني إنْ باديتهم بذلك رأيتُ منهم ما أكره ، فصمتُ من ذلك ، ثم جاءني جبريل فقال : يا محمد ، إن لم تفعل ما أُمرت به عذبك ربُّك ]، فاصْنَعْ لنا يا علي [ رِجل ] شاة على صاعٍ من طعام، وأعِدَّ لنا عُسَّ لبنٍ (٢)، ثم اجمعْ لي بني عبد المطلب)). ففعلت فاجتمعوا له يومئذٍ وهم أربعون رجلاً يزيدون رجلاً أو ينقصون ، فيهم أعمامه أبو طالب ، وحمزة ، والعباس ، وأبو لهب الكافر الخبيث ، فقدَّمتُ إليهم تلك الجَفْنَة فأخذ رسولُ اللهَ وََّ منها حِذْيَةً(٣) فشقَّها بأسنانه ثم رمى بها في نواحيها وقال: (( كلُوا بسم الله)). فأكل القوم حتى نَهِلُوا عنه، ما نرَى إلا آثارَ أصابعِهم، والله إنْ كان الرجلُ ليأكلُ مثلَها. ثم قال رسولُ الله ◌ِكثيرٍ : ((اسْقِهِمْ يا عليّ )(٤). فجئتُ بذلك القَعْب، فشربوا منه حتى نَهِلُوا جميعاً ، وايْمُ الله إنْ كان الرجل منهم ليشربُ مثله ، فلما أراد رسول الله أن يكلمهم، بدَرَهُ أبو لهب ـ لعنه الله - إلى الكلام فقال : لهذَّ ما سحركم صاحبكم؟ فتفرَّقُوا ولم يكلَّمْهُمْ رسولُ الله ◌ِّ ر. فلمَّا كان من الغد قال رسول الله الشَّيٍّ : (( يا عليُّ عُدْ لنا بمثل الذي كنتَ صنعتَ لنا بالأمسِ من الطعام والشراب ، فإنَّ هذا الرجلَ قد بَدَرَني إلى ما سمعتَ قبلَ أنْ أكلِّمَ القوم )) ففعلتُ، ثم جمعتُهم له. فصنع رسولُ الله ◌ِصَلّ كما صنع بالأمس فأكلوا حتى نَهِلُوا عنه ، ثم سقَيْتُهم من ذلك القَعْب حتى نهِلوا عنه ، وائْمُ اللّه إنْ كان الرجلُ ليأكلُ مثلها ويشربُ مثلها . ثم قال رسول اللّه رَّمَ: ((يا بني عبد المطَّلِب، إنِّي والله ما أعلمُ شاباً من العرب جاء قومَهُ بأفضلَ ممَّا جئتكم به ، إني قد جئتُكُم بأمْرِ الدُّنيا والآخرة )) . هكذا رواه البيهقي من طريق يونس بن بُكَير ، عن ابن إسحاق عن شيخ أبهم اسمَهُ ، عن عبد الله بن الحارث به . وقد رواه أبو جعفر بن جرير(٥) ، عن محمد بن حُميد الرازي ، عن سلمة بن الفضل الأبرش ، عن محمد بن إسحاق عن عبد الغفار أبي مريم بن القاسم ، عن المنهال بن عمرو عن عبد الله بن الحارث ، عن ابن عباس ، عن علي ، فذكر مثله . وزاد بعد قوله: (( وإني قد جئتُكم بخيرٍ الدنيا والآخرة ، وقد أمَرَني الله أنْ أدْعُوَكم إليه ، فأيُّكم يؤازرُني على هذا الأمر على أنْ يكونَ أخي )) وكذا وكذا . قال : فأحجم (١) ((باداه)): بارزه، وكاشفتُ الرجل وباديته وجاليته بمعنى، ومنه الحديث أنه أمر أن يُبَادِي الناسَ بأمره؛ أي يظهره لهم . الأساس والنهاية ( بدي ) . (٢) ((العس)): القدح الكبير. المصباح (عسس ) . (٣) ((الحذية)): القطعة من اللحم كالحِذوة اللسان (حذا ) واوية يائية. (٤) في ح ، ط تكرار بمقدار خمسة أسطر ونصف ، لعلها سهو من الناسخ . (٥) في تاريخه تاريخ الأمم والملوك (٣١٩/٢). ٢٤٣ باب أمر الله رسوله محدثة بإبلاغ الرسالة القومُ عنها جميعاً، وقلتُ وإني(١) لأحدَثُهم سناً وأزمَصُهم عيناً، وأعظمُهم بطناً، وأحْمَشُهُمْ ساقاً: أنا يا نبيَّ الله أكونُ وزيرَكَ عليه. فأخَذَ برقبتي فقال: ((إنَّ هذا أخي وكذا وكذا ، فاسمعوا له وأطيعوا)). قال : فقام القوم يَضْحَكُونَ ويقولونَ لأبي طالب : قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع . تفرَّد به عبدُ الغفَّار بن القاسم أبو مريم ، وهو كذَّابٌ شيعي ، اتهمه عليُّ بن المديني وغيرُه بوَضْع الحديث . وضعفه الباقون(٢) ولكنْ روى ابنُ أبي حاتم في تفسيره عن أبيه ، عن الحسين بن عيسى بن ميسرة الحارثي عن عبد الله بن عبد القدُّوس ، عن الأعمش ، عن المنهال بن عمرو ، عن عبد الله بن الحارث ، قال : قال علي : لما نزلتْ هذه الآية: ﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤ ] قال لي رسول الله وَ ◌ّهُ: ((اصنَعْ لِي رِجلَ شاة بِصَاعٍ من طعام ، وإناء لبن ، وادْعُ لي بني هاشم)). فدعَوْتُهم وإنَّهم يومئذٍ لأربعونَ غيرَ رجلٍ ، أو أربعونَ ورجل، فذكر القصة نحو ما تقدَّم، إلى أن قال: وبدرهم(٣) رسولُ الله ◌َّ الكلام. فقال: (( أيكم يَقْضي عني دَيْني ويكونُ خليفتي في أهلي ؟ )) قال : فسكتوا وسكتَ العباسُ خشية أنْ يُحيط ذلك بماله ، قال : وسكتُّ أنا لسِنِّ العباس . ثم قالها مرَّةً أخرى فسكتَ العباس ، فلما رأيتُ ذلك قلت : أنا يا رسول الله، قال: ((أنت؟)) قال: وإنِّي يومئذٍ لأسْوَؤهم هيئةً، وإني لأَعْمَشُ العينَيْن، ضَخْمُ البطن ؛ حَمِشُ الساقين . وهذه الطريق فيها شاهدٌ لما تقدَّم ، إلا أنه لم يذكرِ ابنَ عباس فيها . فالله أعلم . وقد روى الإمام أحمدُ في (( مسنده)(٤) ، من حديث عبَّاد بن عبد الله الأسدي ، وربيعة بن ناجذ عن علي نحو ما تقدَّم - أو كالشاهد له - والله أعلم(٥) . ومعنى قوله في هذا الحديث : مَن يقضي عني دَيْني ويكونُ خليفتي في أهلي : يعني إذا متُّ ، وكأنه وَّ خشي إذا قام بإبلاغ الرسالة إلى مشركي العرب أن يقتلوه ، فاستوثق مَنْ يقوم بعدَهُ بما يُصلح أهله ، ويقضي عنه ؛ وقد أمَّنَهُ الله من ذلك في قوله تعالى: ﴿﴿ يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكٌ [ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَابَلَّغْتَ رِسَالَتَهِّ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِِ﴾(٦) الآية . (١) في ح ، ط : ولأني ، والمثبت من تاريخ الطبري . (٢) ميزان الاعتدال (٦٤٠/٢). (٣) في ح : بدأهم . (٤) مسند أحمد (١١١/١ و١٥٩) . (٥) قال بشار : كلا الحديثين ضعيف ، فعباد بن عبد الله الأسدي ضعيف ، وفي الثاني ربيعة بن ناجذ مجهول تفرد بالرواية عنه أبو صادق الأزدي ولم يذكره في الثقات سوى ابن حبان والعجلي، وقال الذهبي في الميزان (٤٥/٢): ((لا يكاد يعرف ، وعنه أبو صادق بخبر منكر فيه: علي أخي ووارثي))، وقال في المغني : فيه جهالة ، وينظر كتابنا تحرير التقريب (٣٩٨/١) . (٦) سقط ما بين المعقوفين من ح والآية (٦٧) من سورة المائدة. ٢٤٤ باب أمر الله رسوله محدثة بإبلاغ الرسالة والمقصود أنَّ رسولَ الله وَلَّه استمرَّ يَدْعُو إلى الله تعالى ليلاً ونهاراً، وسِرّاً وجِهاراً، لا يصرِفُه عن ذلك صارف ، ولا يردُّه عن ذلك رادّ ، ولا يصدُّه عنه ذلك صادّ ، يتبع الناس في أنديتهم ، ومجامعهم ومحافلهم وفي المواسم ، ومواقف الحج. يدعو مَنْ لَقِيَهُ مِنْ حُرِّ وعَبْد ، وضعيفٍ وقويّ ، وغنيٍّ وفقير ، جميعُ الخَلْق في ذلك عنده(١) شَرْعٌ سَوَاء . وتسلَّط عليه وعلى من اتّبعَهُ من آحاد الناس من ضعفائهم الأشداء الأقوياء من مشركي قريش بالأذيّة القولية (٢) والفعلية ، وكان من أشدِّ الناس عليه عمُّه أبو لهب - واسمه عبد العُزَّى بن عبد المطلب - وامرأتُه أمُّ جميل أرْوَى بنتُ حَرْب بن أمية ، أختُ أبي سفيان . وخالفه في ذلك عمُّه أبو طالب بن عبد المطلب، وكان رسولُ الله وَّةِ أحبَّ خلقِ الله إليه طبعاً ، وكان يَحْنُو عليه ويُحسن إليه ، ويُدَافع عنه ويحامي، ويخالف قومَهُ في ذلك، مع أنَّه على دينهم وعلى خَلَّتهمُ(٣)، إلا أنَّ الله تعالى قد امتحن قَلْبَهُ بحبِّهِ حباً طبعيّا٤ً) لا شرعياً . وكان استمرارُه على دين قومه من حكمة الله تعالى ، ومما صنعه لرسوله من الحماية ، إذْ لو كان أسلم أبو طالب لما كان له عند مشركي قريش وَجَاهةٌ ولا كلمة ، ولا كانوا يهابونه ويحترمونه . ولاجترؤوا عليه، ولمدُّوا أيديَهُم وألسنتهم بالسوء إليه ، وربك يخلقُ ما يشاء ويختار . وقد قسم خلقه أنواعاً وأجناساً ، فهذانِ العَمَّانِ كافران ، أبو طالب وأبو لهب ، ولكن هذا يكونُ في القيامة في ضَحْضاحِ من نار ، وذلك في الدَّرْكِ الأسفل من النار ، وأنزل الله فيه سورةً في كتابه تُتْلَى على المنابر، وتُقرأ في المواعظ والخُطَب ، تتضمَّن أنه سيَصْلى ناراً ذات لهب ، وامراتُه حمَّالة الحَطَب . قال الإمام أحمد(٥) : حدّثنا إبراهيم بنُ أبي العباس ، حدّثنا عبد الرحمن بنُ أبي الزناد ، عن أبيه قال : أخبر[ في ] رجلٌ يقال له : ربيعة بن عِبَاد من بني الدِّيل (٦) - وكان جاهلياً فأسلم - قال: رأيتُ رسولَ الله ◌ِ ◌ّ في الجاهلية في سوق ذي المَجَاز وهو يقول: ((يا أيُّها الناس قولوا لا إله إلا الله تُفْلِحُوا)) والناسُ مجتمعون عليه، ووراءه رجلٌ وضيءُ الوجه ، أحْوَلُ ذو غَدِيرتَيْن يقول : إنَّه صابىء كاذب يتبعه حيث ذهب ، فسألتُ عنه [ فذكروا لي نسبَ رسولِ الله وَ لَه] فقالوا: هذا عمُّه أبو لهب. (١) ليست اللفظة في ح . (٢) في ح : القوية ، ووضع فوقها : خ وأثبت الناسخ إلى جانب السطر في الهامش ما نصه : القولية . وإلى جانبها كلمة صح . (٣) ((الخلة)): بفتح الخاء: الخصلة. وبضم الخاء : الصداقة المختصة لا خلل فيها تكون في عفاف وفي دعارة . القاموس ( خلل ) . (٤) في ح : طبعاً . في المسند (٤ /٣٤١) وما يأتي بين معقوفين منه . (٥) (٦) نسبته في الإكمال (٦/ ٦١/ الدؤلي) وفي الإصابة: الديلي ، وكلاهما جائز. ٢٤٥ باب أمر الله رسوله مح # بإبلاغ الرسالة ثم رواه هو والبيهقي(١) من حديث عبد الرحمن بن أبي الزِّناد بنحوه. وقال البيهقيُّ أيضا٢ً) حدّثنا أبو طاهر الفقيه، حدّثنا أبو بكر محمد بن الحسن(٣) القطّان، حدّثنا أبو الأزهر ، حدّثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، حدّثنا محمد بن عمرو(٤) ، عن محمد بن المنكدر ، عن ربيعةَ الدِّيلي . قال: رأيتُ رسول الله وَ ◌ّ بذي المجاز يتبع الناسَ في منازلهم، يدعوهم إلى الله، وراءَهُ رجلٌ أحْوَل ، تَقِدُ وجنتاهُ وهو يقول: [ أيُّها الناس لا يَغُرَّنَّكم هذا عن دينكم ودينٍ آبائكم. قلتُ: من هذا؟ قيل : هذا أبو لهب . ثمّ رواه(٥) من طريق شعبة عن الأشعث بن سُليم، عن رجل من كنانة. قال: رأيتُ رسولَ الله ◌ِّد. بسوق ذي المَجاز وهو يقول ﴿٦): (( يا أيُّها الناس، قولوا لا إله إلا الله تفلحوا )) وإذا رجلٌ خلْفَه يَسْفي عليه التراب ، فإذا هو أبو جهل ، وإذا هو يقول : يا أيها الناس ، لا يغرّنَّكم هذا عن دينكم ، فإنما يريد أن تتركوا عبادة اللاتٍ والعُزَّى . كذا قال أبو جهل ، والظاهر أنه أبو لهب ، وسنذكر بقية ترجمته عند ذكر وفاته ، وذلك بعد وقعة بدر إن شاء الله تعالى (٧) . وأمَّا أبو طالب فكان في غاية الشفَقَة والحُنُوِّ الطبيعي كما سيظهر من صنائعه وسجاياه ، واعتماده فيما يُحامي به عن رسول الله بَّه وأصحابه رضي الله عنهم. قال يونس بن بُكير ، عن طلحة بن يحيى بن عبيد الله، عن موسى بن طلحة(٨) ، أخبرني عقيل بن أبي طالب قال : جاءتْ قريش إلى أبي طالب فقالوا : إنَّ ابن أخيك هذا قد آذانا في نادينا ومسجدنا فانْهَهُ (١) في المسند (٣٤١/٤) والدلائل (١٨٥/٢، ١٨٦). (٢) في الدلائل (٢/ ١٨٥) وأخرجه الإمام أحمد في المسند (٤٩٢/٣) عن محمد بن بشار عن عبد الوهاب عن محمد بن عمرو به . (٣) في الدلائل : الحسين . وهو اسم أبيه ، والحسن جده ، ترجمته في سير أعلام النبلاء (٣١٨/١٥) وتذكرة الحفاظ (٨٤٢/٣) . (٤) في ح ، ط : محمد بن عمر ، والمثبت من الدلائل ومن ترجمته في تهذيب الكمال (٢١٢/٢٦) وهو محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي . (٥) يعني البيهقي في الدلائل (١٨٦/٢). (٦) ما بين المعقوفين سقط من ح . (٧) انظر مقتل أبي لهب في الجزء الرابع . (٨) في ح ، ط : طلحة بن يحيى عن عبد الله بن موسى بن طلحة . وهو تحريف ، والمثبت من ترجمة طلحة في تهذيب الكمال (١٣ / ٤٤١) والتاريخ الكبير للبخاري (٧/ ٥١) ودلائل النبوة (١٨٦/٢). ٢٤٦ باب أمر الله رسوله بإبلاغ الرسالة عنا . فقال : يا عقيل ، انطلقْ فأُتِني بمحمد، فانطلقتُ إليه، فاستخرجته من كِنْس(١) - أو قال خِنْس - يقول : بيت صغير ، فجاء به في الظهيرة في شدة الحر ، فلما أتاهم قال : إنَّ بني عمِّك هؤلاء زعموا أنك تؤذيهم في ناديهم ومسجدهم، فانْتَهِ عن أذاهم. فحلَّق(٢) رسولُ الله بِ ل ببصره إلى السماء فقال: ((ترون هذه الشمس؟)) قالوا: نعم! قال: ((فما أنا بأقدر [على ] أن أدعَ ذلك منكم على أن تشتعلو(٣) منها بشعلة)) . فقال أبو طالب : والله ما كذب ابنُ أخي قطّ ، فارجعوا . رواه البخاري في التاريخ (٤) عن محمد بن العلاء عن يونس بن بكير . ورواه البيهقي(٥) عن الحاكم عن الأصم ، عن أحمد بن عبد الجبار عنه به - وهذا لفظه ـ . ثمّ روى البيهقي (٦) من طريق يونس عن ابن إسحاق ، حدّثني يعقوب بن عتبة(٧) بن المغيرة بن الأخنس ، أنه حدث أنَّ قريشاً حين قالت لأبي طالب هذه المقالة بعث إلى رسول الله مّة فقال له : يا ابن أخي ، إنَّ قومك قد جاؤوني وقالوا كذا وكذا ، فأبْقِ عليّ وعلى نفسك ، ولا تحمِّلني من الأمر ما لا أُطيق أنا ولا أنت ؛ فاكفُفْ عن قومك ما يكرهون من قولك. فظنَّ رسول الله ◌ِ ◌ّل أن قد بَدَا لعمّه فيه، وأنَّه خاذلُهُ ومُسْلِمُه، وضعُفَ عن القيام معه، فقال رسول الله وَّةٍ: ((يا عمّ، لو وضعتِ الشمسُ في يميني والقمر في يساري ما تركتُ هذا الأمر حتى يُظهرهُ الله أو أهلكَ في طلبه)) ثم استعبر رسولُ اللهِوَ لّ فبكى، فلما ولَّى قال له حين رأى ما بلغ الأمْرُ برسول اللّهِبَّهِ: يا ابن أخي، فأقبَلَ عليه، فقال : امضِ على أمرك وافْعَلْ ما أحببت ، فوالله لا أُسْلِمُك لشيءٍ أبدا٨ً). قال ابن إسحاق(٩) : ثم قال أبو طالب في ذلك : [ من الكامل ] حتى أُوسَّدَ في الترابِ دَفينا واللّهِ لِنْ يَصِلوا إليكَ بِجَمْعِھم أبشرْ وقرّ بذاكَ منكَ عيونا فامضي لأمرِكَ ما عليكَ غضاضةٌ فلقدْ صدقتَ وكنتَ قِدْمُ أميناً ١٠) ودعوتَني وعلمتُ أنك ناصحي (١) كذا في ح، ط بالنون ، وكذا في أصل الدلائل؛ قال ابن الأثير في النهاية ( كبس / ١٤٣/٤) بعد سياق الحديث : الكِبْس بالكسر : بيت صغير . ويروى بالنون ، من الكناس ، وهو بيت الظبي اهـ . (٢) في هامش ح : فحدّق ، لعلها رواية نسخة . في التاريخ للبخاري : تشعلوا منها شعلة ، وفي الدلائل : تستشعلوا منها شعلة . (٣) (٤) التاريخ الكبير (٥١/٧) . (٥) دلائل النبوة (١٨٦/٢). في الدلائل أيضاً (٢/ ١٨٧، ١٨٨) سيأتي. (٦) (٧) في الدلائل : عقبة ، تصحيف . (٨) الخبر بنحوه في سيرة ابن هشام (٢٦٦/١). (٩) دلائل النبوة (١٨٨/٢) والأبيات فيه. (١٠) في الدلائل : قبل أمينا . ٢٤٧ باب أمر الله رسوله بحث بإبلاغ الرسالة من خير أديان البرية دينا وعرضتَ ديناً قد عرفتُ بأنه لوجدتني سمحاً بذاك مُبينا لولا الملامةُ أو حِذَاري سُبَّةً ثم قال البيهقي : وذكر ابن إسحاق لأبي طالب في ذلك أشعاراً(١)؛ وفي ذلك دلالةٌ على أنَّ الله تعالى عصَمَهُ بعمِّه مع خلافِهِ إيَّاه في دينه ، وقد كان يعصِمُه حيث لا يكون عمُّه بما شاء لا معقّب لحكمه . وقال يونس بن بكير ، عن (٢) محمد بن إسحاق : حدّثني رجلٌ من أهل مصر قديماً منذ بضع وأربعين سنة، عن عكرمة ، عن ابن عباس في قصةٍ طويلة جرتْ بين مشركي مكة وبين رسول الله مِّر، فلما قام رسولُ الله قال أبو جهل بن هشام: يا معشر قريش، إنَّ محمداً قد أبى إلا ما ترَوْن ، من عيب ديننا ، وشتم آبائنا ، وتسفيه أحلامنا ، وسبِّ آلهتنا ، وإني أُعاهد الله لأجلسنَّ له غداً بحجر ، فإذا سجد في صلاته فضختُ به رأسهُ(٣) ، فليصنع بعد ذلك بنو عبد منافٍ ما بَدَا لهم . فلما أصبح أبو جهلٍ - لعنه الله - أخذ حجراً ثم جلس لرسول الله و # ينتظره، وغدا رسول الله مثل﴿ كما كان يغدو ، وكان قبلته الشام ، فكان إذا صلَّى صلَّى بين الركنين الأسودِ واليَمَاني، وجعل الكعبة بينه وبين الشام، فقام رسولُ الله ◌ِوَلَه يصلِّي، وقد غدَتْ قريش ، فجلسوا في أنديتهم ينتظرون، فلما سجد رسول الله ◌َّ احتمل أبو جهلِ الحَجَر ، ثم أقبل نحوه ، حتى إذا دنا منه رجع منبهتاً ، ممتقعاً لونه ، مرعوباً قد يَبِستْ يداه على حَجَره ، حتى قذف الحجر من يده ، وقامت إليه رجالٌ من قريش ، فقالوا له : ما بك يا أبا الحكم ؟ فقال : قمتُ إليه لأفعل ما قلتُ لكم البارحة ، فلما دنَوْت منه عَرَض لي دونه فحلٌ من الإبل ، والله ما رأيت مثلَ هامته ، ولا قَصَرَتِهُ(٤) ، ولا أنيابه لفحلٍ قط ، فهمَّ أن يأكلني . قال ابنُ إسحاق (٥): فذُكر لي أنَّ رسول الله بَ ◌ّه قال: ((ذلك جبريل، لو دنا مني لأخذه)(٦). وقال البيهقي (٧) : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، أخبرني أبو النضْر الفقيه ، حدّثنا عثمان الدارمي ، حدّثنا عبد الله بن صالح ، حدّثنا الليث بن سعد ، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة ، عن أبان بن صالح ، عن علي بن عبد الله بن عباس ، عن أبيه ، عن عباس بن عبد المطلب . قال : كنتُ يوماً في المسجد فأقبل أبو جهل - لعنه الله - فقال: إنَّ لله عليَّ إنْ رأيتُ محمداً ساجداً أن أطأ على رقبته ؛ فخرجتُ (١) ساق ابن هشام شيئاً منها في السيرة (١/ ٢٦٧ - ٢٦٩). (٢) في ط : حدثني محمد بن إسحاق، والمثبت من ح ودلائل النبوة للبيهقي (٢/ ١٩٠) والخبر فيه عن الحاكم الأصم عن أحمد بن عبد الجبار عنه به . (٣) هذه رواية ط ودلائل البيهقي ، وأما رواية ح فهكذا : وإني أعاهد الله لأجلس له عند الحِجْر ، فإذا سجد فضخت رأسه ... (٤) (( قصرته )): أي عنقه وأصل رقبته . (٥) دلائل البيهقي (٢/ ١٩١). (٦) في ط : ولو دنا منه ، والمثبت من ح ودلائل البيهقي . (٧) في دلائل النبوة (٢/ ١٩١). ٢٤٨ باب أمر الله رسوله محمد بإبلاغ الرسالة على رسول الله بَّله حتى دخلتُ عليه فأخبرتُه بقول أبي جهل، فخرج غضبانا١ً) ، حتى جاء المسجد ، فعجل أن يدخل من الباب فاقتحم الحائط فقلت: هذا يومُ شرّ، فأتزرْتُ ثم اتّبعته، فدخل رسولُ الله ◌ِاله فقرأ: ﴿ اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ ﴿٢) خَلَقَ اُلْإِنَنَ مِنْ عَلَقٍ﴾، فلما بلغ شأن أبي جهل ﴿كَلَّ إِنَّ الْإِنسَنَ لَطْفَيٌّ أَنْ زََّاهُ أَسْتَغْتَ ﴾ [العلق: ٦ - ٧] فقال إنسانٌ لأبي جهل: يا أبا الحكم ، هذا محمد! فقال أبو جهل: ألا ترَوْنَ ما أرى؟ والله لقد سدَّ أَفُقَ السماء عليّ، فلما بلغ رسولُ الله ◌َّ آخر السورة سجد. وقال الإمام أحمد (٢) : حدّثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن عبد الكريم ، عن عكرمة قال : قال ابنُ عباس: قال أبو جهل: لئن رأيتُ محمداً يُصلِّي عند الكعبة لأطأنَّ على عُنقه. فبلغ ذلك رسولَ الله ◌ِّ فقال: ((لو فعل لأخذَتْهُ الملائكةُ عِياناً )). ورواهُ البخاريُّ(٣) عن يحيى ، عن عبد الرزاق به . قال داود بن أبي هند ، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: مرَّ أبو جهل بالنبيِّ وَّةٍ وهو يصلِّي فقال: ألم أنهك أنْ تصلِّيَ يا محمد؟ لقد علمتَ ما بها أحد أكثر نادياً مني. فانتهره النبيُّ نَّهِ . فقال جبريل: فَلَدْعُ نَادِيَهُ لَّ سَنَدْعُ الزَّبَنِيَةَ ﴾ [العلق: ١٧ - ١٨] والله لو دعا ناديه لأخذَتْهُ زبانيةُ العذاب . رواه أحمد والترمذي وصحَّحه النسائي (٤) من طريق داود به . وقال الإمام أحمد(٥): حدّثنا إسماعيلُ بن يزيد أبو يزيد(٦)، حدّثنا فرات ، عن عبد الكريم ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : قال أبو جهل : لئن رأيت محمداً عند الكعبة يصلِّي لَاتينَّهُ حتى أطأ على عنقه. قال فقال: ((لو فعل لأخذَتْهُ الزبانيةُ عياناً)). وقال أبو جعفر بن جرير(٧) : حدّثنا ابن حميد، حدّثنا يحيى بن واضح، حدّثنا يونس بن أبي إسحاق ، عن الوليد بن العَيْزار ، عن ابن عباس قال : قال أبو جهل : لئن عاد محمدٌ يصلِّ عند المقام لأقتلنَّه. فأنزل الله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ﴾ حتى بلغ من الآية [ ﴿لَنَسْفَعْ بِالنَّاصِيَةِ (١٩) نَاصِيَةٍ (١) كذا في ح، ط والدلائل بالتنوين وهو جائز على لغة بني أسد. النحو الوافي (٢١٧/٤) والتاج ( غضب). (٢) في مسنده (٣٦٨/١). (٣) فتح الباري (٤٩٥٨) التفسير سورة ٩٦ باب كلا لئن لم ينته . قلت: وأخرجه به أيضاً الترمذي في الجامع (٣٣٤٨) التفسير باب ومن سورة اقرأ باسم ربك (٩٦) وقال : هذا حديث حسن صحيح غريب . والبيهقي في الدلائل (٢/ ١٩١، ١٩٢). (٤) مسند أحمد (٢٥٦/١) وجامع الترمذي (٣٣٤٩) باب ومن سورة اقرأ باسم ربك (٩٦) والسنن الكبرى للنسائي (١١٠٦١) و(١١٦٨٤). (٥) في مسنده (٢٤٨/١). (٦) في ح، ط: أبو زيد. والمثبت من مسند أحمد وترجمته في تعجيل المنفعة (ص٣٨). (٧) في تفسيره - تفسير الطبري - (١٥ /٢٥٦) في تفسير سورة العلق (٩٦). وما يأتي بين معقوفين منه. ٢٤٩ باب أمر الله رسوله 3 # بإبلاغ الرسالة كَذِبَةٍ خَاطِئَةِ (١)! }(١) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ فجاء النبيُّ ◌ِ لَه يصلِّي، فقيل [ له]: ما يمنعك؟ قال: قد اسودَّ ما بيني وبينه من الكتائب . قال ابن عباس : والله لو تحرّك لأخذتْهُ الملائكة والناسُ ينظرون إليه . وقال ابن جرير(٢) : حدّثنا ابن عبد الأعلى، حدّثنا المعتمر، عن أبيه ، عن نعيم بن أبي هند ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة قال : قال أبو جهل : هل يُعَفِّر محمدٌ وجهه بين أظهركم ؟ قالوا : نعم ! قال فقال : واللَّتِ والعزَّى ، لئن رأيتُه يصلِّي كذلك لأطأنَّ على رقبته ، ولأعفرنَّ وجهه بالتراب . فأتى رسولَ اللهَ وَّه وهو يصلِّي ليطأ على رقبته . قال: فما فَجِثَهُمْ منه إلا وهو ينكُصُ على عَقِبَيْهِ ، ويَّقي بيديه ، قال : فقيل له : مالك؟ قال: إنَّ بيني وبينه خَنْدقاً من نار وهوْلًا وأجنحة . قال : فقال رسولُ الله ◌َّ: ((لو دنا منِّي لاختطفَتْه الملائكة عضواً عضواً)). قال وأنزل اللهُ تعالى - لا أدري في حديث أبي هريرة أم لا - ﴿عَلَّمَ آلْإِنَسَنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٢٥) كَلَّ إِنَّ الْإِنسَنَ لَطْفَىِّ﴾ إلى آخر السورة . وقد رواهُ أحمد ومسلم والنَّسائي وابن أبي حاتم والبيهقي(٣) من حديث معتمر بن سليمان بن طرخان التيمي به . وقال الإمام أحمد(٤) : حدّثنا وهب بن جرير ، حدّثنا شعبة، عن أبي إسحاق ، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله قال: ما رأيتُ رسولَ الله ◌َ لَّ دعا على قريش، غيرَ يوم واحد ، فإنه كان يصلِّي ورهْطٌ من قريش جلوس ، وسَلا جَزُورٍ قريبٌ منه . فقالوا : من يأخذ هذا السَّلا فيلقيه على ظهره ؟ فقال عقبة بن أبي معيط : أنا ، فأخذَهُ فألقاه على ظهره ، فلم يزلْ ساجداً حتى جاءتْ فاطمةُ فأخذَتْهُ عن ظهره ، فقال رسول الله وَّهُ: ((اللهمَّ عليك بهذا٥) الملأ من قريش، اللهم عليك بعتبةَ بن ربيعة، اللهمَّ عليك بشيبة بن ربيعة ، اللهم عليك بأبي جهل بن هشام ، اللهمَّ عليك بعقبة بن أبي معيط ، اللهم عليك بأبيِّ بن خلف - أو أمية بن خلف - )) شعبة الشاكّ قال عبد الله : فلقد رأيتُهم قُتلوا يوم بدرٍ جميعاً، ثم سُحبوا إلى القَليب غيرَ أُبَيّ - أو أمية بن خلف - فإنَّه كان رجلاً ضخماً فتقطع . وقد رواه البخاري في مواضع متعددة من صحيحه ، ومسلم من طرق عن أبي إسحاق به(٦) . والصواب أمية بن خلف ، فإنَّ الذي قُتل يوم بدر ، وأخوه أُبَيّ إنما قُتل يوم أحد كما سيأتي بيانه (١) ما بين المعقوفين سقط من ح . (٢) هو ابن جرير الطبري في تفسيره (١٥/ ٢٥٦) . (٣) مسند الإمام أحمد (٢/ ٣٧٠) وصحيح مسلم (٢٧٩٧) (٣٨) صفات المنافقين وأحكامهم والنسائي في التفسير من سننه الكبرى (١١٦٨٣) ودلائل النبوة للبيهقي (١٨٨/٢، ١٨٩). (٤) في مسنده (١/ ٤١٧) . ليست اللفظة في مسند أحمد . (٥) (٦) صحيح البخاري في الطهارة (٢٤٠)، وفي الصلاة (٥٢٠) وفي الجهاد (٢٩٣٤)، وفي الجزية (٣١٨٥) وفي مبعث النبي ◌َّير (٣٨٥٤)، وفي المغازي (٣٩٦٠)، ومسلم في الجهاد (١٧٩٤) (١٠٧) و(١٠٨) و(١٠٩) و(١١٠). ٢٥٠ قصة الإراشي - والسَّلى هو الذي يخرج مع ولد الناقة كالمشيمة لولد المرأة . وفي بعض ألفاظ الصحيح أنهم لما فعلوا ذلك استضحكوا حتى جعل بعضهم يميلُ على بعض ، أي يميل هذا على هذا من شدَّة الضحك لعنهم الله . وفيه أن فاطمة لما ألقَتْه عنه أقبلتْ عليهم فسبَّتْهم، وأنه مَّ لما فرغ من صلاته رفع يديه يدعو عليهم ، فلما رأوا ذلك سكن عنهم الضحك، وخافوا دعوته، وأنه مَّ دعا على الملأ منهم جملةً ، وعيَّن في دعائه سبعة . وقع في أكثر الروايات تسميةُ ستةٍ منهم : وهم عُتْبة ، وأخوه شَيْبة ابنا ربيعة ، والوليد بن عتبة ، وأبو جهل بن هشام ، وعقبة بن أبي مُعَيط ، وأمية بن خلف . قال أبو إسحاق(١) : ونسيتُ السابع . قلتُ : وهو عمارة بن الوليد وقع تسميته في صحيح البخاري(٢) (٣) قصة الإراشي قال يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق(٤) حدّثنا عبد الملك بن أبي سفيان الثقفي . قال : قدم رجل من إراش بإبلٍ له إلى مكة ، فابتاعها منه أبو جهل بن هشام ، فمطله بأثمانها ، فأقبل الإراشيُّ حتى وقف على نادي قريش ورسول الله مّل جالس في ناحية المسجد، فقال: يا معشر قريش مَنْ رجلٌ يُعْديني على أبي الحكم بن هشام ، فإني غريبٌ وابنُ سبيل ، وقد غلبني على حقِّي ؟ فقال أهل المجلس : ترى ذلك [ الرجل ] - وهم يهوونَ به(٥) إلى رسول الله لما يعلمون ما بينه وبين أبي جهل من العداوة - اذهب إليه ، فهو يعديك عليه. فأقبل الإراشيُّ حتى وقف على رسول الله وَّةٍ فذكر ذلك له، فقام معه ، فلما رأوه قام معه قالوا لرجلٍ ممن معهم : اتبعْه فانظر ما يصنع ؟ فخرج رسول الله قال﴾ حتى جاءه فضرب عليه بابه فقال: من هذا؟ قال: (( محمد، فاخرُجْ)) فخرجَ إليه وما في وجهه قطرةُ دم ، وقد انتقع لونه . فقال : ((أعْطِ هذا الرجل حقَّه )). قال: لا تبرَحْ حتى أَعطيه الذي له . قال: فدخل فخرج إليه بحقِّه فدفعه إليه ، ثم انصرف رسولُ اللهِ مَ ◌ّه. وقال للإراشي: ((الحقْ لشأنك)). فأقبل الإراشيُّ حتى وقف على ذلك المجلس فقال : جزاه الله خيراً، فقد أخذتُ(٦) الذي لي. (١) في ح ، ط : ابن إسحاق. وهو تصحيف ، والصواب من صحيح مسلم في الحديث المشار إليه في الحاشية السابقة رقمه ١٠٩ . (٢) فتح الباري (٥٢٠) الصلاة باب المرأة تطرح عن المصلِّي شيئاً من الأذى . (٣) ((الإراشي)): نسبة إلى إراش، بالكسر والشين المعجمة، موضع حكاه ياقوت في معجم البلدان (١/ ١٣٤). وإراش أيضاً : هو ابن لِحْيان بن الغوث ، وقيل : هو ابن عمرو بن الغوث ، وهو والد أنمار ، أبو بجيلة من خثعم . انظر التاج ( أرش ) وإراشة أيضاً من بني وائل بن قاسط . انظر الاشتقاق ص ٣٣٥ . (٤) أخرجه البيهقي في الدلائل (٢/ ١٩٣) عن الحاكم عن الأصم عن أحمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير به . (٥) في ح ، ط : يهزون به إلى رسول الله . والمثبت من دلائل النبوة للبيهقي وما بين معقوفين منه. (٦) كذا في ط وفي ح والدلائل : أخذ من غير تاء. ٢٥١ قصة الإراشي وجاء الرجل الذي بعثوا معه فقالوا : ويحك ماذا رأيت ؟ قال : عجباً من العجب ! والله ما هو إلا أن ضرب عليه بابه فخرج وما معه روحُه فقال: ((أعط هذا الرجل حقَّه)). فقال: نعم! لا تبرح حتى أخرج إليه حقه ، فدخل فأخرج إليه حقه فأعطاه . ثم لم يلبث أنْ جاء أبو جهل فقالوا له : ويلك مالك ؛ فوالله ما رأينا مثل ما صنعت ؟ فقال : ويحكم ، والله ما هو إلا أن ضرَبَ عليَّ بابي وسمعتُ صوته فملئتُ رُعْبا ، ثم خرجتُ إليه وإنَّ فوق رأسه لفحلاً من الإبل ما رأيتُ مثل هامته، ولا قَصَرَته ولا أنيابه لفحلٍ قط ، فوالله لو أبيت لأكلني . فصل وقال البخاري(١): حدّثنا عياش بن الوليد، حدّثنا الوليد بن مسلم، حدّثنا الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن إبراهيم التيميّ ، حدّثني عُروة بن الزُّبير [ قال]: سألتُ ابن [عمرو ] العاص فقلت : أخبرني بأشدِّ شيءٍ صنعه المشركون برسولِ الله؟ قال: بينما النبيُّ وَلَه يصلِّي في حِجْر الكعبة، إذْ أقبل عليه عقبة بن أبي معيط ، فوضع ثوبه على عنقه فخنقه خنقاً شديداً ، فأقبل أبو بكر رضي الله عنه حتى أخذ بمنكبه ودفعه عن النبي بَّهُ وقال: ﴿أَنَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبَِّ اللَّهُ وَقَدْ جَآءَ كُمْ بِلْبَيِّنَتِ مِن رَّبِّكُمْ ﴾ [ غافر : ٢٨ ] الآية . تابعه ابنُ إسحاق قال : أخبرني يحيى بن عروة ، عن أبيه ، قال : قلت لعبد الله بن عمرو . وقال عبدة عن هشام عن أبيه قال : قيل لعمرو بن العاص . وقال محمد بن عمرو عن أبي سلمة : حدثني عمرو بن العاص . : وكذلك رواه سليمان بن بلال عن هشام بن عروة كما رواه عبدة . (٢) قال البيهقي انفرد به البخاري ، وقد رواه في أماكن من صحيحة(٣) ، وصرَّح في بعضها بعبد الله بن عمرو بن العاص ، وهو أشبه ، لرواية عروة عنه ، وكونه عن عمرو أشبه لتقدُّم هذه القصة . وقد روى البيهقي(٤) ، عن الحاكم ، عن الأصم ، عن أحمد بن عبد الجبار ، عن يونس عن محمد بن إسحاق : حدّثني يحيى بن عروة ، عن أبيه عروة قال : قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص : (١) في صحيحه ، فتح الباري (٣٨٥٦) مناقب الأنصار باب ما لقي النبي ◌َّ وأصحابه من المشركين بمكة ، وما يأتي بین معقوفين منه . (٢) في الدلائل (٢٧٦/٢) بعد سياق حديث البخاري . فتح الباري (٣٦٧٨) فضائل الصحابة باب قول النبي وَلقر: لو كنت متخذاً خليلاً، وفي مبعث النبي وَّر (٣٨٥٦) (٣) و(٤٨١٥) التفسير سورة المؤمن ٤٠ . (٤) في الدلائل (٢/ ٢٧٥) وأخرجه ابن هشام عن ابن إسحاق في السيرة النبوية (٢٨٩/١) به. ٢٥٢ قصة الإراشي ما أكثرُ ما رأيتَ قريشاً أصابتْ من (١) رسول الله الص ◌َّ فيما كانت تظهره من عداوته؟ فقال: لقد رأيتُهم وقد اجتمع أشرافُهم يوماً في الحِجُر ، فذكروا رسولَ الله وَ لَّه فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط ، سفَّه أحلامنا وشتم آباءنا ، وعاب ديننا ، وفرَّق جماعاتنا ، وسبَّ آلهتنا ، وصرنا منه على أمرٍ عظيم - أو كما قال - قال: فبينما هم في ذلك طلع رسول الله وَ ليل، فأقبل يمشي حتى استلم الركن، ثم مرَّ بهم طائفاً بالبيت ، فغمزوه ببعض القول ، فعرفتُ ذلك في وجه رسولِ الله مُصَّ فمضى، فلما مرَّ بهم الثانية غمزوه بمثلها ، فعرفتُها في وجهه ، فمضى ، فمر بهم الثالثة، فغمزوه بمثلها، فقال: ((أتسمعون يا معشر قريش؟ أما والذي نفسي بيده ، لقد جئتكم بالذبح)» . فأخذت القوم كلمتُه حتى ما منهم من رجل إلا وكأنَّما على رأسه طائروقع حتى إنَّ أشدَّهم فيه وصاةً قبل ذلك ليرفَؤُه(٢) حتى إنه ليقول : انصرفْ أبا القاسم راشداً ، فما كنت بجهول . فانصرف رسولُ اللهِ وَ لّ حتى إذا كان الغد اجتمعوا في الحِجْر وأنا معهم، فقال بعضُهم لبعض : ذكرتم ما بلغ منكم وما بلغكم عنه ، حتى إذا بادأكم بما تكرهون تركتموه . فبينما هم على ذلك طلع رسولُ اللهِ بَ ◌ّهِ فوثبوا إليه وثبةَ رجلٍ واحد، فأحاطوا به يقولون : أنت الذي تقول كذا وكذا ؟ لما كان يبلغهم من عَيْبِ آلهتهم ودينهم، فيقول رسول الله وَّ: (( نعم، أنا الذي أقولُ ذلك)) ولقد رأيتُ رجلاً منهم أخذ بمجامع ردائِه ، وقام أبو بكر يَبْكي دونه ويقول: ويلكم ﴿ أَنَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبَِّ اللَّهُ ﴾ [غافر: ٢٨ ] ثم انصرفوا عنه. فإنَّ ذلك لأكثر ما رأيت قريشاً بلغتْ منه قط . فصل في تأليب الملأ من قريش على رسول الله وَير وأصحابه، واجتماعهم بعمِّه أبي طالب القائم في منعه ونصرته ، وحرصهم عليه أن يسلمه إليهم ، فأبَى عليهم ذلك بحول الله وقوته . قال الإمام أحمد (٣) : حدّثنا وكيع ، عن حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس قال : قال رسول الله مٌَّ: ((لقد أُوذيتُ في الله وما يُؤْذَى أحد، وأُخفت في الله وما يُخاف أحد ، ولقد أتت عليَّ ثلاثون(٤) من بين يوم وليلة، وما لي ولبلالٍ ما يأكلُه ذو كَبِدٍ إلا ما يُواري إيْطُ بلال)). وأخرجه الترمذيّ وابنُ ماجَه(٥) من حديث حماد بن سلمة به ، وقال الترمذي : حسنٌ صحيح . (١) ليست اللفظة في ح ولا في الدلائل ، وهي في سيرة ابن هشام . ((يرفؤه)»: أي يسكنه ويرفق به ويدعو له. النهاية واللسان (ارفأ) وفيهما : إن أشدهم فيه وضاءة ؟. (٢) (٣) في مسنده (٣/ ١٢٠). في المسند : ثلاثة . (٤) (٥) جامع الترمذي (٢٤٧٢) صفة القيامة باب ٣٤ وسنن ابن ماجه (١٥١) المقدمة باب في فضائل أصحاب رسول الله وَّر، فضائل سلمان وأبي ذر والمقداد. ولفظ الأخير ((ولقد أتت عليَّ ثالثة)). ٢٥٣ قصة الإراشي وقال محمد بن إسحاق(١): وحَدِبَ على رسولِ الله ◌ِ لَّ عَمُّهُ أبو طاب ومنعه وقام دونه ، ومضى رسولُ الله ◌ِّ على أمر الله، مظهراً لدينه لا يردُّه عنه شيء. فلما رأتْ قريش أنَّ رسولَ اللهُ بَّهَ لا يُعْتِبُهم من شيءٍ أنكروه عليه، من فراقهم وعَيْب آلهتهم، ورأَوْا أنَّ عمَّه أبا٢) طالب قد حَدِبَ عليه وقام دونه ، فلم يُسْلِمْهُ لهم ، مشى رجالٌ من أشراف قريش إلى أبي طالب ، عتبةُ وشيبة ابنا ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصّي ، وأبو سفيان صَخْر بن حرب بن أمية بن عبد شمس ، وأبو البَخْتَرِي - واسمه العاصُ ابن هشام بن الحارث بن أسد بن عبد العُزَّى بن قُصَيّ ، والأسود بن المطّلب بن أسد بن عبد العُزَّى ، وأبو جهل - واسمه عمرو بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مَخْزوم ، والوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يَقَطَّة بن مُرَّةٍ بن كعب بن لُؤَيّ ونُبَيْه ومُنَبِّه ابنا الحجّاج بن عامر بن حُذيفة بن سعْد (٣) بن سهم بن عمرو بن هُصَيص بن كعب بن لؤي ، والعاص بن وائل بن سعيد بن سهم . قال ابن إسحاق(٤) : أو من مشى منهم فقالوا : يا أبا طالب، إنَّ ابن أخيك قد سبَّ آلهتنا ، وعاب ديننا وسقَّه أحلامنا، وضلَّلَ آباءنا ، فإما أن تكفَّه عنا وإما أن تُخَلِّيَ بيننا وبينه ، فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه فنكفيكه ؟ فقال لهم أبو طالب قولاً رفيقاً، وردّهم ردّاً جميلاً ، فانصرفوا عنه ، ومضى رسولُ الله ◌َ ◌ّه على ما هو عليه، يُظهر دين الله ويدعو إليه، ثم شَرِيُ(٥) الأمر بينهم وبينه حتى تباعد الرجال وتضاغنوا. وأكثرت قريش ذِكر رسول الله بَ لل بينها فتذامرو(٦) فيه، وحضَّ بعضهم بعضاً عليه ، ثم إنهم مشَوْا إلى أبي طالب مرَّةً أخرى . فقالوا : يا أبا طالب ، إنَّ لك سنّاً وشرفاً ومنزلةً فينا ، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تَنْهَهُ عنا ، وإنَّا والله لا نصبر على هذا من شَتْم آبائنا ، وتسفيه أحلامنا ، وعيب آلهتنا ، حتى تكفَّه عنا أو ننازله وإياك في ذلك ، حتى يَهْلِك أحدُ الفريقين - أو كما قالوا - ثم انصرفوا عنه ، فعظم على أبي طالب فراقُ قومه وعداوتهم، ولم يطِبْ نفساً بإسلامِ رسولِ اللهِ ﴿ ولا خِذْلانِهِ . قال ابن إسحاق(٧) : وحدّثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أنه حُدِّث أنَّ قريشاً حين قالوا لأبي طالب هذه المقالة بعث إلى رسول الله وَ ل فقال له: يا ابن أخي إنَّ قومك قد جاؤوني فقالوا كذا وكذا الذي قالوا له ، فأبق عليَّ وعلى نفسك، ولا تحمِّلني من الأمر ما لا أَطيق. قال: فظنَّ رسولُ الله وَل أنه (١) سيرة ابن هشام (٢٦٤/١) والروض (٤/٢). (٢) في ح ، ط : أبو طالب ، والمثبت من سيرة ابن هشام . (٣) في ح ، ط : سعيد، والمثبت من سيرة ابن هشام وجمهرة الأنساب لابن حزم (ص ١٦٤). (٤) سيرة ابن إسحاق (ص١٤٨) وسيرة ابن هشام (٢٦٥/١) والروض (٤/٢). في ح ، ط : سرى بالسين المهملة ، والمثبت من سيرة ابن هشام والروض والنهاية لابن الأثير ( شري ) وفيه : عظم (٥) وتفاقم ولجُّوا فيه. وجاء في الروضِ (٩/٢) فشري الأمر عند ذلك : أي انتشر الشر. (٦) في ح : فتوامروا، وتذامروا: تحاضُّوا . والقوم يتذامرون ، أي يحضُّ بعضهم بعضاً على الجد . اللسان ( ذمر). (٧) سيرة ابن إسحاق (ص١٥٤) وسيرة ابن هشام (٢٦٦/١) والروض (٥/٢). ٢٥٤ قصة الإراشي قد بَدَا لعمِّهِ فيه بَدْؤُ(١) ، وأنَّه خاذله ومُسْلِمُه ، وأنَّه قد ضعُف عن نصرته والقيام معه ، قال : فقال له رسول الله وعليه: ((يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري(٢) على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله، أو أهلك فيه ما تركتُه)) قال: ثم استعبر رسولُ الله ◌ِّل﴿ فبكى ثم قام، فلما ولَّى ناداه أبو طالب. فقال: أقْبِلْ يا بن أخي، فأقبل عليه رسول الله بَ ل فقال: اذهب يا بن أخي ، فقلْ ما أحببت ، فوالله لا أسلمتُك لشيءٍ أبداً . قال ابن إسحاق(٣): ثم إنَّ قريشاً حين عرفوا أن أبا طالب قد أبَى خِذْلانَ رسولِ الله ◌َّةٍ وإسلامه وإجماعه لفراقهم في ذلك وعداوته ، مشَوْا إليه بعمارة بنِ الوليد بن المغيرة فقالوا له - فيما بلغني - : يا أبا طالب ، هذا عُمارة بن الوليد أنهد(٤) فتَّى في قريش وأجمله ، فخُذْهُ فلك عَقْلُه ونَصْرُه ، واتخذه ولداً فهو لك ، وأسْلِمْ إلينا ابنَ أخيك هذا الذي قد خالف دينك ودينَ آبائك، وفرّق جماعة قومِك، وسفَّه أحلامنا فنقتله ، فإنما هو رجلٌ برجل ! قال : والله لبئس ما تسومونني ؟ أتعطونني ابنكم أغذوه لكم ، وأُعطيكم ابني فتقتلونه! هذا والله ما لا يكون أبداً . قال فقال المُطْعِمُ بن عدي بن نوفل بن عبد مناف بن قصي : والله يا أبا طالب لقد أنصفك قومُك وجهِدوا على التخلُّص مما تكره ، فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئاً ؟ فقال أبو طالب للمطعم : والله ما أنصفوني ، ولكنَّك قد أجمعتَ خِذْلاني ومظاهرةَ القوم عليّ ، فاصنَعْ ما بدا لك - أو كما قال - فحقب الأمر(٥)، وحميت الحرب، وتنابذ القوم، وبادَى(٦) بعضُهم بعضاً . فقال أبو طالب عند ذلك يعرِّضُ بالمُطْعِم بن عديّ ويعمُّ مَنْ خذله من بني عبد مناف ومَنْ عاداه من قبائل قريش، ويذكر ما سألوه وما تباعد من أمرَهمُ(٧): ( من الطويل ] (١) كذا في ح، ط وفي مصادر الخبر ((بَدَآء)) يقال: بدا له في الأمر ، بَدْواً وبداً وبداءً: أي تغيَّر له من أمره ، أي ظهر له رأي. انظر اللسان ( بدو ) والروض (٨/٢). (٢) قال السهيلي في الروض (٨/٢): خصَّ الشمس باليمين لأنها الآية المبصرة وخصّ القمر بالشمال لأنها الآية الممحوَّة ، وقد قال عمر رحمه الله لرجل قال له : إني رأيت في المنام كأن الشمس والقمر يقتتلان ، ومع كل واحد منهما نجوم . فقال عمر : مع أيهما كنت ؟ فقال : مع القمر . قال : كنت مع الآية الممحوة ، اذهب فلا تعمل لي عملاً. وكان عاملاً له فعزله، فقتل الرجل في صفين مع معاوية واسمه حابس بن سعد، وخصّ رسول الله وَ ه النيرين حين ضرب المثل بهما ، لأن نورهما محسوس والنور الذي جاء به من عند الله - وهو الذي أرادوه على تركه - هو لا محالة أشرف من النور المخلوق، قال الله سبحانه: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَهِهِمْ وَيَأْبِىَ اللَّهُ إِلَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ ﴾ فاقتضت بلاغة النبوة لما أرادوه على ترك النور الأعلى أن يقابله بالنور الأدنى ، وأن يخص أعلى النيرين ، وهي الآية المبصرة بأشرف اليدين ، وهي اليمين ، بلاغة لا مثلها ، وحكمة لا يجهل اللبيب فضلها. اهـ. سيرة ابن إسحاق (ص١٥٢) وسيرة ابن هشام (٢٦٦/١) والروض (٥/٢). (٣) في ح: أبهى . ومعنى أنهد ، أي: أقوى وأجلد . الروض (٨/٢). (٤) ((حقب الأمر)): يريد اشتد. الروض (٩/٢). (٥) في ح ، ط : نادى بالنون ، والمثبت من مصادر الخبر . (٦) القصيدة في ديوان شيخ الأباطح (ص٢١ - ٢٣) على خلاف في بعض ألفاظها وأبياتها ومطلعها: (٧) = ٢٥٥ قصة الإراشي ألا قُلْ لعمرٍو والوليدٍ ومُطعِم من الخُورِ حَبْحَابٌ كثيرٌ رُغاؤهُ تخلَّفَ خلفَ الوِرْدِ ليسَ بلاحقٍ أرى أخوَيْنا من أبينا وأُمَّناً بلى لهما أمرٌ ولكنْ تجرْجَما أخُصُّ خصوصاً عبدَ شمسٍ ونَوفلاً هما أغمزا للقوم في أخويهما هما أشركا في المَجدِ مَنْ لا أبالَهُ وتَيْمٌ ومخزومٌ وزُهرةُ منهمُ فواللهِ لا تنفكُّ منَّا عداوةٌ قال ابن هشام٩ُ) : وتركنا منها بيتين أقذع فيهما . ألا ليتَ حظّي من حياطتكم بَكْر(١) يُرَشُّ على الساقين من بولِهِ قَطْ(٢) إذا ما علا الفَيفاءَ قيلَ له وَبْر(٣) إذا سُئلا قالا إلى غيرِنا الأمرُ كما جَرجمتْ من رأسِ ذِي عَلَقَ الصخر(٤) هما نَبِذَانا مثلَ مَا نُبذ الجمر(٥) فقد أصبحا منهم أكفُّهما صِفر(٦) من الناسِ إلا أنْ يُرَسَّ له ذِكْر(٧) وكانُوا لنا مولَّى إذا بُغيَ النَّصْرُ ولا منهمُ ما قام مِنْ نسلِنا شَفْ(٨) = ألا ليت حظي من حياطة نصركم وسار برملي فاطر الناب جاشم بأن لیس لي نفع لدیکم ولا ضرُّ ضعيف القصيرى لا كبير ولا بکرُ وقال في شرحه : جاشم : متكاره على السير ، والقصيرى : أضعف الأضلاع . (١) قال السهيلي في الروض (٢/ ١٠): أي: إن بكراً من الإبل أنفع لي منكم ، فليته لي بدلًا من حياطتكم كما قال طرفة في عمرو بن هند : [من الوافر] فليت لنا مكان الملك عمرو رغوثاً حول قبّتنا تخور (٢) ((الخور)): الضعاف: والحجاب بالحاء : الصغير . وفي حاشية كتاب الشيخ أبي بحر : جبجاب بالجيم ، وفسره فقال: هو الكثير الهدر. الروض (٢/ ١٠). (٣) أي يشبه الوَبْر لصغره ؛ والوبر: دويّة على قدر السنّوْر . ويحتمل أن يكون أراد أن يصغر في العين لعلو المكان وبعده . الروض (٢/ ١٠) والنهاية (وبر ). (٤) رواية السهيلي في الروض : كما جرجمت من راس ذي علقٍ صخر وقال : وترك صرف علق إما لأنه جعله اسم بقعة ، وإما لأنه اسم علم ، وترك صرف الاسم العلم سائغ في الشعر ... ثم قال: ولو رُوي : من رأس ذي علق الصخر . بحذف التنوين لالتقاء الساكنين لكان حسناً . الروض (١٠/٢، ١١) وقوله : جرجمت أي : سقط وتهدّم . ورواية الديوان : ترجما ... كما رجمت . وقال : الترجم القول بالظن. (٥) في ح : الخمر . (٦) أغمز في الرجل إغمازاً : استضعفه وعابه وصغَّر شأنه اللسان ( غمز ) . (٧) أي إلا أن يذكر ذكراً خفيّاً، من رسَّ له الخبر : ذكره له . اللسان ( رسس ). (٨) في ط : ولا منكم ما دام من نسلنا شفر. والمثبت من ح. وشفر: أحد . يقال: ما بالدار شَفْر وشَفَر : أى أحد . اللسان شفر . (٩) ليست اللفظة في ح . ٢٥٦ فصل في مبالغتهم الأذية لآحاد المسلمين المستضعفين فصل في مبالغتهم في الأذية لآحاد المسلمين المستضعفين قال ابن إسحاق (١): ثم إنَّ قريشاً تذامرو(٢) بينهم على مَنْ في القبائل من منهم(٣) أصحاب رسول الله وَ لِ* الذين أسلموا معه، فوثبتْ كلُّ قبيلة على مَنْ فيها من المسلمين يعذّبونهم ويفتنونهم عن دينهم ، ومنع الله منهم رسولَ اللهِ بَّه بعمِّه أبي طالب ، وقد قام أبو طالب حين رأى قريشاً يصنعون ما يصنعون في بني هاشم وبني المطلب ، فدعاهم إلى ما هو عليه من مَنْع رسولِ الله ◌ِّ والقيام دونه ، فاجتمعوا إليه وقاموا معه وأجابوه إلى ما دعاهم إليه - إلا ما كان من أبي لهب عدو الله - فقال(٤) في ذلك يمدحهم ويحرِّضهم على ما وافقوه عليه من الحدب والنُّصْرَة لرسولِ الله وَلّ: [من الطويل ] فعبدُ منافٍ سرُّها وصَمِيمُها إذا اجتمعتْ يوماً قريشٌ لِمَفْخَرٍ ففي هاشم أشرافُها وقديمُها هو المصطفى من سرِّها وكريمها علينا فلم تظفر وطاشَتْ حُلومُها(٥) وإنْ حُصِّلتْ أشرافُ عبدِ منافِها وإنْ فخرَتْ يوماً فإنَّ محمداً تداعتْ قريشٌ غَثُّها وسمِينُها إذا ما ثَنَوْا صُعْرَ الرقابِ نُقِيمُها وكنّا قديماً لا نُقِرُ ظُلامةً ونحمي حِماها كلَّ يوم كريهةٍ بنا انتعش العُودُ الذَّوَاَءُ وإنما ونضربُ عن أحجارِها مَنْ يرومها٦) بأكنافِنا تندَى وتَنْمي أرومُها فصل فيما اعترض به المشركون على رسول الله بِ ل، وما تعنَّتوا له في أسئلتهم إياه أنواعاً من الآيات وخَرْق العادات على وجه العِنَاد ، لا على سبيل(٧) الهدى والرشاد. فلهذا لم يُجابوا إلى كثيرٍ مما طلبوا ، ولا ما إليه رغبوا ، لعلْم الحقِّ سبحانه أنهم لو عاينوا وشاهدوا ما أرادوا لاستمُّوا في طغيانهم يعمهون، ولظلُّوا (١) سيرة ابن هشام (٢٦٨/١). (٢) في الأصل ح : توامروا ، والمثبت من ط وسيرة ابن هشام . (٣) سقطت اللفظة من ط . (٤) أي أبو طالب . (٥) هذه رواية ط وسيرة ابن هشام للبيت ، أما رواية ح فهكذا : تداعت علينا غئها وسمينها فلم يظفروا شيئاً وطاشت حلومها (٦) قال السهيلي في الروض (١١/٢): ونضرب عن أحجارها من يرومها، أي ندفع عن حصونها ومعاقلها، وإن كانت الرواية : أجحارها ، بتقديم الجيم فهو جمع جحر ، والجحر هنا مستعار ، وإنما يريد عن بيوتها ومساكنها . (٧) في ط : على وجه طلب الهدى ... ٢٥٧ فصل في مبالغتهم الأذية لآحاد المسلمين المستضعفين في غيِّهم وضلالهم يتردَّوْن. قال الله تعالى: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَئِنِهِمْ لَكِن جَاءَتْهُمْ ءَايٌَّ أَيُؤْمِنُنَّ بِهَا ( قُلْ إِنَّمَا الَْيَتُ عِندَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرَّكُمْ أَنَّهَ إِذَا جَآءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (٥) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ: أَوَّلَ مَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَنِهِمْ يَعْمَهُونَ (١) ﴾ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَبِكَةَ وَكَلَّمَّهُمُ الْمَوْنَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْءٍ قُبُلًا مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلَّ أَنْ يَشَآءَ اللَّهُ }١) وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩ - ١١١] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونُ (١) وَلَوْ جَاءَ تُهُمْ كُلُّ ءَايَةٍ حَتَّى يَوُاْ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [ يونس: ٩٦ - ٩٧]. وقال تعالى: ﴿ وَمَا مَنَعَنَا أَنْ تُرْسِلَ بِآلْأَيَتِ إِلَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ [ وَءَانَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِآلْأَيَتِ إِلَّا تَخْوِيفًا !٢) ﴾. وقال تعالى: ﴿ وَقَالُواْ لَن نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُر لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (١٩) [أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن تَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَرَ خِلَلَهَا تَفْجِيرًا (٢) أَوْ تُتْفِطَ السَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًّا أَوْ تَأْتِىَ بِاللَّهِ وَالْمَلَئِكَةِ قَبِيلًا (١٦) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتُ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِ السَّمَآءِ وَلَن تُؤْمِنَ لِرُفِيِّكَ حَقَّ تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِنَبَا نَّقْرَؤُمُّ قُلْ سُبْحَانَ رَبِ هَلْ كُنْتُ إِلَّا !٣) بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٠ - ٩٣]. وقد تكلَّمنا على هذه الآيات وما يشابهها في أماكنها في التفسير ولله الحمد . وقد روى يونس وزياد عن ابن إسحاق(٤) عن بعض أهل العلم - وهو شيخٌ من أهل مصر يقال له : محمد بن أبي محمد - عن سعيد بن جُبير ، وعكرمة عن ابن عباس قال : اجتمع عِلْيَةٌ(٥) من أشراف قريش - وعدَّد أسماءهم - بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة ، فقال بعضهم لبعض : ابعثوا إلى محمدٍ فكلِّموه ، وخاصِمُوه حتى تُعْذِروا فيه . فبعثوا إليه: إن أشرافَ قومك قد اجتمعوا لك ليكلِّموك ، فجاءهم رسولُ اللهِ وَّهِ سريعاً وهو يظنُّ أنه قد بدا لهم في أمره بَدَاءُ(٦) ، وكان حريصاً يحبُّ رُشْدَهم ويَعِزُّ عليه عَنْتُهم ، حتى جلس إليهم ، فقالوا : يا محمد ، إنَّا قد بعثنا إليك لنعذر فيك، وإنَّا والله لا نعلمُ رجلاً من العرب أدْخَلَ على قومه ما أدخلتَ على قومك ، لقد شتمتَ الآباء ، وعِبْتَ الدِّين ، وسفَّهْتَ الأحلام ، وشتمتَ الآلهة ، وفرَّقْتَ الجماعة ، وما بقي من قبيح إلا وقد جِئْتَه فيما بيننا وبينك ؛ فإنْ كنتَ إنما جئتَ بهذا الحديث تطلب مالاً جمعنا لَكَ من أموالنا حتى تَكونَ أكثرَنا مالاً، وإنْ كنتَ إنما تطلب الشَّرَف فينا سؤَدْناك علينا ، وإنْ كنتَ تريدُ مُلْكاً ملَّكناكَ علينا ، وإنْ كان هذا الذي يأتيك [ بما يأتيك }٧) رَئِيّاً تراه قد غلب عليك - وكان يسمُّون التابعَ من الجِنّ الرَّئِيّ - فربما كان ذلك؛ بذلنا أموالنا في طلب الطبِّ حتى نُبْرِئَكَ منه أو نُعْذِرَ فيك؟ فقال رسول الله وَّةَ: (( ما بي ما تقولون، ما جئتكم بما جئتكم به أطلبُ (١) ما بين المعقوفين ساقط من ح وأثبت محله: ((إلى قوله)). (٢) ما بين المعقوفين ليس في ح وأثبت محله لفظ : الآية وهي الآية ٥٩ من سورة الإسراء . (٣) ما بين المعقوفين ساقط من ح وأثبت محله: ((إلى قوله)). سيرة ابن إسحاق (ص١٩٧) وسيرة ابن هشام (٢٩٥/١) والروض (٣٦/٢). (٤) (٥) في ح : جماعة . (٦) مضى شرح معناه ص ٢٥٤ ح١ . (٧) ليس ما بين معقوفين في ح ولا سيرة ابن هشام ولا الروض ، وهو في سيرة ابن إسحاق . ٢٥٨ فصل في مبالغتهم الأذية لآحاد المسلمين المستضعفين أموالكم ، ولا الشَّرَفَ فيكم ، ولا الملك عليكم ، ولكنَّ اللهَ بعثني إليكم رسولاً ، وأنزل عليَّ كتاباً ، وأمرني أنْ أكونَ لكم بشيراً ونذيراً ، فبلَّغتكم رسالةَ ربِّي ونصحتُ لكم ، فإنْ تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظُكم من (١) الدنيا والآخرة، وإنْ تردُّوه عليّ أصبرْ لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم)) - أو كما قال رسول الله وَ﴿ - فقالوا: يا محمد، فإنْ كنتَ غيرَ قابلٍ منَّا ما عرَضْنا عليك فقد علمتَ أنَّه ليس أحدٌ من الناس أضيقَ بلاداً، ولا أقلَّ مال٢ً)، ولا أشدَّ عيشاً منّا. فسَلْ لنا ربَّك الذي بعثك بما بعثك به ، فَلْيُسَيِّرْ عنَّا هذه الجبالَ التي قد ضيَّقت علينا، ولْيَبْسُطْ لنا بلادنا، وليجر(٣) فيها أنهاراً كأنهار الشام والعراق ، وليبعثْ لنا مَنْ مَضَى من آبائنا، وليكُنْ فيمن(٤) يبعث لنا منهم قصيُّ بن كلاب ، فإنَّه كان شيخاً صدوقاً ، فنسألَهم عمَّا تقول أحقٌّ هو أم باطل ؟ فإنْ فعلت ما سألناك وصدَّقوك صدَّقناك وعرفنا به منزلتك عند الله ، وأنه بعثك رسولاً كما تقول. فقال لهم رسولُ الله ◌َّه: ((ما بهذا بُعثت، إنما جئتُكم من عند الله بما بعثني به فقد بلَّغْتُكم ما أُرسلتُ به إليكم ، فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة ، وإن تردُّوا عليَّ أصبرْ لأمر الله حتی یحکم الله بینی وبینكم )) . قالوا : فإنْ لم تفعل لنا هذا فخُذْ لنفسك فسلْ ربَّك أن يبعث لنا ملكاً يصدِّقك بما تقول ، ويراجعنا عنك ، وتسأله فيجعل لنا٥) جِناناً وكنوزاً وقصوراً من ذهب وفضة ، ويُغنيك عمَّا نراك تبتغي ، فإنَّك تقومُ في الأسواق وتلتمس المعايش كما نلتمسُه ، حتى نعرف فضلَ منزلتك من ربّك إنْ كنتَ رسولاً كما تزعم. فقال لهم: (( ما أنا بفاعل ، ما أنا بالذي يسألُ ربَّه هذا ، وما بُعثتُ إليكم بهذا ، ولكنَّ الله بعثني بشيراً ونذيراً ، فإنْ تقبلوا ما جئتكم به فهو حظُكم في الدنيا والآخرة . وإن تردُّوه عليَّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم )) . قالوا : فأسقطِ السماء كما زعمت أنَّ ربَّك إن شاء فعل ، فإنَّا لن نؤمن لك إلا أنْ تفعل . فقال: (( ذلك إلى الله إنْ شاء فعل بكم ذلك)) فقالوا : يا محمد ، ما علم ربُّك أنَّا سنجلسُ معك ونسألك عما سألناك عنه ، ونطلب منك ما نطلب ، فيتقدَّم إليك ويعلمك ما تُراجعنا به ، ويخبرك ما هو صانع في ذلك بنا إذا لم نقبلْ منك ما جئتنا به ؟ فقد بلغنا أنه إنما يعلِّمك هذا رجلٌ باليمامة يقال له الرحمن ، وإنا والله لا نؤمنُ بالرحمن أبداً ؛ فقد أعْذَرْنا إليك يا محمد ، أما والله لا نتركُك وما فعلت بنا حتى نهلكَكَ أو تهلكنا . وقال قائلهم : نحن نعبد الملائكة وهم(٦) بناتُ اللّه ، وقال قائلُهم : لن نؤمن لك حتى تأتينا بالله(٧) والملائكة قَبِيلاً . (١) في سيرة ابن إسحاق وسيرة ابن هشام والروض : في . (٢) في سيرة ابن إسحاق وسيرة ابن هشام والروض : ماءً . وهو أشبه بالصواب. (٣) في سيرة ابن هشام والروض : وليفجِّرْ . في ح ، ط : فيما . والمثبت من سيرة وابن إسحاق وسيرة ابن هشام والروض . (٤) في سيرة ابن هشام والروض : لك . (٥) (٦) في ط وسيرة ابن هشام والروض : وهي وفي سيرة ابن إسحاق : وهن والمثبت من ح . (٧) في ح : حتى يأتينا الله . ٢٥٩ فصل في مبالغتهم الأذية لآحاد المسلمين المستضعفين فلما قالوا ذلك قام رسولُ الله ◌َّ عنهم، وقام معه عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم - وهو ابنُ عمته عاتكة بنت عبد المطلب - فقال : يا محمد عرَضَ عليك قومُك ما عرضوا فلم تقبله . ثم سألوك لأنفسهم أموراً ليعرفوا بها منزلتَك من الله فلم تفعل ، ثم سألوك أن تعجل ما تخوّفُهم به من العذاب . فوالله لا أومن لك أبداً حتى تتخذ إلى السماء سُلَّما ثم ترقى منه وأنا أنظر حتى تأتيَها وتأتيَ معك بنسخةٍ منشورة ، ومعك أربعةٌ من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول ؛ وائْمُ الله ، لو فعلتَ ذلك لظننتُ أني لا أصدقك. ثم انصرف عن رسول الله بَ ل ◌َه وانصرف رسولُ اللهِ وَ لَه إلى أهله حزيناً أسِفاً لما فاتَهُ بما طمع فيه من قومه حين دعَوْه ، ولما رأى من مباعدتهم إياه . وهذا المجلس الذي اجتمع عليه هؤلاء الملأ مجلسُ ظلم وعُدْوانٍ وعِنَاد ، ولهذا اقتضتِ الحكمة الإلهية، والرحمةُ الربّانية، ألَّا يجابوا إلى ما سألوا، لأن(١) الله علم أنهم لا يؤمنون بذلك فيعاجلهم بالعذاب ؛ كما قال الإمام أحمد (٢): حدّثنا عثمان بن محمد، حدّثنا جرير، عن الأعمش ، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جُبير ، عن ابن عباس قال: سأل أهلُ مكةَ رسولَ الله وَّر أنْ يجعل لهم الصَّفا ذهباً ، وأنْ يُنَخِّيَ عنهم الجبال فيزْدَرِعوا، فقيل له : إنْ شئت أن تَسْتَأنيَ بهم، وإنْ شئتَ أن تؤتيَهُمُ الذي سألوا، فإنْ كفروا هلَكُوا كما أهلكتُ مَنْ قبلهم من القرون. فقال(٣): (( لا ، بل أستأني بهم)). فأنزل الله تعالى: ﴿ وَمَا مَنَّعَنَا أَنْ تُرْسِلَ بِالْآَيَتِ إِلَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ [ وَءَانِيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوْ بِهَا ﴾ الآية. وهكذا رواه النسائي(٥) من حديث جرير . وقال أحمد(٦): حدّثنا عبد الرحمن، حدّثنا سفيان عن سَلَمة بن كُهَيْل، عن عمران بن حَكَمْ(٧) ، عن ابن عباس قال: قالت قريشٌ للنبيِّ وَّ: ادْعُ لنا ربّك يجعل لنا الصَّفَا ذهباً ونؤمنُ بك. قال : (١) في ح : سألوه لأنه ، والمثبت من ط . (٢) في مسنده (٢٥٨/١). (٣) في ط : من قبلهم الأمم قال ، والمثبت من ح . ما بين المعقوفين ليس في ح ، والآية هي رقم (٥٩) من سورة الإسراء . (٤) في التفسير (٣١٠) وهو في سننه الكبرى (١١٢٩٠). (٥) (٦) في مسنده (١/ ٢٤٢) . (٧) في ح ، ط : حكيم، والمثبت من مسند أحمد؛ قال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على مسند أحمد (٢٦/٤) ما نصه : هكذا هو في الأصلين ، والظاهر أن أصل الرواية : عن عمران أبي الحكم . فأخطأ أحد الرواة فقال : عن عمران بن الحكم ، وليس في الرواة الذين رأينا تراجمهم من يسمَّى عمران بن الحكم . والصواب عمران بن الحارث أبو الحكم . ٢٦٠ فصل في مبالغتهم الأذية لآحاد المسلمين المستضعفين (( وتفعلون (١) قالوا : نعم . قال : فدعا ، فأتاه جبريل فقال: إنَّ ربَّكَ يقرأُ عليك السلام ويقول لك : إنْ شئتَ أصبح الصَّفا لهم ذهباً . فمَنْ كفر منهم بعد ذلك أعذِّبُه عذاباً لا أعذِّبه أحداً من العالمين ، وإنْ شئتَ فتحتُ لهم باب الرحمة والتوبة ، قال: (( بل باب التوبة والرحمة)). وهذان إسنادان جيِّدان ، وقد جاء مرسلاً عن جماعةٍ من التابعين ، منهم سعيد بن جُبير وقتادة وابن جُریج وغير واحد . وروى الإمام أحمد والترمذي (٢) ، من حديث عبد الله بن المبارك حدّثنا يحيى بن أيُّوب ، عن عُبيد الله بن زَحْر ، عن علي بن يَزيد ، عن القاسم، عن (٣) أبي أمامة، عن النبيِّ بََّ قال: ((عَرَضَ عليَّ ربِّي عزَّ وجلَّ أن يجعلَ لي بطحاءَ مكَّةَ ذهباً ، فقلت: لا ياربّ ، [ ولكن ] أشبع يوماً وأجوع يوماً - أو نحو ذلك - فإذا جعتُ تضرَّعْتُ إليك وذكرتُك، وإذا شبعتُ حَمِدْتُك وشكرتك)) لفظ أحمد . وقال الترمذي : هذا حديثٌ حسن ، وعلىُّ بن يزيد يُضعَّف في الحديث . وقال محمد بن إسحاق(٤) : حدّثني شيخٌ من أهل مصر - قدم علينا منذ بضع وأربعين سنة - عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : بعثتْ قريشُ النَّضْرَ بن الحارث وعُقْبة بن أبي مُعَّيط إلى أحبار يهود بالمدينة ، فقالوا لهما: سلوهم عن محمد وصفو(٥) لهم صفته وأخبروهم(٥) بقوله ، فإنَّهم أهلُ الكتاب الأول ، وعندهم علْمُ ما ليس عندنا من علم الأنبياء . فخرجا حتى قدِمَا المدينة ، فسألا أحبارَ يَهُود عن رسولِ اللهِ وَّ ووصفوا(١) لهم أمْرَهُ وبعضَ قوله، وقالا: إنَّكم أهلُ التوراة ، وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا . فقالت لهم أحبارُ يهود : سلوه عن ثلاثٍ نأمرُكم بهنّ ، فإنْ أخبركم بهنَّ فهو نبيٌّ مرسَل ، وإنْ لم يفعلْ فالرجل متقوِّل ، فرَوا فيه رأيكم : سلوهُ عن فتيةٍ ذهبوا في الدَّهْر الأول ما كان من أمرهم ؟ فإنَّه قد كان لهم حديثٌ عجيب ؛ وسلوه عن رجل طوَّاف بلغُ(٦) مشارق الأرض ومغاربها ، ما كان [ نَؤُه ]٧) ؛ وسلوه عن الروح ما هو(٨) ؟ فإنْ أخبركم بذلك فهو نبيٌّ فَاتَّبِعُوه، وإنْ لم يخبركم فإنَّه رجلٌ متقوِّل ، فاصنعوا فى أمره ما بدا لكم . (١) في ح ، ط : وتفعلوا ، والمثبت من مسند أحمد . (٢) مسند أحمد (٢٥٤/٥) وجامع الترمذي (٢٣٤٧ م) الزهد باب ما جاء في الكفاف والصبر عليه وفي إسناده ضعف. (٣) في ح : القاسم بن أبي أسامة . والمثبت من مسند أحمد والترمذي ، وما يأتي بين معقوفين منهما . (٤) في سيرة ابن إسحاق (ص٢٠١) وسيرة ابن هشام (٣٠٠/١) والروض (٣٩/٢). في ط وسيرة ابن هشام والروض : وصفا ... وأخبراهم ، والمثبت من ح وسيرة ابن إسحاق . (٥) (٦) في ط : طاف ، والمثبت من ح . (٧) ما بين معقوفين من سيرة ابن إسحاق وسيرة ابن هشام . (٨) في ط وسيرة ابن هشام والروض: ما هي، والمثبت من ح والسير والمغازي. والروح: مذكر وقد يؤنث . اللسان ( روح ) .