النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١ فصل في ذكر أول من أسلم من متقدِّمي الإسلام من الصحابة قيس لأمه(١) - أنه قال : كنتُ امرأً تاجراً، فقدمتُ مِنىّ أيام الحجّ ، وكان العباس بن عبد المطلب امرأ تاجراً ، فأتيتُه أبتاع منه وأبيعه ، قال : فبينا نحن إذْ خرج رجلٌ من خِباءٍ يصلِّي ، فقام تجاه الكعبة ، ثم خرجتِ امرأةٌ فقامتْ تصلِّي ، وخرج غلامٌ فقام يصلِّي معه ، فقلت : يا عباس ، ما هذا الدِّين ؟ إنَّ هذا الدِّين ما ندري ما هو ؟ فقال [ العباس ] : هذا محمد بن عبد الله، يزعم أنَّ الله أرسله، وأنَّ كنوز كسرى وقيصر ستُفتح عليه ، وهذه امرأته خديجةُ بنت خُويلد آمنتْ به ، وهذا الغلام ابنُ عمِّه عليُّ بن أبي طالب آمن به . قال عفيف : فليتني كنتُ آمنت يومئذ ، فكنت أكون ثانياً . وتابعه إبراهيم بن سعد عن ابن إسحاق(٢) ، وقال في الحديث : إذْ خرج رجلٌ من خِباءٍ قريب منه ، فنظر إلى السماء ، فلما رآها قد مالت قام يُصلِّي. ثم ذكر قيامَ خديجةَ وراءه . وقال ابنُ جرير (٣) : حدّثني محمد بن عبيد المحاربي، حدّثنا سعيد بن خُثيم، عن أسد بن عَبْدَةً البجلي ، عن يحيى بن عفيف، عن عفيف (٤) . قال: جئت في(٥) الجاهلية إلى مكة ، فنزلتُ على العباس بن عبد المطلب ، فلما طلعت الشمس وحلَّقتْ في السماء وأنا أنظر إلى الكعبة ، أقبل شابٌّ فرمى ببصره إلى السماء ، ثمّ استقبل الكعبة فقام مستقبلَها ، فلم يلبثْ حتى جاء غلامٌ فقام عن يمينه ، فلم يلبثْ حتى جاءتِ امرأةٌ فقامتْ خلفهما ، فركع الشابُّ ، فركع الغلامُ والمرأة ؛ فرفع الشابّ فرفع الغلام والمرأة ، فخرَّ الشابُّ ساجداً فسجدا معه ، فقلت : يا عباس ، أمرٌ عظيم ! فقال : أمر عظيم ! فقال أتدري(٦) مَنْ هذا؟ فقلت : لا ، فقال : هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ابن أخي ، أتدري(٦) من الغلام ؟ قلت : لا ، قال : هذا عليُّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - أتدري(٦) مَنْ هذه المرأة التي خلفهما ؟ قلتُ : لا ، قال : هذه خديجةُ بنتُ خويلد زوجةُ ابنِ أخي ، وهذا حدثني أنَّ ربَّك ربُّ السماء والأرض ، أمره بهذا الذي تراهم عليه ، وانْمُ الله ما أعلم على ظهر الأرض كُلُّها أحداً على هذا الدِّين غير هؤلاء الثلاثة . وقال ابن جرير(٧) : حدّثني ابنُ حُميد ، حدّثنا عيسى بن سَوادة بن الجَعْد ، حدّثنا محمد بن المنكدر (١) المعترضة ما بين الخطين ليست في سيرة ابن إسحاق ولا الميزان. (٢) ميزان الاعتدال (١/ ٢٢٣) حيث ساقه عن إبراهيم هذا . (٣) ابن جرير الطبري في تاريخه (٣١١/٢) وأخرجه ابن سعد في الطبقات (٨/ ١٧) عن يحيى بن الفرات القزاز عن سعید بن خثيم به . (٤) قوله ((عن عفيف)) سقط من ط ولا يصح إلا به ، فأثبتناه من تاريخ الطبري . في ح : من ، وفي ط : زمن . والمثبت من تاريخ الطبري . (٥) (٦) في ح : أتدرون ، والمثبت من ط وتاريخ الطبري . (٧) تاريخ الطبري (٣١٢/٢) . ٢٢٢ فصل في ذكر أول من أسلم من متقدّمي الإسلام من الصحابة وربيعة بن أبي عبد الرحمن وأبو حازم والكلبي ، قالوا : عليٍّ أوَّل من أسلم . قال الكلبي : أسلم وهو ابنُ تسعٍ سنين . وحدّثنا١) ابن حُميد، حدّثنا سلمة عن ابن إسحاق، قال: أولُ ذَكَر آمنَ برسول الله وَلِّ وصلَّى معه وصدَّقه عليُّ بنُ أبي طالب، وهو ابنُ عشر سنين، وكان في حَجْر رسول الله وَّل قبل الإسلام. قال الواقدي(٢): أخبرنا إبراهيم بن نافع ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قال : أسلم عليٌّ وهو ابنُ عشر سنين(٣). قال الواقدي (٤): وأجمع أصحابنا على أنَّ علياً أسلم بعد ما تنبََّ رسولُ اللهِوَّه بسنة. وقال محمد بن كعب : أول من أسلم من هذه الأمة خديجةُ ، وأول رجلين أسلما أبو بكر وعليٍّ ، وأسلم عليٍّ قبل أبي بكر ، وكان عليٍّ يكتم إيمانه خوفاً من أبيه ، حتى لَقِيَهُ أبوه قال : أسلمت ؟ قال : نعم ! قال : وازِرِ ابنَ عمك وانصُرْه . قال : وكان أبو بكر الصديق أولَ من أظهر الإسلام . وروى ابن جرير في تاريخه (٥) من حديث شعبة ، عن أبي بَلْج ، عن عمرو بن ميمون ، عن ابن عباس ، قال : أوَّلُ من صلَّى عليّ . وحدثنا عبد الحميد بن بحر(٦) ، حدثنا شريك ، عن عبد الله بن محمد بن عَقيل ، عن جابر ، قال : بُعث النبيُّ ◌َّه يوم الاثنين، وصلى عليٍّ يوم الثلاثاء. وروى(٧) من حديث شعبة ، عن عمرو بن مرة ، عن أبي حمزة - رجلٍ من الأنصار - سمعتُ زيد بن أرقم يقول: أولُ من أسلم مع رسول الله وَّ عليّ بن أبي طالب. قال: فذكرتُه للنَّخَعيِّ فأنكره وقال: أبو بكر أولُ من أسلم . ثم قال(٨): حدّثنا عبيد الله بن موسى ، حدثنا العلاء ، عن المنهال بن عمرو ، عن عبَّاد بن عبد الله ، (١) القائل هو ابن جرير الطبري أيضاً في تاريخه (٣١٢/٢) بأوعب مما هنا . (٢) قول الواقدي فيما نقله عنه ابن سعد في الطبقات (٢١/٣) وفيما نقله الطبري في تاريخه (٣١٤/٢). (٣) في ح، ط : إبراهيم عن نافع، وهو تحريف ، والمثبت من الطبقات والطبري وترجمتي إبراهيم بن نافع وعبد الله بن أبي نجيح في تهذيب الكمال . (٤) قول الواقدي في تاريخ الطبري (٣١٤/٢) . (٥) تاريخ الطبري (٣١٠/٢) . في ح، ط : عبد الحميد بن يحيى ، وهو تصحيف ، والمثبت من تاريخ الطبري (٢/ ٣١٠) وترجمته في الكامل (٦) لابن عدي (١٩٥٩/٥) ولسان الميزان (٣٩٥/٣)، وهو ضعيف يسرق الحديث. (٧) يعني الطبري في تاريخه (٣١٠/٢). (٨) يعني الطبري وما يأتي بين معقوفين منه . ٢٢٣ فصل في ذكر أول من أسلم من متقدِّمي الإسلام من الصحابة سمعتُ علياً يقول : أنا عبد الله وأخو رسوله ، وأنا الصِّدِّيق الأكبر ، لا يقولها بعدي إلا كاذبٌ مُفْتَرٍ ، صلَّيتُ مع رسول الله قبل الناس بسبع سنين . وهكذا رواه ابن ماجه (١)، عن محمد بن إسماعيل الرازي، عن عُبيد الله بن موسى العَبْسي(٢) - وهو شيعيٍّ من رجال الصحيح - عن العلاء بن صالح الأزدي الكوفي - وثقوه ، ولكن قال أبو حاتم : كان من عثْقَ(٣) الشيعة - وقال عليُّ بن المَديني: روى أحاديث مناكير. والمِنْهال بن عمرو ثقة، وأما شيخُه عباد بن عبد الله - وهو الأسدي الكوفي - فقد قال فيه عليُّ بن المديني: هوضعيفُ الحديث . وقال البخاري : فيه نظر . وذكره ابن حِبَّان في الثقات . وهذا الحديث منكر بكلِّ حال ، ولا يقولُه عليّ رضي الله عنه ، وكيف يمكن أنْ يصلِّيَ قبل الناس بسبع سنين ؟ هذا لا يتصوَّرُ أصلاً ، والله أعلم . وقال آخرون : أول من أسلم من هذه الأمة أبو بكر الصدِّيق ، والجمعُ بين الأقوال كلِّها أنَّ خديجة أولُ من أسلم من النساء ، وظاهر السياقات - وقبل الرجال أيضاً - وأولُ مَنْ أسلم من الموالي زَيْد بن حارثة ، وأول من أسلم من الغلمان عليّ بن أبي طالب . فإنه كان صغيراً دون البلوغ على المشهور ، وهؤلاء كانوا إذْ ذاك أهل البيت . وأول من أسلم من الرجال الأحرار أبو بكر الصديق ، وإسلامه كان أنفعَ [ من إسلام ]٤) من تقدَّم ذِكْرِهم إذْ كان صدراً معظّما، ورئيساً في قريش مكرّماً ، وصاحبَ مال وداعيةً إلى الإسلام . وكان محبَّباً متألَّفاً يبذلُ المالَ في طاعة الله ورسوله كما سيأتي تفصيله . قال يونس عن ابن إسحاق(٥) ثمّ إنَّ أبا بكر الصديق لقي رسولَ الله وَّر فقال: أحقٌّ ما تقول قريشٌ يا محمد؟ مِن تَرْكك آلهتنا، وتسفيهكَ عقولنا، وتكفيرك آباءنا؟ فقال رسول الله وَّ: ((بلى إني رسولُ الله ونبيُّه، بعثني لأَبَلِّغ رسالتَه، وأدعوكَ إلى الله بالحق ، فوالله إنَّه للحَقُّ ، أدعوك يا أبا بكر إلى الله وحده لا شريك له ، ولا تعبد غيره ، والموالاة على طاعته)) وقرأ عليه القرآن ، فلم يُقِرَّ ولم يُنكر . فأسلم وكفر بالأصنام ، وخلع الأنداد ، وأَقرَّ بحق الإسلام ، ورجع أبو بكر وهو مؤمن مصدِّق . (١) في سننه (١٢٠) المقدمة باب فضائل أصحاب رسول الله وَ ل. وأخرجه الحاكم في المستدرك (١١١/٣، ١١٢) من طريق عبيد الله بن موسى عن أبي إسحاق عن المنهال به . وقال الذهبي : ولا هو بصحيح ، بل حديث باطل . وانظر ما قاله الذهبي في الميزان (٣٦٨/٢) في ترجمة عباد بن عبد الله . (٢) في ط : الفهمي ، وفي ح : الغمسى . وكلاهما تحريف ، والمثبت من أنساب السمعاني (٨/ ٣٦٧) وترجمته في الميزان (١٦/٣). (٣) في ح : عتيق . (٤) ما بين المعقوفين سقط من ح . (٥) سيرة ابن إسحاق (ص١٣٩). ٢٢٤ فصل في ذكر أول من أسلم من متقدِّمي الإسلام من الصحابة قال ابن إسحاق(١): حدّثني محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحصين التميمي أنَّ رسولَ الله اله قال : (( ما دَعْوتُ أحداً إلى الإسلام إلا كانتْ عنده كَبْوَةٌ وتردُّدٌ ونظَر ، إلا أبا بكر ماعَكَم عنه حين ذكرتُه ، ولا تردّد فيه)). عكم : أي تَلَبَّثَ(٢) . وهذا الذي ذكره ابنُ إسحاق في قوله : فلم يُقِرَّ ولم ينكرْ ، فإنَّ ابنَ إسحاقَ وغيرَهُ ذكروا أنَّهُ كان صاحبَ رسول الله وَ﴿ قبل البعثة، وكان يعلم من صِدْقِه وأمانتِه وحسنٍ سجيَّته وكرم أخلاقه ، ما يمنعه من الكذب على الخَلْقِ . فكيف يكذبُ على الله ؟ ولهذا بمجرد ما ذكر له إنَّ الله أرسله بادر إلى تصديقِه ولم يتلعثم ، ولا عَكَم ، وقد ذكرنا كيفية إسلامه في كتابنا الذي أفردناهُ في سيرته ، وأوردنا٣) فضائله وشمائله وأتبعنا ذلك بسيرة الفاروق أيضاً، وأوردنا ما رواه كلٌّ منهما عن النبيِّ وَلّ من الأحاديث ، وما رُوي عنه من الآثار والأحكام والفتاوى ، فبلغ ذلك ثلاثَ مجلدات ، ولله الحمدُ والمِنَّة . وقد ثبت في صحيح البخاري(٤) عن أبي الدرداء في حديثٍ ما كان بين أبي بكرٍ وعمر رضي الله عنهما من الخصومة، وفيه. فقال رسولُ اللهِ بَل: ((إنَّ الله بعثني إليكم، فقلتم كذبتَ، وقال أبو بكرٍ : صدَقَ . وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركو(٥) لي صاحبي ؟ )) فما أُوذي بعدها . وهذا كالنص على أنه أولُ من أسلم رضي الله عنه . وقد روى الترمذي وابنُ حبَّال٦) من حديث شعبة عن سعيد الجُرَيري ، عن أبي نَضْرَة ، عن (١) سيرة ابن إسحاق (ص١٣٩). (٢) في سيرة ابن إسحاق: عتم، ومعناهما متقارب، وفي النهاية (عكم/ ٢٨٥/٣) ماعكم عنه: أي ما تحبّس وما انتظر ولا عدل . (٣) في ح : وأوردت. فتح الباري (٣٦٦١) فضائل الصحابة باب قول النبي ◌َّ ((لو كنت متخذاً خليلاً)). (٤) (٥) قال ابن حجر في الفتح (٧/ ٢٥): قال أبو البقاء : إن حذف النون من خطأ الرواة ، لأن الكلمة ليست مضافة فيها ألف ولام، وإنما يجوز الحذف في هذين الموضعين. ووجَّهها غيره بوجهين: أحدهما أن يكون ((صاحبي )) مضافاً وفصل بين المضاف والمضاف إليه بالجار والمجرور عناية بتقديم لفظ الإضافة ، وفي ذلك جمع بين إضافتين إلى نفسه تعظيماً للصديق، ونظيره قراءة ابن عامر ﴿وَكَذَلِكَ زَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ﴾ بنصب أولادهم وخفض شركائهم وفصل بين المضافين بالمفعول ، والثاني أن يكون استطال الكلام فحذف النون كما يحذف من الموصول المطول . اهـ . (٦) في جامع الترمذي (٣٦٦٧) المناقب باب في مناقب أبي بكر وعمر كليهما . والإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (٦٨٦٣) إخباره ◌َّر عن مناقب الصحابة باب ذكر البيان بأن أبا بكر الصديق رضي الله عنه أول من أسلم من الرجال. قال بشار : وهو حديث معلول رفعَهُ عقبة بن خالد عن شعبة ، وخالفه عبد الرحمن بن مهدي فرواه عن شعبة ، عن الجريري ، عن أبي نضرة ، قال : قال أبو بكر. قال الترمذي: وهذا أصح. وكذلك قال ابن أبي حاتم في العلل- ٢٢٥ فصل في ذكر أول من أسلم من متقدِّمي الإسلام من الصحابة أبي سعيد ، قال : قال أبو بكر الصدِّيقُ رضي الله عنه: ألستُ أحقَّ الناسِ بها ، ألستُ أولَ منْ أسلم ، ألستُ صاحبَ كذا ؟ وروى ابنُ عساكر(١) من طريق بهلول بن عبيد ، حدّثنا أبو إسحاق السَّبيعي عن الحارث ، سمعتُ عليَّاً يقول: أولُ من أسلم من الرجال أبو بكر الصديق، وأول من صلَّى مع النبي ◌ِّ من الرجال عليُّ بن أبي طالب . وقال شعبة عن عمرو بن مرة، عن أبي حمزة، عن زيد بن أرقم قال: أولُ من صلَّى مع النبي ◌ِّ أبو بكر الصدِّيق . رواه أحمد والترمذي والنسائي من حديث شعبة وقال الترمذي حسنٌ صحيحٌ(٢) وقد تقدَّم روايةُ ابنِ جرير ، من طريق شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي حمزة عن زيد بن أرقم . قال : أولُ من أسلم عليُّ بن أبي طالب . قال عمرو بن مرة : فذكرتُه لإبراهيم النَّخعي فأنكره وقال : أولُ من أسلم أبو بكرٍ الصدِّيق رضي الله عنه (٣) . وروى الواقدي بأسانيده(٤) عن أبي أروى الدوسي وأبي سَلَمَة بنٍ(٥) عبد الرحمن في جماعةٍ من السلف : أوَّلُ من أسلم أبو بكر الصدِّيق . وقال يعقوب بن سفيان(٦) : حدّثنا أبو بكر الحميدي ، حدّثنا سفيان بن عيينة ، عن مالك بن مغول ، عن رجلٍ قال : سئل ابنُ عباس : مَن أوَّلُ مَنْ آمن ؟ فقال: أبو بكر الصدِّيق ، أما سمعتَ قول حسّان : فأذكُرْ أخاكَ أبا بكرٍ بما فَعلا إذا تذكَّرْتَ شَجْواً من أخي ثقةٍ بعدَ النبيِّ وأولاها بما حَملا خيرَ البريّةِ أوفاها وأعدَلَها وأوَّلَ الناسِ منهم صدَّقَ الرُّسُلا والتاليَ الثانيَ المحمودَ مَشَهَدُه (٣٨٨/٢)، وقال الدار قطني في العلل (٢٣٥/١) س ٣٧: (( وكذلك رواه ابن عُلية وابن المبارك وعدة عن شعبة = مرسلاً، وهو الصحيح)) . وانظر بلا بد تعليقي على جامع الترمذي ، وراجع العلل له (٦٩٠). (١) نقله عن ابن عساكر المتقي الهندي في كنز العمال (٣٥٦٦٩) فضل الصديق رضي الله عنه ، وهو في مختصر ابن منظور لتاريخ دمشق (٤٣/١٣) . (٢) مسند أحمد (٣٦٨/٤ و٣٧٠) وجامع الترمذي (٣٧٣٥) المناقب باب مناقب علي بن أبي طالب . ولفظه : أول من أسلم علي . قال عمرو بن مرة : فذكرت ذلك لإبراهيم النخعي فقال : أول من أسلم أبو بكر الصديق . وأما لفظ أحمد فكرواية ابن جرير الآتي ذكرها ، وفضائل الصحابة للنسائي (٣٤). (٣) مضى في الصفحة التي قبلها ، وهو عند الترمذي فلا معنى لهذه الإحالة . (٤) رواية الواقدي هذه في طبقات ابن سعد (١٧١/٣، ١٧٢). (٥) في ح ، ط : أبو مسلم . وهو تصحيف ، والمثبت من طبقات ابن سعد . (٦) في المعرفة والتاريخ (٢٥٤/٣) وهذا الخبر في القسم المفقود منه ، ومقتبس من هنا. ٢٢٦ فصل في ذكر أول من أسلم من متقدّمي الإسلام من الصحابة عاشَ حميداً لأمْرِ اللهِ مِتَبعاً بأمرِ صاحبِهِ الماضي وما انتَقَالاً(١) وقد رواه أبو بكر بنُ أبي شيبة٢ُ) : حدّثنا شيخٌ لنا ، عن مجالد ، عن عامر قال : سألتُ ابنَ عباس - أو سئل ابنُ عباس - أيُّ الناس أولُ إسلاماً؟ قال : أما سمعتَ قولَ حسان بن ثابت ؟ فذكره . وهكذا رواه الهيثمُ بنُ عدي عن مجالد ، عن عامر الشعبي : سألتُ ابن عباس فذكره . وقال أبو القاسم البغوي(٣) حدّثني سُرَيج بن يونس، حدّثنا يوسف بن الماجشون(٤) قال : أدركتُ مشيختنا منهم محمد بن المنكدر ، وربيعة بن أبي عبد الرحمن ، وصالح بن كيسان ، وعثمان بن محمد ، لا يشكُّون أنَّ أولَ القوم إسلاماً أبو بكر الصدِّيق رضي الله عنه . قلت : وهكذا قال إبراهيم النَّخَعي ، ومحمدُ بن سيرين ، وسعد بن إبراهيم ، وهو المشهور عن جمهور أهل السنة . وروى ابنُ عساكر(٥) عن سعد بن أبي وقاص ، ومحمد بن الحنفية ، أنهما قالا : لم يكنْ أوَّلَهم إسلاماً ، ولكن كان أفضلَهُمْ إسلاماً . قال سعد : وقد آمن قبله خمسة . وثبت في صحيح البخاري(٦) من حديث همَّام بن الحارث ، عن عمار بن ياسر ، قال : رأيتُ رسولَ الله ◌ِ ◌ّله وما معه إلا خَمْسَةُ أَعْبُدٍ وامرأتان وأبو بكر . وروى الإمام أحمد(٧) وابنُ ماجه(٨) من حديث عاصم بن أبي النَّجُود ، عن زِرّ ، عن ابن مسعود ، قال: أولُ من أظهر الإسلام سبعة: رسولُ اللهِ وَّه، وأبو بكر، وعمَّار، وأمُّه سُمَيَّة، وصُهَيب، وبلال، والمِقْداد. فأمَّا رسولُ اللهِ وَّرَ فمنعَهُ اللهُ بعمِّه، وأمَّا أبو بكر فمنعه الله بقومه ، وأمَّا سائرهم فأخذَهُم المشركون فألبسوهم أدْرَاعَ الحديد ، وصهروهم في الشمس ، فما منهم من أحدٍ إلا وقد واتاهم على ما أرادوا ، إلا بِلالاً فإنَّهُ هانتْ عليه نفسُهُ في الله، وهانَ على قومه ، فأخذوه ، فأعْطَوْهُ الوِلْدَان فجعلوا يطوفونَ به في شعابِ مكةَ وهو يقول : أحدٌ أحَد . وهكذا رواه الثوري عن منصور عن مجاهد مرسلاً . (١) الأبيات في ديوان حسان (١/ ١٢٥) بألفاظ مقاربة ، وتخريجها فيه . (٢) في المصنف (١٨٤٣٣) المغازي باب إسلام أبي بكر رضي الله عنه . (٣) أظنه في معجم الصحابة الموجود منه جزءان هما العاشر والحادي عشر في الرباط (٣٤١ك) الأعلام (١١٩/٤). (٤) . هو يوسف بن يعقوب بن أبي سلمة الماجشون . (٥) مختصر ابن منظور لتاريخ دمشق (٤٣/١٣). (٦) فتح الباري (٣٦٦٠) فضائل الصحابة باب قول النبي وَ ير ((لو كنت متخذاً خليلاً)). (٧) في مسنده (٤٠٤/١) . في سننه (١٥٠) المقدمة باب في فضائل أصحاب رسول الله مَّثية ، فضل سلمان وأبي ذر والمقداد ، وهو حديث (٨) صحيح . ٢٢٧ فصل في ذكر أول من أسلم من متقدّمي الإسلام من الصحابة فأمَّا ما رواه ابنُ جرير قائلا١ً): أخبرنا ابنُ حُميد، حدّثنا كنانة بن جَبَله٢) عن إبراهيم بن طَهْمان عن حجَّاج ، عن قتادة ، عن سالم بن أبي الجَعْد ، عن محمد بن سعد بن أبي وقَّاص ، قال : قلت لأبي : أكان أبو بكر أوَّلَكُم إسلاماً؟ قال: لا! ولقد أسلم قَبْلَهُ أكثرُ من خمسين، ولكن كانَ أفْضَلَنا إسلاما . فإنَّهُ حديثٌ منكر إسناداً ومتناً . قال ابنُ جري(٣) : وقال آخرون : كان أول من أسلم زيدُ بنُ حارثة . ثمّ روى من طريق الواقدي عن ابن أبي ذئب ، سألتُ الزهري : مَنْ أولُ من أسلم من النساء ؟ قال خديجة : قلت : فمن الرجال ؟ قال : زيد بن حارثة . وكذا قال عروة وسليمانُ بنُ يسار ، وغيرُ واحدٍ : أولُ من أسلم من الرجال زيد بن حارثة . وقد أجاب أبو حنيفة رضي الله عنه بالجمع بين هذه الأقوال بأنَّ أولَ مَنْ أسلم من الرجال الأحرار أبو بكر ، ومن النساء خديجة ، ومن الموالي زيد بن حارثة ، ومن الغلمان عليُّ بن أبي طالب ، رضي الله عنهم أجمعين . قال محمد بن إسحاق(٤) : فلما أسلم أبو بكر وأظهر إسلامه دعا إلى الله عزَّ وجل ، وكان أبو بكر رجلاً مَألفاً لقومه، مُحَبُّه) سهلاً ، وكان أنسبَ قريشٍ لقريش ، وأعلم قريشٍ بما كان فيها من خير وشر ؛ وكان رجلاً تاجراً ، ذا خُلُقٍ ومعروف ، وكان رجالُ قومه يأتونه ويألفونه لغير واحدٍ من الأمر ، لعلمهِ وتجارتِهِ وحُسْنِ مجالسته . فجعل يدعو إلى الإسلام مَنْ وَثِقَ به من قومه ممن يغشاهُ ويجلس إليه ، فأسلم على يديه فيما بلغني الزُّبيرُ بنُ العوَّام ، وعثمانُ بن عفَّان ، وطلحةُ بن عبيد الله ، وسعد بن أبي وقَّاص ، وعبد الرحمنِ بنُ عوف، رضي الله عنهم، فانطلقوا إلى رسولِ الله وَّر ومعهم أبو بكر ، فعرض عليهم الإسلام وقرأ عليهم القرآن وأنبأهم بحقِّ الإسلام) فآمنوا ، وكان هؤلاء النفر الثمانية الذين سبقوا في الإسلام، فصدَّقو(٧) رسولَ الله ◌َله وآمنوا بما جاء من عند الله. وقال محمد بن عمر الواقدي(٨) : حدّثني الضحاك بن عثمان، عن مَخْرَمَة بنِ سليمان الوالبيّ ، عن (١) في تاريخه (٣١٦/٢). (٢) في ح ، ط : حبلة ، بالحاء المهملة، والمثبت من الطبري وتهذيب الكمال (٩٨/٢٥)، وقد جعل ابن ماكولا وغيره ((جبلة)) الجادة ، وأحصوا ما سواه فلم يذكروا كنانة هذا. (٣) في تاريخه (٣١٦/٢) . (٤) سيرة ابن إسحاق (ص ١٤٠). (٦) زاد ابن إسحاق هنا: وبما وعدهم من كرامة فآمنوا ... (٥) في السير : محبّباً . (٧) في السير : فصلوا وصدقوا . (٨) قول الواقدي هذا في طبقات ابن سعد (٢١٤/٣، ٢١٥) ودلائل النبوة للبيهقي (١٦٦/٢). ٢٢٨ فصل في ذكر أول من أسلم من متقدّمي الإسلام من الصحابة إبراهيم بن محمد بن طلحة ، قال : قال طلحةُ بن عُبيد الله : حضرتُ سوق بصرى ، فإذا راهبٌ في صَوْمعِتِهِ يقول : سلوا أهلَ المَوْسِم ، أفيهم رجلٌ من أهل الحرم ؟ قال طلحة : قلتُ : نعم ! أنا ، فقال : هل ظهر أحمدُ بعد ؟ قلتُ : ومن أحمد ؟ قال : ابن عبدِ الله بن عبد المطلب ، هذا شهره الذي يخرجُ فيه ، وهو آخر الأنبياء، مَخْرَجُه من الحرَم ، ومُهاجَرُه إلى نَخْلٍ وحَرَّةٍ وسباخ ، فإياك أنْ تُسبَقَ إليه . قال طلحة : فوقع في قلبي ما قال ، فخرجتُ سريعاً حتى قدمت مكة ، فقلت : هل كان من حديث (١) ؟ قالوا : نعم ، محمد بن عبد الله الأمين ، قد تنبّأ ، وقد تبعه أبو بكرِ بنُ أبي قُحَافَة . قال : فخرجتُ حتى قدمت على أبي بكر ، فقلت : أتبعتَ هذا الرجل ؟ قال : نعم ، فانطلقْ إليه فادخلْ عليه فاتبعْهُ ، فإنه يدعو إلى الحقّ. فأخْبَرَهُ طلحةُ بما قال الراهب. فخرج أبو بكرٍ بطلحةَ فدخل به على رسول الله وَّ فأسلم طلحة، وأخبر رسولَ الله ◌ِّلَ بما قال الراهب ، فسُرَّ بذلك، فلما أسلم أبو بكر وطلحة أخذهما نوفلُ بن خُويلد بن العَدَوِيَّة - وكان يُدْعَى أسَدَ قريش - فشدَّهما في حبلٍ واحد ، ولم يمنَعْهما بنو تَيم ، فلذلك سُمِّي أبو بكر وطلحةُ القرينَيْن . وقال النبي ◌َِّ: ((اللَّهم اكْفِنا شرَّ ابنِ العدَوِيَّة)) رواه البيهقي(٢) وقال الحافظ أبو الحسن خيثمةُ بن سليمان الأطرابلسي(٣): حدّثنا عبيد الله بن محمد بن عبد العزيز العمري قاضي المَصِّيصة٤ُ)، حدّثنا أبو بكر عبد الله بن عُبَيْد الله بن إسحاق بن محمد بن عمران بن موسى ابن طلحة بن عبيد الله ، حدّثني أبي عبيد الله، حدّثني عبد الله بن عمران بن إبراهيم بن محمد بن طلحة قال : حدّثني أبي محمد بن عمران ، عن القاسم بن محمد بن أبي بكر ، عن عائشةَ رضي الله عنها قالت : خرج أبو بكر يريد رسولَ اللهِ بَّله وكان له صديقاً في الجاهلية ، فلقيه فقال : يا أبا القاسم ، فقدتَ من مجالس قومك، واتَّهموك بالعيبِ لآبائها وأمهاتها. فقال رسولُ الله ◌ِّرَ: ((إني رسولُ الله أدعوك إلى الله)) فلما فرغ [ رسولُ الله ◌َ ﴿ من ] كلامه أسلم أبو بكر، فانطلق عنه رسول الله بَل وما بين الأخشبين أحدٌ أكثر سروراً منه بإسلام أبي بكر ، ومضى أبو بكرٍ فراح لعثمانُ(٥) بن عفَّان ، وطلحة بن عبيد الله ، والزبير بن العوام ، وسعد بن أبي وقاص ، فأسلموا ، ثم جاء الغد بعثمان(٦) بن مظعون ، وأبي عبيدة بن الجراح وعبد الرحمن بن عوف، وأبي سلمة بن عبد الأسد ، والأرقم بن أبي الأرقم ، فأسلموا رضي الله عنهم . (١) في الطبقات : ودلائل البيهقي : حَدَث . (٢) في دلائل النبوة (٢/ ١٦٧) وإسناده ضعيف. (٣) في فضائل الصديق مجموع (٦٢) في الظاهرية ق (٣) أ، ب، وما يأتي بين معقوفين منه. (٤) كذا ضبطه الأزهري وغيره من اللغويين بتشديد الصاد الأولى، وتفرَّد الجوهري وخالد الفارابي بتخفيف الصادين، والأول أصح . معجم البلدان (٥/ ١٤٤، ١٤٥). (٥) كذا في ح ، ط وفي فضائل الصديق : وراح بعثمان. وهو أشبه بالصواب . (٦) في فضائل الصديق : ثم جاء الغد عثمان. بالرفع وهكذا الكنى بعدها بالرفع . ٢٢٩ فصل في ذكر أول من أسلم من متقدّمي الإسلام من الصحابة قال عبد الله بن محمد : فحدّثني أبي محمد بن عمران، عن القاسم بن محمد ، عن عائشة ، قالت : لما اجتمع أصحابُ النبي ◌َ ◌َّ وكانوا ثمانيةً وثلاثين رجلاً ألحَّ أبو بكرٍ على رسولِ الله وَّل في الظُّهور، فقال: (( يا أبا بكر إنَّا قليل)). فلم يزلْ أبو بكر يلحُ حتى ظهر رسولُ اللهِ وَّه وتفرَّق المسلمون في نواحي المسجد ، كلُّ رجلٍ في عشيرته ، وقام أبو بكرٍ في الناس خطيباً ورسولُ الله ◌ِ ◌ّجالس، فكان أوَّلَ خطيبٍ دعا إلى الله وإلى رسوله وَّةٍ وثار المشركون على أبي بكرٍ وعلى المسلمين ، فضُربوا في نواحي المسجد ضرباً شديداً ووُطىء أبو بكر وضُرب ضرباً شديداً ، ودنا منه الفاسق عتبة بن ربيعة ، فجعل يضربه بنعلين مخصوفَتَيْنُ(١) ويحرفهما لوجهه ، ونزا على بطن أبي بكر حتى ما يُعرف وجهه من أنفه وجاءت بنو تَيْم يتعادَوْن ، فأجلتِ المشركينَ عن أبي بكر ، وحملت بنو تيم أبا بكرٍ في ثوب حتى أدخلوه منزله ، ولا يشكُّون في موته ، ثمّ رجعتْ بنو تيم فدخلوا المسجد وقالوا : والله لئن مات أبو بكر لنقتلنَّ عتبة بن ربيعة ، فرجعوا إلى أبي بكر ، فجعل أبو قحافة وبنو تيم يكلمون أبا بكر حتى أجاب ، فتكلّم آخر النهار فقال : ما فعل رسولُ اللهِ وَلّ فمسوا منه بألسنتهم وعذلوه، ثم قاموا وقالوا لأمه أُمّ الخير : انْظري أن تطعميه شيئاً أو تسقيه إياه ، فلما خلَتْ به ألحّتْ عليه وجعل يقول: ما فعل رسول الله وَّ؟ فقالت: والله مالي علم بصاحبك . فقال : اذهبي إلى أمِّ جميل بنتِ الخطّاب فاسأليها عنه ، فخرجت حتى جاءت أمّ جميل ، فقالت : إنَّ أبا بكر يسألك عن محمد بن عبد الله ؟ فقالت : ما أعرف أبا بكر ولا محمد بن عبد الله ، وإن كنتِ تُحبِّينَ أنْ أذهب معك إلى ابنك ؟ قالت : نعم ، فمضت معها حتى وجدتْ أبا بكر صريعاً دَنِفاً ، فدنت أمُّ جميل وأعلنت بالصياح وقالت : والله إنَّ قوماً نالوا هذا منك لأهلُ فسقٍ وكُفْر ، وإني لأرجو أنْ ينتقم الله لك منهم. قال: فما فعل رسولُ الله وَّر؟ قالت: هذه أمُّك تسمع ، قال : فلا شيء عليك منها٢) . قالت : سالمٌ صالح . قال : فأين هو ؟ قالت : في دار أبي(٣) الأرقم ، قال : فإنَّ الله عليَّ أنْ لا أذوقَ طعاماً ولا أشرب شراباً أو آتي رسول الله وََّ. فأمهلتا حتى إذا هدأتِ الرِّجل، وسكن الناس، خرجتا به يتكىء عليهما، حتى أدخلتاه على رسولِ الله وََّ، قال: فأكبَّ عليه رسولُ الله ◌ِّهِ فَقَبَّله وأكبَّ عليه المسلمون، ورقَّ له رسولُ اللهِص ◌َلِّ رِقَّةً شديدة . فقال أبو بكر : بأبي وأمي يا رسول الله ليس بي بأس إلا ما نال الفاسق من وجهي ، وهذه أمي بَرَّةٌ بوالديها٤) ، وأنت مبارك فادْعُها إلى الله وادْعُ الله لها عسى الله أن يستنقذها بك من النار. قال: فدعا لها رسولُ الله ◌َّهِ ودعاها إلى الله فأسلمتْ، وأقاموا مع رسول اللّه وَلّ في الدار شهراً هم تسعةٌ وثلاثون رجلاً، وقد كان حمزة بن عبد المطلب أسلم يوم ضُرب (١) في ح وفضائل الصديق : مخصوفين ، والمثبت من ط . (٢) في فضائل الصديق : فيها . (٣) سقطت كلمة أبي من ح ، والمثبت من فضائل الصديق ، وهي في ط : ابن . (٤) في ح ، ط : بولدها . والمثبت من فضائل الصديق . ٢٣٠ فصل في ذكر أول من أسلم من متقدّمي الإسلام من الصحابة أبو بكر، فدعا رسولُ اللهَ وَّ لعمر بن الخطاب - أو(١) لأبي جهل بن هشام - فأصبح عمر وكانتِ الدعوةُ يوم الأربعاء، فأسلم عمر يوم الخميس، فكبّرَ رسولُ الله ◌ِّهِ وأهلُ البيت تكبيرةً سُمعت بأعلى مكة ، وخرج أبو الأرقم - وهو أعمى كافر - وهو يقول : اللهمَّ اغفرْ لبني عبد٢ٌ) الأرقم فإنّه كفر . فقام عمر فقال : يا رسول الله ، على ما نُخفي دينا ونحن على الحق ، ويَظْهر دينُهم وهم على الباطل ؟ قال : ((يا عمر إنَّا قليل قد رأيتَ ما لَقينا » فقال عمر : فوالذي بعثك بالحق ، لا يبقى مجلسٌ جلستُ فيه بالكفر إلا أظهرتُ فيه الإيمان ، ثمّ خرج ، فطاف بالبيت ، ثمّ مرَّ بقريش وهي تنتظره ، فقال أبو جهل بن هشام : يزعم فلان أنك صبَوْت ؟ فقال عمر : أشهدُ أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنَّ محمداً عبده ورسوله . فوثب المشركون إليه ، ووثب على عتبة فبرك عليه وجعل يضربه ، وأدخل أصبعَيْه في عينيه ، فجعل عتبة يصبح ، فتنخَّى الناس ، فقام عمر ، فجعل لا يدنو منه أحد إلا أخذ شريف من دن٣ً) منه ، حتى أعجز الناس، واتبع المجالس التي كان يجالس فيها فيُظهِرُ الإيمان، ثمّ انصرف إلى النبيِّ بَّه وهو ظاهرٌ عليهم فقال : ما عليكُ(٤) بأبي وأمي ، والله ما بقي مجلسٌ كنتُ أجلسُ فيه بالكفر إلا أظهرتُ فيه الإيمان غير هائب ولا خائف، فخرج رسولُ اللهَ وَّهِ وخرج عمرُ أمامه، وحمزةُ بن عبد المطلب حتى طاف بالبيت وصلَّى الظُّهْر مؤمنٌ) ، ثم انصرف إلى دار الأرقم ومعه عمر ، ثم انصرف عمر وحده [ فصلَّى ] ، ثم انصرف إلى النبيِّ مَد. والصحيح أنَّ عمر إنما أسلم بعد خروج المهاجرين إلى أرض الحبشة ، وذلك في السنة السادسة من البعثة كما سيأتي في موضعه إنْ شاء الله . وقد استقصَيْنا كيفية إسلام أبي بكرٍ وعمر رضي الله عنهما في كتاب سيرتهما على انفرادِها ، وبسطنا القول هنالك ولله الحمد . وثبت في صحيح مسلم٦ٌ) من حديث أبي أمامة ، عن عمرو بنِ عَبَسَةَ السُّلَميِّ رضي الله عنه قال : أتيتُ رسولَ اللهَ بَّ في أوَّلِ ما بُعث وهو بمكة، وهو حينئذٍ مُستخفي(٧)، فقلت: ما أنت ؟ قال: (( أنا نبيّ)) فقلت: وما النبيّ؟ قال: ((رسولُ الله)) قلت: الله أرسلك؟ قال: ((نعم)). قلت : بما أرسلك؟ قال: (( بأن تعبدَ الله وحده [وحده لا شريك له ا) وتكسر الأصنام، وتوصل(٩) الأرحام)) قال في فضائل الصديق : ولأبي جهل من غير همزة . (١) في ح : غير . وفي ط : عبيد ، والمثبت من فضائل الصديق . (٢) (٣) في ط : بشريف ممن دنا منه . والمثبت من ح وفضائل الصديق . (٤) في فضائل الصديق : ما علمتك . (٥) في فضائل الصديق : معلناً وهو أشبه . صحيح مسلم (٨٣٢) صلاة المسافرين باب إسلام عمرو بن عبسة بألفاظ مقاربة . (٦) كذا في ح، ط والوجه: مستخف ، وفي صحيح مسلم: ((فإذا رسول الله وَ لّ مستخفياً)). (٧) سقط ما بين المعقوفين من ح . (٨) (٩) كذا في ح، ط : والوجه : وتصل . وفي صحيح مسلم : أرسلني بصلة الأرحام . ٢٣١ فصل في ذكر أول من أسلم من متقدِّمي الإسلام من الصحابة قلت : نِعْمَ ما أرسلكَ به! فمن معك على هذا؟ قال: حُرٍ وعَبْد - يعني أبا بكر وبلالًا - [ قال : فكان عَمْرٌو يقول : لقد رأيتُني وأنا رُبُعُ الإسلام }١) قال : فأسلمت ، قلت : فأتبعُكَ يا رسول الله ؟ قال: ((لا ، ولكنِ الْحَقْ بقومك، فإذا أُخبرتَ أَنِّي قد خرجتُ فاتبعْني)). ويقال : إنَّ معنى قوله عليه السلام ((حُرِّ وعبد)) اسم جنس ، وتفسير ذلك بأبي بكرٍ وبلال فقط فيه نظر ، فإنه قد كان جماعةٌ قد أسلموا قبل عمرو بن عَبَسة ، وقد كان زيد بن حارثة أسلم قبل بلال أيضاً ، فلعلَّه أخبر أنه رُبُع الإسلام بحسَبِ علمه ، فإنَّ المسلين كانوا إذ ذاك يستترون(٢) بإسلامهم ، لا يطَّلع على أمرهم كثيرُ أحدٍ من قراباتهم ، دع الأجانب ، دعْ أهل البادية من الأعراب والله أعلم . وفي صحيح البخاري (٣) من طريق أبي أسامة عن هاشم بن هاشم، عن سعيد بن المُسَيِّب قال : سمعتُ سعدَ بن أبي وقَّاصٍ يقول : ما أسلم أحدٌ في اليوم الذي أسلمتُ فيه ، ولقد مكثتُ سبعةَ أيام ، وإني لَغُلُثُ الإسلامِ . أمَّا قول : ما أسلم أحدٌ في اليوم الذي أسلمتُ فيه فسهل ، ويُروى إلا في اليوم الذي أسلمتُ فيه ، وهو مشكل ، إذ يقتضي أنه لم يسبقْهُ أحدٌ بالإسلام . وقد علم أنَّ الصدِّيق وعلياً وخديجة وزيدَ بنَ حارثةً أسلموا قبله ، كما قد حَكَى الإجماعَ على تقدُّم إسلام هؤلاء غَيْرُ واحد ، منهم ابنُ الأثير . ونص أبو حنيفةً رضي الله عنه على أنَّ كلاً من هؤلاء أسلم قبل أبناء جنسه . والله أعلم . وأما قولُه: ولقد مكثتُ سبعة أيام وإنّي لَئِّلُث الإسلام ، فمشكل ، وما أدري على ماذا يُوضع عليه إلا أن يكونَ أخبر بحسَب ما عَلِمه ، والله أعلم . وقال أبو داود الطيالسيّ(٤) : حدّثنا حماد بن سلمة ، عن عاصم ، عن زِرّ ، عن عبد الله - وهو ابنُ مسعود - قال: كنتُ غلاماً يافعاً أرعى غنماً لعقبة بن أبي معيط بمكة. فأتى عليَّ رسولُ اللهِوَل وأبو بكر - وقد فرًّا من المشركين - فقال - أو فقالا -: (( عندك يا غلام لبنٌ تسقينا؟ )) قلت: إني مؤتمَن، ولستُ بساقيكما. فقال: ((هل عندك من جَذَعَة٥ٍ) لم يَنْزُ عليها الفحلُ بعد ؟ قلت : نعم . فأتيتُهما بها ، فاعتقلها أبو بكر، وأخذ رسولُ الله ◌ِوَ لَه الضَّرْعَ ودعا، فَحفِلَ الضَّرْع، وأتاه أبو بكر بصخرةٍ مُنْفَعِرَ!٦) ، فحَلَبَ فيها ثم شرب هو وأبو بكر ، ثم سَقَياني، ثم قال للضرع: (( اقْلِصْ)) فَقَلَص ، فلما كان بعدُ ، (١) سقط ما بين المعقوفين من ح، وجاء في النهاية (ربع / ١٨٦/٢): وفي حديث عمرو بن عبسة: لقد رأيتني وإني لُرُبْع الإسلام . أي رابع أهل الإسلام ، تقدمني ثلاثة وكنت رابعهم . (٢) في ط فإن المؤمنين كانوا إذ ذاك يستسرون . والمثبت من ح . (٣) فتح الباري (٣٨٥٨) مناقب الأنصار باب إسلام سعد بن أبي وقاص . (٤) في مسنده (٣٥٣) . (٥) الجذعة من الضأن: الفتية التي تمَّ لها سنة أو نحوها. النهاية (١/ ٢٥٠/ جذع). (٦) في ط : متقعرة ، والمثبت من ح ومسند الطيالسي ومسند أحمد . وفي رواية عند أحمد منقورة . ٢٣٢ فصل في ذكر أول من أسلم من متقدِّمي الإسلام من الصحابة أتيتُ رسولَ الله ◌َوَ فقلت: علِّمني من هذا القولِ الطيِّب - يعني القرآن - فقال: ((إنك غلامٌ مُعَلَّم)) فأخذت من فيهِ سبعينَ سورةً ما يُنازعُني فيها أحد . وهكذا رواه الإمام أحمد(١)، عن عفَّان ، عن حماد بن سلمة به . ورواه الحسن بن عَرَفَة عن أبي بكر بن عياش ، عن عاصم بن أبي النَّجُودُ(٢) به . وقال البيهقي(٣): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدّثنا أبو عبد الله بن بُطَّة٤ُ) الأصبهاني ، حدّثنا الحسن بن الجَهْم ، حدّثنا الحسين بن الفرج ، حدّثنا محمد بن عمر ، حدّثني جعفر بن محمد بن خالد بن الزبير ، [ عن أبيه - أو (٥) عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان - قال : كان إسلامُ خالد بن سعيد بن العاص قديماً ، وكان أولَ إخوته أسلم ، وكان بُدُؤُّ إسلامه أنه رأى في المنام أنه وُقف به على شفير النار، فذكر من سعتها ما الله أعلم به ، ويرى في النوم كأنَّ أباه٦) يدفعه فيها ، ويرى رسولَ الله ◌ِّمَ آخذاً بحَقْوَيْه لا يقع ، ففزع من نومه فقال: أحلف بالله إنَّ هذه لرؤيا حقّ ؛ فَلَقِيَ أبا بكر بن أبي قُحافة، فذكر ذلك له، فقال: أُريدَ بك خير، هذا رسولُ اللهِ وَّرَ فَاتَّبعه، فإنك ستتبعُه وتدخل معه في الإسلام، والإسلام يَحْجُزكَ أنْ تدخلَ فيها، وأبوك واقعٌ فيها، فلقي رسولَ الله مَ ◌ّ وهو بأجْياد، فقال: يا رسولَ الله، يا محمد، إلى م(٧) تدعو؟ قال: ((أدعوك(٨) إلى الله وحدَهُ لا شريكَ له، وأنَّ محمداً عبدُه ورسولُه ، وتخلعَ ما أنت عليه من عبادةِ حجرٍ لا يسمع ولا يُبصر ولا يضُرّ ولا ينفع ، ولا يدري من عَبَدَهُ ممن لا يعبدُه )). قال خالد: فإني أشهدُ أنْ لا إله إلا الله، وأشهدُ أنَّك رسولُ الله، فسُرَّ رسولُ اللهِ وَّل بإسلامه، وتغيَّب خالد، وعلم أبوه بإسلامه، فأرسل في طلبه ، فأتي به ، فأنَّهُ وضربه بمِقْرَعةٍ في يده حتى كسرها على رأسه ، وقال : والله لأمنعنَّكَ القُوت . فقال خالد : إنْ منعتني فإنَّ الله يرزقُني ما أعيش به. وانصرف إلى رسول الله مَّي فكان يكرمه (٩) ويكون معه . (١) مسند أحمد (٣٧٩/١، ٤٦٢). (٢) ساق هذه الرواية البيهقي في دلائل النبوة (٢/ ١٧٢). (٣) في دلائل النبوة (١٧٢/٢). بضم الباء الموحدة ، قيّده الذهبي في المشتبه (٨٤)، وابن ناصر الدين في توضيحه (٥٥٦/١) وهو محمد بن (٤) أحمد بن بطة المتوفى بأصبهان سنة ٣٤٤ هـ ( بشار) . (٥) ليس ما بين المعقوفين في دلائل البيهقي . في ح : كأن آت أتى يدفعه ، وفي ط : كان آتٍ أتاه . والمثبت من دلائل البيهقي . (٦) (٧) في الدلائل: إلى من . وإثبات ألف ما المجرورة قليل شاذ كما في الخزانة (٩٩/٦). (٨) في الدلائل : أدعو . (٩) كذا في ح ، ط وفي الدلائل : يلزمه وهو أشبه بالصواب . وإلى جانب السطر في ح كلمة : بلغ . يعني بلغ مقابلة . ٢٣٣ ذكر إسلام حمزة بن عبد المطلب ذكر إسلام حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه عمِّ النبيِّ ◌َِله قال يونس بن بُكير عن محمد بن إسحاق(١) : حدّثني رجلٌ ممن أسلم - وكان واعية - أنَّ أبا جهل اعترض رسولَ الله ◌ِّ عند الصفا، فَآذاه وشتمه ونال منه ما يكرهُ من العَيْب لدينه ، فذكر ذلك لحمزة بن عبد المطلب ، فأقبل نحوه ، حتى إذا قام على رأسه رفع القوس ، فضربه بها ضربةً شجَّه منها شَجَّةً مُنْكَرَةً، وقامت رجالٌ من قريش من بني مَخْزوم إلى حمزة لينصُروا أبا جهلٍ منه ، وقالوا : ما نراك يا حمزة إلا قد صبَوْت؟ قال حمزة: ومَنْ يمنعني وقد استبانَ لي منه ما أشهد (٢) أنَّه رسولُ اللهِّهِ وأنَّ الذي يقولُ حقّ ، فوالله لا أنزعُ ، فامنعوني إنْ كنتُم صادقين . فقال أبو جهل : دعوا أبا عمارة ، فإني والله لقد سببتُ ابنَ أخيه سبّاً قبيحاً . فلما أسلم حمزة عرفتْ قريشٌ أنَّ رسولَ الله ◌ِّه قد عزَّ وامتنع، فكفُوا عما كانوا يتناولون منه . وقال حمزة في ذلك شعر(٣) قال ابن إسحاق(٤) : ثم رجع حمزةُ إلى بيته ، فأتاهُ الشيطانُ فقال : أنت سيِّدُ قريش أَتَّبَعْتَ هذا الصابىء وتركتَ دينَ آبائك، للْمَوْتُ خيرٌ لك مما صنعت . فأقبل على حمزةَ بَثُّهُ وقال : ما صنعت ؟ اللهمَّ إنْ كان رُشْداً فاجعلْ تصديقَهُ في قلبي ، وإلا فاجعل لي مما وقعتُ فيه مَخْرَجاً . فباتَ بليلةٍ لم يبتْ بمثلها من وسوسة الشيطان حتى أصبح، فغدا على رسولِ الله بِ ◌ّه فقال: يا ابن أخي إني قد وقعتُ في أمرٍ ولا أعرف المخرجَ منه ، وإقامةُ مثلي على ما لا أدري ما هو ، أرُشْدٌ أم هو غَيِّ شديد ؟ فحدِّثْني حديثاً فقد اشتهيتُ يا ابن أخي أنْ تحدِّثَني، فأقبل رسولُ الله ◌ِّهِ فذكرَهُ ووعَظَهُ، وخوَّفه وبشَّره، فَأَلْقَى الله في قلبهِ الإيمان بما قال رسولُ اللهِ وَّةٍ. فقال: أشهد أنك الصادقُ شهادةَ الصِّدْق، فأَظْهِرْ يا ابن أخي دينَك ، فوالله ما أُحبُّ أن لي ما أظلَّته السماء ، وأني على دينيَ الأول . فكان حمزةُ ممن أعزَّ الله به الدين . وهكذا رواهُ البيهقيُ(٥) عن الحاكم، عن الأصم ، عن أحمد بن عبد الجبّار، عن يونس بن بكير به . (١) سيرة ابن إسحاق (ص١٧١) وسيرة ابن هشام (٢٩١/١)، ونقله عن ابن إسحاق البيهقي في الدلائل (٢١٣/٢) باختصار وابن كثير هنا ينقله عن البيهقي كما سيأتي . (٢) في سيرة ابن إسحاق والدلائل : أنا أشهد ... (٣) ذكر ابن إسحاق في السيرة (ص ١٧٣) والسهيلي في الروض (٤٩/٢ و٥٠) الأبيات المعزوَّة إلى حمزة رضي الله عنه . (٤) سيرة ابن إسحاق (ص ١٧٢) . (٥) في الدلائل (٢١٣/٢، ٢١٤). ٢٣٤ ذكر إسلام أبي ذر ذكر إسلام أبي ذَرٍّ رضي الله عنه قال الحافظ البيهقي(١): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، حدّثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ ، حدّثنا الحسين بن محمد بن زياد ، حدّثنا عبد الله بن الرومي ، حدّثنا النضر بن محمد ، حدّثنا عكرمة بن عمار عن أبي زُمَيل سِماك بن الوليد ، عن مالك بن مرثد ، عن أبيه ، عن أبي ذرّ ، قال : كنت رُبُعَ الإسلام، أسلم قبلي ثلاثةُ نفرٍ وأنا الرابعُ(٢)، أتيتُ رسولَ اللهَوَ ◌ّل فقلت: السلام عليك يا رسول الله ، أشهد أنْ لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فرأيتُ الاستبشارَ في وجه رسول الله وَلَّه. هذا سياقٌ مختصر . وقال البخاري : إسلام أبي ذَر(٣) : حدّثنا عمرو بن عباس، حدّثنا عبد الرحمن بن مهدي ، عن المثنى عن أبي جمْرَة٤ُ)، عن ابن عباس، قال: لما بلغ أبا ذر مبعثُ رسولِ اللهِحَ ◌ّه قال لأخيه: اركبْ إلى هذا الوادي فاعْلَمْ لي عِلْمَ هذا الرجلِ الذي يزعم أنه نبيٌّ يأتيه الخبرُ من السماء ، فاسمعْ من قولِهِ ثم اثْتِنِي ، فانطلق الآخر(٥) حتى قدِمَهُ وسمع من كلامه، ثم رجع إلى أبي ذرِّ فقال له: رأيته يأمُرُ بمكارم الأخلاق ، وكلاماً ما هو بالشِّعر . فقال : ما شفيتني مما أردتُ . فتزوَّدَ وحملَ شَنَّةً فيها ماء حتى قدم مكة، فأتى المسجد، فالتمس رسولَ الله ◌ٍِّ ولا يعرفه وكره أن يسألَ عنه، حتى أدركه بعضُ الليل اضطجعُ(٦) ، فرآه عليّ فعرف أنه غريب، فلما رآه تبِعَهُ ولم يسألْ واحدٌ منهما صاحبَهُ عن شيءٍ حتى أصبح، ثم احتمل قِرْبَتَه وزادَهُ إلى المسجد، وظلَّ ذلك اليوم ولا يراه النبي ◌َّ حتى أمسى، فعاد إلى مضجعه ، فمرَّ به عليٍّ فقال : أما آن للرجل أن يعلمَ مَنْزِلَه ؟ فأقامه ، فذهب به معه ، لا يسأل واحدٌ منهما صاحبه عن شيء حتى إذا كان يومُ الثالث ، فعاد عليٍّ مثل ذلك، فأقام معه فقال : ألا تحدِّثُني بالذي أقدمك؟ قال : إنْ أعطيتَني عهداً وميثاقاً لَتُرْشِدَنِّي فعلتُ . ففعل، فأخبره . قال: فإنَّهُ حَقّ وإنه رسولُ الله وَّ فإذا أصبحتَ فاتْبَعْني فإني إنْ رأيتُ شيئاً أخافُ عليكَ قمتُ كأنِّي أُريقُ الماء ، وإنْ مضيتُ فاتْبَعْني حتى تدخُلَ مَدْخَلي، ففعل، فانطلق يَقْفُوهُ حتى دخل على النبي ◌ََّ ودخل معه ، فسمع من قوله وأسلم مكانه. فقال له النبيُّ وَّةِ: ((ارجِعْ إلى قومِكَ فأخْبِرْهم حتى يأتيك أمري)) فقال: والذي بعثك بالحق (١) في دلائل النبوة (٢/ ٢١٢). مضى معنى ربع الإسلام (ص ٢٣١ ح١). (٢) يعني باب إسلام أبي ذر ، فتح الباري (٣٨٦١) مناقب الأنصار باب إسلام أبي ذر الغفاري. (٣) في ح ، ط : أبي حمزة . والمثبت من البخاري ، وقال ابن حجر في الفتح : هو بالجيم نصر بن عمران . (٤) (٥) كذا في ح ، ط: وهي رواية الكشميهني كما في الفتح (٧/ ١٧٤)، وفي البخاري : الأخ . وهو أخوه أنيس كما سيأتي . (٦) ليست هذه الكلمة في البخاري . ٢٣٥ ذكر إسلام أبي ذر لأصْرُخَنَّ بها بين ظَهْرَانَيْهم . فخرج حتى أتى المسجد فنادى بأعلى صوته : أشهدُ أنْ لا إله إلا الله وأنَّ محمداً رسولُ الله، ثم قام [ القوم ] فضربوه حتى أضجعوه(١)، فأتى العباس فأكبَّ عليه فقال: وَيْلَكم! ألستم تعلمون أنه من غِفَار ، وأنَّ طريق تجارتكم إلى الشام ؟ فأنقذه منهم . ثم عاد من الغدِ بمثلها ، فضربوه وثاروا إليه ، فأكبَّ العباس عليه . هذا لفظ البخاري . وقد جاء إسلامُه مبسوطاً في صحيح مسلم(٢) وغيره ، فقال الإمام أحمد (٣) : حدّثنا يزيد بن هارون ، حدّثنا سليمان بن المغيرة ، حدّثنا حميد بن هلال عن عبد الله بن الصامت ، قال أبو ذر : خرجنا من قومنا غفار - وكانوا يُحِلُّونَ الشهرَ الحرام - أنا وأخي أنيس وأُمُنا ، فانطلقنا حتى نزلنا على خالٍ لنا ذي مالٍ وذي هيئة ، فأكرمنا خالنا وأحسن إلينا، فحَسَدنا قومُه، فقالوا له : إنَّك إذا خرجت عن أهلك خَلَفَك إليهم أنيس ، فجاء خالنا فَنَشَى ما قيل له (٤) فقلت له : أمَّا ما مضى من معروفك فقد كذَّرْتَه ، ولا جِمَاعَ لنا فيما بعد(٥). قال: فقرَّبْنا صِرْمَتَنَا(٦) ، فاحتمَلْنا عليها، وتغَطَّى خالُنا بِثَوْبه، وجعل يبكي قال : فانطلَقْنا حتى نزلنا حَضْرَةُ(٧) مكة، قال فنافر أُنَيْسٌ عن صِرْمَتِنا٨) وعن مثلها فأتيا الكاهن فخيَّر أنيساً . فأتانا بصِرْمتنا ومثلها، وقد صلَّيتُ يا بن أخي قبلَ أنْ ألقى رسولَ الله ◌َ ثلاثَ سنين، قال : قلت : لمن ؟ قال : لله ، قلت : فأين توجّهُ ؟ قال : حيث وجَّهني الله . قال: وأُصلِّي عشاءً حتى إذا كان من آخر الليل أُلقيتُ كأني خِفَاء(٩) حتى تعلوني الشمس. قال: فقال أنيس: إنَّ لي حاجةً بمكة فألقني(١٠) حتى آتيك. قال: (١) في البخاري : أوجعوه . وما بين معقوفين منه . (٢) صحيح مسلم (٢٤٧٣) فضائل الصحابة باب من فضائل أبي ذر رضي الله عنه . (٣) في مسنده (١٧٤/٥) وما يأتي بين معقوفين منه. (٤) في مسند أحمد : فنثى عليه ما قيل له ، وفي النهاية ( نثي / ١٦/٥): فنثى علينا الذي قيل له . أي أظهره إلينا وحدثنا به . (٥) أي: لا اجتماع لنا. النهاية (جمع/ ١ / ٢٩٧). (٦) ((الصِّزْمة)): القطعة من الإبل، وهي ما بين عشرة إلى بضع عشرة، وقيل: أكثر من ذلك إلى الخمسين اللسان ( صرم ) . (٧) أي بقربها ، الحضرة : قرب الشيء، ولفظ الإمام أحمد ومسلم : بحَضْرَة . (٨) معناه : تراهن هو وآخر أيهما أفضل ، وكان الرهن صرمة ذا وصرمة ذاك ، فأيهما أفضل أخذ الصرمتين ، فتحاكما إلى الكاهن فحكم بأن أنيساً أفضل وهو معنى قوله فخير أنيساً أي جعله الخيار والأفضل . قاله النووي في شرح صحيح مسلم (٢٧/١٦). وفي النهاية ( نفر / ٩٣/٥): وفي حديث أبي ذر نافر أخي أنيسٌ فلاناً الشاعر وتنافر الرجلان : إذا تفاخرا ثم حكَّما بينهما واحداً ، أراد أنهما تفاخرا أيهما أجود شعراً . (٩) ((الخِفاء)): الكِساء، وكل شيء غطيت به شيئاً فهو خفاء. النهاية (خفي / ٢ / ٥٧). (١٠) كذا في ح ، ط وفي مسند أحمد وصحيح مسلم : فاكفني . ٢٣٦ ذكر إسلام أبي ذر فانطلق ، فراثَ عليّ(١)، ثم أتاني فقلت: ما حبسك؟ قال لَقِيتُ رجلاً يزعُم أنَّ الله أرسله على دينك ، قال : فقلت ما يقولُ الناسُ له ؟ قال : يقولون إنه شاعرٌ وساحر [ وكاهن. قال: ] وكان أُنيس شاعراً . قال : فقال : لقد سمعتُ الكُهَّان ، فما يقولُ بقولهم ، وقدوضعتُ قولَهُ على أَقْراءِ الشعر(٢)، فوالله ما يلتئم لسانُ أحدٍ أنَّهُ شعر، ووالله إنَّه لصادق وإنهم لكاذبون . قال: فقلت له : هل أنت كافيَّ(٣) حتى أنطلق [ فأنظر]؟ قال: نعم، وكنْ من أهل مكةَ على حَذَر، فإنهم قد شَنِفُوا له(٤) ، وتجهَّموا له . قال : فانطلقتُ حتى قدمتُ مكة فتَضعَّفْتُ رجلاً منهم فقلت(٥) : أين هذا الرجل الذي يدعونه الصابىء ؟ قال : فأشار إليّ ، فمالَ أهلُ الوادي عليَّ بكلِّ مَدَرَةٍ وعَظُم ، حتى خرَرْتُ مغشيّاً علي ، فارتفعتُ حين ارتفعت كأني نُصُبٌّ أحمر ، فأتيتُ زمزم فشربْتُ من مائها ، وغسلتُ عني الدم ، ودخلتُ بين الكعبة وأستارها ، فلبثت به يا بن أخي ثلاثينَ من بين يومٍ وليلةٍ ، ما لي طعامٌ إلا ماءُ زمزم ، فسمِنْتُ حتى تكسَّرت عُكَنُ بَطْنِي(٦)، وما وجدتُ على كَبْدي سَخْفَةُ جُوعٍ(٧) قال: فبينا أهلُ مكة في ليلةٍ قمراءَ إضْحِيالُ(٨) ، وضرب الله على أصْمِخةُ(٩) أهل مكة ، فما يطوف بالبيت غيرُ امرأتين ، فأتتا عليَّ وهما تدعوان إساف ونائلة . فقلت: أنكِحوا أحدَهما الآخر: فما ثناهما ذلك(١٠)، [ قال: فأتتا عليَّ] فقلت: وهن١١ٌ) مثلُ الخشبة ، غيرَ أنّي لم أركن . قال : فانطلقتا تولولان وتقولان : لو كان هاهنا أحدٌ من أنفارنا . قال : فاستقبلهما رسولُ الله ◌َ ل وأبو بكر وهما هابطان من الجبل فقال: ((ما لكما)) فقالتا: الصابىءُ بين الكعبة (١) ((راث)): أي أبطأ. شرح النووي لصحيح مسلم (٢٨/١٦). (٢) ((أقراء الشعر)): أي طرقه وأنواعه . المصدر السابق. (٣) في ح : كاتمي ، والمثبت من ط ومسند أحمد . (٤) في ح، ط : شنعوا، والمثبت من مسند أحمد والنهاية ( شنف/ ٥٠٥/٢) وفيه : في إسلام أبي ذر : فإنهم قد شنفوا له . أي أبغضوه . وفي مسند أحمد : وقال عفان : شيفوا له ، وقال بهز : سبقوا له ، وقال أبو النضر : شفوا له . (٥) يعني نظرت إلى أضعفهم فسألته، لأن الضعيف مأمون الغائلة غالباً. شرح النووي لصحيح مسلم (٢٨/١٦). (٦) (( العُكَن)): الأطواء في البطن من السِّمَن، واحدتها: مُكْنة. اللسان (عكن). (٧) (( سخفة)): هي بفتح السين المهملة وضمها وإسكان الخاء المعجمة ؛ وهي رقة الجوع وضعفه وهزاله . شرح النووي لصحيح مسلم (٢٨/١٦، ٢٩). (٨) ((إضحيان)): مضيئة، ويقال: ليلة إضحيان وإضحيانة. شرح النووي لصحيح مسلم (٢٩/١٦). (٩) في ح : وصرت على أسحمه ، وفي ط : وضرب على أشحمة ، والمثبت من مسند الإمام أحمد والنهاية (صمخ / ٥٢/٣) وفيه : هي جمع قلة للصِّماخ ، وهو ثقب الأذن ، ويقال بالسين ، وهي رواية مسلم أي أن الله أنامهم . (١٠) في صحيح مسلم: ((فما تناهتا عن ذلك)). (١١) قال النووي في شرح صحيح مسلم (٢٩/١٦): الهنُ والهنة بتخفيف نونهما هو كناية عن كل شيء، وأكثر ما يستعمل كناية عن الفرج والذكر ، فقال لهما : ومثل الخشبة بالفرج ، وأراد بذلك سب إساف ونائلة وغيظ الكفار بذلك . ٢٣٧ ذكر إسلام أبي ذر وأستارها. قالا: ((ما قال لكما؟)) قالتا: قال لنا كلمةً تملأُ الفم. قال: وجاء رسول الله ◌ِصَل هو وصاحبه حتى استلمَ الحجَر ، وطاف بالبيت، ثم صلَّى. قال فأتيتُهُ فكنتُ أوَّلَ من حيَّاهُ بتحيَّةِ أهلِ الإسلام . فقال: ((عليك السلامُ ورحمةُ الله من أنت؟ )) قال : قلت من غفار، قال : فأهوى بيده فوضعها على جبهته . قال : فقلت في نفسي . كره أنِ انتميتُ إلى غفار . قال : فاردتُ أن آخذَ بيده فقدَعَني(١) صاحبهُ ، وكان أعلم به مني ، قال : متى كنتَ هاهنا ؟ قال : قلت : كنتُ هاهنا منذُ ثلاثين ، من بين ليلةٍ ويوم . قال : فمَنْ كان يُطعمك ؟ قلت : ما كان لي طعامٌ إلا ماءُ زمزم ، فسمنتُ حتى تكسرتْ ◌ُكَنُ بطني، وما وجدتُ على كبدي سَخْفَةَ جُوع. قال: قال رسول الله مح له: ((إنها مباركة، إنها طعامُ طُعْمُ(٢) )) . قال : فقال أبو بكر : ائذَنْ لي يا رسول الله في طعامِهِ اللَّيلة. قال : ففعل ، قال : فانطلق النبيُّ ◌َ[ وانطلق أبو بكر ] وانطلقتُ معهما حتى فتح أبو بكرٍ باباً، فجعل يقبضُ لنا من زبيب الطائف ، قال: فكان ذلك أولَ طعام أكلتُه بها ، فلبثتُ ما لبثت. فقال رسولُ الله ◌ِّه: ((إني قد وُجِّهتُ إلى أرضٍ ذاتِ نَخْل ولا أحْسَبُها إلا يثَرِب ، فهل أنت مبلِّغٌ عني قومكَ لعلَّ اللهَ ينفعُهم بك ويأجُرُكَ فيهم ؟ )) . قال: فانطلقتُ حتى أتيتُ أخي أَنيساً . قال : فقال لي : ما صنعت ؟ قال : قلتُ : صنعتُ أني أسلمتُ وصدَّقت . قال : فما بي رغبةٌ عن دينك، فإني قد أسلمتُ وصدَّقت . ثم أتينا أُمَّنا فقالت : ما بي رغبةٌ عن دينكما ، فإني قد أسلمتُ وصدَّقت ، فتحمَّلنا حتى أتينا قومنا غفاراً. قال: فأسلم بعضُهم قبلَ أنْ يقدَمَ رسولُ اللهِ وَلَّه المدينة، وكان يؤمُّهُمْ خُفَافُ بن إيماءَ بنِ رَحَضَةُ(٣) الغفاريّ، وكان سيِّدَهم يومئذ ، وقال بقيُّهم: إذا قدِم رسولُ الله ◌َِّ أسلمْنا. قال: فقدِمَ رسولُ اللهِ وَّرَ فأسلم بقيَّتُهم. قال: وجاءتْ أسْلَمُ فقالوا: يا رسول الله، إخوانُنا نسلم على الذي أسلموا عليه. [فأسلموا]، فقال رسولُ الله وَل ((ِفَارُ غفَرَ اللهُ لها، وأسْلَمُ سالَمَها الله )). ورواه مسلم عن هُذْبَه(٤) بن خالد ، عن سليمان بن المغيرة به نحوه . وقد روى قصة إسلامه على وجهٍ آخر وفيه زيادات غريبة . فالله أعلم . وتقدَّم ذِكْرُ إسلام سلمان الفارسي في كتاب البِشَاراتِ بمبعثه عليه الصلاة والسلام(٥) (١) في ط : فقدفني. والمثبت من ح ومسند أحمد وصحيح مسلم والنهاية (قدع/ ٢٤/٤) وفيه : أي كفَّني . (٢) قال النووي: أي تشبع شاربها كما يشبعه الطعام. شرح صحيح مسلم (٣٠/١٦). (٣) وقع في ح ، ط : رخصة . وكذا في الإصابة في ترجمة خفاف ، والمثبت من مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم وشرحه للنووي (٣١/١٦) وقال في ضبطه: إيماء ممدود والهمزة في أوله مكسورة على المشهور وحكى القاضي فتحها أيضاً وأشار إلى ترجيحه وليس براجح ؛ ورحضة براءٍ وحاءٍ مهملة وضاد معجمة مفتوحات . وكذا ضبطه صاحب التاج ( رحض ) . (٤) هو هدَّاب كما في صحيح مسلم (٢٤٧٣) فضائل الصحابة باب من فضائل أبي ذر. ويقال له : هُدْبَة كما في تقريب التهذيب (٣١٥/٢) . (٥) وردت قصة إسلام سلمان في (ص ١١٥) وما بعدها من هذا الجزء. ذكر إسلام ضِمَاد روى مسلم والبيهقي (١) من حديث داودَ بن أبي هند ، عن عمرو بن سعيد ، عن سعيد بن جُبير ، عن ابن عباس . قال : قدم ضِمَادٌ مكة وهورجلٌ من أزْدِ شَنُوءة، وكان يَرْقِي من هذه الرياحُ(٢) ، فسمع سفهاء من سفهاء الناس يقولون : إنَّ محمداً مجنون . فقال : أين(٣) هذا الرجل لعلَّ الله أنْ يشفيَهُ على يدي ؟ فلقيتُ محمداً فقلت : إني أرقِي من هذه الرياح ، وإنَّ اللهَ يَشْفي على يدي، مَنْ شاء ، فهَلُمّ . فقال محمد: ((إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينُهُ، من يهدِهِ الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضْلِلْ فلا هادي له ، أشهدُ أنْ لا إله إلا الله وحدَهُ لا شريكَ له)) ثلاثَ مرَّات. فقال: والله لقد سمعتُ قولَ الكهنة ، وقول السَّحَرة ، وقول الشعراء ، فما سمعتُ مثل هؤلاء الكلمات، فهلمَّ يدك أبايعْكَ على الإسلام. فبايعه رسولُ الله ◌ِّ فقال له: ((وعلى قومك؟)) فقال: وعلى قومي. فبعث النبيُّ بَّل جيشا٤ً) فمُوا بقوم ضِمَاد ، فقال صاحبُ الجيش للسرية : هل أصبتُم من هؤلاء القوم شيئاً ؟ فقال رجلٌ منهم : أصبتُ منهم مِطْهَرة . فقال : رُدَّها عليهم فإنهم قومُ ضِمَاد . وفي رواية فقال له ضماد: أعِدْ عليَّ كلماتك هؤلاء ، فلقد بلغْنَ قاموس البحر(٥). وقد ذكر أبو نعيم في (( دلائل النبوة)(٦) إسلام من أسلم من الأعيان فصلاً طويلاً واستقصى ذلك استقصاءً حسناً رحمه الله وأثابه . وقد سرد ابنُ إسحاق أسماء من أسلم قديماً من الصحابة رضي الله عنهم ، قال(٧) : ثمّ أسلم أبو عُبيدة، وأبو سَلَمة، والأرقم بن أبي الأرقم(٨)، وعثمان بن مَظْعُون ، وعُبيدة بن الحارث ، (١) صحيح مسلم (٨٦٨) الجمعة باب تخفيف الصلاة والخطبة؛ ودلائل النبوة للبيهقي (٢٢٣/٢) واللفظ له. (٢) في صحيح مسلم: الريح. وقال النووي في شرحه (٦/ ١٥٧): والمراد بالريح هنا الجنون ومس الجن ، في غير رواية مسلم : يرقي من الأرواح ، أي الجن سموا بذلك لأنهم لا يبصرهم الناس فهم كالروح والريح . (٣) كذا في ح ، ط ، وفي الدلائل : آتي . (٤) في ح : جيش ، وفي الدلائل وصحيح مسلم : سرية . (٥) في ح : قابوس البحر . وفي صحيح مسلم : ناعوس البحر ، والمثبت من ط ، وقال النووي في شرحه (٦/ ١٥٧) : ضبطناه بوجهين أشهرهما ناعوس بالنون والعين ، هذا هو الموجود في أكثر نسخ بلادنا ، والثاني قاموس بالقاف والميم ، وهذا الثاني هو المشهور في روايات الحديث في غير صحيح مسلم اهـ . ثم ذكر روايات أخرى ومعناها ؛ وقاموس البحر : قعره أولجته التي تضطرب أمواجها . (٦) في الجزء الثاني في مواضع متفرقة منه . (٧) سيرة ابن إسحاق (ص١٤٣) وسيرة ابن هشام (٢٥٢/١) والروض (١/ ٢٩٠). واللفظ مختصر من سيرة ابن هشام . (٨) وقع في سيرة ابن إسحاق : وعبد الله بن الأرقم المخزومي . سقط منه لفظ أبو ، إذ هو أبو عبد الله الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي . الإصابة . ٢٣٩ ذكر إسلام ضماد وسعيد بن زيد ، وامرأته فاطمة بنتُ الخطّاب، وأسماءُ بنت أبي بكر ، وعائشة بنت أبي بكر - وهي صغيرة - وقُدَامة بن مظعون ، وعبد الله بن مظعون، وخَبَّاب بن الأرتّ ، وعُميرُ(١) بن أبي وقَّاص ، وعبد الله بن مسعود، ومسعود بن القاريّ، وسَلِيط بن عمرو ، وعيّاش بن أبي ربيعة، [ وامرأته أسماء بنت سلمة(٢) بن مُخَرِّبَة التميميَّةُ(٣) وخُنَيْس بن حُذافة، وعامر بن ربيعة ]٤) ، وعبد الله بن جَحْش ، وأبو أحمد بن جحش ، وجعفر بن أبي طالب ، وامرأته أسماء بنت عُمَيس ، وحاطب بن الحارث ، وامرأته [ فاطمة بنت المُجَلِّل، وأخوه حطّاب بن الحارث، وامرأته }٥) فُكَيهة ابنة يَسَار ، ومعمر بن الحارث بن معمر الجُمَحي ، والسائب بن عثمان بن مظعون ، والمطلب بن أزهر بن عبد عوفٍ(٦) . وامرأته رملة بنت أبي عوف بن صُبيرة(٧) بن سعيد بن سهم ، والنَّخَّام ، واسمُه نُعيم بن عبد الله بن أَسِيد ، وعامر بن فُهيرة مولى أبي بكر ، وخالد بن سعيد ، وأمينة ابنةُ خلف بن سعد بن عامر بن بياضة بن خُزاعة ، وحاطب بن عمرو بن عبد شمس ، وأبو حُذيفة بن عتبة بن ربيعة ، وواقد بن عبد الله بن عَرِين بن ثعلبة التميمي ، حليفُ بني عدي ، وخالد بن البُكير ، وعامر بن البُكير ، وعاقل بن البُكير ، وإياس بن البُكير بن عبد يا ليل بن ناشب بن غِيَّرَة ، من بني سعد بن ليث ، وكان اسمُ عاقلٍ غافلاً فسمّاه رسول الله وَل عاقلاً، وهم حلفاء بني عدي بن كعب ، وعمار بن ياسر ، وصُهيب بن سنان . ثم دخل الناسُ أرسالا من الرجال والنساء حتى فشا أمر الإسلام بمكة وتحدث به . قال ابن إسحاق(٨): ثم أمر الله رسوله وَّه بعد ثلاث سنين من البعثة بأنْ يصدَع بما أمر ، وأن يصبر على أذى المشركين . قال(٩): وكان أصحابُ رسولِ الله وَّه إذا صلَّوْا ذهبوا في الشِّعاب واستخفَوْا بصلاتهم من قومهم. فبينا سعدُ بن أبي وقاص في نفرٍ يُصلُّون بشعاب مكة إذْ ظهر عليهم بعضُ المشركين فناكروهم وعابوا عليهم (١) في ح : وعمرو . (٢) في سيرة ابن إسحاق وسيرة ابن هشام : سلامة وكلاهما سميت به كما في ترجمتها في الإصابة . (٣) في ط : مخرمة التيمي. وهو تصحيف : والمثبت من المؤتلف والمختلف للدارقطني (٢١٥٢/٤) والمصادر في حاشيته وسيرة ابن هشام . (٤) سقط ما بين المعقوفين من ح . (٥) سقط ما بين المعقوفين من ح ، ط فاستدركته من سيرة ابن هشام وترجمتيهما في الإصابة . (٦) في ح ، ط : المطلب بن أزهر بن عبد مناف . والمثبت من سيرة ابن إسحاق وسيرة ابن هشام وترجمته في الإصابة ، وفيه وهو ابن عم عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف )). (٧) في ط : صييرة . بياءين ، وقد تقرأ في ح : جبيرة ، والمثبت من سيرة ابن هشام والروض والاشتقاق لابن دريد (ص ١٢٥) . (٨) سيرة ابن إسحاق (ص١٤٥) وسيرة ابن هشام (٢٦٢/١) والروض (٣/٢). (٩) يعني ابن إسحاق في السيرة (ص ١٤٧) وسيرة ابن هشام (٢٦٣/١) والروض (٣/٢). ٢٤٠ باب أمر الله رسوله مح # بإبلاغ الرسالة ما يصنعون حتى قاتلوهم ، فضرب سعدٌ رجلاً من المشركين بلَحْي جملٍ فشجَّه ، فكان أول دم أهريق في الإسلام . وروى الأمويُّ في مغازيه ، من طريق الوقَّاصي عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه . فذكر القصة بطولها وفيه : أنَّ المشجوج هو عبد الله بن خَطَل لعنه الله . باب أمر الله رسوله عليه الصلاة والسلام بإبلاغ الرسالة إلى الخاص والعام ، وأمرهٍ له بالصبر والاحتمال والإعراض عن الجاهلين المعاندين المكذِّبين بعد قيام الحجة عليهم ، وإرسال الرسول الأعظم إليهم وذِكْر ما لقي من الأذِيَّةِ منهم هو وأصحابه رضي الله عنهم . قال الله تعالى: ﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَفْرِينَ ﴿لَ وَأَخْفِضْ (١) جَنَاحَكَ لِمَنِ أَّعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿٨٢َ، فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِ بَرِىٌّ مِّمَا تَعْمَلُونَ ﴿َ، وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ لَ الَّذِى يَرَئِكَ حِينَ تَّقُوُ ثَ وَتَقْلُُّكَ فِ السَِّدِينَ الَ إِنَّهُ هُوَ السَّيِعُ اَلْعَلِيمُ﴾ [الشعراء: ٢١٤ - ٢٢٠]. وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكٌ وَسَوْفَ تُشْكَلُونَ﴾ [ الزخرف: ٤٤] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِى فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لَرَآَذُكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [ القصص: ٨٥] أي إنَّ الذي فَرض عليك وأوجب عليك بتبليغ القرآن لرادُك إلى دار الآخرة وهي المعاد ، فيسألك عن ذلك كما قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْعَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينٌّ ٤َ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ [ الحجر: ٩٢ -٩٣]. والآيات والأحاديث في هذا كثيرةٌ جداً . وقد استقصينا الكلام على ذلك في كتابنا التفسير ، وبسطنا من القول في ذلك عند قوله تعالى في سورة الشعراء : ﴿ وَأَنَذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَفْرَبِينَ﴾. وأوردنا أحاديث جَمَّةً في ذلك ، فمن ذلك . قال الإمام أحمد(٢): حدّثنا عبد الله بن نُمير، عن الأعمش ، عن عمرو بن مُرَّة ، عن سعيد بن جُبير عن ابن عباس قال: لما أنزل اللهُ [عزَّ وجلَّ] ﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ أتى النبيُّ ◌َل الصَّفَا فصعِدَ عليه ثم نادى: (( يا صباحاه )» فاجتمع الناسُ إليه بين رجلٍ يجيء إليه ، وبين رجلٍ يبعثِ رسولَه. فقال رسولُ الله ◌ََّ: (( يا بني عبد المطلب، يا بني فِهْر، يا بني كعب، أرأيتم لو أخبرتُكم أنَّ خيلاً بسفح هذا الجبل ، تريدُ أنْ تُغِيرَ عليكم، صدَّقتموني؟)) قالوا: نعم! قال: (( فإني نَذِيرٌ لكم بين يَدَيْ عذابٍ شديد)) فقال أبو لهب ـ لعنه الله(٣) - تبَّ لك سائرَ اليوم أما دعَوْتَنا إلا لهذا؟ فأنزل الله عز وجل (١) في ح : واخفظ . (٢) في مسنده (١/ ٣٠٧) وما يأتي بين معقوفين منه . (٣) ليست الجملة المعترضة في مسند أحمد .