النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
باب في هواتف الجان
صادق ، وحقِّ ناطق ، مع عمرو بن مُرَّة الجُهَنيِّ لجُهينة بن زيد، إنَّ لكم بُطُونَ الأرض وسُهولَها ، وتِلاعَ
الأوديةِ وظهورَها ، ترعَوْن نباتَه ، وتشربونَ صافيه ، على أنْ تُقِرُوا بالخُمس ، وتصلُّوا الصلواتِ
الخَمْس، وفي التِّيعَةِ والصُّريمة شاتاٌ(١) إنِ اجتمعتا، وإنْ تفرَّقَتا٢) فشاءٌ شاة. ليس على أهل المُثيرة(٣)
صدَقة ، ليس الوردة اللبقة)) . وشهد من حضرَنا من المسلمين بكتابٍ قيس بن شماس رضي الله عنهم.
وذلك حين يقول عمرو بن مرة : [ من الطويل ]
وبَيَّنَ بُرْهانَ القُرانِ لعامرٍ
وأحلافِنا في كُلِّ بادٍ وحَاضرٍ
وأفضلِها عند اعْتكارِ الضَّرَائِ(٤)
بطونُ الأعادي بالظُبَى والخَواطِ(٥)
إذا اجتُلبت في الحرب هامُ الأكابرِ
وبيضٍ تلالا في أكُفِّ المغاوِرِ
بِسُمر العوالي والصِّفَاح البواتِر
ودارت رحاها باللُّيُوثِ الهواصِرِ
كَمِثلِ ضياء البدْرِ بينَ الزواهرِ
ألم ترَ أنّ اللهَ أظهرَ دِينَهُ
كتابٌ منَ الرحمنِ نورٌ لجَمْعِنا
إلى خيرٍ من يَمْشي على الأرض كلِّها
أطعنا رسولَ اللهِ لمَّا تقطَّعَتْ
فنحنُ قبيلٌ قد بُني المجدُ حولَنَا
بنو الحَزْبِ نَقْرِيها بأيدٍ طويلةٍ
ترى حوله الأنصارَ تحمي أميرَهم(٦)
إذا الحربُ دارت عند كلِّ عظيمةٍ
تبلّجَ منهُ اللَّونُ وازداد وجهه
وقال أبو عثمان سعيد بن يحيى الأموي في مغازيه : حدّثنا عبد الله ، حدّثنا أبو عبد الله ، حدّثنا
المُجَالد بن سعيد والأجْلَح عن الشعبيّ ، حدّثني شيخٌ من جُهينةَ قال : مرض رجلٌ منا مرضاً شديداً
فَقُلَ ، حتى حفرنا له قبرَه ، وهيأنا أمْرَه ، فأُغمي عليه ثم فتح عينيه ، وأفاق فقال : أحفرتُمْ لي ؟ قالوا:
نعم . قال: فما فعل القُصَل (٢) - وهو ابنُ عمِّ له - قلنا: صالح، مرَّ آنفاً يسألُ عنك. قال: أما إنَّه
يُوشك أنْ يُجعل في حفرتي، إنه أتاني آتٍ حين أَغمي عليَّ فقال: ابكِ هُبَل، أما ترى حُفْرَتَك
(١) مضى التعليق على ذلك في ص (١٢٨) ح (٦ و٧).
(٢) في ح : إن اجتمعا ، وإن تفرقا ، والمثبت من النهاية وط .
(٣) في ح، ط: الميرة. والمثبت مما سبق ص (١٢٨) ح (٨).
(٤) ((الاعتكار)): الازدحام والكثرة، وهي هنا بمعنى الاختلاط، والضرائر: الأمور المختلفة، كضرائر النساء
لا يتفقن . قال ابن الأثير (٢٨٤/٣): ويروى باللام . النهاية ( عكر، ضرر).
(٥) ((الظبى)): جمع ظبة، وهي حد السيف . والخواطر: جمع خاطر وهو المتبختر ، من الخطران عند الصولة
والنشاط ، وهو التصاول والوعيد . انظر اللسان ( خطر ، ظبي ) . ولفظ ح : الضبار الخواطر.
(٦) في الوفا : يحمون سربه .
(٧) الضبط من تبصير المنتبه (٣/ ١٠٨٠).

١٨٢
باب في هواتف الجان
تَنْتَثَلُ(١)، وأمُّك قد كادت تَثْكَل؟ أرأيتَكَ إن حوَّلْناها عنك بالمِحْوَل، ثم ملأناها بالجَنْدَل ، وقذفنا فيها
القُصَل ، الذي مَضَى فأجزأك، وظنَّ أنْ لن يفعل؟ أتشكرُ لرَبِّكَ وتُصَلّ، وتدَعُ دينَ مَنْ أشرك وضَلّ ؟
قال : قلت : نعم . قال : قُمْ ، قد برئت . قال : فبرىء الرجل . ومات الفُصَل فجُعل في حُفْرته .
قال الجُهَنيُ : فرأيتُ الجُهنيَّ بعد ذلك يصلِّي ويسبُ الأوثانَ ويقَعُ فيها٢)
وقال الأموي : حدّثنا عبد الله قال : بينما عمر بن الخطاب رضي الله عنه في مجلس يتحدّثون عن
الجن ، فقال خُريم بن فاتك الأسدي : ألا أحدِّئك كيف كان إسلامي ؟ قال : بلى . قال : إني يوماً في
طلب ذَوْدٍ لي ، أنا منها على أَثَر ، تنصَبُّ وتصعدُ(٣) ، حتى إذا كنت بأبْرَقِ العَزَّاف(٤) ، أنختُ راحلتي
وقلت : أعوذُ بعظيم هذه البلدة ، أعوذ برئيس هذا الوادي ، فإذا بهاتف يهتف بي : [ من الرجز ]
والمجدِ والعلياءِ والإفضالِ
ويحكَ ، عُذْ بالله ذي الجلالِ
ووخِّدِ اللهَ ولا تبالي
ثم اتلُ آياتٍ من الأنفال
قال : فذُعرت ذُعْراً شديداً ، ثمَّ رجعتُ إلى نفسي فقلت : [من الرجز ]
أيُّها الهاتفُ ما تقولُ؟ أَرَشَدٌ عندكَ أمْ تَضْلِيلُ؟
بَيِّنْ هداك اللهُ ما الحَوِيلٌ(٥)
قال : فقال : [ من الرجز ]
بِشْرِبٍ يَدْعُو إلى النَّجاةِ
هذا رسولُ الله ذو الخيراتِ
ويَرْدَعُ الناسَ عنِ الهَنَاتِ (٦)
يأمر بالبرِّ وبالصَّلاةِ
قال: قلت له : والله لا أبرَحُ حتى آتيَهُ وأؤمنَ به، فنصبتُ رِجْلي في غَرْزُ(٧) راحلتي وقلت : [من الرجز]
أرشِدْني أرشِدْني هُدينا٨) لا جُعتَ ما عشتَ ولا عَرِيتا
(١) يقال : نثلوا حفرة فلان وانتثلوها : أي حفروا قبره . الأساس واللسان ( نثل ).
(٢) إسناده ضعيف لجهالة من روى عنه الشعبي .
(٣) ((تنصب)): تنحدر. انظر اللسان (صبب).
في ح، ط : العراق. وهو تصحيف ، والمثبت من تاريخ ابن عساكر ومعجم البلدان (٦٨/١) وفيه : أبرق
(٤)
العزاف : ماء لبني أسد بن خزيمة ، وهو في طريق القاصد إلى المدينة من البصرة ، يجاء من حومانة الدراج إليه .
قالوا : وإنما سمي العزاف ، لأنهم يسمعون عزيف الجن .
(٥) ((ما الحويل)): ما الحيلة؟ والحويل: الحذق وجودة النظر، والقدرة على دقة التصرف. اللسان (حول).
في ط : ويزع ، وكلاهما بمعنى ، وهو الزجر والنهي والكف .
(٦)
(٧) ((الغرز)): ركاب الرَّحْل، من جلد مخروز، يعتمد عليه في الركوب . المعجم الوسيط (غرز).
(٨) كذا في ح، ط، والبيت مضطرب الوزن، ورواية أبي نعيم في الدلائل أشبه بالصواب وهي: أرشدني رُشْداً بها هُديتا.

١٨٣
باب في هواتف الجان
ولا برحتَ سيِّداً مُقِيتا لا تُؤثَرِ الخيرَ الذي أُتيتا
على جميعِ الجِنِّ ما بَقِيتا
فقال : [ من الرجز ]
وعظْمَ الأَجْرَ وعافى نَفْسَكا
صاحبَكَ اللهُ وأدَّى رَحْلَكا
وانْصُرْهُ أعزَّ ربِّي نصْرَك١ُ)
آَمِنْ به أفلحَ ربِّى حقّكا
قال : قلت : مَنْ أنتَ عافاك الله ؟ حتى أخبرَهُ إذا قدِمتُ عليه؟ فقال : أنا ملك بن ملك ، وأنا نَقيبُه
على جِنِّ نَصِيبين . وكُفيت إبلَكَ حتى أضُمَّها إلى أهلك إنْ شاء الله . قال : فخرجتُ حتى أتيتُ المدينةَ يوم
الجُمعة والناسُ أرسالٌ إلى المسجد ، والنبيُّ مَ ◌ّة على المنبر كأنه البدْر يخطُب الناس، فقلت: أُنْيخ على
باب المسجد حتى يُصلي، وأدخلُ عليه فأسلِّم وأُخبره عن إسلامي ؛ فلما أنختُ خرج إليَّ أبو ذرٍّ فقال :
مرحباً وأهلاً وسهلاً، قد بَلَغَنا إسلامُك، فادخُلْ فصلِّ. ففعلتُ، ثم جئتُ إلى رسول الله وَّ فأخبرني
بإسلامي. فقلت: الحمد لله. قال: (( أما إنَّ صاحِبَك قد وفَى لك، وهو أهْلُ ذلك، وأدَّى اللهُ إِيلَك
إلى أهلك (٢)
وقد رواه الطبراني في ترجمة خُرَيم بن فاتك من ((معجمه الكبير)) قائلا٣ً): حدَّثنا الحسين بن
إسحاق التُّسْتَرِيّ(٤) ، حدّثنا محمد بن إبراهيم الشامي، حدَّثنا عبد الله بن موسى الإسكندري ، حدَّثنا
محمد بن إسحاق ، عن سعيد بن أبي سعيد المَقْبُري ، عن أبي هريرةً قال : قال خُرَيْمُ بن فاتِك لعمرَ بن
الخطاب : يا أميرَ المؤمنين ، ألا أخبرك كيف كان بُدُؤُّ إسلامي؟ قال : بلى ، فذكره ، غيرَ أنه قال :
فخرج إليَّ أبو بكرِ الصدِّيق فقال : ادخلْ ، فقد بلغَنا إسلامُك . فقلت : لا أُحْسِنُ الظُهُور . فعلَّمَني ،
فدخلتُ المسجد ، فرأيتُ رسولَ الله وَّرَ كأنه البدْرُ وهو يقول: (( ما من مسلم توضَّأ فأحْسَنَ الوُضُوء ، ثم
صلَّى صلاةٌ يَحْفَظُها ويَعْقِلُها إلا دَخَلَ الجنَّة)) فقال لي عمر: لتأتينِّي على هذاَ بيِّنة أو لأُنْكِّلَنَّ بك. فشهِدَ
لي شيخَ قُريش عثمانُ بن عفَّان ، فأجازَ شهادَتَه .
(١) كذا في ح، وفي ط : وانصره نصراً عزيزاً نصركا. وكلاهما مضطرب الوزن ، ولعل الصواب : وانصره نصراً عزَّ
ربي نصركا . ورواية الدلائل : وانصر نبياً عزَّ ربي نصركا .
(٢) الخبر بنحوه في دلائل أبي نعيم (١٣٦/١) وأخرجه ابن عساكر مختصر ابن منظور (٤١/٨، ٤٢). وذكره الهيثمي
في المجمع (٢٥١/٨، ٢٥٢). قال بشار: وإسناده معضل . وانظر رواية الطبراني التالية ، فهي من رواية محمد بن
إبراهيم الشامي الكذاب .
(٣) المعجم الكبير رقم (٤١٦٥) .
(٤) في ح، ط : اليسيري، والمثبت من المعجم الكبير والمعجم الصغير، والسير (١٤ / ٥٧).

١٨٤
باب في هواتف الجان
ثم رواه عن محمد بن عثمان بن أبي شيبة (١)، عن محمد بن تيم (٢) ، عن محمد بن خليفة ، عن
محمد بن الحسن ، عن أبيه قال : قال عمر بن الخطاب لخريم بن فاتك : حدثني بحديثٍ يعجبني(٣)
فذكر مثل السياق الأول سواء .
وقال أبو نعيم(٤) : حدَّثنا سليمان بن أحمد، حدَّثنا أبو عبد الملك أحمد بن إبراهيم القرشي الدمشقي،
حدَّثنا سليمان بن عبد الرحمن ابن بنت شُرَحْبِيل ، حدَّثنا إسماعيل بن عياش ، عن يحيى بن أبي عمرو
السَّيْبَاني(٥) ، عن عبد الله بن الدَّيلمي قال: أتى رجلٌ ابنَ عباس فقال: بلغنا أنك تذكرُ سَطِيحاً ، تزعم أنَّ
الله خلقه، لم يخلقْ من بني آدم شيئاً يشبهه ؟ قال: نعم، إنَّ الله خلق سَطيحاً الغسَّانيَّ لحماً على وضَمُ(٦) ،
ولم يكن فيه(٧) عظمٌ ولا عصَب إلا الجُمْجُمة، والكفَّان. وكان يُطْوَى من رجلَيْهِ إلى تَرْقُوَتِهِ كما يُطوى
الثوب، ولم يكن فيه شيءٌ يتحرّك إلا لسانه . فلما أراد الخروجَ إلى مكة حُمل على وَضَمِه فأُتِي به مكة ،
فخرج إليه أربعةٌ من قريش : عبد شمس وهاشم ابنا عبد مَنَاف بن قُصَيّ ، والأحوصُ بن فهر ، وعقيل بن
أبي وقاص ، فانتمَوْا إلى غير نسَبِهِم وقالوا : نحن أناسٌ من جُمَح، أتيناك، بلَغَنا قدومُك، فرأينا أنَّ
إتياننا إيَّاك حق لك واجبٌ علينا ، وأهْدَى إليه عقيل صفيحةً هنديَّة ، وصَعْدَة رُدَيْنَّة ، فوضعت على باب
البيت الحرامُ(٨) لينظروا، أهل يراها سَطيحٌ أم لا؟ فقال: يا عقيل، ناولْني يدَك . فناولَه يدَه فقال:
(١) المعجم الكبير رقم (٤١٦٦) وفيه: محمد بن عفان، وهو تحريف، وترجمته في السير (٢١/١٤). وأخرجه
الحاكم في المستدرك (٦٢١/٣) قال فيه الذهبي: لم يصح.
(٢) في المعجم الكبير والمستدرك: محمد بن تسنيم الحضرمي ، ولم أقف على ترجمة له ، وفي الميزان (٤٩٤/٣):
محمد بن تسنيم الوراق . قال الذهبي : لم أدر ما حاله ووافقه الحافظ في لسان الميزان .
(٣) في المعجم : تعجبني به .
(٤) دلائل النبوة لأبي نعيم (١٥٢/١) وذكره السيوطي في الخصائص (٣٣/١) وقال: وأخرجه ابن عساكر. وهو في
مختصره لابن منظور (٢٩٧/٨).
(٥) في ح، ط : الشيباني. بالشين المعجمة، وكذا في الدلائل ، وهو تصحيف، والمثبت من الإكمال (١١١/٥)
والأنساب (٢١٥/٧) والتقريب (٣٥٥/٢) وفيه : روايته عن الصحابة مرسلة .
(٦) ((الوضم)): شرائح من جرائد النخل. هذا الشرح من رواية ابن عساكر، وفي النهاية (١٩٩/٥): الوضم:
الخشبة التي يوضع عليها اللحم ، تقيه من الأرض . ومنه حديث عمر رضي الله عنه : إنما النساء لحم على وضم ،
إلا ما ذُبَّ عنه. قال الأزهري : إنما خص اللحم على الوضم وشبه به النساء ، لأن من عادة العرب ، إذا نحر بعير
لجماعة يقتسمون لحمه أن يقلعوا شجراً ويوضم بعضه على بعض ، ويُعضَّى اللحم - يفرّق - ويوضع عليه، ثم يُلقى
لحمه عن عراقه، ويقطَّع على الوضم، هبراً للقَسْم، وتؤجَّج النار ، فإذا سقط جمرها اشتوى من حضر شيئاً بعد
شيء على ذلك الجمر ، لا يمنع منه أحد ، فإذا وقعت المقاسم حوَّل كل واحد قسمه عن الوضم إلى بيته ، ولم
يعرض له أحد . فشبَّه عمر النساء وقلة امتناعهن على طلابهن من الرجال باللحم ما دام على الوضم .
(٧) زاد في ح هنا : ... لحماً ولا عصب ولم يكن فيه .
(٨) في ح : فوضعت على باب الحرم .

١٨٥
باب في هواتف الجان
يا عقيل ، والعالِم الخفيَّة ، والغافر الخطيّة، والذِّمَّةِ الوفيّة ، والكعبةِ المبنيَّة ، إنك للجائي بالهديّة ،
الصفيحةِ الهندية، والصعدةِ الرُّدَينيّة. قالوا: صدقتَ يا سَطيح، فقال والآتي(١) بالفَرَحِ، وقوسِ قُزَح ،
وسائرِ القُرَّحُ(٢)، واللَّطيم المُنْبَطِعُ(٣)، والنَّخْلِ والرُّطَب والبَلَحِ، إنَّ الغراب حيثُ مرَّ سَنَح، فأخبر أنَّ
القومَ ليسوا من جُمَح ، وأنَّ نسبَهُم من قريشٍ ذي البُطَح . قالوا : صدقتَ يا سَطيح ، نحن أهلُ البيت
الحرام ، أتيناك لنزوركَ لما بَلَغنا من عِلْمِك، فأخْبِرْنا عمَّا يكونُ في زماننا هذا، وما يكون بعده ، فلعل
أنْ يكونَ عندك في ذلك عِلْم . قال : الآن صدقتم ، خذوا مني ومن إلهام الله إيَّاي، أنتم يا معشر العرب
في زمان الهرَم ، سواءٌ بصائركم وبصائر العَجَم ، لا علم عندكم ولا فَهْم ، ويَنْشَؤُ من عَقِبكم ذوو
فَهْمُ(٤) ، يطلبون أنواعَ العلم، فيكسرون الصَّنَم، ويبلغون الرَّدْمُ(٥) ، ويقتلون العُجْم، يطلبون الغُنْم .
قالوا : يا سَطيح ، فمن يكون أولئك ؟ فقال لهم : والبيت ذي الأركان ، والأمن والسكان(٦) ليَنْشَؤُنَّ من
عقبكم وُلْدان، يكسرون الأوثان، ويُنكرون (٧) عبادة الشيطان، ويوحِّدُونَ الرحمن، وينشُرون دينَ
الدَّيَّان، يُشرفون البنيان، ويستفتون الفتيانُ(٨). قالوا: يا سطيح، من نَسْلِ مَنْ يكونُ أولئك ؟ قال :
وأشرفِ الأشراف ، والمُحْصي للإسراف، والمزعزعِ الأحْقَاف(٩)، والمضعِفِ الأضعاف، ليَنْشَؤُنَّ
الآلاف ، من عبدٍ شمسٍ وعبدٍ مَناف ، نُشوءاً يكون فيه اختلاف . قالوا : يا سوءتاهُ يا سَطيح ممَّا تخبرنا
من العلم بأمرهم ! ومن أيِّ بلدٍ يخرج أولئك ؟ فقال : والباقي الأبَد ، والبالغ الأمَد ، ليخرجَنَّ من ذا
البلد ، فتىّ يَهْدي إلى الرَّشَد ، يرفضُ يَغُوثَ والفَنَدُ ١٠)، يبرَأُ من عبادة الضدَد ، يعبدُ ربّاً انفرد ، ثم
يتوفاه الله محموداً ، من الأرض مفقوداً ، وفي السماء مشهوداً . ثم يلي أمره الصدِّيق إذا قضى صدق ، في
ردِّ الحقوق لا خرِقٌ ولا نزِق ؛ ثم يلي أمره الحَنيف، مُجَرِّبٌ غِطْرِيف، ويترك قولَ العنيف(١١). قد
ضاف المضيف . وأحكم التحنيف . ثم يلي أمره داعياً لأمره مجرّب١٢ً) . فتجتمع له جموعاً
(١) في ح والدلائل وابن عساكر : والآتِ والمثبت من ط .
(٢) كذا في ح، ط وأظن رواية الخصائص وابن عساكر أشبه بالصواب ، وهي: والسابق القرَّح . والقرح : جمع
قارح ، وهي من ذي الحافر ما استتم الخامسة ، والسابق هو الأول في الخيل في السباق . اللسان ( قرح ، سبق ) .
(٣) ((اللطيم)): هو التاسع من سوابق النخيل، وذلك أنه يلطم وجهه فلا يدخل السرادق . اللسان (لطم ).
(٤) في ح : دونهم ، وفي تاريخ ابن عساكر والخصائص : دَهْم . وهم الجماعة الكثيرة .
(٥)
((الرَّدْم)): قرية بالبحرين . ( معجم البلدان ) .
(٦)
في تاريخ دمشق والخصائص : والسلطان .
(٨) كذا في ط وفي الدلائل: ويقتنون القيان، وسقطت العبارة من ح، وفي تاريخ دمشق والخصائص: ويسبقون العميان.
(٧)
في تاريخ دمشق والخصائص : ويتركون .
(٩) ((الأحقاف)): جمع حقف، وهو أصل الرمل وأصل الجبل وأصل الحائط. اللسان (حقف).
(١٠) ((يغوث)): من أصنام الجاهلية، والفند : الخطأ في الرأي والقول ، والكذب.
(١١) زاد في رواية ابن عساكر هنا : يعني عمر.
(١٢) كذا في الدلائل وط، وحُرّف في ح إلى: دراعاً لأمره محرماً ، وفي تاريخ دمشق والخصائص : دارع لأمره =

١٨٦
باب في هواتف الجان
وعُصَبأ١) ، فيقتلونه نِقمةً عليه وغضَباً، فيؤخذ الشيخ فيذبَحُ إرباً، فيقوم به رجالٌ خُطَبا، ثم يلي أمره
الناصر(٢)، ويخلطُ الرأيَ برأي النَّكر(٣)، يظهر في الأرض العساكر؛ ثم يلي بعدَهُ ابنه، يأخذُ جَمْعَه ،
ويُقلُّ حمدَه، ويأخذُ المالَ ويأكلُ وَحْدَه ، ويَكْثُرِ المالُ بعقِهُ(٤) من بعده ؛ ثم يلي من [ بعده عدةُ ملوك ،
لا شكّ، الذَّمُ فيهم مسفوك، ثم }°) بعدهم الصُّعْلوك، يطويهم كطيِّ الدُّرْنُوكُ(٦) ثم يلي من بعده
عظهور(٧) ، يُقْصي الخلق(٨) ويُدْنِي مُضَر، يفتتح الأرضَ افتتاحاً منكراً، ثم يلي قصير القامة، بظهره
علامة يموت موتاً وسلامة ؛ ثم يلي قليلاً باكر ، يترك الملك بائر(٩) ، يلي أخوه بسنَّتَه سائر ، يختص
بالأموال والمنابر، ثم يلي من بعدِهِ أخْوَج، صاحبُ دنيا ونعيم، مُخَلَّجُ (١) ، يُثاوِرُه معاشرُه وذووه ،
ينهضونَ إليه يخلعونَهُ بأخذِ الملك ويقتلونَه ، ثم يلي أمْرَهُ من بعده السابع ، يترك الملك مُخلَّى ضائع ،
تتْوَّرَ في ملكه كالمُشَوَّهِ جائع، عند ذلك يطمعُ في الملك كلُّ عُزْيان، ويلي أمْرَهُ اللَّهْفان، يُوطى(١٦)
نزاراً جمعَ قحطان ، إذا التقيا بدمشق جمعان، بين بَنْيارُ(١٢) ولُبْنان ، يُصنَّف اليمن يومئذ صنفان : صنف
المَسَرَّةُ(١٣)، وصنف المخذول، لا ترى إلا حباء محلول (١٤). وأسيراً مغلول(٤). بين القراب
والخيول . عند ذلك تخرب المنازل [ وتسلب الأرامل}(١٥)، وتُسقطُ الحوامل ، وتظهر الزلازل ،
مجرِّب . وهو أشبه بالصواب .
=
(١) كذا في ح، ط والدلائل ، وفي تاريخ دمشق والخصائص: فيجتمع له جموع وعصب . وهو الصواب .
(٢) زاد رواية ابن عساكر: معاوية .
(٣) في تاريخ دمشق : ماكر .
(٤) في الدلائل : ويكنز المال لعقبه .
(٥) ما بين المعقوفين سقط من ح .
(٦) ((الدرنوك)): ضرب من البسط، له خمل قصير، أو هو الطنافس . اللسان ( درنك)، وفي تاريخ دمشق
والخصائص : يطؤهم كوطأة الدرنوك .
(٧) كذا في ح ، ط ولا معنى له ، وأظن الصواب فيه : غضوَّر. ومعناه الأسد كما في التاج ( غضر ) ، ورواية تاريخ
دمشق والخصائص : عضوض . من كان فيه عسف وظلم ، وهو أشبه بالصواب .
(٨) في ح ، ط : الحق . والمثبت من تاريخ دمشق والخصائص .
(٩) كذا في ح ، ط ويظهر على العبارة الاضطراب والتحريف، والصواب ما جاء في مختصر تاريخ دمشق (٢٩٩/٨):
ثم يلي بُلُبُل ماكر، يترك الملك مُخَلَّى بائر . والبلبل من الرجال الخفيف .
(١٠) ((مخلج)): السمين، فلحمه يضطرب. اللسان ( خلج ) .
(١١) في ح، ط : يرضي . والمثبت من مختصر تاريخ دمشق.
(١٢) ((بنيان)): قرية باليمامة ينزلها بنو سعد بن زيد مناة بن تميم. معجم البلدان (٥٠٢/١) ورواية تاريخ دمشق:
بيسان . وهو أشبه بالصواب .
(١٣) كذا في ح ، وفي ط : المشورة ، وفي مختصر تاريخ دمشق المسوِّرة.
(١٤) كذا في ح ، ط والصواب : محلولا ... مغلولا.
(١٥) ما بين المعقوفين سقط من ح .

١٨٧
باب كيف بدأ الوحي
وتطلبُ الخلافةَ وائل ، فتغضب نزار ، فتُدْني العبيدَ والأشرار ، وتُقْصي الأمثال والأخيار ، وتغلو الأسعارُ
في صفَرِ الأصفار ، يُغَلُّ كلُّ جِبَّار، ثم يسيرون إلى خنادق وأنها ذاتُ أشعارٍ وأشجار ، تصد له
الأنهار(١) ، ويهزمهم أوَّلَ النهار، تظهر الأخيار ، فلا ينفعهم نومٌ ولا قرار . حتى يدخل مصراً من
الأمصار ، فيدركه القضاء والأقدار . ثم يجيء الرُّماة ، تلف مشاة ، لقتل الكماة ، وأسر الحماة ، وتهلك
الغواة ، هنالك يدرك في أعلى المياه . ثم يبور الدِّين ، وتُقلب الأمور، ويكفر الزَّبُور ، وتُقطع الجسور ،
فلا يفلت إلا مَنْ كان في جزائر البُحور ، ثم تبور الحُبوب، وتظهر الأعاريب ، ليس فيهم مَعِيب (٢) ، على
أهل الفسوق والريب ، في زمان عَصِيب ، لو كان للقوم حَيًا ، وما تُغْني المُنى . قالوا : ثم ماذا
يا سَطيح؟ قال : ثم يظهر رجلٌ من أهل اليمن كالشَّطَن ، يُذْهِبُ الله على رأسه الفتن .
وهذا أثرٌ غريب كتبناهُ لغرابته ، وما تضمَّنَ من الفتن والملاحم . وقد تقدَّم قصة شِقِّ وسَطيحٍ مع
ربيعة بن نصر، ملك اليمن ، وكيف بشَّر بوجود رسولِ اللهِ مَّ وكذلك تقدَّم قصة سَطِيح مع ابن أخته
عبد المسيح حين أرسله ملك بني ساسان ، لارتجاسِ الإيوان ، وخُمود النيران ، ورؤيا الموبذان . وذلك
ليلةَ مولدِ الذي نسخ بشريعته سائرَ الأديان(٣).
باب كيف بدأ الوحي
إلى رسول الله بَ له، وذكر أول شيء أنزل عليه من القرآن العظيم
كان ذلك وله وَلّ من العمر أربعون سنة. وحكى ابن جرير(٤) عن ابن عباس وسعيد بن المسيِّب : أنه
كان عمرُه إذْ ذاك ثلاثاً وأربعين سنة .
قال البخاري(٥): حدّثنا يحيى بن بُكَير، عن عُقيل، عن ابن شهاب ، عن عروة بن الزبير ، عن
عائشة رضي الله عنها، أنها قالت: أوَّلُ ما بُدىء به رسول الله وَّهَ من الوَحْي الرُّؤْيا الصالحةُ(٦) في النَّوم ،
وكان لا يرى رؤيا إلا جاءتْ مثلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثمّ حُبِّبَ إليه الخَلاء ، فكان يخلو بغارِ حِراء فيَتَحنَّثُ فيه
- وهو التعبُّد - اللياليَ ذواتِ العدد، قبل أنْ ينزِعَ إلى أهله، ويتزوَّدُ لذلك، ثم يرجع إلى خديجةَ فيتزؤَدُ
(١) في مختصر تاريخ دمشق : يعمِدُ لهم الأغيار .
(٢) في مختصر تاريخ دمشق : مُعين. وهو أشبه بالصواب .
(٣) تأمل هذه الأخبار فأكثرها مختلقة وإنما ساقها المصنف لغرابتها وليجمع كل ما قيل في هذا الموضوع ، فكن على
حذر ( بشار ) .
(٤) يعني الطبري في تاريخه (٢٩٢/٢).
(٥) فتح الباري رقم (٦٩٨٢) كتاب التعبير باب أول ما بدىء به رسول الله وّل من الوحي الرؤيا الصالحة.
(٦) وفي رواية : الصادقة . كما في الفتح وط .

١٨٨
باب كيف بدأ الوحي
لمثلها، حتى جاءه(١) الحقُّ وهو في غار حِرَاءٍ، فجاءه الملَكُ فقال: اقْرَأْ. فقال: (( ما أنا بقارىء))
قال : فأخذني فَغَطَّني (٢) حتى بَلَغ مني الجَهْد، ثمّ أرسلني، فقال: اقرأْ ، فقلتُ : ما أنا بقارىء ،
فأخذني فغطّني الثانيةَ حتى بلغ مني الجَهْد ، ثمّ أرسلني ، فقال : اقْرَأْ ، فقلتُ : ما أنا بقارىء ، فأخذنى
فغطّني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثمّ أرسلني فقال: ﴿ اقْرَأْ بِسْمِ رَبِّكَ الَّذِىِ خَلَقَ ﴿٤ خَقَ الْإِنْسَنَ مِنْ عَلَقٍ
أَقْرَأْ
وَرَبُّكَ اَلْأَكْرَمُ قَالَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلِ ﴿ عَلَّمَ اُلْإِنْسَنَ مَا لَمْ يَعَ﴾ [العلق: ١ -٥]، فرجع بها رسولُ اللهَوَل يَرْ جُفُ فؤادُهُ،
فدخل على خديجة بنتِ خُويلد ، فقال: ((زَمِّلُوني زَمِّلُوني)) فزمَّلُوهُ حتى ذهب عنه الرَّوْعِ ، فقال لخديجة
- وأخَبَرِها الخَبَر -: ((لقد خَشِيتُ على نفسي)). فقالت خديجة: كلا والله، لا يُخْزِيك اللهُ أبداً، إنَّك
لتصِلُ الرَّحِم، وتَقْرِي الضَّيف ، وتَحْمِلُ الكَلّ ، وتَكْسِبُ المَعْدُوم ، وتُعينُ على نوائب الحقّ .
فانطلقتْ به خديجةُ حتى أتتْ ورقةَ بنَ نَوْفَل بن أسد بنِ عبد العُزَّى ابنَ عمِّ خديجة ؛ وكان امرءاً قد
تنصَّرَ في الجاهلية ، وكان يكتبُ الكتابَ العِبْرَاني(٣)، فيكتب من الإنجيل بالعِبْرانيَّةِ ما شاءَ الله أنْ يكتب ،
وكان شيخاً كبيراً قد عَمِي، فقالت له خديجة: يا ابنَ عمّ، اسمَعْ من ابنِ أخيك . فقال له ورقة : يا ابن
أخي، ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله وَ ◌ّ خَبَر ما رأى. فقال له ورقة: هذا الناموس(٤) الذي كان ينزِلُ على
موسى، يا ليتني فيها جذعا٥ً)، ليتني أكونُ حيّاً إذْ يُخْرِجُكَ قومُك. فقال رسول الله مَّهُ: ((أو مُخرِجِيَّ
هم؟ )) فقال : نعم، لم يأتِ أحدٌ بمثلِ ما جئتَ به إلا عُودي، وإنْ يُدركني يومُكَ أنْصُرْك نصراً مُؤَزَّراً.
ثم لم يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوفِّيَ ، وفَتَرِ الوَحْيُ فترةٌ .
حتى حزنَ رسول الله وََّ - فيما بلغَنا - حُزْناً غدا منه مِراراً كي يتردَّى من رؤوس شواهِقِ الجبال ،
فكلّما أوْفَى بِذِرْوَةِ جبلٍ لكي يُلقي نفسَه تبدَّى له جِبْرِيلُ فقال : يا محمد ، إنَّك رسولُ الله حقاً فيسكنُ لذلك
جَأْشُه ، وتَقِرُّ نفسُه فيرجع ، فإذا طالت عليه فترةُ الوَحْي غَدا كمثلِ ذلك . قال : فإذا أوفى بِذِرْوةِ جبلٍ
تبدَّى له جبريلُ فقال لهُ مثل ذلك .
(١) في الرواية الثانية المشار إليها في الحاشية (٢) السابقة والتي عند البخاري هي: حتى فَجِئَهُ الحق . ويبدو لي أن ابن
كثير نقل هذه الأخيرة ، لأنه خصها بالشرح كما سيأتي (ص ١٩٣).
(٢) قال ابن حجر في الفتح (٢٤/١): وفي رواية الطبري بتاء مثناة من فوق، كأنه أراد ضمني وعصرني ، والغط :
حبس النفس ، ومنه غطه في الماء ، أو أراد غمني ومنه الخنق . ولأبي داود الطيالسي في مسنده بسند حسن . فأخذ
بحلقي . اهـ .
(٣) قال ابن حجر في الفتح (٢٥/١): وفي رواية يونس ومعمر: ويكتب من الإنجيل بالعربية . ولمسلم : فكان يكتب
الكتاب العربي . والجميع صحيح ، لأن ورقة تعلم اللسان العبراني والكتابة العبرانية .
(٤) (( الناموس)): صاحب السر الذي يطلعه بما يستره عن غيره، كما جزم به البخاري في أحاديث الأنبياء. انظر الفتح
(٤٢٢/٦ و٢٦/١) وموضع الحاشية (٥) في المتن ص (١٩٦) من هذا الجزء.
(٥) يا ليتني فيها جذع: كذا في رواية الأصيلي ، وعند الباقين : جذعاً. بالنصب على أنه خبر كان المقدرة . قاله
الخطابي . فتح الباري (٢٦/١) .

١٨٩
باب كيف بدأ الوحي
هكذا وقع مطوَّلاً في بابِ التعبير من البخاري(١) .
قال ابنُ شهاب(٢): وأخبرني أبو سَلَمَة بنُ عبدِ الرحمن، أنَّ جابرَ بنَ عبدِ الله الأنصاريَّ قال - وهو
يحدِّثُ عن فَتْرةِ الوحي - فقالَ في حديثه: (( بينا أنا أمشي ، إذْ سمعتُ صوتاً من السماء ، فرفعتُ بَصَري
فإذا الملَكُ الذي جاءَّني بحِرَاء جالسٌ على كُرْسِيٍّ بينَ السماءِ والأرض . فرُعِبْتُ منه، فرجعتُ فقلت :
زَمَّلُوني، زَمِّلوني، فأنزل الله: ﴿بَيُّهَا الْعُدَُّ ﴿ قُرْ فَذِرْ ﴿ وَرَبَّكَ فَكَتِ ﴿ وَتَبَكَ فَطَهِّرْ ﴿ وَالرُّجْزَ فَاهْجُزْ ﴾
[المدثر: ١ - ٥] فَحِمِيَ الوَحْيُ وتَتَابَع)). ثمّ قال البخاري: تابعَهُ عبدُ الله بن يوسف، وأبو صالح - يعني
عن اللَّيث - وتابعه هِلالُ بنُ رَدَّاد ، عن الزُّهْري. وقال يونس ومعمر : بوادِرُه .
وهذا الحديث قد رواه الإمامُ البخاري رحمه الله في كتابه في مواضع منه(٣)، وتكلَّمنا عليه مطولاً في
أول شرح البخاري في كتاب بَدْء الوحي إسناداً ومتناً . ولله الحمد والمِنَّة .
وأخرجه مسلم في ((صحيحه)(٤) من حديث اللَّيث به ، ومن طريق يونس ومَعْمَر ، عن الزُّهْري كما
علَّقَهُ البخاري عنهما ، وقد رمزنا في الحواشي على زياداتِ مسلم ورواياتِهِ ، ولله الحمدُ ، وانتهى سياقُهُ
إلى قول ورقة : أنصرُك نصراً مُؤَزَّراً .
فقول أمّ المؤمنين عائشة : أوَّلُ ما بُدىء به من الوحي الرؤيا الصادِقة ، فكان لا يَرَى رؤيا إلا جاءتْ
مثل فَلَقِ الصُّبْحِ، يُقَوِّي ما ذكَرَهُ محمد بن إسحاق(٥) بن يسار، عن عُبيد بن عُمير اللَّيْثِي، أنَّ النبيَّ ◌َل
قال: ((فجاءني جِبْرِيلُ وأنا نائم بنَمَطِ من ديباج فيه كتاب (٦) . فقال : اقرأ . فقلتُ : ما اقرأُ ؟ فغتّني ،
حتى ظننت أنَّه الموت ، ثم أرسلني )) وذكر نحوَ حديثٍ عائشة سواء .
فكان هذا كالتوطئة لما يأتي بعدَهُ من اليَقَظَّة ، وقد جاء مصرَّحاً بهذا في مغازي موسى بن عُقْبَةً عن
الزُّهري ، أنه رأى ذلك في المنام ثمّ جاءه الملك في اليقظة .
وقد قال الحافظُ أبو نعيم الأصبهاني في كتابه (( دلائل النبوة)(٧) : حدّثنا محمد بن أحمد بن الحسن ،
(١) جمع ابن كثير في هذه الرواية بين روايتين عند البخاري في كتاب بدء الوحي وكتاب التعبير كما أشرت آنفاً والزيادة في
الحديث من قوله: حتى حزن رسول الله وَ لي فيما بلغنا إلى آخرة من بلاغات الزهري رقم (٦٩٨٢) في التعبير وليست
موصولة ، فهي منقطعة .
(٢) يعني الزهري كما في الحديث السابق وبسنده المذكور آنفاً وهو في البخاري رقم (٤) كتاب بدء الوحي .
(٣) أرقامه في فتح الباري (٣٢٣٨، ٤٩٢٢، ٤٩٢٣، ٤٩٢٤، ٤٩٢٥، ٤٩٢٦، ٤٩٥٤، ٦٢١٤).
(٤) صحيح مسلم (٢٥٢ - ١٦٠) الإيمان باب بدء الوحي، ورقم (٢٥٣ و٢٥٤).
(٥) سيرة ابن هشام (٢٣٦/١) والروض (٢٦٨/١).
(٦) ((النمط)): ضرب من البسط له خَمْل رقيق، أو ثوب من صوف ملوَّن له خمل رقيق. النهاية (١١٩/٥) والتاج
( نمط ) .
(٧) ليس في المطبوع منه .

١٩٠
ذكر عمره محددة وقت بعثته وتاريخها
حدّثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة ، حدّثنا مِنْجَاب(١) بن الحارث ، حدثنا عبد الله بن الأجلح ، عن
إبراهيم ، عن علقمة بن قيس ، قال : إنَّ أولَ ما يُؤتى به الأنبياءُ في المنام ، حتى تهدأ قلوبُهم ، ثم ينزِلُ
الوحي بَعْدُ . وهذا من قبل علقمة بن قيس نفسِه ، وهو كلامٌ حسن ، يؤيِّدُه ما قبله ويؤيده ما بعده .
ذکر عمره څ﴾ وقت بعثتِه وتاريخها
قال الإمام أحمد(٢) : حدّثنا محمد بن أبي عدي ، عن داودَ بن أبي هند ، عن عامر الشَّعْبي : أنَّ
رسولَ اللهِ وَّهِ نزلت عليه النبوة وهو ابنُ أربعين سنة، فقرن بنبوَّتِهِ إسرافيل ثلاثَ سنين، فكان يعلِّمُه
الكلمة والشيء ، ولم ينزل القرآن ، فلما مضتْ ثلاثُ سنين قرن بنبوته جِبريل ، فنزل القرآنُ على لسانه
عشرين سنة ، عشراً بمكة ، وعشراً بالمدينة . فمات وهو ابن ثلاثٍ وستينَ سنة .
فهذا إسنادٌ صحيح إلى الشعبي، وهو يقتضي أنَّ إسرافيل قرن معه بعد الأربعين ثلاث سنين، ثمّ جاءَهُ
جبريل (٣)
وأما الشيخ شهاب الدين أبو شامة فإنه قد قال : وحديث عائشة لا يُنافي هذا، فإنه يجوز أنْ يكونَ أول
أمره الرُّؤْيا ، ثم وُكِّل به إسرافيلُ في تلك المُدَّة التي كان يخلو فيها بِحِرَاء ، فكان يُلقي إليه الكلمة بسرعة ،
ولا يقيمُ معه، تدريجاً له وتمريناً ، إلى أن جاءه جبريل ، فعلَّمه بعد ما غطَّه ثلاثَ مرَّات ، فحكَتْ عائشةُ
ما جرى له مع جِبْريلٍ ، ولم تحكِ ماجرى له مع إسرافيلَ اختصاراً للحديث ، أو لم تكن وقفت على قصة
إسرافيل .
وقال الإمام أحمد(٤): حدّثنا يحيى عن هشامُ(٥)، عن عكرمة، عن ابن عباس، أُنزل على النبي ◌َّ
(١) في ط : جناب. تصحيف ، والمثبت من ح ، ورواية منجاب عن عبد الله بن الأجلح، ورواية ابن أبي شيبة عنه
ثابتة في ترجماتهم في السير (١٤/ ٢١) وتهذيب الكمال (٧٩/١٤) وتهذيب التهذيب (١٠ / ٢٩٧).
(٢) أخذه المصنف من دلائل النبوة للبيهقي (١٣٢/١) الذي رواه عن ابن بشران، عن ابن السماك، عن حنبل بن
إسحاق ، عن الإمام أحمد . وأخرجه ابن سعد في الطبقات (١/ ١٩١) عن المعلى بن أسد العمي ، أخبرنا وهيب بن
خالد عن داود به . وقال ابن سعد بعد إيراده الخبر : فذكرت هذا الحديث لمحمد بن عمر فقال : ليس يعرف أهل
العلم ببلدنا أن إسرافيل قرن بالنبي وّهور، وإن علماءهم وأهل السيرة منهم يقولون : لم يقرن به غير جبريل من حين
أنزل عليه الوحي إلى أن قبض وَّ اهـ.
(٣) لكنه مرسل ، فلا يحتج به ( بشار ) .
(٤) في المسند (٢٢٨/١).
(٥) في ط: (( يحيى بن هشام))، وهو تحريف والصواب ما أثبتناه من المسند ، ويحيى هو ابن سعيد القطان ، وهشام هو
ابن حسان ( بشار ) .

١٩١
ذكر عمره محطة وقت بعثته وتاريخها
وهو ابن ثلاثٍ وأربعين ، فمكث بمكةَ عشراً وبالمدينة عشراً، ومات وهو ابنُ ثلاثٍ وستين(١)
وهكذا روى يحيى بن سعيد، عن سعيد(٢) بن المسيِّب. ثمّ رواه أحمد(٣)، عن غُنْدر ويزيد بن هارون
كلاهما عن هشام عن عكرمة، عن ابن عباس قال: بعث رسول الله وَ ليل وأنزل عليه القرآن، وهو ابنُ
أربعين سنة ، فمكث بمكة ثلاث عشرة سنة ، وبالمدينة عشر سنين . ومات وهو ابنُ ثلاثٍ وستين سنة .
وقال الإمام أحمد(٤) : حدّثنا عفَّان، حدّثنا حمَّاد بن سلمة، أخبرنا عمار بن أبي عمار ، عن ابن
عباس قال : أقام النبيُّ ◌َّه بمكة خمسَ عشرةَ سنةً، سبعَ سنين يرَى الضَّوءَ ويسمع الصوت ، وثماني سنين
يُوحَى إليه ، وأقام بالمدينة عشرَ سنين .
قال أبو شامة: وقد كان رسولُ اللهَ وَ ◌ّل يرى عجائبَ قبلَ بعثتِه، فمن ذلك ما في صحيح مسلمُ(٥) عن
جابر بن سَمُرة قال: قال رسول الله وَّه: ((إني لأعْرِفُ حَجَراً بمكةَ كان يُسَلِّم عليَّ قبلَ أنْ أَبْعَث ، إني
لأعْرِفُه الآن )) . انتهى كلامُه .
وإنما كان رسولُ اللهِ وَّهِ يُحِبُّ الخَلاءَ والانفرادَ عن قومه، لِمَا يراهم عليهِ من الضَّلال المُبين، من عبادةٍ
الأوثان والسجود للأصنام ، وقويَتْ مَحبَّتُه للخَلْوَة عند مقاربة إيحاء الله إليه ، صلواتُ الله وسلامه عليه .
وقد ذكر محمد بن إسحاق(٦) عن عبد الملك بن عبد الله بن أبي سفيان بن العلاء بن جاريةُ(٧) - قال :
وكان واعية - عن بعض أهل العلم قال: وكان رسول الله وَّه يخرجُ إلى حِرَاء في كلِّ عام شهراً من السنة
يتنسَّكُ فِيه - وكان مِنْ نُسُكِ قريشٍ في الجاهلية - يُطْعِمُ مَنْ جاءَهُ من المساكين ، حتى إذا انصرف من
مجاورتِهِ ، لم يدخلْ بيتَهُ حتى يطوفَ بالكعبة .
(١) هذا مما أخطأ فيه يحيى بن سعيد القطان على جلالة قدره ، فقد خالفه يزيد بن هارون عند ابن أبي شيبة (١٣/ ٥٣)
و(١٤/ ٢٩١)، والنضر بن شميل عند البخاري (٣٦٢١)، وابن أبي عدي عند الترمذي (٣٦٢١) وروح بن عبادة عند
أحمد (٣٧١/١) وغيرهم فرووه عن هشام: ((وهو ابن أربعين))، وهو الصحيح الذي عليه الجمهور (بشار).
وانظر الذي بعده .
(٢) في ط: ((وسعيد)) خطأ، والصواب ما أثبتنا، والرواية في دلائل النبوة للبيهقي من طريق الإمام أحمد عن يحيى بن
سعيد القطان ، عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب (١/ ١٣٢) (بشار).
(٣) في المسند (٢٣٦/١ و٢٤٩) .
(٤) في المسند (٢٧٩/١) وأخرجه أيضاً عن حسن عن حماد به في (٢٩٤/١) وعن أبي كامل عن حماد به في
(٣١٢/١) .
(٥) صحيح مسلم (٢ - ٢٢٧٧) الفضائل باب فضل نسب النبي ◌َّة.
(٦) سيرة ابن هشام (١/ ٢٣٤) والروض (٢٦٦/١) ويرويه ابن كثير هنا بالمعنى. سيرة ابن هشام (٢٣٥/١ و٢٣٦) عن
وهب بن كيسان كما سيأتي .
(٧) في ح ، ط : حارثة . تصحيف ، والمثبت من التاريخ الكبير للبخاري (٤٢١/٥) والإصابة في ترجمة جده العلاء
وسيرة ابن هشام .

١٩٢
ذکر عمره ټ و قت بعثته وتاريخها
وهكذا رُوي عن وهب بن كيسان، أنَّهُ سمع عُبيد بن عُمير يحدِّثُ عبد الله بن الزبير مثل ذلك ، وهذا
يدلُّ على أن هذا كان من عادة المتعبِّدين في قريش ، أنهم يجاورون في حِرَاء للعبادة ، ولهذا قال
أبو طالب في قصيدته المشهورة (١) :
وثورٍ ومَنْ أرْسَى ثَبِيراً مكانَهُ وراقٍ ليرْقَى فِي حِرَاءَ ونازِلٍ
هكذا صوَّبه على رواية هذا البيت ، كما ذكره السُّهيلي وأبو شامة وشيخُنا الحافظ أبو الحجَّاجِ المِزِّي
رحمهم الله، وقد تصخَّف على بعض الرواة فقال فيه : وراقٍ ليرقى في حر ونازل - وهذا ركيك ومخالف
للصواب . والله أعلم .
وحِرَاء يُقْصَرِ ويُمَدُّ ، ويُصرف ويُمنع ، وهو جبلٌ بأعلى مكة ، على ثلاثةِ أميالٍ منها ، عن يسار المارِّ
إلى منى، له قُلَّةٌ مشرفةٌ على الكعبة منحنية ، والغار في تلك المحنيَّة ، وما أحسن ما قال رُؤْبَة بن
(٢)
العَجَّاج(٢) :
فلا وربِّ الآمِناتِ القُطَّنِ وربِّ رُكنٍ من حِرَاءَ مُنْحني
وقوله في الحديث : والتحنُّث : التعبد ، تفسيرٌ بالمعنى، وإلَّ فحقيقة التحتُّث من حيثُ البِنْيَة فيما
قاله السُهيلي(٣) : الدخول في الحِنْث، ولكنْ سمعتُ ألفاظاً قليلةً في اللغة معناها الخروجُ من ذلك
الشيء ، فتحنَّثَ : أي خرج من الحِنْث ، وتحوَّب، وتحرَّج، وتأثّم ، وتهَجَّد ، وهو تَرْكُ الهُجود ،
وهو النوم للصلاة ، وتنجَّس وتقذَّر ، أوردها أبو شامة .
وقد سُئل ابنُ الأعرابي عن قوله يتَحَنَّث ، أي يتعبَّد؟ فقال : لا أعرف هذا، إنما هو يتحنََّ من
الحنيفيَّة دينِ إبراهيم عليه السلام .
قال ابنُ هشامُ(٤) : والعربُ تقول : التحنُّث والتحتُّف ، يُبْدلون الفاء من الثاء، كما قالوا : جَدَث ،
وجَدَف(٥)، كما قال رُؤْبةُ(٦) :
لو كان أحجاري مع الأجْدَافِ
يريد الأجداث . قال : وحدَّثني أبو عُبيدة أنَّ العرب تقول : فُمَّ في موضع ثُمَّ .
قلت : ومن ذلك قول بعضِ المفسرين وفُومها أنَّ المراد ثومها .
(١) وهي قصيدة نشرت في ديوان شيخ الأباطح والبيت فيه (ص٣) وروايته : وعير وراق في حراء ونازل.
(٢)
ديوان رؤبة (ص ١٦٣) والبيتان هما ١١٣ و١١٦ من القصيدة ، وفيه : ورب وجه من حراء منحني .
(٣)
الروض (٢٦٧/١) وقد نقل عنه ابن كثير بالمعنى .
(٤)
(٥)
سيرة ابن هشام (٢٣٥/١) .
زاد ابن هشام في سيرته : يريدون القبر .
(٦) ديوان رؤبة (ص ١٠٠) رقم البيت (٤٠) وروايته: لو كان أحجارٌ.

١٩٣
ذکر عمره څڼ و قت بعثته وتاريخها
وقد اختلف العلماءُ في تعبُّده عليه السلام قبل البعثة ، هل كان على شرع أم لا ؟ وما ذلك الشرع ؟
فقيل شرع (١) نوح ، وقيل شرع (١) إبراهيم. وهو الأشبه الأقوى ، وقيل موسى ، وقيل عيسى ، وقيل :
كلُّ ما ثبت أنه شرعٌ عنده اتَّبعه وعمل به ، ولبسطِ هذه الأقوال ومناسباتها مواضع أُخر في أصول الفقه والله
أعلم .
وقوله : حتى فجِنَّهُ الحقُّ وهو بغارِ حِرَاءُ(٢) ؛ أي جاء بغتةً على غير موعد كما قال تعالى: ﴿ وَمَا كُنْتَ
تَرْجُواْ أَنْ يُلْقَىَ إِلَيْكَ الْكِتَبُ إِلََّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ﴾ الآية [ القصص: ٨٦].
وقد كان نزولُ صَدْر هذه السورة الكريمة وهي ﴿ اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ ٥ خَلَقَ الْإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ (٥) اقْرَأْ وَرَبُّكَ
الْأَكْرَمُ ثَ الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ﴿ عَلَّمَ آلْإِنْسَنَ مَا لَزْبَعَلَمْ﴾ [ العلق: ١ -٥]. وهي أولُ ما نزل من القرآن كما قرَّرْنا ذلك في
((التفسير (٣)، وكما سيأتي أيضاً في يوم الاثنين كما ثبتَ في صحيح مسلمُ(٤) عن أبي قتادة ، أنَّ
رسولَ اللهِوَّ سُئل عن صوم يوم الاثنين؟ فقال: ((ذاك يومٌ وُلدتُ فيه، ويومٌ أَنْزِلَ عليَّ فيه».
وقال ابن عباس (٥): وُلد نبيِّكم محمدٌ رَّهِ يومَ الاثنين، ونُتَّىءَ يومَ الاثنين .
وهكذا قال عُبيد بن عُمير ، وأبو جعفر الباقر ، وغيرُ واحدٍ من العلماء : إنه عليه الصلاة والسلام
أوحي إليه يوم الاثنين . وهذا ما لا خلافَ فيه بينهم .
ثم قيل : كان ذلك في شهر ربيع الأول كما تقدَّم عن ابن عباس وجابر أنَّه وُلد عليه السلام ، في الثاني
عشرَ من ربيع الأول يوم الاثنين ، وفيه بُعث ، وفيه عرج به إلى السماء : والمشهور أنه بُعث عليه الصلاة
والسلام في شهر رمضان ، كما نص على ذلك عُبيد بن عُمير ، ومحمد بن إسحاق وغيرهما .
قال ابن إسحاق مستدلاً على ذلك(٦) بما قال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِىّ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ
هُدًى لِلنَّاسِ﴾ [ البقرة: ١٨٥ ] فقيل في ثاني عشرة .
وروى الواقديُّ بسنده(٧) عن أبي جعفر الباقر أنه قال: كان ابتداءُ الوحي إلى رسول الله وَله يومَ
الاثنين ، لسبعَ عشرةً ليلةً خلَتْ من رمضان .
وقيل : في الرابع والعشرين منه .
(١) سقطت اللفظة من ح .
(٢) يعني في حديث البخاري المتقدم (ص١٨٨) ح(١).
(٣)
تفسير ابن كثير (٥٢٧/٤) تفسير سورة اقرأ .
تقدم الحديث في (ص ٣٠) في موضع الحاشية (٤) من هذا الجزء.
(٤)
حديث ابن عباس وتخريجه في ص (٣٠ ح ٥) من هذا الجزء، وسيأتي في ص (٤٤٠).
(٥)
(٦) سيرة ابن هشام (٢٣٩/١) والروض (٢٧٥/١).
(٧) طبقات ابن سعد (١٩٤/١).

١٩٤
ذكر عمره مائة وقت بعثته وتاريخها
قال الإمام أحمد(١): حدّثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدّثنا عمران أبو العوَّام ، عن قتادة ، عن
أبي المَليح ، عن واثِلَةَ بنِ الأسْقَع، أنَّ رسولَ اللهِوَّه قال: ((أَنْزِلَتْ صُحف إبراهيم في أولِ ليلةٍ من
رمضان ، وأُنْزلت التوراةُ لستٍّ مضَيْنَ من رمضان ، والإنجيل لثلاثَ عشرةَ ليلةً خلتْ من رمضان ، وأُنزل
القرآن (٢) لأربع وعشرين خلَتْ من رمضان)).
وروى ابن مردويه في (( تفسيره»، عن جابر بن عبد الله مرفوعاً نحوه ؛ ولهذا ذهب جماعةٌ من
الصحابة والتابعين ، إلى أنَّ ليلةَ القدر ليلةُ أربعٍ وعشرين .
وأما قول جبريل ( اقْرَأْ) فقال: (( ما أنا بقارىء )) فالصحيح أنَّ قوله (( ما أنا بقارىء )) نَفْيٌّ، أيْ لستُ
ممن يُحسن القراءة . وممن رجَّحه النووي ، وقَبْلَه الشيخ أبو شامة ؛ ومَنْ قال : إنها استفهامية ، فقوله
بعيد ، لأنَّ الباء لا تزاد في الإثبات . ويؤيد الأولَ روايةٌ أبي نعيم(٣) من حديث المعتمر بن سليمان عن
أبيه: فقال رسول الله وَّهَ ـ وهو خائف يُرْعَد -: (( ما قرأتُ كتاباً قطُ ولا أُحْسِنُه، وما أكتبُ وما أقرأ))
فأخذَهُ جبريل فَغَتَّهُ غنّاً شديداً. ثم تركه فقال له: اقرأ. فقال محمد وَ لّ: (( ما أرى شيئاً أقرؤه،
وما أقرأ ، وما أكتب)) - يُروى فغطّني كما في الصحيحين وغتَنِي، ويُروى قد غتَّني، أي: خنقَني (( حتى
بلغَ مني الجهد )) يُروى بضمِّ الجيم وفتحها وبالنَّصْب وبالرفع - وفعل به ذلك ثلاثاً .
قال أبو سليمان الخطابي (٤): وإنما فعل ذلك به ليبلُوَ صَبْرَه، ويُحسنَ تأديبهَ، فيرتاضَ لاحتمالٍ
ما كلَّفه به من أعباء النبوّة؛ ولذلك كان يَعْتَريه مثلُ حالِ المَحْموم، وتأخذُه الرُّحَضَاء - أي: البُهْر والعَرَق -.
وقال غيره : إنما فعل ذلك لأمور: منها أنْ يستيقظ لعظَمَةِ ما يُلقَى إليهِ بعد هذا الصَّنِيعِ المُشِقِّ على
النفوس ، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلًا فَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥] ولهذا كان عليه الصلاةُ والسلامُ إذا
جاءَهُ الوَحْيٌ يَحْمَرُ وَجْهُه، ويَغْطُ كما يَغْطُّ البَكْرُ من الإبل (٥)، ويتفصَّدُ جَبِينُهُ عَرَقاً في اليوم الشديد البَرْد .
وقوله (٦): فرجع بها رسولُ اللهَوَّل إلى خديجة يَرْجُفُ فؤادُه. وفي رواية: بَوَادِرُه ، جمع بادِرَة،
قال أبو عبيدة : وهي لحمة بين المنكب والعُنق . وقال غيره : هو عروقٌ تضطرب عند الفَزَع ، وفي
(١) مسند أحمد (١٠٧/٤). قال بشار: وإسناده ضعيف ، فقد تفرد به عمران بن داور القطان، وهو ممن لا يحتمل
تفرده لضعفه كما بيناه مفصلاً في تحرير التقريب (١١٤/٣)، ولكن له شاهد من حديث ابن عباس مرفوعاً، أخرجه
ابن عساكر من طريق علي بن أبي طلحة ، فهو به حسن انظر ( مختصر تاريخ ابن عساكر) (٣٥٨/٣).
(٢) في المسند : الفرقان .
(٣) ليس الخبر في المطبوع من الدلائل .
(٤) لم أجد قول الخطابي في كتابيه معالم السنن وغريب الحديث.
(٥) ((يغط)): من الغطيط، وهو الصوت الذي يخرج مع نَفَس النائم، وهو ترديده حيث لا يجد مساغاً. والبَكْر:
الفتيُّ من الإبل . النهاية واللسان ( غطط ، بكر ) .
(٦) أي في الحديث الذي أورده آنفاً .

١٩٥
ذکر عمره ماچ و قت بعثته وتاريخها
بعض الروايات ترجُف بآدِلُه، واحدتها بَأْدَلَةَ. وقيل بَأْدَل، وهو ما بين العُنقِ والتَّزْقُوة ، وقيل : أصْلُ
الثَّدْي ، وقيل : لحم الثَّدْيَيْن ، وقيل غير ذلك .
فقال: ((زَمَّلُوني زَمَّلُوني)) فلما ذهب عنه الرَّوْعُ قال لخديجة: (( ما لي؟ أيُّ شيءٍ عَرَضَ لي؟))
وأخبرها ما كان من الأمر، ثمّ قال: ((لقد خَشِيتُ على نفسي))، وذلك أنه شاهَدَ أمراً لم يَعْهَدْهُ قبل
ذلك ، ولا كان في خَلَدِه ، ولهذا قالت خديجة: أبْشِرْ، كلا والله لا يُخْزِيكَ اللهُ أبداً . قيل من الخِزْي ،
وقيل من الحُزن ، وهذا لعلمها بما أجرى اللهُ به جميلَ العوائدِ في خَلْقِهِ ، أي : مَنْ كان متصفاً بصفات
الخير لا يَخْزَى في الدنيا ولا في الآخرة . ثم ذكرتْ له من صفاتِهِ الجليلةُ(١) ما كان من سجاياه الحسنة .
فقالت : إنك لتصِلُ الرَّحِم ، وتَصْدُقُ الحديث - وكان مشهوراً بذلك صلواتُ الله وسلامه عليه عند الموافق
والمفارق - وتحمِلُ الكَلَّ؛ أي: عن غيرِك، تُعطي صاحبَ العَيْلَةِ(٢) ما يُرِيحُهُ من ثِقَلِ مُؤْنَةِ عِياله -
وتَكْسِبُ المَعْدُوم ، أي تسبقُ إلى فعل الخير ، فتبادر إلى إعطاء الفقير ، فتكسب حسنَتَه قبل غيرك .
ويسمَّى الفقيرُ مَعْدُوماً لأنَّ حياتَهُ ناقصة، فوجودُهُ وعَدَمُه سواء ، كما قال بعضهم(٣) : [من الخفيف ]
ليس مَن مات فاستراحَ بِمَيْتٍ إنَّما الميْتُ مَيِّتُ الأحْيَاءِ
وقال أبو الحسن التّهامي ، فيما نقله عنه القاضي عياض في شرح مسلم : [من الخفيف ]
عُدَّ ذا الفقرِ مَيِّتاً، وكُسَاهُ كَفَناً بالياً، ومأواهُ قَبْر(٤)
وقال الخطابي(٥) : الصواب: وتكسب المعدوم ، أي: تبذلُ إليه ، أو يكون : وَتكسِبُ المعدمَ
بعطيه مالاً يعيشُ به . واختار شيخُنا الحافظ أبو الحجاج المِزِّي أنَّ المراد بالمعدوم هاهنا المال المُعْطى ،
أي : يُعطي المال لمن هو عادِمُه. ومن قال: إن المراد تَكْسِبُ باتِّجَارِكَ المالَ المعدوم ، أو النفيس ،
القليل النظير، فقد أَبْعَدَ النُّجْعَة، وأَغْرَقَ في النَّزْعُ(٦)، وتكلَّف ما ليس له به علم ، وإنَّ مثل هذا لا يُمدَحُ
به غالباً ، وقد ضعَّف هذا القول عياضٌ والنووي وغيرُهما ، والله أعلم .
(١) في ح : الجميلة .
(٢) ((العَيْلَة)): الفقر والحاجة.
(٣) هو عدي بن الرعلاء الغساني ، قاله في عدة أبيات أوردها الحافظ ابن عساكر في ترجمته ، مختصر تاريخ دمشق لابن
منظور (٣٠٦/١٦) وتخريجها فيه وفي الحماسة الشجرية (١٩٤/١).
(٤) البيت من قصيدة في ديوان أبي الحسن التهامي (ص٣٧) يمدح بها الشريف أبا عبد الله محمد بن الحسين النصيبي
المتوفى سنة ٤٠٨ هـ .
(٥) لم أجد قول الخطابي في كتابيه معالم السنن وغريب الحديث .
(٦)
النَّجعة في الأصل : طلب الكلأ ومساقط الغيث ، وأبعد : اشتط وذهب بعيداً . والمراد هنا : أي اشتط في طلب هذا
المعنى . وأغرق في النزع : أي أغرق النازع في قوسه ، أي استوفى مدها ليصيب هذا المعنى البعيد ، وهو يضرب
مثلاً للغلو والإفراط التاج ( نجع ، بعد ، غرق ) .

١٩٦
ذكر عمره الحملة وقت بعثته وتاريخها
وتَقْري الضَّيْف - أي : تُكرِمُه في تقديم قِرَاه ، وإحسان مأواه . وتُعينُ على نوائب الحق . ويُروى:
الخير . أي : إذا وقعتْ نائبةٌ لأحدٍ في خير أعنتَ فيها ، وقمتَ مع صاحبها حتى يجد سِدَاداً من عَيْش ،
أو قِوَاماً من عيش، وقوله : ثم أخذَتْهُ فانطلقتْ به إلى ابن عمِّها وَرَقَة بن نوفل ، وكان شيخاً كبيراً قد
عَمِي. وقد قدَّمنا طرفاً من خبره مع ذكر زيد بن عمرو بن نُفَيل رحمه الله(١)، وأنَّهُ كان ممنْ تنصَّر في
الجاهلية ففارقهم ، وارتحل إلى الشام ، هو وزيد بن عمرو ، وعثمان بن الحُويرث ، وعُبيد الله بن
جَحْش، فتنصَّرُوا كلُّهم ، لأنهم وجدوه أقربَ الأديانِ إذْ ذاك إلى الحق ، إلا زيد بن عمرٍو بن نُقيل فإنه
رأى فيه دَخَلاً وتخبيطا٢ً) وتبديلاً وتحريفاً وتأويلاً . فأبَتْ فِطْرَتُه الدخولَ فيه أيضاً ، وبشَّروه : الأحبارُ
والرهبانُ(٣) بوجودِ نبيَّ قد أزِفَ زمانُه، واقتربَ أوَانُه، فرجع يتطلَّبُ ذلك، واستمرَّ على فطرته
وتوحيده ، لكن اخترمَتْهُ المنيَّةُ قبلَ البِعْثَةِ المحمدية ؛ وأدركها ورقةُ بن نوفل ، وكان يتوسَّمُها في
رسول الله ربَّه كما قدَّمنا بما كانتْ خديجةُ تَنْعَتُه له وتصفُه له، وما هو منطوٍ عليه من الصفات الطاهرة
الجميلة ، وما ظهر عليه من الدلائل والآيات، ولهذا لما وقع ما وقع أخذتْ بيدِ رسولِ الله وَله وجاءتْ به
إليه، فوقفت به عليه، وقالت: ابنَ عمُ(٤)، اسمعْ من ابنِ أخيك. فلما قصَّ عليه رسولُ الله ◌ِ له خَبَر
ما رأى قال ورقة : سُبُّوح سُبُّوح! هذا الناموسُ الذي أنزل على موسى - [ والناموسُ في اللغة : هو
الرسول في الخير ؛ والجاسوس : هو الرسول في الشر - وقال : الذي أنزله على موسى ]°) ، ولم يذكُره
عيسى ، وإنْ كان متأخِّراً بعد موسى، لأنه كانت شريعتُه مُتَمِّمَةً ومكمِّلةً لشريعةِ موسى عليهما السلام ،
ونسختْ بعضَها على الصحيح من قول (٦) العلماء. كما قال: ﴿ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾
[آل عمران: ٥٠]. وقولُ ورَقَةَ هذا كما قالت الجن: ﴿قَالُواْ يَقَوْمَنَآَ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَبًا أُنزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا
لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِىّ إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِقِ مُسْتَقِيمٍ﴾ [ الأحقاف: ٣٠].
ثم قال ورقة : يا ليتني فيها جَذَعا٧ً) . أي : يا ليتني أكونُ اليومَ شاباً متمكِّناً من الإيمان والعِلْم النافِعِ
والعملِ الصالح، يا ليتني أكون [اليوم شاباً متمكِّناً (٨) حَيّاً حين يُخرجك قومُك، يعني حتى أخرجَ معك
(١) ط (٢ / ٢٣٧، ٢٣٨).
(٢) الدَّخَل، محركة: الفساد والعيب والرِّيبة. والتخبيط: من الخبط في الظلام، وهو السير على غير هدى : اللسان
( دخل ، خبط ) .
(٣) كذا في ح ، ط ، وهو على لغة من قال : أكلوني البراغيث .
(٤) في ح : أي عم .
(٥) ما بين المعقوفين مستدرك في هامش ح .
(٦) في ح : قولي .
(٧) انظر (ص١٨٨ ح٥) .
(٨) ما بين المعقوفين مستدرك في هامش ح .

١٩٧
ذكر عمره مية وقت بعثته وتاريخها
وأنصرَكَ. فعندها قال رسول الله بَّةِ: ((أوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ؟)) قال السُّهَيْلي(١): وإنما قال ذلك، لأن فراقَ
الوطن شديدٌ على النفوس. فقال: نعم ، إنَّهُ لم يأتِ أحدٌ بمثلٍ ما جئتَ به إلا عُودي، وإنْ يُدْركني يومُك
أَنْصُرْكَ نصراً مؤزَّراً. أي : أنصركَ نصراً عَزِيزاً أبداً .
وقوله : ثم لم ينشَبْ ورقَةُ أنْ تُوُفِّي، أي : تُوقِّي بعدَ هذه القصة بقليل(٢) رحمه الله ورضي عنه ، فإنَّ
مثلَ هذا الذي صَدَر عنه ، تصديقٌ بما وجدوا ، إيمانٌ بما حَصَل من الوحي ، ونيّةٌ صالحة للمستقبل .
وقد قال الإمام أحمد (٣): حدّثنا حسن ، عن ابن لَهِيعة ، حدّثني أبو الأسود ، عن عروة ، عن
عائشة، أنَّ خديجةَ سألتْ رسولَ اللهَوَّرَ عن ورقَةَ بن نَوْفَل فقال: ((قَدْ رأيتُهُ [ في المنام ] فرأيتُ عليه
ثيابَ بَيَاضٍ، فأحسَبُهُ لو كانَ من أهلِ النارِ لَمْ يَكُنْ عليه ثيابُ بَيَاض)) .
وهذا إسنادٌ حسنٌ(٤) ، لكنْ رواهُ الزُّهْري وهشام عن عروة مرسلاً . فالله أعلم .
وروى الحافظُ أبو يَعْلَى(٥) عن سُرَيجُ(٦) بن يونس، عن إسماعيل ، عن مجالد ، عن الشعبي ، عن
جابر بن عبد الله، أنَّ رسولَ الله ◌ِ ◌ّرَ سُئل عن ورَقَةَ بن نَوْفل فقال: [قد رأيتُهُ فرأيتُ عليه ثيابَ
بَاضٍ (٧)، أَبْصَرْتُهُ في بُطْنَانِ الجنَّةِ وعليه السُّنْدُس (٨). وسُئل عن زيد بن عمرو بنِ نُفيل فقال :
((يُبْعَثُ يومَ القيامةِ أُمَّةً وَحْدَه)(٩). وسئل عن أبي طالب [ هل تَنْفَعُهُ نُبُؤَّتُك؟ ] فقال: (( [ نعم ] أخْرَجَتْهُ
من غَمْرَةٍ من جهنم إلى ضَحْضَاحِ منها )) . وسئل عن خَدِيجة - لأنَّها ماتَتْ قَبْلَ الفَرَائِضِ وأحكام القرآن -
فقال: (( أبْصَرْتُها على نَهَرٍ فيّ الجنَّةَ، في بيتٍ من قَصَب، لا صَخَب فيه ولا نَصَب))َ. إسنادٌ
حَسَنُ(١٠) ، ولبعضه شواهِدُ في الصَّحِيح . والله أعلم .
(١) الروض الأنف (٢٧٦/١).
(٢) ليست اللفظة في ح .
(٣) مسند أحمد (٦٥/٦) وما يأتي بين معقوفين منه.
(٤) هكذا قال رحمه الله، ومن أين يأتيه الحسن وهو من رواية ابن لهيعة وهو ضعيف، بل الصواب ما ذكره المصنف بعد
هذا أن الزهري رواه مرسلاً ( أخرجه عبد الرزاق ٩٧٠٩) . وروى الترمذي (٢٢٨٨) بإسناد ضعيف جداً فيه عثمان بن
عبد الرحمن الوقاصي - وهو متروك - عن الزهري عن عروة عن عائشة، وضَعّفه. ولكن صححه الحاكم (٣٩٣/٤)
فتعقبه الذهبي لظهور ضعفه الشديد . والخلاصة أنه لا يعرف إلا مرسلاً . ( بشار ) .
(٥) مسند أبي يعلى رقم (٢٨١) و(٢٠٤٧).
(٦) في ح ، ط: شريح تصحيف، والمثبت من مسند أبي يعلى والإكمال (٢٧٢/٤) وتهذيب الكمال (١٠/ ٢٢١).
(٧) ما بين المعقوفين ليس في مسند أبي يعلى .
(٨) في مسند أبي يعلى : عليه سندس ، وفيه تقديم السؤال عن أبي طالب ثم عن خديجة ثم عن ورقة ثم عن زيد ،
وما يأتي بين معقوفين منه .
(٩) زاد أبو يعلى : بيني وبين عيسى.
(١٠) هكذا قال رحمه الله وفي إسناده مجالد بن سعيد ليس بالقوي وتغير في آخر عمره كما قال الحافظ ابن حجر في =

١٩٨
ذكر عمره مميز وقت بعثته وتاريخها
وقال الحافظ أبو بكر البزَّار(١): حدّثنا عُبيد بن إسماعيل، حدّثنا أبو أسامة ، عن هشام بن عروة ،
عن أبيه، عن عائشة. قالت: قال رسول الله بَّهُ: ((لا تَسُبُوا وَرَقَةَ، فإني رأيتُ له جنَّةً أو جنَّتَيْنِ)).
وكذا رواه ابنُ عساكر(٢) من حديث أبي سعيد الأشجّ ، عن أبي معاوية ، عن هشام ، عن أبيه ، عن
عائشة ؛ وهذا إسنادٌ جيد . ورُوي مرسلا ، وهو أشبه .
وروى الحافظان : البيهقيّ وأبو نعيم في كتابيهما (( دلائل النبوة)(٣) ، من حديث يونس بن بُكير ،
عن يونس بن عمرو، عن أبيه، عن عمرو بن شرحبيل، أنَّ رسول اللهَوَ ◌ّل قال لخديجة: ((إني إذا خلَوْتُ
وحدي سمعتُ نداءً ، وقد خَشِيت والله أنْ يكون لهذا أمر)) . قالت : معاذَ الله ، ما كان ليفعل ذلك بك ،
فوالله إنك لَتُؤَدِّي الأمانة، وتصِلُ الرَّحِم،، وتَصْدُق الحديث، فلما دخل أبو بكر وليس رسول الله وله
ثم ذكرتْ له خديجةُ، فقالت: يا عَتِيقَ(٤)، اذهبْ مع محمدٍ إلى وَرَقة. فلما دخل رسولُ اللهِ وَ ليل أخذ
بيده أبو بكر فقال: انطلقْ بنا إلى ورقة. قال: (( ومنْ أخبرك؟ )) قال : خديجة ، فانطلقا إليه فقصًا
عليه. فقال رسول الله وَله: ((إني إذا خلوتُ وحدي سمعتُ نداءً خَلْفي: يا محمد ، يا محمد ، فأنطلقُ
هارباً في الأرض )) . فقال له : لا تفعلْ ، إذا أتاك فاتْبُتْ، حتى تسمعَ ما يقولُ لك ، ثم اثْتني فأخْبرني .
فلما خلا ناداه : يا محمد قُلْ ﴿ يِسْمِ الِّ الََّنِ الرَّحَمَةِ قَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِ الْعَلَمِينَ﴾ حتى بلغ
﴿ وَلَ الضَّالِّينَ﴾ قُلْ لا إله إلا الله. فأتى وَرَقَة، فذكرَ له ذلك ، فقال له ورقة : أبْشِرْ، ثم أبشر . فأنا
أشهدُ أنك الذي بشَّرَ بك(٥) ابنُ مريم ، وأنك على مثل ناموس موسى، وأنك نبيٌّ مُرسل ، وأنَّك ستؤمر
بالجهاد بعد يومِك هذا، ولئن أدركني ذلك لأجاهدَنَّ معك. فلما توفي [ورقة] قال رسولُ الله ◌ِالخبر:
(( لقد رأيتُ القَسَّ في الجنة عليه ثياب الحرير(٦)، لأنه آمن بي وصدَّقني)) يعني ورقة.
هذا لفظ البيهقي ، وهو مرسل ، وفيه غرابة ، وهو كونُ الفاتحةِ أول ما نزل ، وقد قدَّمنا من شعره
ما يدلُّ على إضمارِهِ الإيمان وعَقْدِهِ عليه وتأكده عنده ، وذلك حين أخبرته خديجةُ ما كان من أمره مع
التقريب ، وقال البخاري : كان يحيى بن سعيد يضعفه ، وكان عبد الرحمن بن مهدي لا يروي عنه شيئاً ، وكان
=
أحمد بن حنبل لا يراه شيئاً يقول : ليس بشيء، وضعفه ابن سعد، والجوزجاني ، وأبو داود، والترمذي ،
والدار قطني ، والنسائي في أصح الروايات عنه وغيرهم. كما هو مبين في تهذيب الكمال (٢٢١/٢٧ -٢٢٥) وتعليقنا
عليه ( بشار ) .
(١) مجمع الزوائد (٩/ ٤١٦) وقال الهيثمي: رواه البزار متصلاً ومرسلاً، وزاد في المرسل ((كان بين أخي ورقة وبين
رجل كلام ، فوقع الرجل في ورقة ليغضبه والباقي بنحوه ، ورجال المسند والمرسل رجال الصحيح)) .
(٢) ليس الخبر في قسمي السيرة ١ و٢ من تاريخ ابن عساكر المطبوع بمجمع اللغة العربية بدمشق وهو في (٢٤/٦٣).
(٣) دلائل النبوة للبيهقي (١٥٨/٢) وما يأتي بين معقوفين منه، ولم أجد في المطبوع من دلائل أبي نعيم.
(٤) سقطت اللفظة من ح .
(٥) في الدلائل : به .
(٦) في ح: حَبَر وهو جمع حِبَرَة ، ضرب من برود اليمن ، والمثبت من ط والدلائل.

١٩٩
ذکر عمره مه و قت بعثته و تاريخها
غلامها ميسرة ، وكيف كانت الغمامة تظلِّلُه في هَجير القَيْظ . فقال ورقةُ في ذلك أشعاراً قدَّمناها قبل هذا ،
منها قوله : 1 من الوافر !
لَحِجْتُ وكنتُ في الذّكرى لَجُوجاً
ووصفٍ من خديجةَ بعدَ وصفٍ
ببطنِ المِكَّتَيْنِ على رجائي
بما خبَّرْتِنا من قولٍ قَسِّ
بأنَّ محمداً سيسودُ قوماً
ويُظهرُ في البلادِ ضياءَ نورٍ
ويلقى مَنْ يُحاربُهُ خَساراً
فياليتي إذا ما كانَ ذاكم
ولو كانَ الذي كرهتْ قريشٌ
أُرَّي بالذي كرهوا جَميعاً
فإن يَبْقَوا وأبْقَ تكنْ أمورٌ
وقال أيضاً في قصيدته الأخرى : [ من الطويل ]
وأخبارٍ صدقٍ خَبَّرَتْ عن محمَّدٍ
بأنَّ ابنَ عبدِ الله أحمدَ مرسلٌ
وظنِّي به أنْ سوفَ يُبْعَثُ صادِقاً
وموسى(٤) وإبراهيمُ حتى يُرى له
ويتبعُه حيًّا لؤيٍّ بنِ غالبٍ (٦)
فإنْ أبقَ حتى يدركَ الناسُ دهرَهُ
وإلا فإني يا خديجةُ فاعلمي
لأمرٍ طالما بعث النَّشِيجا
فقد طالَ انتظاري يا خَديجا
حديثَكِ أنْ أرى منهُ خُروجا
من الرُّهْبان أكرهُ أنْ يَعُوجا
ويَخْصِمُ مَنْ يكونُ له حَجيجا
يقيمُ به البرِيَّةَ أنْ تَعُوجه(١)
ويَلقى مَنْ يسالمه فُلُوج(٢)
شَهِدْتُ وكنتُ أوَّلَهُم وُلُوجا
ولو عَجَّتْ بمكَّتِها عَجيجا
إلى ذي العرشِ إذ سَفَلُوا عُروجا
يَضِجُّ الكافرونَ لها ضَجِيجاً(٣)
يخبِّرُها عنهُ إذا غابَ ناصحُ
إلى كلِّ من ضُمَّتْ عليه الأباطح
كما أُرسِلَ العَبْدانِ هودٌ وصالح
بهاءٌ ومنشورٌ من الذِّكْرِ(٥) واضح
شبابُهمُ والأشْيَبُونَ الجحاجح
فإني إذاً مستبشرُ الودِّ فَارِعُ
عن أرضِكِ في الأرضِ العَرِيضة سائح(٧)
(١) كذا في ح، ط وفي سيرة ابن هشام (١/ ١٩٢): تموجا، وهو أشبه ، لأن عوِجَ من باب تعب بمعنى التوى فمضارعه
يَغْوَج .
(٢) فلج فلوجاً من باب قعد: ظفِر بما طلب. المصباح ( فلج ).
(٣) في ح: بها . والأبيات في سيرة ابن هشام (١/ ١٩١، ١٩٢).
(٤) هذه رواية ط والروض ، وفي ح : ونوح وإبراهيم.
(٥) في ط : منشور من الحق .
(٦) في الروض : ويتبعه حيا لؤي جماعة .
(٧) الأبيات في الروض (٢٢٠/١، ٢٢١).

٢٠٠
ذکر عمره ژاژ و قت بعثته و تاريخها
وقال يونس بن بكير عن ابن إسحاق قال ورَقَةُ (١) : [من الطويل ]
فإنْ يكُ حقاً يا خديجةُ فاعلمي
وجبريلُ يأتيه وميكالُ معْهُما
يفوزُ به مَن فازَ فيها بتوبةٍ
فريقان منهمْ فِرْقةٌ في چِنانِهِ
إذا ما دَعوا بالويلِ فيها تتابعتْ
فسُبحانَ من يُهوِي الرياحَ بأمره
ومَن عرشُه فوق السمواتِ كلِّها
وقال ورقة أيضا٥ً) : [ من البسيط ]
يا لَلرِّجالِ وصَرْفِ الدهر والقدَرِ
حتى خديجةُ تدعوني لأُخبرَها
وخبَّرَتْني بأمرٍ قد سمعتُ به
بأنَّ أحمدَ يأتيهِ ويخبرُه
فقلتُ علَّ الذي ترجينَ يُنجزُه
وأرسليه إلينا كي نُسائلَهُ
فقالَ - حين أتانا - مَنطِقاً عَجَباً
إني رأيتُ أمينَ الله واجَهَني
ثم استمر فكاد٦) الخوفُ يَذْعَرُني
فقلتُ ظِنِّي وما أدري أيصدُقني
وسوف أُنبيك (٧) إن أعلنتَ دعوتَهُم
حديثُكَ إيَّانا فأحمدُ مرسَلُ
من اللّهِ وحيٌّ يشرحُ الصَّدْرَ مُنْزَل
ويشقى به العاني الغريرُ المضلَّل(٢)
وأُخرى بأجْوازِ الجحيم تُغَلَّلُ (٣)
مقامعُ في هاماتهمْ ثمَّ تُشْعَلُ
ومن هو في الأيام ما شاءَ يفعل
وأقضاؤه(٤) في خَلْقِه لا تُبدَّل
وما لشيءٍ قضاهُ اللهُ من غِيرٍ
أمراً أراهُ سيأتي الناسَ من أُخُرِّ
فيما مضى من قديم الدهرِ والعُصُر
جبريلُ أنَّكَ مبعوثٌ إلى البَشَر
لكِ الإلهَ فرجِّي الخيرَ وانتظري
عن أمرِهِ ما يرى في النوم والسَّهَر
يَقِفُّ منه أعالي الجِلْدِ والشَّعَرِ
في صورةٍ أُكملتْ من أعظم الصور
مما يسلِّم مِنْ حولي من الشجر
أنْ سوفَ يُبْعَثُ يتلو مُنْزَل الشُّور
من الجهادِ بلا مَنٍّ ولا كَدَر
هكذا أورد ذلك الحافظ البيهقي من (( الدلائل)) وعندي في صحتها عن ورقةَ نظر ، والله أعلم .
[ وقال ابن إسحاق: حدّثني عبد الملك بن عبد الله بن أبي سفيان بن العلاء بن جارية الثقفي - وكان
(١) الأبيات في دلائل البيهقي (٢/ ١٥٠).
في دلائل البيهقي : ويشقى بها العاتي الغوي المضلل . وهو أشبه ، ويحتمل : العاني إذا كان أسِيراً للأهواء.
(٢)
(٣)
الجَوْز من كل شيء وسطه وجمعه أجواز . وتُغَلّل : تدخل فيها . اللسان ( جوز ، غلل ) .
(٤)
كذا في ح ، ط والدلائل للبيهقي .
(٥)
الأبيات في دلائل البيهقي (٢/ ١٥٠).
(٦)
في ح : فكان .
(٧) في ح : أبليك، وفي ط : يبليك . والمثبت من الدلائل .