النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
باب في هواتف الجان
الْقَوْهمُ(١) غُدَيَّة، واشربوا الخمر عشيّة. قال: فلقيناهم. فهزمونا وغلبونا، فرجعنا إليه فقلنا :
ما حالك ؟ وما الذي صنعتَ بنا ؟ فنظرنا إليه وقد احمرَّت عيناه وانتصبتْ(٢) أذناه وانبرم غضبان(٣) حتى
كاد أن ينفطر ، وقام ؛ فركبنا واغتفرنا هذه له ، ومكثنا بعد ذلك حيناً ، ثم دعانا فقال : هل لكم في غزوةٍ
تهب لكم عِزّاً ، وتجعل لكم حِرْزاً ، ويكون في أيديكم كنزاً ؟ فقلنا : ما أحوجنا إلى ذلك! فقال : اركبوا
فركبنا فقلنا : ما تقول ؟ فقال : بنو الحارث بن مسلمة ، ثم قال : [ قفوا . فوقفنا، ثم قال }٤) : عليكم
بفَهْم، ثم قال : ليس لكم فيهمٍ دم ، عليكم بمُضَر، هم أربابُ خيلٍ ونَعَم . ثمّ قال : لا ، رَهْطُ دُريد بن
الصِّمَّة ، قليلُ العدد ، وفيُّ الذَّمَّة . ثمّ قال: لا ، ولكن عليكم بكعب بن ربيعة، واسكنوها ضيعة(٥)
عامر بن صعصعة ، فليكن بهم الوقيعة قال : فَلَقيناهم ، فهزمونا وفضحون(٦) ، فرجعنا وقلنا : ويلك!
ماذا تصنع بنا ؟ قال : ما أدري ، كذَّبني الذي كان يصدُقني ؛ اسجنوني في بيتي ثلاثاً ، ثمّ ائتوني . ففعلنا
به ذلك، ثمّ أتيناه بعد ثالثة ففتحنا عنه ، فإذا هو كأنه جمرة (٧) نار ، فقال : يا معشر دَوْس ، حُرستِ
السماء ، وخرج خير الأنبياء . قلنا : أين ؟ قال : بمكة وأنا مَيِّت ، فادفنوني في رأس جبل ، فإني سوف
أضطرمُ ناراً ، وإنْ تركتموني كنتُ عليكم عاراً ، فإذا رأيتمُ اضطرامي وتلهُبي ، فاقذفوني بثلاثةٍ أحجار ،
ثمّ قولوا مع كل حجر : باسمك اللهمّ . فإني أَهْدَى وأطْفَى (٨). قال: وإنَّه مات ، فاشتعل ناراً ، ففعلنا
به ما أمر ، وقذفناه بثلاثةٍ أحجار ، نقول مع كلِّ حجر : باسمك اللهم . فخمد وطَفِىء ، وأقمنا حتى قدم
علينا الحاج ، فأخبرونا بمبعثك يا رسول الله . غريب جداً .
وروى الواقدي(٩) عن ابن أبي ذئب ، عن مسلم بن جُنْدُب ، عن النَّضْر بن سفيان الهُذَلي ، عن
أبيه ، قال : خرجنا في عيرٍ لنا إلى الشام، فلما كنا بين الزَّرْقاء ومَعَالُ ١٠) قد عرَّسْنا من
(١) في ط : انفوهم والمثبت من ح والهواتف وابن عساكر .
(٢) في الهواتف : وابيضَّت .
(٣) في الهواتف: وانزمَّ غضباً. وغضباناً . كذا بالتنوين على لغة بني أسد في تأنيثه على غضبانة . ومن ثم صُرف .
التاج ( غضب ) .
(٤) ليس ما بين المعقوفين في ح .
(٥)
كذا في ح ، ط وفي الهواتف وابن عساكر : واشكروها صنيعة . وهو أشبه .
(٦) في هامش ح : خـ وقصمونا .
(٧)
في ط : حجرة . والمثبت من ح والهواتف وابن عساكر .
يعني : أهدأ وأطفأ ، وهي رواية الهواتف وابن عساكر .
(٨)
(٩) رواه ابن سعد عن الواقدي في الطبقات (١/ ١٦١) وذكره السيوطي في الخصائص (١/ ١٠٤) وقال أخرجه ابن سعد
وأبو نعيم [ ستأتي الإشارة إليه ] وابن عساكر .
(١٠) ((الزرقاء)): موضع بالشام بناحية مَعان. معجم البلدان (٣/ ١٣٧) وتقع إلى الشمال الشرقي من عمَّان. ومَعَان:
بالفتح ، والمحدثون يقولونه بالضم : مدينة في طرف بادية الشام تلقاء الحجاز من نواحي البلقاء [ عمَّان ] . معجم
البلدان (١٥٣/٥) وتقع إلى الشمال الشرقي من العقبة.

١٦٢
باب في هواتف الجان
الليل(١)، فإذا بفارس يقول وهو بين السماء والأرض: أيها النيام هُّوا ، فليس هذا بحينِ رُقاد ، قد خرج
أحمد ، فطُرِّدت الجنُّ كلَّ مُطَّرَد .
ففزعنا ونحن رفقة حَزَاوِرَهُ(٢) ، كلُّهم قد سمع بهذا ، فرجعنا إلى أهلنا ، فإذا هم يذكرونَ اختلافاً
بمكّة بين قريش ، في نبيٍّ قد خرج فيهم ، من بني عبد المطلب اسمه أحمد. ذكره أبو نُعيم(٣).
وقال الخرائطي(٤): حدّثنا عبد الله بن محمد البَلَوي بمصر، حدّثنا عمارة بن زيد، حدّثني عبد الله(٥)
ابن العلاء، حدّثنا يحيى بن عروة، عن أبيه، أنَّ نفراً من قريش، منهم وَرَقَةُ بن نوفل بن أسد بن عبد العُزَّى
ابن قُصَيّ، وزيد بن عمرو بن نُفَيْل، وعُبيد الله(٦) بن جَحْش بن رئاب، وعثمان بن الحُويرث ، كانوا
عند صنم لهم يجتمعون إليه ، قد اتخذوا ذلك اليومَ من كلِّ سنةٍ عيداً ، كانوا يعظّمونه وينحرون به
الجَزُور(٧)، ثم يأكلونَ ويشربونَ الخمر ، ويعكفُون عليه ؛ فدخلوا عليه في الليل فرأَوْه مكبوباً على
وجهه ، فأنكروا ذلك ، فأخذوه فردُّوه إلى حاله ، فلم يلبث أن انقلب انقلاباً عنيفاً ، فأخذوه فردُّوه إلى
حاله ، فانقلب الثالثة ، فلما رأوا ذلك اغتمُّوا له وأعظموا ذلك . فقال عثمان بن الحُويرث : ماله قد أكثر
التنكُّس؟ إنَّ هذا لأمرٍ قد حدث! وذلك في الليلة التي ولد فيها رسولُ اللهَ وَ ل فجعل عثمان يقول: [من الطويل]
صَناديدُ وفدٍ من بعيدٍ ومن قُرْب
أيا صنمَ العيدِ الذي صُفَّ حولَهُ
أذاكَ سفيهٌ أن تنكَّستَ للعَتْب (٨)
تنكَّستَ مغلوباً فما ذاكَ قُلْ لنا
نَبُّوءُ بإقرارٍ ونُلْوي عن الذَّنْبِ
فإن كان من ذَنْبٍ أتينا فإننا
فما أنتَ في الأوثانِ بالسيِّدِ الربِّ
وإنْ كنتَ مغلوباً ونُكِّستَ صاغراً
قال : وأخذوا الصنم فردُّوه إلى حاله ، فلما استوى هتف بهم هاتفٌ(٩) من الصنم بصوتٍ جهير،
وهو يقول : [ من الطويل ]
(١) ((التعريس)): نزول المسافر آخر الليل نزلةً للنوم والاستراحة. النهاية (٢٠٦/٣ / عرس).
(٢) في ط : حزورة ، وفي ح: حراورة بالراء المهملة ، وفي الطبقات: جرارة . والمثبت من دلائل أبي نعيم
والخصائص للسيوطي والنهاية (١/ ٣٨٠/ حزور) وفيه: جمع حَزْوَر، وهو الذي قارب البلوغ، والتاء التأنيث الجمع.
(٣) في دلائل النبوة (١٣٣/١)، وإسناده ضعيف جداً.
(٤) في هواتف الجنان (ص ١٥٧) وأخرجه ابن عساكر في تاريخه (٣٤٢/١) عن الخرائطي.
(٥) كذا في ط وتاريخ ابن عساكر، وفي ح والهواتف : عبيد الله وسيأتي بهذا اللفظ في (ص ١٦٥) موضع الحاشية (٢)
ولم أقف على ترجمته .
(٦) في ح ، ط : عبد الله تصحيف ، والمثبت من الهواتف وتاريخ ابن عساكر وسيرة ابن هشام (٢٢٢/١) والروض
(٢٥٣/١) وجمهرة الأنساب (ص١٩١) والتاج ( جحش ) .
(٧) في الهواتف وابن عساكر : الجُزُر . والجَزُور : الناقة ، جمع جُزُر .
(٨) في تاريخ ابن عساكر : تكوست مقلوباً .
(٩) في ح : هتف به هاتفا . والمثبت من ط والهواتف وتاريخ ابن عساكر.

١٦٣
باب في هواتف الجان
تردّى لمولودٍ أنارتْ بنورِهِ
وخرّتْ له الأوثانُ طُرّاً وأُرعدتْ
ونارُ جميعِ الفُرْس باختْ وأظلمت
وصدّتْ عَن الكُهَّان بالغيبِ جِنُّها
جميعُ فِجاجِ الأرضِ في الشّرق والغربِ
قلوبُ ملوكِ الأرضِ طُرّاً من الرُّعْبِ
وقد بات شاهُ الفرسِ في أعظَم الكَرْبِ(١)
فلا مخبرٌ عنه بحقٍّ ولا كِذْبِ
وهُّوا إلى الإسلام والمنزلِ الرَّحْبِ
فيالَ قُصَيٍّ ارجعوا عن ضلالِكم
قال : فلما سمعوا ذلك خلَصُوا نَجِيّاً ، فقال بعضهم لبعض : تصادقوا ولْيَكْتُمْ بعضكم على بعض ،
فقالوا: أجل . فقال لهم ورقة بن نوفل : تعلمون والله ما قومكم على دين ، ولقد أخطؤوا المحَجَّةُ(٢) ،
وتركوا دينَ إبراهيم ؛ ما حجَرٌ تُطيفونَ به ، لا يسمع ولا يُبصر ، ولا ينفع ولا يضرّ! يا قوم ، التمسوا
لأنفسكم الدين . قال : فخرجوا عند ذلك ، يضربون في الأرض ، ويسألون عن الحنيفيَّةِ ، دين إبراهيم
عليه السلام .
فأمَّا ورقة بن نوفل فتنصَّر ، وقرأ الكتب حتى علم علماً ؛ وأما عثمان بن الحُويرث فصار(٣) إلى قيصر
فتنصَّر وحسنت منزلته عنده ؛ وأما زيد بن عمرو بن نُفيل فأراد الخروج فحُبس ، ثم إنه خرج بعد ذلك
فضرب في الأرض ، حتى بلغ الرقَّةَ من أرض الجزيرة ، فلقي بها راهباً عالماً فأخبره بالذي يطلب ، فقال
له الراهب : إنك لتطلبُ ديناً ما تجدُ منْ يحملك عليه، ولكنْ قد أظلَّكَ زمانُ نبيٌّ يخرج من بلدك، يُبعث
بدين الحنيفيَّة . فلما قال له ذلك رجع يريدُ مَّة ، فغارت عليه لَخْمٌ فقتلوه ؛ وأما عُبيد الله بن جَحْش فأقام
بمكة حتى بُعث النبيُّ ◌َّ ثم خرج مع من خرج إلى أرض الحبشة، فلما صار بها تنصَّر وفارق الإسلام،
فكان بها حتى هلك هنالك نصرانياً .
تقدم في ترجمة يزيد بن عمرو بن نُقيل له شاهد(٤)
وقال الخرائطي(٥): حدّثنا أحمد بن إسحاق بن صالح أبو بكر الوزَّانُ(٦) ، حدّثنا عمرو بن عثمان ،
(١) ((باخت النار)): سكنت وفترت. وأبختها: أطفأتها. الأساس والتاج ( بوخ).
(٢) في ح، ط: الحجة. والمثبت من الهواتف. والمَحَجة : الطريق المستقيم .
(٣) في ط : فسار ، والمثبت من ح والهواتف .
ورد ذلك في الجزء الثاني من هذا الكتاب .
(٥) في هواتف الجنان (ص ١٦٠) وأخرجه ابن عساكر عن الخرائطي في تاريخه (ج عبادة - عبد الله بن ثوب)
(ص٢٣٧، ٢٣٨) وإسناده تالف فإن محمد بن عبد العزيز بن عمر الزهري منكر الحديث (الميزان ٦٢٨/٣) ورواه
ابن هشام عن بعض أهل العلم بالشعر في السيرة (٤٢٧/٢) ورواه السهيلي في الروض (١٢٠/٤) عن ابن أبي الدنيا
بإسناده عن الزهري به ، وأسانيده كلها ضعيفة .
(٤)
(٦) وقع في ط ومطبوعة الهواتف وتاريخ ابن عساكر : الوراق . وهو تصحيف ، والصواب من ح وأصل الهواتف
والجرح والتعديل (٤١/٢) وتاريخ بغداد (٢٨/٤) والأنساب للسمعاني (ق٥٨٢ ب) (ط : مرغوليوث - ليدن).

١٦٤
باب في هواتف الجان
حدّثني أبي، حدّثني(١) عبد الله بن عبد العزيز، حدّثني محمد بن عبد العزيز، عن الزُّهْري عن
عبد الرحمن بن أنس السُّلمي ، عن العباس بن مرداس ، أنَّه كان يُغير(٢) في لقاحٍ له نصفَ النهار ، إذْ
طلعتْ عليه نعامةٌ بيضاء ، عليها راكبٌ عليه ثيابُ بياض مثل اللَّبَن ، فقال : يا عباس بن مِزْدَاس ، ألم ترَ
أنَّ السماءَ قد كفَّتْ أحراسَها ، وأنَّ الحرب تجرَّعتْ أنفاسها ، وأنَّ الخيل وضعتْ أحلاسها٣) ، وأنَّ
الدِّين(٤) نزل بالبرِّ والتقوى، يومَ الاثنين ليلةَ الثلاثا ، صاحب الناقة القَصْو(٥) . قال : فرجعتُ مَرْعوباً قد
راعني ما رأيتُ وسمعت، حتى جئتُ وثناً لنا يُدعى الضّمار(٦)، وكنَّا نعبدُه ونُكَلَّم من جَوْفه ؛ فكنستُ
ما حوله ، ثمّ تمسَّحْتُ به وقبَّلْته ، فإذا صائحٌ ، من جوفه يقول : [ من الكامل ]
هلكَ الضّمَارُ(٣) وفازَ أهلُ المسجدِ
قلْ للقبائلِ من سليمٍ كُلِّها
قبلَ الصلاةِ مع النبيِّ محمَّدٍ
هلكَ الضّمَارُ (٣) وكان يعبدُ مَرَّةً
بَعْدَ ابْنِ مريمَ من قريشٍ مهتدِ(٧)
إنَّ الذي ورِثَ النبوَّةَ والهُدَى
قال : فخرجتُ مَرْعُوباً حتى أتيتُ قومي ، فقصصتُ عليهم القصة ، وأخبرتُهم الخبر ، وخرجتُ في
ثلاثمئة من قومي من بني حارثة إلى رسول الله وهو وهو بالمدينة ، فدخلنا المسجد ، فلما رآني رسولُ الله
(١) في ط : حدثنا ، والمثبت من ح والهواتف .
(٢) في ط : يعر . والمثبت من ح والهواتف وتاريخ ابن عساكر، وفي رواية أخرى عند ابن عساكر (ص٢٣٨): بغمرة،
وغمرة موضع بالحجاز في طريق مكة .
(٣) ((أحلاس)): جمع حِلس: وهو ما ولي ظهر الدابة تحت الرحل والقتب والسرج. المعجم الوسيط ( حلس ) .
(٤) في ط : الذي ، والمثبت من ح والهواتف وتاريخ ابن عساكر .
(٥) القصوا: بألف من غير همز، مراعاة للفاصلة في السجع كما في ح والقصواء: لقب ناقة رسول الله إليه ،
والقصواء : الناقة التي قطع طرف أذنها ، ولم تكن ناقة النبي وَلقر قصواء، وإنما كان هذا لقباً لها. وقيل : كانت
مقطوعة الأذن . النهاية (٧٥/٤/ قصو) . والعبارة كما يبدو مضطربة ، وكذا هي في الهواتف ، وكذا رواها ابن
عساكر عن الخرائطي ، ولابن عساكر (ص٢٣٩) رواية أخرى عن سليمان بن الحسن عن عمرو بن عثمان به وفيها :
(( مع صاحب الناقة القصوى )) وكذا في الرواية عند أبي نعيم الآتي ذكرها ، وبهذه الرواية يزول الاضطراب من رواية
الخرائطي والله أعلم .
(٦) في ح ، ط وأصل الهواتف وأصول تاريخ ابن عساكر : الضماد ، بالدال المهملة والمثبت من السيرة النبوية والروض
الأنف ومعجم البلدان (٤٦٢/٣) والتاج ( ضمر) . وضبطه السهيلي في الروض وياقوت: ضَمَار . على وزن
فَعَالِ. وضبطه صاحب التاج (( ضِمار)) بكسر أوله . وقال السهيلي: هو مثل حَذَام ورقاشٍ ، ولا يكون مثل هذا
البناء إلا في أسماء المؤنث ، وكانوا يجعلون آلهتهم إناثاً كاللات والعزى ومناة لاعتقادهم الخبيث في الملائكة أنها
بنات . وفي ضمار لغة أهل الحجاز وبني تميم البناء على الكسر لا غير من أجل أن آخره راء ، وما لم يكن في آخره
راء كخدام ورقاش فهو مبني في لغة أهل الحجاز ومعرب غير مجرى في لغة غيرهم ، كذلك قال سيبويه .
الكتاب (٢٧٨/٣ -٢٨١) (ط هارون)، (٤١/٢) (ط بولاق).
(٧) الأبيات في المصادر السابقة على خلاف في بعض الألفاظ .

١٦٥
باب في هواتف الجان
حَ﴿ قال لي: ((يا عباس، كيف كان إسلامُك))؟ فقصصت عليه القصة. قال: فسُرَّ بذلك، وأسلمتُ أنا
وقومي .
ورواهُ الحافظ أبو نعيم في (( الدلائل)(١) من حديث أبي بكر بن أبي عاصم ، عن عمرو بن عثمان
به .
ثمّ رواهُ أيضا٢ً) من طريق الأصمعي ، حدّثني الوصافي ، عن منصور بن المعتمر ، عن قَبيصة بنِ
عمرو بن إسحاق الخُزاعي ، عن العبّاس بن مِرْداس السُّلَمي قال: [ كان ] أوّل إسلامي أنَّ مِزداساً أبي لما
حضرَتْهُ الوفاةُ أوصاني بصنمٍ له يقال ضمار(٣)، فجعلتُه في بيت وجعلتُ آتيهِ كُلَّ يوم مرَّة ، فلما ظهر
النبيُّ ◌َ﴾ [إذْ] سمعتُ صوتاً مرسلاً في جَوْفِ اللَّيل راعني، فوثبتُ إلى ضمار(٣) مستغيئاً، وإذا بالصوت
من جوفه وهو يقول : [ من الكامل ]
هلك الأنيسُ وعاش أهلُ المسجدِ
قل للقبيلة من سُلَيْمٍ كُلِّها
قبل الكتابِ إلى النبيِّ محمَّدٍ
أودى ضمار(٣) وكان يُعْبَدُ مرة٤ً)
بعدَ ابنِ مَرْيمَ من قريشٍ مُهْتَدِ
إنَّ الذي وَرِثَ النبوَّةَ والهُدى
قال : فكتمتُه(٥) الناسَ ، فلما رجع الناسُ من الأحزاب ، بينا أنا في إبلي بطرَفِ العَقيق من ذاتِ عِرْقٍ
راقدا٦ً) ، سمعتُ صوتاً ، وإذا برجلٍ على جناح نعامةٍ وهو يقول : النورالذي وقعَ ليلةَ الثلاثاء مع صاحب
الناقة العَضْباء(٧) في ديار إخوان بني العنقاء. فأجابه هاتفٌ من شماله وهو يقول: بَشِّرِ الجِنَّ وإبلاسَها أنْ
وضَعتِ المَطِيُّ أحلاسَهَا ، وكَلأَتِ السماءُ أحراسَها . قال: فوثبتُ مذعُوراً، وعلمتُ أنَّ محمداً مُرْسَل ،
فركبتُ فرسي وأحثثتُ(٨) السيرَ حتى انتهيتُ إليه، فبايعتُه ثم انصرفت إلى ضمار(٩) ، فأحرقتُه بالنار ، ثم
رجعتُ إلى رسول الله وَ ليهِ فأنشدتُه شعراً أقول فيه: [ من الطويل]
(١) ليست هذه الرواية في المطبوع من دلائل النبوة لأبي نعيم .
(٢) في الدلائل (١/ ١٤٦) وما يأتي بين معقوفين منه ، وذكره السيوطي في الخصائص ، وقال فيه : أخرجه ابن جرير
والمعافى بن زكريا وابن الطراح في كتاب الشواعر بأسانيدهم . قال بشار : وهذه الأسانيد كلها غير معروفة وكثير منها
مختلق ، وكذلك أكثر ما أورده الخرائطي في كتابه .
(٣) في ح ، ط وأصل الدلائل : ضماد . وسبقت الإشارة إليه في الصفحة السابقة ح٦.
(٤) في الدلائل : مدة .
(٥) في ح : فكتمه .
(٦) ((العقيق)): ببطن وادي ذي الحُلَيفة، وهو الأقرب منها، وهو الذي جاء فيه أنه مهلُّ أهل العراق من ذات عِرْق .
معجم البلدان (١٣٩/٤ / العقيق) .
(٧) ((العضباء)): ناقة النبي وَ الر، وعضباء: أي مشقوقة الأذن، ولم تكن مشقوقة الأذن. النهاية (٢٥١/٣/ عضب).
(٨) في ط : واحتثثت . وفي الدلائل: وأجشمت . والمثبت من ح .
(٩) في ح ، ط : وأصل الدلائل : ضماد .

١٦٦
باب في هواتف الجان
لعمرُكَ إِنِّي يومَ أجعلُ جاهلاً
وتَرْكي رسولَ اللهِ والأوس حوله
كتاركِ سهل الأرضِ والحَزْن يَبْتغي
فآمنتُ بالله الذي أنا عبدُهُ
ووجَّهتُ وجهي نحو مكةَ قاصداً
نبيٌّ أتانا بعدَ عيسى بناطقٍ
أمينٌ على القرآنِ أولُ شافعٍ
تلافى عُرى الإسلامِ بعدَ انتقاضها
عَنَيْتُكَ يا خيرَ الَبِرِيَّةِ كُلِّها
وأنت المُصَفَّى من قريشِ إذا سَمَتْ
إذا انتسبَ الحَيَّانِ كعبٌّ ومالكٌ
ضماراً لِربِّ العالمينَ مُشاركا
أولئك أنصارٌ له ما أولئكا
ليسلُكَ فِي وَعْثِ الأمورِ المسالكا
وخالفتُ مَنْ أمسى يريد المهالكا
أبايعْ نبيَّ الأكرمينَ المبارك(١)
من الحقِّ فيه الفَصْلُ فيه كذلكا
وأولُ مبعوثٍ يجيبُ الملائكا
فأحكمَها حتى أقام المناسكا
توسطتَ في الفرعين والمجدِ مالِكا
على ضُمْرِها تبقَى القَرُونَ المبارك(٢)
وجَدْناكَ مَحْضاً والنساءَ العَوَارِك(٣)
قال الخرائطي(٤): وحدّثنا عبد الله بن محمد البَلَوي بمصر، حدّثنا عُمارة بن زيد، حدّثنا
إسحاق بن بشر وسلمة بن الفضل ، عن محمد بن إسحاق ، حدّثني شيخٌ من الأنصار يقال له : عبد الله بن
محمود ، من آل محمد بن مَسْلَمة قال: بلغني أنَّ رجالاً من خثعم كانوا يقولون : إنَّ مما دعانا إلى الإسلام
أنَّا كنَّا قوماً نعبد الأوثان ، فبينا نحن ذاتَ يومٍ عند وثنٍ لنا إذْ أقبل نفَرٌ يتقاضَوْن إليه ، يرجون الفرجَ من
عندهِ لشيءٍ شجَرَ بينهم، إذْ هتف بهم هاتف يقوّل(٥): [ من الرجز ]
من بينِ أشياخِ إلى غُلامِ
يا أيُّها الناسُ ذوو الأجسامِ
ومسندُ الحُكم إلى الأصنام
ما أنتمُ وطائشُ الأحلامِ
أكلُّكم في حَيْرة نيامُ(٦)
أمْ لا ترَوْنَ ما الذي أمامي
(١) قوله : أبايع. بالجزم من غير جازم لضرورة الشعر انظر الضرائر.
(٢) في ح : على صمها سعى القرون المباركا . والمثبت من ط والدلائل ، وضَمر : جمع ضامر ، وهو الفرس ؛
والقرون : بفتح القاف : النفس . اللسان ( ضمر ، قرن ) .
(٣) كذا في ح، ط والدلائل، ولعل الصواب: العواتكا، والعواتك ثلاث نسوة كن من أمهات النبي ◌ّل إحداهن عاتكة
بنت هلال ؛ والثانية عاتكة بنت مرة بن هلال ، والثالثة عاتكة بنت الأوقص بن مرة بن هلال . فالأولى من العواتك
عمة الثانية والثانية عمة الثالثة. النهاية (٣/ ١٨٠ / عتك).
(٤) في هواتف الجنان (ص ١٦٢) وأخرجه ابن عساكر في تاريخه السيرة النبوية - القسم الأول (ص ٣٦٤) عن الخرائطي
وأبو نعيم في الدلائل (١/ ١٤٥) بسنده عن ابن خربوذ المكي عن رجل من خثعم . وأخرجه الماوردي في أعلام
النبوة (ص١٤٦) وذكره السيوطي في الخصائص (١/ ١٠٧).
(٥) عبارة الخرائطي في الهواتف : إذ هتف بهم هاتف من الصنم فجعل يقول .
(٦) كذا في ح ، ط والهواتف ، ورواية ابن عساكر : حيرةٍ النيام. وهي أشبه بالصواب للتخلص من الإقواء .

١٦٧
باب في هواتف الجان
من ساطعٍ يَجْلو دُجى الظلامِ
ذاكَ نبيِّ سيّدُ الأنامِ
أكرمَه الرحمنُ من إمامٍ
قد لاحَ للناظر من تِهَامِ
قد جاء بعد الكُفْرِ بالإسلامِ
ومن رسولٍ صادقِ الكلامِ
يأمرُ بالصلاةِ والصِّيامِ
أعدَلُ ذي حكمٍ من الحكّامِ
ويزجُرُ الناسَ عن الآثامِ
والبِرِّ والصِّلاتِ (١) للأرحامِ
والرِّجْسِ والأوثانِ والحَرَامِ
من هاشمٍ في ذِرْوَةِ السَّنَامِ
مستعلناً في البلدِ الحرامِ
قال: فلما سمعنا ذلك تفرّقْنا عنه، وأتينا النبيَّ وَّ فأسلمنا.
وقال الخرائطي(٢): حدّثنا عبد الله البَلَوي، حدّثنا عُمارة، حدّثني عبد الله(٣) بن العلاء، حدّثنا محمد
ابن عكبر(٤) ، عن سعيد بن جُبير ، أنَّ رجلاً من بني تميم يقال له رافع بن عُمير ؛ وكان أهدى الناسِ
للطريق ، وأسْرَاهم بليل ، وأهجمهم على هَوْل ؛ وكانت العربُ تُسَمِّيه لذلك دُعْمُوص العرب ، لهدايته
وخَرَاتَتِهِ(٥)، وجَرَاءته على السير ، فذكر عن بُدُوِّ إسلامه قال: إني لأسيرُ برمْلِ عالِجُ(٦) ذاتَ ليلة، إذْ
غلبني النوم، فنزلتُ عن راحلتي وأنَخْتُها ، وتوسَّدتُ ذراعَها ونمت ، وقد تعوَّذتُ قبل نومي فقلت : أعوذُ
بعظيم هذا الوادي من الجِنّ، من أنْ أوذَى أو أُهاج ، فرأيتُ في منامي رجلاً شاباً يرصُدُ ناقتي ، وبيده حربةٌ
يريد أن يضعها في نَحْرِها ؛ فانتبهتُ لذلك فزعاً ! فنظرتُ يميناً وشمالاً فلم أرَ شيئاً ، فقلت : هذا حُلْم ،
ثمّ عدتُ فغفَوْت ، فرأيت في منامي مثلَ رؤياي الأولى ، فانتبهت ، فدرتُ حولَ ناقتي فلم أرَ شيئاً ، وإذا
ناقتي ترعد ؛ ثمَّ غفَوْت فرأيتُ مثلَ ذلك ، فانتبهت ، فرأيتُ ناقتي تضطرب ، والتفت ، فإذا أنا برجلٍ
شابٍّ ، كالذي رأيتُ في المنام بيده حربة ، ورجلٌ شيخٌ ممسِكٌ بيده يردُّهُ عنها وهو يقول: [ من الكامل ]
مهلاً فِدّى لك مِثْزَري وإزاري
يا مالكَ بنَ مُهَلهلِ بنِ دِثارٍ(٧)
(١) في ح : والصلة . والمثبت من ط والهواتف .
(٢) في الهواتف (ص ١٦٤) وذكره ابن حجر في الإصابة (١/ ٤٩٨) عن الخرائطي بسنده مختصراً وقال : وفي إسناد هذا
الخبر ضعف .
(٣) في أصل الهواتف: عبيد الله. انظر (ص ١٦٢ ح٥).
(٤) كذا في ح ، ط . وسقط من ط لفظ محمد ، وفي أصل الهواتف محمد بن عكير وكذا في الإصابة ، ولم أقف على
ترجمة له ، وجزم محقق الهواتف أنه محمد بن بكير ولا أراه ، لأن ابن جبير قتله الحجاج سنة ٩٥هـ بينما توفي
محمد بن بكير بعد ٢٢٠ هـ كما في ترجمته في تهذيب التهذيب (٨١/٩).
(٥) سقطت اللفظة من ط والهواتف . واللفظة مشتقة من الخِرِّيت، وهو الدليل الحاذق والماهر الذي يهتدي لأخْراتِ
المفاوز وهي طرقها الخفيفة ومضايقها التاج ( خرت ) .
(٦) ((عالج)): رمال بين فيد والقُرَيَّات، وهي متصلة بالثعلبية على طريق مكة (٦٩/٤، ٧٠).
(٧) في الهواتف : إثار .

١٦٨
باب في هواتف الجان
عن ناقةِ الإنْسيِّ لا تعرضْ لها
ولقد بدَا لي منك ما لم أحتسِبْ
تسمو إليه بِحَرْبةٍ مسمومةٍ
لولا الحياءُ وأنَّ أهلَكَ جِيرةٌ
واختَرْ بها ما شئتَ من أثواري
ألا رعَيْتَ قرابتي وذِماري(١)
تَّاً لِفِعلكَ يا أبا الغفَّارِ(٢)
لَعَلِمِتَ ما كشَّفت من أخباري
قال : فأجابه الشاب وهو يقول: [ من الكامل ]
أأردت أن تعلو وتخفضَ ذِكرنا
ما كانَ فيهمْ سيِّدٌ فيما مضى
فاقصِدْ لقصدك یا معکبرُ إنما
في غيرِ مَرْزِئَةٍ أبا العَيْزار(٣)
إنَّ الخيارَ هُمُ بنو الأخيار
كانَ المجيرُ مُهلِهِلَ بنَ إِثَار(٤)
قال : فبينما هما يتنازعان إذْ طلعت ثلاثة أثوارٍ من الوحش ، فقال الشيخ للفتى : قمْ يا بن أُختِ ،
فخذْ أيَّها شئتَ فداءً لناقةِ جاري الإنسي . فقام الفتى ، فأخذ منها ثوراً وانصرف ؛ ثمّ التفتَ إليَّ الشيخُ
فقال: يا هذا ، إذا نزلتَ وادياً من الأودية فخفتَ هَوْلَه فقل : أعوذُ بالله ربِّ محمدٍ من هَوْلِ هذا الوادي ،
ولا تَعُذْ بأحدٍ من الجِنّ فقد بطل أمْرُها . قال : فقلت له : ومَنْ محمد هذا؟ قال : نبيٌّ عربيّ ، لا شرقيٍّ
ولا غربي ، بُعث يوم الاثنين . قلت : وأنَّى مسكنُهُ ؟ قال : يثرب ذات النخل . قال : فركبتُ راحلتي
حين بَرَق ليَ الصبح وجدَدْتُ السيرَ حتى تقخَّمْتُ المدينة، فرآني رسولُ اللهِوَّهِ فحدّثني بحديثي قبل أن
أذكُرَ له منه شيئاً ، ودعاني إلى الإسلام فأسلمت . قال سعيد بن جُبير: وكنا نرى أنه هو الذي أَنْزَلَ الله
فيه: ﴿ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِحَالٍ مِّنَ آلْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: ٦].
وروى الخرائطي (٥) من طريق إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة (٦)، عن داود بن الحُصَينُ(٧)، عن
عكرمة، عن ابن عباس عن علي قال: إذا كنتَ بوادٍ تخاف السَّبُعَ فقل: أعوذ بدانيال والجب من شَرِّ الأسد.
وروى البَلَوي(٨) عن عمارة بن زيد ، عن إبراهيم بن سعد ، عن محمد بن إسحاق ، حدّثني يحيى بن
عبد الله بن الحارث ، عن أبيه ، عن ابن عباس قصة قِتالِ عليٍّ الجِنَّ بالبئر ذات العلم التي بالجُحْفَة حين
(١) ((ذِمار الرجل)): كل ما يلزمك حفظه وحياطته وحمايته، وإن ضيعه لزمه اللوم. التاج (ذمر).
(٢) كذا في ح، ط ، وفي الهواتف : العقار.
(٣) ((المرزئة)): المصيبة، مثل الزُّزْء. التاج ( رزاً).
كذا في ح والهواتف ، وفي ط : دثار ؛ وفي الهواتف : يا معيكر .
(٤)
(٥) في الهواتف ص (١٦٦) وليس هذا الخبر في ح .
(٦) في ط: إبراهيم بن إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة. وهو تحريف: والمثبت من الهواتف وتهذيب المزي (٣٨٠/٨)
وهو ضعيف .
(٧) في ط: داود بن الحسين. وهو تحريف: والمثبت من الهواتف وتهذيب المزي (٣٧٩/٨) وتهذيب التهذيب (١٨١/٣).
(٨) يرويه عنه الخرائطي في الهواتف (ص ١٦٧) وليس الخبر في ح .

١٦٩
باب في هواتف الجان
بعثَهُ رسول الله بَّ يستقي لهم الماء، فأرادوا مَنْعَه، وقطعوا الدَّلْوَ فنزل إليهم. وهي قصة مطوّلة منكرة
جدّاً ، والله أعلم .
وقال الخرائطي(١) : حدّثني أبو الحارث محمد بن مصعب الدمشقي وغيره ، حدّثنا سليمان بن بنتِ
شُرَحبيل الدمشقي(٢)، حدّثنا عبد القدوس بن الحجّاج(٣)، حدّثنا مجالد(٤) بن سعيد ، عن الشعبي ،
عن رجلٍ(٥) قال : كنتُ في مجلسِ عمرَ بنِ الخطاب، وعنده جماعةٌ من أصحاب النبيِّ وَّ يتذاكرون
فضائلَ القرآن ، فقال بعضهم : خواتيم سورة النحل ؛ وقال بعضهم : سورة يس . وقال علي : فأين أنتم
عن فضيلةٍ آية الكرسي؟ أما إنها سبعون(٦) كلمة في كل كلمة سبعون (٧) بركة . قال : وفي القوم عمرو بن
مَعْدِي كَرِب لا يُحيرُ جواياً . فقال : أين أنتم عن بسم الله الرحمن الرحيم ؟ فقال عمر : حدِّثْنا يا أبا ثَوْر .
قال : بينا أنا في الجاهلية إذْ جهدني الجوع ، فأقحمتُ فرسي البرِّيَّة فما أصبتُ إلَّ بَيْضَ النَّعام ، فبينا
أنا أسير إذا أنا بشيخ عربيٍّ في خيمة ، وإلى جانبه جاريةٌ كأنها شمسٌ طالعة ، ومعه غُنيمات له ، فقلت
له : اسْتَأْسِر(٨) ثَكِلَّتَّك ◌ُمُك. فرفع رأسه إليَّ وقال: يا فتى، إنْ أردتَ قِرّى فانزِلْ، وإنْ أردتَ معونةً
أعنَّاك. فقلت له : أستأسر . فقال: [من الطويل ]
فلم ترعوي جَهْلاً كَفِعلِ الأشائمُ(٩)
عَرَضْنا عَليكَ النزْلَ مِنَّا تكرُّماً
تمنّتَه بالبيضِ حَّ الغَلَاصِم١٠ُ)
وَجِئْتَ بِبُهْتَانٍ وَزُورٍ ودونَ ما
قال : ووثب إليَّ وثبةً وهو يقول : بسم الله الرحمن الرحيم . فكأني مَثَلْتُ تحته ، ثم قال : أقتُلك أم
(١) في الهواتف (ص ١٧٤) وأخرجه ابن حذلم الدمشقي في حديثه عن شيوخه ، وأبو بكر أحمد بن مروان المالكي في
كتابه : (( المجالسة وجواهر العلم )) وابن عساكر في ترجمة عمرو بن معديكرب . انظر شعر عمرو بن معدي كرب
(ص٢١٤) .
(٢) هو سليمان بن عبد الرحمن بن عيسى بن ميمون المعروف بابن بنت شرحبيل . ترجمته في سير أعلام النبلاء
(١٣٦/١١) ومصادر ترجمته فيه يضاف إليها مختصر تاريخ دمشق لابن منظور (١٦٩/١٠).
(٣) كذا في ح ، ط والهواتف وفي شعر عمرو : محمد بن عبد القدوس . وهو أشبه بالصواب.
في ح، ط : خالد. تصحيف ، والمثبت من الهواتف وشعر عمرو، وتهذيب التهذيب (٣٩/١٠)، وهو ضعيف .
(٤)
(٥) في شعر عمرو : الشعبي قال : حدثنا مكحول عن رجل . وهو أشبه بالصواب .
(٦)
في الهواتف : خمسون .
(٧) سقطت اللفظة من ط ، وهي من ح والهواتف .
(٨) ((استأسر)): أي كن أسيراً لي. التاج ( أسر).
(٩) قوله : ترعوي بإثبات الياء من الضرائر الشعرية ، وهو جائز.
(١٠) في الهواتف : الحلاقم ؛ والغلاصم : جمع غلصمة ، وهي رأس الحلقوم ، وهو الموضع الناتىء في الحلق .
اللسان ( غلصم ) وزاد في رواية ابن حذلم :
فبالأحرف اللاتي تمسَّكت حفظها دُحضت لحاك الله عن أنف راغم

١٧٠
باب في هواتف الجان
أُخَلِّي عنك؟ قلتُ : بل خلِّ عني . قال: فخلَّى عني. ثم إنَّ نفسي جاذبتْني بالمعاودة فقلت : استأسِرْ
ثكلَتْك أمُّك . فقال : [ من الوافر ]
هُنالكَ والرحيمِ بِه فَهَرْنا
بِبسم الله والرَّحْمنِ فُزْنا
إذا يَوْما١ً) لمعركةٍ برزنا
وما تَغْنى جَلادَةُ ذي حِفَاظِ
ثم وثب إليّ(٢) وثبةً كأني مَثَلْتُ تحته ، فقال: أقتلُكَ أمْ أُخَلِّي عنك؟ قال: قلت : بل خَلِّ عني .
فخلَّى عني ، فانطلقتُ غيرَ بعيد ، ثم قلتُ في نفسي : يا عمرو أيقهرُكُ مِثْلُ هذا الشيخ !؟ واللهِلَلْمَوْتُ خيرٌ
لك من الحياة . فرجعتُ إليه فقلت له : استأسِرْ ، ثكلَتْك أمك . فوثب إليَّ وثبةً وهو يقول : بسم الله
الرحمن الرحيم ، فكأني مثلتُ تحتَه ، فقال : أقتلُكَ أم أخلِّي عنك؟ قلت : بل خلِّ عني ، فقال :
هيهات ، يا جاريةُ ائتيني بالمُدْية . فأتَتْه بالمدية ، فجزَّ ناصيتي ، وكانتِ العرب إذا ظَفِرَتْ برجلٍ فجزَّتْ
ناصيتَه استعبدَتْه ، فكنتُ معه أخدُمه مُدَّةً . ثم إنَّهُ قال : يا عمرو ، أريد أن تركب معي البرِّيَّة ، وليس بي
منك وجَل ، فإني ببسم الله الرحمن الرحيم لواثق . قال: فسرنا حتى أتينا وادياً أشِباً نَشِبأ٣) مَهُولًا
مَغُولًا٤) ، فنادى بأعلى صوته : بسم الله الرحمن الرحيم، فلم يبقَ طَيْرٌ في وَكْرِه إلا طار ، ثم أعادَ
القول ، فلم يبقَ سَبُعٌ في مَرْبِضِه إلا هرب ، ثم أعاد الصوت فإذا نحن بحَبَشيٍّ قد خرج علينا من الوادي
كالنخلة السَّحُوق، فقال لي: يا عمرو، إذا رأيتَنَا قدِ اتَّخَذْن٥ُ) فقل : غلَبَهُ صاحبي ببسم الله الرحمن
الرحيم . قال : فلما رأيتُهما قدِ اتَّخذا قلت : غلَبَهُ صاحبي باللاتِ والعُزَّى ، فلم يصنعِ الشيخُ شيئاً ،
فرجع إليَّ وقال : قد علمتُ أنَّكَ قد خالفتَ قولي . قلت : أجل، ولستُ بعائد. فقالَ: إذا رأيتَنا قدٍ
اتّخذنا فقل : غلبه صاحبي ببسم الله الرحمن الرحيم . قلت : أفعل ، فلما رأيتهما قد اتخذا ، قلت : غلبه
(١) في ح : قوم ، والمثبت من ط .
(٢) في ح ، ط : وثب لي ، والمثبت من الهواتف .
(٣) سقطت اللفظة من ط ، وهي مثبتة في ح والهواتف ، والموضع الأشب : كثير الشجر . ونشب : لعل معناه نشبت
وعلقت أشجاره والتفت . أو لعله هو من الإتباع اللسان ( أشب ، نشب ) .
(٤) ((المَهُول)): أي فيه هَوْل، وهو المخُوف. المغول: لعل معناه كثير الغيلان جمع غُول، وهي جنس من الشياطين
والجن ، كانت العرب تزعم أن الغُول في الفلاة تتراءى للناس فتتغوَّل - تتلون - في صور شتى ، وتضلهم عن الطريق
وتهلكهم . اللسان ( هول ، غول ) .
(٥) في ح ، ط ومطبوعة الهواتف : اتحدنا . بالحاء والدال المهملتين ، والمثبت من أصل الهواتف ، وأصل عجيبة بسم
الله الرحمن الرحيم من رواية ابن حذلم نسخة الظاهرية ، والمنشور في شعر عمرو بن معدي كرب (ص٢١٤) وفيه
تابع محققه رواية البداية والنهاية بالإهمال ولا معنى له ، إذ جاء في الأساس ( أحد ) : اتحد الرجلان ، وبينهما
اتحاد ، ولا معنى له في هذا السياق . وبالإعجام كما جاء في أصل الهواتف ، وأصل ابن حذلم هو الصواب ، من
قولهم : انتخذ القوم يأتخذون ائتخاذاً : إذا تصارعوا فأخذ كل منهم على مصارعه أُخْذَةً يعتقله بها ، وقد تلیَّنُ وتدغم
فيقال : أنَّخَذَ .

١٧١
باب في هواتف الجان
صاحبي ببسم الله الرحمن الرحيم . قال : فاتكأ عليه الشيخ فبعجَهُ بسيفه ، فاشتق (١) بطنه ، فاستخرج منه
شيئاً كهيئةِ الِنْديل الأسود، ثم قال: يا عمرو ، هذا غِشُّه وغِلُّه. ثم قال : أتدري مَنْ تلك الجارية؟
قلت : لا . قال : تلك الفارعَةُ بنتُ السُّليل(٢) الجُرْهُمي، وكان أبوها٣) من خيارِ الجِنّ ، وهؤلاء أهلُها
بنو عمِّها يغزونني منهم كلَّ عامٍ رجلٌ ينصرني الله عليه ببسم الله الرحمن الرحيم . ثم قال : قد رأيتَ ما كان
مني إلى الحَبَشِيّ، وقد غلب عليَّ الجوعُ، فأُتني بشيء آكلُه، فأقحمتُ فرسي(٤) البرِّيَّة فما أصبتُ إلا
بَيْضَ النَّعَام، فأتيتُه به فوجدْتُه نائماً، وإذا تحتَ رأسِهِ شيءٌ كهيئة الخشبة ، فاستلَلْتُه فإذا هو سيفٌ عَرْضُه
شِبْر ، في سبعة أشبار ، فضربتُ ساقَيْهِ ضربةً أبنْتُ الساقَيْنِ مع القدمَيْن، فاستوى على فَقَارِ ظَهْرِه وهو
يقول : قاتلك الله ما أغدَرَكَ يا غدَّار! قال عمر : ثم ماذا صنعت؟ قلتُ: فلم أزلْ أضربُه بسيفي(٥) حتى
قطَّعْتُه إزباً إرباً . قال: فوجَمَ لذلك ثم أنشأ يقول : [ من الكامل ]
ما إنْ سمعتُ كَذَ(٦) في سالِفِ العَرَب
بالغدرِ نْتَ أخا الإسلام عن کَثَبٍ
والعُجْمُ تأنفُ مما جئتَه كَرَماً
تَبّاً لما جئتَه في السيِّد الأرِب(٧)
أم كيفَ جازاكَ عند الذَّنبِ لم تَتُبِ ؟
إني لأعجبُ أنَّى نِلْتَ قِتْلَتَهُ
بالجسمِ منكَ يداهُ مَوْضِعَ العَطَبِ
قَرْمٌ عفا عنك مرَّاتٍ وقد عَلِقت
في الجاهليَّةِ أهلُ الشِّرْكِ والصُلُبُ(٨)
لو كنتُ آخُذُ في الإسلام ما فعلوا
تدعو"١) لذائِقِها بالويْلِ والحَرَبُ(١١)
إذاً لنالتْكَ من عَدْلي مُشَطَّةٌ(٩)
قال : ثم ما كانَ من حالِ الجارية ؟ قلت : ثم إني أتيتُ الجارية ، فلمَّا رأتني قالت : ما فعل الشيخ ؟
قلتُ : قتلَهُ الحَبَشِيُّ . فقالت : كذبتَ، بل قتلتَهُ أنتَ بغَدْرِك. ثم أنشأت تقول: [من الخفيف ]
(١) في الهواتف : فانشق .
(٢) في ح : السهيل . وفي الهامش : السليل . وفوقها خ إشارة إلى رواية أخرى ، والمثبت من ط والهواتف والضبط
منه .
(٣) وكان أبوها ساقط من ط .
في ح ، ط : بفرسي ، والمثبت من الهواتف .
(٤)
(٥) فى الهواتف : بسيفه . وهو أشبه بالصواب .
(٦) فى هامش أصل الهواتف : بذا. وفوقها خ إشارة إلى رواية في نسخة أخرى . ورواية ابن حذلم في شعر عمرو : بذا
أيضاً .
(٧) ((الأرِب)): الحاذق الكامل، والماهر البصير. التاج والمعجم الوسيط (أرب).
(٨) كذا على لغة من قال: ((أكلوني البراغيث)) الكتاب (٢/ ٤٠) ط هارون (٢٣٦/١ ط بولاق).
(٩) سيف مشطب كمعظم: فيه شطب ، أي طرائق في متنه . التاج ( شطب ) .
(١٠) في ح : تدعا ، وفي الهواتف : يدعى.
(١١) ((الحَرَب)): نهب مال الإنسان وتركه لا شيء له، والهلاك. التاج والمعجم الوسيط (حرب).

١٧٢
باب في هواتف الجان
ثم جُودي بواكفاتٍ غِزارِ
عين (١) جُودي للفارسِ المِغْوارِ
ـرُ بوافي حقيقةٍ صَبَّارِ
لا تَمَلِّي البكاءَ إذْ خانكِ الذَّهْـ
وعديلِ الفَخَارِ يومَ الفَخارِ
وتقيِّ وذي وَقَارٍ وحِلْمٍ
أسلمتْكَ الأعمارُ للأقدار
لهفَ نفسي على بقائِكَ عمرٌوَّ
ولعمري لو لم تَرُمْهُ بغَدْرٍ رُمتَ ليثاً بصارِمٍ بَّارٍ(٢)
قال : فأحفظَني قولُها ، فاستللتُ سيفي ، ودخلتُ الخيمةَ لأقتُلَها ، فلم أرَ في الخيمة أحداً ،
فاستقتُ الماشية وجئتُ إلى أهلي .
وهذا أثرٌ عجيب . والظاهر أنَّ الشيخ كان من الجانِّ ، وكان ممن أسلم وتعلَّم القرآن . وفيما
تعلَّمه : بسم الله الرحمن الرحيم . وكان يتعوَّذُ بها .
وقال الخرائطي(٣): حدَّثنا عبد الله بن محمد البَلَويّ، حدّثنا عُمارة بن زيد قال: حدّثني عبد الله(٤)
ابن العلاء ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن جدَّته أسماءَ بنتِ أبي بكر قالت : كان زيدُ بن عمرو بن
نُفَيل، ووَرَقَةُ بن نَوْفَل يذكرانِ أنَّهما أتيا النجاشيَّ بعد رجوع أبْرَهة من مكة . قالا : فلما دخلنا عليه قال
لنا : اصْدُقاني أيها القرشيَّان، هل وُلد فيكم مولودٌ أراد أبوهُ ذَبْحَه، فضُربَ عليه بالقداح فسَلِم ، ونُحرت
عنه إبلٌ كثيرة ؟ قلنا : نعم . قال : فهل لكما علم به ما فَعَل ؟ قلنا : تزوَّج امرأةً يقال لها : آمنة بنت
وَهْب ، تركها حاملاً وخرج . قال : فهل تعلمان ولد أم لا ؟ قال ورقةُ بن نوفل : أُخبرك أيها الملك أني
ليلةً قد بثُّ عند وثَنٍ لنا ، كنَّا نُطيف به ، ونعبده ، إذْ سمعتُ من جَوْفه هاتفاً يقول: [ من الوافر]
وُلد النبيُّ فذلَّتِ الأملاكُ ونَأَى الصَّلالُ وأَدْبَرَ الإِشْراكُ
ثمّ انتكس الصنَمُ على وجهه ، فقال زيد بن عمرو بن نُفيل : عندي كخبره أيها الملك . قال : هات .
قال : إني في مثل هذه الليلة التي ذكر فيها حديثه ، خرجتُ من عند أهلي وهم يذكرون حَمْلَ آمنةَ ، حتى
أتيتُ جبل أبي قُبيس أريد الخُلُوَّ فيه لأمرٍ رابني ، إذْ رأيتُ رجلاً نزل من السماء ، له جناحان أخضران ،
فوقف على أبي قُبيس ، ثم أشرف على مكة فقال : ذَلَّ الشيطانُ وبطَلَتِ الأوثان ، ووُلد الأمين . ثم نشر
ثوباً معه ، وأهوى به نحو المَشْرِق والمغرب ، فرأيتُه قد جلَّلَ ما تحت السماء ، وسطع نورٌ كاد أن
يختطف بصري ، وهالني ما رأيت . وخفق الهاتفُ بجناحَيْه حتى سقط على الكعبة ؛ فسطع له نورٌ
أشرقت له تِهَامة، وقال: ذَكتِ(٥) الأرضُ وأدَّتْ ربيعَها . وأومأ إلى الأصنام التي كانت على الكعبة
(١) في ط: يا عين ، وفي الهواتف : عيني، والمثبت من ح .
(٢) في ح : لصارم ، وفي ط : كصارم ، والمثبت من الهواتف .
(٣) في هواتف الجنان (ص ١٨٣)، وإسناده تالف فعمارة بن زيد كذاب (الميزان ١٧٧/٣).
(٤)
في أصل الهواتف: عبيد الله، وانظر ص (١٦٢) ح٥ وص (١٦٧) ح٣ .
(٥) في الهواتف : زلت . وهما بمعنى .

١٧٣
باب في هواتف الجان
فسقطتْ كلُّها . قال النجاشي: ويحكما . أخبركما عمَّا أصابني ، إنِّي لنائم في الليلةِ التي ذكرتما في
قُتَّة، وقتَ خَلْوتي ، إذ خرجَ عليَّ من الأرض ◌ُنق ورأس ، وهو يقول : حلَّ الويل بأصحاب الفيل ،
رمَتْهُم طَيْرٌ أبابيل ، بحجارةٍ من سِجِّيل، هلك الأشرمُ المعتدي المجرم ، وولد النبيُّ الأمي ، المكي
الحَرَمي ، مَنْ أجابه سَعِد ، ومن أباه عند. ثم دخل الأرض فغاب ، فذهبتُ أصيح فلم أَطق الكلام ،
ورُمْتُ القيام ، فلم أطقِ القيام ، فقرَعتُ القُبَّة بيدي ؛ فسمع بذلك أهلي ، فجاؤوني ، فقلت : احجبُوا
عني الحبشة . فحجبوهم عني ، ثم أُطلق عن لساني ورجليٍ(١)
وروى الحافظ أبو القاسم بنُ عساكر في (( تاريخه (٢) في ترجمة الحارث بن هانىء بن المُدْلِجِ بن
المِقْداد بن زَمْل بن عمرو العُذْري ، عن أبيه ، عن جدِّه عن أبيه ، عن زَمْل بن عمرو العُذْري قال : كان
لبني عُذْرَة صنمٌ يقالُ له : حمام ، وكانوا يُعَِّمونه، وكان في بني هند بن حَرَام بن ضِنَّهُ(٣) بن عبد بن
كبير(٤) بن عُذْرة، وكان سادِئُه رجلاً يقال له: طارق، وكانوا يَعْترونَ عنده(٥)، فلما ظهر رسولُ الله وَيه
سمعنا صوتاً يقول : يا بني هند بن حَرَام . ظهر الحق وأودى حمام ، ودفع الشركَ الإسلام . قال :
ففزعنا لذلك وهالَنا ، فمكثنا أياماً ، ثمّ سمعنا صوتاً وهو يقول : يا طارق يا طارق ، بُعث النبيُّ الصادق ،
بوَحْيٍ ناطق ، صدع صادع بأرض تِهامَة ، لناصريه السلامة ، ولخاذليه الندامَة ، هذا الوداع مني إلى يوم
القيامة. قال زَمْل: فوقع الصنم لوجهه . قال زَمْل: فابتعتُ راحلةً ورحلت، حتى أتيتُ النبيَّ وَ لّ مع نَفَرٍ
من قومي وأنشدته شعراً قلتُه: [ من الطويل ]
وكلَّفْتُها حَزْناً وغَوراً من الرَّمْلِ(٦)
إليكَ رسولَ اللهِ أعملتُ نَصَّها
وأعقِدَ حَبْلاً من حِبالك في حبلي
لأنصرَ خيرَ الناسِ نصراً مؤزَّراً
أدينُ به ما أثقلتْ قدمي نعلي(٧)
وأشهَدَ أنَّ اللهَ لا شيءَ غيرَهُ
(١) جاء في ط بعد هذا الخبر مانصه : وسيأتي إن شاء الله تعالى في قصة المولد رؤيا كسرى في سقوط أربع عشرة شرفة
من إيوانه ، وخمود نيرانه ورؤيا موبذانه ، وتفسير سطيح لذلك على يدي عبد المسيح . ولا وجود لهذا النص في
ح، وقد مرت قصة المولد ورؤيا كسرى في هذا الجزء ، وهذا يدل على إنزاله في غير موضعه في ط ، لذا آثرت
إنزاله إلى الحاشية .
(٢) أورد الخبر ابن منظور في مختصر تاريخ ابن عساكر (١٦٨/٦)، وإسناده مجاهيل.
(٣) في ح: صبية، وفي ط: ضبة، وكلاهما تصحيف، والمثبت من الإكمال (٢١٥/٥) .
(٤) في ح ، ط ومختصر تاريخ ابن عساكر: كثير؛ والمثبت من جمهرة ابن الكلبي (١٩٦/٢) وجمهرة ابن حزم
(ص٣١٥) والإكمال (٤١٢/٢ و٢١٥/٥). وقد ذكر ابن ماكولا وابن حجر من يسمى كبيراً إلا أنه لم يعدا هذا
منهم . الإكمال (٧/ ١٦٠) والتبصير (١١٨٧/٣).
(٥) ((عَتَر الشاة والظبية ونحوهما يعترها)): ذبحها، والعتيرة: أول ما يُنتج، كانوا يذبحونها لآلهتهم. اللسان (عتر).
(٦) في ح : وكلفتها خوفاً وفوراً ؛ وفي المختصر : أكلفها حزناً وفوراً ؛ والمثبت من ط .
(٧) في ح : ما أثقلت قدمي رجلي . والمثبت من ط والمختصر . والشعر ظاهر الوضع .

١٧٤
باب في هواتف الجان
قال: فأسلمتُ وبايعتُه. وأخبرناه بما سمعنا فقال: ((ذاك من كلام الجِنّ)). ثم قال: (( يا معشر
العرب إنِّي رسولُ اللهِ إليكم وإلى الأنام كافة ، أدعوهم إلى عبادةِ اللهِ وحدَه ، وأني رسولُه وعبدُه ، وأنْ
يحجُّوا البيت ، ويصوموا شهراً من اثني عشرَ شهراً، وهو شهرُ رمضان، فمَنْ أجابني فله الجنة نُزُلا ،
ومن عصاني كانت النار له مُنْقلبا)). قال: فأسلَمْنا وعقد لنا لواءً. وكتب لنا كتاباً نسخته: (( بسم الله
الرحمن الرحيم ، من محمدٍ رسولِ اللهِ لزَمْلِ بن عمرو ومَنْ أسلم معه خاصّة ، إني بعثته إلى قومه
عامد١ً) ، فمن أسلم ففي حِزْب الله ورسوله . ومن أبى فله أمانٌ شهرين . شهد عليّ بن أبي طالب
ومحمد بن مسلمة الأنصاري )) ثمّ قال ابنُ عساكر : غريبٌ جداً . وقال سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي في
مغازيه : حدّثني محمد بن سعيد - يعني عمَّه - قال محمد بن المنكدر : إنه ذُكر لي عن ابن عباس قال :
هتف هاتفٌ من الجِنّ على أبي قُبيس فقال : [من الخفيف ]
ما أدقَّ العقول والأفهامُ(٢)
قَبَّحَ اللهُ رأيِكُمْ آلَ فِهْرٍ
حِينَ تُغْضِي لِمَنْ يعيبُ عَلَيْها
دينَ آبائِها الحماةِ الكرامِ
ورجالُ النّخيلِ والآطامِ
حالفَ الجنُّ جِنُّ بُصری علیکم
تقتلُ القومَ في حرامٍ تَهَامُ(٣)
توشِكُ الخيلُ أن تَرَوْها نهاراً
هَلْ كريمٌ مِنْكُم لَهُ نفسُ حِزِّ
ضَارِبٌ ضربَةٌ تكونُ نكالا
مَاجِدِ الوالدَيْن والأعمام٤ّ)
ورواحاً من كُربةٍ واغتمامٍ
قال ابنُ عباس: فأصبح هذا الشعر حديثاً لأهل مكة يتناشدونه بينهم. فقال رسول الله وصلة: ((هذا
شيطانٌ يكلِّمُ الناسَ في الأوثان يقالُ له : مِسْعَر، واللهُ مُخْزِيه)) فمكثوا ثلاثةَ أيَّام ، فإذا هاتفٌ يهتفُ على
الجبل يقول : [من الرجز ]
نحنُ قتلْنا في ثلاثٍ مِسْعرا
إذْ سفَّهَ الجنَّ وسنَّ المُنْكرا
قنَّعتُه سيفاً حُساماً مُشْهَرا
بشتمِهِ نبيّنا المُطَهَّرا
فقال رسولُ اللهِ لّه: ((هذا ◌ِفْريتٌ من الجِنّ، اسمه سمج، آمَنَ بي سمَّيتَهُ عبد الله، أخبرني أنه
(١) كذا في ح ، ط وفي مختصر ابن منظور : عامة ، وهو أشبه بالصواب .
(٢) كذا في ح، ط: ولعل الصواب: يا أدقّ ... جاء في الأساس (دقق ): ويقال للذين يمنعون الخير ويشحون :
لقد أدقت بكم أخلاقكم ، من أدق الرجل إذا اتبع الدقيق من الأمور .
(٣) في ح : مصل ... بهام، وما أثبته أشبه بالصواب فـ بهام لا معنى لها في البيت ، وتهام نسبة إلى تهامة ، اسم
مكة ، على غير قياس ، اللسان (تهم ) . ورواية ط : أن تردها تهادى .
(٤) كذا في ح ، ط ، ورواية الشطر الثاني في ح : ماجد الجدّين .

١٧٥
باب في هواتف الجان
في طلبه ثلاثةَ أيام )) . فقال عليّ : جزاه الله خيراً يا رسول الله .
وقد روى الحافظُ أبو نُعيم في ((الدلائل)(١) قال : حدّثنا عبد الله بن محمد بن جعفر ، حدّثنا
أبو الفضل محمد بن عبد الرحمن بن موسى بن أبي حرب الصفَّار ، حدّثنا عباس بن الفرج الرِّياشيّ ،
حدّثنا سليمان بن عبد العزيز بن أبي ثابت عن أبيه ، عن عبد الحميد بن بهرام ، عن شهر بن حَوْشب عن
ابن عباس، عن سعد بن عُبادَة قال: بعثني رسولُ اللهِ وَّه إلى حَضْرَمَوت في حاجةٍ قبل الهجرة ، حتى إذا
كنتُ في بعض الطريق ساعةً من الليل ، فسمعت هاتفاً يقول : [من الوافر ]
وراحَ النومُ وامتنعَ الهُجُودُ
أبا عَمٍو تَأْوَبَنِيُ(٢) الشُّهودُ
لِذكْرِ عِصابةٍ سلفوا وبادُوا
تولَّوْا واردينَ إلى المنايا
وكلُّ الخَلْقِ قَصْرُهُمُ يَبِيدُ
حِياضاً ليس مَنْهَلُها الورودُ
وَحيداً ليسَ يُسعِفُني وحيدُ
مضَوْا لِسبيلهمْ وبَقِيتُ خَلْفاً
إذا ما عالَجَ الطفلُ الوليدُ
سُدّى لا أستطيعُ عِلاجَ أمرٍ
وقدْ باتَتْ بِمَهْلِكها ثَمُودُ
فَلأياً ما بَقِيتُ إلى أناسٍ
سواءٌ كلُّهم أرِمُ حَصِيدُ(٣)
وعادٌ والقرونُ بذي شَعُوبٍ
قال : ثم صاح به آخر : يا خرعب ، ذهب بك العجب(٤)، إنَّ العجب كل (٥) العجب بين زهرة
ويثرب . قال : وما ذاك يا شاصب(٦) ؟ قال نبيُّ السلام، بُعث بخير الكلام ، إلى جميع الأنام ، فأخرج
من البلد الحرام إلى نَخيلٍ وآطام . قال : ما هذا النبيُّ المرسل ، والكتابُ المنزل ، والأمِّيُّ المفضَّل ؟
قال : رجلٌ من ولد لُؤَيِّ بنِ غالب بن فِهْرِ بن مالك بن النَّضْرِ بن كِنَانة . قال : هيهات ، فات عن هذا
سِنِّي، وذهب عنه زَمَني، لقد رأيتني والنضرَ بنَ كنانةَ نرمي غَرضاً واحداً ، ونشربُ حَلباً بارداً ، ولقد
خرجتُ به من دُومةً(٧) ، في غداة شبمة ، وطلع مع الشمس وغرب معها ، يروي ما يسمع ويُثبت
ما يُبصر . ولئن كان هذا من ولده لقد سُلَّ السيف، وذهب الخوف، ودُحِضَ الزِّنا، وهَلَك الرِّبا . قال:
(١) الخبر في دلائل (١١٣/١) برقم (١١٨)، وإسناده ضعيف لضعف شهر بن حوشب.
(٢) في ح ، ط : ناوَبَني ، ولا يستقيم به الوزن: وفي طبعة مصطفى عبد الواحد: تناوبني ، والمثبت من الدلائل ،
ومعناه : راجعني.
(٣) ((شعوب)): اسم المنيَّة ، سميت به لأنها تفرِّق. التاج ( شعب ) وأرم الشيء أرماً فهو أرِم : إذا فني وبلي . اللسان
والوسيط ( أرم ) .
(٤) في ح : اللعب .
(٥) سقطت اللفظة من ح .
(٦) في ط : شاحب ، والمثبت من ح والدلائل .
(٧) في ط : دوحة .

١٧٦
باب في هواتف الجان
فأخبرني ما يكون ؟ قال ذهبتِ الضرّاء والبؤس والمجاعة(١) ، والشدة والشجاعة ، إلا بقيَّةً في خُزاعة .
وذهبتِ الضرَّاءُ والبُوس، والخلُقِ المَنْقُوس(٢) إلا بقية من الخَزْرَج والأوْس، وذهبتِ الخُيَلاءُ
والفَخْر(٣) ، والنميمة والغَدْر، إلا بقيةً في بني بكر - يعني ابن هوازن - وذهب الفعل المُنْدِم، والعمل
المُؤْثم، إلا بقيةً في خَثْعَم. قال : أخبرني ما يكون؟ قال: إذا غُلبتِ التَّوَّة٤ُ)، وكُظِمتِ الجِرَّةُ(٥) ،
فاخْرُجْ من بلاد الهِجْرَةِ، وإذا كُفَّ السلام، وقُطعتِ الأرحام ، فاخرُجْ من البلد الحرام . قال : أخبرني
ما يكون ؟ قال : لولا أُذُنٌ تسمع، وعينٌ تلمع لاخبرتُكَ بما تفزَع. ثم قال: [من الخفيف]
لا منامٌ هَدَّأَتَه بنعيمٍ يا ابنَ غوطٍ ولا صباحٌ أتانا٦ً)
قال : ثم صرصر(٧) صرصرةً كأنها صرصرةُ حُبْلى، فذهب الفجر، فذهبتُ لأنظر، فإذا عَطَايَةٌ
وثعبان ميتان .
قال : فما علمتُ أنَّ رسول الله بَّهِ هاجر إلى المدينة إلا بهذا الحديث.
ثمّ رواه عن محمد بن جعفر ، عن إبراهيم بن علي ، عن النضر بن سلمة ، عن حسان بن عبادة بن
موسى ، عن عبد الحميد بن بَهْرَام ، عن شَهْر ، عن ابن عباس ، عن سعد بن عُبَادة قال : لما بايعنا
رسولَ الله وَّ ليلةَ العَقَبة خرجتُ إلى حَضْرَموت لبعض الحاج ، قال : فقضَيْتُ حاجتي ثم أقبلتُ حتى إذا
كنتُ ببعض الطريق نمت ، ففزِعْتُ من الليل بصائح يقول : [ من الوافر ]
أبا عمرٍو تأوَّبَنيُ(٨) السُّهُودُ وراحَ النومُ وانقطعَ الهجودُ
وذكر مثله بطوله .
وقال أبو نعيم : حدّثنا عمر(٩) بن محمد بن جعفر ، حدّثنا إبراهيم بن علي، حدّثنا النَّضْر بن سلمة،
(١) في ح : المخادعة .
(٢) ((المنقوس)): من قولهم: نفس بين القوم: أفسد، ورجل نقس: يعيب الناس ويلقِّبهم. التاج ( نقس )، وفي
ط : المنفوس بالفاء .
(٣) في ح : الفقر .
(٤) في ط : البرة ، والمثبت من ح والتُّرَّة ، بضم التاء : ضبط القاموس ، وفي اللسان بفتحها ، وهي الجارية الرعناء
الحسناء . التاج ( ترر ) .
(٥) يقال: كظم فلان على جِرَّته: إذا لم يسكت على ما في جوفه حتى تكلم به . الأساس ( كظم ) .
(٦) رواية العجز في ح : ... عوط ... أمانا.
(٧) سقطت اللفظة من ح .
(٨) انظر الصفحة السابقة، حاشية ٢ .
(٩) سقط عمر بن. من ط ، وهو في ح برسم : محصر بن ، وما أثبتُّه من دلائل أبي نعيم ، حيث ورد هذا الإسناد في
الصفحات (٩١ و١٢١ و١٧٠ و١٧١) من الجزء الأول من الدلائل وترجمته في ذكر أخبار أصبهان (٣٥٨/١) وسند
الخبر الذي سيأتي بعد التالي ، وقد أورده ابن عساكر ، مختصر تاريخ دمشق لابن منظور (٣١٨/٥، ٣١٩).

١٧٧
باب في هواتف الجان
حدّثنا أبو غزيَّةُ(١) محمد بن موسى ، عن العطَّاف بن خالد الوابصيّ(٢)، عن خالد بن سعيد، عن أبيه
قال: سمعتُ تميماً الداريَّ يقول: كنتُ بالشام حين بُعث النبيُّ وَّه، فخرجتُ لبعضِ حاجتي ، فأدركني
الليل ، فقلت : أنا في جِوارِ عظيم هذا الوادي الليلة . قال : فلما أخذتُ مضجعي إذا أنا بمنادٍ يُنادي
- لا أراه - عُذْ بالله، فإنَّ الجنَّ لا تُجيرُ أحداً على الله. فقلت: أيم الله تقول(٣) ؟ فقال : قد خرج رسولُ
الأمّين رسولُ الله، وصلَّينا خلفه بالحَجُون، فأسلمنا واتَّبَعْناه، وذهب كَيْدُ الجِنّ، ورُمَيَتْ بالشُّهب،
فانطلِقْ إلى محمد رسولِ ربِّ العالمين فأسلِم . قال تميم : فلما أصبحتُ ذهبتُ إلى دير أيُّوب ، فسألتُ
راهباً وأخبرتُه الخبر ، فقال الراهب : قد صدَقُوكَ ، يخرجُ من الحرم ومهاجَرُهُ الحرم ، وهو خيرُ الأنبياء
فلا تُسْبَق إليه . قال تميم: فتكلَّفْتُ الشخوصَ حتى جئتُ رسولَ الله وَّ فأسلمت.
وقال حاتم بن إسماعيل ، عن عبد الله بن يزيد الهُذَلي ، عن عبد الله بن ساعدة الهُذَلي ، عن أبيه ،
قال : كُنَّا عند صنَعِنا سُوَاعٍ، وقد جلَبْنا إليه غنماً لنا مئتي شاة، قد أصابها جَرَب، فأدْنَيْتُها منه لِتَطَلُّبِ
بركتِه ، فسمعتُ منادياً من جَوْف الصَّنَم يُنادي : قد ذهب كَيْدُ الجِنّ، ورُمينا بالشُّهب، لنبيِّ اسمُهُ
أحمد . قال : فقلت : غَوَيْتُ والله، فصرَفْتُ وَجْهَ غنَمي مُنْجِداً إلى أهلي (٤)، فخبَّرَني بظهورِ النبيِّ وَّر.
ذكرَهُ أبو نُعيم هكذا معلّقا٥ً) ، ثم قال(٦) :
حدّثنا عمر بن محمد بن جعفر، حدّثنا إبراهيم بن السِّنْديّ، حدّثنا النَّضْر بن سلمة ، حدّثنا محمد بن
سلمة(٧) المَخْزومي ، حدّثنا يحيى بن سليمان ، عن حكيم بن عطاء الظفري(٨) - من بني سُليم من ولد
راشد بن عبد ربِّه ـ عن أبيه ، عن جدِّه، عن راشد بن عبد رَبِّهِ قال: كان الصَّنَمُ الذي يُقال له : سُوَاع
بالمَعْلاة من رُهاط(٩) ، تَدينُ له هُذَيل وبنو ظفر بن سُليم، فأرسلَتْ بنو ظَفَر راشدَ بن عبد ربِّهِ بهديَّةٍ من
(١) سقطت اللفظة من ح .
(٢) في ط : الوصابي . تصحيف ، والمثبت من تهذيب الكمال للمزي (١٣٨/٢٠) وتهذيب التهذيب لابن حجر ، نسبه
إلى وابصة بن خالد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي ، أحد أجداده .
(٣) في تاريخ ابن عساكر : أيم تقول . وهو بمعنى : أي شيء تقول ؟ انظر مختصر تاريخ دمشق والتاج ( أيم ) .
(٤) في ح : أهله . والمثبت من ط ، وفي الإصابة : منحدراً .
(٥) ليس الخبر في دلائل أبي نعيم المطبوع، وقد أورده ابن حجر في الإصابة في ترجمة ساعدة ، وذكر لرواية أبي نعيم
له في الدلائل ، وقال : وإسناده ضعيف .
(٦) يعني أبا نعيم في الدلائل (١/ ١٥٠)، وإسناده فيه مجاهيل .
(٧) في ط : مسلمة ، تصحيف، والمثبت من ح والدلائل والجرح والتعديل (٢٧٦/٧).
(٨) في دلائل أبي نعيم : الصقري ، وفي الإصابة : السلمي . ولم أقف على ترجمة له فيما لدي من المصادر ، والمثبت
هنا من الإصابة ، وهو أشبه بالصواب ، لأنه من بني ظفر بن سليم كما سيأتي .
(٩) ((المعلاة)): بالفتح ثم السكون: موضع بين مكة وبدر. ورُهاط: بضم أوله : موضع على ثلاثة ليال من مكة،
وقال قوم : وادي رهاط في بلاد هذيل . وكان أول من اتخذ سواعاً من ولد إسماعيل حين فارقوا دين إسماعيل
هذيل بن مدركة . معجم البلدان (١٠٧/٣ و٢٧٦، و١٥٨/٥) والأصنام (ص ٩، ١٠).

١٧٨
باب في هواتف الجان
سليم إلى سُوَاعِ ، قال راشد : فأُلْقيتُ مع الفَجْرِ إلى صنم قِبَلَ صنم سُواعٍ ، فإذا صارخٌ يصرخ من جَوْفِه :
العجَب كلَّ العَجَب ، من خروج نبيٍّ من بني عبد المطلب، يُحرِّم الزِّنا والرِّبا والذَّبْحَ للأصنام، وحُرستِ
السماء، ورُمينا بالشُّهُب، العجَب كلَّ العجَب. ثم هتف صنمٌ آخَرُ من جوفه: تُرك الضَّمَارُ(١) وكان
يُعبد ، خرج النبيُّ أحمد ، يُصَلِّي الصلاة ، ويأمرُ بالزكاةِ والصِّيام، والبِرِّ والصِّلاتِ للأرحام . ثم هتف
من جوفِ صنمٍ آخَرَ هاتفٌ يقول : ( من الكامل ]
إنّ الذي ورثَ النبوّةَ والهُدَى
بَعْدَ ابنِ مَرْيَمَ من قريشٍ مهتدٍ
وبما يكونُ اليومَ حقاً أو غد(٢)
نبيٌّ أتى يُخبِرُ بما قد سبق
قال راشد : فألفَيْتُ سُواعاً مع الفجر وثَعْلَبانِ يلحسانِ ما حولَه، ويأكلان ما يُهدى له ، ثم يَعُوجانِ
عليه بِبَوْلهما ، فعند ذلك يقولُ راشدُ بن عبدِ ربِّه (٣): [ من الطويل ]
أربّ يَبُولُ الثُّغْلُبانُ برأسِه لقد ذلَّ مَنْ بَالَتْ عليه الثعالبُ
وذلك عند مَخْرَج النبيَِّ ومهاجَرِه إلى المدينة، وتسامع الناسُ به، فخرج راشدٌ حتى أتى النبيَّ ◌َّ
المدينةَ ومعه كلبٌ له، واسم راشدٍ يومئذٍ ظالم، واسْمُ كلِهِ راشد، فقال له النبيُّ وَّل: ((ما اسمك؟))
قال: ظالم. قال: ((ما اسْمُ كَلْبِك؟)) قال: راشد. قال (( اسمك راشِد، واسم كلبك ظالم)) وضحِك
النبيُّ ◌ََّ، وبايعَ النبيَّ ◌َّه وأقامَ بمكة معه، ثم طلبَ من رسولِ اللهِ وَّلَ قَطِيعةً بِرُهاط - ووصفَها له -
فأقطعَهُ رسولُ اللهِّرَ بِالمَعْلاة من رُهَاط، شَأْوَ الفَرَسُ(٤)، ورَمْيَتَهُ ثلاثَ مرَّاتٍ بحَجَر، وأعطاهُ إدَارة(٥)
مملوءةٌ من ماءٍ ، وتَفَلَ فيها وقال له : (( فرّغْها في أعلى القَطيعة ولا تمنع الناسَ فُصُولَها)) ففعل ، فجعلَ
الماءُ معيناً يجري(٦) إلى اليوم ، فغرس عليها النخل .
(١) ((الضمار)): صنم كان في ديار سليم بالحجاز معجم البلدان (٤٦٢/٣) وفي التاج ( ضمر) : ضِمار صنم عبده
العباس بن مرداس السلمي ورهطه .
(٢) كذا في ح ، ط : والبيت مضطرب الوزن في صدره ، وصواب قافيته غدا ، ونثر نثراً في دلائل أبي نعيم ، وروايته :
نبي يخبر بما سبق وبما يكون في غد ، وسقطت : قد من ط ، وفي خبر عباس بن مرداس في السيرة الحلبية
(٢٣٤/١) سبق البيت الأول بيتان وهما :
هلك الضمار وفاز أهل المسجد
قل للقبائل من قريش كلّها
هلك الضمار وكان يعبد مدَّة
قبل الصلاة على النبي محمد
(٣) البيت ينسب لعباس بن مرداس وهو في ديوانه ، وينسب أيضاً لغاوي بن ظالم السلمي وأبي ذر الغفاري . اللسان
( ثعلب ) . والثعلبان : ذكر الثعالب ، والثعلب يطلق على الذكر والأنثى.
(٤) ((شأو الفرس)»: شوطها ومداها. اللسان (شأو).
(٥) ((الإدارة)): إناء صغير يُحمل فيه الماء. ( المعجم الوسيط ).
(٦) كذا في ط ، وفي ح : محمر . وعلّق الناسخ على الهامش ما نصه: لعله يجري ، وفي دلائل أبي نعيم : مجمة ،
وأظن الصواب فيه : يجمُّ ؛ بمعنى يكثر . والله أعلم . اللسان ( جمم ) .

١٧٩
باب في هواتف الجان
ويقال: إنَّ رُهَاط كلَّهَا تشربُ منه، فسمَّاها الناسُ ماء الرسولِ وَلَه؛ وأهلُ رُهاط يغتسلون بها.
وبلغَتْ رَمْيَةُ راشدِ الرَّكيب ، الذي يقال له: رَكيب الحَجَرُ(١) وغدا راشدٌ على سُوَاعٍ فكسره .
وقال أبو نعيمُ(٢): حدّثنا سليمان بن أحمد، حدّثنا علي بن إبراهيم الخُزاعيُّ الأهوازيّ ، حدّثنا
أبو محمد عبدُ الله بن داود بن دِلْهاث بن إسماعيل بن مُسْرِعٌ(٣) بن ياسر بن سويد صاحبِ رسولِ اللهِ وَثّل
حدّثنا أبي عن أبيه دِلْهاث، عن أبيه إسماعيل ، أن أباه عبد الله حدثه عن أبيه مسرع بن ياسر أنَّ أباه
ياسرا حدَّثه عن عمرو بن مُرَّة الجُهني أنه كان يحدِّث قال : خرجتُ حاجّاً في جماعةٍ من قومي في
الجاهلية ، فرأيتُ في المنام وأنا بمكة نوراً ساطعاً من الكعبة ، حتى أضاء في جبلِ يثربَ وأَشْعر
جُهينة(٤) ، فسمعتُ صوتاً في النور وهو يقول : انقشعتِ الظلماء ، وسطَعَ الضياء ، وبُعث خاتمُ الأنبياء ،
ثم أضاء إضاءةً أخرى حتى نظرتُ إلى قصورِ الحيرة وأبيضِ المدائنُ(٥) ، فسمعتُ صوتاً في النُّور وهو
يقول : ظهر الإسلام ، وكُسرتِ الأصنام ، ووُصلتِ الأرحام . فانتبهتُ فزِعاً! فقلت لقومي : والله
ليحدثَنَّ في هذا الحيِّ من قريش حدَث ، وأخبرتُهم بما رأيت ؛ فلما انتهينا إلى بلادِنا جاءنا رجلٌ فأخبرنا
أنَّ رجلاً يقالُ له: أحمد قد بُعث، فأتيتُه فأخبرتُه بما رأيت، فقال: (( يا عمرو بن مُرَّة إني المُرسَل إلى
العبادِ كافَّةً ، أدعوهم إلى الإسلام، وآمُرُهمْ بحَقْن الدِّماء، وصِلَة الأرحام ، وعبادةِ الله ، ورَفْضٍ
الأصنام ، وحجِّ البيت ، وصيام شهر رمضان ، شهر من اثني عشرَ شهراً، فمَنْ أجاب فله الجنَّة ، ومن
عصَى فله النار ؛ فَآَمِن يا عمرو بنَ مُرَّة يُؤَمِّنْكَ اللهُ من نار جهنّم)) . فقلت: أشهدُ أنْ لا إله إلا الله، وأنك
رسول الله . آمنتُ بكلِّ ما جئتَ به من حلالٍ وحرام ، وإنْ أرْغَمَ ذلك كثيراً من الأقوام ؛ ثم أنشدتُه أبياتاً
قلتُها حين سمعتُ به وكان لنا صنم ، وكان أبي سادِناً له، فقمتُ إليه فكسرته ، ثم لحِقْتُ النبيَّ وَّ وأنا
أقول : [ من الطويل ]
لآلِهِةِ الأحجارِ أولُ تارِكِ
شهدتُ بأنَّ اللهَ حقُّ وأنني
(١) ((الركيب)): المَشَارة بالفتح: الساقية أو الجدول بين الدبرتين، أو هي ما بين الحائطين من النخيل والكرم ، وقيل
هي ما بين النهرين من الكرم ؛ أو المزرعة . التاج ( ركب ) .
(٢) إسناد الخبر في الدلائل (١٢١/١) مختلف عما هنا، وهو في مجمع الزوائد عن الطبراني (٢٤٤/٨) والوفا
(٨١/١) .
(٣) في ح: سرع، تصحيف ، والمثبت من ط والإصابة في ترجمته في القسم الثاني منه ، ولسان الميزان (٦/ ٢٠) وقال
عنه : مجهول . ويبدو أنه سقط اسم عبد الله بن أبي إسماعيل وابن مسرع كما سيأتي في إسناده . والإسناد للطبراني
في معجمه الكبير (٢٢/ ٢٧٧) إلا أنني لم أقع على الخبر فيما طبع منه، وكذلك هو في المعجم الأوسط (٤٢٢٠)،
وهو إسناد من المجاهيل .
(٤) مضى تعريف الأشعر في ص (١٢٧) ح (٣).
(٥) مضى تعريف أبيض المدائن في ص (١٢٧) ح (٤).

١٨٠
باب في هواتف الجان
إليكَ أدِبُّ الغَوْرَ بعدَ الذَّكَادِ(١)
فشمَّرْتُ عن ساقي إزاراً مُهاجِراً
لأصحبَ خيرَ الناسَ نفساً ووالداً رسولَ مليكِ الناسِ فوقَ الحَبَائكِ(٢)
فقال النبيُّ ◌َّهِ: ((مرحباً بك يا عَمْرَو بن مُرّة (٣) . فقلت: يا رسولَ الله، بأبي أنت وأمي ابعثْ بي
إلى (٤) قومي لعلَّ اللهَ أنْ يَمُنَّ بي عليهم كما مَنَّ بكَ عليّ. فبعثني إليهم وقال: ((عليك بالقولِ السَّدِيد ،
ولا تكنَّ فَظّاً ولا متكبِّراً ولا حَسُوداً)) فأتيتُ قومي فقلت لهم: يا بني رِفاعة، ثم يا بني جُهَينة ، إني
رسولٌ من رسولِ الله إليكم، أدعوكم إلى الجنَّة، وأُحَذِّركمُ النَّار، وآمرُكُمْ بِحَقْنِ الدِّمَاء ، وصلةٍ
الأرحام ، وعبادةِ الله ، ورفض الأصنام ، وحجِّ البيت، وصيام شهر رمضان ، شهرٌ من اثنيْ عشرَ شهراً؛
فمن أجابَ فله الجنَّة ، ومن عَصَى فله النار ؛ يا معشرَ جُهينة ، إنَّ الله - وله الحمد - جعلكم خيارَ مَنْ أنتم
منه ، وبغَّضَ إليكم في جاهليَّتِكم ما حُبِّبَ إلى غيركم من الرَّفَث - لأنهم كانوا يجمعونَ بين الأُخْتَين ،
ويَخْلُفُ الرجلُ على امرأةٍ أبيه - والتِّراتِ(٥) في الشهر الحرام؛ فأجيبوا هذا النبيَّ المرسل ◌َّ من بني
لُؤَيٍّ بن غالب ، تنالوا شرفَ الدنيا وكرامةَ الآخرة ، سارعوا وسارعوا في ذلك ، تكنْ في ذلك لكم فضيلةٌ
عند الله . فأجابوا إلا رجلاً منهم قام فقال: يا عمرَو بن مُرَّة ، أمَرَّ اللهُ عليك عَيْشَك! أتأمرُنا أنْ نرفُضَ
آلهتنا، ونُفَرِّقَ جماعتنا بمخالفةِ دينِ آبائنا إلى ما يدعُو هذا القرشيُّ من أهل تهامة ؟ لا ، ولا مَرْحباً
ولا كرامة ، ثم أنشأ يقول : [ من الكامل ]
ليستْ مقالةَ من يُريدُ صَلاحا
إنَّ ابنَ مُرَّة قد أتى بمقالةٍ
يوماً وإنْ طالَ الزمانُ رياحا
إني لأحسِبُ قولَهُ وفعالَهُ
مَنْ رامَ ذلكَ لا أصابَ فَلاحا
أتسفَّهُ الأشياخَ ممَّنْ قَدْ مَضَى
فقال عمرو بن مرة : الكاذب مني ومنك أمَرَّ الله عيشه، وأبْكَمَ لسانه ، وأكْمَةَ بصرَه . قال عمرو بن
مُزَّة : واللهِ ما مات حتى سقط فُوه ، وكان لا يجدُ طعمَ الطعام ، وعمِيَ وخرِس .
وخرج عمرو بن مُرَّةٍ ومَنْ أسلمَ من قومه حتى أتَوا النبي وَلَّ، فرخَبَ بهم وحيَّاهمُ(٦) ، وكتب لهم
كتاباً هذه (٧) نسخته: (( بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا كتابٌ من اللهِ على لسانِ رسولِ اللهِ، بكتابٍ
(١) مضى التعليق على ذلك في ص (١٢٨) ح (٢).
(٢) مضى التعليق على ذلك في ص (١٢٨) ح (٣).
(٣) سقط: بن مرة من ح .
(٤) في ح : على .
(٥) يعني : وبغض إليكم الترات، وهي جمع تِرَة، وهي الذَّحْل ، من قولهم : وتزْتَهُ ، أي أدركته بمكروه ، والموتور
الذي قتل له قتيل فلم يدرك بدمه . اللسان ( وتر ) .
(٦) في ط : وحباهم .
(٧) في ح : هذا .