النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ قصة عمرو بن مُرّة الجُهَني وروى البيهقيُ(١) عن عمر(٢) بن الحكم بن رافع بن سِنَان، حدّثني بعض عمومتي وآبائي، أنهم كانتْ عندهم ورقةٌ يتوارثونها في الجاهلية، حتى جاء الله بالإسلامُ، وهي (٣) عندهم، فلما قَدِم رسولُ الله ◌ِّل المدينة ذكروها له ، وأتوه بها مكتوبٌ فيها : بسم الله وقولُه الحق ، وقولُ الظالمين في تباب . هذا الذِّكْر الأُمَّةٍ تأتي في آخرِ الزمان يغسلُونُ(٤) أطرافَهم، ويَأْتَزِرُونُ(٥) على أوساطهم ، ويخوضون البحور إلى أعدائهم ، فيهم صلاةٌ لوكانت في قوم نوحٍ ما أُهلكوا بالطُّوفان ، وفي عادٍ ما أهلكوا بالرِّيحِ ، وفي ثَمُودَ ما أُهلكوا بالصَّيْحَة . بسم الله، وقولُه الحق ، وقولُ الظالمين في تباب . ثم ذكرَ قصةً أخرى ، قال : فعجب رسولُ اللهَ وَّ لما قُرئت عليه، لمَا فيها . وذكرنا عند قوله تعالى في سورة الأعراف(٦): ﴿ الَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِ التَّوْرَةِ وَاَلْإِنجِيلِ ﴾ [ الأعراف: ١٥٧] قصةَ هشام بن العاص الأموي حين بعثَهُ الصديق، في سريةٍ إلى هِرَقْل يدعوهُ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ ، فذكر أنَّهُ أخرج لهم صُوَرَ الأنبياء في رُقعة ، من آدم إلى محمدٍ صلواتُ الله عليه وسلامُه عليهم أجمعين ، على النَّعْتِ والشَّكْلِ الذي كانوا عليه؛ ثم ذكر أنه لما أخرج صورةَ رسولِ اللهِ وَّ قام قائماً إكراماً له ، ثم جلس وجعل ينظرُ إليها ويتأمَّلُها ؛ قال : فقلنا له : من أين لك هذه الصورة ؟ فقال : إنَّ آدمَ سأل ربَّهُ أن يُرِيَهُ الأنبياءَ من ذريته ، فأنزل عليه صورَهم ، فكان في خزانةِ آدم عليه السلام عند مَغْرِب الشمس ، فاستخرجها ذو القرنين ، فدفعها إلى دانيال . ثم قال : أما والله إنَّ نفسي قد طابتْ بالخروج من مُلْكي وأني كنتُ عبداً لأشَرِّكُمْ مَلَكَةُ(٧) حتى أموت . ثم أجازنا فأحسن جائزتنا وسرَّحَنا . فلما أتينا أبا بكرٍ الصِّدِّيق فحدثْناه بما رأينا وما أجازنا وما قال لنا ، قال : فبكى وقال : مسكين لو أراد اللهُ به خيراً لفعل . ثم قال : أخبرنا رسولُ الله وَلِّ أنهم واليهود يجدون نَعْتَ محمدٍ عندهم . رواه الحاكمُ بطوله فَلْيُكْتَب هاهنا من التفسير . ورواه البيهقي في دلائل النبوةُ(٨) . (١) في دلائل النبوة (٣٨٢/١). (٢) في ح ، ط : عثمان بن الحكم بن رافع ، وهو تصحيف ، والمثبت من دلائل البيهقي وتهذيب التهذيب في ترجمته (٤٣٦/٧، ٤٣٧) . (٣) في ط : وبقيت عندهم ، والمثبت من ح ودلائل البيهقي . (٤) في ط : ليبلون ، وفي ح : يسلون ، وفي دلائل البيهقي : يسبلون ، والمثبت من الوفا لابن الجوزي . (٥) في ح ، ط : ويوترون ، والمثبت من دلائل البيهقي والوفا . (٦) تفسير ابن كثير (٢٥١/٢ - ٢٥٣) في تفسير الآية . (٧) يقال: فلان حَسَنُ المَلكة، إذا كان حَسَن الصنيع إلى مماليكه، ومنه الحديث: (( لا يدخل الجنة سيِّىء الملكة)) وهو حديث ضعيف أي الذي يُسيء صُحْبة المماليك. النهاية (٣٥٨/٤) (ملك). (٨) دلائل النبوة (٣٨٥/١ - ٣٩٠) وقال ابن كثير بعد ذكر الخبر في تفسيره (٢/ ٢٥٣) وهكذا أورده الحافظ الكبير أبو بكر البيهقي رحمه الله في كتاب دلائل النبوة عن الحاكم إجازة ، فذكره ، وإسناده لا بأس به . ١٤٢ قصة سيف بن ذي يزن الحميري وبشاراته بالنبي الأمي وقال الأموي(١): حدّثنا عبد الله بن زياد ، عن ابن إسحاق قال: وحدّثني يعقوب بن عبد الله بن جعفر [ بن عمرو ]٢) بن أمية، عن أبيه ، عن جدّه عمرو بن أمية قال : قدِمتُ برقيقٍ من عند النجاشي أعطانيهم فقالوا لي : يا عمرو لو رأينا رسولَ اللهِ لعرفناهُ من غير أن تُخْبِرَنا . فمرّ أبو بكر فقلت : أهو هذا؟ قالوا: لا. فمرَّ عمر فقلت: أهو هذا؟ قالوا: لا، فدخلنا الدار، فمرَّ رسولُ الله ◌َّ فنادَوْني: يا عمرو، هذا رسولُ الله وَ لّل فنظرت، فإذا هو هو من غير أنْ يُخبرَهم به أحد ، عرفوه بما كانوا يجدونه مكتوباً عندهم . وقد تقدَّم إنذارُ سَيَأْ لقومِهِ، وبشارتُهُ لهم بوجودِ رسولِ اللهِ وَّ في شعرٍ أسلفناه في ترجمته (٣) فأغنى عن إعادته ، وتقدَّم قولُ الحبرَيْن من اليهود لِتُبَعِ اليَماني حين حاصَرَ أهلَ المدينة: إنها مُهَاجَرُ نبيِّ يكونُ في آخر الزمان، فرجع عنها ونظم شعراً يتضمن السلام على النبي ٤َّ). صَّةُ سَيْفِ بنِ ذِي يَزَن الحِمْيَرِي وبشارتُهُ بالنبيِّ الأَمِّيّ وقال الحافظ أبو بكر محمد بن جعفر بن سهل الخرائطي في كتابه ((هواتف الجِنَّان)(٥) : حدّثنا علي ابن حرب، حدّثنا أحمد بن عثمان بن حكيمُ(٢)، حدّثنا عمرو بن بكرُ(١) - هو ابن بكار القَعْنَي - عن أحمد ابن القاسم عن محمد بن السائب الكلبي ، عن أبي صالح ، عن عبد الله بن عباس قال : لما ظهر سَيْفُ بن ذي يَزَن - قال أبو المنذر(١): واسمه النعمان بن قيس - على الحبشة، وذلك بعد مولد رسولِ الله وَل بسنتين أتته وفودُ العرب وشعراؤها تهنّه وتمدحه ، وتذكر ما كان من حُسْن بلائه ، وأتاه فيمن أتاه وفود قريش ، فيهم عبد المطلب بن هاشم ، وأمية بن عبد شمس ، وعبد الله بن جُدْعان ، وخُويلد بن أسد ، (١) انظر ص (٦٠) من هذا الجزء ح١. (٢) ليس ما بين المعقوفين في ح وهو من ط . (٣) انظر في الجزء الثاني من هذا الكتاب . (٤) انظر في الشعر المشار إليه في الجزء الثاني عند قصة ربيعة بن نصر من هذا الكتاب . في ح ، ط : هواتف الجان وما أثبته هو الاسم الصحيح كما سبقت الإشارة إليه (ص ٤٤ ح٥) ، والنص هنا منقول منه (ص١٨٨) وما يأتي بين معقوفين منه، وساق الخبر أيضاً أبو الفرج في الأغاني (٣١١/١٧) وما بعدها ( ط دار الكتب ) وابن عساكر مختصر ابن منظور (٥٧/٢ - ٦١) وابن الجوزي في الوفا (١٢٥/١ -١٢٨). (٥) (٦) في هواتف الجنان : حدثنا عثمان بن حكيم . (٧) الحاشية (١٢) . في دلائل أبي نعيم : عمرو بن بكير ، ولم أقف على ترجمة له. وسيأتي بهذا اللفظ في الصفحة (١٤٥) في موضع (٨) في ح ، ط : ابن المنذر تصحيف ، والمثبت من الهواتف ، وهو هشام بن محمد بن السائب الكلبي ، وقوله هذا في نسب معد (٥٤٥/٢) . ١٤٣ قصّة سيف بن ذي يزن الحميري وبشاراته بالنبي الأمّيّ في أناسٍ من وجوه قريش ، فقدِمُوا عليه صنعاء ، فإذا هو في رأسِ غُمْدال(١) الذي ذكره أمية بن أبي الصَّلْت: [ من الطويل ] واشْرَبْ هنيئاً عليكَ التاجُ مرتفقاً في رأسِ غُمدانَ داراً منك مِحْلالا٢ً) فدخل عليه الآذن ، فأخبره بمكانهم ، فأذن لهم ، فدنا عبد المطلب ، فاستأذنه في الكلام ، فقال له : إنْ كنتَ ممن يتكلّم بين يدي [ الملوك ] فقد أذِنَّا لك . فقال له عبد المطلب: إنَّ الله قد أحلَّك أيها الملك محلاً رفيعاً، صعباً منيعاً، شامخاً باذِخاً ، وأنبتك مَنْبِتاً طابتْ أَرُومَتُه، وعزَّت جُرْثُومَتُه(٣) ، وثبت أصله، وبَسَق فَرْعُه في أكرم موطن، وأطيب مَعْدِن، فأنتَ - أبيتَ اللَّعْنُ(٤) - ملكُ العرب، وربيعها الذي تُخصب به البلاد ، ورأس العرب الذي له تنقاد ، وعمودها الذي عليه العماد ، ومَعْقِلُها الذي يلجأ إليه العباد. سَلَفُكَ خير سلف، وأنت لنا منهم خَيْرُ خَلَف، فلن يَخْمُلَ (٥) مَنْ هم سَلَفُه ، ولن يَهْلِكَ من أنت خَلَفُه ؛ ونحن أيها الملك أهلُ حَرَم ، وَسَدَنَةُ بيته ، أشخصنا إليك الذي أبهجنا من كشفك الكَرْبَ الذي فدَحَنا، [فنحن ] وَفْدُ التهنئة لا وفد المَرْزِئة (٦) . قال : وأيُّهم أنت أيها المتكلم ؟ قال : أنا عبد المطلب بن هاشم . قال : ابن أختنا ؟ قال : نعم . قال : ادْنُ . فأدناه ، ثم أقبل عليه وعلى القوم فقال : مرحباً وأهلاً، وناقة ورَحْلاً، ومُستناخاً سهلاً ، وَمَلْكاً رِبَحْلاً(٧) يُعطي عطاءً جَزْلًا . قد سمع الملك مقالتكم ، وعرف قرابتكم ، وقبل وسيلتكم ، فأنتم أهلُ الليل والنهار، ولكم الكرامةُ ما أقمتم، والحِبَاءُ(٨) إذا ظعنتم . ثم أَنهضوا إلى دارِ الكرامة والوفود ، فأقاموا شهراً لا يصلون إليه ولا يأذنُ لهم بالانصراف ، ثمّ انتبه لهم انتباهة ، فأرسل إلى عبد المطلب فأدنى مجلِسَه وأخلاه ثم قال : يا عبد المطلب ، إني مفضٍ(٩) إليك من سِرِّ عِلْمي ، ما إنْ لو يكون غيرك (١) ((غمدان)): قصر في صنعاء ، بناه ليشرح بن يحصب ، وقيل: بناه سليمان بن داود عليهما السلام ، وفي معجم البلدان (٢١٠/٤) وصف لهذا القصر . (٢) البيت في ديوان أمية من قصيدة له (ص٤٥٨) والمحلال: التي يكثر فيها الحلول والإقامة. (٣) ((الجرثومة)): الأصل، وكذلك الأرومة. اللسان (أرم ، جرثم ). (٤) (( أبيت اللعن)): كلمة كانت العرب تحيي بها ملوكها في الجاهلية ؛ معناه: أبيت أيها الملك أن تأتي ما تُلعن عليه. اللسان ( لعن ) . (٥) في ح ، ط : يخمد ، والمثبت من هواتف الجنان . (٦) ((المرزئة)): المصيبة. اللسان ( رزأ). (٧) ((الملك الربحل)): الكثير العطاء. اللسان (ربحل). وعبارة ح: مرحباً وأهلاً وسهلاً وناقة ورحلاً، ومستناخاً وملكاً ربحلاً ، والمثبت من هواتف الجنان وط . (٨) ((الحِباء)): العطاء بلا مَنّ ولا جزاء. اللسان ( حبو). (٩) في ح : مفوض ، وكذا في هواتف الجنان . ١٤٤ قصَّة سيف بن ذي يَزَن الحميري وبشاراته بالنبي الأمِّيّ لم أبُخ به، ولكني رأيتك مَعْدِنَه، فأطلعتكَ طَلِيعَهُ(١)، فلْيكن عندك مطويّاً حتى يأذَنَ الله فيه، فإنَّ الله بالغُ أمره ، إني أجد في الكتاب المكنون ، والعِلْم المخزونِ الذي اخترناه لأنفسنا واحتجنَّاهُ دونَ غيرنا خبراً عظيماً ، وخطراً جسيماً ، فيه شرف الحياة ، وفضيلة الوفاة للناس عامّةً ، ولرَهْطك كافةً ولك خاصة . فقال عبد المطلب : أيها الملك ، مثلك سَرَّ وبَرَّ، فما هو فداؤك أهل الوبَر . زمراً بعد زُمَر ؟ قال : إذا ولد مولودٌ بتهامة ، غلامٌ بين كتفيه شامة ، كانت له الإمامة ، ولكم به الزَّعامة إلى يوم القيامة . قال عبد المطلب : أبيتَ اللَّعَن ، لقد أَبْتُ بخير ما آبَ به وافد ، ولولا هيبة الملك وإجلاله وإعظامه لسألته من بشارته ٢) إياي ما أزدادُ به سروراً . قال ابنُ ذي يَزَن : هذا حِينه الذي يولد فيه ، أو قد وُلد ، واسمه محمد ، يموت أبوه وأمُّه ، ويكفله جدُّه وعَمُّه . وَلَّدناه مراراً، واللهُ باعثُه جهاراً، وجاعل له منا أنصاراً يُعِزُّ بهم أولياءَه ، ويُذِل بهم أعداءَه ، يضربُ بهم الناس عن عُرْض ، ويستبيحُ بهم كرائمَ الأرض ، يكسر الأوثان ، ويُخمِد النيران ، يعبد الرحمن، ويَدْحَر الشيطان، قوله فَصْل، وحكمه عَدْل، يأمر بالمعروف ويفعَلُه، وينهى عن المنكر ويُبطله. فقال عبد المطلب : أيها الملك عزَّ جدُّك وعلا كَعْبُك، ودام ملكك، وطال عمرك؛ فهل الملكُ سَارِّي(٣) بإفصاح ، فقد وضح لي بعض الإيضاح ؟ فقال ابن ذي يَزَن : والبيتِ ذي الحُجُب ، والعلاماتِ على النُّصُب(٤) ، إنك يا عبد المطلب، لجَدُّه غير كذِب. فخرَّ عبد المطلب ساجداً ، فقال: ارفَعْ رأسَك ، ثَلَجِ صَدْرُك ، وعلا أمْرُكَ ، فقد أحسستَ شيئاً مما ذكرتُ لك . فقال : أيها الملك ، كان لي ابن ، وكنتُ به مُعْجَباً، وعليه رفيقاً ، فزوَّجته كريمةً من كرائم قومه ، آمنةَ بنت وَهْب ، فجاءتْ بغلامِ سمَّيْتُه محمداً ، فمات أبوه وأُّه ، وكفَلْتُهُ أنا وعَقُّه . قال ابنُ ذي يَزَن : إنَّ الذي قلتُ لك كما قلتَ، فاحتفظُ بابنك واحذَرْ عليه اليهود ، فإنهم له أعداءٌ ، ولن يجعل الله لهم عليه سبيلاً ، واطوِ ما ذكرتُ لك دون هؤلاء الرَّهْطِ الذين معك ، فإني لستُ آمَنُ أن تدخل لهمُ(٥) النَّفَاسَةُ من أن تكون لهمُ(٦) الرياسة ، فيطلبون له (١) كذا في ح، ط.وهواتف الجنان، وفي النهاية (١٣٣/٣) واللسان (طلع): أطلعتك طِلْعَه؛ أي: أعلمتُكَه، الطِلْع بالكسر : اسم من اطلع على الشيء إذا علمه . (٢) كذا في ط وفي ح : اساره . وفي هواتف الجنان والوفا: ساره، وأظن الصواب: مُسَارَّتِهِ. (٣) العبارة في ط هكذا : فهذا نجارى فهل الملك سار لي بإفصاح فقد أوضح ... وفي ح هكذا: فهذا ساري بإفصاح فقد وضح ، والمثبت من هواتف الجنان والوفا لابن الجوزي وسارِّي : من سارَّه في أذنه مسارَّةً : إذا ناجاه وأعلمه بسرِّه . اللسان ( سرر ) . (٤) في ح ، ط وهواتف الجنان : النقب ، والمثبت من الوفا لابن الجوزي ، ومختصر ابن منظور ، والنصب : جمع نصيبة ، وهي علامة تنصب للقوم . التاج ( نصب ) . (٥) في ح : يدخل لهم ، وفي هواتف الجنان : تدخلهم . (٦) في ط : لكم ، والمثبت من ح وهواتف الجنان . ١٤٥ قصَّة سيف بن ذي يَزَن الحميري وبشاراته بالنبي الأمِّيّ الغوائل (١)، وينصِبونَ له الحَبَائل، فهم فاعلونَ أو أبناؤهم، ولولا أني أعلم أنَّ الموت مجتاحي قَبْلَ مَبْعَثِهِ، لسرتُ بخيلي ورَجِلي حتى أصيِّرَ يَثْرِبَ دارَ مُلْكي(٢) ، فإني أجد في الكتاب الناطق ، والعلم السابق ، أنَّ بيثرب اسْتِحْكَامَ أمْرِه ، وأهْلَ نصرته ، ومَوْضعَ قبره ؛ ولولا أني أقيهِ الآفات ، وأحْذَرُ عليه العاهات لأعلنتُ على حداثة سِنِّهِ أمْرَه ، ولأوطأتُ أسنانَ العرب عَقِبَه ، ولكني صارفٌ ذلك إليك ، من (٣) غير تقصيرٍ بمن معك . قال : ثم أمر لكلِّ رجلٍ منهم بعشرة أعْبُد وعشر إماءٍ وبمئةٍ من الإبل ، وحُلَّتين من البرود ، وبخمسة أرطالٍ من الذهب، وعشرة أرطالِ فضَّة وكَرِشٍ مملوءٍ(٤) عَنْبَراً، وأمَرَ لعبد المطلب بعشرة أضعافِ ذلك وقال له : إذا حالَ الحَوْل فأتني . فمات ابنُ ذي يَزَن قبل أن يحولَ الحول ؛ فكان عبد المطلب كثيراً ما يقول : لا يغبِطْني رجلٌ منكم بجزيلٍ عطاء الملك ، فإنه إلى نفاد ، ولكنْ لِيَغْبطني بما يبقى لي ولعَقِبي من بعدي ، ذِكره وفخره وشرفه ، فإذا قيل له : متى ذلك ؟ قال : سيُعلم ولو بعد حين . قال : وفي ذلك يقول أُميَّة بن عبد شمس (٥): [من الوافر ] على أكوارِ أجمالٍ ونُوقٍ جلبْنا النُّصْح تَحْقُبُه (٦) المطايا إلى صنعاءَ من فجِّ عَمِيقٍ مُغَلْغَلَةً مَرَافِقُها٧) تَغَالَى بذاتِ بُطُونها ذمَّ الطريق(٨) تؤمُّ بنا ابنَ ذي يَزَن وتَفْرِي وترعَى من مخايلِهِ بُروقاً مُوَاصِلَةَ الوميضِ إلى بُرُوقٍ(٩) فلما واصلت(١٠) صَنعاءَ حلَّتْ بدارِ المُلْكِ والحَسَب العريقِ وهكذا رواه الحافظ أبو نعيم في ((الدلائل (١) من طريق عمرو بن بكير بن بكَّار القعنبيّ(١٢). (١) ((الغوائل)): الدواهي. اللسان (غول). (٢) في ح ، ط : بيثرب ، وفي ط : مملكته ، والمثبت من هواتف الجنان . (٣) في ح ، ط : عن ، والمثبت من هواتف الجنان والوفا لابن الجوزي . (٤) كذا في ح ، ط والهواتف ، والصواب : مملوءة لأن الكرش مؤنثة . (٥) ويروى الشعر لأمية بن أبي الصلت، والأبيات في ديوانه (ص ٤٢٤، ٤٢٥). (٦) كذا ضبط في هواتف الجنان ، ولعل الصواب في ضبطه : تُحْقَبُه، ويروى تحمله كما في ديوان أمية . (٧) في ح : مغلغلة مراتعها تعالى ، وفي ط : مقلفة ، وفي هواتف الجنان : مغلغلة مراقعها تعالى ، ورواية النهاية واللسان ( غلل ) : مغلغلة مغالقها تغالى ، والمثبت من الديوان والأغاني . والمغلغلة : المسرعة في سيرها ، والمرافق : جمع مرفق ، وهو المفصل بين الساعد والعضد ، وتغالى : تتغالى ، أي تسرع . (٨) كذا في ح ، ط وهواتف الجنان ، ورواية الديوان والوفا : بطونَ خِفافِها أمُّ الطريق . وأم الطريق أعظمها . وهو أشبه بالصواب . (٩) رواية الديوان : ونلمح من مخايله بروقاً . (١٠) رواية الديوان وهواتف الجنان: واقعت . (١١) الدلائل (١/ ١١٤ - ١١٩). (١٢) قال بشار: هذا من رواية الكلبي عن أبي صالح باذام، وقد قال أبو صالح له: كل ما حدثتك فهو كذب (الميزان ٢٩٦/١). ١٤٦ قصّة سيف بن ذي يزن الحميري وبشاراته بالنبي الأمَّيّ ثم قال أبو نعيمُ(١): أُخبرت عن أبي الحسن علي بن إبراهيم بن عبد ربه (٢) بن محمد بن عبد العزيز ابن عفير بن(٣) عبد العزيز بن السفر بن عفير بن زرعة بن سيف بن ذي يزن ، حدّثني أبي أبو يَزَن إبراهيم ، حدّثنا عمي أحمد بن محمد(٤) أبو رجاء(٥) به ، حدّثنا عمي محمد بن عبد العزيز ، حدّثني عبد العزيز بن عفير ، عن أبيه ، عن زرعة بن سيف بن ذي يزن الحميري قال : لما ظهر جدي سيف بن ذي يزن على الحبشة . وذكره بطوله (٦) . وقال أبو بكر الخرائطي (٧): حدّثنا أبو يوسف يعقوب بن إسحاق القُلُوسي، حدّثنا العلاء بن الفضل بن أبي سَوِيَّة ، أخبرني أبي عن أبيه عبد الملك بن أبي سَوِية ، عن جدِّه أبي سوية ، عن أبيه خليفة قال : سألت محمد بن عَدِي(٨) بن ربيعة بن سواءَة بن جُشَمُ(٩) بن سعد فقلت : كيف سمَّاك أبوك محمداً ؟ فقال : سألتُ أبي عمَّا سألتني عنه ، فقال : خرجتُ رابعَ أربعةٍ من بني تميم أنا منهم ، وسفيان بن مجاشع بن دارم ، وأسامة بن مالك بن جُنْدب بن العَنْبَرُ(١٠) ، ويزيد بن ربيعة بن كابِيَةُ (١) بن (١) ليس هذا القول في المطبوع من الدلائل وهو في دلائل البيهقي (١٤٠٩/٢). (٢) كذا في ح، ط وفي دلائل البيهقي وميزان الاعتدال (٤٤/١) والإصابة (٤٢٨/٢) ترجمة عبد العزيز بن سيف : ((إبراهيم بن عبد الله)). (٣) في دلائل البيهقي : عن . (٤) في دلائل البيهقي : أحمد بن حبيش وفي الإصابة : أحمد بن حسين . (٥) كذا في ط ، وفي ح : رخي . قال الذهبي في الميزان: فهؤلاء لا يدرى من هم . وقال ابن حجر في الإصابة: ورجال هذا الإسناد مجاهيل . (٦) وهذا إسناد تالف، كلهم مجهولون لا يُدرى من هم، كما بينه الإمام الذهبي في الميزان (٤٤/١) (بشار). (٧) في كتابه هواتف الجنان (ص١٩٣) والخبر ساقه أبو نعيم في دلائل النبوة (١١٢/١، ١١٣) والبيهقي أيضاً في الدلائل (١١٤/٢) وابن عساكر في تاريخه مختصر ابن منظور (١٦/ ٣٠٥) وهو بتحقيقي وابن الجوزي في الوفا (٤٦/١، ٤٧) وابن حجر في الإصابة (٣٧٩/٣، ٣٨٠، ٥١٣) والسيوطي في الخصائص (٢٣/١). وانظر طبقات ابن سعد (١٦٩/١) والروض (١/ ١٨٢)، في إسناده مجاهيل . (٨) في ح ، ط : محمد بن عثمان . وهي تصحيف ، والمثبت من مختصر ابن منظور لتاريخ ابن عساكر والوفا لابن الجوزي والدلائل والإصابة . (٩) في ح ، ط : خثعم ، وهو تصحيف ، والمثبت من دلائل أبي نعيم والبيهقي ومختصر ابن منظور لتاريخ ابن عساكر والإصابة ، وجمهرة النسب لابن الكلبي (٣٣٤/١) (ط العظم) وجمهرة الأنساب لابن حزم (ص ٢١٥). (١٠) ليس : ابن العنبر في ح وفي ط : ابن العقيد. والمثبت من الهواتف ومختصر ابن منظور والإصابة . وجمهرة النسب لابن الكلبي (٣٦٣/١) ط العظم. وجمهرة الأنساب لابن حزم (ص٢٠٨). (١١) في ح، ط والهواتف: كنانة، والمثبت من الاشتقاق لابن دريد (ص ٢٠٤) وجمهرة النسب لابن الكلبي (٣٧١/١ - ٣٧٣) ط العظم ، وجمهرة النسب لابن حزم (ص٢١١). ١٤٧ قصة سيف بن ذي يزن الحميري وبشاراته بالنبي الأمي حُرْقُوصُ(١) بن مازن، ونحن نُريد ابنَ جفنة ملك غسّان ، فلما شارفنا الشام نزلنا على غدير عليه شجرات ، فتحدَّثنا فسمع كلامنا راهب ، فأشرف علينا فقال: إنَّ هذه لغةٌ ما هي بلغةِ [ أهلِ ]٢) هذه البلاد. قلنا : نعم، نحن قومٌ من مُضَر . قال : من أيِّ المُضَربِّين ؟ قلنا : من خِنْدِف . قال : أما إنه سيبعث [ فيكم ] (٢) وشيكاً نبيٌّ خاتم النبيين، فسارِعُوا إليه وخذوا بحظّكم منه ترشُدوا . فقلنا له : ما اسمه ؟ قال : اسمه محمد . قال : فرجعنا من عند ابن جَفْنَة ، فولد لكلِّ واحدٍ منا ابنٌ فسمَّاه محمداً . يعني أنَّ كلَّ واحدٍ منهم طمع في أن يكون هذا النبيُّ المبشّر به ولدَه . وقال الحافظ أبو بكر الخرائطي(٣): حدّثنا عبد الله بن أبي سعد، حدّثنا حازم بن عِقَال بنُ(٤) حبيب ابن المنذر بن أبي الحِصْنُ) بن السمَوْأل بن عادياء، [ حدثني جامع بن خَيْران ٦) بن جُمیع بن عثمان بن سماك بن أبي الحِصْنُ(١) بن السمَوْأل بن عاديا ]٨) قال: لما حضرتِ الأوسَ بنَ حارثة بن ثعلبة بن عمرو ابن عامر الوفاةُ، اجتمع إليه قَوْمُه من غسَّان فقالوا: إنه قد حضر من أمر الله ما ترى، وقد كنَّا نأمُرك بالتزويج في شبابك فتأبى، وهذا أخوك الخَزْرَج له خمسة بنين، وليس لك ولدٌ غير مالك . فقال : لن يَهْلِكَ هالك تركَ مثل مالك، إنَّ الذي يُخرج النارَ من الوَثيمة٩ُ)، قادرٌ أن يجعل لمالكٍ نَسْلاً، ورجالاً بُسْلاً، وكلٌّ إلى الموت . ثم أقبل على مالك وقال : أيْ بُني ، المنيّة ولا الدنيَّة ، العقاب ولا العتاب ، التجلُّد ولا التلدُّد ١)، القبر خيرٌ من الفقر، إنَّه مَنْ قَلَّ ذَلٌ(١)؛ ومن كَرَم الكريم الدَّفْعُ عن الحريم ؛ والدَّهْر يومان ، فيوم لك، ويوم عليك، فإذا كان لك فلا تبطَرْ ، وإذا كان عليكَ فاصطبِرْ ، وكلاهما سينحسِر ، ليس يفلتُ منهما الملك المتوَّج، ولا اللئيم المُعَلْهَجُ(١٢)، سَلِّم ليومك حيَّاك ربك، ثمّ أنشأ يقول: [ من الطويل ] (١) في ح ، ط: حربوص. وهو تصحيف ، والمثبت من الهواتف والاشتقاق (ص ٢٠٣) وجمهرة ابن الكلبي وابن حزم المذكورين في الحاشية السابقة والتاج ( حرقص ) . (٢) ما بين معقوفين من الهواتف. (٣) في كتابه هواتف الجنان (ص ١٨٧)، وأخرجه ابن عساكر في تاريخه مختصر ابن منظور (٢/ ٦٣)، وذكره السيوطي في الخصائص (٢٨/١، ٢٩) وساق الخبر أبو علي القالي في أماليه (١/ ١٠٢) بنحوه عن أبي بكر بن دريد عن ابن الكلبي . (٤) انفردت ط بزيادة : عقال بن زهر بن حبيب . في ط : أبي الحصين. والمثبت من ح والهواتف والإكمال (٢٧٨/٢). (٥) (٦) في ط : جابر بن جدان، والمثبت من الهواتف والإكمال (٢٧٨/٢). (٧) في ط : سماك بن الحصين والمثبت من الهواتف والإكمال . (٨) سقط ما بين المعقوفين من ح . (٩) ((الوثيمة)): الصخرة، والحجر المكسور . النهاية واللسان (وثم ). (١٠) ((التلدُّد)): التلفُّت يميناً وشمالاً تحيُّراً. اللسان (لدد). ووقع في مختصر ابن منظور. ((التلذذ)) وهو تصحيف. (١١) انفردت ط بزيادة: من كرَّ فرَّ. (١٢) في ح والهواتف : المعلج ، قلت: لعل الصواب فيه: العُلَّج . وهو الشديد من الرجال قتالًا ونطاحاً . والمثبت من = ١٤٨ باب في هواتف الجان شَهِدتُ السبايا يومَ آلِ مُحَرِّقٍ فلم أرَ ذا مُلكٍ من الناسِ واحداً فعلَّ الذي أزْدَى ثموداً وجُرهماً تقرُّ بهم من آلِ عمرو بن عامرٍ فإن لم تكُ الأَيَّامُ(٣) أبلينَ جِدَّتِي فإنَّ لنا رباً علا فوقَ عرشِهِ ألم يأتِ قومي أنَّ الله دعوةٌ إذا بُعث المبعوثُ من آلِ غالبٍ هنالك فائقُوا نَصْرَهُ ببلادكم وأدرك عُمْريُ(١) صيحةَ الله في الحِجْرِ ولا سُوقةٌ إلَّ إلى الموتِ والقبرِ سَيُعِقِبُ لي نَسْلاً على آخر الدهْر عيونٌ لدى الداعي إلى طلَب الوِتْر(٢) وشيَّيْنَ رأسي والمشيبُ مع العُمْرِ عليماً بمايأتي من الخَيْرِ والشرِّ يفوزُ بها أهلُ السعادة والبرِّ بمكةَ فيما بين مكةَ والحِجْرِ بني عامرٍ إنَّ السعادةَ في النَّصْرِ قال : ثم قضی من ساعته(٤) باب في هواتف الجانٌ وما ألقته الجِنَّان على ألسنة الكهان ومسموعاً من الأوثان وقد تقدَّم كلامُ شِقِّ وسَطِيح لربيعة بن نصر ملك اليمن في البشارة بوجود رسولِ الله وَّ﴾(٥) . رسولٌ زكي ، يأتي إليه الوَحْي ، من قبل العلي، وسيأتي في المولد قول سَطِيح لعبد المسيح(٦): إذا كثرتِ التلاوة ، وغاضت بحيرة ساوه ، وظهر صاحبُ الهِرَاوة ، يعني بذلك رسولَ الله وَ ل كما سيأتي بيانه مفصلاً . وقال البخاري(٧) : حدّثنا يحيى بن سليمان الجُعْفي، حدّثني ابنُ وَهْب، حدّثني عُمر - وهو ابن محمد بن زيد - أن سالماً حدَّثه عن عبد الله بن عمر قال : ما سمعتُ عمر يقولُ لشيءٍ قطّ : إني لأظنُّه كذا ط والأمالي ، والمعلهج : الأحمق اللئيم والدعي الذي ليس بخالص النسب. التاج ( علهج ) . = (١) في ح، ط : أمري ، والمثبت من الهواتف ومختصر ابن منظور والخصائص. ((الوتّر)): الثأر. اللسان ( وتر ، ذحل ) . (٢) كذا في ح ، ط ، وفي الهواتف ومختصر ابن منظور : فإن لم تكن الأيام . (٣) (٤) إسناده تالف ، وعلامات الوضع بادية عليه ( بشار ) . (٥) مضى هذا النص في الجزء الثاني من هذا الكتاب . (٦) كذا في ح، ط : وهذا يدل على تقدم هذا الباب لأن قول سطيح مضى في (ص ٤٥) وانظر (ص٤٢ ح ٤). (٧) فتح الباري (٣٨٦٦) مناقب الأنصار باب إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وما يأتي بين معقوفين منه. ١٤٩ باب في هواتف الجان إلا كان كما يظُنّ . بينما عمر بن الخطاب جالسٌ إذْ مرَّ به رجلٌ جميل ، فقال [ عمر: ] لقد أخطأ ظني ، أو : إنَّ هذا على دينهِ في الجاهلية، أو لقد كان كاهِنَهُم، عليَّ الرَّجُل. فدعا به (١) فقال له ذلك، فقال : ما رأيت كاليوم استَقْبَل به رجلاً مسلما٢ً) . قال : فإني أعزمُ عليك إلا ما أخبرتني . قال : كنتُ كاهِنَهُم في الجاهلية(٣) . قال : فما أعجبُ ما جاءَّتْكَ به جِنِيِّئُك؟ قال: بينما أنا يوماً في السُّوق ، جاءَتْني أعرفُ فيها الفَزَع ، فقالت : [ من الرجز ] أَلَمْ ترَ الجِنَّ وإبلاسها٤) ويأسَها من بعدِ إنكاسِها٥) ؟ ولحُوقها بالقِلاصِ وأخلاسِها٦) (١) كذا في ح ، وفي ط : فدعي به ، وفي فتح الباري : فدُعي له ، والرجل هو سواد بن قارب كما سيأتي وكما في فتح الباري . (٢) رواية البخاري : استقبل به رجل مسلم ، وقال ابن حجر في شرحه : في رواية النسفي وأبي ذر رجلاً مسلماً . ورأيته مجوداً بفتح تاء ( استقبل ) على البناء للفاعل وهو محذوف تقديره : أحد ، وضبطه الكرماني استقبل بضم التاء ، وأعرب رجلاً مسلماً على أنه مفعول رأيت ، وعلى هذا فالضمير في قوله : به ، يعود على الكلام ، ويدل عليه السياق . (٣) قال ابن حجر في الفتح (١٧٩/٧، ١٨٠): الكاهن الذي يتعاطى الخبر من الأمور المغيبة ... ولقد تلطف سواد في الجواب إذ كان سؤال عمر عن حاله في كهانته إذ كان من أمر الشرك ، فلما ألزمه أخبره بآخر شيء وقع له لما تضمن من الإعلام بنبوة محمد ◌َّلة وكان سبباً لإسلامه. وقال في (٢١٦/١٠، ٢١٧): والكهانة : ادعاء علم الغيب كالإخبار بما سيقع في الأرض مع الاستناد إلى سبب ، والأصل فيه استراق الجني السمع من كلام الملائكة ، فيلقيه في أذن الكاهن ... وكانت الكهانة في الجاهلية فاشية خصوصاً في العرب لانقطاع النبوة فيهم وهي على أصناف : منها ما يتلقونه من الجن ، فإن الجن كانوا يصعدون إلى جهة السماء فيركب بعضهم بعضاً إلى أن يدنو الأعلى بحيث يسمع الكلام فيلقيه إلى الذي يليه ، إلى أن يتلقاه من يلقيه في أذن الكاهن فيزيد فيه فلما جاء الإسلام ونزل القرآن حرست السماء من الشياطين ، وأرسلت عليهم الشهب ، فبقي من استراقهم ما يتخطّفه الأعلى فيلقيه إلى الأسفل قبل أن يصيبه الشهاب ، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: ﴿ إِلَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَنْتَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ . وكانت إصابة الكهان قبل الإسلام كثيرة جداً كما جاء في أخبار شق وسطيح ونحوهما ، وأما في الإسلام فقد ندر ذلك جداً حتى كاد يضمحل ولله الحمد ؛ ثانيها : ما يخبر الجني به من يواليه بما غاب عن غيره مما لا يطلع عليه الإنسان غالباً ، أو يطلع عليه من قرب لا من بعد ؛ ثالثها : ما يستند إلى ظن وتخمين وحدس ، وهذا قد يجعل الله فيه لبعض الناس قوة مع كثرة الكذب فيه ؛ رابعها : ما يستند إلى التجربة والعادة ، فيستدل على الحادث بما وقع قبل ذلك ، ومن هذا القسم الأخير ما يضاهي السحر ، وقد يعتضد بعضهم في ذلك بالزجر والطرق والنجوم ، وكل ذلك مذموم شرعاً . وورد في ذم الكهانة ما أخرجه أصحاب السنن وصححه الحاكم من حديث أبي هريرة رفعه: (( من أتى كاهناً أو عرّافاً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد» . ثم ساق ابن حجر شواهد لهذا الحديث وأفاض. (٤) ((إبلاسها)): تحيُّرها ودَهَشها. النهاية (١/ ١٥٢/ بلس). (٥) ((اليأس)): ضد الرجاء، والإنكاس: الانقلاب ، قال ابن فارس : معناه أنها يئست من استراق السمع بعد أن كانت قد ألفته ، فانقلبت عن الاستراق قد يئست من السمع ( فتح الباري ٧/ ١٨٠) . (٦) ((القِلاص)): جمع قُلُص، وهو جمع قَلُوص، وهي الفتية من النياق ، والأحلاس جمع حِلْس، وهو ما يوضع = ١٥٠ باب في هواتف الجان قال عمر : صدق ، بينما أنا نائمٌ عند آلهتهم إذْ جاء رجلٌ بِعْجلٍ فذبحَهُ ، فصرخ به صارخٌ لم أسمعْ صارِخاً قطُّ أشدَّ صَوْتاً منه يقول: يا جَلِيحُ(١)، أمْرٌ نَجِيح، رجلٌ فصيح، يقول: لا إله إلا الله. فوثب القوم ، فقلت : لا أَبْرَحُ حتى أعلمَ ما وراءَ هذا. ثمّ نادى: يا جليح ، أمرٌ نَجِيح، رجلٌ فصيح يقول لا إله إلا الله، فقمتُ فما نَشِبْنا أنْ قيل : هذا نبيّ . تفرَّد به البخاري . وهذا الرجل هو سَوَاد بن قارِب الأزْدي، ويقال السَّدُوسي، من أهل الشَّرَاة من جبال البَلْقاء(٢) له صحبة ووفادة . قال أبو حاتم وابن مَنْدَه : روى عنه سعيد بن جبير ، وأبو جعفر محمد بن علي ، وقال البخاري : له صحبة . وهكذا ذكره في أسماء الصحابة أحمد بن [ هارون بن ]٣) روح البَرْذَعي الحافظ، والدَّارَ قُطْني (٤)، وغيرهما . وقال الحافظ عبد الغني بن سعيد المِصْريُ : سَوَاد بن قارِب بالتخفيف . وقال عثمان الوقَّاصي عن محمد بن كعب القُرَظي : كان من أشراف أهل اليمن . ذكره أبو نعيم في ((الدلائل)) وقد رُوي حديثُه من وجوهٍ أُخر مطوّلة بأبسطَ من روايةِ البخاري(١) على ظهور الإبل تحت الرَّحْل . ووقع هذا القسيم ( الشطر ) غير موزون ؛ وفي رواية الباقر (( ورحلها العيس بأحلاسها)) وهذا موزون. فتح الباري (٧/ ١٨٠، ١٨١). ((جليح بوزن عظيم)): معناه الوقح المكافح بالعداوة ؛ قال ابن التين : يحتمل أن يكون نادى رجلاً بعينه ، ويحتمل أن يكون أراد من كان بتلك الصفة . قال ابن حجر : ووقع في معظم الروايات : يا آل ذريح ، وهم بطن مشهور من العرب . فتح الباري (٧/ ١٨١) وقال السهيلي في الروض (٢٤٢/١): يا جليح : سمعت بعض أشياخنا يقول : هو اسم شيطان ، والجليح في اللغة ما تطاير من رؤوس النبات وخفّ نحو الفطر وشبهه . (٢) في ح، ط : السراة، بالسين المهملة ، والمثبت من مختصر ابن منظور (٢١١/١٠) ومعجم البلدان (٤٨٩/١ البلقاء) و(٣٣١/٣، ٣٣٢ الشراة) والبلقاء : كورة من أعمال دمشق بين الشام ووادي القرى ، قصبتها عمان ، وبالبلقاء مدينة الشراة شراة الشام ، أرض معروفة وبها الكهف والرقيم فيما زعم بعضهم . إضافة مفيدة لأنه منسوب إلى جده ، وهو البرديجي المتوفى سنة ٣٠١هـ صاحب كتاب طبقات الأسماء المفردة. (٤) (٣) المؤتلف والمختلف (١٢٣٣/٣) . راجع المؤتلف والمختلف لعبد الغني ، ص ٧١ . (٥) دلائل النبوة لأبي نعيم (١١١/١، ١١٢) (طبعة القلعجي ١٤٠٦ هـ). (٦) ساق المصنف بعض هذه الوجوه فيما يأتي ، وأشرتُ إلى أماكنها ، وينضاف إليها دلائل النبوة لأبي نعيم (١/ ١٣٧ - (٧) ١٤٢) ودلائل البيهقي (٢٤٨/٢ - ٢٥٤) ومستدرك الحاكم (٦٠٨/٣ - ٦١٠) وذكر الخبر ابن حجر في الإصابة ترجمة سواد عن ابن أبي خيثمة والروياني من طريق أبي جعفر الباقر ، وابن عبد البر في الاستيعاب ، والهيثمي في = ١٥١ باب في هواتف الجان وقال محمد بن إسحاق (١) : حدَّثني من لا أتَّهم عن عبد الله بن كعب مولى عثمان بن عفان ، أنه حُدِّث أنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه، بينما هو جالس في الناس في مسجد رسول الله وَ ﴿ إذْ أقبل رجلٌ من العرب داخل (٢) المسجد يريد عمر بن الخطاب، فلما نظر إليه عمر قال : إنَّ الرجل لعلى شِرْكه ، ما فارقَهُ بعد ، أو لقد كان كاهناً في الجاهلية . فسلّم عليه الرجل ثم جلس ، فقال له عمر : هل أسلمت ؟ قال : نعم يا أمير المؤمنين . قال : فهل كنتَ كاهناً في الجاهلية ؟ فقال الرجل : سبحان الله يا أمير المؤمنين! لقد خِلْتَ فيِّ(٣)، واستقبلْتَني بأمرٍ ما أراك قلتَهُ لأحدٍ من رعيتك منذ وَليت ما وليت . فقال عمر : اللهم غَفْراً ، قد كنّا في الجاهلية على شرٍّ من هذا، نعبد الأصنام ، ونعتنق الأوثان ، حتى أكرمنا الله برسولِهِ وبالإسلام . قال : نعم والله يا أمير المؤمنين ، لقد كنتُ كاهناً في الجاهلية . قال : فأخبِرْني ما جاء به صاحِبُك . قال: جاءني قبل الإسلام بشهر أو شَيْعِه٤ُ) فقال: ألم تَرَ إلى الجِنِّ وإبلاسها ، وإياسِها من دينها ، ولحوقها٥) بالقِلاص وأخْلاسِها . قال ابن إسحاق(٦) : هذا الكلام سجع ، وليس بشعر . [ قال عبد الله بن كعب ] : فقال عمر عند ذلك يحدِّث الناس: والله إني لعند وَثَنٍ من أوثان الجاهلية في نفَرٍ من قريش ، قد ذَبَحَ له رجلٌ من العرب عِجْلاً ، فنحن ننتظر أن يقسمَ لنا منه ، إذ سمعتُ من جَوْف العجل صوتاً ما سمعتُ صوتاً قطُّ أشدَّ منه ، وذلك قبل الإسلام بشهرٍ أو شَيْعِه يقول: يا ذَرِيح ، أمْرٌ نَجيح ، رجلٌ يصيحُ(٧) ، يقول : لا إله إلا الله . قال ابن هشام: ويقال رجل يصيح (٧) ، بلسان فصيحُ(٨)، يقول: لا إله إلا الله . قال : وأنشدني بعضُ أهل العلم بالشعر : [ من السريع ] مجمع الزوائد عن الطبراني (٢٤٨/٨ - ٢٥٠) والسيوطي في الخصائص (١٠٢/١) والبغدادي في شرح أبيات مغني = اللبيب (٢٧١/٦ - ٢٧٥) وقال ابن حجر في الفتح (١٧٩/٧): وهذه الطرق يقوى بعضها ببعض. (١) سيرة ابن هشام (٢٠٩/١) والروض (١/ ٢٤٢) وما يأتي بين معقوفين منهما . (٢) في السيرة والروض : داخلا . (٣) ((خلتَ فى)): من باب حذف الجملة الواقعة بعد خلت وظننت ، كقولهم في المثل : من يسمع يَخْل ، ولا يجوز حذف أحد المفعولين مع بقاء الآخر ، لأن حكمهما حكم الابتداء والخبر ، فإذا حذفت الجملة كلها جاز لأن حكمهما حكم المفعول ، والمفعول قد يجوز حذفه ، ولكن لا بد من قرينة تدل على المراد ، ففي قولهم : من يسمع يخل . دليل يدل على المفعول ، وهو يسمع ، وفي خلت فيّ دليل أيضاً ، وهو قوله : فيّ ، كأنه قال : خلت فيَّ الشر أو نحو هذا. الروض (٢٤٢/١). (٤) أي قَدْرَ شهر أو نحوه . غريب الحديث للخطابي (٢/ ٥٢١). (٥) في ح : وتخرقها ، والمثبت من ط . في السيرة والروض : قال ابن هشام . (٦) (٧) في ح : فصيح ، والمثبت من ط والسيرة والروض . (٨) في ح : نصيح والمثبت من ط والسيرة والروض . ١٥٢ باب في هواتف الجان وشدِّها العِيسَ بأخْلاسِها عَجِبْتُ للجِنِّ وإيْلاسِها تَهْوي إلى مكة تبغي الهُدَى ما مؤمنو(١) الجِنِّ كأنجاسِها وقال الحافظ أبو يَعْلى المَوْصلي(٢): حدّثنا يحيى بن حُجْر بن النعمان السَّامي(٣) ، حدّثنا علي بن منصور الأبناويّ(٤)، عن عثمانُ(٥) بن عبد الرحمن الوقَّاصي ، عن محمد بن كعب القُرَظي . قال : بينما عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذات يوم جالس ، إذ مرّ به رجل ، فقيل : يا أمير المؤمنين أتعرف هذا المارّ؟ قال: ومن هذا؟ قالوا: هذا سَوَاد بن قارب الذي أتاه رَئِتُّهُ بظهورِ رسولِ اللهِ بَّر، قال: فأرسل إليه عمر ، فقال له : أنت سَواد بن قارِب ؟ قال : نعم . قال : فأنت على ما كنتَ عليه من كهانتك ؟ قال : فغضب ، وقال : ما استقبلني بهذا أحدٌ منذُ أسلمتُ يا أمير المؤمنين ؟ فقال عمر : يا سبحان الله ! ما كنا عليه من الشرك أعظمُ مما كنتَ عليه من كهانتك! فأخبرني ما أنبأك رَئِيُّكَ بظهور رسولِ اللهِ وَلِّ ؟ قال : نعم يا أمير المؤمنين بينا أنا ذات ليلةٍ بين النائم واليقظان إذْ أتاني رَئِّي فضربني برجله وقال : قم يا سواد بن قارب ، واسمعْ مقالتي ، واعقِلْ إنْ كنتَ تعقِل ، إنه قد بُعث رسولٌ من لُؤَيٍّ بن غالب ، يدعو إلى الله وإلى عبادته . ثم أنشأ يقول : [ من السريع ] وَشدِّها العيسَ بأقْتَابها٦) عجبتُ للحِنِّ وتَطْلابها ما صادقُ الجِنِّ ككذَّابها تهوي إلى مكّةَ تبغي الهُدى ليسَ قَدَامَاها كأذنابها ٧) فارْحَلْ إلى الصِّفْوةِ مِن هاشمٍ قال : قلت : دعني أنام فإني أمسيتُ ناعساً . قال : فلما كانت الليلة الثانية أتاني فضربني برجله (١) في ح : مومني. (٢) الخبر في مسند أبي يعلى (١/ ٢٦٣) وهو في دلائل النبوة للبيهقي (٢٥٢/٢، ٢٥٣)، وأخرجه المعافى بن زكريا في الجليس الصالح (٢/ ٦٧) عن عبد الباقي بن قانع عن محمد بن زكريا الغلابي عن بشر بن حجر عن علي بن منصور به. (٣) في ح، ط: الشامي، بالشين المعجمة، وهو تصحيف، والمثبت من الإكمال (٤/ ٥٥٧) والأنساب (١٦/٧) ودلائل البيهقي . (٤) في ط والمطبوع من دلائل البيهقي: ((الأنباري)) وهو تحريف، فقد قيده الحافظ معين الدين بن نقطة الحنبلي في إكمال الإكمال في باب ((الأنباري والأبياري والأبناوي الأنماري))، فقال: ((وأما الأبناوي بعد الباء المعجمة بواحدة نون وبعد الألف واو فهو : ... وعلي بن منصور الأبناوي ، حدث عن عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي بقصة سواد ابن قارب ، روى عنه بشر (هكذا وقع عنده، وصوابه: يحيى) بن حجر بن النعمان السامي)) (١/ ١٦٧)، ونقله عنه الحافظ ابن حجر في التبصير (٣٦/١)، وكذلك ذكره المزي في ترجمة عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي من التهذيب (١٩ /٤٢٦) . (٥) في ط : محمد بن عبد الرحمن الوقاصي وفي ح : محمد بن عثمان الوقاصي ، وفي الحاشية : وجميعه تصحيف ، والمثبت من اللباب (٣/ ٣٧٠) وتهذيب المزي (٤٢٥/١٩) وتهذيب التهذيب (٧/ ١٣٣) ودلائل البيهقي. (٦) ((الأقتاب)): جمع قَتَب، وهو الرحل الصغير على قدر سنام البعير. المعجم الوسيط (قتب ). (٧) الصفوة، مثلثة الصاد، والكسر أفصح اللغات فيه، صفوة الشيء: خياره وأخلصه. الجليس (٢/ ٧٠). ١٥٣ باب في هواتف الجان وقال : قم يا سواد بن قارِب واسمعْ مقالتي ، واعقِل إن كنتَ تعقل ، إنه بُعث رسولٌ من لُؤيٍّ بن غالب ، يدعو إلى الله وإلى عبادته ، ثمّ أنشأ يقول: [ من السريع ] وشَدِّها العِيسَ بأكْوارِها عجبتُ للجنّ وتَخبارِها ما مؤمنو الجنِّ ككُفَّارِها تهوي إلى مكة تبغي الهدى بينَ رَوابيها وأحْجَارها فارْحَلْ إلى الصِّفْوةِ من هاشمٍ قال : قلت : دَعني أنام ، فإني أمسيتُ ناعساً . فلما كانت الليلة الثالثة أتاني فضربني برجله وقال : قم يا سواد بن قارِب ، فاسمع مقالتي ، واعقل إنْ كنت تعقل ، إنه قد بُعث رسولٌ من لؤي بن غالب ، يدعو إلى الله وإلى عبادته ثم أنشأ يقول : [ من السريع ] وشدِّها العيسَ بأحلاسها عجبتُ للجنِّ وتَحْساسِها١) ما خيِّرُ الجنِّ كأنْجاسها تهوي إلى مكةَ تبغي الهدى واسمُ بعينيكَ إلى رأسِها فارْحَلْ إلى الصِّفْوة من هاشمٍ قال : فقمتُ وقلت: قد(٢) امتحن الله قلبي، فرخَلْتُ ناقتي ثم أتيت المدينة - يعني مكة - فإذا رسول الله وَلَّه وأصحابه حَوْلَه، فدنوتُ فقلت: اسمع مقالتي يا رسول الله . قال: هات، فأنشأتُ أقول : [ من الطويل ] ولم يكُ فيما قد بَلَوْتُ(٣) بكاذبِ أتاني نَجِيِّي بعدَ هدْءٍ ورقْدةٍ ثلاثَ ليالٍ قولُه كلَّ ليلةٍ فشمَّرتُ عن ذيلي الإزارَ ووسَّطَتْ أتاكَ رسولٌ من لُؤيٍّ بنِ غالبٍ بِيَ الذِّعْلِبُ الوَجْناءُ غُبْرَ السَّبَّاسِبِ (٤) وأنَّكَ مأمونٌ على كلِّ غائبٍ فأَشهدُ أنّ الله لا شيءَ غيرُه إلى الله يا بنَ الأكرمينَ الأطايبِ وأنَّكَ أدْنَى المرسلينَ وَسيلةً وإنْ كان فيما جاء شَيْبُ الذوائبِ فمُرْنا بما يأتيكَ يا خيرَ مَنْ مَشَى سِواكَ بِمُغْنٍ عن سَوَادِ بن قارِبِ وكنْ لي شفيعاً يومَ لا ذو شفاعةٍ (١) قال ابن حجر في الفتح (٧/ ١٨٠): وتحساسها : بفتح المثناة وبمهملات، أي : أنها فقدت أمراً فشرعت تفتش عليه . (٢) ليست : قد في ح . في حٍ : يكون ، وفي ط : والمثبت من الروايات الأخرى . (٣) (٤) ((الذَعْلب)): الناقة السريعة. ((الوجناء)): الغليظة الصلبة، وقيل: العظيمة الوجنتين. ((وغير السباسب)): القفار والمفاوز التي لا يهتدى للخروج منها ، مفردها: غبراء سبسب. النهاية (٢/ ١٦١ ذعلب) و(١٥٨/٥ وجن) و(٣٣٧/٣ غبر) و(٣٣٤/٢ سبسب). وقال المعافى: السباسب، وهي الأقضية الواسعة من الأرض، وهي ما كان قفراً أملس . الجليس (١/ ٧٠) . ١٥٤ باب في هواتف الجان قال : ففرح رسولُ اللهَ وَّهِ وأصحابُه بمقالتي فرحاً شديداً، حتى رُئي الفرَحُ في وجوههم . قال : فوثب إليه عمرُ بن الخطاب فالتزمه وقال : قد كنتُ أشتهي أنْ أسمعَ هذا الحديثَ منك ، فهل يأتيك رَئِيُّك اليوم ؟ قال : أمَّا منذُ قرأتُ القرآن فلا ، ونعم العِوَضُ كتابُ الله من الجِنّ . ثم قال عمر : كنا يوماً في حيٍّ من قريش يقال لهم : آل ذَرِيح، وقد ذبحوا ◌ِجْلاً لهم والجزَّار يُعالجه ، إذ سمعنا صوتاً من جَوْفِ العجل ولا نرى شيئاً ، قال : يا آل ذريح، أمرٌ نَجيح، صائح يَصيح ، بلسانٍ فصيح ، يشهدُ أن لا إله إلَّ الله . وهذا منقطعٌ من هذا الوجه ، ويشهد له روايةُ البخاري . وقد تساعدوا على أنَّ السامعَ الصوتَ من العجل هو عمر بن الخطاب والله أعلم . وقال الحافظ أبو بكر محمد بن جعفر بن سهل الخرائطي في كتابه الذي جمعه في هواتف الجِنَّال (١): حدّثنا أبو موسى عمران بن موسى المؤذِّب ، حدّثنا محمد بن عمران بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، حدّثنا سعيد بن عبيد الله الوَصَّافي(٢) ، عن أبيه ، عن أبي جعفر محمد بن علي قال : دخل سَوَادُ بن قارِب السَّدُوسي على عمرَ بن الخطاب رضي الله عنه فقال : نشدتُكَ بالله يا سواد بن قارب ، هل تُحسن اليوم من كَهَانتك شيئاً ؟ فقال : سبحان الله يا أمير المؤمنينّ! ما استقبلتَ أحداً من جُلَسائك بمثل ما استقبلتني به ! قال : سبحان الله يا سواد ! ما كنا عليه من شِرْكنا أعظمُ مما كنتَ عليه من كهانتكَ ؛ والله يا سواد، لقد بلغني عنك حديثٌ إنه لعجَبٌّ من العجَب! [ قال: إي والله يا أمير المؤمنين إنه لعجبٌ من العجب (٣) . قال : فحدِّثنيه . قال : كنتُ كاهناً في الجاهلية ، فبينا أنا ذات ليلةٍ نائمٌ إذْ أتاني نَجِيِّي ، فضربني برجله ، ثم قال: يا سَوَاد ، اسمعْ أقلْ لك. قلت : هات. قال : [من السريع ] ورَحْلِها العيسَ بأحْلاسها عجِبْتُ للجِنِّ وأنجاسها ما مؤمنوها مثلُ أزْجَاسها تهوي إلى مكة تبغي الهُدَى واسمُ بعينيكَ إلى رأسها فارحلٌ إلى الصفوةِ من هاشم قال : فنمتُ ولم أحفِل بقوله شيئاً ؛ فلما كانت الليلة الثانية أتاني فضربني برجله ثمّ قال لي : قم يا سَوَاد بن قارب، اسمع أقلْ لك . قلت: هات. قال : [من السريع ] عجِبْتُ للجِنِّ وتطلابها ورَحْلها٤) العيسَ بأقتابها (١) (ص١٤٨) وقد جاء في ح، ط: هواتف الجان، وما أثبته هو الصحيح. انظر (ص ٤٤ ح٥). (٢) في ط : الوصابي. والمثبت من ح والهواتف والإكمال (٧/ ٤٠٠) واللباب (٣٦٨/٣). ضعفه أبو حاتم. الجرح والتعديل (٣٨/٤) وميزان الاعتدال (١٥٠/٢) ولسان الميزان (٣٧/٣). (٣) ما بين المعقوفين سقط من ح وهو في ط والهواتف . (٤) في ط : وشدها . والمثبت من ح والهواتف . ١٥٥ باب في هواتف الجان ما صادقو الجِنَّ ككُذَّابها تهوي إلى مكة تبغي الهدى ليس المقاديمُ كأذنابها فارحلْ إلى الصفوة من هاشمٍ قال : فحرّك قولُه مني شيئاً ، ونمت ؛ فلما كانت الليلة الثالثة أتاني فضربني برجله ثمّ قال : يا سواد بن قارب ، أتعقِلُ أم لا تعقل؟ قلت : وما ذاك ؟ قال: ظهر بمكة نبيٌّ يدعو إلى عبادة ربِّهِ (١) فالْحَقْ به ، اسمع أقل لك . قلت : هات ، قال : ( من السريع ] ورَحْلِها العيسَ بأكْوارها عجبتُ للجنِّ وأخبارها٢) ما مؤمنوها مثل كُفَّارها٣) تهوي إلى مكةَ تبغي الهدى بينَ روابيها وأَحجارها؛) فارْحَلْ إلى الصفوةِ من هاشمٍ قال : فعلمتُ أنَّ الله أرادَ بي خيراً ؛ فقمتُ إلى بُرْدة لي، ففتقتُها وليستُها ، ووضعتُ رجلي في غَرْزُ(٥) ركاب الناقة، وأقبلتُ حتى انتهيتُ إلى النبيِ وَّ فعرض عليَّ الإسلام، فأسلمتُ ، وأخبرتُه الخبر، قال: ((إذا اجتمع المسلمونَ فأخبِرْهم)). فلما اجتمع المسلمون قمت فقلت: [ من الطويل ] ولم يكُ فيما قد بَلَوتُ بكاذبِ أتاني نَجِيِّي بعدَ هذهِ ورَقْدةٍ أتاك رسولٌ من لُؤَيِّ بن غالبٍ ثلاث ليالٍ قولُه كُلَّ ليلةٍ بِيَ الذِّعلبُ الوَجْناءُ غُبْرِ السَّبَاسِبِ فشمرتُ عن ذيلي الإزارَ ووسَّطَتْ وأنَّك مأمونٌ على كلِّ غائبٍ وأعلمُ أنَّ الله لا ربَّ غيرُه إلى اللهِ يا بنَ الأكرمينَ الأطايبِ وأنك أدنى المرسلينَ وسيلةً وإنْ كان فيما جاءَ شَيْبُ الذوائبِ فمُرْنا بما يأتيكَ يا خيرَ مرسَلٍ قال : فسُرَّ المسلمون بذلك، فقال عمر: هل تُحِسُّ اليومَ منها بشيء؟ قال: أمَّا مُذ٦ْ) علَّمني الله القرآنُ فلا . وقد رواه محمد بن السائب الكلبي عن أبيه ، عن عمر بن حفص قال : لما ورد سَوَاد بن قارب على عمر قال: يا سَوَاد بن قارب، ما بقي من كهانتك ؟ فغضب وقال: ما أظنُّك يا أمير المؤمنين استقبلتَ أحداً من العرب بمثل هذا ، فلما رأى ما في وجهه من الغضَب ، قال : انظرْ سواد ، للَّذي كنَّا عليه قبلَ اليوم من في ح : عبادة الله . (١) (٢) في ط : وتنفارها . في ح : ما مؤمنوها ككفارها ، وفي ط : ما مؤمنو الجن ككفارها . والمثبت من الهواتف . (٣) (٤) في الهواتف : وأحبارها ، وفوقها إشارت تضبيب . (٥) ((الغرز)): ركاب الرحل ، من جلود مخروزة ، فإذا كان من حديد أو خشب فهو ركاب ، وغرز رجله في الغرز : وضعها فيه ليركب وأثبتها . اللسان ( غرز ) . (٦) في ط : إذ ، والمثبت من ح والهواتف . ١٥٦ باب في هواتف الجان الشِّرْك أعظم . ثمّ قال: يا سواد ، حدّثني حديثاً كنتُ أشتهي أسمعه منك . قال: نعم ، بينا أنا في إبلٍ لي بالشراء(١) ليلاً وأنا نائم ، وكان لي نَجِيٌّ، فأتاني (٢) فضربني برجله فقال لي : قم يا سواد بن قارب ، فقد ظهر بتهامة نبيٌّ يدعو إلى الحق وإلى طريقٍ مستقيم . فذكر القصة كما تقدم وزاد في آخر الشعر : [من الطويل] سواك بمغنٍ عن سَوَاد بن قاربِ وُنْ لي شفيعاً يومَ لا ذو قرابةٍ فقال رسولُ اللهِ ◌ّل: (( سِرْ في قومِكَ وقل هذا الشعر فيهم)). ورواه الحافظ ابن عساكر(٣) من طريق سليمان بن عبد الرحمن عن الحكم بن يعلى بن عطاء المحاربي ، عن عباد بن عبد الصمد عن سعيد بن جبير قال : أخبرني سواد بن قارب الأزْدي . قال : كنتُ نائماً على جبلٍ من جبال الشراة فأتاني آتٍ فضربني برجله . وذكر القصة أيضاً . ورواه(٤) أيضاً من طريق محمد بن البراء عن أبي بكر بن عياش عن أبي إسحاق عن البراء قال : قال سواد بن قارب : كنت نازلاً بالهند فجاءني رَئِّ ذات ليلة ، فذكر القصة . وقال بعد إنشاد الشعر الأخير فضحك رسول الله وَ ل حتى بدت نواجذُه وقال: ((أفلحتَ يا سَوَاد)). وقال أبو نعيم في كتاب (( دلائل النبوة)(٥): حدّثنا عبد الله بن جعفر(٦) ، حدّثنا عبد الرحمن بن الحسن ، حدّثنا علي بن حرب ، حدّثنا أبو المنذر هشام بن محمد بن السّائب ، عن أبيه ، عن عبد الله العُمَاني(٧) قال: كان منا رجلٌ يقال له: مازن بن الغضوبة(٨) يَسْدُنُ صنماً بقريةٍ يقال لها : سمايا ، من عُمان ، وكانتْ تعظّمه بنو الصامت وبنو خِطامة (٩) ومهرة، وهم أخوال مازن - أمه ( ١٠) زينب بنت (١) في ح ، ط : السراة بالسين المهملة . (٢) في ط : وكان لي نجي من الجن أتاني . (٣) مختصر ابن منظور لتاريخ ابن عساكر (٢١١/١٠) . (٤) لم أجد الرواية في تاريخ ابن عساكر لعدم توفر الأجزاء التي ضمت ترجمة ( سواد ). (٥) دلائل النبوة (١٤٢/١ - ١٤٥) وأخرجه البيهقي في الدلائل (٢٥٨/٢) عن علي بن حرب به ، وذكره ابن حجر في الإصابة ( ترجمة مازن بن الغضوبة) والهيثمي في مجمع الزوائد (٢٤٧/٨) والسيوطي في الخصائص (١٠٣/١). ومن بداية هذا الخبر إلى موضع ح ١٧ من المتن متقدم في ط متأخر في ح ، يدل على ذلك أرقام صفحات ح في الهامش . (٦) في ح ، ط : عبد الله بن محمد بن جعفر ، والمثبت من دلائل أبي نعيم ، وهو عبد الله بن جعفر بن أحمد بن فارس أو عبد الله بن جعفر الجابري ، وأبو نعيم يروي عنهما. سير أعلام النبلاء (٥٥٣/١٥ و١٣٣/١٦). (٧) في دلائل أبي نعيم : المعافى . (٨) في ح : المغصوبة . من غير إعجام ، وفي ط : العضوب بالعين المهملة ، وفي دلائل أبي نعيم : الغضوب ، وما أثبتناه من سائر المصادر المذكورة آنفاً وتجريد الذهبي (٢/ ٤٠): وفي التاج ( غضب ) : وغضوبة بطن من العرب . ويسدن فهو سادن ، والسادن هو خادم الكعبة وبيت الأصنام . اللسان ( سدن ) . (٩) في ح، ط: حطامة . بالحاء المهملة والمثبت من دلائل أبي نعيم وجمهرة ابن دريد (٢٣٢/٢) والاشتقاق له (ص٢٧٤، ٤٤٦)، والضبط من اللباب (٤٥٢/١) وضبط في الجمهرة والاشتقاق بضم الخاء المعجمة ضبط قلم . (١٠) كذا في ط وفي دلائل أبي نعيم : أخوان مازن لأمه . ١٥٧ باب في هواتف الجان عبد الله بن ربيعة بن خويص(١) . أخبرني أحد بني نمران - قال مازن: فعتَرْنا ذات يوم عند الصنم عَِيرة - وهي الذبيحة (٢) - فسمعتُ صوتاً من الصنم يقول: يا مازن، اسمعْ تُسَرّ، ظَهر خيرٌ وبُطن شَرّ ، بُعث نبيٌّ من مُضَر ، بدينِ اللهِ الأكبر(٣)، فدَع نَحيتاً من حجَر ، تَسْلَم من حَرِّ سَقَر . قال : ففزعتُ لذلك فزَعاً شديداً ، ثمّ عتَرْنا بعد أيام عَتيرةً أخرى ، فسمعتُ صوتاً من الصنم يقول : أقبلْ إليَّ أقبل ، تسمعْ ما لا يُجهل ، هذا نبيٌّ مرسل ، جاء بحق مُنزَل، فَآمَنْ به كي تُعْدَل، عن حَرِّ نارٍ تُشعل ، وقودها الجَنْدل(٤) . قال مازن : إنَّ هذا لعجب ، وإنَّ هذا لخَيْرٌ يُرادُ بي . وقدم علينا رجل من أهل الحجاز فقلت : ما الخبر وراءك ؟ فقال : ظهر رجلٌ يقال له : أحمد ، يقول لمن أتاه : أجيبوا داعيَ الله، فقلت: هذا نبأ ما سمعتُ، فتُرتُ إلى الصنم فكسرْتُه أجذاذأ٥ُ) ، وركبتُ راحلتي حتى قدمت على رسول الله ◌ِ ◌ّله فشرح الله صدري للإسلام، فأسلمت ، وقلت: [من البسيط] رَبّا نُطِيفُ به ضُلاَّ بِتَضْلالِ(٦) كسّرْتُ باجِرَ أجْذاذاً وكانَ لنا ولم يكُنْ دِينُهُ منّي على بالِ بالهاشميّ هَدانا مِن ضَلالتنا إني لِمَنْ قال ربي باجِرٌ قالِ يا راكباً بلِّغْنْ عَمْراً وإخوتَها(٧) يعني بعمرو بني الصامت وإخوتها خطامة (٨). فقلت: يا رسول الله إني امرؤ(٩) مولَعٌ بالطرب، وبالهَلُوك من النساءُ( ١٠) وبشرب الخمر، وألحَّتْ علينا السِّنُونَ فأذهبْنَ الأموال، وأهْزَلْن الذَّرَاري ، وليس لي ولد ، فادعُ الله أن يُذهب عني ما أجد، ويأتينا بالحَيًا، ويهب لي ولداً. فقال النبيُّ ◌ٍَّ: (( اللهم أبدلْهُ بالطربِ قراءةَ القرآن، وبالحرام الحلال، وبالإثم وبالعُهْر ◌ِفَّةً، وآَتِهِ بالحيا ، وهَبْ له ولداً)) قال : فأذهبَ الله عني ما أجد ، وأُخصبتْ عُمان، وتزوجتُ أربع حرائر، وحفظت شَطْر (١) كذا في ح، ط وفي دلائل أبي نعيم : حويص . بالحاء المهملة ولم أقف على ترجمة له . (٢) جاء في النهاية (١٧٨/٣ / عتر) العتيرة التي كانت تعترها الجاهلية، فهي الذبيحة التي كانت تذبح للأصنام ، فيصب دمها على رأسها . (٣) في ح : يدين الله أكبر . (٤) ((الجندل)): الحجارة. اللسان (جندل ). (٥) في الدلائل : فسرت إلى الصنم فكسرته جذاذاً. والمثبت من ح والنهاية (١/ ٢٥٠/ جذذ) وأجذاذاً : أي قطعاً وكِسَراً ، واحدها جَذَ . (٦) (باجر)): تكسر جيمه وتفتح، ويروى بالحاء المهملة، وكان في الأزد. النهاية (١/ ٩٧/ بجر) والأصنام لابن الكلبي (ص٦٣). ويقال للباطل : ضُلٌّ بتضلال . اللسان ( ضلل ). (٧) في دلائل البيهقي : وإخوته . (٨) انظر الصفحة السابقة ، الحاشية (٩). (٩) ليست اللفظة في ح . (١٠) ((الهلوك من النساء)): الفاجرة، وقيل: هي المتساقطة على الرجال. النهاية (٢٧١/٥/ هلك). ١٥٨ باب في هواتف الجان القرآن ، ووهب لي حَيَّان بن مازن ، وأنشأ١) يقول : ( من الطويل ] إليكَ رسولَ اللهِ خبَّتْ مطيَّتي لتشفعَ لي يا خيرَ من وطىء الثرى إلى معشرٍ خالفتُ في الله دينهم وكنتُ امرأً بالخمر والعُهْرِ مُولَعاً فبدَّلني بالخمرِ خَوْفاً وخشيةً فأصبحت هَمِّ في الجهادِ ونَّتي (٢) تجوبُ الفيافى من عُمَانَ إلى العَرْجَ فيغفر لي ربي فأرجعُ بالفَلْجُ فلا رأْيُهُم رأيي ولا شرجُهم شَرْجيُ* شبابيَ حتى آذنَ الجسمُ بِالنَّهْجِ(٥) وبالعُهْر إحصاناً فحصَّن لي فَرْجي فللهِ ما صَوْمي ولله ما حجِّي(٦) قال : [ فلما أتيت قومي أنَّبُوني وشتموني ]١) ، وأمروا شاعراً لهم فهجاني ، فقلت : إن رددْتُ عليه فإنما أهجو نفسي ؛ فرحلتُ عنهم فأتَتْني منهم زُلْفَةٌ عظيمة ، وكنتُ القيِّمَ بأمورهم ، فقالوا : يا بن عم ، عِبْنا عليك أمراً وكرهنا ذلك ، فإنْ أبيت ذلك فارجعْ وقُمْ بأمورنا ، وشأنك وما تدين به . فرجعتُ معهم وقلت : [ من البسيط ] وبُغْضُنا عندكمْ يا قومَنا لَبَنْ(٨) لَبَغْضُكُمْ عندنا مُرِّ مذاقتُه وكلُّكم حينَ يُثنى عَيْبُنَا فَطِنُ لا يقطنُ الذَّهْرُ إن بُثَّتْ معايبُكم شاعرُنا مُفْحَمٌ عنكم وشاعركم في جَدْبِنَا مُبْلِغٌ في شتِمِنا لَسِنُ(٩) ما في القلوب عليكم فاعلموا وَغَرُ " ١) وفي قلوبِكُمُ البغضاءُ والإحَنُ قال مازن : فهداهم الله بعدُ إلى الإسلامُ (١١) جميعاً. (١) في الدلائل لأبي نعيم والبيهقي : وأنشأت . ((العَرْج)): عقبة بين مكة والمدينة على جادة الحاج، تذكر مع السقيا. معجم البلدان (٩٩/٤). (٢) (٣) ((الفلج))، بفتح فسكون : الفوز والنصر . التاج (فلج ) . (٤) يقال: ليس هو من شرجه: أي من طبقته وشَكله . النهاية (٢/ ٤٥٦ شرج). (٥) ((النَّهْج )): البِلَى. النهاية (١٣٤/٥ نهج) . (٦) إلى هنا ينتهي الخبر في دلائل أبي نعيم ، وتتمته في دلائل البيهقي بنحوه . (٧) ليس ما بين المعقوفين في ح . في ح ودلائل البيهقي ومجمع الزوائد : لين بالياء ، والمثبت من ط . (٨) (٩) ((المفحَم)): العَبيَّ، ومن لا يقدر يقول شعراً. وأفحمه الهمُّ: منعه قول الشعر. ((والجَدْب)): العيب والذم. وفي ح ، ط : حدبنا . بالحاء المهملة ، ولا يصح وفي دلائل البيهقي : حربنا . (١٠) ((الوَغْر)) بفتح فسكون، ويُحرِّك: الحقد والضغن والعداوة. التاج (وغر). وفي ح : رعب. (١١) في ح: بالإسلام . وإلى هنا تنتهي القطعة المتقدمة في ط المتأخرة في ح . ١٥٩ باب في هواتف الجان وروى الحافظ أبو نعيمُ(١)، من حديث عبد الله بن محمد بن عقيل(٢)، عن جابر بن عبد الله قال: إنَّ أول خبرٍ كان بالمدينة بمبعث رسولِ اللهِ وَ لَّ أنَّ امرأةً بالمدينة كان لها تابعٌ من الجن ، فجاء في صورة طائرٍ أبيض ، فوقع على حائطٍ لهم ، فقالت له : لِمَ لا تنزلُ إلينا فتحدِّثنا ونحدِّثك ، وتخبرنا ونخبرك ؟ فقال لها : إنه قد بُعث نبيٌّ بمكة حرَّم الزِّنا ومنع منا القرار(٣) وقال الواقدي : حدّثني عبد الرحمن بن عبد العزيز ، عن الزُّهري ، عن علي بن الحسين قال : إنَّ أولَ خبرٍ قدم المدينة عن رسولِ الله وََّ أنَّ امرأةً تُدعى فاطمة كان لها تابع ، فجاءها ذات يوم ، فقام على الجدار ، فقالت : ألا تنزل ؟ فقال : لا ، إنه قد بُعث الرسول الذي حرَّم الزِّناء) وأرسله بعض التابعينُ(٥) أيضاً وسمَّاه بابن لوذان، وذكر أنه كان قد غاب عنها مدة ، ثمّ لما قدم عاتَبَتْهُ فقال : إني جئتُ الرسولَ فسمعته يحرِّم الزِّنا ، فعليك السلام . وقال الواقدي : حدّثني محمد بن صالح ، عن عاصم بن عمر بن قتادة قال : قال عثمان بن عفان : خرجنا في عير إلى الشام قبل أن يُبعث رسولُ الله وَّرَ فلما كنا بأفواه الشام - وبها كاهنة - فتعرضَتْنا، فقالت : أتاني صاحبي فوقف على بابي ، فقلت : ألا تدخل ؟ فقال : لا سبيل إلى ذلك ، خرج أحمد ، وجاء أمْرٌ لا يُطاق. ثم انصرفتُ، فرجعتُ إلى مكة، فوجدتُ رسولَ اللهِ وَللهقد خرج بمكة يدعو إلى الله عزَّ وجل . وقال الواقدي(٦) : حدّثني محمد بن عبد الله الزهري قال : كان الوحي يُسمع ، فلما كان الإسلام مُنعوا ، وكانتِ امرأةٌ من بني أسد يقال لها : سعيرة ، لها تابع من الجن ، فلما رأى الوحيَ لا يُستطاع ، أتاها فدخل في صدرها ، فضَّ في صدرها ، فذهب عقلُها ، فجعل يقول من صدرها : وُضع العناق ، ومُنع الرِّفاق ، وجاء أمر لا يُطاق ، وأحمد حرَّم الزِّنا . (١) في دلائل النبوة (١/ ١٣١) وأخرجه ابن إسحاق في السيرة (ص٩٢) رقم (١٢٢) وابن سعد في الطبقات (١٨٩/١، ١٩٠) عن عبد الله بن جعفر الرقي عن عبيد الله بن عمرو به والإمام أحمد في المسند (٣٥٦/٣) عن أبي المليح به، وأخرجه الطبراني كما في مجمع الزوائد (٢٤٣/٨) والخطيب في الأسماء المبهمة (ص٢٥٩) وسمَّى المرأة فيه بـ: فطيمة اليثربية ، وذكره السيوطي في الخصائص (١/ ١٠٣). (٢) عبد الله بن محمد بن عقيل ضعيف يعتبر به في المتابعات والشواهد ، فهو ضعيف عند التفرد ، وقد تفرد هنا (بشار ). (٣) في مسند الإمام أحمد : الفرار . بالفاء . طبقات ابن سعد (١٦٧/١) فيه الخبر بنحوه من طرق عن الزهري وعن علي بن الحسين ، وإسناده ضعيف ، (٤) لإرساله . (٥) دلائل النبوة لأبي نعيم (١٣٢/١). (٦) أخرجه ابن سعد بنحوه في الطبقات (١/ ١٦٧) عن علي بن محمد عن عبد الله بن محمد القرشي عن الزهري . ١٦٠ باب في هواتف الجان وقال الحافظ أبو بكر الخرائطي(١): حدّثنا عبد الله بن محمد البلوي بمصر، حدّثنا عُمارة بن زيد، حدّثنا عيسى بن يزيد، عن صالح بن كيسان، عمن حدّثه، عن مِزْداس بن قيس الدَّوْسي(٢) قال : حضرتُ النبيَّ بَّهِ وقد ذُكرتْ عنده الكهانةُ، وما كان من تعبيرها٣) عند مخرجه فقلت : يا رسول الله ، قد كان عندنا في ذلك شيءٌ، أُخبرك أنَّ جاريةً منّا يقال لها : الخَلَصة ، لم نعلم عليها إلا خيراً ، إذْ جاءتنا فقالت : يا معشر دَوْس ، العَجَب العَجَب لما أصابني! هل علمتم إلا خيراً ؟ قلنا : وما ذاك ؟ قالت: إنِّي لفي غنمي ، إذْ غشيتني ظُلْمة، ووجدتُ كحَسِّ الرجل مع المرأة ، فقد خَشِيتُ أن أكونَ قد حَبِلْت . حتى إذا دنتْ ولادتها ، وضعتْ غلاماً أغضف(٤) ، له أذنان كأُذُني الكلب ، فمكث فينا حتى إنَّه ليلعب مع الغلمان إذْ وثب وثبةً، وألقى إزاره، وصاح بأعلى صوته وجعل يقول: يا وَيْلَهُ يا وَيْلَهُ! يا عَوْلَهُ يا عَوْلَهُ(٥) ! يا ويل غَنْم ! يا ويل فهم ، من قابس النار . [من الرجز ] الخَيْلُ واللهِ وراءَ العَقَبَهْ فيهِنَّ فتيانٌ حِسَانٌ نَجَبَهْ قال : فركبنا وأخذْنا للأداة) ، وقلنا : يا ويلك ! ما ترى ؟ فقال : هل من جاريةٍ طامث ؟ فقلنا : ومن لنا بها ؟ فقال شيخٌ منا : هي واللهِ عندي ، عفيفة الأم ، فقلنا : فعجِّلْها ، فأُتي بالجارية ، وطلع الجبل ، وقال للجارية : اطرحي ثوبَكِ واخْرُجي في وجوههم . وقال للقوم: اتَّبعوا أثرها . وقال لرجلٍ منا يقال له : أحمر بن حابس ، فقال : يا أحمر بن حابس ، عليك أوَّلَ فارس . فحمل أحمر ، فطعن أولَ فارسٍ فصرعه ، وانهزموا فغنمناهم. قال(٧): فابتنينا عليهم بيتاً وسمَّيناه ذا الخَلَصَة ، وكان لا يقول لنا شيئاً إلا كان كما يقول ؛ حتى إذا كان مبعثُك يا رسول الله قال لنا يوماً : يا معشر دَوْس نزلت(٨) بنو الحارث بن كعب فاركبوا، فركبنا ، فقال لنا : اكْدِسُوا الخيلَ كَدْسه٩ُ)، [و]١٠) احشوا القوم رَمْساً ، (١) في هواتف الجنان (ص٤/١٥١) وأخرجه ابن عساكر عن الخرائطي في السيرة النبوية (١/ ٣٦٥) وما يأتي بين معقوفين منهما ، وإسناده ضعيف ، واستغربه المصنف . (٢) في ح ، ط السدوسي ، والمثبت من الهواتف وتاريخ ابن عساكر نسخة (د) والإصابة ترجمة مرداس بن قيس . في ح ، ط : تغييرها . والمثبت من الهواتف وتاريخ ابن عساكر نسخة (د) والإصابة ترجمة مرداس بن قيس . (٤) ((الأغضف)): كل متثنَّ متكسِّر مسترخ، وكلب أغضف: إذا صار مسترخي الأذن لطولها وسعتها. اللسان (غضف). (٣) (٥) ((الويل)): الحزن والهلاك والمشقة، ومعنى النداء فيه: يا حزني ويا هلاكي ويا عذابي احضر ، فهذا وقتك وأوانك . وأما العَول : فهو من العويل والبكاء والاستغاثة ، ولا يتكلم به إلا مع ( ويله) . اللسان ( ويل ، عول ) . (٦) كذا في ح، ط: وفي الهواتف وابن عساكر : الأداة . وفي اللسان ( أدا ): العرب تقول : أخذ هداته أي أداته ، على البدل . وأخذ للدهر أداته : من العُدَّة . ورجل مؤدٍ : ذو أداة : شاك في السلاح . (٧) في ح والهواتف وابن عساكر : قالوا . والمثبت من ط . (٨) في ح : يركب . (٩) ((كدست الخيل)): ازدحمت في سيرها فركب بعضها بعضاً. التاج والمعجم الوسيط ( كدس ). (١٠) كذا في ح ، ط والهواتف ، وأظن الصواب: واحثوا، والرمس : تراب القبر.