النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ صفة مولده الشريف عليه الصلاة والسلام عن أبي الحكم التَّوخي . قال : كان المولود إذا وُلد في قريش دفعوه إلى نسوةٍ من قريش إلى الصبح يَكْفَأْنَ عليه بُرْمَةُ(١)، فلما ولد رسولُ اللهِ لّهِ دفعه عبد المطلب إلى نسوةٍ فكفأنَ عليه بُرْمَةً ، فلما أصبحن أَتَيْنَ فوجدنَ البُرْمَةَ قد انفلقت عنه باثنتين ، ووجدْنَهُ مفتوحَ العينين، شاخصاً ببصره إلى السماء ، فأتاهُنَّ عبدُ المطلب ، فقلْنَ له : ما رأينا مولودا٢ً) مثله، وجدناهُ قد انفلقتْ عنه البُرْمة ، ووجدناهُ مفتوح العينين(٣)، شاخصاً ببصره إلى السماء . فقال: احْفَظْنَهُ فإنِّي أرجو أن يكون له شأن ، أو أن يُصيبَ خيراً . فلما كان اليومُ السابع ذبح عنه ودعا له قريشاً ، فلما أكلوا قالوا : يا عبد المطلب ، أرأيتَ ابنَكَ هذا الذي أكرمتنا على وجهه ما سمَّيْتَه؟ قال سمَّيْتُه محمداً. قالوا : أفرَغِبْتَ به عن أسماء أهل بيته ؟ قال : أردتُ أنْ يَحْمَدَهُ اللهُ في السماء وخَلْقُه في الأرض . قال أهلُ اللغة: كُلُّ جامعٍ لصفاتِ الخير يُسَمَّى محمداً ، كما قال بعضُهم: [من الطويل ] إليك - أبيتَ اللعنَ - أعملْتُ ناقتي إلى الماجدِ القَرْمِ الكريمِ المحمَِّ(٤) وقال بعض العلماء: ألهمهم الله عزَّ وجلَّ أنْ سمَّوه محمداً لما فيه من الصفات الحميدة، ليلتقيَ الاسمُ والفعل ، ويتطابق الاسمُ والمسمَّى في الصورة والمعنى ، كما قال عتُّهُ أبو طالب، ويروى لحسَّالُ(٥) . وشقَّ له من اسمِهِ ليُجِلَّهُ فذو العَرْشِ محمودٌ وهذا محمَّدُ وسنذكرُ أسماءَهُ عليه الصلاة والسلام وشمائلَهُ - وهي صفاتهُ الظاهرة وأخلاقُه الطاهرة - ودلائل نبوَّتِهِ وفضائلَ منزلَتِهِ في آخر السيرة إنْ شاء الله . وقال الحافظ أبو بكر البيهقي(٦) : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، حدّثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدّثنا أحمد بن شيبان الرَّمْلي، حدّثنا أحمد بن إبراهيم الحَلَبي (٧) ، حدّثنا الهيثم بن جميل ، حدّثنا زهير، عن محارب بن دثار ، عن عمرو بن يثربي ، عن العباس بن عبد المطلب قال : قلت : يا رسول الله ، دعاني إلى الدخول في دِينك أمارةٌ لنبوَّتك ، رأيتُكَ فِي المَهْد تُنَاغي القمرَ وتشيرُ إليه بإصْبَعِك ، فحيثُ أشرتَ إليه مال. قال: (( إنِّي كنتُ أُحَدِّثه ، ويحدِّثُني، ويُلْهيني عن البكاء ، وأسمعُ (١) ((يكفأن ((: يَقْلِبْنَ. البُرْمَةُ: القدر. اللسان ( كفأ، برم). (٢) في ح : مولداً والمثبت من ط والدلائل . (٣) في ح ، ط : مفتوحاً عينيه والمثبت من الدلائل . القرْم من الرجال : السيِّد المعظم. اللسان ( قرم) وهذا البيت من شواهد اللسان (حمد) وروايته «إليك أبيت (٤) اللعن كان كلالها )) وعزاه للأعشى - أعشى قيس - وهو في ديوانه (ص٢٨) وروايته : كان كلاهما . (٥) ليس البيت في ديوان شيخ الأباطح وقد عزي لأبي طالب في خبر ساقه المعافى بن زكريا في الجليس (٢٠٤/٢) والبيت في ديوان حسان (٣٠٦/١) . (٦) دلائل النبوة (٢/ ٤١) . (٧) في ط: ((الحبلي)) وهو تحريف، وما أثبتناه من الجرح والتعديل (٢/ ٤٠) وميزان الاعتدال (١/ ٨١). ٤٢ فصل فيما وقع من الآيات ليلة مولده محدث وَجْبَتَهُ(١) حين يسجدُ تحت العرش)). ثم قال: تفرَّد به الحَبَلي(٢) وهو مجهول(٣) فصل فيما وقع من الآيات ليلة مولده عليه الصلاة والسلام قد ذكرنا في باب هواتف الجانّ ما تقدَّمُ(٤) من خُرورٍ كثيرٍ من الأصنام ليلتئذٍ لوجوهها وسقوطها عن أماكنها ، وما رآه النجاشيُّ ملكُ الحبشة ، وظهور النور معه حتى أضاءت له قصورُ الشام حين ولد ، وما كان من سقوطِهِ جائياً رافعاً رأسه إلى السماء ، وانغلاقُ تلك البُرْمَة عن وجهه الكريم ، وما شوهد من النور في المنزل الذي ولد فيه ، ودنوّ النجوم منهم وغير ذلك . حكى السهيلي(٥) عن تفسير بَقِيِّ بن مَخْلَد الحافظ، أنَّ إبليسَ رَنَّ أربعَ رنَّات (٦): حين لُعِن ؛ وحين أُهبط؛ وحين وُلد رسولُ الله ◌َّه ؛ وحين أُنزلت الفاتحة. قال محمد بن إسحاق(٧) : وكان هشام بن عروة يحدِّث عن أبيه ، عن عائشة قالت : کان یهودٌّ قد سكن مكة يتَّجِر بها ، فلما كانت الليلةُ التي وُلد فيها رسولُ الله ◌َّ قال في مجلس من قريش : يا معشر قريش ، هل وُلد فيكم الليلةَ مولود ؟ فقال القوم : والله ما نعلمه . فقال: الله أكبر ، أما إذا٨) أخطأكم فلا بأس ، انظروا واحفظوا ما أقولُ لكم : وُلد هذه الليلة نبيُّ هذه الأمّةِ الأخيرة ، بين كتفيه علامةٌ فيها شعراتٌ متواتراتٌ كأنهنَّ عُرْفُ فرس ، لا يرضعُ ليلتين ، وذلك أنَّ عِفْريتاً من الجنِّ أدخل أَصبعه في فمه ، فمنعه الرضاع . فتصدَّع القومُ من مجلسهم وهم يتعجَّبون من قوله وحديثه ، فلما صاروا إلى منازلهم أخبر كلُّ إنسانٍ منهم أهله ، فقالوا : قد والله وُلد لعبد الله بن عبد المطلب غلامٌ سمَّوهُ محمداً ، فالتقى القوم فقالوا : هل سمعتم حديثَ اليهودي ؟ وهل بلغكم مَوْلِدُ هذا الغلام ؟ فانطلقوا حتى جاؤوا اليهوديَّ فأخبروه الخبر ؛ (١) وَجْبتُهُ : صوت سقوطه . ومنه حديث سعيد : لولا أصوات السافرة لسمعتم وجبة الشمس ؛ أي سقوطها مع المغيب . اللسان ( وجب ) . (٢) في ط: ((الليثي)) وهو تحريف . والحَبَلي: أحمد بن إبراهيم. (٣) قال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل: ((سألت أبي عنه وعرضت عليه حديثه، فقال: لا أعرفه وأحاديثه باطلة موضوعة كلها ليس لها أصول ، يدل حديثه على أنه كذاب)) (٢/ ٤٠). (٤) كذا في (ح، ط) وباب هواتف الجانّ سيأتي في (ص١٤٦) وذكر النجاشي في (ص ١٧٠) وهذا يدل على أن باب هواتف الجانّ منتزع من مكانه ومقدم على موضعه ، ويؤكد ذلك أيضاً قول المؤلف في (ص١٤٦) موضع الحاشية (٧) : وسيأتي قول سطيح لعبد المسيح . (٥) في الروض الأنف (١/ ١٨١). (٦) ((الرنة)): الصيحة الشديدة والصوت الحزين. اللسان (رنن ). (٧) قول ابن إسحاق في دلائل البيهقي (١٠٨/١) ومستدرك الحاكم (٦٠١/٢، ٦٠٢). (٨) كذا في ح، ط وفي الدلائل والمستدرك: ((إذْ)) وهو أشبه بالصواب . ٤٣ فصل فيما وقع من الآيات ليلة مولده الخالخ قال : فاذهبوا معي حتى أنظر إليه. فخرجوا به حتى أدخلوه على آمنة، فقالو(١) : أخرجي إلينا ابْنَكِ ، فأخرجَتْه ، وكشفوا له عن ظهره ، فرأى تلك الشامة ، فوقع اليهوديُّ مَغْشياً عليه ؛ فلما أفاق قالوا له : مالك ويلك ؟ قال : قد ذَهَبَتْ والله النبوَّةُ من بني إسرائيل، أفرحتم به يا معشر قريش؟ والله ليَسْطُوَنَّ بكم سَطْوَةً يخرج خبرُها من المشرق والمغرب(٢) . وقال محمد بن إسحاق (٣) : حدّثني صالح بن إبراهيم عن يحيى بن [ عبد الله بن ] عبد الرحمن بن أسعد بن زُرَارة قال: حدّثني منْ شئتَ من رجالِ قومي ممَّنْ لا أَتَّهِم عن حسَّان بن ثابت قال: إنِّي لغلامٌ ◌َفَعَةٌ ابن سبع سنين أو ثمانِ سنين ، أعقِلُ ما رأيتُ وسمعت ، إذا بيهوديٍّ في يثرب يَصْرُخ ذاتَ غداة : يا معشر يهودَ ؛ فاجتمعوا إليه - وأنا أسمع - فقالوا : ويلك مالك ؟ قال : قد طلع نجمُ أحمد الذي يولد به في هذه الليلة . وروى الحافظُ أبو نعيم في كتاب (( دلائل النبوة (٤) من حديث أبي بكر بن عبد الله العامري ، عن سليمان بن سُحيم ورُبَيْحُ(٥) بن عبد الرحمن كلاهما عن عبد الرحمن بن أبي سعيد [ الخُدْري ] عن أبيه قال : سمعت أبي مالك بن سنان يقول : جئتُ بني عبد الأشهل يوماً لأتحدَّث فيهم ، ونحن يومئذٍ في هُدْنةٍ من الحرب ، فسمعت يوشع اليهوديّ يقول : أظلَّ خروجُ نبيِّ يقالُ له : أحمد ، يخرجُ من الحرم . فقال له خليفةُ بن ثعلبةَ الأشهلي كالمستهزىء به : ما صفته ؟ فقال : رجلٌ ليس بالقصير ولا بالطويل ، في عينيه حمرة، يلبس الشَّمْلَة ، ويركب الحمار ، سيفُه على عاتقه ، وهذا البلد مُهاجَرُه . قال : فرجعت إلى قومي بني خُدْرَة ، وأنا يومئذ أتعجّبُ مما يقول يوشع ، فأسمع رجلاً منا يقول : ويوشع يقول هذا وحده ؟! كلُّ يهودِ يثربَ يقولون هذا . قال أبي مالكُ بن سنان : فخرجتُ حتى جئتُ بني قُرَيظة ، فأجد جمعاً، فتذاكروا النبيَّ وَله فقال الزبير بن باطا: [ قد ] طلع الكوكب الأحمر الذي لم يطلع إلا لخروج نبيِّ أو ظهوره ، ولم يبق [أحد ] إلا أحمد وهذا مُهاجَرُه. قال أبو سعيد: فلما قدم النبيُّ ◌َّ [المدينة ] أخبره أبي هذا الخبر، فقال رسول الله وَّليه: ((لو أسلم الزبير وذووه(٦) من رؤساء اليهود ، إنما هم له تبع )) . (١) كذا في ح ، ط ، وفي الدلائل والمستدرك : فقال: وهو أشبه بالصواب. (٢) أخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٦٠١، ٦٠٢) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه . قال الذهبي : قلت : لا . (٣) في سيرة ابن إسحاق (ص٦٣) ودلائل النبوة لأبي نعيم (ص١٦) وما يأتي بين معقوفين منهما . ومن تهذيب التهذيب (٣٧٩/٤) في ترجمة صالح بن إبراهيم . (٤) دلائل النبوة (١ /٧٩/ ٤٠) وما يأتي بين معقوفين منه. (٥) في ط : ذريح وفي الدلائل رميح ، وكلاهما تصحيف والمثبت من ح ، والتصحيح من الإكمال (١٨٨/٤) ومیزان الاعتدال (٣٨/٢) وتهذيب التهذيب (٢٣٨/٣). (٦) كذا في ط ، وفي ح ودلائل أبي نعيم ، وفي ط : لو أسلم الزبير لأسلم ذووه وهو الصواب . ٤٤ ذكر ارتجاج الإيوان وقال أبو نعيم(١): حدّثنا عمر بن محمد، حدّثنا إبراهيم بن السِّنْدي، حدّثنا النَّصْرُ بن سلمة ، حدثنا إسماعيل بن قيس بن سعد بن زيد بن ثابت ، عن أُمَّ سعد بنت سعد بن الربيع سمعت زيد بن ثابت يقول : كان أحبار يهود بني قُرَيظة والنَّضِير يذكرون صفةً النبيِّ وََّ، فلما طلع الكوكبُ الأحمر أخبروا أنه نبيّ ، وأنَّهُ لا نبيَّ بعدَه، واسمه أحمد، ومُهاجره إلى يثرب، فلما قدم رسولُ اللهَوَّه المدينة أنكروا وحسدوا وكفروا . وقد أورد هذه القصة الحافظ أبو نعيم في كتابه(٢) من طرق أُخرى ولله الحمد . وقال أبو نعيم(٣): حدّثنا أبو محمد بن حبان، حدّثنا أبو بكر بن أبي عاصم، حدّثنا وهْبُ بن مُنَبِّه، حدّثنا خالد عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب ، عن أسامة بن زيد قال : قال زيد بن عمرو بن نُقيل : قال المُوبَذَان - حَبْرٌ من أحبار الشام - : قد خرج في بلدك نبيّ - أو هو خارج - قد خرج نجمُه ، فارجِعْ فصدِّقْهُ واتَّبِعْه . ذكر ارتجاج الإيوان(٤) وسقوطِ الشُرُفات وخمودِ النيران ورؤيا المُوبَذَان وغير ذلك من الدَّلالات قال الحافظ أبو بكر محمد بن جعفر بن سهل الخرائطي في كتابه (( هواتف الجِنَّان (٥) : حدّثنا عليُّ بن حرب ، حدّثنا أبو أيوب يعلى بن عمران - من آل جرير بن عبد الله البجلي - حدّثني مخزوم بن هانىء المخزومي عن أبيه - وأتت عليه خمسون ومئة سنة - قال : لما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله وَّ ارتجس(٦) إيوانُ كسرى وسقطَتْ منه أربعَ عشرةَ شُرْفَة، وخمدَت نار فارس ، ولم تخمُدْ قبل ذلك بألفِ عام، وغاضَتْ بُحيرة ساوَةُ(٧)، ورأى المُوبَذَانُ(٨) إيلاً صِعَاباً تقودُ خيلاً عِراباً قد قطعتْ دِجْلة (١) في المطبوع (٣٩١/٧٩/١) بغير هذا الإسناد وسيشير المؤلف إلى ذلك بعد سطور. (٢) ما أشرت إليه في الحاشية السابقة هي إحدى هذه الطرق، وهذا مما يدل على أن المطبوع هو المختصر لكتاب الدلائل. (٣) في دلائل النبوة ١/ ٨٠ . (٤) في ط : ارتجاس إيوان كسرى . في ح، ط : هواتف الجان والمثبت من كتاب الخرائطي وذيل كشف الظنون (٧٢٩/٤) والجنّان جمع جان مثل (٥) حائط وحيطان . والنص فيه (ص١٧٩). (٦) فوقها في ح : ارتج ، وكتب فوقها حرف خ إشارة إلى أنها رواية نسخة ، وارتجس : اضطرب وتحرك حركة سمع لها صوت . اللسان ( رجس ) . (٧) ساوه ، بعد الألف واو مفتوحة بعدها هاء ساكنة : مدينة حسنة بين الري وهمذان في وسط ، بينها وبين كل منهما ثلاثون فرسخاً . معجم البلدان (١٧٩/٣) (ساوه ) . (٨) ((الموبذان للمجوس)): كقاضي القضاة للمسلمين . اللسان (موبذ). ٤٥ ذكر ارتجاج الإيوان وانتشرت في بلادها . فلما أصبح كِسْرى أفزعَهُ ذلك ، فتصبّر عليه تشجُّعاً ، ثم رأى أنه لا يدَّخِرُ ذلك عن مرازبته ؛ فجمعهم ولَبِس تاجَهُ وجلس على سريره ، ثم بعث إليهم ؛ فلمَّا اجتمعوا عنده قال : أتدرون فيما١) بعثتُ إليكم ؟ قالوا: لا، إلا أن يُخبِرَنا الملك. فبينما هم كذلك إذْ ورد عليهم كتابٌ بخُمودِ النيران، فازداد غمّاً إلى غمِّه، ثم أخبرهم بما رأى وما هاله، فقال المُوبَذَان: وأنا - أصلح الله الملك - قد رأيتُ في هذه الليلة رؤيا . ثم قصَّ عليه رؤياه في الإبل ، فقال : أيُّ شيءٍ يكونُ هذا يا مُوبَذان ؟ قال : حَدثٌ يكون في ناحية العرب - وكان أعلمَهم في أنفسهم - فكتب عند ذلك : من كسرى ملك الملوك إلى النعمان بن المنذر ؛ أمَّا بعد ، فوجِّه إليَّ برجلٍ عالم بما أريدُ أنْ أسألَه عنه . فوجَّه إليه بعبد المسيح بن عمرو بن حَيَّان بن بُقَيْلةُ(٢) الغسَّاني ؛ فلما ورد عليه قال له : ألك علمٌ بما أريد أن أسألك عنه ؟ فقال: لتخبرني ، أو ليسألني الملكُ عمَّا أحب ، فإنْ كان عندي منه علم ، وإلا أخبرتُه بمن يعلمه . فأخبره بالذي وجَّه به إليه فيه ؛ قال : علم ذلك عند خالٍ لي يسكنُ مشارفَ الشام يقال له : سَطِيح، قال : فأتِهِ فاسألُهُ عما سألتُكَ عنه ، ثم أنبِثْني بتفسيره . فخرج عبدُ المسيح ، حتى انتهى إلى سَطِيح، وقد أشفى على الضَّريح ، فسلَّم عليه وكلَّمه، فلم يردّ إليه سَطِيحٌ جواباً ، فأنشأ يقول : (من الرجز] أصَمُّ أم يسمعُ غِطْرِيفُ اليمن(٣) أمْ فازَ فازْلَمَّ بِهِ شَأْوُ العَنَن(٤) يا فاصِلَ الخُطَّةِ أعيَتْ مَنْ ومَنُ(٥) أتاكَ شيخُ الحيِّ من آلِ سَنَنْ وأُمُهُ من آلِ ذِئبِ بْنِ حَجَنْ أزرَقُ مَهْمُ النابِ صرَّارُ الأُذُنُ(٦) (١) كذا في ح بإثبات ألف ما، وإثباتها قليل شاذ. انظر الخزانة (٩٩/٦) وما بعدها بتحقيق هارون . (٢) في ح، ط: نفيلة، وفي الهواتف: حنان بن نفيلة، وكلاهما تصحيف، والمثبت من الإكمال (١/ ٣٤٧) وتاريخ ابن عساكر واللباب (١٦٧/١). (٣) ((الغطريف)) : السيد . (٤) فاز: هلك، ويروى فاد ، وهو بمعناه. ازلمَّ: من ازلأمّ، وازلامَ بالمد: إذا ولَّى مسرعاً. والشأو : الغاية والسبق. والعنن: الموت. ومعنى ((ازلم به شأو العنن)): ذهب به غايةُ الموت وسَبْقُه ذهاباً سريعاً. منال الطالب (١٣٧/١) . والبيت في اللسان (زلمٍ). (٥) ((الفاصل)): الحاكم المبيِّن. الخُطّة: الحالة والقضية. قوله : أعيت من ومن: أي إن هذه الخطة لصعوبتها أعجزت كل من جلَّ قدره في حلمه وحكمته ، فحذف الصلة التي لمن ومن ، كما حذفت في قولهم : بعد اللتيا والتي . منال الطالب (١٣٨/١). (٦) ((الأزرق)): أراد به النمر الزرقة عينيه. مَهْم الناب: محدَّده، ويروى: مهو ولا ممهى ومهمى وكلها بمعنى، = ٤٦ ذكر ارتجاج الإيوان أبيضُ فَضْفَاضُ الرِّداءِ والبَدَنْ رسولُ قَبْلِ العُجْمِ يَسْرِي للوَسَنُ(١) تَجُوبُ بي الأرضَ عَلَنْدَاةٌ شَجَن(٢) لا يَرهَبُ الرَّعْدَ ولا ريبَ الزَّمَنْ ترفَعُ بِي وَجْناً وَتَهْوي بي وَجَن (٣) حتى أتى عاري الجاجِي والقَطَنُ(٤) تَلُقُّهُ في الرِّيحِ بَوْغَاءُ الدِّمَنُ(٥) كأنما حُثْحَثَ مَن حِضْنَيْ ثَكَنُ(٦) قال : فلما سمع سَطيح شعره رفع رأسه يقول : عبدُ المسيح ، على جملٍ مُشيح ، أتى(٧) سطيح ، وقد أوفى على الضَّريح، بعثك ملكُ بني ساسان ، لارتجاس الإيوان ، وخُمود النيران ، ورؤيا المُوبَذَان ، رأى إيلاً صعاباً ، تقودُ خيلاً عِراباً ، قد قطعَتْ دجلةَ ، وانتشرت في بلادها ، يا عبدَ المسيح ، إذا كثرتِ التِّلاوة ، وظهر صاحب الهِراوة ، وفاض وادي السماوة ، وغاضَتْ بُحيرة ساوَه ، وخمدتْ نار فارس ، فليس الشام لسَطيح شاماً ، يملكُ منهم ملوكٌ ومَلِكات ، على عدد الشُّرُفات ، وكلُّ ما هو آتٍ آت . ثم قضى سَطِيحٌ مكانَه ، فنهض عبدُ المسيح إلى راحلته وهو يقول : [من البسيط ] ووقع في ح ومختصر ابن عساكر بم وفي ط نهم ، وأظنه تصحيف - والصرار الأذن : الذي نصب أذنه وسواها : = منال الطالب (١٤٠/١). (١) ((القيل)): من ملوك اليمن في الجاهلية، دون الملك الأعظم. ((الوسن)): النوم، وأراد به رؤيا الموبذان. (( يسري)): من السرى، سير الليل. منال الطالب (١٣٨/١) والمعجم الوسيط. (٢) ((العلنداة)): الناقة الطويلة العظيمة. ((شجن)): متداخلة الخَلق كأنها شجرة متصلة الأغصان؛ ويروى (( شزن)) بفتح الشين والزاي وضمهما : أي نشيطة . منال الطالب واللسان ( علند ، شجن ) . (٣) الوَجَن ، بسكون الجيم وفتحها : الأرض الغليظة الصلبة . اللسان ( وجن ) ؛ ويروى : ترفعني وجناء تهوي من وجن ، والوجناء : الناقة القوية الصلبة . منال الطالب (١٣٩/١). (٤) في ح : والعطن ، والمثبت من ط واللسان ومنال الطالب . الجاجي: جمع جؤجؤ، وهو الصدر . والقطن : جمع قطنة ، وهي ما بين الفخذين ؛ وقيل : الصواب بكسر الطاء . اللسان ( قطن ) . والعاري : الذي ذهب لحمه ، وشحمه، فكأنه عري منه ، يعني أن سرعة السير قد هزله وأذهب سمنه. منال الطالب (١٣٩/١). (٥) ((البوغاء)): التراب الناعم؛ والدمن: ما تدقَّن منه، أي تجمَّع وتلبَّد. اللسان ( بوغ، دمن). (٦) ((حثحث)): حُث وأسرع: ثكن: اسم جبل حجازي : الحضن . الجنب. ومعنى البيت أنه من كثرة التراب والغبار الذي أصاب جمله في سرعة سيره ، كأنه نمر هُيِّج وأعجل من جانبي هذا الجبل . اللسان ( حثث ، ثكن ) ومنال الطالب (١٤١/١) . وروي في مختصر تاريخ ابن عساكر لابن منظور : جَفنيْ ثكن. (٧) كذا في ح ، ط : وفي مختصر تاريخ ابن عساكر لابن منظور : إلى . ٤٧ ذكر ارتجاج الإيوان شَمِّرْ فإنَّك ماضي العَزْمِ شِمِّيرُ إِنْ يُمْسِ مُلْكُ بني ساسانَ أَفْرَطَهُمْ فرُبَّما رَبَّما أضْحَوْا بمنزلةٍ منهمْ أخو الصَّرْخِ بَهْرَامٌ وإخْوتُهُ والناسُ أولادُ عَلاَّتٍ فَمَنْ عَلِموا وَرُبَّ يَوْمٍ لهم ضَحْيَان ذي أرَنٍ وهم بنوّ الأمّ إمَّا إن رأوا نَشَباً والخيرُ والشرُّ مَقْرُونَانِ فِي قَرَنٍ لا يُفْزِعَنَّكَ تفريقٌ وتَغْيِيرُ(١) فإنَّ ذَا الدَّهْرَ أَطْوَارٌ دَهَارِيرُ(٢) يخافُ صَوْلَهُمُ الأُسْدُ المَهَاصِيرُ(٣) والهُرْمُزانُ وسابُورٌ وسابورُ(٤) أنْ قد أقَلَّ فمَحْفُورٌ ومَهْجُورُ(٥) سُدَّتْ بلهْوهِمُ فيه المزاميرُ(٦) فذاك بالغَيْبِ مَحفوظٌ ومَنْصُورُ(٧) فالخيرُ متَّبَعٌ والشؤُ مَحْذُورِ(٨) قال : فلما قدم عبد المسيح على كسرى أخبره بما قال له سَطِيح ، فقال كسرى : إلى أنْ يملكَ منا أربعةَ عشرَ ملكاً كانت أمورٌ وأمور ، فملك منهم عشرة في أربع سنين ، وملك الباقون إلى خلافة عثمان رضي الله عنه . ورواه البيهقي(٩) من حديث عبد الرحمن بن محمد بن إدريس عن علي بن حرب الموصلي بنحوه . (١) ويروى : ماضي الهم ولا يفرغنك تشريد وتعزير. منال الطالب (١/ ١٣٤). (٢) (( أفرطهم)): من أفرط الرجلُ القومَ: أي تقدَّمهم وتركهم وراءه. يريد زوال الملك عنهم . دهر دهارير : أي شديد ، كقولهم : ليلة ليلاء . منال الطالب (١/ ١٤٢). (٣) ((المهاصير)): جمع مهصار، والهضْر: أن تميل الشيء إليك وتكسره . أي أنها تكسر كلَّ ما ظفرت به . منال الطالب (١٤٣/١) ويروى: تهاب صوتهم مختصر تاريخ ابن عساكر لابن منظور (٣٠٢/٨). (٤) ((الصرح)): القصر، وكل بناءٍ عالٍ. بهرام، والهرمزان وسابور: من أسماء ملوكهم. منال الطالب (١٤٣/١). (٥) ((أولاد العَلاَّت)): الإخوة لأب وأمهات شتى. أقلَّ: افتقر وقلَّ ما بيده، والمحقور: المُهان المطّرَح. منال الطالب (١٤٣/١). (٦) رواية البيت في ح : ورب قوم لهم صحبان ذي أذن بدت تلهوهمُ فيه المزامير وكذا في ط : وفيه : تلهيهم ، فجاء مصحفاً في أكثر من موضع ، وقد قوّمتُ روايته من تاريخ ابن عساكر حيث ساقه مع بيتين آخرين ، وسقط منه لفظ لهم . ويوم ضحيان : طلق ، والضحيان من كل شيء : البارز للشمس . وذو أرن : ذو نشاط . اللسان ( ضحي ، أرن ) . (٧) ((النشب)): المال. إمّا: هنا زائدة، وتقديره: وهم بنو الأم إن رأوا، ويروى: لمَّا أن رأوا بفتح أن. منال الطالب (١/ ١٤٣). (٨) ((القرن)): الحبل يُشدُّ به البعيران معاً. منال الطالب (١٤٣/١). (٩) في دلائل النبوة (١٢٦/١ - ١٢٩) ورواه الطبري أيضاً: تاريخه (١٦٦/٢ - ١٦٨) وأبو نعيم في دلائل النبوة (ص٤١، ٤٢) وابن عساكر في تاريخه: مختصر تاريخ ابن عساكر لابن منظور (٨/ ٣٠٠ - ٣٠٢) والسهيلي في الروض الأنف (١٩/١) وابن الأثير في منال الطالب (١٣٢/١ - ١٣٤) والأزهري في تهذيب اللغة (٢٧٦/٤) وابن منظور في اللسان ( سطح) وابن سيد الناس في عيون الأثر (٢٨/١ و٢٩) وابن هشام في السيرة (١٥/١) ومعجم = ٤٨ ذكر ارتجاج الإيوان قلت : كان آخرَ ملوكهم الذي سُلب الملك منه يَزْدَجِرْدُ بنُ شَهْریار بن أَبْرَوَيْز بن هُرْمُز بن أنُوشِرْوَان ، وهو الذي انشقَّ الإيوان في زمانه ، وكان لأسلافه في الملك ثلاثة آلاف سنة ومئة وأربعة وستون سنة . وكان أول ملوكهم جيومَرْت (١) بن أميم بن لاوذ بن سام بن نوح . حاشية : أمَّا سَطِيح هذا، فقال الحافظُ ابن عساكر في ((تاريخه)(٢): هو الرَّبِيع بن رَبِيعة بن مسعود بن مازن بن ذِئْب بن عَدِيٍّ بن مازن بن الأزْد ، ويقال : الربيع بن مسعود ، وأمه رويمة (٣) بنت سعد بن الحارث الحَجُوريّ . وذكر غير ذلك في نسبه . قال : وكان يسكن الجابية ، ثم روي عن أبي حاتم السِّجْستاني قال : سمعتُ المشيخة منهم أبو عبيدة وغيره قالوا : وكان من بعد لقمان بن عاد ، ولد في زمن سَيْل العَرِم ، وعاش إلى ملك ذي نُوَاس ، وذلك نحو من ثلاثين قرناً ، وكان مسكّنُهُ البحرين . وزعمَتْ عبد القيس أنه منهم ، وتزعم الأزْد أنه منهم ، وأكثر المحدِّثين يقولون: هو من الأزْد، ولا ندري ممَّنْ هو، غير أنَّ ولدَهُ يقولون: (٤) إنه من الأزْد . وروي عن ابن عباس أنه قال : لم يكن شيءٌ من بني آدم يشبه سَطيحاً، إنما كان لحماً على وَضَمُ(٥) ، ليس فيه عظمٌ ولا عَصَب إلا في رأسه وعينَيْه وكفَّيه ، وكان يُطوى كما يُطوى الثوب من رِجلَيْه إلى عنقه . ولم يكن فيه شيءٌ يتحرّك إلا لسانه . وقال غَيْرُه : إنه إذا غضِب انتفخ وجلس . ثم ذكر ابنُ عباس أنه قدم مكَّةَ فتلقَّاه جماعةٌ من رؤسائها منهم عبدُ شمس وعبد مناف أبناءُ قُصَي ، فامتحنوه في أشياء ، فأجابهم فيها بالصدق ، فسألوه عمَّا يكون في آخر الزمان ، فقال : خذوا مني ومن إلهام الله إيَّاي : أنتم الآن يا معشر العرب ، في زمان الهرم سواء بصائرُكم وبصائرُ العجم ، ولا علم عندكم ولا فَهَم، ويَنْشُو(٦) من عَقِبكم دَهْمُ(٧)، يطلبون أنواعُ(٨) العلم، يكسرون الصنَم ، يبلغون البلدان ( ثكن ) . (١) في ط: خيومرت بالخاء المعجمة، وفي ح بالحاء المهملة، والمثبت من تاريخ الطبري (١٤٦/١، ١٤٧) والكامل لابن الأثير (٤٥/١، ٤٦) وفي الفارسية : كيومرث : اسم الإنسان الأول من أولاد آدم . أول ملوك البيشداديين. المعجم الذهبي (ص٤٨٩) . (٢) قول ابن عساكر هذا في مختصر تاريخ ابن عساكر لابن منظور (٢٩٥/٨). (٣) في ح : روعة ، وفي ط : ردعا ، والمثبت من مختصر تاريخ ابن عساكر لابن منظور . (٤) في مختصر تاريخ ابن عساكر : أنهم . (٥) (( الوضم)): شرائح من جراد النخل. مختصر تاريخ ابن عساكر (٨/ ٢٩٧). (٦) (ينشو)): لغة في ينشأ. اللسان (نشو). (٧) ((الدهم)): الجماعة الكثيرة. اللسان ( دهم). (٨) في ح : انتزاع ، والمثبت من ط ومختصر تاريخ ابن عساكر. ٤٩ ذكر ارتجاج الإيوان الرَّدْمُ(١) ، يقتلون العُجْم، يطلبون الغُنْم . ثم قال : والباقي الأبَد ، والبالغ الأمَد ، ليخرجنَّ من ذا البلد ، نبيٌّ مهتدٍ ، يهدي إلى الرَّشَد ، [ يرفُضُ يغوثَ والفَنَد ]٢)، يبرأ من عبادة الضَّدَد، يعبدُ ربّاً انفرد، ثم يتوفَّه الله محموداً، ومن الأرض مفقوداً ، وفي السماء مشهوداً ؛ ثم يلي أمرَهُ الصدِّيق، إذا قضى صدَق ، وفي ردِّ الحقوق لا خَرِقٌ ولا نَزِق ، ثم يلي أمرَهُ الحَنِيف ، مجرِّبٌ غِطْريف، قد أضاف المضيف، وأحكم التحنيف (٣). ثم ذكر عثمان ومَقْتَله ، وما يكونُ بعد ذلك من أيام بني أمية ثم بني العباس ، وما بعد ذلك من الفتن والملاحم ، ساقه ابن عساكر بسنده عن ابن عباس بطوله . وقد قدَّمنا قوله لربيعة بن نصر ملك اليمن(٤)، حين أخبره برؤياه قبل أن يُخبره بها ، ثم ما يكون في بلاد اليمن من الفتن وتغيُّر الدول ، حتى يعود إلى سيف بن ذي يَزَن ، فقال له : أفيدوم ذلك من سلطانه ، أم ينقطع ؟ قال : بل ينقطع . قال : ومَنْ يقطعه ؟ قال : نبيٌّ زكي، يأتيه الوَحْي ، من قِبَلِ العليّ ، قال : وممَّنْ هذا النبيّ ؟ قال : من ولد غالب بن فِهر بن مالك بن النَّضْر ، يكون المُلْكُ في قومه إلى آخر الدهر . قال : وهل للدهر من آخر؟ قال : نعم، يوم يُجمع فيه الأوَّلون والآخرون ، يسعدُ فيه المحسنون، ويَشْقى فيه المسيؤون . قال: أحقٌّ ما تخبرني ؟ قال: نعم ، والشفق والغسق ، والفلق (٥) إذا اتسق ، إنَّ ما أنبأَتُكَ لَحَقّ . ووافقه على ذلك شِقّ، سواء بسواء ، بعبارةٍ أُخرى كما تقدَّم . ومن شعر سَطِيح قوله : [ من الطويل ] ولا تُلِسُوا صِدْقَ الأمانةِ بالغَدْرِ عليكم بتقوى الله في السرِّ والجَهْرِ إذا ما عَرتْهُ النائباتُ من الدَّهْرِ(٦) وكونوا لجار الجُنْبِ حِصْناً وجُنَّةً وروى ذلك الحافظ ابن عساكر، ثم أورد ذلك المُعَافى بنُ زكريّا الجَريري فقال(٧) : وأخبارُ سَطِيحِ كثيرة، وقد جمعها غيرُ واحدٍ من أهل العلم. والمشهور أنَّهُ كان كاهناً، وقد أخبر عن النبيِّمَ لِ وعن نَعْتَهُ ومَبْعثه. ورُوي لنا٨) بإسنادِ الله به أعلم أنَّ النبيَّ وَّرَ سُئل عن سَطِيح فقال: ((نبيٌّ ضيَّعَهُ قومُه)) . قلتُ : أما هذا الحديث فلا أصلَ له في شيءٍ من كتب الإسلام المعهودة ، ولم أرَهُ بإسنادٍ أصلاً ، (١) ((الردم)): قرية بالبحرين. معجم البلدان (٤٠/٣). (٢) ما بين المعقوفين ليس في ح ، والفند : الخطأ في الرأي والقول، والكذب . اللسان ( فند). (٣) تتمة الخبر في مختصر تاريخ دمشق (٢٩٩/٨). (٤) (ص١٦٢، ١٦٣) من هذا الجزء ( الطبعة القديمة ) . (٥) في ط : والقمر ، والمثبت من ح . البيتان في مختصر تاريخ ابن عساكر (٢٩٥/٨) وروايته : ولا تلبسوا صدق الأمانة بالعذر . (٦) (٧) قول المعافى ليس في الجزءين المطبوعين من الجليس (١ و٢). (٨) القائل هنا ابن عساكر كما في مختصر تاريخه (ص٢٩٦). ٥٠ ذكر ارتجاج الإيوان ويُروى مثلُه في خبر خالد بن سنان العبسي(١) ولا يصحُّ أيضاً ، وظاهر هذه العبارات تدلُّ على علم جيّدٍ لِسَطيح، وفيها روائحُ التصديق، لكنَّهُ لم يُدرِكِ الإسلام كما قال الجَريري. فإنه قد ذكرنا في هذا الأثر أنَّه قال لابن أخته : يا عبد المسيح، إذا كَثُرَت التلاوة ، وظهر صاحب الهِرَواة ، وفاض وادي السماوة ، وغاضَتْ بُحيرة ساوَهْ ، وخمدَتْ نارُ فارس ، فليس الشامُ لسطيحِ شاماً ، يملك منهم ملوٌ ومَلِكات ، على عدد الشُّرُفات ، وكلُّ ما هو آت آت. ثم قضى سطيح . وكان ذلك بعد مَوْلد رسول الله وَّ بشهرٍ أو شَيْعِه(٢) - أي أقلَّ منه - وكانت وفاته بأطراف الشام مما يلي أرضَ العراق - فالله أعلم بأمْرِهِ وما صار إليه . وذكر ابنُ طَرَار الجَريري(٣) أنه عاش سبعمئة سنة ؛ وقال غيره : خمسمئة سنة ، وقيل : ثلاثمئة سنة ، فالله أعلم . وقد روى ابنُ عساكر(٤) أنَّ مَلِكاً سأل سَطِيحاً عن نسب غلام اختلف فيه ، فأخبره على الجَلِيَّة في كلامِ طويل ، مليح فصيح ، فقال له الملك : يا سَطِيح ، ألا تُخبرنيّ عن عِلمك هذا؟ فقال: إنَّ علمي هذاً ليس مني، وَلا بجَزْمٍ ولا بظني، ولكن أخذْتُه عن أخٍ لي جِنِّي، قد سمع الوَحْيَ بطورِ سَيْناء(٥) . فقال له : أرأيتَ أخاك هذا الجِنِّي ، أهو معك لا يفارقك؟ فقال: إنه ليزولُ حيث أزول، ولا أنطِقُ إلا بما يقول . وتقدَّم أنه وُلد هو وشِقُّ بن صَعْب بن يَشْكُر بن رُهْم بن قَسْر بن عَبْقَر(٦) الكاهن الآخر ، وُلدا في يومٍ واحد ، فحُملا إلى الكاهنة طريفة بنت الحسين الحِمْيَريَّة ، فتفَلَتْ في أفواههما ، فورثا منها الكهانة ، وماتت من يومها . وكان نصفَ إنسان ، ويقال : إن خالد بن عبد الله القَسْريّ من سُلالته ؛ وقد مات شِقٌّ قبل سَطِيح بدهر . وأما عبد المسيح بن عمرو بن قيس بن حيَّان بن بُقَيْلةُ(٧) الغسَّانيّ النصراني ، فكان من المعمَّرِين ، (١) (٢١١/٢) (الطبعة القديمة) من البداية والنهاية. (٢) ((الشيع)): مقدار من العدد، وقولهم: بشهر أو شيعه، أي: ونحو من شهر، مقداره، أو قريباً منه. اللسان ( شيع ) . ووقع في ط : شية ، تصحيف ، والمثبت من ح . (٣) ابن طرار الجريري: هو المعافى بن زكريا السابق ذكره، وطرار اسم جده . والضبط من التاج ( طرر ) . وترجمته تأتي في وفيات سنة ٣٩٠ من هذا الكتاب . (٤) مختصر تاريخ ابن عساكر لابن منظور (٢٩٦/٨). (٥) في مختصر تاريخ ابن عساكر : بطور سنِّي . (٦) في ح : شق بن مصعب بن يشكر بن رهم بن يسر بن عقبة ، وهو تصحيف ، واضطرب تصحيفه في ط أيضاً ، وما أثبته من البيان والتبيين (١/ ٣٦١) والاشتقاق (ص٥١٦، ٥١٧) وجمهرة الأنساب (ص٣٨٨) والأغاني (١/٢٢) ط دار الكتب ومروج الذهب (٣١٧/٢، ٣٣٣) والإكمال (١١٩/٧) و(٩٦/٦). (٧) في ح ، ط : نفيلة ، انظر الحاشية (٢) من (ص ٤٥) من هذا الجزء. ٥١ ذكر ارتجاج الإيوان وقد ترجمه الحافظ ابن عساكر في ((تاريخه)»١) وقال : هو الذي صالح خالد بن الوليد على [الحِيْرَة ]٢) وذكر له معه قصةً طويلة ، وأنَّه أكل من يده سمَّ ساعةٍ فلم يُصِبْهُ سوء ، لأنه لما أخذه في يدِهِ ، قال : بسم الله، وبالله، ربِّ الأرض والسماء، الذي لا يضرُّ مع اسمِهِ داء(٣). ثم أكله، فتجلَّتْهُ غشية ، فضرب بذَقَنِهِ(٤) على صدره ، ثم عَرِق وأفاق رضي الله عنه. وذكر لعبد المسيح أشعاراً غير ما تقدم . إلى هنا الحاشية وقال أبو نعيم(٥) : حدّثنا محمد بن أحمد بن الحسن ، حدّثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة ، حدّثنا عقبةُ بن مكرم ، حدّثنا المسيَّب بن شَرِيك ، حدّثنا محمد بن شريك ، عن شعيب بن شعيب ، عن أبيه ، عن جدِّه قال: كان بِمَرِّ الظَّهراهُ(٦) راهبٌ من الزُّهْبان يدعى عيصا من أهل الشام ، وكان متخفّراً بالعاص بن وائل ، وكان الله قد آتاه علماً كثيراً ، وجعل فيه منافعَ كثيرةً لأهل مكة من طِيبٍ ورِفْقٍ وعِلْم ، وكان يلزم صومعةً له ، ويدخلُ مكة في كلِّ سنة ، فَيَلْقَى الناس ويقول : إنه يوشك أنْ يولد فيكم مولودٌ يا أهل مكة ، يَدينُ له العرب ، ويملك العجم ، هذا زمانه ، ومن أدركه واتَّبعه أصاب حاجته ، ومن أدركه فخالفه أخطأ حاجته ، وبالله ما تركتُ أرضَ الخُبْز(٧) والخمير والأمن ، ولا حلَلْتُ بأرض الجوع والبؤس والخوف إلَّ في طلبه . وكان لا يولد بمكة مولود إلا يُسأل عنه، فيقول : ما جاء بَعْدُ. فيقال له : فصِفْه . فيقول: لا . ويكتم ذلك للذي قد علم أنه لاقٍ من قومه مخافةً على نفسه أن يكون ذلك داعيةً إلى أدنى ما يكونُ إليه من الأذى يوماً. ولما كان صبيحة اليوم الذي وُلد فيه رسولُ اللهَ وَ ليه خرج عبد الله بن عبد المطلب حتى أتى عيصا ، فوقف في أصل صومعته ، ثم نادى : يا عيصا . فناداه : من هذا ؟ فقال : أنا عبد الله ، فأشرف عليه فقال : كن أباه ، فقد ولد ذلك المولودُ الذي كنتُ أحدِّثكم عنه يوم الاثنين ، ويُبعث يوم الاثنين ، ويموت يوم الاثنين . قال : فإنه قد ولد لي مع الصبح مولود . قال : فما سمَّيتَه ؟ قال : محمداً . قال : والله لقد كنتُ أشتهي أن يكون هذا المولودُ فيكم أهلَ البيت ، لثلاث خصالٍ بها نعرفه ، منها : أنَّ نجمه طلع البارحة ، وأنه ولد اليوم ، وأنَّ اسمه محمد ، انطلقْ إليه فإنَّ الذي كنتُ أحدِّثكم عنه ابْنُك . قال : تاريخ مدينة دمشق (١٠/ ٣١٠) ب ( نسخة الظاهرية التي يرمز لها بحرف س ). (١) (٢) ما بين معقوفين ساقط من ح، ط واستدركته من تاريخ ابن عساكر والجليس الصالح (١٤ / ٤٤٧). (٣) في ح : أذا ، وفي ط : أذى ، والمثبت من تاريخ ابن عساكر . في ح ، ط : بيديه ، والمثبت من تاريخ ابن عساكر والجليس الصالح . (٤) لم أجده في دلائل النبوة لأبي نعيم ، وهو في تاريخ ابن عساكر السيرة النبوية - القسم الأول (ص ٣٤٤، ٣٤٥) رواه (٥) بسنده عن أبي القاسم بن بشران عن أبي علي محمد بن أحمد بن الحسن بن الصواف عن محمد بن عثمان بن أبي شيبة . (٦) ((الظهران)): واد قرب مكة، وعنده قرية يقال لها: مرّ، تضاف إلى هذا الوادي، معجم البلدان (٤/ ٦٣). (٧) كذا في ح وفي ط وتاريخ ابن عساكر : أرض الخمر . ٥٢ ذكر مراضعه وحواضنه عليه الصلاة والسلام فما يُدريك أنه ابني ؟ ولعله أنْ يولد في هذا اليوم مولودٌ غيره ؟ قال : قد وافق ابنك الاسم ، ولم يكنْ الله يشبِّ علمَهُ على العلماء، فإنه حجّة. وآيةُ ذلك أنه الآن وَجِع، فيشتكي(١) أياماً ثلاثة . فيظهر به الجوع ثلاثاً ثم يُعافى ؛ فاحفظ لسانك، فإنه لم يُحسَدْ أحدٌ حَسَدَهُ قطّ ، ولم يُبْغَ على أحدٍ كما يُبْغَى عليه ، إنْ تعشْ حتى يبدوَ مقالُه، ثم يدعو، لَظَهر(٢) لك من قومك ما لا تحتمله ، إلا على صبرٍ على ذُلّ ؛ فاحفظ لسانك ودَارِ عنه . قال : فما عمره ؟ قال : إنْ طال عمره أو قَصُر لم يبلغ السبعين ، يموت في وِتٍ دونها من السنين ، في إحدى وستين أو ثلاثٍ وستين ، في أعمار جُلِّ أمَّته . قال: وحُمل برسولِ اللهِ وََّ في عاشوراء المُحَرَّم . وولد يوم الاثنين لثنتي عشرة ليلةً خلتْ من رمضان سنة اثنتين وعشرين (٣) من غزوةٍ أصحاب الفيل . هكذا رواه أبو نعيم ، وفيه غرابة . ذكر مراضعه وحواضنه عليه الصلاة والسلام كانت أم أيمن واسمها بَرَكَّة تحضُنه ، وكانت ممن ورِثها عليه الصلاة والسلام من أبيه ، فلما كبر أعتقها وزوَّجها مولاه زيد بن حارثة ، فولدت له أسامة بن زيد رضي الله عنهم ، وأرضعته مع أمه عليه الصلاة والسلام مولاةُ عمِّه أبي لهب ثُوَيبة قبل حَلِيمة السعدية . أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما٤) من حديث الزُّهري عن عروة بن الزُّبير ، عن زينب بنت أم سلمة عن أُمِّ حَبِيبة بنت أبي سفيان . قالت: يا رسولَ الله، انْكِحْ أختي بنتَ أبي سفيان - ولمسلم عزَّة بنت أبي سفيان - فقال رسول الله بَلَهُ: ((أوَ تُحْبِّينَ ذلك))؟ قلت: نعم، لستُ لك بِمُخْلِيَة٥ُ) ، وأحَبُّ مَنْ شاركني في خيرٍ أُختي، فقال النبيُّ ◌ََّ: ((فإنَّ ذلك لا يَحِلُّ لي)) قلت: فإنَّا نُحَدَّثُ أنك تريدُ أنْ تَنْكِحَ بنتَ أبي (٦) سلمة - وفي رواية دُرَّة بنت أبي سَلَمة - قال: (( بنت أمِّ سَلَمة))؟ قلت : نعم ، في (ح) : أنه الآن يشتكي وجع ، والمثبت من ط . وتاريخ ابن عساكر . (١) (٢) كذا في ح ، ط ، وفي تاريخ ابن عساكر : يظهر ، وهو أشبه بالصواب . كذا في ح وط وتاريخ ابن عساكر : سنة ثلاث وعشرين . قلت : وفي سنة ولادته خلاف ، جمعه وساق أخباره (٣) الزرقاني في شرح المواهب (١/ ١٥٧). (٤) فتح الباري (٥١٠١) النكاح باب وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم، وصحيح مسلم (١٦ - ١٤٤٩) في الرضاع ، باب تحريم الربيبة وأخت المرأة . (٥) ((مخلية)): أي منفردة. مشارق الأنوار (٢٣٩/١) وفي اللسان (خلو): لم أجدك خالياً من الزوجات غيري. (٦) في ح : أم ، والمثبت من ط والبخاري ومسلم . ٥٣ ذكر رضاعه عليه الصلاة والسلام قال: ((إنها لو لم تكنْ رَبيبتي في حَجْري ما حلَّتْ لي. إنها لابْنَةُ أخي من الرَّضاعة ، أرضعتني وأبا سَلَمة ثُويبةُ ، فلا تَعْرِضْنَ عليَّ بناتِكُنَّ ولا أخَوَاتِكُنّ)). زاد البخاري: قال عُزوة: وثُويبةُ مولاةٌ لأبي لهب [ أعتقها فأرضعَتْ رسولَ الله وَ لَه، فلمَّا مات أبو لهب )١) أُرِيهُ بعضُ أهله بِشَرِّ حِيْبَة٢ٍ) . فقال له : ماذا لقيتَ؟ فقال: أبو لهب : لم ألقَ بعدكم خيراً، غيرَ أني سُقِيتُ في هذه بعَتَاقتي ثُويبةُ(٣) . [ وأشار إلى النُقْرة التي بين الإبهام والتي تليها من الأصابع ]٤) وذكر السهيلي وغيره(٥) : أن الرائي له هو أخوه العباس ، وكان ذلك بعد سنة من وفاة أبي لهب بعد وقعة بدر . وفيه : إن أبا لهب قال للعباس : إنه ليخفّف عليّ في مثل يوم الاثنين . قالوا : لأنه لما بشَّرته ثُويبة بميلاد ابن أخيه محمد بن عبد الله أعتقها من ساعته ، فجوزي بذلك لذلك . ذكر رَضَاعه عليه الصلاة والسلام من حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية وما ظهر عليه من البركة وآيات النبوة قال محمد بن إسحاق(٦) : فاسْتُرضع له عليه الصلاة والسلام من حَلِيمة بنتِ أبي ذُؤيب ، واسمه عبد الله بن الحارث بن شِجْنَة بن جابر بن رزام بن ناصرة بن [ فُصَيَّة بن نَصْر بن ] سعد بن بكر بن هَوازن بن منصور بن عكرمة بن خَصَفَةً(٧) بن قيس عيلان بن مضر . قال: واسْمُ أبي رسولِ الله وَّ ر الذي أرضعه - يعني زوج حليمة - الحارث بن عبد العُزَّى بن رفاعة بن ملان بن ناصرة٨) بن سعد بن بكر بن هوازن ، وإخوتُه عليه الصلاة والسلام - يعني : من الرَّضاعة - عبد الله بن الحارث، وأَنَّيِسة بنت الحارث، وحُذَافة٩ُ) بنت الحارث ، وهي الشَّيْماء، (١) ما بين المعقوفين ساقط من ح . (٢) ((بشر حيبة)): أي بشرّ حال. والحيبة: الهم والحزن. اللسان (حوب). (٣) قال الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)) (٩/ ١٤٥) وأجيب بأن الخبر مرسل، أرسله عروة ، ولم يذكر من حدثه به ، وعلى تقدير أن يكون موصولاً ، فالذي في الخبر رؤيا منام ، فلا حجة فيه ، وانظر تتمة البحث فيه . (٤) ما بين المعقوفين ليس في صحيح البخاري. وهو في الطبقات (١٠٨/١) ودلائل البيهقي (١٤٩/١). (٥) الروض الأنف . في سيرة ابن إسحاق (ص٢٥) والسيرة النبوية (١٦١/١) وتاريخ الطبري (١٥٧/٢) والروض الأنف (١٨٣/١) (٦) وما يأتي بين معقوفين منها جميعاً . في ح ، ط : حفصة وهو تصحيف ، والمثبت من السيرة والطبري والروض والاشتاق (ص٢٦٦). (٧) (٨) قال ابن هشام : ويقال : هلال بن ناصرة. السيرة (١/ ١٦١). (٩) في هامش ح: خدامة . وفوقها حرف خاء إشارة إلى رواية نسخة أخرى، وقال السهيلي في الروض (١/ ١٨٦) : = ٥٤ ذكر رضاعه عليه الصلاة والسلام وذكروا أنها كانت تحضِن رسولَ الله وَ له مع أمه(١) إذ كان عندهم. قال ابن إسحاق(٢) : حدّثني جَهْم بن أبي جهمُ(٣) ، مولى لامرأة من بني تميم، كانت عند الحارث بن حاطب ، وكان يقال له : مولى الحارث بن حاطب ، قال : حدّثني من سمع عبد الله بن جعفر بن أبي طالب قال : حُدِّثْتُ عن حليمة بنت الحارث أنها قالت : قدمتُ مكة في نسوة - [ وذكر الواقدي(٤) بإسناده أنهنَّ كنَّ عشر نسوةٍ من بني سعد بن بكر ، يلتمسْنَ بها الرُّضعاء 1°) - من بني سعد نلتمسُ بها الرُّضعاءَ في سنةٍ شَهْباء(٦) ، فقدمتُ على أتانٍ لي قَمْراء كانت أذمَّت بالركب (٧) ، ومعي صبيٌّ لنا، وشارف لنا والله ما تَبِضُّ بقطرة(٨)، وما ننام ليل(٩) ذلك أجمع مع صبينا ذاك ، ما نجد في ثديي ما يُغنيه ، ولا في شارفنا ما يغذِّيه، ولكنَّا كنّا نرجو الغيث والفرج ؛ فخرجتُ على أتاني تلك ، فلقد أَذَقَتْ بالركب حتى شَقَّ ذلك عليهم ضعفاً وعَجَفاً . فقدِمنا مكة ، فوالله ما علمتُ منا امرأةً إلا وقد عُرض عليها رسولُ اللهِ وَله، فتأباه، إذا قيل إنَّه يتيم تركناه، قلنا: ماذا عسى أنْ تصنعَ إلينا أُمُّه؟ إنما نرجو المعروفَ من أبي الولد ، فأما أمُّه فماذا عسى أن تصنع إلينا ؟ فوالله ما بقي من صواحبي امرأةٌ إلا أخذت رَضِيعاً غيري . فلما لم نجد غيرَه ، وأجمعنا الانطلاق ، قلت لزوجي الحارث بن عبد العُزَّى : والله إني لأكره أنْ أرجعَ من بين صواحبي ليس معي رضيع . لأنطلقنَّ إلى ذلك اليتيم فلآخذنَّه . فقال : لا عليك أنْ خذامة بكسر الخاء المنقوطة ، وقال غيره : حذافة ، بالحاء المضمومة وبالفاء مكان الميم ، وكذلك ذكره يونس في = روايته عن ابن إسحاق ، وكذلك ذكره أبو عمر في كتاب النساء )). (١) في السيرة : إذا . (٢) في سيرة ابن إسحاق (ص٢٦) قوله هذا في سيرة ابن هشام (١٦٢/١) والطبري (١٥٨/٢) والدلائل للبيهقي (١٣٣/١) بألفاظ مقاربة. (٣) في ح : جهيم بن أبي جهيم ، والمثبت من المصادر السابقة وميزان الاعتدال (٤٢٦/١) وتعجيل المنفعة (ص ٧٤) ، وقال فيه ابن حجر : مجهول ، وذكره ابن حبان في الثقات . (٤) رواية الواقدي في طبقات ابن سعد (١١٠/١). (٥) ما بين المعقوفين زيادة من ط ليست في ح . (٦) ((سنة شهباء)): إذا كانت مجدبة. اللسان شهب. وقال السهيلي في الروض (١/ ١٨٦): قال ابن هشام: إنما هو المراضع. قال: وفي كتاب الله سبحانه: ﴿﴿ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ اَلْمَرَاضِعَ﴾. والذي قاله ابن هشام ظاهر ، لأن المراضع جمع مرضع ، والرضعاء : جمع رضيع ، ولكن لرواية ابن إسحاق مخرج من وجهين : أحدهما حذف المضاف كأنه قال : ذوات الرضعاء ؛ والثاني أن يكون أراد بالرضعاء الأطفال على حقيقة اللفظ ، لأنهم إذا وجدوا له مرضعة ترضعه فقد وجدوا له رضيعاً يرضع معه ، فلا يبعد أن يقال : التمسوا له رضيعاً ، علماً بأن الرضيع لا بد له من مرضع )) . (٧) ((أتان قمراء)): أي بيضاء. أذمت بالركب: أي حبستهم لضعفها وانقطاع سيرها. اللسان والتاج (قمر ، ذمم). (٨) ((الشارف)): الناقة المسنة. ما تبض: ما تدر ولا ترشح. اللسان (شرف ، بضض). (٩) في ح، ط : ليلتنا ، والمثبت من مصادر التخريج. ٥٥ ذكر رضاعه عليه الصلاة والسلام تفعلي ، فعسى أنْ يجعلَ الله لنا فيه بركة . فذهبتُ فأخذتُه ، فوالله ما أخذته إلا أني لم أجدْ غيرَه ؛ فما هو إلَّا أن أخذتُه فجئت به رَحْلي ، فأقبل عليه ثديايَ بماشاء من لبن ، فشرب حتى رَوِي ، وشرب أخوه حتى رَوِي . وقام صاحبي إلى شارفنا تلك فإذا إنها لحافل ، فحلب ما شَرِب وشربتُ حتى رَوينا ؛ فبتنا بخير ليلة ، فقال صاحبي حين أصبحنا: يا حليمة [والله (١) إني لأراك قد أخذتِ نَسَمَةً مباركة، ألم ترَيْ ما بتنا به الليلةَ من الخير والبركة حين أخذناه ؟! فلم يزلِ الله عزَّ وجلَّ يَزِيدُنا خيراً. ثم خرجنا راجعين إلى بلادنا ، فوالله لقطعتْ أتاني بالرّكْب حتى ما يتعلَّق بها حمار ، حتى إنَّ صواحبي ليقلن : ويلك يا بنتَ أبي ذؤيب ! هذه أتانك التي خرجتِ عليها معنا؟ فأقول : نعم ، والله إنها لهي ، فقلن : والله إنَّ لها لشأناً ! . حتى قدمنا أرضَ بني سعد، وما أعلمُ أرضاً من أرض الله أجْدَبَ منها ، فإنْ كانتْ غنمي لتَسْرَحُ ثم تَرُوحِ شِبَاعاً لُبَّناً ، فنحلُب ما شئنا وما حوالينا - أو حولنا - أحدٌ تَبِضُّ له شاةٌ بقطرةِ لبن ، وإنَّ أغنامَهُم لتروحُ جياعاً، حتى إنهم ليقولون لرعاتهم - أو لرعيانهم -: ويحكم، انظروا حيث تَسْرَحُ غنمُ بنتِ أبي ذؤيب فاسْرَحوا معهم . فيسرحون مع غنمي حيثُ تسرح ، فتروحُ أغنامُهم جياعاً ما فيها قطرةٌ لبن ، وتروح أغنامي شِبَاعاً لُبَّناً ، نحلُب ما شئنا ؛ فلم يزلِ الله يُرينا البركة ونتعرَّفها حتى بلغ سنتيه ، فكان يَشِبُّ شباباً لا تَشِبُّه الغِلْمان، فوالله ما بلغ السنتين حتى كان غلاماً جَفْر(٢) ، فقدِمنا به على أَمَّه ونحن أضَؤُّ شيءٍ به مما رأينا فيه من البركة ؛ فلما رأته أمه قالت لها : يا ظِئْر دعينا نرجع بابننا هذه السنة الأخرى ، فإنَّا نخشى عليه وَبَاءَ مكة. فوالله ما زلنا بها حتى قالت : فنعم . فسرَّحَتْه معنا ، فأقمنا به شهرَيْن أو ثلاثة ، فبينا هو خلفَ بيوتِنا مع أخ له من الرّضاعة في بَهْم لنا جاءنا أخوه ذلك يشتد(٣) ، فقال : ذاك أخي القرشي جاءه رجلان عليهما ثيابٌ بيض، فأضجعاه ، فشّقًّا بطنه . فخرجتُ أنا وأبوه نشتدُّ نحوه ، فنجده قائماً مُمْتَفَعًا٤) لونه . فاعتنقه أبوه وقال : يا بني ما شأنك ؟ قال : جاءني رجلان عليهما ثياب بيض ، أضجعاني وشقًّا بطني ، ثم استخرجا منه شيئاً ، فطرحاه ثم ردَّاه كما كان . فرجعنا به معنا ، فقال أبوه : يا حليمة لقد خَشِيتُ أن يكون ابني قد أصيب ، فانطلقي بنا نردَّهُ إلى أهله قبل أن يظهر به ما نتخوَّف . قالت حليمة : فاحتملناه فلم تُرَغْ أمُّه إلا به ، فقدمنا [ به (٥) عليها فقالت: ما ردَّكما [ به يا ظئر ](٥) فقد كنتما عليه حريصَيْن؟ فقالا : لا والله ، إلَّ أنَّ الله قد أدَّى عنا وقضينا الذي علينا وقلنا : نخشى الإتلاف والأحداث ، نردُّه إلى أهله . فقالت : ما ذاك بكما ؟ فاصْدُقاني شأنكما . فلم تَدْعنا حتى (١) ما بين المعقوفين ليس في ح ، وهو في بعض مصادر التخريج وسيرة ابن إسحاق . (٢) في اللسان ( جفر): وفي حديث حليمة ظئر النبي ◌َّر، قالت : كان يشب في اليوم شباب الصبي في الشهر ، فبلغ ستاً وهو جفر . قال ابن الأثير : استجفر الصبي ، إذا قوي على الأكل . (٣) ((يشتد)): يعدو. اللسان (عدو). وفي شرح المواهب (١/ ١٨٠): يسرع في المشي. (٤) ((ممتقعاً)): متغيِّراً. وفي ط ومصادر التخريج: منتقعاً بالنون ، وهو بمعناه. (٥) ما بين المعقوفين ليس في ح ، وهو في بعض مصادر التخريج وسيرة ابن إسحاق . ٥٦ ذكر رضاعه عليه الصلاة والسلام أخبرناها خَبَره ، فقالت : أخشيتما عليه الشيطان ؟ كلا والله ما للشيطان عليه من سبيل ، والله إنَّه لكائنٌ لابني هذا شأن ، ألا أخبرُكما خبره ، قلنا : بلى . قالت : حملتُ به فما حملتُ حملاً قطُ أخفَّ منه ، فأُريتُ في النوم حين حملتُ به ، كأنه خرج مني نورٌ أضاءتْ له قصورُ الشام ، ثم وقع حين ولذْتُه وقوعاً ما يقعُه المولود ، معتمداً على يديه ، رافعاً رأسَه إلى السماء ، فدعاه عنكما . وهذا الحديث قد روي من طريقٍ آخر ، وهو من الأحاديث المشهورة المتداولة بين أهل السير والمغازي(١) . وقال الواقدي(٢) : حدثني معاذ بن محمد عن عطاء بن أبي رَبَاح ، عن ابن عباس قال : خرجتْ حليمةُ تطلب النبيَّ مََّ وقد وجدَتِ البَهْمُ(٣) تَقيل، فوجدَتْهُ مع أخته ، فقالت : في هذا الحر؟ فقالت أخته : يا أُمَّهْ، ما وجد أخي حَرّاً، رأيتُ غمامةً تُظِلُّ عليه، إذا وقف وقفتْ ، وإذا سار سارت [ معه ] حتى انتهى إلى هذا الموضع . وقال ابن إسحاق(٤): حدّثني ثور بن يزيد، عن خالد بن مَعْدَان، عن أصحاب رسول الله وَ الل أنهم قالوا له : أخبرنا عن نفسك. قال: (( نَعَمْ ، أنا دعوةٌ أبي إبراهيم، وبشرى عيسى عليهما السلام، ورأَتْ أُمّي حين حملَتْ بي كأنَّه(٥) خرج منها نورٌ أضاءتْ له قصورُ الشام ، واستُرِضعتُ في بني سعد بن بكر ، فبينا أنا في بَهْمٍ لنا أتاني رجلان عليهما ثياب بيض ، معهما طَسْت من ذهب مملوءةٌ(٦) ثلجاً ، فأضجعاني فشقًا بطني ، ثم استخرجا قلبي فشقَّاه ، فأخرجا منه عَلَقة سوداء ، فألقياها ، ثم غسلا قلبي وبطني بذلك الثلج ، حتى إذا ألقياه ردَّاه كما كان ؛ ثم قال أحدُهما لصاحبه : زِنْهُ بعشرةٍ من أمته ، فوزنني بعشرةٍ فوزنتهم ، ثم قال : زِنْه بمئةٍ من أمته ، فوزنني بمئة فوزنتهم ، ثم قال : زِنْه بألفٍ من أُمته ، فوزنني بألف فوزنتُهم ؛ فقال : دَعْه عنك، فلو وزنتَهُ بُمَّته لوزنهم . وهذا إسنادٌ جيِّد قوي . وقد روى أبو نعيم الحافظ في ((الدلائل )(٧) من طريق عمر بن الصُّبح - وهو أبو نعيم - عن ثور بن يزيد ، عن مكحول ، عن شدَّاد بن أوس هذه القصة مطوّلة جداً، ولكنَّ عمر بن صُبح هذا متروكٌ كذاب (١) على أنه ليس له إسناد صحيح . (٢) قول الواقدي في طبقات ابن سعد (١٥٢/١) وما يأتي بين معقوفين منه. (٣) في الطبقات : وقد بدت البَهْم . والبَهْم : بفتح الموحدة جمع بهيمة وهي ولد الضأن . اللسان بهم . (٤) في سيرة ابن إسحاق (ص٢٨) والسيرة النبوية (١٦٦/١) وتاريخ الطبري (١٦٥/٢) وأخرجه البيهقي في الدلائل (١٤٥/١) والحاكم في المستدرك (٦٠٠/٣). (٥) في ط ومصادر التخريج : أنه . (٦) في ح : ملأنه، وفي ط : مملوء ، والمثبت من مصادر التخريج ، لأن الطست مؤنثة. وهي من آنية الصُّفْر. اللسان ( طست ) . (٧) لم أجد القصة بهذا الإسناد في دلائل أبي نعيم . ٥٧ ذكر رضاعه عليه الصلاة والسلام متَّهم بالوضع. فلهذا لم نذكر لفظ الحديث ، إذْ لا يفرحُ به. ثم قال(١): وحدّثنا أبو عمرو بن حمدال٢) ، حدثنا الحسن بن سفيال(٣) ، حدّثنا عمرو بن عثمان، حدّثنا بَقِيَّةُ بن الوليد، عن بَحِير بن سَعْد(٤) ، عن خالد ابن مَعْدان، عن عبد الرحمن بن عمرو السُّلَمي، عن عُتْبة بن عَبْد أنه حدَّثه أنَّ رجلاً سأل النبيَّ وَس فقال: كيف كان أول شأنك يا رسول الله ؟ قال: ((كانتْ حاضنتي من بني سعد بن بكر، فانطلقتُ أنا وابنٌ لها في بَهْم لنا ، ولم نأخذْ معنا زاداً ، فقلت : يا أخي ، اذهبْ فأُتنا بزادٍ من عند أُمِّنا . فانطلق أخي ومكثتُ عند البَهْم، فأقبل طائران أبيضان كأنهما نَسْران ، فقال أحدُهما لصاحبه: [أ]هو هو؟ قال: نعم. فأقبلاً®) يبتدراني ، فأخذاني فبطَحَاني للقفا، فشقًّا بطني ثم استخرجا قلبي فشقَّاه ، فأخرجا منه عَلَقتَيْن سوداوَيْن ، فقال أحدُهما لصاحبه : ائتني بماءٍ ثلج ، فغسلا به جوفي ، ثم قال : ائتني بماءٍ بَرَد ، فغسلا به قلبي ، ثم قال : ائتني بالسَّكِينة ، فذرَّها في قلبي، ثم قال أحدهما لصاحبه: خِطْه، فخاط(٦) وختم على قلبي بخاتم النبوّة ؛ فقال أحدُهما لصاحبه: اجعلْه في كِفَّة، واجعل ألفاً من أُمَّته في كِفَّة ؛ فإذا أنا أنظر إلى الألف فوقي أُشْفق أنْ يخرَّ عليَّ بعضُهم ؛ فقال : لو أنَّ أمته وُزنتْ به لمالَ بهم. ثم انطلقا فتركاني وفرقتُ فَرَقاً شديداً ، ثم انطلقتُ إلى أمي فأخبرتُها بالذي لَقيت، فأشفقتْ أن يكون قد أُلِس (٧) بي، فقالت: أعيذُكَ بالله. فرخَلَتْ بعيراً لها وحملَتْني على الرَّحْل ، وركبتْ خلْفي ، حتى بلَغْنا إلى أُمِّي ، فقالت : أديت أمانتي وذمتي وحدَّثَتْها بالذي لَقِيت ، فلم يَرُعْها ، وقالت: إني رأيتُ خرج مني نور أضاءَتْ منه قصورُ الشام)). ورواه أحمد من حديث بقيَّة بن الوليد به(٨) . (١) لم أجد أيضاً القصة بهذا الإسناد في دلائل أبي نعيم، إلا أن فيه إشارة وروده فيه (١/ ٢٢٠) ( ط عبد البر عباس ١٤٠٦ هـ) قوله: ((ورواه عبد الرحمن بن عمر [ و] عن عتبة بن عبد ... وقد تقدم ذكره . ولم أجده أيضاً. (٢) سقطت اللفظة : بن من ح ، وهي في ط ، وأبو عمرو هذا هو محمد بن أحمد بن حمدان بن علي بن سنان الحيري ، توفي ٣٧٦ هـ ترجمته في سير أعلام النبلاء (٣٥٦/١٦ - ٣٥٩). (٣) في ح ، ط : الحسن بن نفير ، وهو تصحيف ، والمثبت من أسانيد أبي نعيم في كتابه الدلائل ، وهو الحسن بن سفيان بن عامر بن عبد العزيز بن النعمان بن عطاء الشيباني الخراساني النسوي . توفي سنة ٣٠٣هـ ترجمته ومصادرها في (١١ /١٢٤ - ١٢٥) من هذا الكتاب (ط) وسير أعلام النبلاء (١٤ / ١٥٧ - ١٦٢). (٤) في ح : يحيى بن سعيد وفي ط : بحير بن سعيد، وكذا وقع في ترجمته في تهذيب التهذيب (٤٣١/١) وهو تصحيف ، والمثبت من الإكمال (١/ ١٩٧) والتبصير (٦٠/١). في ح : فأقبل ، والمثبت من ط : ومسند أحمد . (٥) في مسند أحمد : حُصه ، فحاصه ، وهو بمعناه . (٦) (٧) كذا في ح ومسند أحمد وفي ط: لبس، وجاء في اللسان ( لبس) ما نصه: ((وفي المولد والمبعث : فجاء الملك فشق قلبه ، قال : فخفت أن يكون قد التبس بي ، أي خولطت في عقلي ، من قولك : في رأيه لَيْس أي اختلاط )). وهي رواية الدارمي في سننه (٩/١) مقدمة، باب كيف كان شأن النبي وّر عن عتبة بن عبد. (٨) مسند أحمد (١٨٤/٤)، وإسناده ضعيف، لضعف بقية لأنه يدلس تدليس التسوية وهو أمر قادح في عدالته ، وقد عنعن هنا . ٥٨ ذكر رضاعه عليه الصلاة والسلام وهكذا رواه عبد الله بن المبارك وغيره عن بقية بن الوليد به . وقد رواه ابنُ عساكر(١) من طريق أبي داود الطيالسي ، حدَّثنا جعفر بن عبد الله بن عثمان القرشي ، أخبرني عمرُ بن عروة بن الزُّبير(٢) قال: سمعتُ عروة بن الزُّبير يحدِّث عن أبي ذرِّ الغفاري قال : قلت: يا رسول الله! كيف علمتَ أنَّكَ نبيٌّ حين علمت ذلك، واستيقنتَ أنك نبي؟ قال: (( يا أبا ذرّ ، أتاني ملكان وأنا ببعض بَطْحاء مكة، فوقع أحدُهما على الأرض ، وكان الآخرُ بين السماء والأرض ، فقال أحدُهما لصاحبه : أهو هو ؟ قال هو هو. قال : زِنْهُ برجلٍ ، فوزنني برجلٍ فرجحْتُه )) وذكر تمامه ، وذكر شقَّ صدره وخياطته، وجعل الخاتم بين كتفَيْه . قال: ((فما هو إلا أنْ وَلََّا عني، فكأنما أُعاينُ الأمْرَ مُعَاينةً )). ثم أورد ابنُ عساكر(٣) عن أُبَيِّ بن كعب بنحو ذلك، ومن حديث شدَّاد بن أوس بأبسطَ من ذلك(٤) وثبت في صحيح مسلم(٥) من طريق حَمَّاد بن سَلَمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك، أنَّ رسولَ اللهِ ◌ّهِ أَتَاهُ جبريلُ عليه السلام وهو يلعب مع الغلمانُ(٦)، فأخذَهُ فصَرَعَه، فشقَّ عن قلب (٧) ، فاستخرج القلب ، واستخرج منه عَلَقَةً سوداء فقال: هذا حظُّ الشيطانِ منك، ثم غسَلَه في طَسْتٍ من ذهب بماءِ زمزم ، ثم لأَّمَه، ثم أعادَهُ في مكانه ؛ وجاء الغلمان يسعَوْن إلى أُمَّه - يعني ظِثْرَه - فقالوا : إنَّ محمداً قد قُتل فاستَقْبَلُوهُ وهو مُمْتَفَعُ() اللَّون. قال أنس: وقد كنتُ أرى أثرَ ذلك المِخْيَط في صَدْره . وقد رواه ابن عساكر(٩) من طريق ابن وهب عن عمرو بن الحارث، عن عبد رَبِّه بن سعيد، عن( ١٠) ثابت البُناني، عن أنس، أنَّ الصلاة فُرضت بمكة ١١)، وأنَّ ملَكَين أتيا رسولَ الله ◌َّهِ فذهبا به إلى زمزم، (١) في تاريخ دمشق السيرة النبوية - القسم الأول (ص ٣٧٢ ، ٣٧٣) وما يأتي بين معقوفين منه ومن ط . جاء الاسم في ط مضطرباً : عمير بن عمر بن عروة بن الزبير ، والمثبت من ح وهو الصواب ، نَسَبه إلى جده الزبير ، (٢) وهو عمر بن عبد الله بن عروة بن الزبير ، يروي عن جده عروة ، ترجمته في تهذيب التهذيب (٤٦٩/٧). وساق الذهبي طرفاً من الحديث بهذا الإسناد في الميزان (٤١٢/١) في ترجمة جعفر بن عبد الله الحميدي وقال : فذكر حديثاً طويلاً لا يتابع عليه . في تاريخه السيرة النبوية - القسم الأول (ص ٣٧٤ _ ٣٧٥). (٣) المصدر السابق (ص ٣٧٧ - ٣٨٣). (٤) صحيح مسلم (١٦٢) (٢٦١) الإيمان باب الإسراء برسول الله اليه. (٥) في ح : الصبيان ، والمثبت من ط وصحيح مسلم . (٦) في ح : بطنه ، والمثبت من ط وصحيح مسلم . (٧) كذا في ح وط ، وفي صحيح مسلم : منتقع وهو بمعناه ؛ وقد مر (ص ٥٥ ح ٤) من هذا الجزء . (٨) (٩) في تاريخه السيرة النبوية - القسم الأول (ص ٣٧٢) وما يأتي بين معقوفين منه ومن ط . (١٠) في ح : ابن ، والمثبت من ط . (١١) في ح، ط: بالمدينة وهو وهم، والمثبت من تاريخ ابن عساكر ورواية النسائي في السنن (٢٢٤/١) باب أين فرضت الصلاة من طريق سليمان بن داود عن ابن وهب به . ولا خلاف بين أهل العلم وجماعة أهل السير أن الصلاة فرضت بمكة ليلة الإسراء . تفسير القرطبي (١٠/ ٢١٠). ٥٩ ذكر رضاعه عليه الصلاة والسلام فشقًّا بطنه، فأخرجا حِشْوَتَهُ(١) في طَسْتٍ من ذهب، فغسلاه بماء زمزم، ثم كَبَسا٢ً) جَوْفَه حكمةً وعلماً ؟ ومن طريق ابن وَهْب أيضا٣ً) ، عن يعقوب بن عبد الرحمن الزُّهْري ، عن أبيه ، عن عبد الرحمن بن هاشمُ(٤) بن عُتْبة بن أبي وقاص، عن أنس قال: أُتي رسولُ اللهِ مَّلَ ثلاث ليال قال: خذوا خَيْرَهم وسيِّدَهم. فأخذوا رسولَ اللهَ وَ ◌ّرَ فَعُمِد به إلى زمزم، فشُقَّ جوفُه، ثم أُتي بتَوْرِ(٥) من ذهب، فغُسل جوفُه ، ثم مُلىء حكمةً وإيماناً . وثبت(٦) من رواية سُليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس. وفي (( الصحيحين)) من طريق شريك بن أبي نَمِر ، عن أنس(٧) ، وعن الزُّهري ، عن أنس ، عن أبي ذَ(٨) . وقتادة عن أنس. عن(٩) مالك بن صعصعة عن النبيِّ مَ لر في حديث الإسراء ١٠)، كما سيأتي (١١) قصة شرح الصدر ليلتئذ وأنَّه ◌ُغُسل بماء زمزم ؛ ولا منافاةَ لاحتمال وقوع ذلك مرتين ، مرَّةً وهو صغير ، ومرَّةً ليلةَ الإسراء ، ليتأهَّبَ للوفود إلى الملأ الأعلى، ولمناجاةِ الرَّبِّ عزَّ وجلَّ، والمثول بين يديه تبارك وتعالى . وقال ابن إسحاق(١٢): وكان رسولُ الله ◌َّه يقولُ لأصحابه: ((أنا أعْرَبُكم، أنا قُرَشيٌّ واستُرْضِعتُ في بني سعد بن بكر )) . وذكر ابن إسحاق(١٣): أنَّ حليمة لما استرجعته١٤) إلى أُمّه بعد فِطامه، مرَّتْ به على ركبٍ من (١) (( حشوته)): بكسر الحاء المهملة وضمها : أمعاؤه، وما في البطن من كبد وطحال وغير ذلك اللسان ( حشو) . ورواية النسائي : حَشْوَه . (٢) في ط : لبسا وهو تصحيف . كبسا جوفه : أي ستراه . قاله السندي في حاشيته على شرح السيوطي لسنن النسائي (٢٢٥/١) . (٣) عند ابن عساكر في تاريخه السيرة النبوية - القسم الأول (ص٣٧٣) وما يأتي بين معقوفين منه ومن ط . (٤) في ط : عبد الرحمن بن عامر تصحيف ، والمثبت من ح وابن عساكر . (٥) ((التور)): الإناء . اللسان ( تور ). (٦) في صحيح مسلم (٢٦٠) الإيمان باب الإسراء برسول الله اليه. (٧) فتح الباري في صفة النبي ◌َّطي (٣٥٧٠)، وفي التوحيد (٧٥١٧)، ومسلم (١٦٢) (٢٦٢). فتح الباري في الصلاة (٣٤٩)، وفي ذكر بني إسرائيل (٣٣٤٢)، وفي الحج (١٦٣٦)، وفي أحاديث الأنبياء (٨) (٣٣٤٢)، ومسلم في الإيمان (١٦٣). (٩) في ط: ((وعن))، وهو تحريف، وإنما رواه قتادة عن أنس عن مالك، عن النبي وَّر. (١٠) أخرجه البخاري مقطعاً في أربعة مواضع بعضها في بدء الخلق (٣٢٠٧)، وبعضها في الأنبياء (٣٣٩٣) و(٣٤٣٠) وفي بدء الخلق (٣٢٠٧)، ومسلم في الإيمان (١٦٤) (٢٦٤) (٢٦٥). (١١) (١١٥/٣، ١١٦). (١٢) في سيرة ابن هشام (١/ ١٦٧). (١٣) في المصدر السابق ، بألفاظ مقاربة . (١٤) في ط : أرجعته. ٦٠ ذكر رضاعه عليه الصلاة والسلام النَّصَارى ، فقاموا إليه عليه الصلاة والسلام وقلَّبوه وقالوا : إنا سنذهبُ بهذا الغلام إلى مَلِكنا ، فإنه كائنٌ له شأن . فلم تگذْ تنفلتُ منهم إلا بعد جَهْد . وذكر أنها لما ردَّته حين تحوَّفت عليه أنْ يكونَ أصابه عارض ، فلمَّا قَرُبَتْ من مكَّة افتقدَتْه فلمْ تجده فجاءتْ جدَّه عبدَ المطلب ، فخرج هو وجماعة في طلبه ، فوجده ورَقَةُ بن نَوْفلٍ ورجلٌ آخر من قريش ، فأتيا به جدَّه، فأخذه على عاتقه، وذهب فطاف به يعوَّذُهُ ويدعو له ، ثم ردَّه إلى أُمّه آمنة . وذكر الأموي(١) من طريق عثمان بن عبد الرحمن الوقَّاصي - وهو ضعيف - عن الزُّهْري، عن سعيد بن المُسَيِّب قصةَ مولدِه عليه الصلاة والسلام ، ورضاعه من حَلِيمة ، على غير سياق محمد بن إسحاق . وذكر أنَّ عبد المطلب أمر ابنَهُ عبدَ الله أن يأخذَهُ فيطوف به في أحياء العرب ليجد(٢) له مرضعة ، فطاف حتى استأجر حليمة على رَضاعه . وذكر أنه أقام عندها ستَّ سنين تُزيرُه جدَّه في كلِّ عام ، فلما كان من شقِّ صدره عندهم ما كان ، ردّتْه إليهم ، فأقام عند أمه ، حتى [ إذا ]٣) كان عمره ثماني سنين ، ماتت ، فكفَلَه جدُّهُ عبدُ المطلب ، فمات وله عليه الصلاة والسلام عَشْرُ سنين ، فكفَلَه عمَّاه شقيقا أبيه : الزُّبير وأبو طالب ، فلما كان له بضعَ عَشرَةَ سنة خرج مع عمِّه الزُّبير إلى اليمن . فذكر أنهم رأوا منه آياتٍ في تلك السَّفْرة ؛ منها أنَّ فَخْلاً من الإبل كان قد قطعَ بعضَ الطريق في وادٍ مَمَرُّهم عليه ، فلما رأى رسولَ اللهِ له برك حتى حكَّ بِكَلْكَلِهُ(٤) الأرضَ ، فركبه عليه الصلاة والسلام. ومنها أنه خاض بهم سيلاً عَرِما٥ً) فأيبسَهُ الله تعالى حتى جاوزوه . ثم مات عمُّه الزُّبير وله أربعَ عشرة سنة ، فانفرد به أبو طالب . والمقصود أنَّ بركتَهُ عليه الصلاة والسلام حلَّت على حليمةَ السعْدِيَّة وأهْلِها وهو صغير ، ثم عادتْ على هوازِنَ بكمالهم فواضِلُه(٦) حين أسرهم بعد وقعتهم، وذلك بعد فتح مكة بشهر. فمَثُّو(٧) إليه برَضاعِه ، فأعتقهم وتحنَّن عليهم وأحسن إليهم ، كما سيأتي مفصَّلاً في موضعه إنْ شاء الله تعالى . قال محمد بن إسحاق(٨) في وقعة هوازن : عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده [ عبد الله بن عمرو] قال: كنا مع رسول الله وَ لَه بحُنَين، فلما أصاب من أموالهم وسباياهم أدركه وَفْدُ هوازن بالجِعْرَانة (٩) وقد أسلموا ، فقالوا : يا رسول الله، إنا أهلٌ وعشيرة ، وقد أصابنا من البلاء ما لم يَخْفَ (١) الأموي هو أبو محمد سعيد بن يحيى بن سعيد المتوفى (١٩١) هـ في كتابه المغازي. (٢) في ط : ليتخذ . (٣) زيادة ليست في ح ، ط : ويقتضيها السياق. ((الكلكل)) : الصدر . اللسان ( كلل ) . (٤) في ح: عرمرم والمثبت من ط، والسيل العرم: السيل الذي لايطاق. والعرمرم: الكثير من كل شيء. اللسان (عرم). (٥) (٦) ((الفواضل)): الأيادي الجميلة، وفواضل المال: ما يأتيك من مرافقه وغلته. اللسان (فضل). (٧) ((متوا)): توسلوا، يقال: مت إليه بالشيء يمت متاً: توسّل. اللسان (متت). (٨) في سيرة ابن هشام (٤٨٨/٢، ٤٨٩) وما يأتي بين معقوفين منه. (٩) ويقال : الجِعرَّانة بكسر العين المهملة وتشديد الراء المفتوحة : ماء بين الطائف ومكة ، وهي إلى مكة أقرب . =