النص المفهرس

صفحات 541-551

٥٤١
ذكر زيد بن عمرو بن نُفَيْل رضي الله عنه
إبراهيم ويسأل عنه ، ولم يزل في ذلك فيما يزعمون حتى أتى الموصلَ والجزيرة كلَّها ، ثم أقبل حتى أتى
الشامَ ، فجال فيها حتى أتى راهباً ببيعة من أرض البلقاء كان ينتهي إليه علم النصرانية فيما يزعمون ، فسأله
عن الحنيفية دين إبراهيم ، فقال له الراهب : إنك لتسأل عن دينٍ ما أنت بواجدٍ مَن يحملك عليه اليوم ،
لقد دَرَسَ مَنْ عَلِمَهُ، وذهب مَن كان يعرفه، ولكنه قد أظَلّ(١) خروج نبي وهذا زمانه. وقد كان شام(٢)
اليهودية والنصرانية فلم يرضَ شيئاً منها ، فخرج سريعاً حين قال له الراهب ما قال يريدُ مكةَ ، حتى إذا كان
بأرض لخمٍ عدَوا عليه فقتلوه ، فقال ورقةُ يرثيه :
تجنّبْتَ تَنُوراً مِن النارِ حاميا
رَشَدْتَ وأَنْعَمْتَ ابنَ عَمْروٍ وإنما
وتركِك أوثانَ الطواغي كما هيا
بِدينكَ ربّاً لَيسَ ربِّ كمِثْلِه
ولو كان تحتَ الأرض ستين واديا٣ً)
وقد تُدرِكُ الإنسانَ رَحْمُ ربه
وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة: حدّثنا أحمد بن طارق الوابِشيء(٤) حدّثنا عمرو بن عطية ، عن
أبيه ، عن ابن عمر ، عن زيد بن عمرو بن نفيل أنه كان يتألَّه في الجاهلية ، فانطلق حتى أتى رجلاً من
اليهود ، فقال له : أحبُّ أن تُدخلني معك في دينك . فقال له اليهودي : لا أُدخلك في ديني حتى تبوء
بنصيبك من غضب الله . فقال : من غضب الله أفِرُّ ! فانطلق حتى أتى نَصْرانياً فقال له : أحب أن تُدخلني
معك في دينك . فقال : لستُ أَدخلك في ديني حتى تبوء بنصيبك من الضلالة . فقال : من الضلالة أفِرُ !
قال له النصراني فإني أدلك(٥) على دين إن تبعتَه اهتديتَ. قال : أيّ دين ؟ قال : دين إبراهيم . قال:
فقال: اللهمّ إني أُشهدُك أني على دين إبراهيم، عليه أحيا وعليه أموت. قال فذُكِر شأنُه للنبي وَّ فقال:
(( هو أمةٌ وحدَه يوم القيامة (٦) .
وقد روى موسى بن عقبة ، عن سالم ، عن ابن عمر نحو هذا(٧) .
وقال محمد بن سعد : حدّثنا علي بن محمد بن عبد الله بن سيف القُرشي، عن إسماعيل بن مجالد(٨)
(١) في ب : أظلك. وكذلك في مختصر تاريخ دمشق . وفي السيرة : أظل زمان نبي يخرج .
(٢) شام : اختبر .
(٣) الخبر في السيرة (٢٣١/١ -٢٣٢)، ومختصر تاريخ دمشق (١٦٤/٩ - ١٦٥)، وسير أعلام النبلاء (١٣٥/١).
الوابشِي : نسبة إلى وابش بن زيد. اللباب ( ٣٤٣/٣).
(٤)
(٥)
في ب : فإني لأدلك .
مختصر تاريخ دمشق (١٦٥/٩) . وقد خرّج الشيخ شعيب الأرناؤوط هذا الحديث في سير أعلام النبلاء
(٦)
(١٣٠/١).
(٧) أخرجه البخاري رقم (٣٨٢٧) في مناقب الأنصار ، باب حديث زيد بن عمرو بن نفيل . وأورده أبو الفرج في
الأغاني ( ثقافة) ( ١٢٠/٣ - ١٢١).
(٨) في ط : إسماعيل عن مجالد عن الشعبي .

٥٤٢
ذكر زيد بن عمرو بن نُفَيْل رضي الله عنه
عن مجالد، عن الشَّعْبي ، عن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب قال : قال زيد بن عمرو بن نفيل :
شاممت اليهودية والنصرانية فكرهتهما١) ، فكنت بالشام وما والاها ، حتى أتيتُ راهباً في صومعة (٢) ،
فذكرتُ له اغترابي عن قومي وكراهتي عبادة الأوثان واليهودية والنصرانية . فقال له : أراكَ ترِيدُ دِين
إبراهيم يا أخا أهل مكة ، إنك لتطلب ديناً ما يوجَّدُ اليوم أحدٌ يدين(٣) به ، وهو دين أبيك إبراهيم ، كان
حنيفاً ، لم يكن يهودياً ولا نصرانياً، كان(٤) يصلي ويسجُدُ إلى هذا البيت الذي ببلادك ، فالحق ببلدك ،
فإن الله يبعثُ من قومك في بلدك من يأتي بدين إبراهيم الحنيفية، وهو أكرم الخلق على الله(٥).
وقال يونس ، عن ابن إسحاق : حدّثني بعضُ آل زيد بن عمرو بن نفيل : إن زيداً كان إذا دخل الكعبة
قال : لبيك حقاً حقاً ، تَعْبُّداً ورِقاً، عذت بما عاذ به إبراهيم وهو قائم ، إذ قال إلَهي أنفي لك عان راغم ،
مهما تُجشّمني فإني جاشم، البِرَّ أبغي لا الخال، ليس مُهَجِّر كمن قال(٦).
وقال أبو داود الطيالسي : حدّثنا المسعودي ، عن نفیل بن هشام بن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل
العدوي ، عن أبيه ، عن جده أن زيد بن عمرو ووَرَقة بن نوفل خرجا يلتمسان الدينَ ، حتى انتهيا إلى
راهب بالموصل ، فقال لزيد بن عمرو : من أين أقبلتَ يا صاحب البعير ؟ فقال من بنية إبراهيم ، فقال :
وما تلتمس ؟ قال : ألتمس الدين . قال : ارجع فإنه يوشك أن يظهر في أرضك . قال :
فأما ورقة فتنصّر . وأما أنا فعزمتُ على النصرانية فلم يوافقني ، فرجع وهو يقول : [من مجزوء الرجز]
لبيكَ حقّاً حقاً تعبُّداً ورِقّا
البرَّ أبغي لا الخالْ فهل مهجِّر كَمَن قال
آمنت بما آمن به إبراهيم ، وهو يقول : أنفي لك عان راغم ، مهما تجشّمني فإني جاشم ، ثم يخر
فيسجد . قال : وجاء ابنه ، يعني سعيد بن زيد أحد العشرة رضي الله عنه فقال : يا رسول الله ! إن أبي كما
رأيتَ وكما بلغك، فاستغفر له ، قال: ((نعم فإنه يُبعث يومَ القيامة أمةً واحدة)(٧) .
قال: وأتى زيد بن عمرو بن زيد على رسول الله وَ له ومعه زيد بن حارثة وهما يأكلان من سفرة لهما ،
(١) في ب : النصرانية واليهودية وكرهتهما .
(٢)
زاد في ب فوقفت عليه .
قوله : أحدٌ يدين . زيادة من ط وفي السير : ما يوجد اليوم فالحق ببلدك .
(٣)
(٤)
في ب : إنه كان .
(٥)
سير أعلام النبلاء (١/ ١٣٢).
(٦) الخال: الخيلاء والكبر . وقال، من القيلولة، وهي النوم عند الظهيرة . والتهجير السير في الهاجرة ، في شدة
الحر. السيرة (٢٣٠/١).
(٧) أشار إلى الخبر ابن حجر في فتح الباري (٧/ ١٤٣) . وتقدم الحديث قبل قليل .

٥٤٣
ذكر زيد بن عمرو بن نُفَيْل رضي الله عنه
فدعواه لطعامهما ، فقال زيد بن عمرو : يا ابن أخي أنا لا آكل مما ذُبح على النُّصُبُ(١).
وقال محمد بن سعد : حدّثنا محمد بن عمرو ، وحدّثني أبو بكر بن أبي سَبْرة ، عن موسى بن
ميسرة ، عن ابن أبي مليكة عن حُجير(٢) بن أبي إهاب ، قال : رأيتُ زيد بن عمرو وأنا عند صَنمٍ بُوَانَةَ بِعد
ما رجع من الشام وهو يراقب الشمس ، فإذا زالت استقبلَ الكعبة فصلّى ركعة وسجدتين ثم يقول : هذه
قبلة إبراهيم وإسماعيل لا أعبد حجراً ، ولا أصلي له ، ولا آكل ما ذُبح له ، ولا أستقْسِم الأزلام ، وأنا
أصلي إلى هذا٣) البيت حتى أموت . وكان يحجّ فيقف بعرفة ، وكان يلبيّ فيقول: لبيك لا شريك لك
ولا نِدّلك، ثم يدفع من عَرفة ماشياً وهو يقول: لبيك متعبِّداً مرقوقاً) .
وقال الواقدي : حدّثني علي بن عيسى الحَكَمي ، عن أبيه ، عن عامر بن ربيعة قال: سمعتُ زيدَ بن
عمرو بن نفيل يقول : أنا أنتظر نبياً من ولد إسماعيل ، ثم من بني عبد المطلب ، ولا أُراني أدركه ، وأنا
أومن به وأصدّقه، وأشهد أنه نبيٌّ، فإن طالت بكَ مدة فرأيتَه فأقْرِتْه مني السلام ، وسأخبرك ما نعتُه حتى
لا يخفَى عليك . قلتُ : هلم! قال : هو رجل ليس بالطويل ولا بالقصير ، ولا بكثير الشعر ولا بقليله ،
وليست تفارقُ عَينَه حمرةٌ ، وخاتم النبوة بين كتفيه ، واسمه أحمد ، وهذا البلد مَولده ومَبْعَثه ، ثم يخرجه
قومُه منها ويَكْرَهُون ما جاء به ، حتى يهاجر إلى يثرب فيظهر أمرُه ، فإياك أن تُخْدَع عنه ، فإني طُفْتُ البلادَ
كلها أطلب دين إبراهيم ، فكان مَن أسألُ من اليهود والنصارى والمجوس يقولون : هذا الدين وراءك ،
وينعتونه مثل ما نعتُّه لك ، ويقولون : لم يبق نبيٌّ غيرُه . قال عامر بن ربيعة : فلما أسلمت أخبرتُ
رسول الله وَ لل قول زيد بن عمرو وأقرأته منه السلام، فردّ عليه السلام وترخَّم عليه وقال: ((قد رأيتُه في
الجنةِ يَسْحَبُ ذُيولًا (٥) .
وقال البخاري في صحيحه (٦) : ذكر زيد بن عمرو بن نفيل :
حدّثني محمد بن أبي بكر ، حدّثنا فُضَيل بن سليمان، حدّثنا موسى بن عُقْبة، حدثني سالم بن(٧)
عبد الله بن عمر أن النبي ◌َّ لقي زيدَ بن عمرو بن نُفَيل بأسفل بَلْدَح قبل أن ينزل على النبيِ نَّ الوحيُّ،
(١) زاد في ب : وقد رواه أحمد عن يزيد بن هارون عن المسعودي ، به .
وهو كذلك في المسند (١٨٩/١)، وذكره الذهبي في السير (١٢٩/١).
في ط : حجر . وهو خطأ .
(٢)
في ط : وإنما أصلي لهذا .
(٣)
مختصر تاريخ دمشق ( ٩/ ١٦٥)، وهو من طبقات ابن سعد (٣٨٠/٣).
(٤)
(٥)
مختصر تاريخ دمشق (١٦٥/٩ - ١٦٦). وهو في طبقات ابن سعد (٣٧٩/٣).
(٦)
صحيح البخاري رقم (٣٨٢٦ و٣٨٢٧ و٣٨٢٨) في مناقب الأنصار، باب (٢٤).
في ط : عن . والتصحيح عن البخاري .
(٧)

٥٤٤
ذكر زيد بن عمرو بن نُفَيْل رضي الله عنه
فَقُدِّمَتْ إلى النبي ◌ِِّ﴾ِ سفرةٌ، فأبى أن يأكلَ منها . ثمَّ قال زيد : إني لستُ آكل مما تذبحون على
أنصابكم ، ولا آكل إلا ما ذُكر اسمُ اللّهِ عليه، وأنَّ زيدَ بن عمرو كال (١) يعيب على قريش ذبائحَهم
ويقول: الشاةُ خَلَقها الله وأنزلَ لها من السماء الماء(٢)، وأنبت لها من الأرض(٣)، ثم تذبحونها على غير
اسم الله ، إنكاراً لذلك وإعظاماً له .
قال موسى بن عقبة : وحدّثني سالم بن عبد الله، ولا أعلمه إلا يحدث به عن ابن عمر(٤) : أن
زيد بن عمرو بن نفيل خرج إلى الشام يسأل عن الدين ويتبعه ، فلقي عالماً من اليهود ، فسأله عن دينهم ،
فقال : إني لَعلّي أن أدينَ دينكم فأخبِرْني. فقال: إنك(٥) لا تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من
غضب الله . قال زيد : وما أَفِرُ إلا من غضب الله تعالى، ولا أحمِلُ من غضب الله شيئاً ولا أستطيعه ،
فهل تدلّني على غيره ؟ قال : ما أعلمه إلا أن تكون حنيفاً . قال زيد : وما الحنيف ؟ قال دين إبراهيم عليه
السلام لم يكن يهودياً ولا نصرانياً ولا يعبد إلا الله . فخرج زيد ، فلقي عالماً من النصارى ، فذَكَر مثله ،
فقال: لن تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من [ لعنة الله. قال: ما أَفِرُّ إلا من لعنة الله ، ولا أحمل من
لعنة الله ولا من غضبه شيئاً أبداً، ولا أستطيعُ(٦)، فهل تدلّني ]٧) على غيره ؟ قال : ما أعلمه إلا أن
تكونَ حنيفاً . قال : وما الحنيفُ ؟ قال : دين إبراهيم ، لم يكن يهودياً ولا نَصْرانياً ولا يعبد إلا الله .
فلما رأى زيدٌ قولَهم في إبراهيم خرج ، فلما برزَ رَفَع يديه فقال : اللهم إني أَشْهدُك أني على دين إبراهيم .
قال(٨): وقال الليثُ : كتب إليَّ هشامُ بن عُزوة ، عن أبيه ، عن أسماء بنت أبي بكر قالت : رأيت
زيدَ بن عمرو بن نفيل قائماً مسنِداً ظهرَه إلى الكعبة يقول : يا معشر قريش ، والله ما منكم على دين إبراهيم
غيري . وكان يُحيي الموؤودة ، يقول للرجل إذا أراد أن يقتل ابنته : لا تقتلْها أنا أكفيك مؤونتَها ،
فيأخذها ، فإذا ترعرعتْ قال لأبيها : إن شئتَ دفعتُها إليك ، وإن شئت كفيتُكَ مؤونتها .
انتهى ما ذكره البخاري .
وهذا الحديث الأخير قد أسنده الحافظ ابن عساكر من طريق أبي بكر بن أبي داود ، عن عيسى بن
(١) قوله : كان . زيادة من ب ، والبخاري .
(٢)
في ط : ماء .
زاد في ب : الكلأ. وكذلك في الروض الأنف (١/ ٢٥٦).
(٣)
في ب : ولا أعلمه يحدث به إلا عن ابن عمر .
(٤)
(٥)
ليست في ب ، والبخاري . وفي ط : تأخذ نصيبك.
في ب : وإني لا أستطيع . ولفظ البخاري : وأنَّى أستطيع .
(٦)
(٧) سقطت هذه العبارة من ط .
(٨) صحيح البخاري رقم (٣٨٢٨)، والخبر أيضاً في سير أعلام النبلاء (١٢٨/١).

٥٤٥
ذكر زيد بن عمرو بن نُفَيْل رضي الله عنه
حماد ، عن الليث ، عن هشام ، عن أبيه ، عن أسماء ، فذكر نحوَةً(١) .
وقال عبد الرحمن بن أبي الزناد ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن أسماء قالت : سمعت زيد بن
عمرو بن نفيل وهو مسندٌ ظهره إلى الكعبة يقول : يا معشر قريش إياكم والزِّنا فإنه يورثُ الفقر(٢).
وقد ساق ابن عساكر هاهنا أحاديث غريبة جداً ، وفي بعضها نَكَارة شديدة . ثم أورد من طُرق متعددة
عن رسول الله وَّهو أنه قال: ((يُبْعَثُ يوم القيامة أمة وحده(٣) . فمن ذلك ما رواه محمد بن عثمان بن
أبي شيبة ، حدّثنا يوسف بن يعقوب الصفّار ، حدّثنا يحيى بن سعيد الأموي ، عن مجالد ، عن الشعبي ،
عن جابر قال: سُئل رسول الله وَّ ه عن زيد بن عمرو بن نفيل أنه كان يَستقبل القبلةَ في الجاهلية ويقول :
إلّهي إلّه إبراهيم وديني دينُ إبراهيم، ويسجد. فقال رسول الله بَّرَ: « يُحْشَرُ ذاكَ أمةً وحدَه بيني وبينَ
عيسى بن مريم » .
إسناده جيد حسن (٤) .
وقال الواقدي : حدثني موسى بنُ شيبة ، عن خارجة بن عبد الله بن كعب بن مالك قال : سمعت
سعيد بن المسيِّب يذكر زيدَ بن عمرو بن نفيل فقال : توفي وقريشٌ تبني الكعبةَ قبل أن ينزل الوحيُّ على
رسول الله وَّفي بخمس سنين ، ولقد نزل به وإنه ليقول: أنا على دين إبراهيم ، فأسلم ابنه سعيد بن زيد
واتَّبع رسولَ الله وَليه، وأتى عمر بن الخطاب وسعيد بن زيد رسول الله وَّل فسألاه عن زيد بن عمرو بن
نفيل فقال: ((غفر الله له ورحمه فإنه مات على دين إبراهيم (٥) . قال فكان المسلمون بعد ذلك اليوم
لا يذكره ذاكرٌ منهم إلا ترحّم عليه واستغفر له . ثم يقول سعيد بن المسيب : رحمه الله وغفر له . وقال
محمد بن سعد ، عن الواقدي : حدثني زكريا بن يحيى السعدي ، عن أبيه قال : مات زيد بن عمرو بن
نفيل بمكة ودُفن بأصل حِراء(٦) ، وقد تقدم أنه مات بأرض البلقاء من الشام لمَّا عَدَا عليه قومٌ من بني لخم
فقتلوه بمكان يقال له : مَيْفعة(٧) . والله أعلم .
وقال الباغَنْدي ، عن أبي سعيد الأشَجّ ، عن أبي معاوية ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة قالت :
(٢)
(١) مختصر تاريخ دمشق (١٦٦/٩). والسيرة (٢٢٥/١).
سير أعلام النبلاء (١٣١/١ - ١٣٢). وفي مختصر تاريخ دمشق (٩/ ٠١٦٧) : إياكم والربا .
(٣)
في ب : وحده . مختصر تاريخ دمشق (٩/ ١٦٢ - ١٦٦).
(٤)
هكذا قال ، ومجالد ، وهو ابن سعيد ، ضعيف .
المصدر السابق (١٦٦/٩). والإصابة ( ١/ ٥٧٠).
(٦) المصدر السابق (٩/ ١٦٧).
(٥)
(٧) ميفعة: وراء بطن نخل إلى النقرة بناحية نجد ، بينها وبين المدينة ثمانية برد. ( عن حاشية في المغازي الواقدي:
٧٢٦/٢). والخبر في الأغاني ( ثقافة) (١٢١/٣).

٥٤٦
ذكر زيد بن عمرو بن نُفَيْل رضي الله عنه
قال رسول الله وَّه: ((دخلتُ الجنَة فرأيتُ لزيدِ بنِ عَمْرو بن نُفَيَل دَوْ حَتَيْن))(١).
وهذا إسناد جيد ، وليس هو في شيء من الكتب .
ومن شعر زيد بن عمرو بن نفيل رحمه الله ما قدمناه في بدء الخلق من تلك القصيدة : [من الطويل]
إلى الله أُهدِي مِدْحَتي وثَنائيا وقَوْلًا رضياً لا يني الدهرَ باقيا
إلى الملِكِ الأعلى الذي ليس فوقَه إِلَّه ولا ربّ يكونُ مدانيا
وقد قيل : إنها لأمية بن أبي الصلت(٢) . والله أعلم .
ومن شعره في التوحيد ما حكاه محمد بن إسحاق (٣) والزبير بن بكار وغيرهما: [من المتقارب]
له الأرضُ تحملُ صخراً ثِقالا
وأسلمتُ وجهي لمن أسلمتْ
سواءً وأرسَى عليها الجبالا
دَحاها فلمّا استوتْ شَدّها
له المزْنُ تحملُ عَذْباً زلالا
وأسلمتُ وجهي لمن أسلمتْ
أطاعتْ فَصَبّت عليها سِجالا
إذا هيَ سِيقت إلى بلدةٍ
له الريحُ تُصرَف حالاً فحالا
وأسلمتُ وجهي لمن أسلمتْ
وقال محمد بن إسحاق(٤) : حدّثني هشام بن عروة قال: رَوَى أبي أن زيدَ بن عمرو قال: [من الوافر]
أَدِيْنُ إذا تُقُسِّمَتِ الأمورُ
أربٌّ واحدٌ أم ألفُ ربِّ
كذلك يفعلُ الجَلْدِ الصَُّورُ
عَزلْتُ اللاتَ والعزَّى جميعاً
ولا صَنَّمَيْ بني عمروٍ أزور
فلا العُزَّى أَدينُ ولا ابنَتَيْها
لنا في الدهرِ إذْ حِلمي يسير (٥)
ولا هُبلاً أدين وكان ربّاً
وفي الأيامِ يعرفُها البصير
عجبتُ ، وفي الليالي مُعجِباتٌ
(١) مختصر تاريخ دمشق (١٦٦/٩). وذكره السيوطي في الجامع الصغير: (٥٦٤/١)، عن ابن عساكر، وحَسَّنه .
(٢) ديوان أمية (٥٣٧)، وقد أشار د. السطلي إلى اختلاف نسبة هذه الأبيات وقال: ومن المرجح أنها منحولة غير
موثقة .
(٣) السيرة (٢٣١/١)، ولم يذكر البيت الخامس. وفي سير أعلام النبلاء (١٣٢/١ - ١٣٣)، أربعة أبيات، مع
اختلاف في الرواية . وكذلك أورد صاحب الأغانى ( ١٢١/٣ - ١٢٢) ، ثلاثة أبيات .
(٤) السيرة (٢٢٦/١ - ٢٢٧) والروض الأنف (٢٥٧/١ - ٢٥٨). وفي الأغاني (١١٨/٣ - ١١٩) سبعة أبيات،
وفي مختصر تاريخ دمشق (١٦٧/٩) ثمانية أبيات ، وفيها بعض اختلاف في الرواية وفي الأصنام (٢٢) ثلاثة
أبيات .
(٥) في الأصول: ولا غنماً . ولم أجد لها وجهاً. وكذلك في مختصر تاريخ دمشق ، ولعله تحريف . وأثبت ما في
سائر مصادر الأبيات .

٥٤٧
ذكر زيد بن عمرو بن نُفَيْل رضي الله عنه
بأَنّ اللهَ قد أفنى رجالاً
وأبقَى آخرينَ بِرٌّ قوم
وبينا المرءُ يعثرُ ثابَ يوماً
ولكنْ أعبدُ الرحمنَ ربي
--
كثيراً كان شأنهمُ الفُجور
فَيَرْبُلُ منهمُ الطفلُ الصغير(١)
كما يترؤَّحُ الغُصنُ النضير(٢)
ليغفرَ ذنبيَ الربُّ الغفور
متى ما تحفظوها لا تَبُوروا
فتقوى الله ربکمُ احفظوها
وللكفّارِ حاميةٌ سَعِيرُ
ترى الأبرارَ دارُهُمُ جِنانٌ
يُلاقوا ما تضيقُ به الصدور
وخِزْيٌّ في الحياةِ وإن يموتوا
[ هذا تمام ما ذكره محمد بن إسحاق من هذه القصيدة ]٣) .
وقد رواه أبو القاسم البَغَوي ، عن مُصعب بن عبد الله ، عن الضخَّاك بن عثمان ، عن عبد الرحمن بن
أبي الزناد قال : قال هشام بن عُروة ، عن أبيه ، عن أسماء بنت أبي بكر قالت : قال زيد بن عمرو بن
نفيل : [من الوافر]
كذلك يفعلُ الجَلْد الصبور(٤)
عزلتُ الجنَّ والجِنّانَ عني
ولا صَنَمي بني طَسْمٍ أدير
فلا العزّى أدين ولا ابنتيها
ولا غنماً أدينُ وكان ربّاً
أربَّاً واحداً أم ألفَ ربِّ
ألم تعلم بأن الله أفنى
وأبقى آخرين بِيِرِّ قومٍ
وبينا المرء يعثر ثاب يوما
قالت : فقال وَرَقة بن نوفل(٥): [من الطويل]
رُشِدْتَ وأُنْعِمْتَ ابنَ عمروٍ وإنما
لدینك ربّاً لیس ربِّ کمثله
لنا في الدهر إذا حِلمي صغير
أدينُ إذا تُقُسِّمت الأمورُ
رجالاً كان شأنهم الفجور
فيربُو مِنْهُمُ الطفل الصغيرُ
كما يتروّحُ الغصنُ النضير
تَجَنَّبْتَ تَثُوراً من النار حاميا
وترکِك جنَّان الجبال كما هيا
(١) يربل: يشب ويعظم. ( الروض ).
(٢)
يتروح الغصن : أي ينبت ورقه بعد سقوطه . ( الروض ) .
(٣) سقط من ب .
وكذلك في الأغاني .
(٤)
تقدم قبل قليل أن هذه الأبيات في رثاء زید بن عمرو .
(٥)
والأبيات: ١ - ٢، في ديوان أمية بن أبي الصلت (٥٤٢) والرابع من قصيدة تروى لأمية أيضاً في ديوانه ( ٥٣٨)
والخامس من قصيدة ثالثة لأمية ( ٥٢٩ ).

٥٤٨
ذكر زيد بن عمرو بن نُفَيْل رضي الله عنه
حنانيْكَ لا تُظهر عليَّ الأعاديا
أقولُ إذا أَهبطتُ أرضاً مَخُوفةٌ
وأنتَ إلَّهِي رَبُّنا ورَجائِيُ(١)
حَنانَيَكَ إنَّ الجن كانَتْ رَجَاءَهُم
وإن كان تحتَ الأرض سبعين واديا٢ً)
لَتُذْرِكِنَّ المرءَ رحْمَةُ ربّه
أدينُ لمن لا يسمعُ الدهْرَ واعيا
أدين لربِّ يَسْتجيبُ ولا أُرَىّ
تَبَارَكْتَ قد أكثرتُ باسمِك داعيا
أقولُ إذا صليتُ في كل بيعةٍ
تقدم أن زيد بن عمرو بن نُفيل خرج إلى الشام هو وورقة بن نوفل وعثمان بن الحويرث وعبيد الله بن
جحش فتنصروا إلّا زيداً ، فإنه لم يدخل في شيء من الأديان ، بل بقي على فطرته من عبادة الله وحده
لا شريك له ، متبعاً ما أمكنه من دين إبراهيم على ما ذكرناه(٣).
وأما وَرَقة بن نوفل فسيأتي خبره في أول المبعث(٤).
وأما عثمان بن الحويرث ، فأقام بالشام حتى مات فيها عند قيصر(٥) . وله خبر عجيب ذكره الأموي ؛
ومختصره أنه لما قدم على قيصر فشكى إليه ما لقي من قومه كتب له إلى ابن جَفْنة مَلك عرب الشام ليجهّز
معه جيشاً لحرب قريش ، فعزم على ذلك فكتبتْ إليه الأعراب تنهاه عن ذلك لما رأوا من عظمة مكة وكيف
فعل الله بأصحاب الفيل ، فكساه ابن جَفنة قميصاً مصبوغاً مسموماً ، فمات من سمه(٦) ، فرثاه زيد بن
عمرو بن نفيل بشعر ذكره الأموي تركناه اختصاراً . وكانت وفاته قبل المبعث بثلاث سنين أو نحوها . والله
سبحانه وتعالى أعلم(٧) .
(١)
في ديوان أمية : كنت .
في ديوان أمية : ألا لن تفوت المرء رحمة ربه .
(٢)
في ب : فكان من أمره ما ذكرناه .
(٣)
في الجزء الثالث من هذا الكتاب .
(٤)
ذكره ابن حبيب في المحبر (١٧١ ) تنصر ومات على النصرانية من العرب .
(٥)
(٦)
في ب : فمات بسببه .
(٧) انتهى الخبر فى النسخة الأحمدية (أ) هنا. ثم وردت صفحة مستقلة كتب عليها : الجزء الثاني من تجزئة
( المؤلف ) من تاريخ الإسلام المسمى بالبداية والنهاية ، تصنيف الشيخ الإمام الهمام ، العالم المفتي المحدث ،
عماد الدين إسماعيل بن كثير رحمة الله عليه .
أما في النسخة ( ب ) فقد وصل الكلام مباشرة بخبر كعب بن لؤي ، وذكر قبله الخبر التالي : وأما عبيد الله بن
جحش فرجع إلى مكة ، وكان من جملة من أسلم وهاجر إلى الحبشة ، ومعه زوجته أم حبيبة بنت أبي سفيان ، ثم
عاد إلى النصرانية بأرض الحبشة - قبّحه الله - ومات هناك، فخلف على زوجته بعده رسول الله وَعليه، كما سيأتي ذلك
في موضعه إن شاء الله ، وبه الثقة ، وعليه التكلان .
ثم أورد خبر ما وقع من الحوادث في زمن الفترة بعد ذلك . أي هناك تقديم وتأخير في إيراد الأخبار .

٥٤٩
الفهرس
الفهرس
الموضوع
قصة موسی الکلیم
هلاك فرعون وجنوده
ما كان من أمر بني إسرائيل بعد هلاك فرعون
دخول بني إسرائيل التيه
سؤال الرؤية
قصة عبادة العجل في غيبة كليم الله عنهم
قصة بقرة بني إسرائيل
قصة موسى والخضر عليهما السلام
حديث الفتون
بناء قبة الزمان
قصة قارون مع موسى عليه السلام
فضائل موسى عليه السلام وشمائله وصفاته ووفاته
ذكر حجة موسی إلى البيت العتيق
ذكر وفاة موسى عليه السلام
نبوة يوشع وقيامه بأعباء بني إسرائيل
ذكر قصتي الخضر وإلياس عليهما السلام
قصة حزقيل
قصة اليسع عليه السلام
قصة شمويل عليه السلام
قصة داود عليه السلام وما كان في أيامه
ذكر كمية حياة داود وكيفية وفاته
قصة سليمان بن داود عليهما السلام
ذكر وفاة سليمان ومدة ملكه وحياته
جماعة من أنبياء بني إسرائيل
ذکر خراب بيت المقدس
خبر دانيال عليه السلام
عمارة بيت المقدس بعد خرابها
قصة العزير
-
الصفحة
٥
٤٩
٥٧
٦٥
٦٩
٧٤
٨٥
٨٧
٩٣
١٠٢
١٠٥
١٠٩
١١٥
١١٦
١٢٠
١٣٠
١٥٢
١٥٥
١٥٧
١٦٣
١٧٣
١٧٧
١٩٣
١٩٧
١٩٩
٢٠٧
٢١٠
٢١٢

٥٥٠
الفهرس
الموضوع
قصة زكريا ويحيى عليهما السلام
سبب قتل يحيى عليه السلام
قصة عيسى ابن مريم عبد الله ورسوله
ميلاد العبد الرسول عيسى ابن مريم البتول
بيان أن الله منزه عن الولد
منشأ عيسى ابن مريم عليهما السلام
بيان نزول الكتب الأربعة ومواقيتها
ذكر خبر المائدة
رفع عيسى عليه السلام إلى السماء
صفة عيسى عليه السلام وشمائله وفضائله
أخبار الماضين - خبر ذي القرنين
طلب ذي القرنين عين الحياة
ذكر أمتيْ يأجوج ومأجوج
قصة أصحاب الكهف
قصة الرجلين المؤمن والكافر
قصة أصحاب الجنة
قصة أصحاب أيلة الذين اعتدوا في سبتهم
قصة لقمان
قصة أصحاب الأخدود
بيان الإذن في الرواية والتحديث عن بني إسرائيل
قصة جريج أحد عباد بني إسرائيل
قصة برصيصا
قصة الثلاثة الذين أووا إلى الغار
خبر الثلاثة الأعمى والأبرص والأقرع
حدیث الذي استلف من صاحبه ألف دينار
قصة في الصدق والأمانة
قصة في التوبة
قصص أخرى
قصة الملكين التائبين
تحریف أهل الکتاب وتبدیلھم أدیانهم
كتاب الجامع لأخبار الأنبياء
ذكر أخبار العرب
الصفحة
٢١٧
٢٢٧
٢٣٠
٢٤٢
٢٥٣
٢٦٠
٢٦٥
٢٧٧
٢٨٧
٢٩٥
٣٠٦
٣١٣
٣١٦
٣٢٢
٣٢٩
٣٣٣
٣٣٥
٣٣٩
٣٥١
٣٥٦
٣٦١
٣٦٥
٣٦٧
٣٦٩
٣٧١
٣٧٢
٣٧٣
٣٧٤
٣٧٩
٣٨٨
٣٩٤
٤٠١

٥٥١
الفهرس
الموضوع
قصة سبأ
قصة ربيعة بن نصر بن أبي حارثة
قصة تُع أبي کرب تبَّان أسعد
وثوب لخنيعة ذي شناتر
خروج الملك بالیمن من حمیر
خروج أبرهة الأشرم على أرياط
سبب قصد أبرهة بالفيل مكة ليخرب الكعبة
خروج المُلْك عن الحبشة ورجوعه إلى سيف بن ذي يزن الحميري
ذكر ما آل إليه أمر الفرس باليمن
قصة الساطرون صاحب الحَضْر
خبر ملوك الطوائف
ذكر بني إسماعيل وهم عرب الحجاز
عة وخبر عمرو بن لُحَيّ
خبر عدنان جد عرب الحجاز
أصول أنساب قبائل عرب الحجاز
الكلام على قريش نسباً واشتقاقاً وفضلاً
خبر قصي بن كلاب وما كان من أمره
ذكر جُمَل من الأحداث الواقعة في زمن الجاهلية
ذكر حاتم الطائي أحد أجواد الجاهلية
ذکر شيء من أخبار عبد الله بن جدعان
ذکر امرىء القيس بن حجر الكندي
ذكر شيء من أخبار أمية بن أبي الصلت
بحیری الراهب
ذكر قُسّ بن ساعدة الإيادي
ذکر زید بن عمرو بن نفیل
الفهرس
الصفحة
٤٠٦
٤١٢
٠ ٤١٦ -
٤٢٣
٤٢٥
٤٢٦
٤٢٧
٤٣٩
٤٤٤
٤٤٨
٤٥١
٤٥٣
٤٥٧
٤٦٨
٤٧٥
٤٧٧
٤٨٥
٤٩٤
٤٩٧
٥٠٥
٥٠٧
٥١٢
٥٢٧
٥٢٨
٥٣٩
٥٤٩
٠
٠