النص المفهرس
صفحات 421-440
٤٢١ قصة تُبَع أبي کرب تُبَّان أسعد فأصفقت(١) عند ذلك حمير على دينه (٢) ، فمن هنالك وعن ذلك كان أصل اليهودية باليمن . قال ابن إسحاق: وقد حدّثني مُحدِّث أن الحَبْرَيْن ومَن خرج من حِمْير إنما اتَّبعوا النار ليردُّوها، وقالوا: من ردّها فهو أولى بالحق ، فدنا منها رجال حِمير بأوثانهم ليردُّوها ، فدنت منهم لتأكلهم ، فحادوا عنها ولم يستطيعوا ردّها ، ودنا٣) منها الحَبْران بعد ذلك وجعلا يتلوان التوراة وتنكص(٤) عنهما حتى رداها إلى مخرجها الذي خرجت منه ، فأصفقت عند ذلك حِمير على دينهما . والله أعلم أي ذلك كان . قال ابن إسحاق : وكان رِئام بيتاً لهم يعظّمونه وينحرون عنده ويكلَّمون منه (٥) إذ كانوا على شركهم. فقال الحبران لِتُبَّع : إنما هو شيطان يفتنهم بذلك (٦) فَخَلِّ بيننا وبينه . قال : فشأنكما به . فاستخرجا منه فيما يزعم أهل اليمن كلباً أسود ، فذبحاه ، ثم هَدَما ذلك البيت، فبقاياه اليوم كما ذُكر لي بها آثار(٧) الدماء التي كانت تهراق عليه (٨) . وقد ذكرنا في التفسير الحديث الذي ورد عن النبي وَّه: ((لا تسبوا تُبُعاً فإنّه قد كان أسلم)(٩) قال السهيليُ(١٠): ورَوى معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة أن رسول الله وَّر قال: ((لا تسبُّوا أسعد الحميري فإنه أوّل من كسا الكعبة » ١١) قال السهيلي (١٢): وقد قال تُبَّع حين أخبره الحبران عن رسول الله وَّل شعراً: [من المتقارب] شهدْتُ على أحمدٍ أنه رسولٌ منَ الله باري النسم لكنتُ وزيراً له ، وابنَ عم فلو مُذَّ عمري إلى عُمره وفرّجتُ عن صدرِه كلَّ همْ(١٣) وجاهدت بالسيف أعداءَه في ب : فأصفقت حمير عند ذلك .. . وأصفقوا على الأمر : اجتمعوا عليه. (١) في ط : دينهما . وعبارة ط . بعد هذا . فمن هنالك كان أصل .... (٢) (٣) في ط : فدنا . في ط : وهي تنقص . (٤) في ط : فيه . (٥) (٦) زيادة من ط . والسيرة . (٧) في ب : کما ذکر فیه آثار .. . زاد في ب هاهنا قوله : ثم صار الملك فيما بعد ... اليمامة . وسيأتي هذا بعد قليل في أوط. (٩) أخرجه أحمد في المسند (٥/ ٣٤٠)، عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه ، وهو حديث صحيح. (٨) (١٠) الروض الأنف (٣٦/١). (١١) ذكره السيوطي في ((الدر المنثور)) (٣١/٦) من رواية ابن مردويه، والله أعلم به. (١٢) الروض الأنف (٣٥/١). (١٣) كذا في ط ، وهو موافق لنص السهيلي: وفي أوب: ( عن وجهه). وفي ب : ( كل غم ) . ٤٢٢ قصة تُبَّع أبي كرب تُبَّان أسعد قال : ولم يزل هذا الشعر تتوارثه الأنصار ويحفظونه بينهم ، وكان عند أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه وأرضاه . قال السهيلي (١): وروى ابن أبي الدنيا في كتاب القبور أن قبراً حُفر بصنعاء، فوجد فيه امرأتان معهما٢) لوحٌ من فضة مكتوب فيه بالذهب(٣)، وفيه: هذا قبر لَميس وحُبَّى ابنتي تُبَّع ماتتا وهما تشهدان أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له (٤) ، وعلى ذلك مات الصالحون قبلهما . ثم صار الملك فيما بعد إلى حسان بن تُبَّان أسعد ، وهو أخو اليمامة الزرقاء التي صُلبت على باب مدينة جَوّ ، فسميت من يومئذ اليمامة . قال ابن إسحاق(٥) : فلما ملك ابنه حسان بن أبي كرب تبَّان أسعد سار بأهل اليمن يريد أن يطأ بهم(٦) أرض العرب وأرض الأعاجم ، حتى إذا كان(٧) ببعض أرض العراق(٨) كرهت حمير وقبائل اليمن السير معه ، وأراداو الرجعة إلى بلادهم وأهليهم ، فكلّموا أخاً له يقال له : عمرو ، وكان معه في جيشه ، فقالوا له : اقتل أخاك حسان ونملّكك علينا، وترجع بنا إلى بلادنا. فأجابهم. فاجتمعو(٩) على ذلك إلا ذا رُعين الحميري فإنه نهى عَمراً عن ذلك ، فلم يقبل منه ، فكتب ذو رعين رُقعة فيها هذان البيتان: [من الوافر ] أَلا مَن يَشْتري سَهَراً بنومٍ سعيدٌ مَن يبيتُ قَرِيرَ عَيْنِ فإما حِمَيَرٌ غَدَرتْ وخانَت فمعذرةُ الإِلّه لِذِي رُعَينُ(١٠) (١١) ثمّ استودعها عمراً. فلما قَتَل عمرٌو أخاه حسان ورجع إلى اليمن ، مُنع منه النوم ، وسُلّط عليه السهر ، فسأل الأطباء والحُزاة١٢) من الكهّان والعرّافين عما به ، فقيل له : إنه والله ما قَتلَ رجلٌ أخاه قط (١) الروض الأنف (٣٦/١). وفي ط: (وذكر). (٢) زيادة من ط، والروض الأنف. في ط : مكتوب بالذهب ، وفيه . (٣) (٤) زيادة من ط موافقة لنص السهيلي . (٥) السيرة (٢٨/١). (٦) زيادة من ب ، وط . موافقة لنص السيرة. (٧) في ط : كانوا . وكذلك في السيرة . زاد في ب : قال ابن هشام : بالبحرين فيما ذكر لي بعض أهل العلم . وهو كذلك في شرح السيرة . (٩) كذا في ب ، وط . وهو موافق لنص السيرة، والذي في أ : .. وأهليهم، فاتفقوا مع أخيه عمرو على أن يقتله (٨) ويملكون عليهم ، وأصفقوا على ذلك . (١٠) تاريخ الطبري (١١٥/٢)، ومجمع الأمثال (١/ ٧٣). وهذه الأبيات أصبحت تضرب لمن غمط النعمة وكره العافية. (١١) زاد في ب : كلاماً هو من تمام نص السيرة الذي تصرف به قليلاً المؤلف في نسخة أوط . (١٢) في ط : والحذَّاق . وهو أصوب . . ٤٢٣ وثوب لخنيعة ذي شناتر على ملك اليمن أو ذا رَحم بغياً(١) إلا ذهب نومه وسُلُّط عليه السهر، فعند ذلك جعل يقتل كل (٢) من أمره بقتل أخيه(٣)، فلما خلص إلى ذي رُعين قال له : إن لي عندك براءة . قال : وما هي ؟ قال : الكتاب الذي دفعتُهُ إليك . فأخرجه فإذا فيه البيتان ، فتركه ورأى أنه قد نصحه . وهلك عمرو ، فمرج أمرُ حمير عند ذلك وتفرَّقوا . * * * وتُوْبُ لخنيعة ذي شناتر علی ملك اليمن وقد ملكها سبعاً وعشرين سنة . قال ابن إسحاق(٤) : فوثب عليهم رجل من حمير لم يكن من بيوت الملك يقال له : لَخْنِيْعَة ينوف ذو شَناتر ، فَقَتَل خيارَهم ، وعبث ببيوت أهل المملكة منهم(٥) ، وكان مع ذلك امراً فاسقاً يعمل عمل قوم لوط ، فكان يرسل إلى الغلام من أبناء الملوك فيقع عليه في مَشْرَبة(٦) له قد صنعها لذلك لئلا يَملِك بعد ذلك، ثم يَطْلعُ من مشربته تلك إلى حرسه ومن حَضَر من جنده قد (٧) أخذ مِسواكاً فجعله في فِيه ليُعْلِمهم أنه قد فرغ منه . حتى بعث إلى زُرعة ذي نواس بن تُبان أسعد أخي حسن وكان صبياً صغيراً حين قُتل أخوه حسان، ثمّ شبَّ غلاماً جميلاً وسيماً ذا هيئة(٨) وعقلٍ ، فلما أتاه رسوله عرف ما يريد منه، فأخذ سكِّيناً حديد(٩) لطيفاً، فخبّأه بين قدميه ( ١٠) ونعله ، ثمّ أتاه ، فلما خلا معه وَثَب إليه ، فوائبه ذو نواس فَوَجَأَه حتى قَتَله ، ثُمّ حزَّ رأسه فوضعه في الكُوَّة التي كان يُشرف منها ، ووضع مسواكه في فيه ، ثمّ خرج على الناس فقالوا له : ذا نواس أَرُطَبٌ أَمْ يَباس؟ فقال: سَلْ نحماس (١١) (١) زاد في ب : على مثل ما قتلت أخاك عليه. وهو موافق لنص السيرة . (٢) زيادة من ب وط . وكذلك في السيرة. زاد في ب : من أشراف اليمن . وكذلك في السيرة . (٣) (٤) السيرة (٢٩/١). وقد سقط العنوان ومطلع هذا المقطع من ب تاريخ الطبري (٢/ ١١٧). (٥) زاد في ب : فقال قائل من حمير شعراً: [ من الطويل ] تقتل أبناها وتنفي سراتها وتبني بأيديها لها الذل حمير تدمر دنياها بطيش حلومها وما ضيعت من دينها فهو أكثر كذاك القرون قبل ذاك بظلمها وإسرافها تأتي الشرورَ فتخسر والنص هو من تمام نص السيرة . (٦) المشربة : الغرفة المرتفعة . (٧) في ب : وقد . (٨) كذا في ط ، والسيرة ، وهو موافق للمعنى ، وفي أوب : هيبة . (٩) في ط : جديداً وهو تصحيف . (١٠) كذا في ب ، وهو الأشبه بالصواب ، وموافق لنص السيرة . وفي أوط: قدميه . (١١) في السيرة : نخماس وأشار السهيلي إلى أنه يمكن أن يكون هو الصواب . وفيه أنه النحماس في لغتهم: الرأس . = ٤٢٤ وثوب لخنيعة ذي شناتر على ملك اليمن اسْترطُيان ذو نواس ، استرطبان لا باس ، فنظروا إلى الكُوَّة فإذا رأس لَخنيعة مقطوع ، فخرجوا في أثر ذي نواس حتى أدركوه ، فقالوا : ما ينبغي أن يملكنا غيرُك إذ أَرَحْتنا من هذا الخبيث ، فملّكوه عليهم ، واجتمعت(١) عليه حمير وقبائل اليمن ، فكان آخر ملوك حمير ، وتَسَمَّى يوسف ، فأقام في مُلكه زماناً . وبنجرال(٢) بقايا من أهل دين عيسى بن مريم عليه السلام على الإنجيل ، أهل(٣) فضل واستقامة من أهل دينهم ، لهم رأسٌ يقال له : عبد الله بن الثامر(٤) . ثمّ ذكر ابن إسحاق(٥) سبب دخول أهل نجران في دين النصارى ، وأن ذلك كان على يدي رَجُل يقال له : فَيَمِيُّون كان من عُبّاد النصارى بأطراف الشام، وكان مجاب الدعوة ، وصَحِبه رجلٌ يقال له : صالح ، فكانا٦) يتعبَّدان يوم الأحد ، ويعمل فيميون بقية الجمعة في البناء ، وكان يدعو للمرضى والزَّمْنَى (٧) وأهلِ العاهات فيشفون، ثمّ استأسره وصاحِبَه بعضُ الأعراب ، فباعوهما بنجران ، فكان الذي اشترى فَيَميون يراه إذا قام في مُصَلاّه بالبيت الذي هو فيه في الليل يمتلىء عليه البيت نوراً ، فأعجبه ذلك من أمره ، وكان أهل نجران يعبدون نخلة طويلة يعلِّقون عليها حُليَّ نسائهم ويعكفون عندها ، فقال فيميون لسّيده : أرأيتَ إن دعوتُ الله على هذه الشجرة فَهَلَكَتْ أتعلمون أن الذي أنتم عليه باطل ؟ قال : نعم . فجمع له أهل نجران ، وقام فيميون إلى مُصَلاّه، فدعا الله عليها ، فأرسل الله عليها قاصفً(٨) فجعفها من أصلها ورماها إلى الأرض ، فاتَّبعه أهل نجران على دين النصرانية ، وحملهم على شريعة الإنجيل حتى حدثت فيهم الأحداث التي دخلت(٩) على أهل دينهم بكل أرض ، فمن هنالك كانت النصرانية بنجران من أرض العرب . وأورد الأصفهاني الخبر بشكل يوضح المراد من هذه العبارة ، وفيه أن الحراس يصيحون بالخارج : أرطب أم = يباس ، فلما خرج ذو نواس صاحوا : زرعة يا ذا نواس ، أرطب أم يباس؟ فقال : ستعلم الأحراس ، أاست ذي نواس رطب أم يباس ( الأغاني - ثقافة ٣٤٦/٢٢) . كذا في ط . وفي أ: وأجمعت . وفي ب : فملكوه واجتمعت . (١) هذا من تتمة كلام ابن إسحاق . (٢) كذا في ب وط ، والسيرة . وفي أ : فيهم فضل . (٣) زاد في ب : وكان موقع أهل ذلك الدين بنجران ، وهي بأوسط أرض العرب في ذلك الزمان وسائر العرب كلها أهل (٤) أوثان يعبدونها ، وأن رجلاً من بقايا أهل ذلك الدين يقال له فيمون . وهذه تتمة كلام ابن إسحاق ، وآخره : يقال له فيميون وقع بين أظهرهم فحملهم عليه ، فدانوا به .. تاريخ الطبري (٢/ ١٢١) . (٥) السيرة (٣١/١) . وما بعدها . (٦) في ط : فكان ، وهو خطأ . الزمنى : الذين يطول مرضهم ولا يشفون منه . (٧) زاد في ب : ريحاً قاصفاً . والجعف : القلع . (٨) (٩) في ب : حلت . ٤٢٥ خروج المُلْك باليمن من حِمَيَر وصيرورته إلى الحبشة السودان ثمّ ذكر ابن إسحاق قصة عبد الله بن الثامر(١) حين تنصّر على يدي فيميون ، وكيف قتله وأصحابه ذو نواس، وخَدَّ لهم الأخدود - وقال ابن هشام: وهو الحفر المستطيل في الأرض مثل الخندق(٢) - وأجّج فيه النار وحرقهم بها ، وقتل آخرين حتى قَتَل قريباً من عشرين ألفاً ، كما قدّمنا ذلك مبسوطاً في. أخبار بني إسرائيل ، وكما هو مستقصى في تفسير سورة ﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ من كتابنا ((التفسير(٣) ولله الحمد . ** * ذكر خروج المُلْك باليمن من حِميَر وصيرورته إلى الحبشة السودان(٤) كما أخبر بذلك شِقُّ وسَطيح الكاهنان . وذلك أنه لم ينج من أهل نجران إلا رجلٌ واحدٌ(٥) يقال له دوس ذو ثعلبان على فَرَس له ، فَسَلك الرمْلَ(٦) ، فأعجزهم ، فمضى على وجهه ذلك حتى أتى قيصرَ صاحب الروم(٧) ، فاستنصره على ذي نواس وجنوده ، وأخبره بما بلغ منهم ، وذلك لأنه نصراني على دينهم . فقال له : بعدت بلادك منا ، ولكن سأكتب لك إلى ملك الحبشة ، فإنه على هذا الدين ، وهو أقرب إلى بلادك . فكتب إليه يأمره بنصره والطلب بثأره . فقَدِم دَوْس على النجاشي بكتاب قيصر ، فبعث معه سبعين ألفاً من الحبشة ، وأمَّر عليهم رجلاً منهم يقال له : أرياط ومعه في جنده أبرهة الأشرم ، فركب أرياطُ البحرَ حتى نزل ساحل(٨) اليمن ، ومعه دوس ، وسار إليه ذو نواس في حِمْير ومَن أطاعه من قبائل اليمن . فلما التقوا انهزم ذو نواس وأصحابه ، فلما رأى ذو نواس ما نزل به وبقومه وجه فرسه في البحر ، ثم ضربه فدخل فيه فخاض به ضَحْضاح(٩) البحر حتى أفضى به إلى غَمْرِه فأدخله فيه ١٠) ، فكان آخر العهد به ، ودخل أرياط اليمن فملكها (١) (١) السيرة (٣٤/١). (٢) السيرة (٣٦/١). (٣) تفسير ابن كثير ( ٤ / ٤٩١ ). في ط : خروج الملك باليمن من حمير إلى الحبشة السودان . (٤) تفصيل الخبر في السيرة (٣٧/١)، وتاريخ الطبري (١٢٥/٢). (٥) (٦) كذا في ب وط ، وهو موافق لنص السيرة . وفي أ : الرجل . (٧) في ط : ملك . وكذلك في السيرة . (٨) في ط : بساحل. (٩) الضحضاح من الماء : الذي يظهر منه القعر. (١٠) كذا في ب، وهو موافق لنص السيرة، وأقرب إلى المعنى. وفي أ : غمرة فأدخله فيها .. وفي ط : غمره .. والغَمْر : الماء الكثير . (١١) في ب وط : وملكها . ٤٢٦ خروج أبرهة الأشرم على أرياط وقد ذكر ابن إسحاق هاهنا١) أشعاراً للعرب فيما وقع من هذه الكائنة الغريبة ، وفيها فصاحة وحلاوة وبلاغة وطلاوة ، ولكن تركنا إيرادها خشية الإطالة ، وخوف الملالة . وبالله المستعان . * ذكر خروج أبرهة الأشرم على أرياط واختلافهما ، واقتتالهما ، وصيرورة ملك اليمن إلى أبرهة بعد قتله أرياط(٢) قال ابن إسحاق(٣): فأقام أرياط بأرض اليمن سنين(٤) في سلطانه ذلك ، ثمّ نازعه أبرهة حتى تفرقت الحبشة بينهما٥) . فانحاز إلى كل منهما طائفةٌ، ثم٦) سار أحدهما إلى الآخر . فلما تقارب الناس أرسل أبرهة إلى أرياط إنك لا تصنع(٧) بأن تلقى الحبشةُ بعضُها ببعض حتى تفنيها شيئاً شيئا٨ً)، فابرُزْ لي وأبرُزُ لك ، فأيّنا أصاب صاحبه انصرف إليه جنده ، فأرسل إليه أرياط: أنصفتَ . فخرج إليه أبرهة وكان رجلاً قصيراً لحِيم٩ً) وكان ذا دين في النصرانية ، وخرج إليه أرياط ، وكان رجلاً جميلاً عظيماً طويلاً وفي يده حَربةٌ له ، وخلف أبرهة غلام يقال له : عَتَوْدَة يمنع ظهرَه ، فرفع أرياط الحربة فضرب أبرهة يريد يافوخَه ، فوقعت الحرية على جبهة أبرهة فشرمت حاجبه وعينه وأنفه ١٠) وشفته ، فبذلك سُمي أبرهة الأشرم . وحمل عَتَودة على أرياط من خلف أبرهة فقتله، وانصرف جند أرياط إلى (١١) أبرهة. فاجتمعت عليه الحبشة باليمن، وَوَدَىُ(١٢) أبرهةُ أرياطَ. فلما بلغ ذلك النجاشي [ ملك الحبشة الذي بعثهم إلى اليمن (١٣) غضب غضباً شديداً على أبرهة، وقال: عَدَا عَلَى أميري فقتله بغير أمري، ثمّ حَلَف (١) السيرة (٣٨/١) وما بعدها . نقص العنوان في ط عما هاهنا ، وهو ثمة : خروج أبرهة الأشرم على أرياط واختلافهما . قال ابن إسحاق . . (٢) (٣) السيرة (٤١/١). وانظر تاريخ الطبري (١٢٨/٢). (٤) كذا في ب وط . وهو موافق لنص السيرة . وفي أ : سنتين . (٥) في ط : عليهما . وكذلك في السيرة . (٦) في ب : إلى كل واحد منهما أناس منهم ثم . (٧) في ط : لن تضيع . في ب : بشيء . (٨). (٩) اللحيم : الكثير لحم الجسد . (١٠) في ب : أنفه وعينه . (١١) في أ : على. (١٢) في ب : ووارى . ووداه : دفع ديته . (١٣) سقطت من ب . ٤٢٧ سبب قصد أبرهة بالفيل مكّة ليخرب الكعبة أن(١) لا يدع أبرهة حتى يطأ بلاده ويجزَّ ناصيته ، فحلق أبرهة رأسَه وملأ جُراباً من تراب اليمن ثم بعث به إلى النجاشي ، ثم كتب إليه : أيها الملك إنما كان أرياط عبدك وأنا عبدُك ، فاختلفنا في أمرك ، وكلٌّ طاعتُه لك ، إلا أني كنت أقوى على أمر الحبشة وأضبط لها وأسوس منه. وقد حَلَقْتُ رأسي كله حين بلغني قسمُ الملك ، وبعثت إليه بجراب تراب (٢) من أرضي ليضعه تحت قدميه (٣) فيبرَ قسمه فيّ . فلما انتهى ذلك إلى النجاشي رضي عنه وكتب إليه أن اثبت بأرض اليمن حتى يأتيك أمري ، فأقام أبرهة باليمن (٤) . ** * ذكر سبب قصد أبرهة بالفيل مكّة ليخرب الكعبة فأهلكه الله عاجلاً غير آجل ، كما قال سبحانه وتعالى(٥): ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَبٍ اُلْفِيلِ ﴿ أَلَمْ بَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ ﴿ وَأَرْسَلَ عَلَيِمْ طَّا أَبَابِيلَ حَ تَرْمِيهِم ٣ ◌ِحِجَارَةٍ مِّنْ سِجِيلٍ ﴿ فَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ﴾ [الفيل: ١ -٥]. قيل: أول من ذلَّل الفِيَلة إفريدون بن أثفيال(٦) الذي قَتَل الضحّاك، قاله الطبري (٧). وهو أول من اتخذ للخيل السرج . وأما أول من سخّر الخيل وركبها فطهمورث(٨) وهو الملك الثالث من ملوك الدنيا. ويقال : إن أول من ركبها إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام ، ويحتمل أنه أول من ركبها من العرب . والله تعالى أعلم . ويقال : إن الفيل مع عظمة خلقه يَفْرَقُ(٩) من الهر . وقد احتال بعض أمراء الحروب في قتال (١) ليست في ط . كذا في ب وط . وهو موافق للسيرة . وفي أ : من تراب اليمن من أرضي . (٢) (٣) في ط : قدمه . زاد في ب : وحكى السهيلي أن النجاشي بعث أرياط بعد أبرهة شفقاً عليه ينصره في طاعته ، فخالفه أبرهة وامتنع أن (٤) يسلم اليمن إليه ، فاقتتلا ، فلما قتل عتودة أرياط قال له أبرهة : تَمَنَّ عليّ. قال: أريد أن لا تُزفَّ امرأة بكر في اليمن أو غيرها إلا جيء بها إلي قبله فأقضي وطري منها ، ثم أردها إليه . فأجابه إلى ذلك . فلما طال على أهل اليمن ذلك قتلوا عتودة غيلة ، فلم يعنفهم أبرهة ، ولم يطلبهم بدمه . الذي في ط : سبب قصد أبرهة بالفيل مكة ليخرب الكعبة . ألم تر .. (٥) (٦) ليست في ب . تاريخه (٢١٤/١) ، وخبر قتل الضحاك ثمة . (٧) تاريخ الطبري ( ١/ ١٧٢ ) . (٨) في ب : عظم خلقه يهرب . والفَرَق : الخوف والفزع . (٩) ٤٢٨ سبب قصد أبرهة بالفيل مكّة ليخرب الكعبة الهنود بإحضار سنانير(١) إلى حومة الوغى فنفرت الفيلة . قال ابن إسحاق(٢): ثمّ إن أبرهة بنى القُلَّيْس بصنعاء، كنيسةٌ(٣) لم يُرَ مثلُها في زمانها بشيء من الأرض ، وكتب إلى النجاشي إني قد بنيت لكَ كنيسةً لم يُبْنَ مثلُها لملك كان قبلك ، ولست بمنته حتى أصرف إليها حجَّ العرب . فذكر السهيلي(٤) أن أبرهة استذلَّ أهل اليمن في بناء هذه الكنيسة الخسيسة ، وسخّرهم فيها أنواعاً من السّخر . وكان من تأخر عن العمل حتى تطلع الشمس يقطع يده لا محالة . وجعل ينقل إليها من قصر بلقيس رُخاماً وأحجاراً وأمتعة عظيمة ، وركّب فيها صلباناً من ذهب وفضة . وجعل فيها منابر من عاج وأبنُوس ، وجعل ارتفاعها عظيماً جداً، واتساعها باهراً . فلما هلك أبرهة بعد ذلك وتفرقت(٥) الحبشة كان من يتعرض لأخذ شيء من بنائها وأمتعتها أصابته الجنُّ بسوء . وذلك لأنها كانت مبنية على اسم صنمين - كُعَيْب وامرأته - وكان طول كلّ منهما ستين ذراعاً . فتركها أهل اليمن على حالها . فلم تزل كذلك إلى زمن السفاح أول خلفاء بني العباس ، فبعث إليها جماعة من أهل العزم والحزم والعلم فنقضها حجراً حجراً ، واندثرت إلى يومك هذا٦) . قال ابن إسحاق : فلما تحدثت العرب بكتاب أبرهة إلى النجاشي ، غضب رجلٌ من النَّسَأَةُ(٧) من كنانة الذين ينسؤون شهر الحرام إلى الحل بمكة أيام الموسم كما قررنا ذلك عند قوله : ﴿ إِنَّمَا الشَّيِّءُ زِيَادَةٌ فِى اَلْكُفْرِ﴾ .... الآية [ التوبة: ٣٧] قال ابن إسحاق : فخرج الكناني حتى أتى القُلَّيس ، فقعد فيه ، أي أَحْدث حيث لا يراه أحدٌ ، ثم خرج فلحق بأرضه . فأُخْبِر أبرهةُ بذلك . فقال : من صنع هذا ؟ فقيل له : صنعه رجلٌ من أهل هذا البيت الذي تحجّه العرب بمكة لما سمع بقولك إنك تريد أن تصرف حج العرب إلى بيتك هذا ، فغضب ، فجاء ، فقعد فيه . أي إنه ليس لذلك أهل . فغضب أبرهة عند ذلك ، وحلف ليسيرنَّ إلى البيت حتى يهدمه . ثمّ أمر الحبشة فتهيأت وتجهزت . ثم سار وخرج معه بالفيل ، وسمعت بذلك العرب ، فأعظموه وفظعُوا به ، ورأوا جهاده حقاً عليهم حين سمعوا بأنه يريد هَدْم الكعبة بيت الله (١) السنانير : مفردها سنور . (٢) السيرة (٤٣/١). (٣) في ب : فبنى الكنيسة . في ب : وقد ذكر والخبر في الروض الأنف (٦٣/١ ). (٤) في ط : بعد ذلك أبرهة ... وفي ب : وتمزقت الحبشة . (٥) (٦) في ط : ودرست آثارها إلى يومنا هذا . قال ابن إسحاق : النسأة : الذين كانوا ينسؤون - أي يؤخرون - الشهور على العرب في الجاهلية، فيحلون الشهر من (٧) الأشهر الحرم ، ويحرمون مكانه الشهر من أشهر الحل ، ليواطئوا عدّة ما حرم الله ، ويؤخرون ذلك الشهر . السيرة (٤٣/١ ) . ٤٢٩ سبب قصد أبرهة بالفيل مكة ليخرب الكعبة الحرام . فخرج إليه رجلٌ وكان من أشراف أهل اليمن وملوكهم يقال له : ذو نَفْر ، فدعا قومَه ومن أجابه من سائر العرب إلى حرب أبرهة وجهاده عن بيت الله الحرام(١) وما يريد من هدمه وإخرابه ، فأجابه من أجابه إلى ذلك ، ثم عَرَض له فقاتله . فَهُزِم ذو نَفْر وأصحابه ، وأُخِذَ له ذو نفر فأُتي به أسيراً ، فلما أراد قتله قال له ذو نفر : يا أيها الملك لا تقتلني فإنه عسى أن يكون بقائي معك خيراً لك من القتل ، فتركه من القتل وحبسه عنده في وثاق ، وكان أبرهة رجلاً حليماً ، ثم مضى أبرهة على وجهه ذلك يريد ما خرج له ، حتى إذا كان بأرض خثعم عرض له نُقيل بن حبيب الخفْعمي في قبيلَتَي خَشْعم ، وهما شَهْران وناهس ومن تَّبِعِه من قبائل العرب ، فقاتله ، فهزمه أبرهة ، وأُخِذَ له نُفيل أسيراً ، فأُتي به ، فلما هَمَّ بقتله قال له نفيل : أيها الملك(٢) لا تقتلني فإني دليلك بأرض العرب ، وهاتان يداي لك على قبيلتي خثعم - شهران وناهس - بالسمع والطاعة . فخلى سبيله وخرج به معه يدله . حتى إذا مر بالطائف خرج إليه مسعود بن مُعَتِّب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف في رجال ثقيف ، فقالوا له : أيها الملك إنما نحن عبيدك سامعون لك مطيعون ، ليس لك عندنا٣) خلاف . وليس بيتنا هذا البيت الذي تريد - يعنون اللات - إنما تريد البيت الذي بمكة ، ونحن نبعث معك من يدلك عليه . فتجاوز عنهم . قال ابن إسحاق : واللات بيت لهم بالطائف ، كانوا يعظّمونه نحوَ تعظيم الكعبة . قال فبعثوا معه أَبارِ غال يدلُّه على الطريق إلى مكة. فخرج أبرهة ومعه أبورغال حتى أنزله بالمغمِّس(٤) . فلما أنزله به مات أبورغال هنالك ، فَرَجَمَتْ قبرَه العربُ ، فهو القبر الذي يَرْجُم الناسُ بالمغمّس . وقد تقدّم في قصّة ثمود أن أبار غال كان رجُلاً منهم ، وكان يمتنع بالحرم ، فلما خرج منه أصابه حَجَرٌ فقتله، وأن رسول الله وَ ل قال لأصحابه: ((وآية ذلك أنه دُفن معه غصنان من ذهب(٥) ، فحفروا فوجدوهما . قال : وهو أبو ثقيف . قلت : والجمع بين هذا وبين ما ذَكَر ابنُ إسحاق أن أبارغال هذا المتأخر وافق اسمه اسم جده الأعلى ، رجمته الناس كما رجموا قبر الأول أيضاً والله أعلم . وقد قال جرير(٦): [من الوافر] إذا ماتَ الفَرِزْدَقُ فارْجُموه كرجمِكُمُ لقبرِ أبِي رِغَالٍ الظاهر أنه الثاني . (١) زيادة من ب ، وط . موافقة لنص السيرة . وفي ط : وما يريده. (٢) زيادة من ط ، موافقة لنص السيرة . (٣) في ب ، وط : ليس عندنا لك . في ب : المغمس . وهو موضع بطريق الطائف إلى مكة . (٤) أخرجه أبو داود في سننه : ( ٣٠٨٨)، في الخراج والإمارة ، باب نبش القبور العادية وإسناده ضعيف . (٥) لیس في ديوانه ، بتحقیق الدکتور نعمان طه . (٦) ٤٣٠ سبب قصد أبرهة بالفيل مكّة ليخرب الكعبة قال ابن إسحاق : فلما نزل أبرهة المغمِّس بَعَث رجلاً من الحبشة يقال له : الأسود بن مقصود على خيل له حتى انتهى إلى مكة . فساق إليه أموال أهل تِهامة من قُريش وغيرهم . وأصاب فيها مئتي بعير لعبد المطلب بن هاشم - وهو يومئذ كبير قُريش وسيِّدها - فهمَّت قريش وكنانة وهذيل ومن كان بذلك الحرم(١) بقتاله . ثم عرفوا أنه لا طاقة لهم به ، فتركوا ذلك . وبَعث أبرهة حُنَاطَة الحميري إلى مكة ، وقال له : سَلْ عن سيّد أهل هذا البلد وشريفهم ، ثمّ قل له : إن الملك يقول إني لم آت لحربكم ، إنما جئت لهدم هذا البيت ، فإن لم تعرضوا دونه(٢) بحرب ، فلا حاجة(٣) لي بدمائكم ، فإن هو لم يرد حربي فائتني به . فلما دخل خُناطة مكّة سأل عن سيد قريش وشريفها ، فقيل له : عبد المطلب بن هاشم . فجاءه ، فقال له ما أمره به أبرهة . فقال له عبد المطلب : والله ما نريد حربه ، ومالنا بذلك من طاقة ، هذا بيت الله الحرام وبيت خليله إبراهيم عليه السلام - أو كما قال - فإن يمنعه منه فهو حَرَمُه وبيته(٤) ، وإن يُخَلِّ بينه وبينه فوالله ما عندنا دَفْعٌ عنه. فقال له (٥) حُنَاطة: فانطلق معي إليه فإنه قد أمرني أن آتيه بك . فانطلق معه عبد المطلب ومعه بعض بنيه ، حتى أتى العسكر ، فسأل عن ذي نَفْر - وكان له صديقاً - حتى دخل عليه وهو في محبسه ، فقال له : يا ذا نفر هل عندك من غَناء فيما نزل بنا ؟ فقال له ذو نفر : وما غَناء رجل أسير بيدي ملك ينتظر أن يقتله غُدوّاً أو عشّاً؟ ما عندي غَناء في شيء مما نزل بك ، إلا أن أُنَيَّساً سائسَ الفيل صديق لي، فسأرسل إليه فأوصيه (٦) بك وأعظم عليه(٧) حقك ، وأسأله أن يستأذن لك على الملك فتكلمه بما بدا لك، ويشفع لك عنده بخير إن قدر على ذلك . فقال : حسبي . فبعث ذو نفر إلى أنيس فقال له : إن عبد المطلب سيد قريش وصاحب عين مكة ، يُطعم الناس بالسهل ، والوحوشَ في رؤوس الجبال ، وقد أصاب له الملك مئتي بعير(٨) ، فاستأذِنْ له عليه وانفعْه عنده بما استطعت . قال : أَفْعَلُ . فكلّم أنيس أبرهة ، فقال له : أيها الملك هذا سيد قريش ببابك يستأذن عليك ، وهو صاحب عين مكة ، وهو الذي يطعم الناس بالسهل ، والوحوشَ في رؤوس الجبال ، فائذن له عليك فليكلمك في حاجته . قال(٩) : فأذن له أبرهة . وكان عبد المطلب أوسَم الناس وأعظمهم (١) في ب : ومن كان من أكابر الحرم . (٢) في ط : لنا دونه . (٣) في ب : له . في ب : بيته وحرمه . (٤) (٥) ليست في ب . في ب وط : وأوصيه . (٦) زيادة من ب ، وط ، موافقة لنص السيرة . (٧) في عبارة ب هاهنا بعض التصرف مما يخالف الأصل ونص السيرة ، ولا جديد في ذلك . (٨) (٩) ليست في ط . وفيه : فأذن له أبرهة قال وكان ... ٤٣١ سبب قصد أبرهة بالفيل مكّة ليخرب الكعبة وأجملهمُ(١)، فلما رآه أبرهة أجلَّه وأكرمه عن (٢) أن يجلسه تحته ، وكره أن تراه الحبشة يجلسه معه(٢) على سرير ملكه، فنزل أبرهة عن سريره٤) فجلس على بساطه وأجلسه إلى (٥) جانبه ، ثم قال لترجمانه : قل له : حاجتك(٦) ؟ فقال له ذلك الترجمان(٧) ، فقال : حاجتي أن يرد عليّ الملك مئتي بعير أصابها لي . فلما قال له ذلك ، قال أبرهة لترجمانه : قل له : لقد(٨) كنتَ أعجبتني حين رأيتك ، ثم قد زهدتُ فيك حين كلمتني . أتكلّمني في مئتي بعير أصبتها لك وتترك بيتاً هو دينك ودين آبائك قد جئتُ لأهدمه(٩) لا تكلّمني فيه !؟ فقال له عبد المطلب : إني أنا ربُّ الإبل ، وإن للبيت ربّاً سيمنعه . فقال: ما كان ليمتنع مني. قال : أنت وذاك (١) . فردّ على عبد المطلب إبلَه. قال ابن إسحاق : ويقال إنه كان قد دخل مع عبد المطلب على أبرهة يَعْمَر بن نُفاثة بن عدي بن الدِّيل ابن بكر بن عبد مناة بن كنانة ، سيد١١) بني بكر ، وخويلد بن وائلة سيد١٢) مذيل ، فعرضوا على أبرهة ثلث أموال تهامة على أن يرجع عنهم ولا يهدم البيت، فأبى عليهم ذلك(١٣) ، فالله أعلم أكان ذلك أم (١٩) . فلما انصرفوا عنه انصرف عبد المطلب إلى قريش ، فأخبرهم الخبر ، وأمرهم بالخروج من مكة والتحرُّز في رؤوس الجبالُ(١٥) . ثمّ قام عبد المطلب فأخذ بحلقة باب الكعبة ، وقام معه نفرٌ من قريش في ب : وأجملهم وأعظمهم . (١) زيادة من ب ، وط . والسيرة . (٢) (٣) في ب : يجلس على . قوله : منزل . . سريره . ليس في ب . (٤) في ط : وأجلسه معه عليه إلى ... وكذلك في السيرة . (٥) (٦) في ب : ما حاجتك . (٧) زيادة من ب ، وط . والسيرة . في ب : قد . وكذلك في السيرة . (٨) في ب : لهدمه . وكذلك في السيرة . (٩) (١٠) عبارة ب بعد هذا : قال: وكان فيما زعم أهل العلم قد ذهب مع عبد المطلب إلى أبرهة - حين بعث إليه حناطة - يعمر بن نفاثة . . وكذلك في السيرة . (١١) في ب : وهو يومئذ سيد .. وكذلك في السيرة . (١٢) في ب: الهذلي، وهو يومئذ .. وكذلك في السيرة. (١٣) ليست في ب. وكذلك في السيرة. (١٤) زاد في ب : فرد أبرهة الإبل على عبد المطلب التي أصاب له . ومثله في السيرة . (١٥) في ب: في شَعَف الجبال والشعاب تخوفاً عليهم معرة الجيش. ثم .... ومثله في السيرة. والتحرّز : التمنع . وشعف الجبال : رؤوسها . والشعاب : المواضع الخفية بين الجبال . ومعرة الجيش : شدته . ٤٣٢ سبب قصد أبرهة بالفيل مكّة ليخرب الكعبة يدعون الله ويستنصرونه على أبرهة وجنده. وقال عبد المطلب - وهو آخذ بحلقة باب(١) الكعبة -: [م الكامل] ـنعِ رَحْلَه فامنَعْ حِلالك(٢) لا هُمَّ إنّ العبدَ يمـ وَمِحَالُهم غَدْواً مِحالَك(٣) لا يَغْلِبَنَّ صَلِيبُهم قال ابن هشام : هذا ما صح عندي(٤) له منها . وقال ابن إسحاق(٥) : ثم أرسل عبد المطلب حلقة باب الكعبة ، وانطلق هو ومن معه من قريش إلى شَعَف الجبال يتحرَّزون(٦) فيها ينتظرون ما أبرهةٌ فاعلٌ. فلما٧) أصبح أبرهة تهيّأ لدخول مكة ، وهيأ فِيلَه ، وعبَّى جيشه، وكان اسم الفيل محموداً ، فلما٨) وجهوا الفيل إلى مكة أقبل نُفيل بن حبيب حتى قام إلى جنب الفيل ، ثم أخذ بأذنه فقال: ابرُك محمود وارجع راشداً من حيث جئت (٩) ، فإنك في بلد الله الحرام ، وأرسل(١٠) أذنه . فبرك الفيل . قال السهيلي (١): أي سقط إلى الأرض، وليس من شأن الفيلة أن تبرك . وقد قيل إن منها ما يبرك كالبعير ، فالله أعلم . وخرج نُفيل بن حبيب يشتد حتى أصعد الجبل . وضربوا الفيل ليقوم فأبى ، فضربوا رأسه (١) كذا في ب ، وط ، وهو موافق لنص السيرة . وفي أ : بباب. (٢) في ط : رحالك . والحِلال : جماعة البيوت ، ومتاع البيت . (٣) غدواً : أي غداً . وزاد في ط بيتاً آخر: [ من الرجز ] إن كنت تاركهم وقب لتنا فأمر وهو في السيرة زيادة عن الواقدي . (٤) ليست في ط . ولا في نص السيرة. (٥) زاد في ب : قال ابن إسحاق : وقال عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي : الآخذَ الهجمة فيها التقليدْ لا هم أخز الأسود بن مقصود بين حراء وثبير فالبيد يحبسها وهي أولات التطريدْ أخفره يا رب وأنت محمود فضمها إلى طماطم سود قال ابن هشام : هذا ما صح له منها .. وهذا من تمام نص السيرة . (٦) في ب : فتحرزوا . (٧) زاد في ب : فاعل بمكة إذا دخلها ، فلما ... وكذلك في السيرة . في ب : وأبرهة مجمع لهدم البيت ثم الانصراف إلى اليمن . فلما .. وكذلك في السيرة . (٨) (٩) في ط : أتيت . (١٠) في ب : ثم أرسل . وكذلك في السيرة . (١١) قول السهيلي سقط من ب. وهو في الروض (١/ ٧١). ٤٣٣ سبب قصد أبرهة بالفيل مكة ليخرب الكعبة بالطَّبَرْزين (١) ليقوم فأبى، فأدخلوا محاجنهم(٢) في مَرَاقّه فبزغوه بها ليقوم، فأبى. فوجّهوه راجعاً إلى اليمن فقام يهرول . ووجّهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك ، ووجهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك . ووجَّهوه إلى مكة فبرك. وأرسل الله عليهم طيراً من البحر أمثال الخطاطيف والبَلَسانُ(٣) ، مع كل طائر منها ثلاثة أحجار يحملها ، حجرٌ في منقاره وحجران في رجليه ، أمثال الحِمَّص والعدس ، لا تصيب منهم أحداً إلا. هَلَك ، وليس كلهم أصابت ، وخرجوا هاربين يبتدرون الطريق التي منها جاؤوا . ويسألون عن نُقيل بن حبيب ليدلهم على الطريق إلى اليمن ، فقال نفيل (٤) في ذلك: [ من الوافر] نَعِمِناكُم معَ الإصباحِ عَيْنا. ألا حُبّيتِ عنّا يا رُدَينا لَدِى جَنْبِ المحصَّبِ ما رَأينا٥) رُدَيْنةُ لو تَرِين ولا تَرِيْه ولَم تأسَيْ علَى ما فاتَ بَيْنا إذاً لعذَرْتِنِي وحَمِدْتِ أمري وخِفْتُ حِجارةَ تُلقَى عَلَينا٦) حَمِدتُ الله إذْ أبصَرْتُ طَيراً كأنّ عليّ للحُبْشَانِ دَين(٧) فكلُّ القَومِ يسألُ عن نُفَيل قال ابن إسحاق(٨): فخرجوا يتساقطون بكل طريق ، ويهلكون [ بكل مَهْلَك (٩) على كل مَنْهل . وأُصيب أبرهة في جسده، وخرجوا به معهم يسقط أنْملة [ أُنملة ]١٠)، كلما سقطت أُنملة أتبعتها منه مِدَّة تَمُثُ(١) قيحاً ودماً حتى قدموا به صنعاء وهو مثل فرخ الطائر . فما مات حتى انصدَع صدرُه (١) الطبرزين: آلة من حديد، والطبر، بالفارسية: الفأس. وفي المعرب للجواليقي (٢٢٨): والطبرزين: فارسي . وتفسيره : فأس السرْج . لأن فرسان العجم تحمله معها يقاتلون به . (٢) في ب ، وط : محاجن لهم . ومثله في السيرة . والمحجن : عصا معوجة ، وقد يجعل في طرفها حديد . ومراقه : أسفل بطنه . وبزغوه : أدموه . (٣) الخطاطيف : جمع خُطّاف، وهو طائر أسود . والبلسان : لعلها الزرازير . (٤) في ب ، زيادة : فقال نفيل بن حبيب حين رأى ما أنزل الله بهم من نقمته: [ من الرجز ] والأشرم المغلوب ليس الغالب أين المفر والإله الطالب قال ابن هشام : قوله : ليس الغالب ، عن غير ابن إسحاق . وهذا من تمام نص السيرة . (٥) في ب ، وط: لو رأيت . وكذلك في السيرة. وفي ط : ولا .. ومثله في السيرة . والمحصب : موضع فيما بين مکة ومنی . (٦) في ب : أن أبصرت . وفي أ: ترمى. وأثبت ما في ب ، وط . لموافقته ما في السيرة. (٧) في ط : وكل . وكذلك في السيرة . ليست في ب . (٨) (٩) زيادة من ط ، توافق نص السيرة . (١٠) زيادة من ب، وط، والسيرة. وقوله: يسقط أنملة أنملة، أي ينتثر جسمه. الروض الأنف (١/ ٧٤). (١١) تمث: ترشح . والمدة: ما يجتمع في الجرح من القيح. ٤٣٤ سبب قصد أبرهة بالفيل مكّة ليخرب الكعبة [ عن قلبه (١) فيما يزعمون . قال ابن إسحاق(٢): حدثني يعقوب بن عُتبة أنه حُدّث أن أول ما رؤيت الحصْبة والجُدَري بأرض العرب ذلك العام ، وأنه أول ما رؤي بها مرائر الشجر الحرمل والحنظل والعُشَر(٣) ذلك العام. قال ابن إسحاق: فلما بعثَ اللهُ محمداً وَلِ كان مما يعد٤) الله على قريش من (٥) نعمته عليهم وفضله ما ردّ عنهم من أمر الحبشة لبقاء أمرهم ومدتهم فقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَبِ اُلْفِيلِ أَمْ تَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلِ ﴿ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَّا أَبَابِيلَ (٥ تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِيلٍ ﴿ فَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ ﴾ [ الفيل: ١ - ٥ ] . ثم شرع ابن إسحاق وابن هشام يتكلمان على تفسير هذه السورة والتي بعدها٦) . وقد بسطنا القول بما فيه كفاية إن شاء الله تعالى . وله الحمد والمنة . في ذلك في كتابنا ((التفسير)(٧) قال ابن هشام : الأبابيل : الجماعات ، ولم تتكلم لها العرب بواحد علمنا(٨) . قال وأما السِّجّيل ، فأخبرني يونس النحوي وأبو عُبيدة أنه عند العرب : الشديد الصلب . قال : وزعم بعض المفسرين أنهما كلمتان بالفارسية جعلتهما العرب، كلمةُ(٩) واحدة، وأنهما١) (سَنْجُ) و (جِل(١) فالسنج : الحجر ، والجل : الطين . يقول الحجارة(١) من هذين الجنسين الحجر والطين. قال : والعَصْفُ: ورق الزرع الذي لم يقصَّب . وقال الكسائي: سمعت بعض النحويين يقول: واحد الأبابيل إبيل(١٣) . وقال كثيرون من السلف : الأبابيل : الفِرق من الطير التي يتبع بعضها بعضاً من هاهنا وهاهنا . (١) زيادة من ب ، وط ، والسيرة . قول ابن إسحاق هذا إلى آخر الآية سقط من ب . (٢) العشر : شجر مر له صمغ ولبن . من فصيلة الحنظل والحرمل . (٣) (٤) في ب ، وط : يعدد . (٥) زيادة من ب ، وط ، والسيرة . (٦) السيرة ( ٥٥/١ ) . تفسير ابن كثير ( ٥٤٨/٤) ، وما بعدها . (٧) كذا في ط . وهو موافق لنص السيرة . وفي أوب : ولم تتكلم العرب بواحدة . (٨) (٩) ليست في ب . (١٠) في ط : وأنها . (١١) في المعرّب: قال ابن قتيبة: السجيل بالفارسية: ( سنك) و(كل) أي: حجارة وطين. ( ١٨١). (١٢) زيادة من ط . والسيرة. (١٣) أورد الطبري في تفسيره (١٩١/٣٠) وما بعدها معظم الآراء التي جاءت في تفسير هذه الكلمة . ٤٣٥ سبب قصد أبرهة بالفيل مكّة ليخرب الكعبة وعن ابن عباس كان لها خراطيم كخراطيم الطير ، وأكُفِّ كأكفِّ الكلاب . وعن عكرمة كانت رؤوسها كرؤوس السباع ، خرجت عليهم من البحر ، وكانت خضراً . وقال عبيد بن عمير : كانت سُوداً بحرية في مناقيرها وأكفها الحجارة . وعن ابن عباس : كانت أشكالها كعنقاء مُغرب(١). وعن ابن عباس كان أصغر حجر منها كرأس الإنسان ، ومنها ما هو كالإبل . وهكذا ذكره يونس بن بكير عن ابن إسحاق . وقيل : كانت صغاراً . والله أعلم . وقال ابن أبي حاتم: حدّثنا أبو زرعة، حدّثنا عبد الله بن محمد بن أبي شيبة (٢) ، حدّثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن عُبيد بن عُمير قال : لما أراد الله أن يُهلك أصحابَ الفيل بعث عليهم طيراً أنشئت من البحر أمثال الخطاطيف ، كل طير منها يحمل ثلاثة أحجار مجزّعة(٣) ، حجرين في رجليه وحجراً في منقاره ، قال : فجاءت حتى صفت على رؤوسهم . ثم صاحَت وأَلْقت ما في رجليها ومناقيرها . فما يقع حجر على رأس رجل إلّ خرج من دبره . ولا يقع على شيء من جسده إلّ خرج من الجانب الآخر . وبعث الله رِيحاً شديدةً فضربت الحجارة فزادتها شدة ، فأهلكوا جميعاً . وقد تقدّم أن ابن إسحاق قال : وليس كلّهم أصابته الحجارة ، يعني بل رَجَع منهم راجعون إلى اليمن حتى أَخْبروا أهلَهم بما حلّ بقومهم من النّكال . وذكروا أن أبرهة رجع وهو يتساقط أُنملة أنملة ، فلما وصل إلى اليمن انصَدَع صدرُه فمات ، لعنه الله(٤). وروى ابن إسحاق قال : حدّثني عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة (٥) ، عن عائشة قالت : لقد رأيت قائد الفيل وسائسه بمكة أعْميَيْن مُقْعَدَين يستطعمان . وتقدم أن سائس الفيل كان اسمه أُنيسا ، فأما قائده فلم يُسم . والله أعلم . (١) عنقاء مغرب، يضرب بها المثل في الشيء الذي يُسمَع به ولا يُرى، يقال: ( أعز من عنقاء مغرب ) . ثمار القلوب ( ٤٥٠ ) . (٢) في أوط : محمد بن عبد الله بن أبي شيبة. وأثبت ما في ب، فهو الصواب ومثله في تفسير المؤلف (٤/ ٥٥١) وأبو زرعة روى عن عبد الله بن محمد ، وعبد الله أخذ عن أبي معاوية. سير أعلام النبلاء (١١/ ١٢٢ - ١٢٣). (٣) سقطت من ط . والمجزعة : المقطعة . (٤) ذكره ابن إسحاق في السيرة (٥٤/١) . (٥) كذا في ب ، وهو موافق لنص السيرة، وهو الصواب. وفي أ. وط: سمرة وهو تحريف. وعمرة هي ابنة عبد الرحمن بن سعد بن زرارة ، كما في السيرة ( ١ / ٥٧) . ٤٣٦ سبب قصد أبرهة بالفيل مكّة ليخرب الكعبة وذكر النقّاشُ(١) في ((تفسيره)) أن السيل احتمل جُثَثَهم فألقاها في البحر. قال السهيلي (٢): وكانت قصة الفيل في المحرم من (٣) سنة ست وثمانين وثمانمئة(٤) من تاريخ(٥) ذي القرنين . قلت: وفي عامها ولد رسول الله وَ ل على المشهور. وقيل : كان قبل مولده بسنين ، كما سنذكر إن شاء الله تعالى ، وبه الثقة . ثم ذكر ابن إسحاق(٦) ما قالته العرب من الأشعار في هذه الكائنة العظيمة التي نَصَرَ اللهُ فيها بيتَه الحرام الذي يُريد أن يشرّفه ويعظّمه ويطهّره ويوقّره ببعثة محمد ◌ِ لّه وما يشرع له من الدين القويم الذي أحد أركانه الصلاة ، بل عماد دينه ، وسيجعل قبلته إلى هذه الكعبة المطهّرة . ولم يكن ما فعله بأصحاب الفيل نُصْرَةً لقريش إذ ذاك على النصارى الذين هم الحبشة ، فإن الحبشة إذ ذاك كانوا أقرب لها٧) من مشركي قريش ، وإنما كان النصر للبيت الحرام، وإرهاصاً وتوطئة لبعثة محمد ◌َله. فمن ذلك ما قاله عبد الله بن الزِّبَعْرَى السهمي(٨): [ من الكامل ] فَتَنَكّلوا عن بطنٍ مكّة إنّها كانتْ قديماً لا يُرامِ حَرِيْمُها٩) إذْ لا عزيزَ من الأنامِ يرومُها لم تُخلَق الشِّعرى لياليَ حُرّمت فلسوفَ يُنبي الجاهلينَ عَليمُها (١) سائلْ أميرَ الحُبْشِ عنها ما رأى بلْ لم يعشْ بعدَ الإيابِ سَقِيمُها ستّون ألفاً لم يَؤوبوا أرضَهم واللهُ من فوقِ العبادِ يُقيمها١١) كانتْ بها عاد وجُرْهُم قبلَهم (١) هو محمد بن الحسن بن محمد بن زياد الموصلي ، أبو بكر ، النقاش ، علامة ، مفسر ، شيخ القراء . له عدة كتب . ولد سنة (٢٦٦ هـ) وتوفي سنة (٣٥١هـ). ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٥/ ٥٧٣). (٢) الروض الأنف (١/ ٧٢ ) عن تفسير النقاش. (٣) في ط : أول المحرم وهو موافق لنص السهيلي . (٤) في الروض الأنف : سنة اثنتين وثمانين . (٥) زيادة من ط ، توافق نص السهيلي . (٦) السيرة (١ / ٥٧) . (٧) في ب : أقرب حالاً . (٨) أحد شعراء الدعوة الإسلامية. توفي سنة (١٥ هـ). والأبيات في ديوانه (٤٩). (٩) في ط ، وديوان ابن الزبعرى : تنكلوا وعلى هذه الرواية يصاب البيت بالوقص . (١٠) في الديوان، والسيرة : الجيش ... ولسوف. (١١) سقط هذا البيت من ب . ٤٣٧ سبب قصد أبرهة بالفيل مكّة ليخرب الكعبة ومن ذلك قول أبي قيس بن الأسلت الأنصاري المدني(١): [من المتقارب] شِ إذْ كلّما بعثُوه رَزَمُ(٢) ومنْ صُنعهِ يومَ فيلِ الحُبُو محاجنهم تحتَ أقرابه وقد جَعلوا سوْطَه مِغْولا فولّى وأَدبَرَ أدراجَه وقدْ شَرَموا أنفَه فانخرَمُ(٣) إذا يَمّموه قَفَاهُ كُلم(٤) وقدْ باءَ بالظلم من كان ثَم فلفّهِمُ مثلَ لفّ القُزُمُ(٥) فأرسل من فوقهم حاصباً تحثّ على الصّبر أحبارُهم وقد تأَجوا كُثُوَاجِ الغَنَمُ(٦) ومن ذلك قول أبي الصلت ربيعة(٧) بن أبي ربيعة وهب بن علاج الثقفي . قال ابن هشام : ويروي لابنه أمية٨) ابن أبي الصلت: [من الخفيف ] إن آياتِ ربّنا باقياتٌ ما يُمارِي فيهنّ إلا الكَفُور(٩) مستبينٌ حسابُهُ مقدور خلَقِ الليلَ والنهارَ فكلٌّ بِمَهَاةِ شُعاعُها مَنشور١٠ٌ) ثم يجلو النهارَ ربُّ رحيم صَارَ يحبو كأنه مَعْفُورُ(١) حَبسَ الفيلَ بالمغمَّس حتّى ـر من ظهرِ كَبْكَبٍ مَحْدُور(١٢) لازماً حَلْقَة الجِرانِ كما قُطّ (١) أبو قيس صيفي بن عامر الأسلت شاعر جاهلي حكيم ، أدرك النبي ولقيه وتريث في إعلان إسلامه ، ومات قبل أن يسلم في السنة الأولى للهجرة . والأبيات في ديوانه ( ٩٠ ) بتحقيق د . حسن محمد باجودة . وقال ابن هشام : والقصيدة أيضاً تروى لأمية بن أبي الصلت. السيرة (٥٩/١). والأبيات في ديوان أمية ( ٤٩٢) بتحقيق أستاذنا د . عبد الحفيظ السطلي . (٢) رزم البعير والرجل: إذا كان لا يقدر على النهوض إعياءً أو هزالا . (٣) المحاجن : العصي المعوجة كالصولجان . والأقراب : مفردها قُرْب ، وهو الخاصرة . في أ ، ب يلفهم وأثبت رواية ط ، والديوان والسيرة ، فهي أولى وأقرب للمعنى. والحاصب : ريح شديدة تحمل (٤) المغول : سيف دقيق غمده كالسوط . وكُلم : جُرح . (٥) التّراب . والقُزُم : مفردها قَزَم ، وهو اللئيم الدنيء الصغير الجثة . (٦) في ب ، وط ، والديوان : تحض . والثؤاج : صياح الغنم . (٧) ليست في السيرة . وفي اسم أبي الصلت خلاف . ديوان أمية ( ٣٣). في ط : ويروي لأمية: والأبيات في ديوان أمية (٣٩١) وتخريجها ثمة . (٨) (٩) في ط ، والسيرة ، والديوان : ثاقبات . (١٠) المهاة : الشمس. (١١) المغمس : موضع في طرف الحرم. والعقر : أن تقطع إحدى قوائم البعير قبل نحره كيلا يشرد عند النحر. (١٢) في ط: قد من صخر. والجِران: باطن العنق. وقُطّر: ألقي من علو على قطره، أي جانبه. وكبكب: جبل بمكة خلف عرفات. ٤٣٨ سبب قصد أبرهة بالفيل مكة ليخرب الكعبة لٌ ملاويثُ في الحروب صُفُورُ(١) حولَه من ملوك كِندة أبطا خَلَّفوه ثم ابذَعَزُوا جَميعاً كُلُّهم عَظْمُ ساقهِ مَكْسور(٢) كلُّ دِينٍ يومَ القيامة عندَ اللَّ ه إلّ دينَ الحنيفةِ بُورُ ومن ذلك قول أبي قيس بن الأسلت(٣) أيضاً: [من الطويل ] بأركانِ هذا البيت بين الأخاشبِ (٤) فقُوموا فَصَلّوا ربّكم وتمسحوا غداة أبي يكسوم هادي الكتائب فِعِندكمُ منهُ بلاءٌ مُصَدَّق على القاذفاتِ في رؤوسِ المناقبٍ(٥) كتيبتُه بالسهلِ تَمشي ورَجْلُه جنودُ المليكِ بين سَافٍ وحاصبٍ (٦) فلما أتاكم نصرُ ذي العرش ردّهم فولَّوا سِراعاً هاربين ولم يؤب إلى أهله مِلحُبْش غيرُ عصائبٍ(٧) ومن ذلك قول عبد (٨) الله بن قيس الرُّقّات في عظمة البيت وحمايته بهلاك من أراده بسوء: [من الخفيف] ــلٍ فَوَلَّى وجَيْشُه مَهْزُومُ(٩) كادَهُ الأشْرَم الذي جاءً بالفيـ ـدَلِ حتّى كأنّه مَرْجُومٌ ١٠) واستهلت عَلَيهِمُ الطَّيْرُ بالجن جع وهو فَلٌّ من الجيوشِ ذِيمُ(١) ذاكَ من يَغْزُهُ من الناسِ يَرْ قال ابن إسحاق (١٢) وغيره: فلما هلك أبرهة مَلَكَ الحبشةَ بعده ابنُه يَكْسوم . ثم من بعده أخوه (١) الملاويث: الأشداء ، مفردها : مَلاث، أو مِلْوَث. (٢) ابذعروا : تفرقوا . (٣) ديوانه ص (٦٩) من قصيدة مطلعها : أيا راكباً إمّا عَرَضْتَ فبلغَنْ مغلغلةً عني لؤي بن غالب (٤) الأخاشب : جبال بمكة . (٦) ملحبش : أي من الحبش . والعصائب : الجماعات . (٧) (٥) القاذفات : أعالي الجبال البعيدة . والمناقب: جمع منقبة، وهي الطريق في رأس الجبل . ورواية أ : المقانب وهي بعيدة ، فالمقانب : الذئاب . السافي : أراد الذي غطاه التراب . والحاصب : الذي أصابته الحجارة . (٨) في ط : عبيد . وقيل في اسمه : عبد الله وعبيد الله، وهو شاعر قريش في العصر الأموي. توفي سنة ( ٨٥هـ) . والأبيات في ديوانه ص ( ١٩٢) . عن السيرة . في ب : لأبرهة الأشرم . ولا يستقيم بها الوزن . (٩) (١٠) الجندل : الحجارة . (١١) فَلِّ : منهزم . (١٢) السيرة (١/ ٦١). ٤٣٩ خروج المُلْك عن الحبشة ورجوعه إلى سيف بن ذي يزن الحِمْيَري مسروق بن أبرهة ، وهو آخر ملوكهم ، وهو الذي انتزع سيف بن ذي يَزَن الحِميري المُلْكَ مِن يده بالجيش الذين قَدِم بهم من عند كسرى أنوشروان ، كما سيأتي بيانهُ . وكانت قِصّة الفيل في المحرم سنة ست وثمانين وثمانمئة من تاريخ (١) ذي القرنين ، وهو الثاني إسكندر بن فلبس المقدوني الذي يُؤرِّخ له الروم ، ولما هَلَك أبرهة وابناه ، وباد٢) مُلك الحبشةِ عن اليمن ، هُجِر القُلَّيْس الذي كان بناه أبرهة وأراد صرف حج العرب إليه لجهله(٣) وقِلّة عقله . وأصبح يباباً لا أنيس به . وكان قد بناه على صَنمين(٤) ، وهما كُعيب وامرأته ، وكانا من خَشَب طول كل منهما ستون ذراعاً في السماء ، وكانا مصحوبين من الجان ، ولهذا كان لا يتعرَّض أحدٌ إلى أخذ شيءٍ من بناء القُلّيس وأمتعته إلا أصابوه بسوء . فلم يزل كذلك إلى أيام السفّاح أول خلفاء بني العباس ، فذُكر له أمره وما فيه من الأمتعة والرُّخام الذي كان أبرهة نقله إليه من صرح بلقيس الذي كان باليمن ، فبعث إليه من خربه حَجَراً حجراً ، وأخذ جميع ما فيه من الأمتعة والحواصل . هكذا ذكره السهيلي(٥) . والله أعلم. # ذكر خروج المُلْك عَن الحبشة وَرجوعه إلى سيف بن ذي يَزَن الحِمْيَري كما أخبر بذلك الكاهنان لربيعة بن نصر اللخمي(٦) قال محمد إسحاق (٧) رحمه الله : فلما هلك أبرهةُ مَلَكَ الحبشةَ يكسومُ بن أبرهة ، وبه كان يكنى ، فلما هلك يَكسومُ مَلَكَ اليمنَ في الحبشةُ(٨) أخوه مسروقُ بن أبرهة . قال : فلما طال البلاءُ على أهل اليمن ، خرج سيفُ بن ذي يزن الحميريُ(٩) ، وهو سيف بن ذي يزن بن ذي أصبح بن زيد بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن قطن بن عريب بن زهير بن أيمن بن الهميسع بن العرنجج ، وهو حمير سبأ - وكان سيف يكنى (١) زيادة من ط . (٢) في ط : وزال . في ب : بجهله ، وسقطت أيضاً كلمة : وأصبح . من ب . (٣) (٤) في ب : على اسم صنمين . (٥) الروض الأنف ( ١/ ٦٣ ) . (٦) ورد العنوان في ط . مختصراً خروج الملك عن الحبشة ورجوعه إلى سيف بن ذي يزن. (٧) السيرة (٦١/١) وما بعدها . في ب : ملك الحبشة أخوه . وفي ط : من الحبشة . (٨) في السطرين القادمين تقديم وتأخير في ب . (٩) ٤٤٠ خروج المُلْك عن الحبشة ورجوعه إلى سيف بن ذي يزن الحميري أبا مرة - حتى قدم على قيصر ملك الروم فشكى إليه ما هو فيه ، وسأله أن يخرجهم عنه ويليهم(١) ويخرج إليهم من سائر(٢) الروم فيكون له ملك اليمن ، فلم يُشكِه . فخرج حتى أتى النعمان بن المنذر ، وهو عامل كسرى على الحيرة وما يليها من أرض العراق ، فشكا إليه أمرَ الحبشة ، فقال له النعمان : إن لي على كسرى وفادة في كل عام ، فأقم عندي حتى يكون ذلك ، ففعل . ثم خرج معه فأدخله على كسرى ، وكان يجلس في إيوان مجلسه الذي فيه تاجه (٣) وكان تاجه مثل القُنْقُل العظيم - فيما يزعمون - يضرب فيه الياقوت والزبرجد واللؤلؤ بالذهب والفضة ، معلقاً بسلسلة من ذهب في رأس طاقة في(٤) مجلسه ذلك ، وكانت عنقه لا تحمل تاجه ، إنما يُسْتَرُ بالثياب(٥) حتى يجلس في مجلسه ذلك(٦)، ثم يُدخِلُ رأسَه في تاجه ، فإذا استوى في مجلسه كُشِفَ عنه الثيابُ فلا يراه أحد (٧) لم يره قبلَ ذلك إلّا برك هيبةً له . فلما دخل عليه سيف بن ذي يزن بَرَك . قال ابن هشام : حدثني أبو عبيدة أن سيفاً لما دخل عليه (٨) طأطأ رأسه ، فقال الملك : إن هذا الأحمق يدخل عليَّ من هذا الباب الطويل ثم يطأطىء رأسَه! فقيل ذلك لسيف . فقال : إنما فعلتُ هذا لهمي لأنه يضيق عنه كل شيء(٩) . قال ابن إسحاق ثم قال : أيها الملك غَلَبنا على بلادنا الأغربة . قال كسرى : أيُّ الأغربة ؛ الحبشة أم السند ؟ قال : بل الحبشة ، فجئتك لتنصرني ويكونَ ملك بلادي لك . فقال له كسرى : بَعُدَت بلادك مع قلة خيرها ، فلم أكن لأورّط جيشاً من فارس بأرض العرب ، لا حاجة لي بذلك ، ثم أجازه بعشرة آلاف درهم واف١٠ٍ) وكساه كسوة حسنة ، فلما قبض ذلك(١١) سيف ، خرج فجعل ينثر تلك الورِق للناس ، فبلغ ذلك الملك ، فقال إن لهذا لشأنا١٢)، ثم بعث إليه فقال : عمدت إلى حِباء الملك تنثرُه للناس ؟! قال : وما أصنع بهذا؟ (١) في أ: عن ويلهم ويخرج . وفي ط : ويلهم، وأثبت ما في ب . (٢) في ط : شاء من . (٣) زيادة من ط. وفي ب: الذي تاجه مثل القنقل. والقنقل: المكيال الضخم، واسم تاج لكسرى ( المحيط ) . الروض الأنف ( ١/ ٨٢ ). (٤) كذا في ب ، وط . وفي أمن . في ب : يستتر بالثياب . وفي ط : يستر عليه بالثياب . (٥) (٦) زاد في ب : قال الخليل : القنقل : شجر له ثمر عظام . (٧) في ب : كشفت الثياب عنه فلا يراه رجل . (٨) قوله: سيف بن ذ ... إلى هنا زيادة من ب، وكذلك النص في السيرة (١/ ٦٣). (٩) كذا في ط . وهو موافق لنص السيرة. وفي أ: فعلت ذلك لهمتي .. وفي ب : فعلت ذلك لهمي لأني تضيق علي كل شيء . وقوله : قال ابن إسحاق ليس في ط . (١٠) وفى الدرهمُ المثقالَ: عَدَله . وفي ب : ورق . (١١) زاد في ط : منه . (١٢) زاد في ب : عظيماً.