النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
قصة لقمان
على لقمان الحكيم فقال : أنت لقمان ؟ أنت عبد بني الحسحاس(١) ؟! قال: نعم . قال: فأنت راعي
الغنم الأسود ؟ قال : أمّا سَوادي فظاهر ، فما الذي يعجبك من أمري ؟ قال : وطْءُ الناس بساطَك ،
وغشيهم بابَكَ ، ورضاهم بقولك . قال: يا ابن أخي إن صنعتَ(٢) ما أقول لك كنتَ كذلك. قال:
ما هو(٣) ؟ قال لقمان : غَضِّي بصري ، وكَفّي لساني، وعِقَّةُ مطعمي ، وحفظي فرجي ، وقيامي بعدَّتي ،
ووفائي بعهدي ، وتكرمتي ضيفي ، وحفظي جاري ، وتركي ما لا يعنيني ، فذاك الذي صيّرني كما
ترى (٤) .
وقال ابن أبي حاتم : حدّثنا أبي ، حدّثنا ابن فضيل ، حدّثنا عمرو بن واقد ، عن عبدة بن رباح ، عن
ربيعة ، عن أبي الدرداء أنه قال يوما٥ً) ، وذَكَر لقمان الحكيم فقال : ما أوتي ما أوتي(٦) عن أهل ولا مالٍ
ولا حَسَب ولا خصال، ولكنه كان رجلاً صمصامة(٧) سِكِّيتاً ، طويل التفكر ، عميق النظر ، لم ينم نهاراً
قط ، ولم يره أحد يبزق ولا يتنخَّعُ(٨) ولا يبول ولا يتغوَّط ولا يغتسل ولا يعبث ولا يضحك، وكان
لا يعيد منطقاً نطقه إلا أن يقول حكمة يستعيدها إياه أحدٌ، وكان قد تزوَّج وولد له أولاد فماتوا فلم يبك
عليهم ، وكان يغشى السلطان ويأتي الحكّام لينظر ويتفكّر ويعتبر ، فبذلك أوتي ما أوتي (٩) .
ومنهم من زعم أنه عُرضت عليه النبوة فخاف أن لا يقوم بأعبائها فاختار الحكمة لأنها أسهل عليه .
وفي هذا نظر والله أعلم . وهذا مرويٌ(١٠) عن قتادة كما سنذكره .
وروى ابن أبي حاتم وابن جرير(١١) من طريق وكيع عن إسرائيل عن جابر الجُعْفي عن عكرمة أنه
قال : كان لقمان نبياً . وهذا ضعيف لحال الجُعْفي(١٢)
(١) في ط : النحاس .
في تفسير المؤلف : صغيت إلى ما أقول .
(٢)
(٣)
ليست في ب .
تفسير المؤلف ( ٤٤٣ ) .
(٤)
قوله : يوماً ، زيادة من ب وط . وهي ثابتة في تفسيره أيضاً .
(٥)
(٦)
سقطت من ط .
في ط : ضمضامة . وهو تصحيف . ورجل صمصامة : مصمم .
(٧)
(٨) في ط : يتنحنح . والتنُّع : رمي ما يخرج من الصدر عن طريق الفم .
تفسير المؤلف ( ٣ /٤٤٤ ).
(٩)
(١٠) في ب : يروى . وسيأتي الخبر مفصلاً بعد قليل .
(١١) تفسير الطبري (٤٤/٢١).
(١٢) جابر بن يزيد الجُعفي، أبو يزيد، من أهل الكوفة، كان سبئياً، تكلموا فيه. توفي سنة ( ١٢٨ هـ).
والجُعفي: نسبة إلى قبيلة جعفي بن سعد العشيرة من مذحج. المجروحين (٢٠٨/١)، واللباب (٢٨٤/١).

٣٤٢
قصة لقمان
والمشهور عن الجمهور أنه كان حكيماً ولياً ولم يكن نبياً . وقد ذكره الله تعالى في القرآن فأثنى عليه
وحكى من كلامه فيما وَعَظَ به [ولده الذي هو أحبُّ الخلق إليه ، وهو أشفق الناس عليه ، فكان من أول
ما وَعَظَ به }١) أن قال: ﴿يَبُنَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾. فنهاه عنه وحذّره منه. وقد قال
البخاري(٢): حدّثنا قتيبة، حدّثنا جرير، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال:
لما نزلت: ﴿ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوَّأْ إِيَمْنَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] شقَّ ذلك على أصحاب رسول الله لاَّ
وقالوا: أيَّنا لم يلبس(٣) إيمانه بظلم؟ فقال رسول الله بَّول: ((إنه ليس بذاك، ألم تسمع إلى قول لقمان:
يَبُنَّلَا تُشْرِكِ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٍ عَظِيمٌ﴾)).
ورواه مسلم من حديث سُليمان بن مهران الأعمش(٤) به .
ثم اعترض تعالى بالوصية بالوالدين وبيان حقهما على الولد وتأكّده ، وأمر بالإحسان إليهما حتى ولو
كانا مشرِكَيْن ، ولكن لا يطاعان على الدخول في دينهما ، إلى أن قال مُخبراً عن لقمان فيما وعظ به
ولده: ﴿يَبُنَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِ صَخْرَةٍ أَوْ فِ السَّمَوَتِ أَوْ فِ الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهَ إِنَّ اللَّهُ
لَطِيفُ خَبِيرٌ ﴾ ينهاه عن ظلم الناس ولو بحبَّةِ خردلٍ ، فإن الله يسأل عنها ويحضرها حوزة الحساب ويضعها
في الميزان كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠] وقال تعالى: ﴿ وَنَضَعُ الْمَوَزِينَ الْقِسْطَ
لِيَوْمِ الْقِيَئِمَةِ فَلَا نُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَنَيْنَا بِهَأْ وَكَفَى بِنَاحَسِبِينَ ﴾ [الأنبياء: ٤٧]
وأخبره أن هذا الظلم ولو كان في الحَقارة كالخردلة ، ولو كان في جوف صخرةٍ صَمَّاء لا بابَ لها
ولا كُوَّة ، أو لو كانت ساقطةً في شيءٍ من ظلمات الأرض أو السموات في اتساعهما وامتداد أرجائهما ،
لعلم اللهُ مكانها ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفُ خَبِيرٌ﴾ أي: عِلْمُه دقيقٌ فلا يخفى عليه الذَّرُ مما تراءى للنواظر أو توارى ،
كما قال تعالى: ﴿ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِ ظُلُمَتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِ كِنَبِمُیٍ ﴾
[ الأنعام: ٥٩] وقال: ﴿ وَمَا مِنْ غَابِيَةٍ فِ السَّمَآءِ وَالْأَرْضِ إِلَّ فِ كِنَبٍ مُّبِينٍ﴾ [النمل: ٧٥] وقال ﴿ عَلِمِ الْغَيْبِّ لَا يَعْزُبُ
عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِ السَّمَوَتِ وَلَا فِى الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّ فِ كِتَبٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٣].
(١) سقطت من ب بنقلة عين .
(٢) صحيح البخاري رقم (٤٧٧٦)، في التفسير، ( سورة لقمان) .
كذلك أورده من غير طريق قتيبة عن جرير ، برقم (٣٢) في الإيمان، باب ظلم دون ظلم، ورقم (٣٤٢٨
و٣٤٢٩) في الأنبياء، باب قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ ءَانَيْنَا لُقْمَنَ الْحِكْمَةَ﴾، ورقم (٤٦٢٩) في التفسير، باب ﴿ وَلَّ
يَلْبِسُوَأْ إِيَمْنَهُمْ بِظُلْمٍ ﴾ .
(٣) في ب : يظلم وهو سهو .
(٤) صحيح مسلم رقم (١٢٤ ) في الإيمان ، باب صدق الإيمان وإخلاصه .

٣٤٣
قصة لقمان
وقد زعم الُّدِّي في خبره عن الصحابة أن المراد بهذه الصخرة(١) الصخرة التي تحت الأرضين
السبع ، وهكذا حكي عن عطية العَوْفي (٢) وأبي مالك والثوري والمِنْهال بن عمرو وغيرهم ، وفي صحة
هذا القول من أصله نظر .
ثمّ إن في هذا هو المراد نظر آخر ، فإن هذه الآية نَكِرة غير معرفة فلو كان المراد بها ما قالوه لقال : -
فتكن في الصخرة ، وإنما المراد فتكن(٣) في صخرة أي صخرة كانت ، كما قال الإمام أحمد : حدّثنا
حسن بن موسى ، حدّثنا ابنِ لَهِيْعة ، حدّثنا دَرَّاج ، عن أبي الهيثم ، عن أبي سعيد الخدري ، عن
رسول الله وَ ه قال(٤): ((لو أَنَّ أحدَكُم يَعمَلُ في صَخْرَةٍ صَمَّاءَ ليس لها بابٌ ولا كُوَّةٌ لَخَرَجَ عملُه للناسِ
كائناً ما كان (٥)
ثم قال ﴿ يَبُنَّ أَقِمِ القَلَوَةَ﴾ أي : أَدّها بجميع واجباتها من حدودها وأوقاتها وركوعها وسجودها
وطمأنينتها وخشوعها وما شرع فيها ، واجتنب ما نُهي عنه فيها .
ثم قال: ﴿وَأُمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهَ عَنِ الْمُنكَرِ ﴾ أي: بجَهْدك وطاقتك أي إن استطعت باليد فباليد، وإلّا
فبلسانك، فإن لم تستطع فبقلبك. ثمّ أمر بالصبر فقال: ﴿ وَأَصْبِرْ عَلَى مَآ أَصَابَكَ﴾ وذلك أن الآمرَ
بالمعروف والناهي عن المنكر في مظنة أن يُعادَى ويُنال منه ، ولكن له العاقبة ، ولهذا أمره بالصبر على
ذلك ، ومعلوم أن عاقبة الصبر الفرج .
وقوله : ﴿ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَنْ الْأُمُورِ﴾ [ أي: إن أمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر وصبرك على الأذية
من عزائم الأمور (٦) التي لا بد منها ولا مَحيد عنها .
وقوله : ﴿ وَلَا تُصَعِّرْ خَذَّكَ لِلنَّاسِ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جُبير والضخَّاك
ويزيد بن الأصَمّ وأبو الجوزاء وغير واحد(٧): معناه لا تتكبّر على الناس وتميِّل خدّك حال كلامك لهم
وكلامهم لك على وجه التكبّر عليهم والازدراء لهم. قال أهل اللغةُ(٨): وأصلُ الصَّعَر داءٌ يأخذ الإبل في
(١) الأقوال في المراد بالصخرة في تفسير الطبري (٤٦/٢١ - ٤٧) وتفسير ابن كثير: (٤٤٦/٣).
(٢)
العَوْفي : هو عطية بن سعد العوفي ، الجدلي ، صدوق يخطىء كثيراً ، وكان مدلساً .
(٣)
في ب : فتكون .
(٤)
في ب : أنه قال .
مسند أحمد (٢٨/٣)، وإسناده ضعيف لضعف ابن لهيعة وَدَرَّاج أبي السمح، وهم من القصاص المصريين .
(٥)
سقطت من ب وط .
(٦)
تفسير الطبري ( ٢١ /٤٧ ) .
(٧)
(٨) لسان العرب ( صعر ).

٣٤٤
قصة لقمان
أعناقها فتلتوي رؤوسُها فشبّه به الرجل المتكبّر الذي يميل وجهه إذا كلّم الناس أو كلّموه على وجه
التعاظم(١) عليهم .
قال أبو طالب في شعره : [ من الطويل ]
إذا ما ثَنَوا صُعْرَ الخُدودِ نُقَيْمُها
وكُنّا قديماً لا نُقِرُ ظُلاَمَةً
وقال عمرو بن حُنَي (٢) التغلَبي: [من الطويل ]
وكنّا إذا الجبّار صَعَّر خدَّه أَقمنا لَهُ من مَيْلهِ فتقوّما٣ً)
وقوله: ﴿ وَلَا تَمْشِ فِ الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ ينهاه عن التبختر في المِشية على وجه
العظمة والفخر على الناس، كما قال تعالى: ﴿ وَلَا تَمْشِ فِ الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الِبَلَ
طُولًا﴾ [الإسراء: ٣٧]، يعني لستَ بسرعة مشيك تقطع البلاد في مشيتك هذه، ولست بدقّك الأرضَ
برجلك تخرِق الأرض بوطئك عليها ، ولست بتشامخك وتعاظُمك وترفُّعك تبلغ الجبال طولًاً ، فاتّئد على
نفسك ، فلست تعدو قدرك .
وقد ثبت في الحديث (( بينما رجلٌ يمشي في بُردَيه يَتَبَّخْتَرُ فيهما إذ خَسَفَ اللهُ به الأرضَ ، فهو
يَتَجَلْجَلُ(٤) فيها إلى يوم القيامة)(٥). وفي الحديث الآخر: ((وإياكَ وإسْبال الإزارِ فإنَّها مِن المَخِيلَة
والمخيلة لا يحبُّها الله)(٦). كما قال في هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُ كُلّ مُخْثَالٍ فَخُورٍ ﴾. ولما نهاه عن
الاختيال في المشي أمره بالقصد فيه ، فإنه لا بدَّ له أن يمشي ، فنهاه عن الشر وأمره بالخير ، فقال :
﴿ وَقْصِدْ فِ مَشِْكَ ﴾ أي: لا تتباطأ مُفرِّطاً ولا تسرع إسراعاً مُفْرِطاً، ولكن بين ذلك قواما ، كما قال
تعالى: ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنَا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُواْسَلَمَا﴾ [ الفرقان: ٦٣].
(١) في ط : التعظم .
(٢) القول وبيت عمرو سقط من ب .
وعمرو بن حُني فارس شاعر جاهلي . اختُلِف في اسمه واسم أبيه ، وفي وجوده أصلاً . انظر ترجمته ضمن شعراء
تغلب للمحقق .
(٣) البيت بهذه الرواية فتقوما، الأولى أن ينسب للمتلمس ، من قصيدة أصمعية له رقمها (٩٢ ).
أما الذي ينسب إلى عمرو بن حني فهو برواية فتقوَّم ، وهو من أبيات مطلعها :
محارمنا لا يُبأُ الدم بالدمِ
ألا تستحي منا ملوك وتتقى
شعر عمرو بن حني في ديوان شعراء تغلب ، للمحقق (٢/ ٣٢٧) .
(٤)
في ط : يتجلل .
(٥) أخرجه البخاري : رقم ( ٥٧٩٠ )، في اللباس ، باب من جرّ ثوبه من الخيلاء، ومسلم ( ٢٠٨٨)، في اللباس ،
باب تحريم التبختر في المشي مع إعجابه بثيابه ، وفي اللفظ بعض اختلاف .
(٦) أخرجه أحمد (٤/ ٦٥ و٣٧٧/٥) ، وهو صحيح .

٣٤٥
قصة لقمان
ثمّ قال: ﴿ وَأَغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ يعني إذا تكلّمت فلا تتكلَّف رفع صوتك ، فإن أرفع الأصوات
وأنكرها صوت الحمير .
وقد ثبت في (( الصحيحين)(١) الأمر بالاستعاذة عند سماع صوت الحمير بالليل ، فإنها رأت
شيطاناً ، ولهذا نُهي عن رفع الصوت حيث لا حاجة إليه ولا سيما عند العُطاس ، فيستحب خفضُ الصوت
وتخميرُ الوجه كما ثبت به الحديث من صنيع رسول الله وَ لي(٢). فأما رفع الصوت بالأذان وعند الدعاء إلى
الفئة للقتال ، وعند الإهلال(٣) ونحو ذلك فذلك مشروع .
فهذا مما قصَّه الله تعالى عن لقمان عليه السلام(٤) في القرآن من الحِكَم والوصايا النافعة الجامعة للخير
المانعة من الشر. وقد وردت آثار كثيرة في أخباره ومواعظه وقد كان له كتاب يؤثر عنه يسمى مجلة(٥)
لقمان . ونحن نذكر من ذلك ما تيسر إن شاء الله تعالى .
قال الإمام أحمد : حدّثنا علي بن إسحاق(٦) أخبرنا ابن المبارك أخبرنا سفيان ، أخبرني نَهْشل بن
مجمّع(٧) الضبي، عن قَزَعَة عن ابن عمر قال: أخبرنا رسول الله بَّه قال: ((إنَّ لُقْمانَ الحكيمَ كانَ
يَقُولُ: إنَّ اللهَ إذا استُودع شيئاً حفظه (٨) .
وقال ابن أبي حاتم : حدّثنا أبو سعيد الأشج ، حدّثنا عيسى بن يونس عن الأوزاعي ، عن موسى بن
سليمان، عن القاسم بن مُخَيْمر(٩) أن رسول الله وَ لَه قال: ((قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني إياك
(١) أخرجه البخاري: رقم (٣٣٠٣) في بدء الخلق ، باب خير مال المسلم غنم يتبع بها شَعف الجبال ، ومسلم
(٢٧٢٩) في الذكر والدعاء، باب استحباب الدعاء عند صياح الديك، وكذلك أخرجه أبو داود (٥١٠٢) في
الأدب ، باب ما جاء في الديك والبهائم ، والترمذي (٣٤٥٩) في الدعوات ، باب ما يقول إذا سمع نهيق الحمار .
(٢) أخرجه أبو داود ( ٥٠٢٩ ) في الأدب ، باب في العطاس ، والترمذي ( ٢٧٤٥ ) في الأدب ، باب ما جاء في خفض
الصوت وتخمير الوجه عند العطاس ، من حديث أبي هريرة قال: كان رسول اللّه لَّة إذا عطس وضع يده أو ثوبه على
فيه ، وخفض أو غض بها صوته ، وقال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح .
(٣)
في ط : الإهلاك وهو خطأ . وفي ط : ذلك فذلك .
(٤)
في ب : رضي الله عنه .
في ب وط : بحكمة . والمجلة : صحيفة يكتب فيها ، والصحيفة فيها الحكمة . وقيل : كل كتاب عند العرب
(٥)
مجلّة . لسان العرب ( جلل ) .
لم يرد علي بن إسحاق في سند الحديث في المسند ، ففيه : حدثنا عبد الرحمن ، حدثنا سفيان ..
(٦)
(٧)
في ط : نهيك بن يجمع وفيه تحريف وتصحيف . ونهشل بن مجمع الضبي الكوفي من رجال التهذيب .
مسند أحمد (٢/ ٨٧) رقم (٥٦٠٦) وإسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الصحيح سوى نهشل بن مجمع وهو ثقة،
(٨)
وثقه ابن معين وأبو داود ويعقوب بن سفيان. ولا نعلم فيه جرحاً (تحرير التقريب ٢٥/٤) .
(٩) القاسم بن مُخيمرة ، أبو عروة الهمداني ، نزيل دمشق ، محدث ثقة، توفي سنة مئة للهجرة . سير أعلام النبلاء
(٢٠١/٥) .

٣٤٦
قصة لقمان
والتقنُّعَ فإنه مَخْوفة بالليل ومذمّة بالنهار )١٧) .
وقال أيضاً : حدثنا أبي ، حدثنا عمرو بن عثمان(٢) حدثنا ضمرة حدثنا السري بن يحيى قال قال
لقمان لابنه : يا بني إن الحكمة أجلست المساكين مجالس الملوك .
وحدثنا أبي ، حدثنا عبدة بن سليمان أخبرنا ابن المبارك أخبرنا عبد الرحمن المسعودي ، عن
عون بن عبد الله قال : قال لقمان لابنه : يا بني إذا أتيتَ نادي قوم فارمهم بسهم الإسلام ، يعني السلام ،
ثم اجلس في ناحيتهم فلا تنطق حتى تراهم قد نطقوا ، فإن أفاضوا في ذكر الله فأجل سهمك معهم ، وإن
أفاضوا في غير ذلك فتحول عنهم إلى غيرهم .
وحدّثنا أبي، حدّثنا عمرو بن عثمان، حدّثنا ضَمرة ، عن حفص بن عمر قال : وضع لقمان جراباً
من خَردلٍ إلى جانبه ، وجعل يَعظُ ابنَهُ وعظة ويُخرج خَردلةً ، حتى نَفِدَ الخردل ، فقال : يا بني وعظتك
موعظةً لو وُعِظها جبلٌ تفطَّرَ . قال : فتفطّر ابنه .
وقال أبو القاسم الطبراني : حدّثنا يحيى بن عبد الباقي المصِّيْصي ، حدّثنا أحمد بن عبد الرحمن
الحرّاني، حدّثنا عثمان بن عبد الرحمن الطَّرَائفي (٣) حدّثنا أبين بن سفيان(٤) المقدسي ، عن خليفة بن
سلام، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس قال: قال رسول الله بَّهِ: ((اتّخذِوا السُّودان فإنَّ ثَلاثَةً
منهم من سادات أهل(٥) الجنة: لقمان الحكيم، والنجاشي، وبلال المؤذن(٦))) قال الطبراني: يعني
الحبشي . وهذا حديث غريب بل منكر .
وقد ذكر له الإمام أحمد في كتاب ((الزهد)) ترجمة ذكر فيها فوائد مهمة جمة، فقال(٧): حدّثنا
وكيع، حدّثنا سفيان، عن رجل، عن مجاهد ﴿ وَلَقَدْ ءَانَيْنَا لُقْمَنَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢] قال: الفقه
والإصابة في غير نبوة(٨) . وكذا روي عن وهب بن منبه .
(١). تفسير ابن كثير (٣/ ٤٤٧) . وكذلك باقي الأخبار واردة فيه .
(٢) في ط : عمارة وهو خطأ.
(٣) عثمان بن عبد الرحمن الحرَّاني الطرائفي ، لُقب بذلك لأنه كان يتبع طرائف الحديث ويرويها عن قوم ضعاف .
اللباب (٢٧٨/٢).
(٤) في ط : عن ابن سفيان، وهو خطأ. وأَنْيَن بن سفيان المقدسي شيخ أكثر رواته من الضعفاء . المجروحين
لابن حبان ( ١٧٩/١ ).
في ب : من سادات الجنة ، وفي ط : من أهل الجنة .
(٥)
(٦)
أورده ابن حبان في المجروحين (١/ ١٨٠) . وفيه : هذا متن باطل لا أصل له .
(٧) الزهد (٢٦٦) .
(٨) ذكره الطبري في تفسيره (٤٣/٢١) من طريق آخر .

٣٤٧
قصة لقمان
وحدّثنا وكيع ، حدّثنا سفيان عن أشعث ، عن عكرمة، عن ابن عباس قال : كان لقمان عبداً
حبشية١ً)
وحدّثنا أسود٢) ، حدّثنا حماد ، عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب أن لقمان كان خياطاً .
وحدثنا سيَّار(٣)، حدّثنا جعفر، حدّثنا مالك يعني ابن دينار قال: قال لقمان لابنه : يا بني اتخذ
طاعة الله تجارة تأتك الأرباح من غير بضاعة .
وحدّثنا يزيد٤) ، حدّثنا أبو الأشهب عن محمد بن واسع قال : كان لقمان يقول لابنه : يا بني اتق الله
ولا تُري الناس أنك تخشى الله ليكرموك بذلك وقلبك فاجر .
وحدّثنا يزيد بن هارون ووكيع قال) : حدّثنا أبو الأشهب ، عن خالد الربّعي قال : كان لقمان عبداً
حبشياً نجاراً ، فقال له سيده : اذبح لي شاة ، فذبح له شاة ، فقال : ائتني بأطيب مضغتين فيها ، فأتاه
باللسان والقلب . فقال : أما كان فيها شيء أطيب من هذين ؟ قال : لا . قال : فسكت عنه ما سكت ،
ثم قال له : اذبح لي شاةً ، فذبح له شاة ، فقال له : ألق أخبثها مضغتين ، فرمى باللسان(٦) والقلب ،
فقال : أمرتك أن تأتيني بأطيبها مضغتين فأتيتني باللسان والقلب ، وأمرتك أن تلقي أخبثها مضغتين فألقيت
اللسان والقلب!، فقال له: إنه ليس شيء أطيب منهما إذا طابا ، ولا أخبث منهما إذا خبثا(٧).
وحدّثنا داود بن رُشَيد، حدّثنا ابن المبارك ، حدّثنا معمر ، عن أبي عثمان رجلٍ من أهل البصرة يقال
له : الجعد أبو عثمان ، قال : قال لقمان لابنه : لا ترغب في ودِّ الجاهل فيرى أنك ترضى عمله ،
ولا تَهاوَن بمقْت الحكيم فيزهده فيك(٨) .
وحدّثنا داود بن أسيد، حدّثنا إسماعيل بن عياش، عن ضمضم بن زرعة، عن شُريح بن عبيد الحضرمي،
عن عبد الله بن زيد قال: قال لقمان: ألا إن يد الله على أفواه الحكماء، لا يتكلّم أحدُهم إلا ما هيَّأ الله له ٩).
(١) هكذا قال، والذي في كتاب الزهد (٢٦٥) أنه من رواية حكّام الرازي ، عن سعيد الزبيدي ، عن مجاهد . وانظر
تفسير الطبري : (٢١/ ٤٣).
(٢)
الزهد ، رقم (٢٦٧) .
الزهد ، رقم (٢٦٨) .
(٣)
"الزهد، رقم (٢٦٩) .
(٤)
(٥)
الزهد ، رقم (٢٧٠) .
في ب : فألقى اللسان ، وما أثبتناه هو الذي في كتاب ((الزهد)) لأحمد .
(٦)
(٧)
وهو في تفسير الطبري (٤٣/٢١ - ٤٤).
لم أقف عليه في المطبوع من الزهد .
(٨)
(٩) كذلك .

٣٤٨
قصة لقمان
وحدّثنا عبد الرزاق، سمعت ابن جُريج قال: كنت أقنّع رأسي بالليل، فقال لي عمرو(١): أما
علمت أن لقمان قال : القناع بالنهار مذلَّة معذرة ، أو قال معجزة بالليل ، فلِمَ تقنع رأسك بالليل ؟ قال :
قلت له : إن لقمان لم يكن عليه دين (٢) .
وحدّثني حسن بن الجنيد(٣)، حدّثنا سفيان، قال: قال(٤) لقمان لابنه: يا بُني ما ندمت على
السكوت(٥) قط ، وإن كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب .
وحدّثنا عبد الصمد ووكيع قالا: حدّثنا أبو الأشهب(٦) ، عن قتادة أن لقمان قال لابنه: يا بُنيَّ اعتزل
الشرّ يعتزلك، فإنَّ الشر للشر خُلِقٍ .
وحدّثنا أبو معاوية ، حدّثنا هشام بن عروة ، عن أبيه قال : مكتوب في الحكمة : يا بُني إياك والرغَب
فإن الرغَب كلّ الرغب يبعد القريب من القريب ويزيل الحلم(٧) كما يزيل الطرب. يا بُني إياك وشدّة
الغضب ، فإن شدّة الغضب ممحقة لفؤاد الحكيم .
قال الإمام أحمد : حدّثنا عبد الرحمن بن مهدي ، حدّثنا نافع بن عمر(٨) ، عن ابن أبي مليكة ، عن
عبيد بن عمير قال : قال لقمان لابنه وهو يعظه : يا بُني اختر المجالس على عينك ، فإذا رأيت المجلس
يذكر فيه الله عز وجل فاجلس معهم ، فإنك إن تكُ عالماً ينفعك علمُك، وإن تك غبيّاً يعلِّموك، وإن يطَّلع
الله عليهم برحمة تصبك(٩) معهم. يا بني لا تجلس في المجلس الذي لا يذكر الله فيه (١) ، فإنك إن تك
عالماً لا ينفعك علمُك، وإن تك غَبِيّاً يزيدوك غُبِي١١ً)، وإن يطَّلع الله إليهمُ(١٢) بعد ذلك بسخط يصبك
معهم . يا بني لا تغبطو(١٣) امرأً رحب الذراعين يسفك دماء المؤمنين ، فإن له عند الله قاتلاً لا يموت .
في ب : فقال عمرو . وفي ط : عمر ...
(١)
لم أقف عليه في المطبوع من الزهد .
(٢)
(٣)
الزهد ، رقم (٢٧١) .
من ب ، وهي في الزهد لأحمد .
(٤)
(٥)
في ب : الصمت .
أخرجه في الزهد من زيادات عبد الله عن أحمد بن حنبل ، عن ابن المبارك ، عن أبي الأشهب (رقم ٢٧٢) .
(٦)
في ط : الحكم .
(٧)
في ب : نافع عن ابن عمر ، وهو سهو . ونافع بن عمر بن عبد الله إمام حافظ ، ثبت . حدّث عن ابن مليكة وغيره .
(٨)
توفي سنة (١٦٩ هـ). سير أعلام النبلاء : ( ٤٣٣/٧).
(٩)
في ط : تصيبك وهو خطأ .
(١٠) في ب : فيه الله .
(١١) يقال: فيه غَبْوَةٌ، وغُبُوَّة، وغُبِيِّ : أي غفلة.
(١٢) في ب : عليهم .
(١٣) في ب : ويا بني لا تغبطن .

٣٤٩
قصة لقمان
وحدّثنا أبو معاوية(١)، حدّثنا هشام بن عُروة ، عن أبيه قال: مكتوب في الحكمة [ بني لتكن كلمتك
طيبة ، وليكن وجهك بسطاً تكن أحبَّ إلى الناس ممن يعطيهم العطاء .
وقال : مكتوب في الحكمة (٢) أو التوراة : الرفق رأس الحكمة .
وقال : مكتوب في التوراة : كما تَرْحَمون تُرحَمون .
وقال : مكتوب في الحكمة : كما تزرعون تحصدون .
وقال : مكتوب في الحكمة : أحبَّ خليلك وخليل أبيك .
وحدّثنا عبد الرزاق عن مَعْمَر عن أيوب عن أبي قلابة قال : قيل للقمان : أي الناس أَصْبَر ؟ قال :
صبر لا يتبعه أذى . قيل : فأي الناس أعلم ؟ قال : من ازداد من علم الناس إلى علمه . قيل : فأي الناس
خيرٌ؟ قال : الغني . قيل : الغنيّ من المال ؟ قال : لا ولكن الغنيَّ الذي إذا التُمِس عنده خيرٌ وُجد، وإلا
أغنى نفسه عن الناس(٣)
وحدّثنا سفيار(٤) ، هو ابن عيينة قال : قيل للقمان : أي الناس شر؟ قال : الذي لا يبالي أن يراه
الناس مسيئاً .
وحدّثنا أبو عبد الصمد(٥) عن مالك بن دينار قال : وجدت في بعض الحكمة : يبدد الله عظامَ الذين
يتكلّمون بأهواء الناس . ووجدت فيها : لا خير لك في أن تُعلّم ما لم تعلم ولما تعمل(٦) بما قد علمت ،
فإن مَثَلَ ذلك مَثَلُ رجل احتطب حطباً فحزم حزمةً ثمّ ذهب يحملها فعجز عنها فضم إليها أخرى .
وقال عبد الله بن أحمد : حدّثنا الحكم بن أبي زهير ، وهو الحكم بن موسى ، حدّثنا الفرج بن
فضالة ، عن أبي سعيد قال : قال لقمان لابنه : يا بني لا يأكل طعامك إلا الأتقياء، وشاور في أمرك
العلماء .
وهذا مجموع ما ذكره الإمام أحمد في هذا الموضع(٧) . وقد قدّمنا من الآثار كثيراً لم يروها ، كما أنه
ذكر أشياء ليست عندنا . والله أعلم
.
١
(١) الزهد، رقم (٢٧٣) .
سقطت من ب بنقلة عين .
(٢)
لم أقف عليه في المطبوع من الزهد .
(٣)
الزهد ، رقم (٢٧٤) .
(٤)
(٥)
سقطت من ط .
في ب : ما لا تعلم ولم تعمل .
(٦)
(٧) في ط : هذه المواضع .

٣٥٠
قصة لقمان
وقال ابن أبي حاتم : حدّثنا أبي ، حدّثنا العباس بن الوليد ، حدّثنا زيد بن يحيى بن عبيد الخزاعي ،
حدّثنا سعيد بن بشير ، عن قتادة قال : خَيَّر الله لقمان الحكيم بين النبوة والحكمة ، فاختار الحكمة على
النبوة ، قال فأتاه جبريل وهو نائم فذرَّ عليه الحكمة ، قال: فأصبح ينطق بها . قال سعيد: فسمعت(١)
قتادة يقول : قيل للقمان : كيف اخترت الحكمة على النبوة وقد خيّرك ربُّك ؟ فقال : إنه لو أرسل إليَّ
بالنبوة عزمةٌ لرجوت فيه الفوز منه ، ولكنت أرجو أن أقوم بها ، ولكن خيَّرني ، فخِفْت أن أضعُفَ عن
النبوة، فكانت الحكمة أحبَّ إلي٢ّ) .
وهذا فيه نظر ، لأن سعيد بن بشير عن قتادة قد تكلّموا فيه(٣) . والذي رواه سعيد بن أبي عَرُوبة عن
قتادة في قوله: ﴿ وَلَقَدْ ءَانَيْنَا لُقْمَنَ اَلْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢] قال: يعني الفقه في الإسلامُ(٤) ، ولم يكن نبياً
ولم يُوحَ إليهُ(٥) . وهكذا نصّ على هذا غير واحد من السّلف ، منهم مجاهد وسعيد بن المسيب
وابن عباس . والله أعلم .
في ط : سمعت .
(١)
(٢)
تفسير ابن كثير ( ٣ / ٤٤٤).
(٣)
قال ابن حبان: يروي عن قتادة ما لا يتابع عليه. المجروحين: (٣١٥/١).
في ط : والإسلام .
(٤)
تفسير الطبري ( ٢١/ ٤٣).
(٥)

٣٥١
قصة أصحاب الأخدود
قصّة أصحاب الأخدود
قال الله تعالى: ﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُوجِ أَ وَاَلْيَوْمِ الْمَوْعُودِ ﴿ وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ الْ قُئِلَ أَضْحَبُ الْأُخْدُودِ {لَ النَّارِ ذَاتِ -
الْوَقُودِ نَّ إِذْهُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (٢٥) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٥) وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلَّ أَنْ يُؤْمِنُواْ بِلَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ◌ِيَ) الَّذِى
لَمُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَنُواْ الْمُؤْمِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ ثُمَّ لَّ بَتُوبُواْ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَّمَ وَهُمْ
عَذَابُ اْخَرِيقِ﴾ [البروج: ١ - ١٠].
قد تكلمنا على ذلك مستقصى فى تفسير هذه السورة (١) ولله الحمد .
وقد زعم محمد بن إسحاق أنهم كانوا بعد مبعث المسيح ، وخالفه غيره فزعموا أنهم كانوا قبله .
وقد ذكر غير واحد أن هذا الصنيع مكرر في العالم مراراً في حق المؤمنين من الجبارين الكافرين ،
ولكنْ هؤلاء المذكورون في القرآن قد ورد فيهم حديث مرفوع، وأثَر أورده ابن إسحاق ، وهما متعارضان
وها نحن نوردهما لنوقف عليهما٢) .
قال الإمام أحمد (٣): حدّثنا عفان(٤)، حدّثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن
أبي ليلى، عن صهيب أن رسول الله وَيرٍ قال: ((كان مَلِك فيمن كان قبلكم ، وكان له ساحرٌ، فلما كبر
الساحِرُ قال للملك : إني قد كَبرتْ سني، وحَضَرَ أجلي ، فادفع إليَّ غلاماً فلأُعلمه السحرَ ، فدفع إليه
غلاماً ، فكان يعلمه السحرَ ، وكان بين الساحر وبين الملك(٥) راهب ، فأتى الغلام على الراهب ، فسمع
من كلامه ، فأعجبه نحوه وكلامُه ، وكان إذا أتى الساحرَ ضربه وقال : ما حبسك ؟ وإذا أتى أهله ضربوه
وقالوا : ما حبسك ؟ فشكا ذلك إلى الراهب ، فقال : إذا أراد الساحر أن يضربك فقل حبسني أهلي ، وإذا
أراد أهلك أن يضربوك فقل : حبسني الساحر . قال : فبينما٦) هو ذات يوم إذ أتى على دابة فظيعة عظيمة
قد حَبَستِ الناسَ فلا يستطيعون أن يجوزوا ، فقال : اليومَ أعلم أمرُ الساحر أحبُّ إلى اللّه أم أمرُ الراهب .
قال : فأخذ حَجَراً فقال : اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك وأرضى من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة
"حتى يجوز الناس، ورماها فقتلها ومضى، فأخبر الراهب بذلك، فقال: أي بني أنت أفضلُ مني ، وإنك
(١) تفسير ابن كثير (٤/ ٤٩١) وما بعدها .
(٢) في ط : لتقف .
(٣) في المسند (٦/ ١٧).
في ط : سقط ((عفان)) من السند.
(٤)
(٥) فى ط وأ: ((وكان بين الملك وبين الساحر)). وما أثبتناه من ب، وهو موافق لما في المسند الذي ينقل منه المصنف.
(٦) في ط وأ: ((فبينا)) وما هنا من ب، وهو الموافق للمسند.

٣٥٢
قصة أصحاب الأخدود
سُتُبْتَلَى فإن ابْتُلِيت فلا تدل عليَّ. فكان الغلام يُبرىء الأكمه والأبرصَ وسائر الأدواء ويشفيهم الله على
يديه (١) وكان جليسٌ للملك فعمي ، فسمع به ، فأتاه بهدايا كثيرة ، فقال : اشفني ولك ما هاهنا أجْمَع .
فقال : ما أنا أشفي أحداً، إنما يشفي الله عز وجل، فإن آمنت به دعوت الله فشفاه٢) . فآمن ، فدعا الله
فشفاه . ثم أتى الملكَ ، فجلس منه نحو ما كان يجلس ، فقال له الملك : يا فلان من ردّ عليك بَصَرَك ؟
فقال: ربي . قال : أنا . قال : لا ربي وربُّك الله . قال : ولك ربِّ غيري ؟ قال : نعم ، ربي وربك
الله . فلم يزل يعذبه حتى دلّ على الغلام ، فأتى به فقال : أي بني! بَلَغَ من سحرك أن تُبرىء الأكمه
والأبرص ، وهذه الأدواء ؟! قال ما أشفي أنا أحد(٣) إنما يشفي الله عز وجل . قال : أنا . قال: لا.
قال : أولك ربّ غيري ؟ قال : ربي وربك الله . قال: فأخذه أيضاً بالعذاب ، ولم يزل به حتى دَلَّ على
الراهب ، فأتي بالراهب(٤) فقال : ارجع عن دينك . فأبى . فوضع المنشار في مَفْرِق رأسه حتى وقع
شِقَّاهُ. وقال للأعمى : ارجع عن دينك . فأبى ، فوضع المنشار في مفرق رأسه حتى وقع شِقَّاه . وقال
للغلام : ارجع عن دينك . فأبى . فبعث به مع نفر إلى جبل كذا وكذا . وقال : إذا بلغتم ذروته(٥) فإن
رجع عن دينه ، وإلا فدهدهوه(٦) ، فذهبوا به ، فلما علوا الجبل قال : اللهم اكفنيهم بما شئت . فرجف
بهم الجبل فدُهدِهوا أجمعون . وجاء الغلام يتلمس حتى دخل على الملك فقال : ما فعل أصحابك ؟
فقال: كفانيهم الله. فبعث به مع نفر في قُرْقُوْر(٧) فقال: إذا لججتم البحر فإن رجع عن دينه ، وإلا
فَغَرِّقوه٨) في البحر ، فلججوا به البحر ، فقال الغلام : اللهم اكفنيهم بما شئت ، فغرقوا أجمعون ، وجاء
الغلام حتى دخل على الملك فقال : ما فعل أصحابك ؟ فقال : كفانيهم الله . ثم قال للملك : إنك لست
بقاتلي حتى تفعل ما آمرُك به ، فإن أنتَ فعلتَ ما آمرك به قتلتني ، وإلا فإنك لا تستطيع قتلي . قال :
وما هو ؟ قال : تجمعُ الناسَ في صعيد واحدٍ ، ثم تصلبني على جذع ، وتأخذ سهماً من كنانتي ، ثم قل :
بسم الله ربّ الغلام ، فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني ، ففعل ووضع السهم في كبد القوس ثمّ رماه وقال : بسم
الله ربّ الغلام، فوقعُ(٩) السهم في صدغه ، فوضع الغلام يده على موضع السهم ومات ، فقال الناس :
(١) قوله : الله على يديه ليس في ب ، ولا في المسند .
في ط : ودعوت . شفاك .
(٢)
(٣)
ليست في ب .
(٤)
في ط : الراهب .
(٥)
في ب : ذروة الجبل .
زاد في المسند : من فوقه . والدهدهة : الدحرجة .
(٦)
كذا في المسند . وهو الصواب . وفي أ ، وب ، وط ، قرقرة . والقرقور : السفينة .
(٧)
(٨)
في ط : فأغرقوه .
في ب : فوضع . وهو موافق لما في المسند .
(٩)

٣٥٣
قصة أصحاب الأخدود
آمنا بربّ الغلام آمنا بربّ الغلام . فقيل للملك : أرأيت ما كنت تحذر ، فقد والله نزل بك ، قد آمن الناس
كلُّهم ، فأمر بأفواه السكك فخدّت(١) فيها الأخاديد ، وأضرمت فيها النيران ، وقال : من رجع عن دِينه
فدعوه ، وإلا فأقحموه فيها . وقال : فكانوا يتعادون فيها ويتواقعون ، فجاءت امرأة بابن لها تُرضعه ،
فكأنها تقاعست أن تقع في النار ، فقال الصبي : اصبري يا أماه فإنك على الحق)).
كذا رواه الإمام أحمد. ورواه مسلم(٢) والنسائي(٣) من حديث حماد بن سلمة. زاد النسائي
وحماد بن زيد كلاهما عن ثابت، به . ورواه الترمذي(٤) من طريق عبد الرزاق ، عن مَعْمَر ، عن ثابت ،
بإسناده نحوه، وجَوَّد إيراده كما بسطنا ذلك في (( التفسير (٥) .
وقد أورد محمد بن إسحاق هذه القصة على وجه آخر(٦) فقال : حدثني يزيد بن زياد ، عن محمد بن
كعب ، وحدثني أيضاً بعضُ أهل نجران ، عن أهلها أن أهل نجران كانوا أهل شِرْك يعبدون الأوثان ، وكان
في قرية من قراها قريباً من نجران - ونجران هي القرية العظمى التي إليها جماع أهل تلك البلاد - ساحرٌ
يعلّم غلمان أهل نجران السحر ، فلما نزلها فيميول(٧) ، ولم يسموه لي بالاسم الذي سماه ابن مُنَّه ،
قالوا : رجل نزلها ، فابتنى خيمةً بين نجران وبين تلك القرية التي فيها الساحر ، وجعل أهلُ نجران
يرسلون غلمانهم إلى ذلك الساحر [ يعلمهم السحر ٨) . فبعث الثامرُ ابنه عبد الله مع غلمان أهل
نجران ، فكان إذا مَرَّ بصاحب الخيمة أعجبه ما يرى من عبادته وصلاته ، فجعل يجلس إليه ويسمع منه
حتى أسلم ، فوخَّد الله وعبدَه ، وجعل يسأله عن شرائع الإسلام ، حتى إذا فقه فيه جعل يسأله عن الاسم
الأعظم، وكان يَعْلَمُهُ ، فكتمه إياه وقال له : يا ابن أخي إنك لن تحمله ، أخشى ضعفك عنه . والثامر
أبو عبد الله(٩) لا يظن إلا أن ابنه ١٠) يختلف إلى الساحر كما يختلف الغلمان ، فلما رأى عبدُ الله أن صاحبه
قد ضنَّ به عنه وتَحْوَّف ضعفه فيه ، عمد إلى قِداح فجمعها ، ثمّ لم يُبقِ لله اسماً يعلمه إلا كَتَبه في قدح ،
(١) في ط : فحفر . والسكك : الطرق .
(٢) صحيح مسلم رقم (٣٠٠٥)، في الزهد ، باب قصة أصحاب الأخدود والساحر والراهب والغلام .
(٣) في التفسير (٦٨١)، وهو فيه من سننه الكبرى (١١٦٦١) عن حماد بن سلمة، وفي السير (٨٦٣٣)، وفي عمل اليوم
. والليلة (٦١٤) عن حماد بن زيد .
(٤) سنن الترمذي رقم (٣٣٤٠) في التفسير، باب ومن سورة البروج .
تفسير ابن كثير ( ٤/ ٤٩٤) . وقال هناك: قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي: فيحتمل أن يكون من كلام صهيب
(٥)
الرومي، فإنه كان عنده علم من أخبار النصارى .
الروض الأنف ( ١ / ٤٧) وما بعدها .
(٦)
(٧) في ط : فيمون . وهو تحريف .
(٨) ليست في ب .
(٩) سقطت من ط . وهي في نص السيرة لابن إسحاق .
(١٠) زاد في ط : عبد الله .

٣٥٤
قصة أصحاب الأخدود
لكل اسم قدح ، حتى إذا أحصاها أوقدَ ناراً ثمّ جعل يقذفها فيها١) قدَحاً قدحاً ، حتى إذا مرَّ بالاسم
الأعظم قذف فيها بقدحه ، فوثب القدح حتى خرج منها لم تضرّه شيئاً ، فأخذه ثم أتى به صاحبه فأخبره أنه
قد علم الاسم الأعظم الذي قد كتمه ، فقال : وما هو ؟ قال : كذا وكذا . قال : وكيف (٢) علمته؟
فأخبره بما صنع . قال : أي ابن أخي ، قد أصبتَه فأمسِك على نفسك، وما أظن أن تفعل . فجعل
عبد الله بن الثامر إذا دخل نجران لم يَلْقَ أحداً به ضُرٍ إلّا قال: يا عبد الله أتوحِّد اللهَ وتدخل في ديني وأدعو
الله لك فيعافيك مما٣) أنت فيه من البلاء . فيقول(٤) : نعم ، فيوحّد الله ويُسلم ، ويدعو(٥) الله فيشفى،
حتى لم يبق بنجران أحد به ضُر إلّا أتاه فاتَّبعه على أمره . ودعا له فعوفي، حتى رُفع شأنُه إلى ملك
نجران ، فدعاه فقال : أفسدتَ عليّ أهلَ قريتي وخالفتَ ديني ودينَ آبائي لأَمثِّلنَّ بك . قال : لا تقدر على
ذلك . فجعل يُرسل به إلى الجبل الطويل ، فيُطرح على رأسه ، فيقع إلى الأرض ما به بأس ، وجعل يبعث
به إلى مياه بنجران بحور لا يُلقى فيها شيء إلّ هَلَك فيُلقى به فيها فيخرج ليس به بأس . فلما غلبه قال له
عبد الله بن الثامر إنك(٦) والله لا تقدر على قتلي حتى توخِّد اللهَ فتؤمنَ بما آمنتُ به ، فإنك إن فعلتَ سُلِّطتَ
عليّ فقتلتني(٧). قال: فوحّد اللهَ ذلك الملك ، وشهد شهادة عبد الله بن الثامر ، ثمّ ضربه بعصاً في يده
فشجه شجةً غيرَ كبيرة فقتله ، وهلك الملك مكانه . واستجمع أهلُ نجران على دين عبد الله بن الثامر ،
وكان على ما جاء به عيسى ابن مريم من الإنجيل وحُكمه ، ثمّ أصابهم ما أصاب أهلَ دينهم من
الأحداث(٨) . فمن هنالك كان أصل دين النصرانية بنجران .
قال ابن إسحاق : فهذا حديث محمد بن كعب وبعض أهل نجران عن عبد الله بن الثامر . فالله أعلم
أي ذلك كان .
قال(٩) : فسار إليهم ذو نُواس بجنده ، فدعاهم إلى اليهودية ، وخيّرهم بين ذلك أو القتل ، فاختاروا
القتلَ فخدٌ (١) الأخدود ، وحرق بالنار ، وقتل بالسيف ، ومثّل بهم . فقتل منهم قريباً من عشرين ألفاً ،
ليست في ط .
(١)
(٢)
زاد في ب : قد .
(٣)
في ط : عما .
(٤)
قوله : فيقول .... على أمره ، سقط من ط .
(٥)
زاد في ب : له ، وهو موافق لما في الروض الأنف .
(٦)
ليست في ط .
(٧)
في ب : فتقتلني .
في ط : الأحزاب .
(٨)
ابن إسحاق . وهو تتمة للخبر السابق في الروض الأنف (١/ ٥١).
(٩)
(١٠) في ط : فخدوا .. وفي الروض الأنف : فخد لهم.

٣٥٥
قصة أصحاب الأخدود
ففي ذي نواس وجُنده أنزل الله على رسوله وَهِ ﴿قُئِلَ أَضْحَبُ الْأُخْدُودِ ٨ النَّارِ ذَاتِ اٌلْوَقُودِ﴾ .. الآيات
[ البروج: ٤ - ٥] . وهذا يقتضي أنَّ هذه القصة غير ما وقع في سياق مُسلم. وقد زعم بعضُهم أن الأخدود
وقع في العالم كثيراً كما قال ابن أبي حاتم : حدَّثنا أبي، حدثنا أبو اليمان ، أخبرنا صفوان ، عن
عبد الرحمن بن جبير قال : كان الأخدود في اليمن زمان تُبَع ، وفي القسطنطينة زمان قسطنطين حين صرف
النصارى قبلتهم عن دين المسيح والتوحيد، فاتخذ(١) أَثُّونا وألقى فيه النصارى الذين كانوا على دين
المسيح والتوحيد . وفي العراق في أرض بابل في زمان بخت نصّر حين صَنَع الصنمَ وأمر الناس فسجدوا
له ، فامتنع دانيال وصاحباه عزريا ومشايل ، فأوقد لهم أتّونا وألقى فيها الحطب والنار ، ثم ألقاهما فيه
فجعلها الله عليهم برداً وسلاماً وأنقذهم منها ، وألقى فيها الذين بغوا عليه وهم تسعة رهط ٢) ، فأكلتهم
النار .
وقال أسباط عن السُّدِّي في قوله: ﴿ قُئِلَ أَضْحَبُ الْأُنْدُودِ ﴾ [ البروج: ٤] قال: كان الأ
بالشام ، وخد بالعراق ، وخد باليمن . رواه ابن أبي حاتم .
وقد استقصيت ذكر أصحاب الأخدود والكلام على تفسيرها في سورة البروج(٣) ولله الحمد والمنة .
**
(١) كذا في ب . وفي أوط : واتخذ .
(٢)
في ب : من رهطه .
(٣) تفسير ابن كثير (٤/ ٤٩١) وما بعدها . وزاد في ب : من التفسير.

٣٥٦
بيان الإذن في الرواية والتحديث عن أخبار بني إسرائيل
(١)
باب(١)
بيان الإذن في الرواية والتحديث عن أخبار بني إسرائيل
قال الإمام أحمد : حدّثنا عبد الصمد ، حدّثنا همّام ، حدثنا زيد ، عن عطاء بن يسار ، عن
أبي سعيد الخدري عن النبي ◌ََّ قال: ((حدِّثوا عنّي ولا تَكْذبُوا عَلَيَّ، ومَنْ كَذَبَ عليَّ مُتَعَمّداً فَلْيتبوّأ
مقعدَهُ من النارِ . وحدّثوا عن بني إسرائيل ولا حَرَج (٢) .
وقال أيضاً : حدّثنا عفان ، حدّثنا همام ، أخبرنا زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد
الخدري، عن النبي وَ لّ قال: ((لا تكتُبُوا عنّي شيئاً غيرَ القرآن، فمن كتبَ عني شيئاً غيرَ القرآن فليمْحُه))
وقال: ((حدّثوا عن بني إسرائيل ولا حَرَج. حدّثوا عني ولا تكذبوا عليَّ(٣). قال: (( ومن كذب
عليَّ)). قال همام٤ُ) أحسبه قال: (( متعمداً فليتبوأ مقعده من النار (٥) .
وهكذا رواه مسلم(٢) والنَّسائي(٧) من حديث همام .
ورواه أبو عوانة الأسْفَرَاييني ، عن أبي داود السجستاني ، عن هُدْبة ، عن همام ، عن زيد بن أسلم
به . ثم قال : قال أبو داود: أخطأ فيه همام هو(٨) من قول أبي سعيد . كذا قال .
وقد رواه الترمذي(٩) عن سفيان، عن وكيع، عن سفيان بن عُيَينة، عن زيد بن أسلم ببعضه(١)
مرفوعاً . فالله أعلم .
قال الإمام أحمد : حدّثنا الوليد بن مسلم ، أخبرنا الأوزاعي ، حدّثنا حسان بن عطية ، حدّثني
(٢)
في ب وط : بيان . وسقطت لفظة التحديث من ط .
(١)
المسند ( ٤٦/٣) وفيه : فقد تبوّأ .
(٣)
ليست في المسند .
زيادة من ب وط . وهي موافقة لما في المسند .
(٤)
(٥)
المسند ( ٥٦/٣ ) .
صحيح مسلم (٣٠٠٤) في الزهد ، باب التثبت في الحديث وحكم كتابة العلم .
(٦)
(٧)
في سننه الكبرى (٨٠٠٨) .
(٨)
في ط : وهو .
(٩)
جامع الترمذي (٢٥٦٦) في العلم، باب ما جاء في كراهته كتابة العلم .
(١٠) هو قوله: ((استأذنا النبي وَله في الكتابة فلم يأذن لنا))، وقال الترمذي عقبه: ((وقد روي هذا الحديث من غير هذا
الوجه أيضاً عن زيد بن أسلم ، رواه همام عن زيد بن أسلم)) .

٣٥٧
بيان الإذن في الرواية والتحديث عن أخبار بني إسرائيل
أبو كبشة السَّلُولي، أن عبد الله بن عمرو بن العاص حدّثه أنه سمع رسول الله وَّ ر يعني يقول: ((بلغوا عني
ولو آية ، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ، ومَن كَذَب عليَّ متعمد(ا) فليتبوأ مقعده من النار (٢).
ورواه أحمد أيضاً عن عبد الله بن نمير وعبد الرزاق ، كلاهما عن الأوزاعي(٣) ، به .
وهكذا رواه البخاري(٤) عن أبي عاصم النبيل ، عن الأوزاعي ، به .
وكذا رواه الترمذي عن بُنْدار عن أبي عاصم . ثم رواه عن محمد بن يحيى الذَّهلي ، عن محمد بن
يوسف الفِرْيابي(٥) عن عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان عن حسان بن عطيةً) وقال: حسن صحيح(٢).
وقال أبو بكر البزَّار : حدّثنا محمد بن المثنى أبو موسى ، حدّثنا هشام بن معاوية ، حدّثنا أبي ، عن
قتادة، عن أبي حسان ، عن عبد الله بن عمرو قال: كان نبي الله وَ لا يحدثنا عامة ليلة عن بني إسرائيل حتى
نصبح، ما نقوم فيها إلا لعظم صلاً) [ ورواه أبو داول؟) ، عن محمد بن مثنى . ثمّ قال البزار : حدّثنا
محمد بن مثنى ، حدثنا عفان ، حدثنا أبو هلال ، عن قتادة ، عن أبي حسان ، عن عمران بن حصين ،
قال: كان رسول الله وَّله يحدثنا عامة ليلة عن بني إسرائيل لا يقوم إلا لعظم صلاةٍ (١٢).
قال البزار : وهشام أحفظ من أبي هلال ، يعني أن الصواب عن عبد الله بن عمرو لا عن عمران بن
حصين . والله أعلم .
وقال الإمام أحمد : حدّثنا يحيى - هو القطان - عن محمد بن عمرو ، حدّثنا أبو سلمة ، عن
أبي هريرة، عن النبي(١١) وَلّ ((حدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج (١٦) إسناد١ً) صحيح ولم يخرّجوه.
ليست في ب . وهي واردة في مسند أحمد .
(١)
المسند (٢ /١٥٩).
(٢)
(٣)
المسند (٢ / ٢٠٢ ) .
صحيح البخاري رقم (٣٤٦١) في الأنبياء ، باب ما ذكر عن بني إسرائيل .
(٤)
في ط : العرياني وهو تصحيف . والفريابي نسبة إلى فارياب ، بلدة بنواحي بلخ. اللباب (٢/ ٤٢٧).
(٥)
زاد في ب : حدثني أبو كبشة السلولي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، أنه سمع به . وهو موافق لما في الترمذي ،
(٦)
لکن إيراده هنا فيه تكرار .
سنن الترمذي : ( ٢٦٦٩) في العلم ، باب ما جاء في الحديث عن بني إسرائيل .
(٧)
أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١٩١/١، ٢٦٤/٨). من حديث عمران بن حصين، وقال: رواه البزار وأحمد
(٨)
والطبراني في الكبير، وإسناده صحيح. وقال أيضاً: وفي رواية: يعني الفريضة المكتوبة. وعُظْم الشيء: أكثره ومعظمه.
سنن أبي داود رقم ( ٣٦٦٣) في العلم ، باب الحديث عن بني إسرائيل، وهو حديث صحيح .
(٩)
(١٠) زيادة من ب وط .
(١١) زاد في ط : قال .
(١٢) المسند (٢/ ٤٧٤).
(١٣) في ب : إسناده .

٣٥٨
بيان الإذن في الرواية والتحديث عن أخبار بني إسرائيل
وقال الحافظ أبو يعلى : حدّثنا أبو خيثمة ، حدّثنا وكيع ، حدّثنا ربيع بن سعد الجعفي ، عن
عبد الرحمن بن سابط، عن جابر قال: قال رسول الله وَلّل: ((حدثوا عن بني إسرائيل فإنه قد كان فيهم
الأعاجيب)). ثم أنشأ يحدث وَ ل# قال: (( خرجت طائفة من بني إسرائيل حتى أتوا مقبرة من مقابرهم ،
فقالوا : لو صلَّينا ركعتين ودعونا الله عزَّ وجلَّ فيخرج لنا رجلاً قد مات نُسائِله يحدّثنا عن الموت ،
ففعلوا ، فبينما هم كذلك إذ أطلع رجل رأسه من قبر(١) من تلك القبور ، بين عينيه أثر السجود ، فقال :
يا هؤلاء ! ما أردتم إلي ؟ فقد مِثُّ منذ مئة عام فما سكنتْ عني حرارة الموت حتى الآن ، فادعوا الله أن
يُعيدني كما كنتُ )(٢)
وهذا حديث غريب ، إذا تقرر جواز الرواية عنهم فهو محمول على ما يمكن أن يكون صحيحاً ، فأما
ما يعلم أو يظن بطلانه لمخالفته الحق الذي بأيدينا عن المعصوم ، فذاك متروك مردود لا يعرَّج عليه ، ثم
مع هذا كله لا يلزم من جواز روايته أن تعتقد صحته ، لما رواه البخاري(٣) قائلاً: حدّثنا محمد بن
بشار(٤) ، حدّثنا عثمان بن عمر ، حدّثنا علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن
أبي هريرة قال : كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام ، فقال
رسول الله وَشير: (( لا تصدّقوا أهل الكتاب ولا تكذّبوهم وقولوا آمنًا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم
وإلّهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون )» . تفرّد به البخاري من هذا الوجه .
وروى الإمام أحمد(٥) من طريق الزُّهري عن [ ابن }٦) أبي نملة الأنصاري عن أبيه أنه كان جالساً عند
رسول الله وَالر، إذ جاء(٧) رجل من اليهود فقال: يا محمد هل تتكلّم هذه الجنازة؟ فقال رسول الله وَليل :
((الله أعلم)). فقال اليهودي: أنا أشهد أنها تتكلّم. فقال رسول الله وَّمَ: ((إذا حَدَّثَكُم أهل الكتاب(٨)
(١) ليست في ب .
(٢) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٩١) باختصار ، وقال : رواه البزار عن شيخه جعفر بن محمد بن أبي وكيع ،
عن أبيه ، ولم أعرفهما ، وبقية رجاله ثقات .
(٣) صحيح البخاري رقم ( ٤٤٨٥) في التفسير، باب ﴿قُولُوْاْ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا﴾، ورقم (٧٣٦٢) في
الاعتصام، باب قول النبي ◌َّير: ((لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء))، ورقم (٧٥٤٢) في التوحيد ، باب ما يجوز
من تفسير التوراة وغيرها من كتب الله بالعربية .
(٤)
في ط : يسار وهو تصحيف . وسقط عمر من السند في ب .
(٥)
المسند (٤ /١٣٦ ).
زيادة من ب ، وهي موافقة لما في المسند . وأبو نملة الأنصاري صحابي مختلف في اسمه ، فقيل هو عمار ،
(٦)
وقيل : عمرو ، وقيل عمارة . من الأوس شهد أحداً . تقريب التهذيب (٢/ ٤٨٢).
(٧) في ط : فقال إذا جاء . . وهو خطأ .
زاد في ب : بشيء .
(٨)

٣٥٩
بيان الإذن في الرواية والتحديث عن أخبار بني إسرائيل
فلا تصدّقوهم ولا تكذّبوهم ، وقولوا : آمنا بالله وكتبه ورسله ، فإن كان حقاً لم تكذبوهم ، وإن كان
باطلاً لم تصدّقوهم )» . تفرّد به أحمد .
وقال الإمام أحمد(١): حدّثنا سُريج(٢) بن النعمان، حدّثنا هشيم، أخبرنا مجالد، عن الشعبي
عن جابر بن عبد الله أن عمر بن الخطاب أتى النبي وم له بكتاب(٣) أصابه من بعض أهل الكتاب ، فقرأه
على النبي ◌ُّ، قال: فغضب وقال: (( أمتهوّكون فيها يا ابن الخطاب ؟! والذي نفسي بيده لقد
جئتكم بها بيضاء(٤) نقية ، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحقِّ فتكذبوا به ، أو بباطل فتصدقوا به ،
والذي نفسي بيده(٥) لو أن موسى كان حياً ما وسعه إلّا أن يتبعني)). تفرد به أحمد، وإسناده على
شرط مسلم .
فهذه الأحاديث دليل على أنهم قد بدَّلوا ما بأيديهم من الكتب السماوية وحرّفوها وأوّلوها ووضعوها
على غير مواضعها ، ولا سيما ما يبدونه من المغربات التي لم يحيطوا علماً بها٦) ، وهي بلغتهم ، فكيف
يعبِّرون عنها بغيرها ؟ ولأجل هذه وقع في تعريبهم خطأ كبيرٌ ووهْم كثيرٌ مع مالهم من القصود(٧) الفاسدة
والآراء الباردة ، وهذا يتحققه من نظر في كتبهم التي بأيديهم وتأمّل ما فيها من سوء التعبير وقبيح التبديل
والتغيير ، وبالله المستعان وهو نعم المولى ونعم النصير .
وهذه التوراة التي يُبْدونها ويُخفُون منها كثيراً فيما ذكروه فيها تحريف(٨) وتبديل وتغيير وسوء تعبير
يعلمُ(٩) من نظر فيها وتأمّل ما قالوه وما١٠) أبدوه وما أخفوه، وكيف يسوغون عبارة فاسدة البناء
والتركيب ، باطلة من حيث معناها وألفاظها . وهذا كعب الأحبار من أجود من ينقل عنهم ، وقد أسلم في
زمن عمر ، وكان ينقل شيئاً عن ١١) أهل الكتاب ، فكان عمر رضي الله عنه يستحسن بعض ما ينقله لما
(١) المسند (٣٨٧/٣).
(٢) في ط : شريح وهو تصحيف . وسُريج بن النعمان بن مروان الجوهري ، أبو الحسن البغدادي ، من كبار الطبقة
العاشرة ، توفي سنة (٢١٧ هـ). ترجمته في سير أعلام النبلاء (٢١٩/١٠).
(٣) زاد في ب : في كتاب.
(٤) كذا في ب ، وهو موافق لما في المسند ، وفي أوط: به لقد جئتكم به ... والتهوّك : كالتهور ، وهو الوقوع في
الأمر بغير روية .
(٥) كذا في ب ، وهو موافق لما في المسند . وفي أوط . به .
(٦)
في ط : بها علماً .
في ط : المقاصد . وفي حاشية الأصل : لعله المقاصد .
(٧)
(٨) في ب : من تحريف .
(٩) في ب : يعلمه .
(١٠) ليست في ب .
(١١) زاد في ب كتب .

٣٦٠
بيان الإذن في الرواية والتحديث عن أخبار بني إسرائيل
يصدقه من الحق وتأليفاً لقلبه، فتوسع كثير من الناس في أخذ ما عنده ، وبالغ أيضاً(١) هو في نقل تلك
الأشياء التي كثير منها ما لا يساوي مداده ، ومنها ما هو باطل لا محالة ، ومنها ما هو صحيح لما يشهد له
الحق (٢) الذي بأيدينا .
وقد قال البخاري(٣): وقال أبو اليمان: حدّثنا شعيب، عن الزهري، أخبرني حُميد بن
عبد الرحمن أنه سمع معاوية يحدّث رَهْطاً من قريش بالمدينة. وذَكر كعب الأحبار ، فقال: ((إن كان من
أصدق هؤلاء المحدّثين الذين يُحدّثون عن أهل الكتاب، وإن كنا - مع ذلك - لَنَّلُو عليه الكذب )) يعني من
غير قصد منه .
وروى البخاري(٤) من حديث الزُّهري، عن عُبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس أنه قال: (( كيف
تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزلَ الله على رسوله أحدَثُ الكتب بالله تقرؤونه محضاً لم
يُشب ، وقد حدَّثكم أن أهل الكتاب بدّلوا كتابَ الله وغيّروه ، وكتبوا بأيديهم الكتاب وقالوا : هو من عند
الله ليشتروا به ثمناً قليلاً ، ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم؟ لا والله ما رأينا منهم رجلاً يسألكم
عن الذي أُنزل عليكم » .
وروى ابن جرير عن عبد الله بن مسعود أنه قال : لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم
وقد ضلوا ، إما أن تكذبوا بحق أو تصدقوا بباطل . والله أعلم .
في ب : هو أيضاً .
(١)
(٢)
في ب : من الحق .
صحيح البخاري رقم (٧٣٦١)، في الاعتصام، باب قول النبي ◌َّر: ((لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء)).
(٣)
رقم ( ٧٣٦٣ ) .
(٤)