النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
ذكر أُمَّتَيْ يأجوج ومأجوج
عند اقتراب خروجهم، كما هو المروي عن كعب الأحبار، أو يكون المراد بقوله: ﴿ وَمَا أُسَتَطَعُوْ لَهُ نَقْبًا﴾
أي : نافذاً منه ، فلا ينفي أن يلحسوه ولا ينفذوه . والله أعلم .
وعلى هذا فيمكن الجمع بين هذا وبين ما في (( الصحيحين )) عن أبي هريرة (( فُتح اليومَ من ردم يأجوج
ومأجوج مثل هذه )) وعقد تسعين ، أي : فتح فتحاً نافذاً فيه . والله أعلم .
* * *

٣٢٢
قصة أصحاب الكهف
قصّة أصحاب الكهف
قال الله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَبَ اُلْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُواْ مِنْ ءَايَتِنَا عَجَبًا (٤) إِذْأَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ
فَقَالُواْ رَبَّنَا ءَائِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (٤) فَضَرَبْنَا عَلَىَّءَإذَانِهِمْ فِ الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (١) ثُمَّ بَعَثْنَهُمْ
لِنَعْلَمَ أَىُّ الْخِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُواْ أَمَدًا (١٦) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم ◌ِآلْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةُ ءَامَنُواْ بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَهُمْ هُدَى (١) وَرَبَطْنَا
عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْقَامُواْ فَقَالُواْرَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ لَن تَّدْعُوَاْ مِن دُونِهِ: إِلَهَا لَّقَدْ قُلْنَا إِذَا شَطَطًا (١٤) هَؤُلاءِ قَوْمُنَا أَّخَذُواْ
مِن دُونِهِ ءَالِهَةً لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍّ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (١٥) وَإِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا
يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأُوُواْ إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِّن رَحْمَتِهِ، وَيُّهَبِىْ لَكُ مِّنْ أَمْرِكُمْ مِّرْفَقًا (١) ﴾ وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت
تَّزَوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت نَّفْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِىِ فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ ءَايَتِ الَّهِ مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ
الْمُهْتَّدِّ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيَّا مُرْشِدًا (١)] وَتَحْسَبُهُمْ أَيْفَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِيُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِّ
وَكَلْبُهُم بَسِطُ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ الطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا (١) وَكَذَلِكَ بَعَتْنَهُمْ
لِيَتَسَآءَلُواْ بَينَهُمّ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لِثْتُمْ قَالُوْلَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُواْ رَبُكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَأَبْعَثُواْ أَحَدَكُمْ
بِوَرِقِكُمْ هَذِهٍِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَ أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَ بِكُمْ أَحَدًا
إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيِّدُوكُمْ فِى مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوْاْ إِذَا أَبَدًا ﴿ وَكَذَلِكَ أَعْتَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُواْ
أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَزَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا آبَنُواْ عَلَيْهِم بُنْيَّا رَّبُهُمْ أَعْلَمُ بِهِمَّ قَالَ الَّذِينَ
غَلَبُواْ عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (١) سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَمَا
بِالْغَيْبِّ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُل رَّبِّ أَعْلَمُ بِعِدَتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِلٌ فَلَا تُمَارٍ فِيهِمْ إِلَّا مِرَآءَ ظَاهِرًا وَلَا
تَسْتَفْتِ فِيهِمِ مِنْهُمْ أَحَدًا (٦) وَلَا نَقُولَنَّ لِشَأَىْءٍ إِنِّ فَاعِلٌ ذَلِكَ عَدَّأْ [َ) إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ وَأَذْكُرُ رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتٌّ وَقُلِّ
عَسَىّ أَنْ يَهْدِيَنِ رَبٍ لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (١٦) وَلَبِثُواْ فِ كَهْفِهِمْ ثَثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَأَزْدَادُ واْ تِسْعًا (٢) قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَالَبِنُواْ
لَهُ غَيْبُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ أَبْصِرْ بِهِ، وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ، مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِىِ حُكْمِهِ: أَحَدًا ﴾ [الكهف : ٩ -
٢٦ ] .
كان سبب نزول قصّة أصحاب الكهف وخبر ذي القرنين ما ذكره محمد بن إسحاق في (( السيرة)(١)
وغيره أن قريشاً بعثوا إلى اليهود يسألونهم عن أشياء يمتحنون بها رسول الله وَ له ويسألونه عنها ليختبروا
ما يجيب به فيها ، فقالوا : سلوه عن أقوام ذهبوا في الدهر فلا يُدرَى ما صنعوا ، وعن رجل طوّافٍ في
الأرض، وعن الروح. فأنزل الله تعالى: ﴿ وَيَسَْلُونَكَ عَنِ الرُّوحُ﴾ [الإسراء: ٨٥]. ﴿ وَيَسْئَلُونَكَ عَن ذِى
(١) السيرة النبوية (٢٠٢).

٣٢٣
قصة أصحاب الكهف
اٌلْقَرْنَيْنِ﴾ [الكهف: ٨٣]، وقال هاهنا ﴿ أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَبَ اُلْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُواْ مِنْ ءَايَتِنَا ◌َجَبًا ﴾ أي
ليسوا بعجب عظيم بالنسبة إلى ما أطلعناك عليه من الأخبار العظيمة والآيات الباهرة والعجائب الغريبة .
والكهف : هو الغار في الجبل . قال شُعيب الجَبَائيُ(١): واسم كهفهم حَيزم .
وأما الرَّقيم ، فعن ابن عباس أنه قال : لا أدري ما المراد به . وقيل : هو الكتاب المرقوم فيه
أسماؤهم وما جرى لهم ، كُتِبَ من بعدهم ، اختاره ابن جرير(٢) وغيره . وقيل : هو اسم الجيل الذي فيه
كهفهم . قال ابن عباس وشعيب الجَبَائي واسمه بنجلوس(٣) . وقيل : هو اسم وادٍ عند كهفهم . وقيل :
اسم قرية هنالك . والله أعلم .
قال شعيب الجَبَائي : واسم كلبهم حَمران .
واعتناء اليهود بأمرهم ومعرفة خبرهم يدل على أن زمانهم متقدِّم على ما ذكره بعض المفسرين أنهم كانوا
بعد المسيح ، وأنهم كانوا نصارى . والظاهر من السياق أن قومهم كانوا مشركين يعبدون الأصنام . قال كثير
من المفسرين (٤) والمؤرخين وغيرهم كانوا في زمن ملك يقال له: دقيانوس ، وكانوا من أبناء الأكابر . وقيل:
من أبناء الملوك . واتفق اجتماعهم في يوم عيدٍ لقومهم، فرأوا مايتعاطاه قومُهم من السجود للأصنام والتعظيم
للأوثان ، فنظروا بعين البَصِيرة ، وكشف الله عن قلوبهم حجابَ الغفلة، وألهمَهم رشدهم ، فعلموا أن قومهم
ليسوا على شيء ، فخرجوا عن دينهم ، وانتموا إلى عبادة الله وحده لا شريك له . ويقال : إن كل واحد منهم
لما أوقع الله في نفسه ما هداه إليه من التوحيد انحاز عن الناس ، واتفق اجتماع هؤلاء الفتية في مكانٍ واحد ،
كما صحّ في البخاريّ(٥) ((الأزواحُ جُنودٌ مُجَنَّدَةٌ فَمَا تَعارَفَ مِنها انْتَلَفَ وما تنَاكَرَ مِنها اخْتَلَفَ)) ، ( فكلٌّ منهم
سأل الآخر عن أمره وعن شأنه فأخبره ما هو عليه ، واتفقوا على الانحياز عن قومهم (٦) والتبرّي منهم ،
والخروج من بين أظهرهم ، والفرار بدينهم منهم ، وهو المشروع حال الفِتن وظهور الشرور .
قال الله تعالى ﴿ فَّحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِآلْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةُ ءَامَنُواْ بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَهُمْ هُدَى (١) وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ
قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُواْ مِن دُونِهِ: إِلَهَا لَّقَدْ قُلْنَآ إِذَا شَطَطًا (١٤) هَؤُلاءِ قَوْمُنَا أَتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ:
ءَالِهَةً لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِنِّ ﴾ أي: بدليلٍ ظاهرٍ على ما ذهبوا إليه وصاروا من الأمر عليه
الجَبَائي : نسبة إلى جَبَاء ، جبل باليمن .
(١)
(٢)
تفسير الطبري ( ١٣١/١٥ - ١٣٢ ) .
(٣)
كذا في الأصول ، وفي تفسير أيضاً . وفي ط : بنا جلوس .
(٤)
تفسير الطبري ( ١٣٢/٥١) وما بعدها .
رواه البخاري معلقاً رقم (٣٣٣٦)، في الأنبياء ، باب الأرواح جنود مجندة ، وقد وصله البخاري في الأدب
(٥)
المفرد ، وقد وصله مسلم رقم (٢٦٣٨) وأبو داود رقم (٤٨٣٤) وغيرها .
(٦) سقطت من ب .

٣٢٤
قصة أصحاب الكهف
﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنِ افْتَرَى عَلَى اَللَّهِ كَذِبًا فِ، وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّ اللَّهَ﴾ أي وإذ فارقتموهم في دينهم
وتبرَّأتم مما يعبدون من دون الله، وذلك لأنهم كانوا يشركون مع الله كما قال الخليل: ﴿إِنَّتِى بَرَآءٌ مِّنَا
تَعْبُدُونَ {لَ إِلَّا الَّذِى فَطَرَبِ فَإِنَّهُ سَيَهْدِينٍ﴾ [ الزخرف: ٢٦ -٢٧] وهكذا هؤلاء الفتية قالوا بعضهم بعض١ً): إذ
قد فارقتم قومكم في دينهم(٢) فاعتزلوهم بأبدانكم لتسلموا منهم أن يوصلوا إليكم شراً ﴿ فَأُوُواْ إِلَى الْكَهْفِ
يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِّن رَّحْمَتِهِ. وَيُهَِّى لَكُمْ مِّنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا﴾ أي: يُسْبِلْ عَلَيْكُم ستره وتكونوا تحت حفظه وكنفه
ويجعل عاقبةَ أمركم إلى خيرٍ ، كما جاء في الحديث («اللهُمَّ أحسن عاقِبَتَنا في الأُمورِ كُلِّها، وأَجِرْنا مِن
خزي الدُّنيا ومِن عذابِ الآخرة (٣)
ثمّ ذكر تعالى صفة الغار الذي أووا إليه ، وأن بابه موجَّه إلى نحو الشمال ، وأعماقه إلى جهة القبلة ،
وذلك أنفع الأماكن أن يكون المكان قبلياً وبابه نحو الشمال، فقال: ﴿﴿ وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَوَرُ ﴾
وقُرِىء(٤) ﴿ تَزْوَرُ عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال﴾ فأخبر أن الشمس - يعني في
زمن الصيف وأشباهه ــ تشرق أوَّل طلوعها في الغار في جانبه الغربي ، ثم تشرع في الخروج منه قليلاً
قليلاً، وهو ازورارُها ذاتَ اليمينُ(٥) فترتفع في جو السماء وتتقلص عن باب الغار ، ثم إذا تضيَّفت
للغروب تشرع في الدخول فيه من جهته الشرقية قليلاً قليلاً إلى حين الغروب ، كما هو المشاهد بمثل هذا
المكان، والحكمة في دخول الشمس إليه في بعض الأحيان أن لا يفسد هواؤه ﴿وَهُمْ فِى فَجْوَةٍ مِنْهَ ذَلِكَ مِنْ
ءَايَتِ اللَّهِ﴾ أي: بقاؤهم على هذه الصفة دهراً طويلاً من السنين لا يأكلون ولا يشربون ولا تتغذّى
أجسادهم في هذه المدة الطويلة من آيات الله وبرهان قدرته العظيمة .
﴿ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَّدِّ وَمَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (١) وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾ قال
بعضهم : لأن أعينهم مفتوحة لئلا تفسد بطول الغمض .
﴿ وَنُقَلِّيُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ ﴾ قيل: في كل عام يتحوَّلون مرةً من جنب إلى جنب ، ويحتمل
أكثر من ذلك . فالله أعلم .
وَكَلْبُهُمْ بَسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ (قال شُعيب الجَبَائي: اسم كلبهم حَمْران. وقال غيره: الوصيد(٦) :
(١) كذا العبارة في أوب: قالوا بعضهم بعضاً. وفي ط : قال بعضهم إذ. وهو الأصح.
(٢)
في ب : دينكم .
أخرجه أحمد في مسنده (١٨١/٤) من حديث بسر بن أرطاة عن رسول الله وَله، وبسر مختلف في صحبته، والصحيح
(٣)
أنه ولد قبل وفاة النبي ◌َّله بسنتين، وذكر ابن معين أنه كان رجل سوء، وقال ابن عدي: مشكوك في صحبته، وله
أفعال قبيحة معروفة (وينظر تحرير التقريب ١٦٩/١)، فالثابت أنه لم يسمع النبي ◌َّر.
(٤)
هي قراءة ابن عامر . الحجة لابن زنجلة ( ٤١٣).
(٥)
في ب : الشمال وهو سهو .
(٦) سقطت من ب بنقلة عين .

٣٢٥
قصة أصحاب الكهف
أُسْكُفَّةُ الباب(١) . والمراد أن كلبهم الذي كان معهم وصَحِبَهم حال انفرادهم من قومهم لزمهم ولم يدخل
معهم إلى الكهف ، بل رَبَض على بابه ووضع يديه على الوصيد ، وهذا من جملة أدبه ومن جملة ما أُكرِموا
به ، فإن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلب ، ولما كانت التبعية مؤثرة حتى كان في كلب هؤلاء صار باقياً
معهم ببقائهم ، لأن من أحبَّ قوماً سَعِد بهم ، فإذا كان هذا في حق كلبٍ فما ظنك بمن تبع أهل الخير وهو
أهل للإكرام .
وقد ذكر كثير من القصاص والمفسرين لهذا الكلب نبأً وخبراً طويلاً أكثره متلقَّى من الإسرائيليات ،
وكثير منها كَذِبٌ ومما لا فائدة فيه ، كاختلافهم في اسمه ولونه ٢) .
وأما اختلاف العلماء في محلّة هذا الكهف ، فقال كثيرون : هو بأرض أيلة . وقيل : بأرض نينوى .
وقيل : بالبلقاء . وقيل : ببلاد الروم ، وهو أشبه والله أعلم .
ولما ذكر الله تعالى ما هو الأنفع من خبرهم والأهم من أمرهم ، ووصف حالهم حتى كأن السامع راءٍ
والمخبر مشاهِدٌ لصفة كهفهم ، وكيفيتهم في ذلك الكهف ، وتقلّبهم من جنب إلى جنب ، وأن كلبهم
باسط ذراعيه بالوصيد ، قال: ﴿لَوِ أَطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِثْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا ﴾ أي: لِما عليهم من
المهابة والجلالة في أمرهم الذي صاروا إليه . ولعلّ الخطاب هاهنا لجنس الإنسان المخاطَب
لا بخصوصية الرسول وَ ل ﴿، كقوله: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ [التين: ٧] أي: أيّها الإنسان، وذلك لأن
طبيعة البشرية تنفر من رؤية الأشياء المهيبة غالباً ، ولهذا قال: ﴿لَوِ أَطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ
مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ ودلَّ على أن الخبر ليس كالمعاينة، كما جاء في الحديث (٣)، لأن الخبر قد حصل ولم
يحصل الفرار ولا الرعب .
ثمّ ذكر تعالى أنه بعثهم من رقدتهم بعد نومهم بثلاثمئة سنة وتسع سنين ، فلما استيقظوا قال بعضهم
لبعض: ﴿كَمْ لَبِثْتُمٌ قَالُوْلِتْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُواْرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِئْتُمْ فَأَبْعَثُواْأَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ.
إِلَى الْمَدِينَةِ ﴾ أي : بدراهمكم هذه ، يعني التي معهم ، إلى المدينة ، ويقال : كان اسمها دفسوس ،
﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا﴾ أي: أطيب مالا ﴿ فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِّنْهُ ﴾ أي: بطعام تأكلونه، وهذا من زهدهم
وورعهم ﴿ وَلْيَتَطَّفْ﴾ أي في دخوله إليها ﴿ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (١) إَِهُمْ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ
يُعِيدُوكُمْ فِ مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُواْ إِذَا أَبَدًا﴾ أي: إن عُدتم في ملتهم بعد إذ أنقذكم الله منها، وهذا كله
لظنهم أنهم رقدوا يوماً أو بعضَ يومٍ أو أكثر من ذلك ، ولم يحسِبوا أنهم قَدْ رقدوا أَزْيَدَ من ثلاثمئة سنة ،
(١) أُسْكِفَّة الباب : خشبته التي يوطأ عليها ، وقيل عتبته .
(٢) تفسير الطبري ( ١٤٢/٥) .
(٣) رواه أحمد في مسنده رقم (١٨٤٢) و(٢٤٤٧) وابن حبان رقم (٦٢١٣) وهو حديث صحيح .

٣٢٦
قصة أصحاب الكهف
وقد تبدَّلت الدول أطواراً عديدةً ، وتغيّرت البلاد ومن عليها ، وذهب أولئك القرن الذين كانوا فيهم ،
وجاء غيرُهم، وذهبوا وجاء غيرهم، ولهذا لما خرج أحدُهم وهو تيذوسيسُ(١) فيما قيل ، وجاء إلى
المدينة متنكراً لئلا يعرفه أحد من قومه فيما يحسبه تنكرت له البلاد واستنكره من يراه من أهلها واستغربوا
شكله وصفته ودراهمه ، فيقال : إنهم حملوه إلى متولِّيهم وخافوا من أمره أن يكون جاسوساً أو تكون له
طوية(٢) يخشون من مضرتها فيقال : إنه هرب منهم . ويقال : بل أخبرهم خبرَه ومن معه وما كان من
أمرهم ، فانطلقوا معه ليُريهم مكانَهم ، فلما قربوا من الكهف دخل إلى إخوانه فأخبرهم حقيقة أمرهم
ومقدار ما رقدوا ، فعلموا أن هذا أمرٌ قدَّره الله ، فيقال : إنهم استمرُّوا راقدين ، ويقال : بل ماتوا بعد
ذلك .
وأما أهل البلدة ٣) فيقال: إنهم لم يهتدوا إلى موضعهم من الغار، وعمَّى الله عليهم أمرهم ،
ويقال : لم يستطيعوا دخوله حِسّاً ، ويقال : مهابةً لهمُ(٤) .
واختلفوا في أمرهم: فقائلون يقولون: ﴿أَبْنُواْ عَلَيْهِم بُنْيَتًا﴾ أي: سدُّوا عليهم بابَ الكهف لئلا
يخرجوا أو لئلا يصلَ إليهم ما يؤذيهم ، وآخرون ، وهم الغالبون على أمرهم ، قالوا : ﴿ لَنَتَّخِذَنَ عَلَيْهِم
مَسْجِدًا﴾ أي: معبداً يكون مباركاً لمجاورته هؤلاء الصالحينُ(٥) . وهذا كان شائعاً فيمَن كان قبلنا ، فأما
في شَرْعنا، فقد ثبت في ((الصحيحين)) عن رسول الله وَّل أنه قال: ((لَعَنَ اللهُ اليهودَ والنصارَى اتّخذُوا
قبورَ أنبيائهم مساجدَ )) يُحذِّرُ ما فعلواً) .
وأما قوله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ أَعْثَرَنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُواْأَنَ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ ( فمعنى
أعثرنا : أطلعنا على أمرهم الناس . قال كثير من المفسرين : ليعلم الناسُ أن المعاد حقٌّ وأن الساعة
(١) كذا في الأصول. وقد ذكر ابن جرير في تفسيره ( ١٤٣/١٥ و ١٤٤). أن تيذوسيس هو الملك الذي كان حاكماً
وقتئذٍ ، أما الفتى الذي أرسله أصحابه من الكهف فهو يمينحا . كما ذكر وفي بعض النسخ : يمليخا .
(٢)
في ط : صولة . وهو تحريف .
(٣)
في ب : القرية .
تفسير الطبري ( ١٤٢/١٥) . وما بعدها .
(٤)
أشار الطبري إلى أن قائلي هذا الرأي مختلف فيهم ، فقيل : هم المسلمون ، وقيل : هم الكفار . تفسيره
(٥)
( ١٤٩/١٥) .
أخرجه البخاري: برقم ( ٤٣٥ - ٤٣٧)، في الصلاة، باب ( ٥٥) (الصلاة في البيعة)، ورقم (١٣٣٠)، في
(٦)
الجنائز، باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور، ورقم ( ١٣٩٠) باب ما جاء في قبر النبي وَّر ، من طريق
عائشة رضي الله عنها ، ومسلم ( ٥٣٠) و(٥٣١) في المساجد ، باب النهي عن بناء المساجد على القبور ،
وقوله : يحذر ما فعلوا . ورد في فتح الباري (٥٣٢/١) وفيه . وقوله : يحذر ما صنعوا جملة أخرى مستأنفة من
كلام الراوي ، كأنه سئل عن حكمة ذكر ذلك في ذلك الوقت فأجيب بذلك .

٣٢٧
قصة أصحاب الكهف
لا ريب)١) فيها إذا علموا أن هؤلاء القوم رقدوا أزيد من ثلاثمئة سنة ثمّ قاموا كما كانوا من غير تغير
منهم ، فإن من أبقاهم كما هُم قادرٌ على إعادة الأبدان وإن أكلتها الديدان ، وعلى إحياء الأموات وإن
صارت أجسامهم وعظامهم رُفاتاً، وهذا مما لا يشك فيه المؤمنون(٢) ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُ: إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ
كُنْ فَيَكُونُ﴾ [ يس: ٨٢] .
هذا ويحتمل عود الضمير في قوله: ﴿لِيَعْلَمُوَأْ﴾ إلى أصحاب الكهف، إذ علْمُهم بذلك من أنفسهم
أبلغ من علم غيرهم بهم . ويحتمل أن يعود على الجميع . والله أعلم .
ثمّ قال تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَثَةٌ رَّبِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَبْمًا بِالْغَيْبِّ وَيَقُولُونَ
سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ فذكر اختلافَ الناس في كميتهم، فحكى ثلاثة أقوال وضعّف الأوَّلْيْنِ وقرَّر
الثالثَ ، فدلّ على أنه الحقُّ ، إذ لو قيل غير ذلك لحكاه ، ولو لم يكن هذا الثالث هو الصحيح لوهَّاه ،
فدلّ على ما قلناه(٣). ولمّا كان النزاع في مثل هذا لا طائل تحته ولا جدوى عنده أرشد نبيه وَ له إلى الأدب
في مثل هذا الحال إذا اختلف الناس فيه أن يقول: الله أعلم. ولهذا قال: ﴿ قُل رَّبِّ أَعْلَمُ بِعِدَتِهِم﴾.
وقوله: ﴿ مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ أي: من الناس. ﴿ فَلَ ثُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِّءَ ظَاهِرًا ﴾ أي: سَهلا،
ولا تتكلف أعمال الجدال في مثل هذا الحال ولا تَسْتَفْتِ في أمْرِهم أحداً من الرجال . ولهذا أبهَم
الله تعالى عدَّتَهم في أوَّلِ القِصة فقال: ﴿ إِنَّهُمْ فِتْيَةُ ءَامَنُواْ بِرَبِّهِمْ﴾ ولو كان في تعيُّن عدَّتهم كبير فائدة
لذكرها عالم الغيب والشهادة .
وقوله تعالى: ﴿ وَلَا نَقُولَنَّ لِشَأَىْءٍ إِنِّ فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًّاً (بَ إِلَّ أَنْ يَشَآءَ اللَّهُ وَأَذْكُرُ رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتٌّ وَقُلْ عَسَمى
أَن يَهْدِيَنِ رَبٍِ لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ أدب عظيم أرشده الله تعالى إليه وحَثّ خلقه عليه، وهو ما إذا قال
أحدهم : إني سأفعل في المستقبل كذا ، فيشرع له أن يقول : إن شاء الله ، ليكون ذلك تحقيقاً لعزمه ، لأن
العبدَ لا يعلم ما في غدٍ ، ولا يدري أهذا الذي عَزَم عليه مقدَّرٌ أم لا ، وليس هذا الاستثناء تعليقاً وإنما هو
الحقيقي ، ولهذا قال ابن عباس إنه يصح إلى سنة (٤) ولكن قد يكون في بعض المحال لهذا ، ولهذا كما
تقدّم في قصّة سليمان عليه السلام(٥) حين قال: لأطوفنَّ الليلةَ على سبعين(٦) امرأةً تلد كل
(١) سقطت من ب بنقلة عين .
(٢) تفسير الطبري (١٤٩/١٥)، وتفسير ابن كثير (٧٧/٣).
(٣) وهذا رأي ابن عباس رضي الله عنه. كما في تفسير الطبري (١٥/ ١٥٠)، وابن كثير ( ٧٨/٣).
أي يصح أن يستثني ولو تذكر إلى سنة ، وقول ابن عباس في الرجل يحلف ، قال له أن يستثني ولو إلى سنة . أورده
(٤)
الطبري في تفسيره ( ١٥١/١٥)، وابن كثير (٧٩/٣).
تقدم في الصفحة ( ١٩١ ) من هذا الجزء . وتخرج الحديث ثمة .
(٥)
(٦) في ب : تسعين ، وهي رواية أيضاً .

٣٢٨
قصة أصحاب الكهف
واحدة١ً) منهنَّ غلاماً يقاتل في سبيل الله . فقيل له : قل : إن شاء الله ، فلم يقل ، فطاف فلم تلد منهن إلا
امرأةٌ واحدةٌ نصف إنسان . قال رسول الله بَّه: ((والذي نَفْسِي بِيَدِهِ لو قالَ: إنْ شَاءَ اللهُ، لم يَحْنَثْ وكانَ
دركاً لحاجته )) .
وقوله : ﴿ وَأَذْكُرُ رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتٌ﴾ وذلك لأن النسيان قد يكون من الشيطان ، فذِكْرُ الله يطرده عن
القلب فیذکر ما كان قد نسيه .
وقوله: ﴿ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِ لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ أي: إذا اشْتبه أمرٌ وأشكَلَ حالٌ والتبس أقوالُ
الناس في شيءٍ فارغب إلى الله يُيسّره لك ويسهّله عليك .
ثمّ قال تعالى: ﴿ وَلَبِثُواْ فِ كَهْفِهِمْ ثَثَ مِاْنَةٍ سِنِينَ وَأَزْدَادُواْ تِسْعًا﴾ . لما كان في الإخبار بطول مدة
لبثهم فائدة عظيمة ذَكَرها تعالى ، وهذه التسع المزيدة بالقمرية وهي لتكميل ثلاثمئة شمسية ، فإن كل مئة
قمرية تنقص عن الشمسية ثلاث سنين . ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِئُواْ﴾ أي: إذا سُئِلْتَ عن مثل هذا وليس عندك
في ذلك نقلٌ ، فرُدَّ الأمرَ في ذلك إلى الله عزَّ وجلَّ ﴿لَهُ غَيْبُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ ﴾ أي هو العالم بالغيب فلا
يُطلع عليه إلا من شاء من خلقه ﴿أَبْصِرُ بِهِ، وَأَسْمِعْ﴾ يعني أنه يضع الأشياء في مَحالّها لعلمه التام بخلقه
وبما يستحقونه .
ثم قال: ﴿ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ، مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِى حُكْمِهِ، أَحَدًا﴾ أي: ربك المنفرد بالملك
والمتصرف (٢) وحدَه لا شريك له .
##
(١)
في ب : امرأة .
(٢) في ط : المنصرف . وهو تصحيف .

٣٢٩
قصة الرجلين المؤمن والكافر
قصة الرجلين المؤمن والكافر
قال الله تعالى في سورة الكهف بعد قصة أهل الكهف: ﴿﴿ وَأَضْرِبْ لَهُمْ مَّثَلاَ تَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّنَيْنِ مِنْ
كِّنَا الْجَنََّيْنِ ءَانَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِ مِنْهُ شَيْئًأَ وَفَجَرْنَا خِلَهُمَا نَهَرَا الَّهُ وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ
أَعْتَبٍ وَحَفَقْنَهُما ◌ِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا
فَقَالَ لِصَحِبِهِ، وَهُوَ يُحَاوِّرُهُ أَنَاْ أَكْثَّرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًّا (٣) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، قَالَ مَآ أَطُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِةٍ
أَبَدًا (٢) وَمَآ أَظُنُّ السَّاعَةَ قَآئِمَةٌ وَلَبِن رُدِدْتُ إِلَى رَبِ لَأَجِدَنَ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا﴾ إلى قوله: ﴿هُنَالِكَ الْوَلَيَّةُ لِلَّهِ الْحَقّ
هُوَ خَيْرٌ ثَّوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾ [الآيات: ٣٢ - ٤٤].
قال بعض الناس : هذا مثل مضروب ولا يلزم أن يكون واقعاً . والجمهور أنه أمرٌ قد وقع .
وقوله: ﴿﴿ وَأَضْرِبْ لَمُ مَّثَلًا﴾ يعني لكفارِ قُريش في عَدَم اجتماعهم بالضعفاء والفقراء وازدرائهم بهم
وافتخارهم عليهم، كما قال تعالى: ﴿ وَأَضْرِبْ لَهُم ◌َثَلًا أَصْحَبَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَآءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ [ يس: ١٣]. كما
قدَّمنا١) الكلام على قصَّتهم قبل قصة موسى عليه السلام .
والمشهور أن هذين كانا رجلين مصطحبين ، وكان أحدُهما مؤمناً والآخر كافراً ، ويقال : إنه كان
لكل منهما مالٌ ، فأنفق المؤمن مالَه في طاعة الله ومرضاته ابتغاء وجهه ، وأما الكافر فإنه اتّخذ له بستانين ،
وهما الجنتان المذكورتان في الآية على الصفة والنعت المذكور ، فيهما أعنابٌ ونخيل تحفّ تلك الأعناب
والزروع في ذلك (٢)، والأنهار سارحةٌ هاهنا وهاهنا للسقي والتنزُّه، وقد استوثقت فيهما الثمار ،
واضطربت فيهما الأنهار ، وابتهجت الزروع والثمار ، وافتخر مالكُهما على صاحبه المؤمن الفقير قائلاً
لهِ: ﴿ أَنَاْ أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ أي أوسع(٣) جناناً. ومرادُه أنّه خيرٌ منه، ومعناه: ماذا أغنى عنكَ
إنفاقُك ما كنتَ تملكُه في الوجه الذي صرفتَه فيه ؟! كان الأولى بكَ أن تفعل كما فعلتُ لتكونَ مثلي ،
فافتخر على صاحبه ﴿ وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ،﴾ أي: وهو على غير طريقةٍ مرضية . قال:
﴿ مَا أُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾ وذلك لِما رأى من اتّساع أرضِها وكثرة مائها وحُسن نبات أشجارِها، ولو قد
بادت كلُّ واحدةٍ من هذه الأشجار لاستخلف مكانها أحسن منها ، وزروعها دارةٌ لكثرة مياهها .
ثمّ قال: ﴿ وَمَآ أَظُنُّ السَّاعَةَ قَآيِمَةً﴾ فَوَثِقَ بزهرة الحياة الدنيا الفانية وكذّب بوجود الآخرة الباقية
الدائمة. ثمّ قال: ﴿ وَلَبِن رُّدِدْتُ إِلَى رَبِّ لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا ﴾ أي: وَلَئن كان ثَمَّ آخرةٌ ومعادٌ فلأجدنَّ
هنالكَ خيراً من هذا ، وذلك لأنه اغترَّ بدنياه واعتقد أن الله لم يعطه ذلك فيها إلّا لحبهٍ له وحظوته عنده ،
في آخر الجزء الأول من هذا الكتاب .
(١)
(٢) في ب : والزرع في خلال ذلك ..
زاد في ب : وأينع .
(٣)

٣٣٠
قصة الرجلين المؤمن والكافر
كما قال العاص بن وائل فيما قَصَّ الله من خبره وخبر خَبَّاب بن الأرَتُ(١) في قوله: ﴿أَفَرَءَيْتَ الَّذِى كَفَرَ
بَِايَِّنَا وَقَالَ لَأُوتَيْنَ مَالَا وَوَلَدًا فَ أَطَلَعَ الْغَيْبَ أَمِ أَتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٧٧ -٧٨].
وقال تعالى إخباراً عن الإنسان إذا أنعم الله عليه: ﴿لَيَقُولَنَّ هَذَا لِى وَمَآ أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَإِن رُّجِعْتُ إِلَى
رَبِّ إِنَّ لِ عِندَهُ لَلْحُسْنَى﴾ قال الله تعالى: ﴿فَلَيْنَتَِّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ ﴾
[ فصلت : ٥٠ ] .
وقال قارون ﴿ إِنَّمَا أُوتِتُّهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِيَّ﴾ أي: لعلم الله بي أنّي أستحقه، قال الله تعالى ﴿ أَوَلَمْ يَعْلَمْ
أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ، مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْئَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ﴾
[ القصص : ٧٨ ] .
وقد قدمنا الكلام على قصته في أثناء قصّة موسى(٢) .
وقال تعالى: ﴿ وَمَآ أَمْوَلُكُمْ وَلَا أَوْلَدُكُمْ بِالَّتِى تُقَرِّيَّكُمْ عِندَنَا زُ لْفَى إِلَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَآءُ الْضِّعْفِ
بِمَا عَمِلُواْ وَهُمْ فِ الْغُرُفَتِ ءَامِنُونَ﴾ [ سبأ: ٣٧].
وقال تعالى: ﴿ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُهُر ◌ِهِ، مِن قَالٍ وَبِيِنٌّ (﴿) شَُّارِعُ لَمْ فِ الْخَيْرَبِّ بَل لَّا يَشْعُرُونَ﴾ [ المؤمنون : ٥٥ -
٥٦ ] .
ولما اغتر هذا الجاهل بما خُوِّل به في الدنيا فجحد الآخرة وادّعى أنها إن وجدت لَيَجدنَّ عند ربّه خيراً
مما هو فيه. وسمعَه صاحبُه يقول ذلك قال له ﴿وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾ أي: يجادله: ﴿أَكَفَرَتَ بِالَّذِى خَلَقَكَ مِن
تُرَابٍ ثُمَّ مِن تُطْفَةٍ ثُمَّ سَوََّكَ رَجُلًا﴾ أي: أَجَحَدْتَ(٣) المَعَادَ وأنت تعلم أن الله خلقك من تراب ، ثمّ من نطفة ،
ثمّ طوَّر(٤) أطواراً حتى صِرت رجلاً سوياً سميعاً بصيراً ، تعلم وتبطش وتفهم ، فكيف أنكرت المعاد
والله قادرٌ على البداءة. ﴿لَّكِنَّأْ هُوَ اَللَّهُ رَبِى﴾ أي: لكن أنا أقول بخلاف ما قلتَ، وأعتقد خلافَ معتقدكَ
﴿ هُوَ اللَّهُ رَبِ وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّ أَحَدًا﴾ أي: لا أعبد سِواه ، وأعتقد أنه يبعث الأجساد بعد فَنائها، ويعيد
الأموات ، ويجمع العظام الرُّفات ، وأعلم أنَّ الله لا شريك له في خلقه ولا في ملكه ، ولا إلّه غيره .
ثم أرشده إلى ما كان الأولى به أن يسلكه عند دخول جنته فقال: ﴿ وَلَوْلَآ إِذْدَ خَلْتَ جَنَّنَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ اللَّهُ
لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ ولهذا يُسْتحَب لكلِّ من أعجبه شيءٌ من ماله أو أهله أو حاله أن يقول كذلك ، وقد ورد فيه
حديثٌ مرفوعٌ ، في صحته نظر .
(١) تفصيل الخبر وسبب نزول هذه الآية في تفسير الطبري (١٦ / ٩١).
(٢)
في أول هذا الجزء .
في ب : جحرت .
(٣)
في ط : صورك .
(٤)

٣٣١
قصة الرجلين المؤمن والكافر
قال أبو يعلى الموصلي: حدَّثنا جَرَّاح بن مَخْلد (١) ، حدّثنا عمر بن يونس (٢) ، حدّثنا عيسى بن
عون، حدّثنا عبد الملك بن زرارة، عن أنس قال: قال رسول الله وَّر: ((ما أنعَمَ اللهُ على عبدِ نِعمةً من
أهْلِ أو مالٍ أو ولدٍ فَيَقُولُ: ما شاءَ اللهُ لا قوة إلا بالله ، فيرى فيه آفة دون الموت )(٣) . وكان يتأول هذه
الآية ﴿ وَلَوْلَآ إِذْ دَخَلْتَ جَنََّكَ قُلْتَ مَا شَآءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِالَّهِّ﴾ قال الحافظ أبو الفتح الأزدي : عيسى بن عونٍ
عن عبد الملك بن زرارة عن أنس لا يصح .
ثمّ قال المؤمن للكافر: ﴿فَعَسَى رَبِ أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًاً مِّنْ جَنَّئِكَ﴾ أي: في الدار الآخرة ﴿ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا
حُسْبَانًا مِّنَ السَّمَآءِ﴾. قال ابن عباس، والضحّاك، وقتادة: أي: عذاباً من السماء(٤) . والظاهر أنه
المطر المزعج الباهر الذي يَقْتَلِعُ زروعها وأشجارها ﴿ فَنُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ وهو الترابُ الأملس الذي
لا نبات فيه(٥) ﴿ أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْرًا﴾ وهو ضد المَعِين السارح ﴿ فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ يعني فلا تقدر
على استرجاعه .
قال الله تعالى: ﴿ وَأُحِيطَ بِشَرِهِ،﴾ أي: جاءه أمرٌ أحاط بجميع حواصله وخَرَّب جنته ودمّرها
﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَآ أَنْفَقَ فِيَهَا وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ أي: خربت بالكُلّية فلا عودَة لها ، وذلك ضد
ما كان عليه أَمَّل حيث قال (٦): ﴿ مَآ أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِةٍ أَبَدًا﴾ وندم على ما كان سلف منه من القول الذي كفر
بسببه بالله العظيم فهو يقول: ﴿ يَلَيْنَنِى لَمْ أُشْرِكِ بِرَبِّ أَحَدًا ﴾ .
قال الله تعالى: ﴿ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ فِئَةٌ يَنَصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (٦) هُنَالِكَ﴾ أي: لم يكن أحد يتدارك
ما فرط من أمره ، وما كان له قدرة في نفسه على شيءٍ من ذلك، كما قال تعالى: ﴿ فَالَهُ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصٍِ ﴾
[الطارق: ١٠] وقوله: ﴿اُلّوَلَيَّةُ لِلَّهِ الْحَقّ﴾. ومنهم من يبتدىء بقوله: ﴿هُنَالِكَ الْوَلَيَّةُ للَّهِ الْحَقّ﴾ وهو حَسَنٌ
أيضاً لقوله ﴿ اٌلْمُلْكُ يَوْمَيِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنَّ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَفِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٦] فالحكم الذي لا يُرَدُّ
(١) الجراح بن مخلد العجلي، ثقة، من الطبقة العاشرة، توفي نحو سنة (٢٠٥ هـ). تقريب التهذيب (١٢٦/١).
(٢) في ط : عمرو بن يوسف. وفي أ: عمر بن يوسف . وأثبت ما في ب ، وهو موافق لما في تفسير المؤلف
(٨٤/٣)، وعمر بن يونس اليمامي، من الطبقة التاسعة، وهو ثقة، توفي بعيد المئتين، قيل سنة (٢٠٦ هـ).
سير أعلام النبلاء (٤٢٢/٩)، وتقريب التهذيب (٦٤/٢) . ولعله التبس بعمرو بن يوسف مولى عثمان بن عفان
رضي الله عنه. الجرح والتعديل (٢٦٩/٦).
(٣) رواه أبو يعلى والبيهقي في شعب الإيمان ، من حديث أنس ، وفيه ضعف.
(٤) تفسير الطبري (١٠/ ١٦٣).
(٥) وقيل غير ذلك. تفسير الطبري (١٥/ ١٦٣).
(٦) في ب : ما كان أمل منها حيث ...

٣٣٢
قصة الرجلين المؤمن والكافر
ولا يُمانَع ولا يُغالَب في تلك الحال، وفي كل حال لله الحق، ومنهم من رفع ﴿الْحَقِّ﴾ جعله صفةً
للولاية، وهما متلازمتانُ(١).
وقوله: ﴿هُوَ خَيْرٌ نَّوَابًا وَخَيْرُّ عُقْبًا﴾ [ أي: معاملته خيرٌ لصاحبها ثواباً، وهو الجزاء، وخير عُقبا (٢).
وهو العاقبة في الدنيا والآخرة .
وهذه القصّة تضمنت أنه لا ينبغي لأحد أن يركن إلى الحياة الدنيا ، ولا يغترّ بها ولا يثق بها ، بل
يجعل طاعةَ اللّه والتوكُلَ عليه في كلّ حال نصب عينيه . وليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يديه .
وفيها : أن من قدَّم شيئاً على طاعة الله والإنفاق في سبيله عُذَّب به ، وربما سُلب منه معاملة له بنقيض
قصده .
وفيها : أن الواجب قبول نصيحة الأخ المشفق ، وأن مخالفته وبال ودَمار على من رد النصيحة
الصحيحة .
وفيها : أن الندامةَ لا تنفع إذا حانَ القدر ونفذ الأمر الحتم ، بالله المستعان وعليه التكلان .
(١) قراءة الرفع لأبي عمرو والكسائي، وقرأ الباقون بالكسر ، ورجح الطبري قراءة الكسر . تفسير الطبري
(١٦٤/١٥)، وحجة القراءات (٤١٨ -٤١٩)، والنشر (٣١١/٢).
(٢) زيادة من ط . سقطت من أوب . بنقلة عين.

٣٣٣
قصة أصحاب الجنة
قصّة أصحاب الجنّة
فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ
(١) وَلَا يَسْتَثْنُونَ
﴿ إِنَّا بَلَوْنَهُمْ كَمَا بَلَوْنَآَ أَصْحَبَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ
قال الله تعالى :
◌َ فَأَنْطَلَقُواْ وَهُمْ يَنَخَفَنُونَ إِنَّ أَنْ لََّ
فَتَنَدَوْأْ مُصْبِحِينٌّ (١٦) أَنِ أَعْدُواْ عَلَى حَرْئِكُمْ إِن كُمْ صَرِمِينَ
٢٠
وَهُمْ نَآئِمُونَ ﴿أَ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِمِ
يَدْخُلَنَّهَا أَلْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ ﴿ وَغَدَوْاْ عَلَى حَرْرٍ قَدِرِينَ (٢٢) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُواْ إِنَّا لَصَالُّونَ (٦) بَلْ نَحْنُ مَخْرُومُونَ (إِذَ
إِقَالَ أَوْسَطُهُمْ أَمْ أَقُل لَّكُمْلَوْلَا
تُسَبِّحُونَ (بَ قَالُواْ سُبْحَنَ رَبِّنَآَ إِنَّا كُنَا ظَلِمِينَ (
عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا
أَ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَىَ بَعْضٍ يَتَوَمُونَ (٣٥) قَالُواْ يَوَتِلَآ إِنَّا كُنَّا طَلِينَ
٢٩
خَيْراً مِّنْهَا إِنَّ إِلَى رَبِّنَا رَغِبُونَ
◌َ كَذَلِكَ الْعَذَابٌّ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَكْبُرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ [القلم: ١٧ -٣٣].
وهذا مثل ضربه الله لكفار قريش فيما أنعم به عليهم من إرسال الرسول العظيم الكريم إليهم ، فقابلوه
بالتكذيب والمخالفة(١)، كما قال تعالى: ﴿﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُواْ قَوْمَهُمْ دَارَ
اَلْبَوَارِ ﴿هَ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِنْسَ الْقَرَارُ﴾ [إبراهيم: ٢٨ -٢٩]. قال ابن عباس: هم كفار قريش ، فضرب
تعالى لهم مثلاً بأصحاب الجنة المشتملة على أنواع الزروع والثمار التي قد انتهت واستحقت أن تُجدَّ وهو
الصرام، ولهذا قال ﴿ إِذْأَقْتَمُواْ﴾ فيما بينهم ﴿لَيَصْرِمُتَّهَا﴾ أي: ليجذّنها وهو الاستغلال ﴿مُصْبِينَ﴾ [ أي:
وقت الصبح (٢) حيث لا يراهم فقيرٌ ولا محتاج فيعطوه شيئاً ، فحلفوا على ذلك ، ولم يستثنوا في
يمينهم ، فعجَّزهم الله وسلّط عليها٣) الآفة التي أحرقتها وهي السفعة التي اجتاحتها ولم تُبقِ بها شيئاً يُنْتَفَع
به، ولهذا قال: ﴿ فَطَافَ عَلَيْهَا طَابِقٌ مِّن رَّيِّكَ وَهُمْ نَآَيِمُونَ إِي فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِمِ﴾ أي: كالليل الأسود المنصرم من
الضياء ، وهذه معاملة بنقيض المقصود .
فَتَادَوْأُ مُصْبِحِينٌ﴾ أي: فاستيقظوا من نومهم فنادى بعضُهم بعضاً قائلين: ﴿أُغْدُواْ عَلَى حَرْئِّكُمْ إِنْ كُمُ
صَرِمِينَ﴾ أي باكروا إلى بستانكم فاصرموه قبل أن يرتفع النهار ويكثر السُؤَال ﴿فَانْطَلَقُواْ وَهُمْ يَنَخَفَنُونَ ﴾ أي
يتحدثون فيما بينهم خِفْيةً قائلين: ﴿لَّا يَدْخُلَّهَا أَلْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ﴾ أي: اتفقوا على هذا واشتوروا عليه
وَغَدَوْاْ عَلَى حَرْدٍ قَدِرِينَ﴾ أي: انطلقوا مُجدِّين في ذلك قادرين عليه مضمرين على هذه(٤) النية الفاسدة. وقال
عِكْرمة والشَّعْبي: ﴿وَغَدَوْ عَلَى حَرٍْ﴾ أي: غضب على (٥) المساكين(٦). وأبعد السُّدِّي في قوله: أن اسم
(١) زاد في ب : له .
(٢)
ليست في ب .
(٣)
في ب : عليهم .
في ب : .... عليه مصممين مصرين على هذه ..
(٤)
(٥)
في ب : من .
(٦) وقيل غير ذلك. تفسير الطبري (٢٩/ ٢٠ - ٢١)، وأمالي القالي (١/ ٧ -٨).

٣٣٤
قصة أصحاب الجنة
حرثهمُ(١) حرد ﴿ فَلَا رَأَوْهَا﴾ أي: وصلوا إليها ونظروا ما حصل (٢) بها وما قد صارت إليه من الصفة
المنكرة بعد تلك النضرة والحُسْن والبهجة، فانقلبت بسبب النية الفاسدة ، فعند ذلك ﴿قَالُواْ إِنَّا لَضَالُّونَ ﴾
أي: قد تهنا٣) عنها وسلكنا غير طريقها. ثمّ قالوا: ﴿بَلْ نَخْنُ مَخْرُومُونَ﴾ أي : بل عوقبنا بسبب سوء قصدنا
وحُرِمنا بركة حَرْثنا .
﴿ قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾، قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: هو أعدلهم وخيرهم(٤) ﴿أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِحُونَ ﴾
قيل : تستثنون ، قاله مجاهد والسُّدِّي وابن جرير(٥)) . وقيل : تقولون خيراً بدل ما قلتم من الشر .
{ قَالُواْ يَوَتِلَنَآ إِنَّا كُنَّا طَغِينَ ﴾، فندموا حيث
٣٠
◌ُهُمْ عَلَىَ بَعْضٍ يَتَلَوَمُونَ
فَأَقْبَلَ بَعْضُمُ
﴿ قَالُواْ سُبْحَنَ رَيْنَآَ إِنَّا كُنَّا ظَلِمِينَ
لا ينفعُ(٦) واعترفوا بالذنب بعد العقوبة وذلك حيث لا ينجع .
وقد قيل : إن هؤلاء كانوا إخوةً وقد ورثوا هذه الجنة من أبيهم وكان يتصدّق منها كثيراً ، فلما صار
أمرها إليهم استهجنوا أمر أبيهم وأرادوا استغلالها من غير أن يعطوا الفقراء شيئاً ، فعاقبهم الله أشد(٧)
العقوبة ، ولهذا أمر الله تعالى بالصدقة من الثمار وحَثَّ على ذلك يوم الجذاذ كما قال تعالى :
﴿ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِةٍ إِذَا أَثْمَرَ وَءَاتُوْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ،﴾ [الأنعام: ١٤١ ]ثمّ قيل : كانوا من أهل اليمن من قرية
يقال لها : ضَرَوَان(٨) . وقيل : من أهل الحبشة . والله أعلم(٩).
قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ الْعَذَابِّ﴾ أي: هكذا نعذّب من خالف أمرنا ولم يعطف على المحاويج من
خلقنا ﴿ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَكْبرُ﴾ أي أعظم وأحكم من عذاب الدنيا ﴿ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ﴾ .
وقصة هؤلاء شبيه بقوله تعالى: ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةً مُطْمَبِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِن كُلّ
مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ (١) وَلَقَدْ جَآءَ هُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ
فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَلِمُونَ﴾ [النحل: ١١٢ - ١١٣] قيل : هذا مثل مضروب لأهل مكة ،
وقيل (١٠) : هم أهل مكة أنفسهم ضربهم مثلاً لأنفسهم ولا ينافي ذلك . والله أعلم .
(١) في تفسير ابن كثير : (٤/ ٤٠٦): اسم قريتهم حرد .
(٢) في ب : ونظروا إلى ما .. ، وفي ط : ما حل .
(٣) في ط : نهينا .
(٤) تفسير الطبري (٢٩/ ٢٢) .
(٥) المصدر السابق .
(٦) زاد في ط : الندم .
(٧) في ب : هذه العقوبة .
(٨) ضروان : بليدة قرب صنعاء . ( معجم البلدان ) .
(٩) انظر تفسير الطبري (١٩/٢٩)، وتفسير النيسابوري على حاشيته، وتفسير المؤلف (٤٠٦/٤).
(١٠) زاد في ب : أنفسهم .

٣٣٥
قصة أصحاب أيلة الذين اعتدوا في سبتهم
قصّة أصحاب أيلة الذين اعتدوا في سبتهم
قال الله تعالى في سورة الأعراف: ﴿ وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْيَعْدُونَ فِی
الشَبْتِ إِذْ تَأْتِهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًاً وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمَّ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُواْ
يَفْسُقُونَ (٤) وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًّا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَنَّقُونَ(
فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَعِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ ﴿ فَلَمَا عَتَوْاْ
عَن مَّا تُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُنُواْ قِرَدَةً خَسِئِينَ﴾ [الأعراف: ١٦٣ - ١٦٦].
وقال تعالى في سورة البقرة: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ آَعْتَدَوْاْ مِنكُمْ فِى السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ فِرَدَّةً خَسِينَ
نَعَلْنَهَا نَكَلًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [٦٥-٦٦].
٦٥
وقال تعالى في سورة النساء: ﴿أَوْ نَّلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَبَ السَّبْتِّ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ﴾ [٤٧].
قال ابن عباس ومُجاهد وعِكْرمة وقَتادة والسُّدِّي وغيرُهم: هم أهل أيلةُ(١) . زاد ابن عباس بين مَدْين
والطُّور(٢)
قالوا : وكانوا متمسِّكين(٣) بدين التوراة في تحريم السبت في ذلك الزمان ، فكانت الحِيْتان قد أَلِفَتْ
منهم السكينة في مثل هذا اليوم ، وذلك أنه كان يحرّم عليهم الاصطياد فيه ، كذلك جميع الصنائع
والتجارات والمكاسب ، فكانت الحِيْتان في مثل يوم السبت يكثر غشيانها لمحلَّتهم من البحر ، فتأتي من
هاهنا وهاهنا ظاهرةً آمنةً مسترسلةً ، فلا يهيجونها ولا يذعرونها، ﴿ وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِهِرَّ﴾
وذلك لأنهم كانوا يصطادونها فيما عدا السبت .
قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَبْلُوهُم﴾ أي: نختبرهم بكثرة الحِيْتان في يوم السبت ﴿بِمَا كَانُواْ
يَفْسُقُونَ﴾ أي: بسبب فسقهم المتقدِّم .
فلما رأوا ذلك احتالوا على اصطيادها في يوم السبت بأن نصبوا الحبال والشباك والشُّصُوص(٤)
وحفروا الحُفَر التي يجري معها الماء إلى مصانع قد أعدوها إذا دخلها السمك لا يستطيع أن يخرج منها ،
ففعلوا ذلك في يوم الجمعة ، فإذا جاءت الحيْتان مُسترسلةً يوم السبت علقت بهذه المصايد ، فإذا خرج
معجم البلدان . وهي التي تسمى اليوم إيلات ، على الشاطىء الشمالي للبحر الأحمر جنوب فلسطين .
(١)
(٢)
تفسير الطبري ( ١/ ٢٦٢) .
(٣) في ب : مستمسكين .
الشُّصوص ، مفردها : شِصّ : وهي حديدة عقفاء يصاد بها السمك .
(٤)

٣٣٦
قصة أصحاب أيلة الذين اعتدوا في سبتهم
سبتُهم أخذوها ، فغضب الله عليهم ولَعَنَهم لِمَا احتالوا على خلاف أمره وانتهكوا محارمه بالحيل التي
هي ظاهرة للناظر ، وهي في الباطن مخالفةٌ مَحضَةٌ ، فلما فعل ذلك طائفةٌ منهم افترق الذين لم يفعلوا
فرقتين : فرقة أنكروا عليهم صنيعهم هذا واحتيالهم على مخالفة الله وشرعه في ذلك الزمان ، وفرقة أخرى
لم يفعلوا ولم ينهوا بل أنكروا على الذين نهوا وقالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ﴾
يقولون (١): ما الفائدة في نهيكم هؤلاء وقد استحقوا العقوبةَ لا محالة ، فأجابتهم الطائفة المنكرة بأنْ
قالوا : ﴿ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ ﴾ أي: فيما أَمَرَنا به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فنقوم به خوفاً من
عذابه ﴿ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أي: ولعلّ هؤلاء يتركون ما هُم عليه من هذا الصنيع فيقيهم الله عذابه ويعفو عنهم
إذا هم رَجَعوا واستمعوا .
قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِرُواْ بِهِ﴾ أي: لم يلتفتوا إلى مَن نهاهم عن هذا الصنيع الشنيع
الفظيع ﴿ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوْءِ﴾ وهم الفرقة الآمرة بالمعروف والناهية(٢) عن المنكر
﴿ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ وهم المرتكبون الفاحشة ﴿ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ وهو الشديد المؤلم الموجع ﴿بِمَا كَانُواْ
يَفْسُقُونَ﴾. ثم فَسَّر العذاب الذي أصابهم بقوله: ﴿ فَلَمَّا عَتَوْاْ عَنْ مَانُهُوْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَسِتِينَ﴾.
وسنذكر ما ورد من الآثار عن ذلك(٣).
والمقصود هنا أن الله تعالى أخبر أنه أهلكَ الظالمين ، ونجَّى المؤمنين المنكرِين ، وسكت عن
الساكتين . وقد اختلف فيهم العلماءُ على قولين : فقيل: هم(٤) من الناجين . وقيل : إنهم من
الهالكين . والصحيح الأول عند المحقّقين ، وهو الذي رَجَع إليه ابن عَبَّاس إمامُ المفسرين ، وذلك
عند(٥) مناظرة مولاه ◌ِكرمة، فكساه من أجل ذلك حُلَّةٌ سَنِيَّةً تكرمةً .
قلت : وإنما لم يُذكَروا مع الناجين لأنهم وإن كرهوا ببواطِنهم تلك الفاحشةَ إلا أنهم كان ينبغي لهم أن
يحملوا ظواهرهم بالعمل المأمور به من الإنكار القولي الذي هو أوسط المراتب الثلاث التي أعلاها الإنكار
باليد ذات البَنان ، وبعدَها الإنكار القولي باللسان ، وثالثها الإنكار بالجَنان ، فلما لم يُذكَّروا نجوا مع
الناجين ، إذ لم يفعلوا الفاحشة بل أنكرو(٦) .
(١)
زاد في ب : لهم .
(٢)
في ب : والناهون .
كذا في ب ، وهو الأشبه بالصواب . وفي أوط : الآيات في .
(٣)
(٤)
في ط : إنهم .
كذا في ب : وهو مناسب لما في تفسير المؤلف (٢٥٨/٢) . وفي أوط : عن .
(٥)
(٦) في ط : أنكروها .

٣٣٧
قصة أصحاب أيلة الذين اعتدوا في سبتهم
وقد روَى عبد الرزاق ، عن ابن جُرَيج ، عن رجل ، عن عِكرمة ، عن ابن عباس (١) ، وحكى مالك،
عن ابن رومان ، وشيبانُ عن قتادة وعطاء الخراساني ما مضمونه أن الذين ارتكبوا هذا الصنيع اعتزلهم بقيةٌ
أهل البلد ، ونهاهم من نهاهم منهم ، فلم يقبلوا ، فكانوا يبيتون وحدهم ، ويغلقون بينهم وبينهم أبواباً
حاجزاً لما كانوا يترقبون من هلاكهم ، فأصبحوا ذاتَ يوم وأبوابُ ناحيتهم مغلقة لم يفتحوها ، وارتفع النهار
واشتد الضحاء ، فأمر بقية أهل البلد رجلاً أن يصعد على سلالم ويشرف عليهم من فوقهم ، فلما أشرف
عليهم إذا هم قِردة لها٢) أذناب يتعاوون ويتعادون ، ففتحوا عليهم الأبواب فجعلت القردة تعرف قراباتهم
ولا يعرفهم قراباتهم ، فجعلوا يلوذون بهم ويقول لهم الناهون : ألم ننهكم عن صنيعكم ؟ فتشير القردة
برؤوسها أنْ نعم. ثمّ بكى عبد الله بن عباس وقال: إنا لَنَرى مُنكراتٍ كثيرةً ولا نُنكرها ولا نقول فيها شيئا٣ً) .
وقال العَوْفي(٤) عن ابن عباس : صار شباب القرية قردة وشيوخها خنازير .
وروى ابن أبي حاتم(٥) من طريق مجاهد عن ابن عباس أنهم لم يعيشوا إلا فُوَاق٦ً) ثمّ هلكوا ما كان
لهم نسل . وقال الضحاك عن ابن عباس(٧) : إنه لم يعش مسخ قط فوق ثلاثة أيام ، ولم يأكل هؤلاء ولم
يشربوا ولم ينسلوا .
وقد استقصينا الآثار في ذلك في تفسير سورة البقرة والأعراف(٨) .. ولله الحمد والمنة .
وقد روى ابن أبي حاتم(٩) وابن جرير(١٠) من طريق ابن أبي نجيح ، عن مجاهد أنه قال : مسخت
قلوبهم ولم يمسخوا قردة وخنازير، وإنما هو مَثَل١١ٌ) ضربه الله ﴿ كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارَاً ﴾
[ الجمعة: ٥] وهذا صحيح إليه ، وغريب منه جداً، ومخالف لظاهر القرآن ، ولما نصّ عليه غير واحد من
السلف والخلف . والله أعلم
(١) قوله : عن ابن عباس ليس في ب . والذي في تفسير المؤلف : جئت ابن عباس.
(٢)
في ب : لهم .
(٣)
تفسير المؤلف (٢٥٨/٢) .
العَوْفي ، هو عطية بن سعيد بن جنادة العَوْفي ، الجَدَلي الكوفي أبو الحسن ، صدوق يخطىء كثيراً ، وكان مدلساً
(٤)
((التقريب )) رقم (٤٦١٦).
(٥)
تفسير القرآن العظيم (٢٠٩/١) .
(٦)
الفُواق : ترديد الشهقة العالية ، وما يأخذ الإنسان عند النزع .
(٧)
قوله : أنهم لم يعيشوا ... إلى هنا. زيادة من ب وط . سقطت من أبنقلة عين .
تفسير ابن كثير (١٠٥/١ - ١٠٦ هـ ٢٥٧/٢) .
(٨)
(٩)
تفسير القرآن العظيم (٢٠٩/١).
(١٠) تفسير الطبري (٢٦٣/١).
(١١) في ب .. قردة وإنما هذا مثل .

٣٣٨
قصة أصحاب أيلة الذين اعتدوا في سبتهم
قصّة ﴿ أَصْحَبَ الْقَرْيَّةِ إِذْ جَآءَ هَا الْمُرْسَلُونَ﴾ [ يس: ١٣ ] تقدَّم ذِكْرُه١ُ) قَبْلَ قِصَّة مُوسى عليه السلام.
قصّة سبأ : سيأتي ذكرها٢) في أيام العرب إن شاء الله تعالى ، وبه الثقة .
قصّة قارون ، وقصّة بلعام : تقدّمتا٢ً) في قصّة موسى .
وهكذا قصّة الخضر وقصّة فرعون والسَّحرة كلّها في ضمنُ(٤) قصّة موسى .
وقصّة البقرة تقدَّمت(٥) في قصّة موسى .
وقصّة ﴿ الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَرِهِمْ وَهُمْ أُلُوفُ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ [ البقرة: ٢٤٣]. في قصّة حزقيل (٦).
وقصّة ﴿الْمَلَاءِ مِنَّ مَنِىّ إِسْرَِّيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَىَ﴾ [البقرة: ٢٤٦] في قصّة شمويل(٧).
وقصّة الذي ﴿ مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ [ البقرة: ٢٥٩] في قصّة عُزَيْر(٨).
*
في الجزء الأول من هذا الكتاب .
(١)
(٢)
( ص ٤٠٥ ) من هذا الجزء .
( ص١٠٤) من هذا الجزء .
(٣)
(ص٨٦ و١٢٩) من هذا الجزء .
(٤)
( ص٨٤ ) من هذا الجزء .
(٥)
( ص١٥١) من هذا الجزء .
(٦)
( ص١٥٦) من هذا الجزء .
(٧)
( ص٢١١) من هذا الجزء .
(٨)

٣٣٩
قصة لقمان
قصّة لقمان
قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ ءَانَيْنَاَ لُقْمَنَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِذَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ، وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ.
حَمِيدٌ () وَإِذْ قَالَ لُقْمَنُ لِأَبْنِهِ، وَهُوَ يَعِظُهُ يَبُنَّ لَا تُشْرِكِ بِاللّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١) وَوَضَّيْنَا اُلْإِنْسَنَ بِوَلِدَيْهِ
حَتْهُ أُمُّهُ وَهْنَا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَلُهُ فِ عَمَيْنِ أَنِ أَشْكُرْ لِ وَلَوْ لِدَيْكَ إِلَّ الْمَصِيرُ (١) وَإِن جَهَدَ الَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِ مَا لَيْسَ
لَكَ بِهِ، عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَّاً وَصَاحِبْهُمَا فِ الدُّنْيَا مَعْرُوفَاً وَأَتَِّعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَبَ إِلَىّ ثُمَّ إِلَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَنِّئُكُم بِمَا كُمْ
تَعْمَلُونَ (٤) يَبُنَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِ صَخْرَةٍ أَوْ فِ السَّمَوَتِ أَوْ فِىِ الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا الَّهُ إِنَّ اللّهَ
يَلْبُنَّ أَقِمِ القَلَوَةَ وَأَمُرْ بِلْمَعْرُوفِ وَأَنْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأَصْبِرْ عَلَى مَآ أَصَابَكَّ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْعِ الْأُمُورِ () وَلَا
لَطِيفٌ خَبِيرٌ
تُصَعِّرْ خَذَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِ الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١) وَقْصِدْ فِ مَشْبِكَ وَأَغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ
الْأَصْوَتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ﴾ [لقمان: ١٢ -١٩].
هو لقمان بن عنقاء بن سدون . ويقال : لقمان بن ثاران ، حكاه السهيلي عن ابن جرير والقتيبي . قال
السهيلي : وكان نُوبِيّاً من أهل أَيْلَة .
قلت : وكان رجلاً صالحاً ذا عبادةٍ وعبارةٍ وحكمةٍ عظيمةٍ . ويقال : كان قاضياً في زمان داود عليه
السلام . فالله أعلم .
وقال سفيان الثوري ، عن الأشعث ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال: كان(١) عبداً حبشياً
نجار[٢) .
وقال قتادة ، عن عبد الله بن الزبير : قلت لجابر بن عبد الله : ما انتهى إليكم في (٣) شأن لقمان؟
قال : [ كان قصيراً أفطس من النوبة .
وقال يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن سعيد بن المسيِّب قال (٤): كان لقمان من سودان مصر(٥).
ذو مشافر أعطاه الله الحكمة ومنعه النبوة .
وقال الأوزاعي : حدّثني عبد الرحمن بن حرملة قال : جاء أسود إلى سعيد بن المسيِّب يسأله ، فقال
(١) زاد في ب : لقمان .
(٢) الخبر في تفسير الطبري (٤٣/٢١)، وليست فيه كلمة نجار، والظاهر أنها جاءت من رواية أخرى سترد بعد قليل.
(٣) في ب : من. والخبر في تفسير المؤلف ( ٤٤٣/٣).
(٤) سقطت من ب بنقلة عين .
(٥) تفسير الطبري (٤٣/٢١).

٣٤٠
قصة لقمان
له سعيد : لا تحزن من أجل أنك أسود فإنه كان من أخير الناس ثلاثة من السودان ، بلال ومِهْجعُ(١) مولى
عمر ، ولقمان الحكيم كان أسود نوبياً ذا مشافر(٢).
وقال الأعمش ، عن مجاهد : كان لقمان عبداً أسود عظيم الشفتين مشقق القدمين ، وفي رواية
مصفَّح القدمين(٣)
وقال عمرو(٤) بن قيس : كان عبداً أسود غليظ الشفتين مصفَّح القدمين ، فأتاه رجل وهو في مجلس
أناس يحدّثهم ، فقال له : ألستَ الذي كنتَ ترعى معي الغنم في مكان كذا وكذا(٥) ؟ قال : نعم . قال :
فما بلغ بك ما أرى ؟ قال : صِدْقُ الحديث ، والصمتُ عما لا يعنيني. رواه ابن جرير(٦) عن ابن حُميد
عن الحكم عنه .
وقال ابن أبي حاتم : حدّثنا أبو زرعة ، حدثنا صفوان، حدّثنا الوليد، حدّثناعبد الرحمن بن يزيد(٧)
ابن جابر قال : إن الله رفع لقمان الحكيم لحكمته ، فرآه رجلٌ كان يعرفه قبل ذلك فقال : ألست عبد بني
فلان الذي كنت ترعى (٨) بالأمس ؟ قال : بلى . قال : فما بلغ بك ما أرى؟ قال : قَدَرُ الله ، وأداء
الأمانة ، وصِدْقُ الحديث ، وترك ما لا يعنيني (٩) .
وقال ابن وهْب : أخبرني عبد الله بن عياش القِتْباني(١٠)، عن عمر مولى غفرة ١١) قال : وقف رجل
(١) قال النووي : استشهد يوم بدر. تهذيب الأسماء واللغات (١٥/٢).
(٢) تفسير الطبري (٤٣/٢١).
(٣) المصدر السابق.
(٤)
في ط : عمر .
قوله : وكذا زيادة من ب وط .
(٥)
(٦) تفسيره (٤٤/٢١) .
في ط : أبي يزيد، وهو خطأ. وفي تفسير المؤلف ( ٣/ ٤٤٣) : عن جابر ، وهو خطأ أيضاً.
(٧)
وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر ، أبو عتبة الأزدي الداراني ، إمام ، حافظ ، فقيه ، ولد في خلافة عبد الملك بن
مروان ، وتوفي سنة ( ١٥٣ هـ) وقيل (١٥٤ هـ). وقد روى عنه الوليد بن مسلم . ترجمته ومصادرها في سير
أعلام النبلاء ( ٧/ ١٧٦ ) .
(٨) في ط : عبد بن ... ترعى غنمي ... ، وفي ب : عبدي فلان ... ترد غنمي.
(٩) تفسير المؤلف (٤٤٣/٣).
(١٠) القتباني، بكسر القاف وسكون التاء : نسبة إلى قِتبان ، بطن من رُعين نزلوا مصر .
وعبد الله بن عياش بن عباس القتباني أبو حفص توفي سنة ( ٧٠هـ ) .
تقريب التهذيب (٤٣٩/١) واللباب (١٤/٣).
(١١) في ط : عفرة ، بالعين ، وهو تصحيف .