النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
قصة عيسى ابن مريم عبد الله ورسوله وابن أمته
خديجةُ، فقال جبريل: من هذه يا محمد؟ قال: (( هذه صِدِّيقَةُ أُمتي)) . قال جبريل : معي إليها رسالة
من الرب عز وجل ، يقرئها السلام ويبشّرها ببيت في الجنة من قَصَبٍ بعيد من اللهب لا نصَب فيه
ولا صَخَب . قالت : الله السلام ومنه السلام والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته على رسول الله ، ما ذلك
البيت الذي من قصب ؟ قال : لؤلؤة جوفاء بين بيت مريم بنت عمران وبيت آسية بنت مزاحم ، وهما من
أزواجي يوم القيامة . وأصل السلام على خديجة من الله وبشارتها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه
ولا وصب في الصحيح(١) ، ولكن هذا السياق بهذه الزيادات غريب جداً. وكل هذه الأحاديث في
أسانيدها نظر .
وروى ابنُ عساكر من حديث أبي زُرْعة الدمشقي ، حدّثنا عبد الله بن صالح ، حدّثني معاوية ، عن
صفوان بن عمرو ، عن خالد بن معدان ، عن كعب الأحبار أن معاوية سأله عن الصخرة - يعني صخرة بيت
المقدس - فقال : الصخرة على نخلة ، والنخلة على نهر من أنهار الجنة ، وتحت النخلة مريم بنت عمران
وآسية بنت مزاحم ينظمان سموط أهل الجنة حتى تقوم الساعة .
ثمّ رواه من طريق إسماعيل بن عياش(٢) ، عن ثعلبة بن مسلم ، عن مسعود بن عبد الرحمن ، عن
خالد بن معدان ، عن عبادة بن الصامت، عن النبي وَلّر بمثله. وهذا منكر من هذا الوجه ، بل هو
موضوع . وقد رواه أبو زرعة عن عبد الله بن صالح عن معاوية عن مسعود بن عبد الرحمن ، عن ابن عابد
أن معاوية سأل كعباً عن صخرة بيت المقدس ، فذكره . قال الحافظ ابن عساكر : وكونه من كلام كعب
الأحبار أشبه .
قلت وكلامُ كعب الأحبار هذا إنما تلقّاه من الإسرائيليات التي منها ما هو مكذوب مفتعل وضعه بعض
زنادقتهم أو جهّالهم ، وهذا منه . والله أعلم .
***
(١) رواه البخاري (٧/ ١٣٣)، في مناقب الأنصار، باب تزويج النبي ◌َّر خديجة وفضلها. ومسلم (٢٤٣٣)، في
فضائل الصحابة ، باب فضائل خديجة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها .
(٢) في ط . عن عياش. وهو خطأ. وإسماعيل بن عياش مترجم في سير أعلام النبلاء ( ٨/ ٢٧٧) . وما بعدها .

٢٤٢
ميلاد العبد الرسول عيسى بن مريم البتول
ذكر ميلاد العبد الرسول عيسى ابن مريم البتول(١)
قال الله تعالى: ﴿وَذَكُرْ فِ الْكِنَبِ مَرْيَمَ إِذِ أَنَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَنَا شَرِقِيًّا (﴿ فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابً
جَ قَالَ إِنَّمَآ أَنَا رَسُولُ رَيٍِّ
فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٦) قَالَتْ إِنَّ أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِن كُنْتَ تَفِيًّا
لِأَهَبَ لَكِ غُلَمَا زَكِكِيًّا ◌ِنْ قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِ غُلَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٤)قَالَ كَذَلِكٍ قَالَ رَبُّكٍ هُوَ عَلَّ
﴿ فَحَمَلَتْهُ فَأَنتَبَذَتْ بِهِ، مَكَانَا قَصِيًّا () فَأَجَاءَهَا
٢١
هَيٌِّ وَلِنَجُعَلَهُ ءَايَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّأَ وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا
الْمَخَاضُ إِلَى حِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَلَيْتَنِ مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٧) فَنَادَنِهَا مِن تَحْنِهَا أَلَّا تَخْزَنِ قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْنَكِ
سَرِبًا ﴿ وَهُزِىّ إِلَيْكِ بِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَقِطْ عَلَيْكِ رُطَبً حَنِيًّا (٦) فَكُلِى وَاشْرَبٍ وَقَرِى عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِ إِنَى
◌َ يَّأُخْتَ
نَذَرْتُ لِلَّحْمَنِ صَوْمًا فَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا ﴿ فَأَتَتْ بِهِ، قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُواْ يَمَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا
هَرُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ آمْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا [3] فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُواْ كَيْفَ تُكَلِّمُ مَن كَانَ فِ الْمَهْدِ صَبِيًّا ◌ِّ قَالَ إِنِّى عَبْدُ
اللَّهِ ءَاتَنْنِىَ الْكِتَبَ وَجَعَلَنِى نَبِيًّا (﴿ وَجَعَلَنِى مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَنِى بِالصَّلَوَةِ وَالزَّكَوَةِ مَا دُمْتُ حَيَّات ◌ِيَّ وَبَرًّا بِوَلِدَتِ
وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّارًا شَقِيًّا (٢٦) وَالسَّلَمُ عَلَىَّ يَوْمَ وُلِتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيَّا ﴿ ذَلِكَ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمٌ قَوْلَ الْحَقِّ
الَّذِىِ فِيهِ يَمْتَرُونَ ﴿٢َ مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍّ سُبْحَتَهُ، إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٢٦) وَإِنَّ اللَّهَ رَبٍ وَرَبَّكُمْ فَاعْبُدُوّةً
هَذَا صِرَطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴿ فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [مريم: ١٦ -٣٧].
ذكر تعالى(٢) هذه القصّة بعد قصّة زكريا التي هي كالمقدمة لها والتوطئة قبلها ، كما ذكر في سورة
آل عمران، قَرَن بينهما في سياق واحد، وكما قال في سورة الأنبياء: ﴿ وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَىْ رَبَّهُ رَبِّ لَا
جَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْبَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ: إِنَّهُمْ كَانُواْ
تَذَرْنِ فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَرِئِينَ
يُسَرِعُونَ فِى الْخَيْرَتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبَأْ وَكَانُوْلَنَا خَشِعِينَ ﴿ وَالَّتِىّ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا
مِن رُوحِنَا وَجَعَلْنَهَا وَأَبْنَهَاَ ءَايَةً لِلْعَلَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٩-٩١].
وقد تقدّم أنّ مريم لما جعلتها أمُّها محرَّرةً تخدم بيت المقدس ، وأنّه كفلها زوجُ أختها أو خالتها نبيُّ
ذلك الزمان زكريا عليه السلام ، وأنه اتّخذ لها محراباً وهو المكان الشريف من المسجد لا يدخله أحد
عليها سواه ، وأنها لما بلغت اجتهدت في العبادة فلم يكن في ذلك الزمان نظيرها في فنون العبادات وظهر
عليها من الأحوال ما غَبَطها به زكريا عليه السلام ، وأنها خاطبتْها الملائكةُ بالبشارة لها باصطفاء الله لها
وبأنه سَيَهب لها ولداً زكياً يكون نبياً كريماً طاهراً مكرّماً مؤيداً بالمعجزات ، فتعجبت من وجود ولد من غير
والدٍ لأنها لا زوج لها ، ولا هي ممن تتزوج ، فأخبرتها الملائكة بأن الله قادر على ما يشاء ﴿ إِذَا قَضَقْ أَمْرً
(١) لم يرد لفظ ذكر في ط. وزاد في ب : العذراء البتول.
(٢) في ب : يذكر سبحانه وتعالى .

٢٤٣
ميلاد العبد الرسول عيسى بن مريم البتول
فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ فاستكانت لذلك وأنابت وسلَّمت لأمر الله، وعلمت أن هذا فيه محنةٌ عظيمةٌ لها ،
فإن الناس يتكلمون فيها بسببه ، لأنهم لا يعلمون حقيقةَ الأمر ، وإنما ينظرون إلى ظاهر الحال من غير
تدثرٍ ولا تعقُّلٍ ، وكانت إنما تخرج من المسجد في زمن حَيْضها ، أو لحاجةٍ ضروريّةٍ لا بدَّ منها ؛ من
استقاء ماءٍ أو تحصيل غذاءٍ، فبينما هي يوماً قد خرجتْ لبعض شؤونها ﴿فَأَنتَبَدَتْ﴾ أي انفردت وحدَها
شرقي المسجد الأقصى إذ بعث الله إلَيْها الروحَ الأمين جبريل عليه السلام ﴿ فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًّا سَوِيًّا﴾ فلما
رأَتْهُ ﴿ قَالَتْ إِّ أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا﴾. قالَ أبو العالية : علمتْ أنّ التقي ذو نهيةٍ ، وهذا يردُّ قول
من زعم أنه كان في بني إسرائيل رجل فاسقٌ مشهور بالفسق اسمه (( تقي )) فإن هذا قولٌ باطلٌ بلا دليل ،
وهو من أسخف الأقوال .
قَالَ إِنَّمَآ أَنَأْ رَسُولُ رَيِّكِ﴾: أي: خاطَبها الملك قائلاً إنما أنا رَسُول ربك لستُ ببشرٍ ولكني مَلَك
بعثني الله إليكِ ﴿ لِأَهَبَ لَكِ عُلَمَّا زَكِيًّا﴾ أي: ولداً زاكيا١ً) ﴿ قَالَتْ أَنَّ يَكُونُ لِ تُلَمٌ ﴾ أي: كيف يكون
لي غلام أو يوجد لي ولد ﴿ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا ﴾ أي ولستُ ذاتَ زوجٍ، وما أنا ممن يفعلُ
الفاحشةَ ﴿ قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَىَّ هَيِنَّ﴾ أي فأجابها المَلَك عن تعُبها من وجود ولدٍ منها والحالة
هذه قائلاً ﴿كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ﴾ أي وعَدَ أنه سيخلق منكِ غلاماً ولستِ بذاتِ بعلٍ ولا تكونين ممن تبغين
﴿ هُوَ عَلَّ هَيِّنٌ﴾ أي وهذا سهل (٢) عليه ويسير لديه ، فإنه على ما يشاء قدير .
وقوله: ﴿ وَلِنَجْعَلَهُ ءَايَةً لِّلنَّاسِ﴾ أي ولنجعل خلقه والحالة هذه دليلاً على كمال قُدرَتِنا على أنواع
الخلْق ، فإنه تعالى خلقَ آدمَ من غير ذكرٍ ولا أنثى ، وخلق حواء من ذكرٍ بلا أنثى ، وخلق عيسى من أنثى
بلا ذكر ، وخلق بقية الخلق من ذكر وأنثى .
وقوله : ﴿ وَرَحْمَةً مِّنَا﴾ أي نرحم به العباد بأن يدعوهم إلى الله في صغره وكبره في طفولته وكهولته
بأن يُفرِدو(٣) الله بالعبادة وحده لا شريك له وينزهو(٤) عن اتخاذ الصاحبة والأولاد والشركاء والنظراء
والأضداد والأنداد .
وقوله: ﴿ وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ يحتمل أن يكون هذا من تمام كلام جبريل معها ؛ يعني أن هذا أمرٌ قد
قضاه الله وحَتَّمَه وقدَّره وقرَّره، وهذا معنى قول محمد بن إسحاق ، واختاره ابن جرير(٥) ولم يحك
سواه . والله أعلم. ويحتمل أن يكون قوله: ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا﴾ كنايةً عن نفخ جبريل فيها كما قال
(١) في ط : زكياً .
(٢) في ب : أسهل .
في ب : يفرد .
(٣)
في ب وينزهه .
(٤)
(٥) تفسير الطبري ( ١٦ / ٤٧) .

٢٤٤
ميلاد العبد الرسول عيسى بن مريم البتول
تعالى: ﴿ وَمَرْيَمَ أَبْنَتَ عِمْرَانَ الَتِىَ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾ [التحريم: ١٢]. فذكر غيرُ واحدٍ من
السلف (١) أن جِبريل نفخَ في جيبِ درعها ، فنزلت النفخة إلى فرجها فحملت من فورها كما تحمل المرأة
عند جماع بعلها٢) . ومن قال إنه نَفَخ في فمها أو إن الذي كان يخاطبها هو الروح الذي ولج فيها من فمها
فقوله خلاف ما يُفهم من سياقات هذه القصّة في محالّها من القرآن ، فإن هذا السياق يدلّ على أن الذي
أُرسل إليها ملكٌ من الملائكة وهو جبريل عليه السلام ، وأنه إنما نفخ فيها ولم يواجه الملك الفرج ، بل
نفخ في جيبها فنزلت النفخة إلى فرجها قانسلكت فيه كما قال تعالى: ﴿ فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا ﴾ يدلّ
على أن النفخة ولجت فيه لا في فمها كما رُوي عن أَبَي بن كعب ، ولا في صدرها كما رواه السدّي بإسناده
عن بعض الصحابة، ولهذا قال تعالى: ﴿ ﴿ فَحَمَلَتْهُ﴾ أي حملت ولدَها ﴿فَنَبَذَتْ بِهِ، مَكَانًا فَصِيًّا﴾
وذلكَ لأَنَّ مَرْيَم عليها السلام لمّا حملت ضاقت به ذرعاً ، وعلمت أن كثيراً من الناس سيكون منهم كلام
في حقّها ، فذكر غير واحد من السّلف (٣) منهم وهب بن منبه أنها لما ظهرت عليها مخايل الحمل كان أول
من فطن لذلك رَجُلٌ من عُبّاد بني إسرائيل يقال له : يوسف بن يعقوب النجار ، وكان ابن خالها ، فجعل
يتعجّب من ذلك عجباً شديداً، وذلك لما يعلم من ديانتها ونزاهتها وعبادتها ، وهو مع ذلك يراها حُبلى
وليس لها زوج فعرّض لها ذات يوم في الكلام ، فقال : يا مريم هل يكون زرع من غير بذر ؟ قالت : نعم
فمن خلق الزرع الأول ! ثمّ قال : فهل يكون شجر من غير ماءٍ ولا مطر ؟ قالت : نعم ، فمن خلق الشجر
الأول ! ثم قال : فهل يكون ولد من غير ذكر ؟ قالت : نعم إن الله خلق آدم من غير ذكر ولا أنثى . قال
لها : فأخبريني خبرك. فقالت: إن الله بشّرني ﴿بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ أَسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِىِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ
وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِىِ الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٤٥ - ٤٧] . ويروى مثل هذا عن
زكريا عليه السلام أنه سألها فأجابته بمثل هذا . والله أعلم .
وذكر الشُّدِّي بإسناده عن الصحابة (٤) : أن مريم دخلت يوماً على أختها فقالت لها أختها : أُشْعِرْتُ أَنّي
حُبلى . فقالت مريم : وشعرتُ أيضاً أني حبلى ، فاعتنقتها وقالت لها أم يحيى إني أرى ما في بطني يَسجُد
لما في بطنك، وذلك قوله: ﴿ مُصَدِّقًّا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ﴾ ومعنى السجود هاهنا الخضوع والتعظيم كالسجود
عند المواجهة للسلام كما كان في شرع مَن قَبلنا ، وكما أمر الله الملائكة بالسجود لآدم . وقال
أبو القاسم : قال مالك : بلغني أن عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا ابنا خالة وكان حملهما جميعاً معاً
فبلغني أن أم يحيى قالت لمريم : إني أرى ما في بطني يسجد لما في بطنك . قال مالك : أرى ذلك
(١) تفسير الطبري (١١٠/٢٨).
(٢) تفسير الطبري (١٦ / ٤٨).
(٣) أورده الطبري في تفسيره (٤٩/١٦).
(٤) ذكره الطبري في تفسيره (١٦ /٤٨).

٢٤٥
ميلاد العبد الرسول عيسى بن مريم البتول
لتفضيل عيسى عليه السلام ، لأن الله تعالى جعله يُحيي الموتى ، ويبرىء الأكمه والأبرص . رواه
ابن أبي حاتم . وروي عن مجاهد قال : قالت مريم : كنت إذا خلوت حدّثني وكلّمني ، وإذا كنت بين
الناس سبَّح في بطني .
ثم الظاهر أنها حملت به تسعة أشهر كما تحمل النساء ويضعن لميقات حملهن ووضعهن ، إذ لو كان
خلاف ذلك لذكر .
وعن ابن عباس وعكرمة أنها حملت به ثمانية أشهر . وعن ابن عباس (١) ما هو إلا أن حملت به
فوضعته . قال بعضهم حملت به تسع ساعات، واستأنسوا لذلك بقوله: ﴿ ﴿ فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ، مَكَانًا
قَصِيًّا (٣٦) فَأَجَاءَ هَا الْمَخَاضُ إِلَى حِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ والصحيح أن تعقيب كل شيء بحسبه لقوله: ﴿فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ
مُخْضَرَّةٌ﴾ [الحج: ٦٣]. وكقوله: ﴿ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُصْغَةَ عِظَمَا فَكَسَوْنَا
اَلْعِظَمَ لَحْمًا ثُمَّ أَ نشَأْنَهُ خَلْقَاءَاخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَلِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]. ومعلوم أن بين كل حالين أربعين
يوماً كما ثبت في الحديث المتفق عليه(٢) .
قال محمد بن إسحاق : ثم شاع أمرها٣) واشتهر في بني إسرائيل أنها حامل ، فما دخل على أهل بيت
ما دخل على آل زكريا . قال : واتهمها بعض الزنادقة بيوسف الذي كان يتعبَّد معها في المسجد ، وتوارت
عنهم مريم واعتزلتهم وانتبذت مكاناً قصياً .
وقوله: ﴿ فَأَجَاءَ هَا الْمَخَاضُ إِلَى حِذْعِ النَّخْلَةِ ﴾ أي فألجأها واضطرها الطلق إلى جذع النخلة ، وهو بنص
الحديث الذي رواه النسائي بإسنادٍ لا بأس به عن أنس مرفوعا٤ً)، والبيهقي بإسنادٍ صححه(٥) عن شدّاد بن
أوس مرفوعاً أيضاً بيت لحم (٦) الذي بنى عليه بعضُ ملوك الروم فيما بعد على ما سنذكره ، هذا البناء
المشاهد الهائل ﴿ قَالَتْ يَلَيْتَنِ مِتُ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًّا مَّنسِيًّا﴾ فيه دليل على جواز تمني الموت عند
الفتن(٧) ، وذلك أنها علمت أن الناس يتهمونها ولا يصدقونها ، بل يكذبونها حين تأتيهم بغلام على يدها
(١) أورده الطبري في تفسيره (٥٠/١٦)، والقرطبي: (١١/ ٩٢).
(٢) أخرجه البخاري رقم (٣٢٠٨) في بدء الخلق، باب ذكر الملائكة، وص (٣٦٣)، رقم (٣٣٣٢) في الأنبياء ،
باب خلق آدم وذريته . ومسلم رقم ( ٢٦٤٣) في القدر ، باب كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه .
(٣) في ط : شاع واشتهر .
(٤) السنن (٢٢٢/١)، في أول أحاديث الصلاة، وأوله عنده: (( أُتيت بدابة فوق الحمار ودون البغل ... )) وأورده
المؤلف في تفسيره ( ٣/ ١٥٠). في تفسير قوله تعالى: ﴿ سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا﴾.
(٥) في ط: وصححه . والحديث عنده في دلائل النبوة (٢/ ٣٥٥ - ٣٥٧) . وأوله عنده : قلنا يا رسول الله كيف أسري
بك؟ قال: ((صليت لأصحابي صلاة العتمة ... )).
(٦) وقيل غير ذلك. تفسير الطبري (١٦/ ٥٠).
(٧) وقال في تفسيره ( ٣/ ١٢٣) (ط . دار المعرفة ) : فيه دليل على جواز تمني الموت عند الفتنة ، فإنها عرفت أنها =

٢٤٦
ميلاد العبد الرسول عيسى بن مريم البتول
مع أنها قد كانت عندهم من العابدات الناسكات المجاورات في المسجد المنقطعات إليه المعتكفات فيه
ومن بيت النبوة والديانة ، فحملت بسبب ذلك من الهم ما تمنت أن لو كانت ماتت قبل هذا الحال أو كانت
﴿ نَسْيًّا مَّنْسِيًّا﴾ أي لم تخلق بالكلية.
وقوله : ﴿فَنَادَنْهَا مِنْ تَّخْنِهَاَ﴾ وقرىء ﴿مِنْ تَحْتِها﴾ على الخفض(١)، وفي المضمر قولان:
أحدهما أنه جبريل (٢) . قاله العَوْفيُّ عن ابن عباس قال: ولم يتكلّم عيسى إلا بحضرة القوم . وهكذا قال
سعيد بن جبير وعمرو بن ميمون والضحاك والسدي وقتادة . وقال مجاهد والحسن وابن زيد وسعيد بن
جبير في رواية : هو ابنها عيسى . واختاره ابن جرير(٣)
.
وقوله : ﴿أَلَّا تَخْزَنِ قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْنَكِ سَرِبًا﴾ أي ناداها قائلاً لها : لا تحزني ، قد جعل ربك تحتك
سرياً . قيل : النهر ، وإليه ذهب الجمهور(٤) . وجاء فيه حديث رواه الطبراني لكنه ضعيف ، واختاره
ابن جرير(٥) وهو الصحيح . وعن الحسن والربيع بن أنس وابن أسلم وغيرهما أنه ابنها . والصحيح الأول
لقوله: ﴿ وَهُزِىّ إِلَيْكِ يِحِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ فذكر الطعام والشراب ولهذا قال: ﴿ فَكُلِى وَآَشْرِ
وَقَرِى عَيْنًا﴾ . ثم قيل: كان جذع النخلة يابساً وقيل كانت نخلة مثمرة فالله أعلم . ويحتمل أنها كانت
نخلة لكنها لم تكن مثمرة إذ ذاك ، لأن ميلاده كان في زمن الشتاء وليس ذاك وقت ثمر ، وقد يفهم ذلك من
قوله تعالى على سبيل الامتنان ﴿ تَُقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾. قال عمرو بن ميمون ليس شيء أجود للنفساء
من التمر والرُطَب، ثم تلا هذه الآية(٦) .
وقال ابن أبي حاتم حدّثنا علي بن الحسين ، حدّثنا شيبان ، حدّثنا مسرور بن سعيد التميمي ،
حدّثنا عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي عن عروة بن رويم، عن علي بن أبي طالب قال : قال
رسول الله ◌َّةَ: ((أَكْرِمُوا عَمَّتَكُمُ النخْلَ فإنها خُلِقَتْ من الطّينِ الذي خُلِقَ مِنْهُ آدمُ ، ولَيْس مِنَ الشَّجَرِ
شيءٌ يُلْقَحُ غيرَها)). وقال رسول الله وَةَ: ((أَطْعِمُوا نِساءَكُم الؤُلَّدَ الرُّطَبَ فإنْ لَمْ يَكُنْ رُطَبٌّ فَتَمْرٌ ،
ستبتلى وتمتحن بهذا المولود الذي لا يحمل الناس أمرها فيه على السداد ، ولا يصدقونها في خبرها ، وبعد
=
ما كانت عندهم عابدة ناسكة ، تصبح عندهم - فيما يظنون - عاهرة زانية ، فقالت : يا ليتني مت قبل هذا ، أي قبل
هذا الحال .
(١) قرأ أبو عمرو وابن كثير، وابن عامر، وأبو بكر ﴿مَن تحتها﴾ بفتح الميم والتاء. وقرأ الباقون بكسر الميم والتاء
حجة القراءات ( ٤٤١ ) .
(٢)
عدد الطبري طائفة من أصحاب هذا القول . تفسيره ( ١٦ / ٥١ - ٥٢).
تفسيره (١٦ / ٥٢ ).
(٣)
(٤) تفسير الطبري (١٦ / ٥٣).
(٥) المصدر السابق (١٦ / ٥٤).
(٦) ذكره الطبري في تفسيره (١٦ / ٥٥).

٢٤٧
ميلاد العبد الرسول عيسى بن مريم البتول
وليسَ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةٌ أكرمَ على اللهِ مِنْ شَجَرةٍ نَزَلَتْ تَحْتَها مَرْيَمُ بنت عمران (١) .
وكذا رواه أبو يعلى في ((مسنده (٢) عن شيبان بن فروخ ، عن مسروق بن سعيد ، وفي رواية
مسرور بن سعد ، والصّحيح مسرور بن سعيد التميمي . وأورد له ابن عدي هذا الحديث عن الأوزاعي ،
به ، ثم قال : وهو منكر الحديث ولم أسمع بذكره إلا في هذا الحديث . وقال ابن حبان (٣) : يروي عن
الأوزاعي المناكير الكثيرة التي لا يجوز الاحتجاج بمن يرويها٤) .
وقوله: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِيِّ إِنِّى نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِمَ اَلْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾. وهذا من تمام
كلام الذي نَاداها من تحتها قال: ﴿ فَكُلِى وَأَشْرِبٍ وَقَرِى عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا ﴾ أي فإن رأيت أحداً من
الناس ﴿فَقُولِيِّ﴾ له أي بلسان الحال والإشارة: ﴿ إِ نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ أي صَمتاً، وكان من صومهم
في شريعتهم ترك الكلام والطعام ، قاله قتادة والسُّدِّي وابنُ أسلمُ(٥) ويدل على ذلك قوله: ﴿ فَلَنْ أُكَلِّمَ
الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ فأما في شريعتنا فَيُكْرَه للصَّائِمِ صَمْتُ يَوْمٍ إلى الليل (٦).
وقوله تعالى: ﴿فَأَنَتْ بِهِ، قَوْمَهَا تَّحْمِلُهُ، قَالُواْ يَمَرْيَمُ لَقَدْ حِثْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٦) يَتَأُخْتَ هَرُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ آمْرَاً
سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ ذكر كثير من السّلف ممن ينقل عن أهل الكتاب أنّهم لما افتقدوها من بين أظهرهم
ذهبوا في طلبها ، فمروا على محلّتها والأنوار حولها ، فلما واجهوها وجدوا معها ولدها ، فقالوا لها :
﴿ يَمَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِبًّا﴾ أي أمْراً عظيماً منكراً. وفي هذا الذي قالوه نظر مع أنه كلام ينقض أوَّلَهُ
آخرُه ، وذلك لأن ظاهر سياق القرآن العظيم يدل على أنها حملته بنفسها وأتت به قومها وهي تحمله . قال
ابن عباس : وذلك بعد ما تعلت من نفاسها بعد أربعين يوما٧ً) .
(١) وأخرجه ابن حبان في المجروحين (٤٤/٣ - ٤٥). مع خلاف يسير في اللفظ.
وأورد الحديثين متصلين السيوطي في الجامع الصغير (١٨٢/١ - ١٨٣) . وضعفه .
(٢) مسند أبي يعلى: (٣٥٣/١)، رقم (٤٥٥) .
(٣)
الكامل في الضعفاء (٢٤٢٥/٦).
(٥) وقاله غيرهم أيضاً. تفسير الطبري (١٦ / ٥٦ - ٥٧).
(٤)
المجروحين ( ٤٤/٣).
(٦) قال القرطبي في تفسيره (٩٨/١١): ذلك لا يجوز في شرعنا لما فيه من التضييق وتعذيب النفس، كنذر القيام في
الشمس ونحوه، وعلى هذا كان نذر الصمت في تلك الشريعة لا في شريعتنا .. وقد أمر ابن مسعود من فعل ذلك
بالنطق بالكلام، وهذا هو الصحيح، لحديث أبي إسرائيل ... ومن سنتنا نحن في الصيام الإمساك عن الكلام القبيح،
قال عليه الصلاة والسلام : إذا كان أحدكم صائماً فلا يرفث ولا يجهل ، فإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل : إني صائم.
وحديث أبي إسرائيل رواه البخاري عن ابن عباس قال: بينا رسول الله بَّه يخطب إذا هو برجل قائم. فسأل عنه. فقالوا: أبو
إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم، ويصوم، فقال رسول الله وَّة: ((مُرْهُ فليتكلّم وليستظل، وليقعد، وليتم
صومهُ)) فتح الباري: (٥٨٦/١١)، رقم (٦٧٠٤) في الأيمان والنذور، باب النذر فيما لا يملك وفي المعصية.
(٧) وهو ما قاله أيضاً ابن الكلبي. تفسير القرطبي (٩٩/١١).

٢٤٨
ميلاد العبد الرسول عيسى بن مريم البتول
والمقصود أنهم لما رأَوها تحملُ معها ولدها ﴿ قَالُواْيَمَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيبًا﴾ والفرْيَةُ: هي الفعْلةُ
المنكرة العظيمة من الفعال والمقال(١). ثم قالوا لها: ﴿يَأُخْتَ هَرُونَ﴾ قيل (٢): شَبَّهُوها بعابدٍ من عُبَّادِ
زمانهم كانت تُساميه في العبادة ، وكان اسمه هارون . وقيل : شبَّهوها برجل فاجرٍ في زمانهم اسمه
هارون ، قاله سعيد بن جبير . وقيل : أرادوا بهارون أخا موسى ، شبّهوها به في العبادة . وأخطأ
محمد بن كعب القرظي في زعمه أنها أخت موسى وهارون نسباً ، فإن بينهما من الدهور الطويلة
ما لا يخفى على أدنى من عنده من العلم مايرده عن هذا القول الفظيع ، وكأنه غره أن في التوراة أن مريم
أخت موسى وهارون ضربت بالدف يوم نجّا اللهُ موسى وقومَه وأغرق فرعونَ وملأه ، فاعتقد أن هذه هي
هذه، وهذا في غاية البُطْلان والمخالفة للحديث الصحيح مع نص القرآن كما قررناه في ((التفسير (٣)
مطولاً . ولله الحمد والمنة .
وقد ورد الحديث الصحيح الدال على أنه قد كان لها أخ(٤) اسمه هارون وليس في ذكر قصّة ولادتها
وتحرير أمّها لها ما يدلّ على أنها ليس لها أخ سواها والله أعلم .
قال الإمام أحمد(٥) : حدّثنا عبد الله بن إدريس ، سمعت أبي يذكره عن سماك، عن علقمة بن
وائل، عن المغيرة بن شعبة(٦) قال: بعثني رسول الله وَل ◌َول إلى نجران، فقالوا: أرأيت ما تقرؤون
يَأُخْتَ هَرُونَ﴾، وموسى قبلَ عيسى بكذا وكذا؟! قال: فرجعت فذكرت ذلك لرسول الله وَلَه فقال:
((أَلَا أَخْبَرْتَهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يُسَمّونَ بِالأَنْبِياءِ والصَّالِحِيْنَ قَبْلَهُمْ)) .
وكذا رواه مسلم(٧)، والنسائي(٨)، والترمذي(٩) من حديث عبد الله بن إدريس ، وقال الترمذي:
حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديثه .
(١) في اللسان (فرا): الفَرِيُّ: الأمر العظيم .. مفردات الراغب الأصبهاني (٣٩٣). وتفسير الطبري (١٦/ ٥٨).
(٢) أورد الطبري معظم ما قيل في تفسير هذه الآية (١٦ / ٥٨ - ٥٩).
تفسير ابن كثير ( ١١٩/٣). والحديث الذي استدل به ابن كثير في التفسير، قوله وَّه: «أنا أولى الناس بابن مريم
(٣)
لأنه ليس بيني وبينه نبي)). وتقدم تخريج هذا الحديث (ص٢٠٦)، (ت١٤).
(٤)
كذا في ب وط . وفي أ : على أن لها أخ . وفيه خطأ نحوي بيّن .
المسند (٤ / ٢٥٢) .
(٦) زاد في ب : عن علي ، وليست ثابتةً في مسند أحمد هذه الزيادة.
(٥)
صحيح مسلم رقم ( ٢١٣٥) في الآداب ، باب النهي عن التكني بأبي القاسم وبيان ما يستحب من الأسماء .
(٧)
(٨)
في تفسيره (٣٥٥) وهو في الکبری (١١٣١٥) .
(٩) رقم (٣١٥٥) في تفسير القرآن ، باب ومن سورة مريم.

٢٤٩
ميلاد العبد الرسول عيسى بن مريم البتول
وفي رواية: ((ألا أخبرتهم أنهم كانوا يتسمون بأسماء صالحيهم وأنبيائهم )).
وذكر قتادة وغيره أنهم كانوا يكثرون من التسمية بهارون ، حتى قيل : إنه حضر بعض جنائزهم بشرٌ
كثير منهم ممن يُسمى بهارون ، أربعون ألفا١ً) . فالله أعلم .
والمقصود أنهم قالوا : ﴿ يَتَأُخْتَ هَرُونَ﴾ ودلّ الحديث على أنها قد كان لها أخ نَسَبي اسمه هارون ،
وكان مشهوراً بالدين والصلاح والخير، ولهذا قالوا: ﴿ مَا كَانَ أَبُوكِ آمْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ يَغِيًّاً﴾ أي لستِ
من بيتٍ هذا شيمتهم ولا سجيتهم ، لا أخوك ولا أمك ولا أبوك ، فاتهموها بالفاحشة العظمى ، ورمَوها
بالداهية الدهياء . فذكر ابن جرير في تاريخه(٢) أنهم اتهموا بها زكريا وأرادوا قتله ففر منهم ، فلحقوه وقد
انشقت له الشجرة فدخلها وأمسك إبليس بطرف ردائه ، فنشروه فيها كما قدمنا . ومن المنافقين من اتهمها
بابن خالها يوسف بن يعقوب النجار .
فلما ضاق الحال وانحصر المجال وامتنع المقال ، عظم التوكل على ذي الجلال ، ولم يبق إلا
الإخلاص والاتِّكال ﴿ فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ أي: خاطبوه وكلِّموه، فإنَّ جوابكم عليه وما تبغون من الكلام
لديه. فعندها ﴿قَالُواْ﴾(٣) مَن كان منهم جباراً شقياً: ﴿ كَيْفَ تُكَلِّمُ مَن كَانَ فِ اَلْمَهْدِ صَبِيًّا ﴾ أي: كيف
تحيليننا٤) في الجواب على صبي صغير لا يعقل الخطاب ، وهو مع ذلك رضيع في مهده ولا يميز بين
محض المخض وزبده ، وما هذا منك إلا على سبيل التهكم بنا والاستهزاء والتنقُّص لنا والازدراء ، إذاً
لا تردّين علينا قولاً نطقياً، بل تحيلين في الجواب على من كان في المهد صبياً ، فعندها ﴿قَالَ إِنِّى عَبْدُ اللَّهِ
ءَاتَنِىَ الْكِتَبَ وَجَعَلَنِى ◌ِيًّا (٢َّ وَجَعَلَنِى مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَغِى بِالصَّلَوَةِ وَالزَّكَوَةِ مَا دُمْتُ حَيَّا تَ وَبَرَّا بِوَلِدَتِ وَلَمْ
يَجْعَلْنِى جَبَّارًا شَقِيًّا (٢) وَالسَّلَمُ عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدِتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيَّا﴾ . وهذا أولُ كلام تفوه به عيسى بن
مريم ، فَكان أوّل ما تكلّم به أن ﴿ قَالَ إِى عَبْدُ اللَّهِ ﴾ اعترف لربه سبحانه وتعالى بالعبودية، وأن الله ربّه ،
فتزه جناب الله عن قول الظالمين في زعمهم أنه ابن الله، بل هو عبدُه ورسولُه وابنُ أَمَته ، ثم برَّأَ أُمه مما
نسبها إليه الجاهلون وقذفوها به ورمَوْها بسببه بقوله: ﴿ ءَاتَنِىَ الْكِتَبَ وَجَعَلَنِى بِيًّا﴾ فإن الله تعالى لا يعطي
النبوةَ من هو كما زعموا - لعنهم الله وقبَّحَهم - كما قال تعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَنَّا عَظِيمًا ﴾
[ النساء: ١٥٦] وذلك أن طائفة من اليهود في ذلك الزمان قالوا : إنها حملت به من زِنى في زمن الحيض
- لعنهم الله - فبرّأها الله من ذلك، وأخبر عنها أنها صِدّيقة، واتخذ ولدها نبياً مرسلاً أحدَ أولي العزم
(١) اختصر ابن كثير الخبر هنا، وقد نقله كاملاً في تفسيره ( ١١٩/٣) عن تفسير الطبري (١٦/ ٥٨)، وفيه أن من
خرج في جنازة هارون الرجل الصالح ممن يسمون هارون يبلغ عددهم ( ٤٠ ) ألفاً .
(٢) (١/ ٦٠٠) .
(٣) كذا في ب وط. وهو لفظ الآية وأشبه أن يُثْبَت هاهنا . وفي أ: قال.
(٤) في أوب وط : تحيلينا . وفي ب : على الجواب .

٢٥٠
ميلاد العبد الرسول عيسى بن مريم البتول
الخمسة (١) الكبار، ولهذا قال: ﴿ وَجَعَلَنِى مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ﴾ وذلك أنه حيث كان دعا إلى عبادة الله
وحدَه لا شريك له ، ونزّه جنابه عن النقص والعيب من اتخاذ الصاحبة والولد تعالى وتقدَّس
﴿ وَأَوْصَنِى بِالصَّلَوَةِ وَالزَّكَوْةِ مَا دُمْتُ حَيَّ﴾ وهذه وظيفة العبيد في القيام بحق العزيز الحميد بالصلاة
والإحسان إلى الخليقة بالزكاة ، وهي تشمل طهارة النفوس من الأخلاق الرذيلة ، وتطهر الأموال الجزيلة
بالعطية للمحاويج(٢) على اختلاف الأصناف وقِرى الأضياف والنفقات على الزوجات والأرقاء
والقرابات ، وسائر وجوه الطاعات وأنواع القُرُبات .
ثم قال: ﴿ وَبَرَّ بِوَ لِدَتِ وَلَمْ يَجْعَلْنِ جَبَّارًا شَفِيًّا﴾ أي: وجعلني براً بوالدتي وذلك أنه تأكّد حقها عليه
لمحض جهتها ، إذ لا والد له سواها ، فسبحان من خلق الخليقة وبرأها ، وأعطى كلّ نفس هداها .
وَلَمْ يَجْعَلْنِ جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ أي لستُ بِفَظُّ ولا غليظ، ولا يصدر مني قولٌ ولا فعلٌ ينافي أمر الله
وطاعته .
: وَالسَّلَمُ عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدِتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيَّ﴾. وهذه الأماكن(٣) الثلاثة التي تقدَّم الكلام عليها
في قصة يحيى بن زكريا عليهما السلام .
ثمّ لما ذكر تعالى قصّته على الجلية، وبيّن أمرَه ووضّحه وشرحه قال: ﴿ ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمٌ قَوْلَ
اُلْحَقِّ الَّذِى فِيهِ يَمْتَرُونَ ﴿يَمَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَتَهُ، إِذَا قَضَىَ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ . كما قال تعالى
بعد ذكر قصته وما كان من أمره في آل عمران: ﴿ ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآَيَتِ وَالذِكْرِ الْحَكِيمِ ﴾ إِنَّ مَثَلَ
عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَّ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَمُ كُنْ فَيَكُونُ (٤) الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُنُ مِنَ الْمُمْتَرِنَ () فَمَنْ حَاجَكَ فِيهِ
مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْ نَدْعُ أَبْنَآءَنَا وَأَبْنَآءَ كُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَ كُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ
اللَّهِ عَلَى الْكَذِينَ ﴿﴿ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقِّ وَمَا مِنْ إِلَهِ إلَّا الَّهُ وَإِنَّ اللَّهُ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (﴿ فَإِن تَوَلَّوْ فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ
بِالْمُفْسِدِينَ ﴾ [٥٨ -٦٣]. ولهذا لما قَدِم وفد نجرانُ(٤) وكانوا ستينَ راكباً يرجع أمرُهم إلى أربعة عشر
منهم ، ويؤول أمر الجميع إلى ثلاثة هم أشرافهم وساداتهم ، وهم العاقب والسّيد وأبو حارثة بن علقمة ،
فجعلوا يناظرون في أمر المسيح ، فأنزل الله صدر سورة آل عمران في ذلك ، وبين أمر المسيح وابتداء خلقه
وخلق أُمه من قبله ، وأمر رسوله بأن يباهِلَهم(٥) إن لم يستجيبوا له ويتبعوه ، فلما رأوا عينيها وأذنيها نكلوا
ونكصوا وامتنعوا عن المباهلة وعدلوا إلى المسالمة والموادعة ، وقال قائلهم ، وهو العاقب
(١) ليست في ب . وأولو العزم من الرسل هم: نوح ، وإبراهيم ، وموسى ، وعيسى، ومحمد عليهم السلام.
المحاويج : جمع مُحوج وهو المعدم .
(٢)
(٣)
في ب : المواطن .
سيأتي تفصيل الحديث عن وفد نجران في الجزء الخامس ، باب الوفود .
(٤)
(٥) المباهلة: الملاعنة، وهو أن يجتمع القوم إذ اختلفوا في شيء فيقولوا لعنة الله على الظالم منا .

٢٥١
ميلاد العبد الرسول عيسى بن مريم البتول
عبد المسيح : يا معشر النصارى لقد علمتم أن محمداً لنبي مرسل ، ولقد جاءكم بالفصل من خبر
صاحبكم ، ولقد علمتم أنه ما لَا عَنَ قَومٌ نبياً قط فبقي كبيرهم ولا نَبَت صغيرهم ، وإنها للاستئصال منكم
إن فعلتم ، فإن كنتم قد أبيتم إلّ إلفَ دينكم والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم ، فوادِعوا
الرجل وانصرفوا إلى بلادكم. فطلبوا ذلك من رسول الله وَله، وسألوه أن يضرب عليهم جزية، وأن يبعث
معهم رجلاً أميناً ، فبعث معهم أبا عبيدة بن الجزَّاح ، وقد بينا ذلك في تفسير آل عمران (١) وسيأتي بسط
هذه القضية في السيرة النبوية(٢) إن شاء الله تعالى ، وبه الثقة .
والمقصود أن الله تعالى لما بين أمر المسيح قال لرسوله: ﴿ ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمٌ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِى فِيهِ
يَمْتَرُونَ﴾ يعني من أنه عبد مخلوق، من امرأة من عباد الله، ولهذا قال: ﴿ مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِن وَلَّدٍ
سُبْحَتَهُ، إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُر كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي لا يُعجزه شيء، ولا يكربه(٣) ولا يؤوده ، بل هو القدير
الفعّال لما يشاء ﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ: إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ رَبِى وَرَبُّكُمْ فَأَعْبُدُوّةُ
هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ هو من تمام كلام عيسى لهم في المهد ، أخبرهم أن الله ربُّه وربُّهم وإلّههُ وإِلَّهُهُم،
وأن هذا هو الصراط المستقيم .
قال الله تعالى: ﴿ فَأَخْتَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أي : فاختلف أهل
ذلك الزمان(٤) ومَنْ بَعدهم فيه ، فمن قائل من اليهود : إنه ولد زنية ، واستمروا على كفرهم وعنادهم ،
وقابلهم آخرون في الكفر فقالوا : هو الله . وقال آخرون : هو ابن الله . وقال المؤمنون : هو عبد الله
ورسوله وابن أَمَتِه وكلمته ألقاها إلى مريم ، وروح منه ، هؤلاء هم الناجون المثابون المؤيّدُون
المنصورون ، ومَنْ خالفهم في شيء من هذه القيود فهم الكافرون الضالّون الجاهلون ، وقد توَّدهم العلي
العظيم الحكيم العليم بقوله: ﴿ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.
قال البخاري : حدّثنا صدقة بن الفضل ، حدّثنا الوليد، حدّثنا الأوزاعي، حدّثني عمير بن
هانىء، حدّثني ◌ُنادة بن أبي أمية، عن عبادة بن الصامت، عن النبي ◌ِ ◌ّ قال: ((مَنْ شَهِد أنْ لا إلهَ إلّ
الله وحدَه لا شَرِيْكَ له، وأن محمداً عبدُه ورَسُوْلُهُ ، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته(٥) ألقاها إلى
في تفسيره (٣٦٨/١).
(١)
في الجزء الخامس من هذا الكتاب .
(٢)
(٣)
كذا في ب . وفي أوط : يكترثه .
تفسير الطبري ( ١٦ / ٦٤ - ٦٥ ).
(٤)
(٥) في ب : وأن عيسى روح الله وكلمته .

٢٥٢
ميلاد العبد الرسول عيسى بن مريم البتول
مريم ورُوحٌ منه، والجنةُ حقٌّ، والنارُ حقٌّ، أدخله الله الجنةَ على ما كان من العمل )(١) . قال الوليد :
فحدّثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن عمير عن جنادة، وزاد: (( من أبواب الجنة الثمانية أيها شاء )).
وقد رواه مسلمُ(٢) عن داود بن رُشَيْد عن الوليد عن ابن جابر به . ومن طريق أخرى عن الأوزاعي
به .
*
(١) أخرجه البخاري رقم (٣٤٣٥)، في الأنبياء، باب قوله تعالى: ﴿يَّأَهْلَ اُلْكِتَبِ لَا تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ ﴾ .
وقول الوليد الآتي من تتمة رواية البخاري وسيكرره في الصفحة (٢٨٩)، ت (٩).
(٢) صحيح مسلم رقم (٢٨) في الإيمان ، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعاً .

٢٥٣
بیان أن الله تعالی منزه عن الولد
باب بيان أنّ الله تعالى منزّه عن الولد
تعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً(١)
قال تعالى في آخر هذه السورة: ﴿وَقَالُواْ أَتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِذَّا﴾ أي: شيئاً عظيماً
ومنكراً من القول وزوراً ﴿تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَنَفَطَرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَّخِرُ الْحِبَالُ هَذَّا (١٨) أَنْ دَعَوْاْ لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا أ
وَمَا يَتْبَغِى لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (١) إِن كُلُّ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ إِلَّ ءَاِى الَّحْمَنِ عَبْدًا (٥) الَّقَدْ أَحْصَنْهُمْ وَعَذَّهُمْ عَذَّا !
وَكُلُّهُمْ ءَاتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [ مريم: ٨٨ - ٩٥] .
فبيّن أنّه تعالى لا ينبغي له الولد ؛ لأنّه خالق كلِّ شيءٍ ومالكه، وكلّ شيء فقير إليه ، خاضعٌ ذليلٌ
لديه ، وجميع سكان السماوات والأرض عبيدُه، وهو ربّهم ، لا إله إلا هو ، ولا رب سواه، كما قال
تعالى: ﴿ وَجَعَلُواْلِلَّهِ شُرَّكَآءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمِّ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَتٍ بِغَيْرِ عِلٍَّ سُبْحَانَهُ, وَتَعَلَى عَمَّا يَصِفُونَ ﴿ بَدِيعُ
الشَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَ تَكُنْ لَّهُ صَحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ (َذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا
هُوَّ خَلِقُ ككُلِّ شَىْءٍ فَأَعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ ﴿ لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَرِّ وَهُوَ
اَللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٠ - ١٠٣].
فبين أنه خالق كلّ شيء ، فكيف يكون له ولد ، والولد لا يكون إلا بين شيئين متناسبين ، والله تعالى
لا نظير له ولا شبيه له ولا عديل له ، ولا صاحبة له فلا يكون له ولد كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ
أَحَدُّ ◌َ اللَّهُ الصََّمَدُ ﴿ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُوَا أَحَدٌ﴾ تقرر أنه الأحد الذي
لا نظير له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ﴿ اُلصَّمَدُ ﴾ وهو السيد الذي كمل في علمه وحكمته
ورحمته وجميع صفاته ﴿ لَمْ يَلِدْ﴾ أي لم يوجد منه ولد، ﴿ وَلَمْ يُولَدْ ﴾ أي: ولم يتولّد عن شيء
قبله ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ أي وليس له عديلٌ ولا مكافىءٌ ولا مساوٍ ، فقطع النظير المدني
والأعلى والمساوي ، فانتفى أن يكون له ولد ، إذ لا يكون الولد إلا متوَلداً بين شيئين متعادلين أو متقاربين
وتعالى الله عن ذلك علواً كبيراً .
وقال تبارك وتعالى وتقدَّس: ﴿يَأَهْلَ الْكِتَبِ لَا تَغْلُواْ فِ دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا
الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ: أَلْقَنِهَا إِلَى مَرْيَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَامِنُواْ بِلّهِ وَرُسُلِّهِ، وَلَا تَقُولُواْ ثَلَهُ أَنْتَهُوا
خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ وَحِدٌ سُبْحَكِنَّهُ: أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَُّّ لَّهُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِّ وَكَفَى بِلَّهِ وَكِيلًا قَ الَّن
يَسْتَنَكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَ الْمَلَتِكَةُ الْمُقْرَبُونَّ وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَخْشُرُهُمْ
(١) هذه العبارة ليست في ط .

٢٥٤
بيان أن الله تعالى منزّه عن الولد
إِلَيْهِ جَمِيعًا ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ فَيُوَفِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ، وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا
وَأَسْتَكْبَرُواْ فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [ النساء: ١٧١ - ١٧٣].
يَنْهى تعالى أهل الكتاب ومن شابههم عن الغلوّ والإطراء في الدين ، وهو مجاوزة الحدّ ، فالنصارى
- لعنهم الله(١) - غلوا وأطروا المسيح حتى جاوزوا الحدّ ، فكان الواجب عليهم أن يعتقدوا أنه عبد الله
ورسوله وابن أمته العذراء البتول التي أحصنت فرجها ، فبعث الله الملك جبريل إليها فنفخ فيها عن أمر الله
نفخةً حملت منها بولدها عيسى عليه السلام ، والذي اتصل بها من الملك هي الروح المضافة إلى الله إضافةً
تشريف وتكريم ، وهي مخلوقة من مخلوقات الله تعالى ، كما يقال : بيت الله ، وناقة الله ، وعبد الله ،
وكذا روح الله ، أضيفت إليه تشريفاً لها وتكريماً . وسمي عيسى بها لأنه كان بها من غير أب ، وهي الكلمة
أيضاً التي عنها تخلَّق(٢)، وبسببها وجد كما قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَآدَمّ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ
ثُمَّ قَالَ لَمُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ [ آل عمران : ٥٩].
وقال تعالى: ﴿وَقَالُواْ اتَّخَذَ اَللَّهُ وَلَدَّأْ سُبْحَنَّهْ بَل لَُّ مَا فِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَُّرٍ قَدِنُونَ (١) بَدِيعُ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَإِذَا قَضَىَ أَعْرَّا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٦ - ١١٧].
وقال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرُّ أَبْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَرَى الْمَسِيحُ أَبُْ اَللَّهِّ ذَلِكَ قَوْلُهُم
بِأَفْوَهِهِمٌ يُضَهِفُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَثَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠].
فأخبر تعالى أن اليهود والنصارى - عليهم لعائن الله - كلٌّ من الفريقين ادّعَوا على الله شططاً ، وزعموا
أن له ولداً ، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً ، وأخبر أنهم ليس لهم مستندٌ فيما زعموه ولا فيما ائتفكوه إلّا
مجرّد القول ومشابهة من سبقهم إلى هذه المقالة الضالة ، تشابهت قلوبهم ، وذلك أن الفلاسفة - عليهم
لعنة الله - زعموا أن العقل الأول صَدَر عن واجب الوجود الذي يعبّرون عنه بعلّة العلل والمبدأ الأول، وأنه
صدر عن العقل الأول عقل ثان ونفس وفلك ، ثمّ صدر عن الثاني كذلك ، حتى تناهت العقول إلى عشرة
والنفوس إلى تسعة ، والأفلاك إلى تسعة ، باعتبارات فاسدة ذكروها واختيارات باردة أوردوها ، ولبسط
الكلام معهم وبيان جهلهم وقلة عقلهم موضع آخر . وهكذا طوائف من مشركي العرب زعموا لجهلهم(٣)
أن الملائكة بنات الله ، وأنه صاهر سروات الجن فتولّد منهما الملائكة، تعالى الله عما يقولون وتنزّه عما
يشركون، كما قال تعالى: ﴿ وَجَعَلُواْ الْمَلَئِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَدُ الرَّحْمَنِ إِنَنَّأْ أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ سَتُكْنَبُ شَهَدَتُهُمْ
وَيُسْئَلُونَ ﴾ [ الزخرف: ١٩].
(١) في ب : عليهم لعائن الله تعالى.
(٢) في ط : خلق .
(٣) في ب : بجهلهم .

٢٥٥
بيان أن الله تعالى منزّه عن الولد
وقال تعالى: ﴿ فَأَسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (٣) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَبِكَةَ إِنَثًّا وَهُمْ شَهِدُونَ
٢٥
أَلَا إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِمْ لَيَقُولُونٌَ ﴿ وَلَدَ اللّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ (١٥) أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥) مَالَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٥) أَفَلَا
وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الِنَّةِ نَسَبَّأْ وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ
١٥
فَأَنتُواْ بِكِنَبِكُمْ إِن كُمْ صَدِقِينَ
١٥
نَذَكَّرُونَ ﴿َ أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ
لَمُحْضَرُونَ (٥َ سُبْحَنَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٥) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٤٩ - ١٦٠].
وقال تعالى: ﴿ وَقَالُواْ اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدَأْ سُبْحَتَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ ﴿ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ،
يَعْمَلُونَ الَّ
﴿ وَمَن يَقُلْ
يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِ يِهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنْ أَرْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشَْتِهِ، مُشْفِقُونَ (!
مِنْهُمْ إِلَّى إِلَهٌ مِّن دُونِهِ، فَذَلِكَ تَجْزِيهِ جَهَنَّمُ كَذَلِكَ نَجْزِى اُلِّمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٦ -٢٩].
وقال تعالى في أول سورة الكهف، وهي مكية: ﴿اٌلْحَبْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِنَبَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ
عِوَجَاْ ﴿ فَيِمَا لِسُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِّن لَُّنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّلِحَتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٥َّ مَمْكِتِينَ
فِيهِ أَبَدًّا ﴿ وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُواْ أَتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٥َمَّالَهُمْ بِهِ، مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِلَّبَبِهِمَّ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَهِهِمَّ إِن
يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا ﴾ [١ -٤].
وقال تعالى: ﴿قَالُواْ أَتَّخَذَ اَللَّهُ وَلَدَّأْ سُبْحَنٌَّ هُوَ الْغَنِىِّ لَهُ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضَِّ إِنْ عِندَكُم
مِّن سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (١٦) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ ﴾َمَتَهُ فِى
اُلُّنْيَاثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوايَكْفُرُونَ﴾ [يونس: ٦٨ - ٧٠].
فهذه الآيات المكّيات (١) الكريمات تشمل الردّ على سائر فرق الكَفَرة من الفلاسفة ومشركي العرب
واليهود والنصارى الذين ادّعوا وزعموا ، بلا علم ، أن الله ولداً ، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون
المعتدون علوّاً كبيراً .
ولما كانت النصارى - عليهم لعنة الله المتتابعة إلى يوم القيامة - من أشهر من قال بهذه المقالة ،
ذُكِروا في القرآن كثيراً للردّ عليهم ، وبيان تناقضهم ، وقلّة علمهم ، وكثرة جهلهم ، وقد تنوعت أقوالهم
في كفرهم ، وذلك أن الباطل كثير التشعب والاختلاف والتناقض ، وأما الحق فلا يختلف
ولا يضطرب. قال الله تعالى: ﴿ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلَفَّا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]. فدلّ
على أن الحق يتَّحد ويتَّفق، والباطل يختلف ويضطرب. فطائفة من ضُلاَّلهم وجُهَّالهم زعموا أن المسيح
هو الله - تعالى الله(٢) - وطائفة قالوا: هو ابن الله - عَزَّ الله - وطائفة قالوا: هو ثالث ثلاثة - جل الله - .
قال الله تعالى في سورة المائدة: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَّرْيَمَّ قُلْ فَمَنْ
يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ أَبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ، وَمَن فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ
(١) ليست في ب . والآيات ، كما قال ، مكيات.
(٢) ليست في ب وط .

٢٥٦
بيان أن الله تعالى منزّه عن الولد
السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَأْ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٧].
فأخبر تعالى عن كفرهم وجهلهم ، وبيَّن أنه الخالق القادر على كلّ شيء ، المتصرّف في كلّ شيء ،
وأنه ربُّ كلّ شيء ومليكه وإلَهه. وقال في أواخرها: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ
مَرْيَدٌ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَبَنِىّ إِسْرَِّيلَ أَعْبُدُواْ اللّهَ رَبِي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكِ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَنُ النَّارُوَمَا
لِلََّلِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ﴿ لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَءٍ إِلَّ إِلَهٌ وَحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنْتَهُواْ عَمَّا
! أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ, وَاللَّهُ غَفُورٌ
يَقُولُونَ لَيَمَسَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيهُ رِّ
رَّحِيمٌ (فَ مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُتُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَام
أَنْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآَيَتِ ثُمَ اُنْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المائدة: ٧٢ -٧٥].
حكم تعالى بكفرهم شرعاً وقَدَراً ، فأخبر أن هذا صَدَرَ مِنهم مع أنّ الرسول إليهم وهو عيسى بن مريم
قد بيّن لهم أنه عبدٌ مَرْبُوبٌ مخلوقٌ مُصَوَّرٌ في الرحم ، داع إلى عبادة الله وحده لا شريكَ له ، وتوَّدَهم
على خلاف ذلك بالنار وعدم الفوز بدار القرار والخزي في الدار الآخرة والهوان والعار(١)، ولهذا قال:
﴿ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَنَهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ﴾. ثم قال سبحانه
وتعالى: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةُ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّ إِلَهٌ وَحِدٌ﴾. قال ابن جرير(٢)
وغيره : المراد بذلك قولهم بالأقانيم(٣) الثلاثة. أقنوم الأب، وأقنوم الابن ، وأقنوم الكلمة المنبثقة من
الأب إلى الابن ، على اختلافهم في ذلك ما بين الملكية واليعقوبية والنسطورية - عليهم لعائن الله - كما
سنبين كيفية اختلافهم في ذلك ، ومجامعهم الثلاثة في زمن قسطنطين بن قسطس ، وذلك بعد المسيح
بثلاثمئة سنة، وقبل البعثة المحمدية بثلاثمئة سنة، ولهذا قال تعالى: ﴿ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّ إِلَهٌ وَحِدَّ ﴾ أي
وما من إلّه إلّا الله وحده لا شريك له ولا نظير له ولا كفء له ولا صاحبة له ولا ولد . ثمّ توَّدهم
وتهدّدهمُ(٤) فقال: ﴿وَإِن لَّمْ يَنْتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسََّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمُ ﴾ ثم دعاهم
برحمته ولُطْفه إلى التوبة والاستغفار من هذه الأمور الكبار والعظائم التي توجب النار فقال :
أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ, وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ حَالَ المسيح وأمّه، وأنه عبدٌ رسولٌ
وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ أي: ليست بفاجرة كما يقوله اليهود - لعنهم الله - وفيه دليلٌ على أنها ليست بنبيّة كما
زعمه طائفة من علمائنا، وقوله: ﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامُّ ﴾ كناية عن خروجه منهما كما يخرج من
غيرهما ، أي ومَنْ كان بهذه المثابة كيف يكون إلّهاً ، تعالى الله عن قولهم وجهلهم علواً كبيراً . وقال
(١) قوله : والهوان والعار ؛ ليس في ب .
(٢) تفسير الطبري (٦/ ٢٠٢).
(٣) الأقانيم: الأصول. واحدها أقنوم . قال الجوهري: وأحسبها رومية .. نقله في اللسان.
(٤) في ب : وهددهم .

٢٥٧
بيان أن الله تعالى منزّه عن الولد
الشُّدِّي(١) وغيرُه: المراد بقوله: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهُ ثَالِثُ ثَلَاثَةُى﴾ زَعْمُهُم في عيسى وأمه
أنهما إلَهَانُ(٢) مع الله، يعني كما بيّن تعالى كفرَهم في ذلك بقوله في آخر هذه السورة الكريمة ﴿ وَإِذْ قَالَ اللَّهُ
يَنْعِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ ءَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ الَّخِذُونِ وَأُنِىَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللِّ قَالَ سُبْحَنَكَ مَا يَكُونُ لِىّ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقّ إِن
كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِّمْتَهُ, تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلَآ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَُّمُ الْغُيُوبِ ﴿٧) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّ مَآ أَمْتَنِى بِهِ: أَنِ اعْبُدُواْ .
اللَّهَ رَبِى وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِهِمْ فَلَمَّا تَوَقَّْتَنِى كُنْتَ أَنتَ الرَّقِبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيُ (٤) إِن تُعَذِّبْهُمْ
فَإِنَّهُمْ عِبَادٌُ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٦ -١١٨].
يخبر تعالى أنه يسأل عيسى ابنَ مريمَ يوم القيامة على سبيل الإكرام له والتقريع والتوبيخ لعابديه ممن
كذَّب عليه وافترى وزعم أنه ابن الله ، أو أنه الله أو شريكه ، تعالى الله عما يقولون ، فيسأله - وهو يعلم -
أنه لم يقعْ منه ما يسأله عنه ، ولكنْ لتوبيخ من كذبَ عليه، فيقول له: ﴿ءَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ أَمَّخِذُونِ وَأُفِىَ
إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ أي: تعاليت(٣) أن يكون معك شريك. ﴿ مَا يَكُونُ لِىّ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى
بِحَقٍّ﴾ أي ليس هذا يستحقه أحدٌ سواك ﴿إِن كُنتُ قُلْتُمُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلَّ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ
عَلَّمُ الْغُيُوبِ﴾. وهذا تأذُّبٌ عظيمٌ في الخطاب والجواب ﴿ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّ مَآ أَمْتَنِ بٍِ﴾ (٤) حين أرسلتني
إليهم وأنزلت عليَّ الكتاب الذي كان يُتلى عليهم .
ثم فسّر ما قال لهم بقوله: ﴿أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ رَبِ وَرَبَّكُمْ﴾ أي: خالقي وخالقكم ، ورازقي ورازقكم
وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِ﴾ أي : رفعتني إليك حين أرادوا قتلي وصلبي، فرحمتني
وخلّصتني منهم ، وألقيتَ شَبَهي على أحدهم ، حتى انتقموا منه ، فلما كان ذلك ﴿ كُنتَ أَنْتَ الرَّقِبَ عَلَيْهِمْ
وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾ .
ثمّ قال على وجه التفويض إلى الربّ عزّ وجلّ والتبرِّي من أهل النصرانية: ﴿ إِن تُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادٌُ ﴾
أي: وهُمْ يستحقون ذلك ﴿وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِبِزُ الْحَكِيمُ﴾. وهذا التفويض والإسناد إلى المشيئة
بالشرط لا يقتضي وقوعَ ذلك، ولهذا قال: ﴿ فَإِّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ولم يقل الغفور الرحيم .
وقد ذكرنا في ((التفسير)(٥) ما رواه الإمام أحمد عن أبي ذَرِّ أنَّ رسول الله وَّر قام بهذه الآية الكريمة
ليلةً حتى أصبح: ﴿ إِن تُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادٌُ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَرَبِزُ الْحَكِيمُ﴾ وقال: ((إني سألت ربي
(١) تفسير الطبري (٢٠٢/٦ - ٢٠٣).
(٢) في ط : الإلاهان .
(٣) في ب : عن أن .
زاد في ب : أي ما قلت غير ما أمرتني به .
(٤)
(٥) تفسير ابن كثير (٢/ ١٢١).

٢٥٨
بیان أن الله تعالی منزه عن الولد
عزَّ وجلَّ الشفاعةَ لأمتي فأعطانيها ، وهي نائلةٌ إن شاء الله تعالى لمن لا يشرك بالله شيئاً)(١) .
وقال: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَعِينَ () لَوْ أَرَّدْنَا أَنْ تَّنَخِذَ لَمَوَّ لَّأَتَّخَذْنَهُ مِن لَّهُنَّا إِن كُنَّاً
فَعِلِينَ (٤٦) بَلْ نَفْذِفُ بِالْنَقَّ عَلَى الْبَطِلِ فَيَدْمَغُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا نَصِفُونَ (١) وَلَهُ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَمَنْ
عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْثِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (3) يُسَبِّحُونَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُّرُونَ﴾ [ الأنبياء: ١٦ -٢٠].
وقال تعالى: ﴿لَّوْ أَرَادَ اللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَدَا لَّاَصْطَفَى مِمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَنَّهُ هُوَ اللَّهُ الْوَحِدُ الْقَهَارُ (
خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ الَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى الَّيْلِ وَسَخَرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرِّ كُلٌّ
يَجْرِى لِأَجَلٍ مُنَّىَ أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّرُ ﴾ [الزمر: ٤ -٥].
سُبْحَنَ رَبِّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا
وقال تعالى: ﴿ قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَأْ أَوَّلُ الْعَبِدِينَ
يَصِفُونَ﴾ [ الزخرف: ٨١ -٨٢].
وقال تعالى: ﴿ وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى لَمْ يَخِذْ وَلَا وَلَمْ يَكُ لَّهُ شَرِيِكٌ فِ الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِىٌ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِرَهُ تَكْبِيرًا ﴾
[ الإسراء : ١١١ ] .
وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ أَ اللَّهُ الصََّمَدُ ﴿ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ﴿ وَلَمْ يَكُن لَُّ كُفُوًّا
أَحَدٌّ﴾ .
وثبت في الصحيح عن رسول الله وَليل أنه قال: ((يقول الله تعالى : شتمني ابن آدم ولم يكن له ذلك ،
يزعم أن لي ولداً وأنا الأحد الصمدُ الذي لم ألذْ ولم أُولدْ ولم يكن لي كفواً أحد)(٢).
وفي الصحيح أيضاً عن رسول الله و ﴿ أنه قال: ((لا أحد أصبرُ على أذى سمعه من الله ، إنهم يجعلون
له ولداً وهو يرزقهم ويعافيهم (٣) .
ولكن ثبت في الصحيح أيضاً عن رسول الله وَلي أنه قال: ((إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم
يفلته))، ثم قرأ: ﴿ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَيِّكَ إِذَا أَخَذَ اَلْقُرَى وَهِىَ ظَلِمَّةُ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾(٤) [ هود: ١٠٢].
(١) الحديث في مسند أحمد (١٤٩/٥).
(٢) الحديث بتمامه في البخاري رقم (٤٩٧٤) و(٤٩٧٥)، في التفسير ، باب تفسير سورة الإخلاص . والنسائي
(١١٢/٤)، ومسند أحمد (٣١٧/٢، ٣٥٠). من طريق أبي هريرة رضي الله عنه.
(٣) أخرجه البخاري رقم (٦٠٩٩)، في الأدب، باب الصبر في الأذى ، ورقم ( ٧٣٧٨ ) في التوحيد ، باب قول
الله تعالى ﴿ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَنِينُ)، ومسلم (٢٨٠٤) في المنافقين، باب لا أحد أصبر على أذى ، من
الله عز وجل، وأحمد (٤/ ٣٩٥، ٤٠١، ٤٠٥) . وفي لفظه اختلاف يسير عما هنا.
(٤) أخرجه البخاري رقم (٤٦٨٦)، في التفسير، ( تفسير سورة هود)، باب ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ اَلْقُرَى﴾،
ومسلم ( ٢٥٨٣) في البر والصلة ، باب تحريم الظلم، والترمذي ( ٣١١٠) في التفسير ، باب ومن سورة هود ،
وابن ماجه ( ٤٠١٨)، في الفتن ، باب العقوبات . وقال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح غريب ...

٢٥٩
بیان أن الله تعالی منزه عن الولد
وهكذا قوله تعالى: ﴿ وَكَأَيِّنِ مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَا وَهِىَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَىَ الْمَصِيرُ﴾ [ الحج: ٤٨].
وقال تعالى: ﴿ نُمِنِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ ﴾ [ لقمان: ٢٤].
وقال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١) مَنَعُ فِ الدُّنْيَاثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ
تُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوايَكْفُرُونَ ﴾ [ يونس: ٦٩ - ٧٠].
وقال تعالى: ﴿فَهِّلِ الْكَفِرِينَ أَمْهِلَهُمْ رُوَيْدًا﴾ [الطارق: ١٧].
* * *

٢٦٠
منشأ عيسى ابن مريم عليهما السلام
ذكر منشأ عيسى ابن مريم عليهما السّلام
ومرباه في صغره وصباه وَبيان بدء الوحي إليه من الله تعالى(١)
قد تقدم أنه وُلد ببيت لحم(٢) قريباً من بيت المقدس . وزعم وهْب بن منبّه أنه ولد بمصر ، وأن مريم
سافرت هي ويوسف بن يعقوب النجار وهي راكبة على حمار ليس بينها وبين الإكاف(٣) شيء. وهذا
لا يصح . والحديث(٤) الذي تقدم ذكره دليل على أن مولده كان ببيت لحم كما ذكرنا ، ومهما عارضه
فباطلٌ .
وذكر وهب بن منبه أنه لما وُلد خَرَّتِ الأصنام يومئذٍ في مشارق الأرض ومغاربها ، وأن الشياطين
حارت في سبب ذلك حتى كَشَف لهم إبليس الكبير أمرَ عيسى ، فوجده في حجر أمه والملائكة مُحدقة
به(٥) ، وأنه ظهر نجم عظيم في السماء ، وأن ملك الفرس أشفق من ظهوره ، فسأل الكهنةَ عن ذلك
فقالوا : هذا لمولدٍ عظيم في الأرض، فبعث رُسُلَه ومعهم ذهب ومرٌّ ولبالٌ(٦) هدية إلى عيسى ، فلما
قدموا الشام سألهم ملكها عمّا أقدمهم ، فذكروا له ذلك ، فسأل عن ذلك الوقت ، فإذا قد ولد فيه
عيسى ابن مريم ببيت المقدس واشتهر أمره بسبب كلامه في المهد ، فأرسلهم إليه بما معهم وأرسل معهم
من يعرفه له ليتوصل إلى قتله إذا انصرفوا عنه . فلما وصلوا إلى مريم بالهدايا ورجعوا قيل لها : إن رسل
ملك الشام إنما جاؤوا ليقتلوا ولدك فاحتملته فذهبت به إلى مصر فأقامت به حتى بلغ اثنتي عشرة سنةً ،
وظهرت عليه كرامات ومعجزات في حال صغره(٧) .
فذكر منها أن الدهقان الذي نزلوا عنده افتقد مالاً من داره ، وكانت داره لا يسكنها إلا الفقراء
والضعفاء والمحاويج ، فلم يدر من أخذه ، وعزَّ ذلك على مريم عليها السلام ، وشَقّ على الناس وعلى
(١) العنوان في ط : منشأ عيسى بن مريم عليهما السلام وبيان بدء الوحي إليه من الله تعالى .
(٢) صفحة ( ١٦٨).
تاريخ الطبري (٥٩٥/١). والإكاف : برذعة الحمار .
(٣)
في ب : والذي . والحديث المتقدم ص (٢٤٣) . في ذكر ميلاد عيسى عليه السلام .
(٤)
(٥) كذا في ط . وفي أ: تحدقه. وفي ب: تحدقها . وفي تاريخ الطبري أن إبليس رأى الملائكة محدقين بذلك
المكان .
(٦) في تاريخ الطبري : أن حملة الهدايا مرُّوا بملك من ملوك الشام ، فسألهم عن معنى هذه الهدية فقالوا : تلك أمثاله :
لأن الذهب هو سيد المتاع كله ، وكذلك هذا النبي هو سيد أهل زمانه . ولأن المر يُجْبَرُ به الجرح والكسر ، وكذلك
هذا النبي يشفي به الله كل سقيم ومريض . ولأن اللبان ينال دخانه السماء ولا ينالها دخان غيره ، كذلك هذا النبي
يرفعه الله إلى السماء لا يُرفع في زمانه أحد غيره .
(٧) تاريخ الطبري (٥٩٥/١)، وما بعدها .