النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
قصة زكريا ويحيى عليهما السلام
الأمر الخفي إما بكتابة ، كما قال مجاهد والسُّدّي ، أو إشارة كما قاله مجاهد أيضاً ووهب وقتادة(١) .
قال مجاهد وعكرمة ووهب والسُّدّي وقتادة : اعتقل لسانه من غير مرض . وقال ابن زيد : كان يقرأ
ويسبّح ، ولكن لا يستطيع كلام أحد .
وقوله ﴿ يَنْيَحْيِى خُذِ الْكِتَبَ بِقُوَّةٍ وَءَاتَيْنَهُ الْحُكْمَ صَبِيًا﴾، يخبر تعالى عن وجود الولد وفق البشارة
الإلهية لأبيه زكريا عليه السلام، وأن الله تعالى علَّمه الكتابة والحكمة وهو صغير في حال صباه . قال
عبد الله بن المبارك : قال معمر : قال الصبيان ليحيى بن زكريا : اذهب بنا نلعب . فقال : ما للّعب
خُلِقِنا. قال: وذلك قوله: ﴿ وَءَاتَيْنَهُ الْحُكْمَ صَبِيًا﴾(٢) .
وأما قوله: ﴿وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا﴾ فروى ابن جرير(٣) عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس أنه
قال: لا أدري ما الحنان . وعن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة والضحاك : ﴿ وَحَنَانًا مِن لَّدُنَّا ﴾ أي
رَحْمة من عندنا ، رحمنا بها زكريا فوهبنا له هذا الولد. وعن عكرمة ﴿ وَحَنَانًا﴾ أي محبّة عليه . ويحتمل
أن يكون ذلك صفة لتحنّن يحيى على الناس ولا سيما على أبويه، وهو محبَّتهما والشفقة عليهما وبُّه بهما .
وأما الزكاة : فهو طهارة الخلق وسلامته من النقائص والرذائل . والتقوى طاعة الله بامتثال أوامره
وترك زواجره .
ثمّ ذكر برّه بوالديه وطاعته لهما أمراً ونهياً وترك عقوقهما قولاً وفعلاً فقال ﴿وَبَرَّا بِوْلِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا
عَصِيًّا﴾ ثم قال ﴿ وَسَلَامُ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ هذه الأوقات الثلاثة أشد ما تكون على
الإنسان ، فإنه ينتقل في كلّ منها من عالم إلى عالم آخر ، فيفقد الأول بعد ما كان ألفه وعرفه ، ويصير إلى
آخر ، ولا يدري ما بين يديه ، ولهذا يستهل صارخاً إذا خرج من بين الأحشاء وفارق لينها وضمَّها ، وينتقل
إلى هذه الدار ليكابد همومها وغمّها . وكذلك إذا فارق هذه الدار ، وانتقل إلى عالم البرزخ بينها وبين دار
القرار وصار بعد الدور(٤) والقصور إلى عَرَصة الأموات سكان القبور ، وانتظر هناك النفخة في الصور ليوم
البعث والنشور ، فمن مسرور ومحبور، ومن محزون ومثبور ، وما بين مجبور(٥) وكسير، وفريق في
الجنة وفريق في السّعير . ولقد أحسن بعض الشعراء حيث يقول : [ من الكامل ]
والناسُ حولَك يَضْحَكونَ سُرورا
وَلَدتَكَ أُمّكَ باكياً مُسْتَصْرِخاً
في يَوْمِ مَوْتِك ضاحِكاً مَسْرُورا
فاحْرِصْ لنفسِك أن تكون إذا بكوا
(١) تفسير الطبري (١٦ / ٤١ - ٤٢).
(٢) تفسير الطبري (١٦ / ٤٣).
(٣). تفسيره (١٦ / ٤٣).
(٤) في ب : بعد هذه الدار والقصور .
(٥) في ط : جبير .

٢٢٢
قصة زكريا ويحيى عليهما السلام
ولما كانت هذه المواطن الثلاثة أشق ما تكون على ابن آدم سلَّم الله تعالى على يحيى في كلّ موطن منها
فقال: ﴿وَسَلَمُّ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾. وقال سعيد ابن أبي عروبة ، عن قتادة أن الحسن
قال : إن يحيى وعيسى التقيا ، فقال له عيسى: استغفر لي أنت خيرٌ مني ، فقال له الآخر : استغفر لي أنت
خير مني ، فقال له عيسى: أنت خير مني، سلّمتُ على نفسي، وسلّم الله عليكَ، فعرف والله فضلها(١) .
وأما قوله في الآية الأخرى: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّلِحِينَ﴾ فقيل : المراد بالحَصُور الذي
لا يأتي النساء. وقيل غير ذلك وهو أشبه لقوله: ﴿هَبْ لِ مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةٌ﴾. وقد قال الإمام
أحمد(٢): حدّثنا عفّان، حدّثنا حمّاد، أخبرنا علي بن زيد، عن يوسف بن مهران ، عن ابن عباس أن
رسول الله وَ ﴿ه قال: (( ما من أحدٍ من ولد آدمَ إلّ وقدْ أخطأ أو هَمَّ بخطيئة، لَيْس يحيى بن زكريا،
وما ينبغي لأحدٍ يقول : أنا خَيْرٌ مِنْ يُؤْنُس بن متَّى)).
علي بن زيد بن جُدْعان ، تكلم فيه غير واحدٍ من الأئمة ، وهو منكر الحديث(٣).
وقد رواه ابن خزيمة والدار قطني من طريق أبي عاصم العبّادَاني عن علي بن زيد بن جدعان به مطولاً ،
ثمّ قال ابن خزيمة : وليس على شرطنا .
وقال ابن وهب : حدثني ابن لَهِيْعة، عن عُقَيْل، عن ابن شهاب قال: خرج رسول الله وَّر على
أصحابه يوماً وهم يتذاكرون فضل الأنبياء ، فقال قائل : موسى كليم الله . وقال قائل : عيسى روح الله
وكلمته . وقال قائل(٤): إبراهيم خليل الله(٥)، فقال: أين الشهيد ابن الشهيد يلبس الوبر ويأكل الشجر
مخافة الذنب . قال ابن وهب : يريد يحيى بن زكريا(٦) .
وقد رواه محمد بن إسحاق ، وهو مدلّس ، عن يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن سعيد بن المسيب ،
حدّثني ابن العاص أنه سمع رسول الله وَله يقول: ((كلُّ ابن آدم يأتي يوم القيامة وله ذنْبٌ ، إلا ما كان من
یحیی بن زکریا)(٧) .
(١) في ط : فضلهما.
(٢) المسند (٢٥٤/١ و٢٩٢).
(٣) قال الحافظ الذهبي في ((ميزان الاعتدال)) (١٢٨/٣) قلت: أراه منكراً.
(٤)
كذا في ب وط . وفي أ : ... روح الله وقائل يقول ..
(٥)
زاد في ب : وهم يذكرون ذلك ...
(٦) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٢٦٢/٤). وابن لهيعة تكلّم فيه الحفاظ. لكن رواية العبادلة عنه قوية، وعبد الله بن
وهب أحدهم (تنظر التفاصيل في ((تحرير التقريب)) ٢٥٨/٢)، على أن هذا الحديث من مراسيل الزهري، فهو ضعيف.
(٧) رواه الحاكم في المستدرك (٣٧٣/٢)، أطول من هذا من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه. وقال : هذا
حديث صحيح على شرط مسلم !

٢٢٣
قصة زكريا ويحيى عليهما السلام
فهذا من رواية ابن إسحاق وهو من المدّسين (١) ، وقد عنعن هاهنا .
ثمّ قد رواه عبد الرزاق عن معمر ، عن قتادة ، عن سعيد بن المسيب مرسلاً .
ثمّ رأيت ابن عساكر ساقه من طريق أبي أسامة عن يحيى بن سعيد الأنصاري . ثم٢) رواه ابن عساكر
من طريق إبراهيم بن يعقوب الجُوزجَاني خطيب دمشق (٣) ، حدّثنا محمد بن الأصبهاني ، وحدّثنا أبو خالد
الأحمر ، عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب ، عن عبد الله بن عمرو قال : ما أحد إلا يلقى الله
بذنب إلا يحيى بن زكريا. ثمّ تلا قوله تعالى: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ ثمّ رفع شيئاً من الأرض فقال : ما كان
معه إلا مثل هذا ، ثمّ ذبح ذبحاً .
وهذا موقوف من هذه الطريق وكونه موقوفاً أصح من رفعه . والله أعلم .
وأورده ابن عساكر من طرق(٤) : من ذلك ما أورده من حديث إسحاق بن بشر، وهو ضعيف (٥) ، عن
عثمان بن ساج(٦) عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن معاذ عن النبي ◌ُّر بنحوه.
وروي من طريق أبي داود الطيالسي وغيره ، عن الحكم بن عبد الرحمن بن أبي نُعْمُ(٧) ، عن أبيه ،
عن أبي سعيد قال: قال رسول الله وَّمَ: ((الحسَنُ والحُسَيْن سَيِّدا شبابِ أهْلِ الجَنةِ إلّ ابني الخالة يَحْيَى
وعيسى عليهما السلام )(٨).
وقال أبو نعيم الحافظ الأصبهاني : حدّثنا إسحاق بن أحمد ، حدّثنا إبراهيم بن يوسف ، حدّثنا أحمد
ابن أبي الحَواري ، سمعت أبا سليمان يقول : خرج عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا يتماشيان فصدم يحيى
امرأة ، فقال له عيسى : يا ابن خالة ، لقد أصبت اليوم خطيئة ما أظن أن تغفر لك أبداً ، قال : وما هي
يا ابن خالة . قال : امرأة صدمتها . قال : والله ما شعرت بها . قال : سبحان الله بدنك معي فأين
روحك؟ قال : معلق بالعرش ، ولو أن قلبي اطمئنَّ إلى جبريل لظننتُ أني ما عرفت الله طرفة عين .
(١) وقال الذهبي في السير (٣٩/٧): وقد أمسك عن الاحتجاج بروايات ابن إسحاق غير واحد من العلماء لأشياء ،
منها : يدلس في حديثه .
(٢) زاد في ب وط: قد . والخبر في مختصر تاريخ دمشق (٢٧/ ٢٤٤) .
(٣)
توفي سنة ( ٢٥٩هـ) . وسيترجم له المؤلف فيما بعد .
(٥) المجروحين والضعفاء لابن حبان (١٣٥/١).
(٤)
زاد في ط : عن معمر .
(٦) في ط : سباح . وهو خطأ . وعثمان بن عمرو بن ساج، مولى بني أمية . قال ابن حجر : فيه ضعف . تقريب
التهذيب ( ١٣/٢) .
(٧) في جميع النسخ : ابن أبي نعيم ، وهو خطأ ، والتصحيح من كتب الرجال .
(٨) وأخرجه الترمذي (٣٧٦٨) في المناقب، باب مناقب الحسن والحسين مختصراً على ((الحسن والحسين سيدا
شباب أهل الجنة . وقال : هذا حديث حسن صحيح . والحديث حسن بتمامه .

٢٢٤
قصة زكريا ويحيى عليهما السلام
فيه غرابة ، وهو من الإسرائيليات .
وقال إسرائيل ، عن أبي حصين ، عن خيثمة قال : كان عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا ابني خالة ،
وكان عيسى يلبس الصوف ، وكان يحيى يلبس الوبر ، ولم يكن لواحد منهما دينار ولا درهم ولا عبد
ولا أمة ولا مأوى يأويان إليه ، أين ما جنَّهما الليلُ أويا ، فلما أراد أن يتفرقا قال له يحيى : أوصني ،
قال : لا تغضب . قال : لا أستطيع إلا أن أغضب . قال: لا تقتَنِ مالاً. قال : أمّا هذه فعسى.
وقد اختلفت الروايات عن وهب بن منبه (١) : هل مات زكريا عليه السلام موتاً، أو قتل قتلاً على
روايتين : فروى عبد المنعم بن إدريس بن سنان ، عن أبيه ، عن وهب بن منبه أنه قال : هرب من قومه
فدخل شجرةً ، فجاؤوا فوضعوا المنشار عليها ، فلما وصل المنشار إلى أضلاعه أنَّ ، فأوحى الله إليه لئن
لم يسكن أنينُك لأقلبنَّ الأرض ومن عليها ، فسكن أنينه حتى قطع باثنتين .
وقد روي هذا في حديث مرفوع سنورده بعدُ إن شاء الله .
وروى إسحاق بن بشر ، عن إدريس بن سنان ، عن وهب أنه قال : الذي انصدعت له الشجرة هو
شعيا ، فأما زكريا فمات موتاً . فالله أعلم .
وقال الإمام أحمد(٢): حدّثنا عفّان، حدّثنا أبو خلف موسى بن خلف، وكان يُعدُّ من البُدَلَاء(٣) ، حدّثنا
يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، عن جدّه ممطور، عن الحارث الأشعري، أن نبي الله مَ لّم قال:
(( إنّ الله أمَرَ يَحْيَى بنَ زَكَرِيا بخمسِ كلماتٍ أنْ يَعْمَلَ بِهِنَّ وأنْ يأمُرَ بَني إسْرائيلَ أنْ يَعْمِلوا بهنَّ وكادَ أنْ
يُبْطِىءَ ، فقالَ له عِيْسى عليه السلام : إنّكَ قَدْ أُمِرْتَ بخمس كلماتٍ أنْ تَعَملَ بهنَّ وتأمُرَ بَني إسْرائيلَ أنْ
يَعْمِلُوا بهنَّ، فإمّا أنْ تُبلّغهنَّ، وإمّا أنْ أُبلّغَهنَّ. فقالَ: يا أخي إني أخشى إنْ سَبقْتَني أنْ أُعَذَّبَ أو يُخْسَفَ
بي . قالَ : فجمعَ يَحْيَى بني إسرائيلَ في بيتِ المقدسِ حتّى امتلأ المسجدُ ، فَقعدَ على الشرفِ، فحمدَ اللهَ
وأثنى عليهِ ثمَّ قال : إنَّ الله عزَّ وجل أمرني بخمسٍ كلماتٍ أنْ أعْمَلَ بهنَّ وَآمُرَكُمْ أنْ تَعملُوا بهنَّ . وأَوَّلُهنّ
أن تعبدوا اللهَ لا تُشْرِكُوا بهِ شيئاً ، فإنَّ مَثَلَ ذلكِ مَثَلُ مَنِ اشْتَرى عَبداً مِنْ خالصِ مالِهِ بوَرِقٍ أو ذَهَبٍ ، فجعلَ
يعملُ ويؤدي غلّته إلى غير سيّده ، فأيكم يَسُرُهُ أن يكونَ عبدُهُ كذلك؟ وأنَّ الله خَلقكم ورزقكم فاعبدوه
ولا تشركوا به شيئاً ، وآمُرَكُم بالصلاةِ فإنّ الله ينصبُ وجهَهُ قِبَلَ عَبْدِه ما لم يلتفتْ ، فإذا صَلّيتم فلا تلتفتوا.
وَآمُرُكم بالصيامِ فإنّ مَثَلَ ذلك كمثلِ رَجُل معه صرةٌ من مِسْكِ في عصابة كلُّهم يَجِدُ ريحَ المسك(٤).
وآمُركم بالصدقة ، فإنَّ مَثل ذلك كمثل رجل أسَرَهُ العدوُ فشدُّوا يده إلى عنقه، وقدَّموه ليضربوا
(١) مختصر تاريخ دمشق (٥٠/٩).
(٢) مسند أحمد (٤ /١٣٠، ٢٠٢).
(٣) البدلاء : قوم من الصالحين كلما مات منهم أحد، أبدل الله مكانه آخر.
زاد في ب وط: ((وإن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك». وهذه الزيادة غير موجودة في مسند أحمد.
(٤)

٢٢٥
قصة زکریا ویحیی عليهما السلام
عنقه ، فقال : هل لكم أن أفتديَ نفسي منكم ، فجعل يفتدي نفسَه منهم بالقليل والكثير حتى فكّ نفسه .
وآمركم بذكر الله عزَّ وجلَّ كثيراً ، فإن مثل ذلك كمثل رجلٍ طلبه العدو سِراعاً في إثره ، فأتى حِصناً حصيناً
فتحصّن فيه ، وإن العبدَ أحصن ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر الله عز وجل)) .
قال: فقال رسول الله وَ ليهِ: ((وأنا آمرُكم بخمسِ اللهُ أمَرني بهنَّ: بالجماعةِ ، والسَّمع ، والطاعةِ ،
والهجرةِ ، والجهادِفي سبيل الله. فإن مَنْ خَرجَ عن الجماعةِ قِيْد شِبرٍ فقد خَلَع ربقة الإسلام مَن عُنقِه إلا أنْ
يرجعَ، ومن دَعَا بدغْوَى الجاهلية فهو من جُثَى جَهَنّمُ(١))). قالوا: يا رسول الله وإن صام وصلّى ؟ قال :
((وإنْ صامَ وصلّى وزَعَم أنه مُسلم. ادْعوا المسلمينَ بأسمائهم بما سَمَّاهمُ اللهُ عزَّ وجلَّ المسلمينَ المؤمنينَ
عباد الله عز وجل)) .
وهكذا رواه أبو يعلى عن هدية بن خالد ، عن أبان بن يزيد ، عن يحيى بن أبي كثير ، به(٢).
وكذلك رواه الترمذي من حديث أبي داود الطيالسي(٣) وموسى بن إسماعيل (٤) ، كلاهما عن أبان بن
يزيد العطار ، به .
ورواه النَّسائي(٥) عن هشام بن عمار ، عن محمد بن شعيب بن سابور ، عن معاوية بن سلام ، عن
أخيه زيد بن سلام ، عن أبي سلام ، عن الحارث الأشعري ، به .
ورواه الحاكم(٦) من طريق مروان بن محمد الطَّاطَرِي، عن معاوية بن سلام ، عن أخيه ، به . ثم
قال : تفرّد به مروان الطّاطَري عن معاوية بن سلام .
قلت: وليس كما قال. ورواه الطَّبَراني(٧) عن محمد بن عبدة ، عن أبي تَوْبة الربيع بن نافعُ(٨) عن
(١) قال ابن الأثير في جامع الأصول (٩/ ٥٤٧) : جُثى: جمع جُئوة ، بالضم ، وهي الشيء المجموع من جماعات
جهنم ، هذا فيمن رواها مخففة . ومن رواها ( جثيّ ) مشددة ، فإنه أراد الذين يجثون على الركب ، واحدها
( جاث) من قوله تعالى: ﴿ حَوّلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ [ مريم: ٦٨ ] قال الهروي: وهذا أحب إلى أبي عبيد .
(٢) مسند أبي يعلى (١٤٠/٣ _ ١٤٢)، رقم (١٥٧١) .
(٣) رقم (٢٨٦٤)، في الأمثال، باب ما جاء في مثل الصلاة والصيام والصدقة ، وهو في مسند الطيالسي (١١٦١).
(٤) رقم (٢٨٦٣)، وصحح الترمذي الوجهين .
في ط : ((ابن ماجة)) وهو غلط محض، فابن ماجة لم يخرج هذا الحديث، والصواب ما أثبتنا، وهو الذي في تحفة
(٥)
الأشراف للمزي (٣٢٧٤). وقد أخرجه النسائي في موضعين من سننه الكبرى، أولهما في السير (٨٨٦٦)، وثانيهما
في التفسير (١١٣٤٩)، وهو في كتاب التفسير المطبوع مفرداً برقم (٣٦٩) بالإسناد المذكور .
(٦) الحديث بطرق وروايات فى المستدرك (١١٧/١ - ١١٨، ٢٣٦، ٤٢١) ، ولم يرد في سنده ذكر لمروان
الطاطري ، ولا الكلام المنسوب له عن التفرد ، ولعل الراوي غير الحاكم ، وهو الأرجح .
(٧) في المعجم الكبير (٣٤٣٠) ومن طريقه المزي في تهذيب الكمال (٢١٧/٥ -٢١٨).
(٨) في ط : ( نوبة ) يافع . وهو تصحيف . والربيع بن نافع ، أبو توبة الحلبي ، نزيل طرسوس ، ثقة ، حجة . توفي
سنة ( ٢٤١ هـ). تقريب التهذيب (٢٤٦/١).

٢٢٦
قصة زكريا ويحيى عليهما السلام
معاوية بن سلام عن أبي سلام عن الحارث الأشعري ، فذكر نحوه ، فسقط ذكر زيد بن سلام عن
أبي سلام عن الحارث الأشعري فذكر نحو هذه الرواية (١) .
ثمّ روى الحافظ ابن عساكر من طريق عبد الله بن أبي جعفر الرازي ، عن أبيه ، عن الربيع بن أنس
قال: ذُكر لنا عن أصحاب رسول الله وَّر فيما سمعوا من علماء بني إسرائيل أن يحيى بن زكريا أرسل
بخمس كلماتٍ ، وذكر نحو ما تقدّم .
وقد ذكروا أن يحيى عليه السلام كان كثيرَ الانفراد من الناس ، إنما كان يأنسُ إلى البراري ، ويأكل من
ورق الأشجار ، ويرد ماء الأنهار ويتغذى بالجراد في بعض الأحيان . ويقول : من أنعم منك يا يحيى !.
وروى ابن عساكر(٢) أن أبويه خرجا في تطلُّبه فوجداه عند بحيرة الأردن ، فلما اجتمعا به أبكاهما بكاءً
شديداً لما هو فيه من العبادة والخوف من الله عز وجل .
وقال ابن وهب عن مالك عن حميد بن قيس عن مجاهد قال : كان طعام يحيى بن زكريا العشب ،
وإنه كان ليبكي من خشية الله حتى لو كان القار على عينيه لخرقه .
وقال محمد بن يحيى الذهلي : حدّثنا أبو صالح ، حدّثنا الليث ، حدّثني عُقيل ، عن ابن شهاب
قال : جلست يوماً إلى أبي إدريس الخولاني وهو يقص ، فقال : ألا أخبركم بمن كان أطيب الناس
طعاماً ؟ فلما رأى الناس قد نظروا إليه قال : إن يحيى بن زكريا كان أطيب الناس طعاماً ، إنما كان يأكل مع
الوحش كراهةَ أن يُخالط الناس في معايشهم .
وقال ابن المبارك عن وهيب بن الورد قال : فَقَدَ زكريا ابنَه يحيى ثلاثة أيام ، فخرج يلتمسه في البرية
فإذا هو قد احتفر قبراً وأقام فيه يبكي على نفسه ، فقال : يا بني أنا أطلبك من ثلاثة أيام وأنت في قبرٍ قد
احتفرته ، قائم تبكي فيه ؟ فقال : يا أبت ألستَ أنتَ أخبرتني أن بين الجنة والنار مفازة(٣) لا تقطع إلا
بدموع البکّائين ؟ فقال له : ابكِ يا بني ، فبكيا جميعاً .
وهکذا حکاه وهب بن منبه ، ومجاهد بنحوه .
وروى [ ابن عساكر ] عنه أنه قال: إن أهل الجنة لا ينامون للذة ما هم فيه من النعيم ، فكذا ينبغي
(١) هكذا في ط والأصول التي بين أيدينا، والعبارة مرتبكة وغير صحيحة في الوقت نفسه، ذلك أن الطبراني قد روى هذا
الحديث عن محمد بن عبدة، عن أبي توبة، عن معاوية، عن زيد بن سلام عن أبي سلام، به فلم يسقط منه (زيد بن
سلام)) كما في النص ، هكذا هو عنده في معجمه الكبير (٣٤٣٠)، وفي مسند الشاميين (٢٨٧٠)، وكذلك نقله
الإمام المزي عنه في تهذيب الكمال (٢١٧/٥ - ٢١٨) فلم يعد أدنى شك أن ((زيد بن سلام)) مذكور في إسناده. أما
الارتباك ففي قوله: ((فسقط ذكر زيد بن سلام عن أبي سلام عن الحارث الأشعري))، مع أنه ذكر قبل ((عن أبي سلام
عن الحارث الأشعري))! ونحن أخوف ما نكون أن تكون هذه العبارة مقحمة على النص (بشار عواد).
(٢) مختصر ابن منظور (٤٩/٩).
(٣) كذا في ب وط . وفي أ : مقام .

٢٢٧
سبب قتل یحیی علیه السلام
للصدّيقين أن لا يناموا١) لما في قلوبهم من نعيم المحبّة لله عز وجل . ثمّ قال : كم بين النعيمين وكم
بينهما٢)؟.
وذكروا أنّه كان كثير البكاء حتى أثّر البكاء في خدّيه من كثرة دموعه(٣) .
بيان سبب قتل يحيى عليه السلام(٤)
وذكروا في قتله أسباباً ، من أشهرها أن بعض ملوك ذلك الزمان بدمشق كان يريد أن يتزوّج ببعض
محارمه أو من لا يحلّ له تزويجها ، فنهاه يحيى عليه السلام عن ذلك ، فبقي في نفسها منه . فلما كان بينها
وبين الملك ما يحب منها استوهبت منه دم يحيى ، فوهبه لها ، فبعث إليه من قتله وجاء(٥) برأسه ودمه في
طست إلى عندها . فيقال : إنها هَلَكت من فورها وساعتها٦) .
وقيل : بل أحبته امرأة ذلك الملك وراسلته فأبى عليها ، فلما يئست منه تحيلت في أن استوهبته من
الملك ، فتمنع عليها الملك ، ثمّ أجابها إلى ذلك فبعثت من قتله وأحضر إليها رأسه ودمه في طست .
وقد ورد معناه في حديث رواه إسحاق بن بشر في كتابه (( المبتدا)(٧) حيث قال : أخبرنا يعقوب
الكوفي ، عن عمرو بن ميمون، عن أبيه عن ابن عباس أن رسول الله وسم# ليلة أسري به رأى زكريا في
السماء ، فسلّم عليه وقال له : يا أبا يحيى خبّرني عن قتلك كيف كانَ، ولمَ قتلك(٨) بنو إسرائيل . قال :
يا محمد أخبرك أن يحيى كان خير أهل زمانه ، وكان أجملهم وأصبحهم وجهاً ، وكان كما قال الله تعالى
﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾، وكان لا يحتاج إلى النساء، فهويته امرأة ملك بني إسرائيل، وكانت بَغيّةً،
فأرسلت إليه وعَصَمَهُ الله وامتنع يحيى وأبى عليها ، وأجمعت على قتل يحيى . ولهم عيد يجتمعون في كل
عام ، وكانت سُنَّة الملك أن يوعد ولا يخلف ولا يكذب . قال : فخرج الملك إلى العيد ، فقامت امرأته
فشيَّعته ، وكان بها معجباً ، ولم تكن تفعله فيما مضى ، فلما أن شيعته قال الملك : سليني فما سألتِني
شيئاً إلا أعطيتُك . قالت : أريدُ دمَ يحيى بن زكريا ، قال لها : سليني غيره . قالت : هو ذاك. قال : هو
(١) في بعض النسخ لا ينامون .
(٢) كتب على حاشية الأصل : لعله : بيننا .
(٣) مختصر ابن منظور (٤٩/٩).
ليس هذا العنوان في بعض النسخ .
(٤)
(٥)
في ب : وجاؤوا .
(٧) ذكر هذا الكتاب صاحب كشف الظنون (١٥٧٩)، والخبر نقله ابن عساكر. مختصر ابن منظور (٩/ ٥٠ - ٥١).
(٦)
الخبر في تاريخ الطبري (١/ ٥٨٧).
(٨) كذا في الأصول. وفي حاشية ب: لعله : قتل ولدك .. ولم قتله . وواضح أن قصة قتل زكريا عليه السلام بدأت
مع بداية قصة قتل يحيى . فالعبارة في المتن صحيحة .

٢٢٨
سبب قتل يحيى عليه السلام
لك . قال : فبعثت جَلاوِزَتَها إلى يحيى، وهو في محرابه يصلّي ، وأنا إلى جانبه أصلي ، قال : فذُبح فى
طستٍ وحُمل رأسه ودمُه إليها. قال: فقال رسول الله وَّهِ: (( فما بلغ من صَبْرِكَ ؟ قال : ما انفتلت من
صلاتي)). قال: فلما حُمل رأسه إليها فوضع بين يديها، فلما أمسوا خَسف الله بالملك وأهل بيته
وحشمه ، فلما أصبحوا قالت بنو إسرائيل: قد غضب إلّه زَكرِيا لزكرِيا ، فتعالوا حتى نغضب لملكنا فنقتل
زكريا ، قال: فخرجوا في طلبي ليقتلوني، وجاءني النذير، فهربت منهم ، وإبليس أمامهم يدلهم عليَّ ،
فلما أن تخوّفت أن لا أُعْجِزَهم عرضَتْ لي شجرةٌ، فنادتني وقالت: إليَّ إليَّ، وانصدعت لي ، ودخلت
فيها . قال : وجاء إبليس حتى أخذ بطرف ردائي ، والتأمتِ الشجرةُ، وبقي طرف ردائي خارجاً من
الشجرة ، وجاءت بنو إسرائيل ، فقال إبليس : أما رأيتموه دخل هذه الشجرة ؟ هذا طرف ردائه، دخلها
بسحره ، فقالوا : نحرق هذه الشجرة ، فقال إبليس : شُقّوهُ بالمنشار شقاً . قال : فَشُقِقْتُ مع الشجرة
بالمنشار. قال له النبيِ مَّله: ((هل وَجَدْتَ لَهُ مسّاً أو وجعاً)) قال: لا، إنما وجدَتْ ذلكَ الشجرةُ التي
جعل الله روحي فيها(١) .
هذا سياق غريب جداً، وحديث عَجيبٌ، ورفْعُهُ منكرٌ، وفيه ما ينكر على كلّ حال ، ولم يُرَ في شيء
من أحاديث الإسراء ذِكْرُ زكريا عليه السلام إلا في هذا الحديث ، وإنّما المحفوظ في بعض ألفاظ الصحيح
في حديث الإسراء(٢): ((فمررت بابني الخالة يَحْيَى وعِيسى))، وهما ابنا الخالة على قول الجمهور كما
هو ظاهر الحديث ، فإن أم يحيى أَشْياعَ بنتَ عمران أختُ مريم بنت عمران . وقيل : بل أشياع وهي امرأة
زكريا أم يحيى هي أخت حَنَّةَ امرأة عمران أم مريم ، فيكون يحيى ابن خالة مريم . فالله أعلم .
ثمّ اختلف في مقتل يحيى بن زكريا : هل كان بالمسجد الأقصى ، أم بغيره على قولين ، فقال الثوري
عن الأعمش ، عن شمر بن عطية قال : قتل على الصخرة التي ببيت المقدس سبعونَ نبياً منهم يحيى بن
زكريا عليه السلام .
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام : حدّثنا عبد الله بن صالح ، عن الليث ، عن يحيى بن سعيد ، عن
سعيد بن المسيب قال : قدم بخت نصّر دمشق ، فإذا هو بدم يحيى بن زكريا يغلي ، فسأل عنه ،
فأخبروه . فقتلَ على دمه سبعين ألفاً ، فسَكَنَ (٣).
وهذا إسناد صحيح إلى سعيد بن المسيب ، وهو يقتضي أنه قُتل بدمشق وأنَّ قصة بخت نصَّر كانت
بعد المسيح كما قاله عطاء والحسن البصري . فالله أعلم .
(١) في مختصر ابن منظور (١/ ٥١): وعن وهب أن الذي انصدعت له الشجرة ودخل فيها كان أشعياء قبل عيسى وأن
زكريا مات موتاً .
(٢) حديث الإسراء بطوله ورواياته في جامع الأصول (١١ /٣٠٥)، وتخريجه ثمة .
(٣) تفصيل الخبر في تاريخ الطبري (١/ ٥٩١).

٢٢٩
سبب قتل يحيى عليه السلام
وروى الحافظُ ابن عساكر(١) من طريق الوليد بن مسلم ، عن زيد بن واقد قال : رأيت رأس يحيى بن
زكريا حين أرادوا بناءَ مسجد دمشق أُخرج من تحت ركن من أركان القبلة الذي يلي المحراب مما يلي
الشرق ، فكانت البشرةُ والشعر على حاله لم يتغير . وفي رواية : كأنما قُتِل الساعةَ .
وذكر في بناء مسجد دمشق أنه جعل تحت العمود المعروف بعمود السكاسكة . فالله أعلم(٢) .
وقد روى الحافظ ابن عساكر في (( المستقصى في فضائل الأقصى )) من طريق العباس بن صبح عن
مروان عن سعيد بن عبد العزيز عن قاسم مولى معاوية قال : كان ملك هذه المدينة - يعني دمشق - هداد بن
هداد ، وكان قد زوج ابنه بابنة أخيه أريل ملكة صيدا ، قلت : وقد كان من جملة أملاكها سوق الملوك (٣)
بدمشق ، وهو الصاغة العتيقة ، قال : وكان قد حلف بطلاقها ثلاثاً . ثمّ إنه أراد مراجعتها ، فاستفتى
يحيى بن زكريا ، فقال : لا تحل لك حتى تنكح زوجاً غيرك ، فحقدت عليه ، وسألت من الملك رأس
يحيى بن زكريا ، وذلك بإشارة أَمها ، فأبى عليها ، ثمّ أجابها إلى ذلك، وبعث إليه وهو قائم يصلّي
بمسجد جيرون مَنْ أتاه برأسه في صينية ، فجعل الرأس يقول له : لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره ،
فأخذت المرأة الطبق فحملته على رأسها وأتت به أمها وهو يقول كذلك ، فلما تمثّلت بين يدي أمها خُسف
بها إلى قدميها٤) ، ثم إلى حقويها . وجعلت أمها تولول والجواري يصرخن ويلطمن وجوههن ، ثمّ
خُسف بها إلى منكبيها ، فأمرت أمها السياف أن يضرب عنقها لتتسلى برأسها ، ففعل . فلفظت الأرض
جثتها عند ذلك ، ووقعوا في الذلّ والفناء . ولم يزل دم يحيى يفور حتى قدم بخت نصّر ، فقتل عليه
خمسةً وسبعين ألفاً . قال سعيد بن عبد العزيز : وهي دية كلّ نبي ، ولم يزل يفور حتى وقف عنده أرميا
عليه السلام فقال : أيها الدم أفنيت بني إسرائيل فاسكن بإذن الله. فسكن(٥) ، فرفع السيف وهرب من
هرب من أهل دمشق إلى بيت المقدس ، فتبعهم إليها فقتل خلقاً كثيراً لا يُحصون كثرة ، وسبا منهم ثمّ
رجع عنهم .
٠٠٠
(١) مختصر ابن منظور (١/ ٢٥٧).
ليس في ب . وأورده ابن منظور في مختصره (١/ ٢٥٧).
(٢)
(٣)
في ب : اللؤلؤ .
(٤) زاد في ب : ثم إلى ركبتيها .
(٥) في تاريخ الطبري (١/ ٥٨٧) خبر مشابه لما هنا .

٢٣٠
قصة عيسى ابن مريم عبد الله ورسوله وابن أمته
قصّة عيسى ابن مريم عبد الله ورسوله وابن أمته
عليه من الله(١) أفضل الصلاة والسّلام
قال الله تعالى في سورة آل عمران التي أنزل صدرها وهو ثلاث وثمانون آية منها في الردّ على
النصارى ، عليهم لعائن الله، الذين زعموا أن الله ولداً، تعالى الله عما يقولون علوّاً كبيراً . وكان قد قَدِمَ
وفد نجران(٢) منهم على رسول الله وَّر، فجعلوا يذكرون ما هم عليه من الباطل من التثليث في الأقانيم ،
ويدّعون بزعمهم أن الله ثالث ثلاثة ؛ وهم الذات المقدسة ، وعيسى ومريم ، على اختلاف فرقهم ، فأنزل
الله عز وجل صدر هذه السورة بيّن فيها أن عيسى عبد من عباد الله خلقه وصوَّره في الرحم كما صوّر غيره من
المخلوقات ، وأنه خلقه من غير أبٍ كما خلق آدم من غير أب ولا أم ، وقال له : كن ، فكان ، سبحانه
وتعالى . وبين أصل ميلاد أمّه مريم ، وكيف كان من أمرها ، وكيف حملت بولدها عيسى ، وكذلك بسط
ذلك في سورة مريم كما سنتكلّم على ذلك كلّه بعون الله وحسن توفيقه وهدايته . فقال تعالى وهو أصدق
القائلين ﴿﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَ ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْرَنَ عَلَى الْعَلَمِينَ [ََّ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضِرُّ وَاللّهُ سَمِيعُ
عَلِيمُ ﴿َ إِذْ قَالَتِ أَمْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبٍ إِنِّ نَذَرْتُ لَكَ مَا فِ بْنِى مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِىُّ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (﴿ فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْرَبٍّ
إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَ كَلْأُنَّ وَإِ سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِيِ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ
أَ فَقَبَِّهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَانًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا ذَّكَرِيًّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيًّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ
الرَّجِيمِ
يَمَرْيُ أَنَّ لَكٍ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [٣٣-٣٧].
يذكر سبحانه وتعالى أنه اصطفى آدم عليه السلام والخُلَّص من ذريته المتَّبِعِين شرعَه الملازمين
طاعته ، ثمّ خصص فقال: ﴿ وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ﴾ فدخل فيهم بنو إسماعيل وبنو إسحاق . ثمّ ذكر فضل هذا
البيت الطاهر الطيب وهم آل عمران ، والمراد بعمران هذا والد مريم عليها السلام . وقال محمد بن
إسحاق (٣) وهو عمران بن باشم بن أمون ابن ميشا بن حزقيا بن أحريق بن موثم بن عزازيا بن أمصيا بن
ياوش بن احریھو بن يازم بن بهفاشاط بن إيشا بن إیان بن رحبعام بن سليمان بن داود .
وقال أبو القاسم بن عساكر : مريم بنت عمران بن ماثان بن العازر بن اليود بن اخر بن صادوق بن
عيازور بن الياقيم بن ايبود بن زريابيل بن شالتال بن [ يوحينا بن برشا بن أمون بن ميشا بن
(١) في ط : قصة عيسى بن مريم عليه من الله ...
(٢) سيفصل ابن كثير الحديث عن وفد نجران في الجزء الخامس ، باب الوفود .
(٣) نقل الطبري نسب عمران في تاريخه (١/ ٥٨٦)، عن ابن إسحاق وفيه بعض خلاف من حيث اللفظ فقط. وكذلك
هو في تفسيره ( ٣/ ١٥٧) .

٢٣١
قصة عيسى ابن مريم عبد الله ورسوله وابن أمته
حزقا (١) بن احاز بن موثام بن عزريا بن يورام بن یوشافاط ابن ايشا بن ايبا بن رحبعام بن سليمان بن داود
عليه السلامُ(٢) . وفيه مخالفة لما ذكره محمد بن إسحاق ، ولا خلاف أنها من سلالة داود عليه السلام ،
وكان أبوها عمران صاحبَ صلاة بني إسرائيل في زمانه ، وكانت أمها وهي حَنَّة بنت فاقود بن قبيل من
العابدات ، وكان زكريا نبي ذلك الزمان زوج أخت مريم أشياع في قول الجمهور . وقيل : زوج خالتها
أشياع فالله أعلم(٣) .
وقد ذكر محمد بن إسحاق وغيره(٤) أن أم مريم كانت لا تحبل ، فرأت يوماً طائراً يزقُّ فَرخاً له ،
فاشتهت الولد ، فَنَذْرت لله إن حملت لتجعلَنَّ ولدها مُحَرَّراً، أي : حبيساً في خدمة بيت المقدس .
قالوا : فحاضت من فورها ، فلما طَهُرت واقَعَها بعلُها، فحملت بمريم عليها السلام ﴿ فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ
إِنّ وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ وقُرِىء بضم التاء(٥) ﴿ وَلَيْسَ الذَّكَرِ كَلْأُنثِى﴾ أي في خدمة بيت
المقدس . وكانوا في ذلك الزمان ينذرون لبيت المقدس خدّاما من أولادهم . وقولها: ﴿ وَإِّ سَمَّيْتُهَا
مَرْيَمَ ﴾ استدل به على تسمية المولود يوم يولد . وكما ثبت في الصحيحين(٦) عن أنس في ذهابه بأخيه إلى
رسول الله وَ لِّ فَحَنَّكَ أخاهُ وسمَّاه عبد الله.
وجاء في حديث الحسن عن سَمُرة مرفوعاً («كُلُّ غُلامِ رَهِيْنَةٌ بِعَقِيْقَتِهِ تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِهِ
ويُسَمَّى ويُحْلَقُ رَأْسُه)). رواه أحمد (٧)، وأهل السنن(٨)، وصحّحه الترمذي. وجاء في بعض
(١) ليست في ب .
(٢) تاريخ مدينة دمشق ، تراجم النساء (٣٤٣).
(٣)
تاريخ الطبري (٥٨٥/١ ) .
تفسير الطبري ( ٣/ ١٥٧ ) .
(٤)
(٥) أي : وضعتُ، وهي قراءة ابن عامر وأبي بكر ، وقرأ الباقون: وضعتْ بالسكون حجة القراءات (١٦٠ - ١٦١).
وقد صوب الطبري القراءة الثانية ، بسكون التاء ، تفسيره ( ١٥٩/٣) .
(٦) في البخاري : رقم (٥٥٤٢)، في الذبائح والصيد، باب الوسم والعلم في الصورة. ومسلم (٢١١٩)
(١١٠)، في اللباس والزينة ، باب جواز وسم الحيوان غير الآدمي في غير الوجه .
كذلك أخرجه أبو داود ( ٢٥٦٣) ، في الجهاد ، باب في وسم الدواب .
وللحديث روايات تشير إلى أن أنساً رضي الله عنه ذهب بولد لأم سليم ، وبعبد الله بن أبي طلحة والأحاديث مخرجة
في جامع الأصول (٣٦٦/١ - ٣٦٩، و٧٥٧/١١).
(٧) المسند (٧/٥ -٨، ١٢، ١٧، ٢٢). وفيه اختلاف يسير في بعض ألفاظه . والعقيقة : الشعر الذي يولد عليه كل
مولود ، ومنه سميت الشاة التي تذبح عن المولود يوم أسبوعه : عقيقة .
(٨) أخرجه أبو داود (٢٨٣٧)، (٢٨٣٨)، في الأضاحي، باب في العقيقة، والترمذي (١٥٢٢) و(١٥٢٢ م) وابن
ماجه في الذبائح (٣١٦٥)، والنسائي (١٦٦/٧) في العقيقة، وهو في سننه الكبرى (٤٥٤٦) و(٤٥٤٧). في
الأضاحي .

٢٣٢
قصة عيسى ابن مريم عبد الله ورسوله وابن أمته
ألفاظه (ويُدَمَّى) بدلَ (ويسمَّى ). صححه بعضهمُ(١) . والله أعلم .
وقولها : ﴿ وَإِنَّ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ﴾ قد استُجيب لها في هذا، كما تقُبُّل منها
نذرها . فقال الإمام أحمد(٢) : حدّثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر ، عن الزهري ، عن ابن المسيب ، عن
أبي هريرة أن النبي ◌َِّ قال: (( ما مِنْ مَوْلُؤْدٍ إِلَّ والشيطانُ يَمَشُّهُ حِيْنَ يُؤْلَدُ فَسْتَهِلُّ صَارِخاً مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ
إيّاهُ إِلَّ مَرْيَمَ وابْنَها)). ثم يقول أبو هريرة: واقرؤوا إنْ شئتم ﴿ وَإِّ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَيِ الرَّحِيمِ﴾
أخرجاه من حديث عبد الرزاق (٣). ورواه ابن جرير(٤) عن أحمد بن الفرج [ عن بقية 1°)، عن
الزبيدي(٦) ، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة عن النبي ◌َّ بنحوه.
وقال أحمد (٧) أيضاً: حدّثنا إسماعيل بن عمر، حدّثنا ابن أبي ذئب، عن عجلان مولى المُشْمَعِل، عن
(١) هكذا قال، ولم يصححه فيما أعلم كبير أحد سوى ابن حزم، فهذا خطأ أخطأ فيه هَمَّام بن يحيى العوذي في روايته عن
قتادة، وهذه الرواية في مسند أحمد (٧/٥ و١٧ و٢٢)، والدارمي (١٩٧٥) وأبي داود (٢٨٣٧) من رواية عفان بن
مسلم وبهز بن أسد العمي وحفص بن عمر الغمري، وهم ثقات، ثلاثتهم عن هَمَّام بهذه اللفظة ((ويُدَمَّى)) بدلًا من
((ويُسَمَّى)). وقد خالفه ثلاثة من الثقات من أصحاب قتادة وهم: أبان بن يزيد العطار، وسعيد بن أبي عروبة،
وشعبة بن الحجاج، فرووه (يُسَمَّى)) على الصواب، فأما رواية أبان فهي عند أحمد (١٧/٥)، وأما رواية شعبة فهي
عند أحمد أيضاً، وأما رواية سعيد، وهو من أثبت الناس في قتادة - كما قرره الأئمة: ابن معين، والطيالسي،
وأبو حاتم وأبو زرعة الرازيان وغيرهم - فهي عند أحمد (١٢/٥) وأبي داود (٢٨٣٨)، والترمذي (١٥٢٢م)
وابن ماجه (٣١٦٥) والنسائي (١٦٦/٧).
وأيضاً فقد رواه آخرون عن الحسن مثل رواية الجماعة، منهم إسماعيل بن مسلم المكي - وهو ضعيف - عند الترمذي
(١٥٢٢)، وإياس بن دغفل وأشعث بن عبد الملك الحمراني، وهما ثقتان. وقال أبو داود عقيب رواية همام:
((خولف هَمَّام في هذا الكلام، وهو وهم من همَّام، وإنما قالوا: ((يُسَمَّى)) فقال همام: ((يُدَمَّى)). قال أبو داود: وليس
يؤخذ بهذا)). ثم قال عقيب حديث سعيد عن قتادة: ((ويُسَمَّى أصح، كذا قال سلام بن أبي مطيع عن قتادة، وإياس بن
دغفل وأشعث عن الحسن)). وقال ابن عبد البر: ((لا يُحْتَمَل هَمَّام في هذا الذي انفرد به فإن كان حفظه، فهو
منسوخ)). (نقله الحافظ ابن حجر في الفتح في شرح حديث العقيقة ٥٤٧٢).
قلت: وإنما كان يفعل ذلك في الجاهلية فنسخ هذا، وتدل عليه مجموعة أحاديث منها عند ابن حبان (٥٣٠٨)، وابن
ماجه (٣١٦٦)، وأبي داود (٢٨٤٣)، والحاكم (٢٣٨) وغيرها. وإنما أطلنا في هذا ونبهنا عليه لئلا يغتر به بعض
الناس فیعمل به أو بما يستفاد منه (بشار) .
(٢) المسند (٢٧٤/٢ - ٢٧٥).
(٣)
والبخاري (٤٥٤٨) في التفسير ، ومسلم (٢٣٦٦) في الأنبياء.
(٤)
تفسيره ( ١٦١/٣ ).
(٥)
زيادة من ب وط . وهي في تفسير الطبري كذلك .
في ط: (( عن عبد الله بن الزبيدي)) وهو غلط بيّن، فلا يعرف في الرواة عن الزهري مثل هذا، وإنما هو محمد بن
(٦)
الوليد الزبيدي ، وروايته عن الزهري في الصحيحين (تهذيب الكمال ٢٦/ ٤٣٠)، وفي تفسير الطبري كما أثبتناه .
(٧) المسند (٢٨٨/٢).

٢٣٣
قصة عيسى ابن مريم عبد الله ورسوله وابن أمته
أبي هريرة عن النبي ◌َّم قال: «كُلُّ مولودٍ من بني آدم يَمَسُّه الشَّيْطانُ بإصْبَعِه إلَّ مَرْيَمَ بنتَ عِمْرانَ وابْنَهَا عِيْسى)).
تفرّد به من هذا الوجه .
ورواه مسلم(١) عن أبي الطاهر ، عن ابن وَهْب ، عن عمرو بن الحارث ، عن أبي يونس ، عن
أبي هريرة عن النبي ◌َلقر ، بنحوه .
وقال أحمد(٢): حدّثنا هشيم، حدثنا حفص بن ميسرة ، عن العلاء ، عن أبيه ، عن أبي هريرة أن
النّبِيَِّ قال: ((كُلُّ إنْسَانٍ تَلِدُهُ أُمُّهُ يَلْكُ!(٣) الشَّيْطَانُ فِي حِضْنَّه(٤) إلَّ مَا كَانَ مِنْ مَرْيَمَ وابِها . أَلَمْ تَرَ إلى
الصَّبِيِّ حِيْنَ يَسْقُطُ كَيْفَ يَصْرُخُ؟ قالُوا: بَلَى يا رَسُولَ اللهِ. قالَ: ذلكَ حِيْنَ يَلْكُزُهُ الشَّيْطَانُ بِحِضْنَيهِ » .
وهذا على شرط مسلم ولم يخرجه من هذا الوجه .
ورواه قيس ، عن الأعمش ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله بَّهُ: (( ما مِنْ
مَوْلُودٍ إلَّا وَقَدْ عَصَرَهُ الشَّيْطَانُ عَصْرَةً أو عَصْرَتَيْنِ إلّا عِيْسَى بنَ مَرْيَمَ ومَرْيَمَ (٥) .
ثم قرأ رسول الله وَلَ: ﴿ وَإِنَّ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ﴾.
وكذا رواه محمد بن إسحاق عن يزيد بن عبد الله بن قُسَيط، عن أبي هريرة، عن النبيِّ بأصل الحديث(٦).
وقال الإمام أحمد (٧): حدّثنا عبد الملك(٨)، حدّثنا المغيرة هو ابن [ عبد الرحمن ] بن عبد الله
الحِزَامي(٩)، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ◌َِّ قال: «كُلُّ بني آدمَ يَطْعَنُ
الشَّيْطَانُ فِي جَنْبِهِ حِيْنَ يُؤْلَدُ، إلا عِيْسى بنَ مَرْيَمَ ذَهَبَ يَطْعُنُ فَطَعَنَ في الحِجَابِ )) .
وهذا على شرط الصحيحين ، ولم يخرجوه من هذا الوجه .
وقوله : ﴿ فَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَانًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكِيَّأَ ﴾:
ذكر كثيرٌ من المفسرين أن أُمها حين وضعتها لفَّتها في خروقها ثمّ خرجت بها إلى المسجد ،
(١) رقم (٢٣٦٦) (١٤٧)، في الفضائل، باب فضائل عيسى عليه السلام.
(٢) (٣٦٨/٢).
(٣)
اللكزُ : الدفع في الصدر بالكف .
(٤) الحضن : الجنب . وهما حِضْنان .
(٥)
أورده الطبري في تفسيره ( ١٦١/٣ ).
(٦) المصدر السابق (١٦٠/٣).
(٧) (٥٢٣/٢).
(٨) في ب : أحمد بن عبد الرحمن . وهو سهو . وعبد الملك هو ابن عمرو كما في مسند أحمد .
(٩) المغيرة بن عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد بن حزام، الحِزامي. قال ابن حجر في التقريب (٢/ ٢٧٠): ثقة ، له
غرائب ، من السابعة ، قال أبو داود : كان قد نزل عسقلان .

٢٣٤
قصة عيسى ابن مريم عبد الله ورسوله وابن أمته
فسلَّمتها إلى العُبّاد الذي هم مقيمون به ، وكانت ابنة إمامهم وصاحب صلاتهم فتنازعوا فيها .
والظاهر أنّها إنّما سلَّمتها إليهم بعد رضاعها وكفالة مثلها في صغرها . ثمّ لمّا دفعتها إليهم تنازعوا في
أيِّهم يكفلها ، وكان زكريا نبيهم في ذلك الزمان قد أراد أن يستبدّ بها دونهم من أجل أن زوجته أختها أو
خالتها على القولين ، فشاخُوه في ذلك ، وطلبوا أن يقترع معهم ، فساعدته المقادير فخرجت قرعته غالبة
لهم ، وذلك أن الخالة بمنزلة الأم. قال الله تعالى: ﴿ وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ أي بسبب غلبه لهم في القُرعة . كما
قال تعالى: ﴿ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمٌّ وَمَا كُنتَ
لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: ٤٤].
قالو(١) : وذلك أن كلاً منهم ألقى قلمه معروفاً به ، ثمّ حملوها ووضعوها في موضع ، وأمروا غلاماً
لم يبلغ الحنث ، فأخرج واحداً منها ، وظهر قلم زكريا عليه السلام . فطلبوا أن يقترعوا مرّة ثانية وأن
يكون ذلك بأن يلقوا أقلامهم في النهر ، فأيّهم جَرى قلمُه على خلاف جرية الماء(٢) فهو الغالب ، ففعلوا ،
فكان قلم زكريا هو الذي جرى على خلاف جَرية الماء ، وسارت أقلامهم مع الماء ، ثم طلبوا منه أن
يقترعوا ثالثة فأيُّهم جرى قلمه مع الماء ، ويكون بقية الأقلام قد انعكس(٣) سيرها صُعُداً فهو الغالب،
ففعلوا ، فكان زكريا هو الغالب لهم ، فكفلها إذ كان أحقَّ بها شرعاً وقدراً لوجوه عديدة .
قال الله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيَّهَا زَكَرِيَا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يَمَرْيَمُ أَنَّ لَكٍ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِإِنَ
اُللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ قال المفسرون : اتخذ لها زكريا مكاناً شريفاً من المسجد لا يدخله سواها ،
فكانت تعبد الله فيه وتقوم بما يجب عليها من سدانة البيت إذا جاءت نوبتُها ، وتقوم بالعبادة ليلَها
ونهارَها ، حتى صارت يُضرب المثل بعبادتها في بني إسرائيل ، واشتهرت بما ظهر عليها من الأحوال
الكريمة والصفات الشريفة ، حتى إنه كان نبي الله زكريا كلما دخل عليها موضع عبادتها يجدُ عندها رزقاً
غريباً في غير أوانه ، فكان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف (٤) فيسألها أنَّى لك
هذا؟ فتقول: ﴿هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ أي رزق رَزَقَنِيْه الله ، إنّ الله يرزق من يشاء بغير حساب ، فعند ذلك
وهنالك طمع زكريا في وجود ولدٍ من صُلبه وإن كان قد أسَنَّ وكبر ﴿ قَالَ رَبِّ هَبْ لِ مِن لَّدُّنْكَ ذُرِيَّةً طَيِّبَةٌ إِنَّكَ
سَمِيعُ الذُّعَاءِ ﴾ . قال بعضهم : قال: يا من يرزق مريم الثمر في غير أوانه(٥) هب لي ولداً ، وإن كان في غير
أوانه ، فكان من خبره وقضيته ما قدّمنا ذِكره في قصته .
(١) تفسير الطبري (١٦٢/٣).
(٢) كذا في ب . وهو الأشبه كما سيأتي في سياق الكلام . وفي أوط : في الماء .
(٣)
في ب : انغطس . وكتب في الحاشية : لعله : انعكس .
(٤) تفسير الطبري ( ١٦٥/٣).
(٥) في ب : إبّانه.

٢٣٥
قصة عيسى ابن مريم عبد الله ورسوله وابن أمته
يَمَرْيَمُ أُقْنُتِى لِرَبِّكِ وَاسْجُدِى
﴿ وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَتَبِكَةُ يَعَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَنْكِ وَطَهَّرَكِ وَأَصْطَفَكِ عَلَى نِسَآءِ الْعَلَمِينَ (١)
وَأَزْكَعِى مَعَ الزَّكِعِينَ ﴿ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْيُلْقُونَ أَقْلَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمٌ وَمَا كُنتَ
لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (١) إِذْ قَالَتِ الْمَلَتِكَةُ يَمَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِى الذُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ
◌َ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِىِ الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّلِحِينَ (١) قَالَتْ رَبٍ أَنَّى يَكُونُ لِى وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِ بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ
٤٥
وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ!
اَللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَىَ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١) وَيُعَلِّمُهُ الْكِنَبَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَنَةَ وَالْإِنِيلَ (﴿ وَرَسُولًا إِلَ بَنِىّ
إِسْمَِّيلَ أَنِى قَدْ جِئْتُكُمْ بِئَايَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِ أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَئَةِ الَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ وَأَبْرِئُ
الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُخِ اٌلْمَوْقَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمَّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَةً لَّكُمْ إِن كُنْتُم
مُؤْمِنِينَ (٢) وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ التَّوْرَةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِثْتُكُم بِتَايَةٍ مِن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُواْ
اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٥) إِنَّ اللَّهَ رَبِّ وَرَبُّكُمْ فَأَعْبُدُوهُ هَذَا صِرَّطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [آل عمران: ٤٢ - ٥١].
يذكر سبحانه وتعالى أن الملائكة بشّرت مريمَ باصطفاء الله لها من بين سائر نساء عالمي زمانها بأنٍ
اختارها لإيجاد ولدٍ منها من غير أبٍ، وبُشّرت بأن يكون نبياً شريفاً ﴿ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِ الْمَهْدِ ﴾ أي : في
صِغره يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له ، وكذلك في حال كهولته ، فدلّ على أنه يبلغ الكهولةَ
ويدعو إلى الله فيها . وأُمِرَتْ بكثرة العبادة والقُنوتِ والسجودِ والركوع لتكون أهلاً لهذه الكرامة ، ولتقوم
بشُكْر هذه النعمة . فيقال : إنها كانت تَقُومُ في الصلاة حتى تفطّرت قدماها ، رضي الله عنها ورحمها
ورحم أمها وأباها. فقول الملائكة: ﴿يَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَنكِ﴾ أي اختارك واجْتباك ﴿ وَطَهَرَكِ ﴾ أي من
الأخلاق الرذيلة، وأعطاك الصفات الجميلة، ﴿وَاصْطَفَتِكِ عَلَى نِسَآءِ الْعَلَمِينَ﴾، يحتمل أنه يكون المراد
عالمي زمانها ، كقوله لموسى: ﴿ إِنِّ اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الأعراف: ١٤٤] وكقوله عن بني إسرائيل:
﴿ وَلَقَدٍ أُخْتَرْنَهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَلَمِينَ﴾ [الدخان: ٣٢]. ومعلومٌ أن إبراهيم عليه السلام أفضل من موسى ،
وأن محمداً وَ لّ أفضل منهما، وكذلك هذه الأمة أفضل من سائر الأمم قبلها ، وأكثر عدداً ، وأفضل
علماً ، وأزكى عملاً من بني إسرائيل وغيرهم. ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَاصْطَفَتَكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَلَمِينَ﴾
محفوظ العموم ، فتكون أفضل نساء الدنيا١) ممن كان قبلها ووجد بعدها ، لأنها إن كانت نبيةً ، على قول
من يقول بنبوتها ونبوة سارة أم إسحاق ونبوة أم موسى محتجاً بكلام الملائكة والوحي إلى أم موسى - كما
يزعم ذلك ابن حزم وغيره - فلا يمتنع على هذا أن تكون مريم أفضل من سارة وأم موسى لعموم قوله :
﴿ وَأَصْطَفَتِكِ عَلَى نِسَآءِ الْعَلَمِينَ﴾ إذ لم يعارضه غيره والله أعلم.
وأما قول الجمهور كما قد حكاه أبو الحسن الأشعري وغيره عن أهل السنة والجماعة من أن النبوة
مختصةٌ بالرجال ، وليس في النساء نبيّة ، فيكون أعلى مقامات مريم كما قال الله تعالى: ﴿ مَّا الْمَسِيحُ
(١) في ب : أفضل من سائر أهل الدنيا .

٢٣٦
قصة عيسى ابن مريم عبد الله ورسوله وابن أمته
أَبْربُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ [المائدة: ٧٥]. فعلى هذا لا يمتنع أن تكون
أفضل الصِّدِّيقات المشهورات ممن كان قبلها وممن يكون بعدها والله أعلم .
وقد جاء ذكرها مقروناً مع آسية بنت مزاحم وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد رضي الله عنهن وأرضاهن.
وقد روى الإمام أحمد (١)، والبخاري (٢) ومسلم (٣) والترمذي(٤) والنسائي(٥) من طرق عديدة عن
هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عبد الله بن جعفر ، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : قال
رسول الله وَهُ: ((خَيْرُ نِسائها مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وخيرُ نِسائِها خَدِيْجَةُ بِنْتُ خُوَيْلد ».
وقال الإمام أحمد(٦) : حدّثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر ، عن قتادة ، عن أنس قال : قال رسول الله
وَهُ: ((حَسْبُكَ مِنْ نِساءِ العالَمِيْنَ بأرْبَعِ: مَرْيَم بِنْت ◌ِمْران، وآسِية امْرأَةَ فِرعَوْن، وخَدِيْجَة بِنْت خُوَيْلِد
وفاطِمَةُ بنت مُحَمّد )) .
ورواه الترمذي (٧) عن أبي بكر بن زَنجَويه(٨) ، عن عبد الرزاق ، به ، وصححه .
ورواه ابن مردويه من طريق عبد الله بن أبي جعفر الرازي ، وابنُ عساكر من طريق تميم بن زياد ،
كلاهما عن أبي جعفر الرازي، عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله بَلَهُ: ((خَيْرُ نِساءِ العالَمِينَ أرْبَعٌ:
مريمُ بنتُ عِمران، وآسِيةُ امْرَأَةُ فِرْعَون، وخَدِيجُ بنتُ خُوَيْلِد، وفاطمةُ بنت محمد(٩) رسول الله)) .
وقال الإمام أحمد(١٠) : حدّثنا عبد الرزاق ، حدّثنا معمر، عن الزهري ، عن ابن المسيب قال : كان
أبو هريرة يحدث أن النبي وَّ قال: ((خَيْرُ نِساءٍ رَكِبْنَ الإِبِلَ، صالحُ نِساءِ قُرَيْشٍ ، أَحْناهُ عَلَى وَلَدٍ في
صِغَرِهِ وأزْعَاهُ لِزَوجٍ في ذاتِ يدِهِ)) . قال أبو هريرة : ولم تركب مريم بعيراً قط .
وقد رواه مسلم في ((صحيحه(١١) عن محمد بن رافع وعبد بن حُمَيد كلاهما عن عبد الرزاق به .
(١) المسند (٨٤/١، ١٣٢، ١٤٣).
(٢) صحيح البخاري (٣٤٣٢) في أحاديث الأنبياء، ورقم (٣٨١٥)، في مناقب الأنصار، باب تزويج النبي ◌َّ خديجة وفضلها.
صحيح مسلم رقم ( ٢٤٣٠ ) في فضائل الصحابة ، باب فضائل خديجة أم المؤمنين .
(٣)
سنن الترمذي رقم (٣٨٧٧)، في المناقب ، باب فضل خديجة رضي الله عنها ، وقال : هذا حديث حسن صحيح .
(٤)
(٥)
في المناقب من سننه الكبرى (٨٣٥٤) .
(٦) مسند أحمد (١٣٥/٣) . وفي لفظه تقديم وتأخير .
جامع الترمذي رقم ( ٣٨٧٨) ، في المناقب ، باب فضل خديجة رضي الله عنها .
(٧)
(٨)
في ط : زانجويه ، وهو خطأ .
(٩) زاد في ط : محمد. والحديث في تاريخ دمشق، تراجم النساء ( ٣٧٨).
(١٠) مسند أحمد (٢٧٥/٢).
(١١) صحيح مسلم رقم (٢٥٢٧) (٢٠١)، في فضائل الصحابة ، باب من فضائل نساء قريش.

٢٣٧
قصة عيسى ابن مريم عبد الله ورسوله وابن أمته
وقال أحمد(١): حدّثنا زيد بن الحباب، حدّثني موسى بن عُلَيّ، سمعت أبي يقول: سمعت
أبا هريرة يقول: قال رسول الله وَّهُ: ((خَيْرُ نِساءِ رَكِبْنَ الإِلَ نِساءُ قُرَيْشٍ أحْنَاهُ عَلَى وَلَدٍ في صِغَرِهِ وَأَزْأَفَهُ
بِزَوْجِ عَلَى قِلَّةِ ذاتِ يَدِهِ)). قال أبو هريرة: وقد علم رسول الله وَ ال أن ابنة عمران لم تركب الإبل.
تفرد به وهو على شرط الصحيح . ولهذا الحديث طرق أخر عن أبي هريرة(٢) .
وقال أبو يعلى الموصلي : حدّثنا زهير ، حدّثنا يونس بن محمد، حدّثنا داود بن أبي الفرات ، عن
عِلباء بن أحْمر، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: خَطَّ رَسُول الله وَلِّ في الأرض أربعة خطوط فقال :
((أَتَدْرُوْنَ ما هذا؟)) قالوا: الله ورسوله أعلم. فقال رسول الله وَّرَ: ((أفضلُ نِساءِ أهْل الجنةِ خَديجةُ بنتُ
خويلد ، وفاطمةُ بنتُ محمدٍ ، ومَريَمُ بنتُ عِمران، وآسيةُ بنتُ مُزاحم امرأةٌ فرعونَ (٣) .
ورواه النسائي من طرق عن داود بن أبي الفرات(٤) .
وقد رواه ابن عساكر من طريق أبي بكر عبد الله بن أبي داود سليمان بن الأشعث ، حدّثنا يحيى بن
حاتم العسكري ، حدّثنا بشر بن مهران بن حمدان ، حدّثنا محمد بن دينار ، عن داود بن أبي هند ، عن
الشعبي، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله وَّر: «حَسْبُكَ مِنْهُنَّ أَرْبَعُ سَيّداتِ نساء العالمين:
فاطمةُ بنتُ محمد ، وخديجةُ بنتُ خويلدٍ ، وآسيةُ بنتُ مُزاحم ، ومريمُ بنتُ عمران (٥) .
وقال أبو القاسم البغوي : حدّثنا وهب بن منبه ، حدثنا خالد بن عبد الله الواسطي ، عن محمد بن
عمرو ، عن أبي سلمة، عن عائشة أنها قالت لفاطمة: أرأيتِ حين أكْبَيْتِ على رسول الله وَ ليل فبكيت ثم
ضحكتِ ؟ قالتْ : أخبرني أنه مَيّتٌ من وجعه هذا فبكيت ، ثم أكْبَيتُ عليه فأخبرني أني أسرع أهله لحوقاً
به ، وأني سيدةُ نساء أهل الجنة إلا مريم بنتَ عمران فضحكتُ(٦).
وأصل هذا الحديث في الصحيح. وهذا إسناد على شرط مسلم، وفيه أنهما أفضل الأربع المذكورات (٧) .
وهكذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد(٨) ، حدثنا عثمان بن محمد ، حدثنا جرير ، عن يزيد هو ابن
(١) في مسنده (٥٣٦/٢) .
(٢) في مسند أحمد (٢٦٩/٢، ٢٧٥، ٣١٩، ٣٩٣، ٤٤٩، ٤٦٩، ٥٠٢).
(٣) مسند أبي يعلى (١١٠/٥، رقم ٢٧٢٢). وهو في تراجم النساء ، تاريخ دمشق ( ٣٧٥).
(٤) في ط وأوب: ((داود بن أبي هند)) وهو خطأ، وقد تقدم قبل قليل في إسناد أبي يعلى على الصواب. وقد أخرجه
النسائي في الفضائل من سننه الكبرى من طريق يونس بن محمد (٨٣٥٥) وأبي النعمان (٨٣٥٧) وحجاج بن منهال
(٨٣٦٤)؛ ثلاثتهم عن داود بن أبي الفرات.
(٥)
تاريخ دمشق ، تراجم النساء ( ٣٧٨ ).
وأورده الطبري في تفسيره (٣/ ١٨٠ - ١٨١)، مفصلاً.
(٦)
(٧) انظر الروايات وتخريجها في جامع الأصول (١٢٨/٩) ، وما بعدها .
(٨) المسند (٨٠/٣).

٢٣٨
قصة عيسى ابن مريم عبد الله ورسوله وابن أمته
أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي نُعْم، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله وََّ: ((فاطمةُ سَيّدةُ نساءٍ
أهلِ الجَنَّةِ ، إلّا ما كانَ مِنْ مَرْيَمَ بنتِ عِمران)). إسناد حسن، وصححه الترمذي(١) ، ولم يخرجوه ، وقد
روي نحوه من حديث علي بن أبي طالب ، ولكن في إسناده ضعف .
والمقصود أن هذا يدل على أن مريم وفاطمة أفضل هذه الأربع . ثمّ يحتمل الاستثناءُ أن تكون مريم
أفضل من فاطمة ، ويحتمل أن يكونا على السواء في الفضيلة ، لكن ورد حديث إن صَحَّ عيَّنَ الاحتمال
الأول ؛ فقال الحافظ أبو القاسم بن عساكر : أخبرنا أبو الحسن بن الفراء وأبو غالب وأبو عبد الله ابنا البنّاء
قالوا : أخبرنا أبو جعفر ابن المُسْلِمة أخبرنا أبو طاهر المُخَلِّص حدّثنا أحمد بن سليمان ، حدّثنا الزبير
- هو ابن بكار - حدّثنا محمد بن الحسن ، عن عبد العزيز بن محمد ، عن موسى بن عقبة ، عن كريب ،
عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَّل: ((سَيّدة نساءِ أهلِ الجنةِ مريمُ بنتُ عِمران، ثم فاطمةُ، ثم
خديجةُ، ثم آسيةُ امرأةٌ فرعونَ )). فإن كان هذا اللفظ محفوظاً بـ(( ثم)) التي للترتيب فهو مبيِّنٌ لأحد
الاحتمالين اللذين دلّ عليهما الاستثناء ، وتقدّم على ما تقدّم من الألفاظ التي وردت بواو العطف التي(٢)
لا تقتضي الترتيب ولا تنفيه . والله أعلم .
وقد روى هذا الحديث أبو حاتم الرازي ، عن داود الجعفري (٣)، عن عبد العزيز بن محمد - وهو
الدَّرَاوَزْدِي (٤) عن إبراهيم بن عقبة، عن كُريب، عن ابن عباس مرفوعاً، فذكره بواو العطف لا (( بثمَّ))
التي للترتيب(٥) فخالفه إسناداً ومتناً . فالله أعلم .
فأما الحديث الذي رواه ابن مردويه من حديث شعبة ، عن معاوية بن قرّة ، عن أبيه قال : قال
رسول الله وَلَهُ: ((كمُلَ مِنَ الرِّجَّالِ كَثِيْرٌ، ولَمْ يَكْمُل مِنَ النّسَاءِ إلَّا ثَلاثٌ: مَرْيَمُ بنتُ عِمْران، وآسيةُ امْرَأَةُ
فِرِعَون، وخَدِيْجَةُ بنتُ خُوَيْدِدِ، وفَضْلُ عائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيْدِ عَلَى سَائِ الطّعامِ)». وهكذا
الحديث الذي رواه الجماعة (٦) إلا أبا داود من طرقٍ عن شعبة عن عمرو بن مرة ، عن مرة الهمداني ، عن
(١) هكذا قال، وإنما صحح الترمذي حديث ((الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة)) (٣٧٦٨) و(٣٧٦٨°م) وليس فيه
الزيادة التي ذكرها المصنف. نعم، ذكر الإمام أحمد حديث الحسن والحسين وذكر الزيادة في (٦٤/٣)، وكذلك
ذكرها النسائي في المناقب (٨٥١٤)، لكن الترمذي لم يذكرها.
(٢)
في ب : الذي .
هو داود بن عبد الله بن محمد الجعفري، أبو سليمان المدني، من رجال التهذيب .
(٣)
قال ابن الأثير : هذه نسبة عبد العزيز بن محمد بن عبيد ، من أهل المدينة . توفي سنة (١٨٦ هـ) . وكان أبوه من
(٤)
( دار ابجرد) فاستثقلوا أن يقولوا : دار ابجردي ، فقالوا: دراوردي. اللباب (١/ ٤٩٦).
(٥) في ط : الترتيبية .
(٦) حديث شعبة عن عمرو بن مرة، عن مرة، عن أبي موسى أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء من صحيحه (٣٤١١)
و(٣٤٣٣)، وفي فضل عائشة (٣٧٦٩) وفي الأطعمة (٥٤١٨). وأخرجه مسلم في الفضائل (٢٤٣١)، والترمذي في=

٢٣٩
قصة عيسى ابن مريم عبد الله ورسوله وابن أمته
أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله وَ ◌ّه: ((كَمُل مِنَ الرِّجَالِ كَثِيْرٌ ولم يَكْمِلْ مِنَ النِّسَاءِ إلَّا آسِيةُ امرأةٌ
فِرِعَون ومَزْيَمُ بنتُ عِمران وإنَّ فَضْلَ عائِشَةَ على النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيْدِ عَلَى الطَّعَام)) ، فإنه حديث صحيح
كما ترى، اتفق الشيخان على إخراجه، ولفظه يقتضي حَصْر الكمال في النساء في مريم وآسية، ولعل المراد
بذلك في زمانهما ، فإن كلاً منهما كفلت نبياً في حال صغره ، فآسية كفلت موسی الکلیم ، ومریم کفلت
ولدها عبد الله ورسوله ، فلا ينفي كمال غيرهما في هذه الأمة كخديجة وفاطمة ، فخديجة خدمت
رسول الله وَّة قبل البعثة خمس عشرة سنة، وبعدها أزيد من عشر سنين، وكانت له وزيرَ صِدْق بنفسها
ومالها رضي الله عنها وأرضاها. وأما فاطمة بنتُ رسول الله وَ له فإنها خُصّت بمزيد فضيلة على أخواتها ،
لأنها أصيبت برسول الله وَّه وبقيةِ أخواتها مِتن في حياة النبي ◌َّر. وأما عائشة فإنها كانت أحبَّ أزواج
رسول الله وَّيه إليه، ولم يتزوج بكراً غيرها، ولا يُعرف في سائر النساء في هذه الأمة ، بل ولا في غيرها ،
أعلم منها ولا أفهم، وقد غار الله لها حين قال لها أهل الإفك ما قالوا ، فأنزل براءتها من فوق سبع
سموات، وقد عُمِّرت بعد رسول اللهوَ له قريباً من خمسين سنةً تبلّغ عنه القرآن والسُّنَّةَ ، وتفتي المسلمين ،
وتصلح بين المختلفين ، وهي أشرف أمهات المؤمنين حتى خديجة بنت خويلد أم البنات والبنين في قول
طائفة من العلماء السابقين واللاحقين ، والأحسن الوقف فيهما رضي الله عنهما . وما ذاك إلا لأن قوله
وَ﴿: ((وفضلُ عَائِشَة على النساءِ كَفَضْلِ الثَّرِيْدِ علَى سائرِ الطّعام)» يحتمل أن يكون عاماً بالنسبة إلى
المذكورات [ وغيرهن، ويحتمل أن يكون عاماً بالنسبة إلى ما عدا المذكورات }(١) . والله أعلم .
والمقصود هاهنا ذِكْر ما يتعلّق بمريم بنتِ عمران عليها السلام ، فإن الله طهَّرها واصْطفاها على نساء
عالمي زمانها ، ويجوز أن يكون تفضيلها على النساء مطلقاً ، كما قدّمنا . وقد ورد في حديثٍ أنها تكون
من أزواج النبي وَّر في الجنة هي وآسية بنت مزاحم. وقد ذكرنا في ((التفسير)(٢) عن بعض السلف أنه قال
ذلك واستأنس بقوله: ﴿ثَيِّبَتٍ وَأَبْكَارًا﴾ [ التحريم: ٥]، قال: فالثيب آسية، ومن الأبكار مريم بنت
عمران . وقد ذكرناه في آخر سورة التحريم . فالله أعلم .
قال الطبراني(٣): حدثنا عبد الله بن ناجية، حدثنا محمد بن سعد العَوْفي(٤) حدثنا أبي حدثنا عمي
الأطعمة (١٨٣٤)، وابن ماجه في الأطعمة أيضاً (٣٢٨٠)، والنسائي في المناقب (٦٨/٧) وهو في عشرة النساء من
الكبرى (٨٣٥٣) و(٨٣٨١) و(٨٨٩٥) بقصة فضل عائشة .
(١) سقط من ب بنقلة عين .
(٢) هو كما قال في تفسيره: (٣٩٠/٤).
(٣) في المعجم الكبير (٢/٥٤٨٥) .
هو أبو جعفر محمد بن سعد بن محمد بن الحسن ، العَوْفي ، من بني عوف بن سعد ، من يشكر بن بكر بن وائل ،
(٤)
وقيل من يشكر بن الحارث ، من قيس عيلان . كان من أهل بغداد ، توفي سنة ( ٢٧٦ هـ) . قيل : كان لين
الحديث . وقال الدار قطني : لا بأس به . أنساب السمعاني (٨٩/٩ - ٩٠).

٢٤٠
قصة عيسى ابن مريم عبد الله ورسوله وابن أمته
الحسين، حدثنا يونس بن نُفيع عن سعد بن جُنَادة - هو العَوْفي -، قال: قال رسول الله وَّه: ((إن اللهَ
زَوَّجَنِي في الجنةِ مَرْيَمَ بنتَ عِمْرانَ وامرأةَ فِرْعَوْنَ وأُخْتَ مُؤْسَى )).
وقال الحافظ أبو يعلى : حدّثنا إبراهيم بن عرعرة ، حدّثنا عبد النور بن عبد الله ، حدّثنا يونس بن
شعيب، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله وَّةَ: ((أُشْعِرْتُ أنَّ اللهَ زَوَّجَني مَرْيَمَ بنتَ عِمْران وآسِيةَ بنْتَ
مُزاحِم وكَلْثَم أُخْتَ مُؤْسى)). رواه أبو جعفر العُقَيلي (١) من حديث عبد النور به، وزاد: (( فقلت هنيئاً
لك يا رسول الله)) ثم قال العقيلي: وليس بمحفوظ(٢).
وقال الزبير بن بكار : حدّثني محمد بن الحسن ، عن يعلى بن المغيرة ، عن ابن أبي رؤَّاد قال : دخل
رسول الله وَلّ على خديجة وهي في مرضها الذي توفيت فيه فقال لها: (( بالكُرهِ منّي ما أرى مِنْكِ
يا خديجةُ، وقد يَجْعلُ اللهُ في الكُرهِ خَيْراً كثيراً. أما علمتِ أنَّ اللهَ قَدْ زَوَّجَنِي مَعَكِ في الجَنَّةِ مَرْيَمَ بنتَ
عِمران وكَلْثَمَ أختَ مُؤْسى وآسيةَ امرأةً فِرعون )» قالت : وقد فعل الله بكَ ذلك يا رسول الله ؟ قال :
(( نعم)). قالت: بالرِّفاء والبنين(٣).
وروى ابن عساكر(٤) من حديث محمد بن زكريا الغَلاَبي(٥)، حدّثنا العباس بن بكار ، حدّثنا أبو بكر
الهذلي(٦)، عن عكرمة، عن ابن عباس أن رسول الله وَ ليل دخل على خديجة وهي في مرض الموت،
فقال: ((يا خَدِيجةُ إذا لَقِيْتِ ضَرَائِرَكِ فَأَقْرِئيهِنَّ مِنِّي السَّلامَ )) قالَت: يا رسول الله وهل تزوجتَ قبلي ؟
قال : (( لا، ولكن الله زوَّجَني مريَمَ بنتَ عِمران وآسيةَ بنتَ مُزاحِم وكَلَمَ أختَ موسى (٧).
وروى ابن عساكر من طريق سُويد بن سعيد ، حدّثنا محمد بن صالح بن عمر عن الضحاك ومجاهد ،
عن ابن عمر قال: نزل جبريل إلى رسول الله وَ له بما أُرسِل به، وجلس يُحدّث رسول الله بَّه إذ مَرّت
(١) في الضعفاء الكبير (٤٥٩/٤) .
(٢) إسناده تالف، فإن يونس بن شعيب منكر الحديث، كما قال البخاري فيما نقله عنه العقيلي (٤٥٩/٤)، وعبد النور بن
عبد الله هو المسمعي رافضي كذاب وضاع خبيث (ضعفاء العقيلي ٣/ ١١٤)، وانظر تفسير ابن كثير: (٣٩٠/٤).
(٣) الرِّفاء: الالتئام والاتفاق والبركة والنماء. وقد نهي أن يقال للمتزوج: بالرفاء والبنين. وكان رسول الله وَ ليلةٍ إذا رفأ
الإنسانَ قال : بارك الله لك وعليك وجمع بينكما على خير .
(٤)
في ترجمة مريم بنت عمران كما أشار ابن كثير في تفسيره (٤/ ٣٩٠).
الغَلابي ، بفتح الغين واللام ألف المخففة : نسبة إلى غلاب ، وهو اسم لبعض أجداد المنتسب إليه . أنساب
(٥)
السمعاني (١٩٣/٩).
(٦) في ط : الهزلي. بالزاي. وهو خطأ. وأبو بكر الهُذَلي اسمه سُلْمى بن عبد الله بن سُلْمى، من أهل الكوفة ، سكن
البصرة . توفي سنة ( ١٦٧ هـ) . وهو متروك الحديث .
المجروحين لابن حبان (٣٥٥/١)، وتقريب التهذيب (٤٠١/٢).
(٧) قال ابن كثير في تفسيره (٤/ ٣٩٠) : ضعيف.