النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ قصة سليمان بن داود عليهما السلام فَقَالَ﴾ لسليمان ﴿ أَحَطَتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ أي: اطلعت على ما لم تطلع عليه ﴿وَجِئْتُكَ مِن سَيَاٍ بِنٍَّ يَقِينٍ﴾ أي: بخبر صادق: ﴿ إِنِّي وَجَدتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَىْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾. يذكر ما كان عليه ملوك سبأ في بلاد اليمن من المملكة العظيمة والتبابعة المتوّجِين ، وكان المُلْك قد آل في ذلك الزمان إلى امرأة منهم ابنة ملكهم لم يُخلِّف غيرها فملّكوها عليهم. وذكر الثعلبي وغيره أن قومها ملّكوا عليهم بعد أبيها رجُلاً ، فعمَّ به الفساد ، فأرسلت إليه تخطُبه ، - فتزوّجها ، فلما دخلت عليه سقته خمراً ثم حزَّت رأسه ونصبته على بابها ، فأقبل الناس عليها وملَّكوها عليهم ، وهي بلقيس بنت السيرح وهو الهدهاد ، وقيل : شراحيل بن ذي جَدَن بن السيرح بن الحارث بن قيس بن صيفي بن سبأ بن يَشْجب بن يعرب بن قحطان . وكان أبوها من أكابر الملوك وكان يأبى أن يتزوج من أهل اليمن ، فيقال إنه تزوج بامرأة من الجنّ اسمها ريحانة بنت السكن ، فولدت له هذه المرأة واسمها تلقمة ويقال لها : بلقيس . وقد روى الثَّعْلَبِي (١) من طريق سعيد بن بشير ، عن قتادة ، عن النضر بن أنس ، عن بشير بن نهيك ، عن أبي هريرة عن النبي وَلّ أنه قال: ((كانَ أَحَدُ أبَوي بَلْقيس جِنّاً)(٢) . وهذا حديث غريب ، وفي سنده ضعف . وقال الثعلبي : أخبرني أبو عبد الله بن فنجويه(٣) ، حدّثنا أبو بكر بن جرجة ، حدّثنا ابن أبي الليث ، حدّثنا أبو كريب ، حدّثنا أبو معاوية ، عن إسماعيل بن مسلم ، عن الحسن ، عن أبي بكرة قال : ذكرت بلقيس عند رسول اللهِوَّ﴿ فقال: ((لا يُفْلِحُ قَوْمٌ ولَّوا أَمْرَهُم امْرَأَةً ». إسماعيل بن مسلم هذا هو المكي : ضعيف(٤) . وقد ثبت في ((صحيح)(٥) البخاري من حديث عوف، عن الحسن، عن أبي بكرة أن رسول الله وَالجهل لما بلغه أن أهل فارس ملّكوا عليهم ابنة كسرى قال: ((لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ ولّوا أمْرَهُمُ امْرَأَةً ». (١) هو أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم النيسابوري. توفي سنة ( ٤٢٧ هـ). وتفسيره : الكشف والبيان في تفسير القرآن . قال عنه الزركلي : مخطوط . ترجمته في شذرات الذهب (١٢٧/٥) تحقيق محمود الأرناؤوط - طبع دار ابن كثير، والأعلام (٢١٢/١). (٢) أورده القرطبي في تفسيره (١٣/ ٢١١). (٣) في ط : قبحوية . وهو تصحيف . وهو الحسين بن محمد بن الحسين بن عبد الله بن صالح بن شعيب بن فنجويه الثقفي الدينوري . توفي سنة (٤١٤ هـ). ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٧/ ٣٨٣). (٤) المجروحين لابن حبان (١/ ١٢٠)، والضعفاء للبخاري (١٧)، وللنسائي (١٧). (٥) صحيح البخاري رقم ( ٤٤٢٥) في المغازي، باب كتاب النبي ◌َّر إلى كسرى وقيصر، ورقم (٧٠٩٩) في الفتن ، باب ( ١٨) . وفيه : لن يفلح. ١٨٢ قصة سليمان بن داود عليهما السلام ورواه الترمذي (١)، والنسائي(٢) من حديث حميد، عن الحسن، عن أبي بكرة، عن النبي ◌َّه وقال الترمذي : حسن صحيح . وقوله : ﴿وَأُوِيَتْ مِنْ كُلِّ شَىْءٍ﴾ أي مما من شأنه أن تؤتاه الملوك. ﴿ وَا عَرْشُّ عَظِيمٌ ﴾ يعني سرير مملكتها وكان مزخرفاً بأنواع الجواهر واللآلئ والذهب والحليِّ الباهر . ثمّ ذكر كفرهم بالله وعبادتهم الشمس من دون الله وإضلالَ الشيطان لهم وصدّه إياهم عن عبادة الله وحده لا شريك له ﴿ الَّذِى يُخْرِجُ الْخَبَْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ أي: يعلم السرائر والظواهر من المحسوسات والمعنويات ﴿اَللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ﴾﴾ أي: له العرش العظيم الذي لا أعظم منه في المخلوقات . فعند ذلك بعث معه سليمان عليه السلام كتابه يتضمن دعوته لهم إلى طاعة الله وطاعة رسوله ، والإنابة والإذعان إلى الدخول في الخضوع لملكه وسلطانه ، ولهذا قال لهم: ﴿ أَّا تَعْلُواْ عَّ ﴾ أي لا تستكبروا عن طاعتي وامتثال أوامري ﴿ وَأَتُونِ مُسْلِمِينَ﴾ أي: واقدموا عليّ سامعين مطيعين بلا معاودة ولا مراودة . فلما جاءها الكتاب مع الطير - ومن ثم اتخذ الناس البطائق ، ولكن أين الثريا من الثرى ؟! تلك البطاقة كانت مع طائر سامع مطيع فاهم عالم بما يقول ويقال له - فذكر غير واحد من المفسرين وغيرهم أن الهدهد حمل الكتاب وجاء إلى قصرها فألقاه إليها وهي في خلوة لها ، ثمّ وقف ناحية ينتظر ما يكون من جوابها عن كتابها ، فجمعت أُمراءها ووزراءها وأكابر دولتها إلى مشورتها ﴿قَالَتْ يَتُهَا الْمَلَوُاْ إِّ أُلِّقِىَ إِلَّ كِنٌَ كَرِمْ﴾. ثم قرأت عليهم عنوانه أولًا ﴿ إِنَّهُ مِن سُلَيَْنَ﴾ ثم قرأته ﴿ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (بثَّ أَلَّ تَعْلُواْ عَلَىَّ وَأَنُونِ مُسْلِمِينَ﴾ . ثمّ شاورتهم في أمرها وما قد حل بها، وتأدّبت معهم، وخاطبتهم وهم يسمعون ﴿﴿ قَالَتْ يَأَيُّهَا الْعَلَؤُّأْ أَفْتُونِ فِىّ أَمْرِى مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَعّْ حَتَّى تَشْهَدُونِ ﴾ تعني: ما كنت لأبثَّ أمراً إلا وأنتم حاضرون: ﴿ قَالُواْ نَحْنُ أُوْلُواْ قُوَّةٍ وَأُوْلُواْ بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾ يعنون : لنا قوة وقدرة على الجلاد والقتال ومقاومة الأبطال ، فإن أردت منّا ذلك فإنا عليه من القادرين، ﴿و﴾ مع هذا فـ ﴿الأمر إِلَيْكِ فَانْظُرِى مَاذَا تَأْمُرِينَ ﴾ فبذلوا لها الطاعة ، وأخبروها بما عندهم من الاستطاعة ، وفوَّضوا إليها في ذلك الأمر لترى فيه ما هو الأرشد لها ولهم ، فكان رأيها أتمَّ وأسدّ من رأيهم ، وعلمت أن صاحب هذا الكتاب لا يُغالَب ولا يُمانَع ولا يُخالَف ولا يُخادَع . : قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُواْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَزِلَّةٌ وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ﴾ تقول برأيها السديد : إن هذا الملك لو قد غَلَب على هذه المملكة لم يخلص الأمر من بينكم إلا إليَّ، ولم تكن الحدَّة الشديدة (١) سنن الترمذي رقم (٢٢٦٢) في الفتن ، باب (٧٥). (٢) سنن النسائي ( ٢٢٧/٨). ١٨٣ قصة سليمان بن داود عليهما السلام والسطوة البليغة إلا عليَّ ﴿ وَإِنِىِ مُرْسِلَةُ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ ﴾ أرادت أن تصانع عن نفسها وأهل مملكتها بهدية ترسلها وتحف تبعثها ، ولم تعلم أن سليمان عليه السلام لا يقبل منهم - والحالة هذه - صرفاً ولا عدلًاً، لأنهم كافرون وهو وجنوده عليهم قادرون. ولهذا ﴿ فَلَمَّا جَآءَ سُلَيْمَنَ قَالَ أَتْمِذُونَنِ بِمَالٍ فَمَآ ءَاتَيْنِءَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَآ ءَاتَنَكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَتِكُمْ نَفْرَجُونَ﴾ هذا، وقد كانت تلك الهدايا مشتملة على أمور عظيمة ، كما ذكره المفسرون (١) . ثم قال لرسولها إليه ووافدها الذي قدم عليه ، والناس حاضرون يسمعون: ﴿أَرْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَتَأْنِيَنَّهُم ◌ِحُدٍ لَّا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَةً وَهُمْ صَغِرُونَ﴾ يقول: ارجع بهديتك التي قدمت بها إلى من قَدْ مَنَّ بها فإن عندي مما قد أنعم الله عليّ وأسداه إليّ من الأموال والتحف والرجال ما هو أضعاف هذا، وخير من هذا الذي أنتم تفرحون به وتفخرون على أبناء جنسكم بسببه : ﴿فَلَأْنِيَنَّهُمْ بِحُدٍ لَّا قِبَلَ لَمُ بِهَا ﴾ أي: فلأبعثنَّ إليهم بجنود لا يستطيعون دفاعهم ولا نزالهم ولا ممانعتهم ولا قتالهم ، ولأخرجنهم من بلدهم وحوزتهم ومعاملتهم ودولتهم ﴿ أَذِلَّةً وَهُمْ صَغِرُونَ ﴾ عليهم الصّغار والعار والدمار . فلما بلغهم ذلك عن نبي الله لم يكن لهم بدٌّ من السمع والطاعة ، فبادروا إلى إجابته في تلك الساعة ، وأقبلوا صحبة الملكة أجمعين سامعين مطيعين خاضعين ، فلما سمع بقدومهم عليه ووفودهم إليه قال لمن بين يديه ممن هو مسخَّر له من الجان ما قصه الله عنه في القرآن . قَالَ يَكَّهَ الْعَلَوْ أَيُّكُمْ بَأْتِىِ بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِ مُسْلِمِينَ ﴿) قَالَ عِفْرِيِتٌ مِّنَ الِنْ أَنَاْ ءَاِكَ بِهِ، قَبْلَ أَن تَقُوَ مِن مَّقَامِكٌ، وَإِنِ عَلَيْهِ لَقَوِىُّ أَمِيْنٌ ﴿ قَالَ الَّذِى عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَبِ أَنْءَائِكَ بِهِ، قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَءَاهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلٍ ◌َ قَالَ نَكِّرُ والَا عَرْشَهَا نَظُرْ أَنَتَدِىّ أَمْ رَبِىِ لِيَبْلُوَبِيِّ ◌َ أَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ، وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِ غَنِىٌّ كَرِيمٌ ( تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ ﴿ فَلَمَّا جَآءَتْ قِلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَنَّهُ هُوَ وَأُوِيْنَا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَا مُسْلِمِينَ (١) وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَعْبُ مِن دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَفِرِينَ (١) قِيلَ لَا أَدْخُلِىِ الصَّرْعِ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَثَفَتْ عَنِ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرٌْ مُمَرَّدٌ مِّن قَوَارِرٌ قَالَتْ رَبِّ إِنِى ظَلَمْتُ نَفْسِى وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَنَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [ النمل: ٣٨ -٤٤]. لما طلب سليمان من الجان أن يُحضِروا له عرش بلقيس ، وهو سرير مملكتها التي تجلس عليه وقت حكمها قبل قدومها عليه: ﴿ قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الْمِنِّ أَنَاْءَائِكَ بِهِ، قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ﴾ يعني قبل أن ينقضيَ مجلسُ حكمك ، وكان - فيما يقال - من أول النهار إلى قريب الزوال ، يتصدى لمهمات بني إسرائيل وما لهم من الأشغال ﴿ وَإِى عَلَيْهِ لَقَوِىُّ أَمِينٌ﴾ أي : وإني لذو قدرة على إحضاره إليك وأمانَةٍ على ما فيه من الجواهر النفيسة لديك: ﴿قَالَ الَّذِىِ عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِنَبِ﴾ المشهور أنه آصف بن برخيا، وهو ابن خالة سليمان. وقيل : هو رجل من مؤمني الجان ، كان - فيما يقال - يحفظ الاسم الأعظم . وقيل : رجل من بني (١) تفسير الطبري (١٩/ ٩٧)، وتفسير ابن كثير (٣٦٢/٣ - ٣٦٣). ١٨٤ قصة سليمان بن داود عليهما السلام إسرائيل ، من علمائهم ، وقيل : إنه سليمان ، وهذا غريب جداً . وضعفه السُّهَيْلي بأنه لا يصح في سياق الكلام، قال : وقد قيل فيه قول رابع وهو جبريل: ﴿ أَنْ ءَائِكَ بِهِ، قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ قيل معناه قبل أن تبعث رسولًا إلى أقصى ما ينتهي إليه طرفك من الأرض ثم يعود إليك . وقيل : قبل أن يصل إليك أبعد من تراه من الناس . وقيل : قبل أن يكلَّ طرفك إذا أدمت النظر به قبل أن تطبق جفنك . وقيل : قبل أن يرجع إليك طرفك إذا نظرت به إلى أبعد غاية منك ثم أغمضته وهذا أقرب ما قيل . فَلَمَّا رَءَاهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ﴾ أي: فلما رأى عرش بلقيس مستقراً عنده في هذه المدة القريبة من بلاد اليمن إلى بيت المقدس في طرفة عين ﴿ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبٍِّ لِيَبْلُوَنِيِّءَ أَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ﴾ أي : هذا من فضل الله عليّ وفضله على عبيده ليختبرهم على الشكر أو خلافه ﴿ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ،﴾ أي: إنما يعود نفع ذلك عليه ﴿ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِ غَنِىٌّ كَرِيمٌ﴾ أي : غني عن شكر الشاكرين ، ولا يتضرر بكفر الكافرين . ثم أمر سليمان عليه السلام أن يُغَيَّر حُليُّ هذا العرش ويُنكَّر لها ليختبر فهمها وعقلها ، ولهذا قال : نَظُرْ أَنَهَنَدِىّ أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ (٤) فَلَّا جَتْ قِلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِّ قَالَتْ كَنَّهُ هُوْ ﴾ وهذا من فطنتها وغزارة فهمها ، لأنها استبعدت أن يكون عرشَها ؛ لأنها خلَّفته وراءَها بأرض اليمن ، ولم تكن تعلم أن أحداً يقدر على هذا الصنيع العجيب الغريب. قال الله تعالى إخباراً عن سليمان وقومه: ﴿ وَأُوِيْنَا الْعِلْمَ مِنْ قِلِهَا وَكُناً مُسْلِمِينَ ﴿ وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ اللّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَفِرِينَ﴾ أي : ومنعها عبادة الشمس التي كانت تسجد لها هي وقومها من دون الله اتّباعاً لدين آبائهم وأسلافهم لا لدليل قادهم إلى ذلك ولا حداهم على ذلك . وكان سليمان قد أمر ببناء صرح من زجاج ، وعمل في ممرِّه ماء ، وجعل عليه سقفاً من زجاج ، وجعل فيه من السمك وغيرها من دواب الماء ، وأُمِرت بدخول الصرح وسليمان جالس على سريره فيه ﴿ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَتَفَتْ عَن سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرٌْ مُمَرٌَّ مِّن قَوَارِيِرٌ قَالَتْ رَبِّ إِّ ظَلَمْتُ نَفْسِى وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ وقد قيل: إن الجن أرادوا أن يبشعوا منظرها عند سليمان ، وأن تُبدي عن ساقيها ليرى ما عليها من الشعر فينفره ذلك منها ، وخشوا أن يتزوجها لأن أمَّها من الجان فتتسلط عليهم معه . وذكر بعضهم أن حافرها كان كحافر الدابة ، وهذا ضعيف . وفي الأول أيضاً نظر . والله أعلم . إلا أن سليمان قيل: إنه لما أراد إزالته حين عَزَم على تَزَؤُجها سألَ الإنس عن زواله فذكروا له الموسی ، فامتنعت من ذلك، فسأل الجان فصنعوا له النُّوْرَةُ(١) ووضعوا له الحمَّام ، فكان أول من دخل الحمَّام ، فلما وجد مَسَّه قال: أوَّه من عذاب أوَّه، أوَّه(٢) قبل أن لا ينفع أوَّه . رواه الطبراني مرفوعاً وفيه نظر . وقد ذكر الثعلبي وغيره أن سليمان لما تزوجها أَقرَّها على مملكة اليمن وردّها إليه ، وكان يزورها في (١) النورة: أخلاط تضاف على الكلس من زرنيخ وغيره، ويستعمل لإزالة الشعر. (٢) في ب : أواه من عذاب أواه أواه .. ١٨٥ قصة سليمان بن داود عليهما السلام كلّ شهرٍ مرة فيقيم عندها ثلاثة أيام ثمّ يعود على البساط . وأمر الجان فبنَوا لها ثلاثة قصور باليمن ، غمدان ، وسالحين ، وبيتون . فالله أعلم . وقد روى ابن إسحاق عن بعض أهل العلم عن وهب بن منبه أن سليمان لم يتزوجها ، بل زوجها بملك هَمْدان وأقرها على ملك اليمن ، وسخَّر زوبعة ملك جن اليمن فبنى لها القصور الثلاثة التي ذكرناها باليمن ، والأول أشهر وأظهر . والله أعلم . وقال تعالى في سورة ص: ﴿ وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَنَّ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ: أَوَّابٌ ﴿ إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِ الصَّفِنَاتُ (جَ فَقَالَ إِّ أَحْيَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِى حَتَّى تَوَارَتْ بِالِحِجَابِ (٦) رُدُّوهَا عَّ فَطَفِقَ مَسْتَخَا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ الْجِبَادُ ٣٢ وَلَقَدْ فَنَّا سُلَيْنَنَ وَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِهِ، جَسَدًا ثُمَّأَنَبَ (٢) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِى وَهَبْ لِ مُلْكَا لَا يَنْبَغِى لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِيِّ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَضَّابُ ( ٣٥ فَسَخَّرْنَا لَهُ الْرِيَعَ تَجْرِى بِأَمْرِهِ، رَُّةً حَيْثُ أَصَابَ ﴿ وَالشََّطِينَ كُلّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصِ (٦) وَءَاخَرِينَ مُقَرَّبِينَ فِ الْأَصْفَادِ (٣٦) هَذَا عَطَآؤُنَا فَأَمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴿ْكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَرُلْفَى وَحُسْنَ مَثَابٍ﴾ [ الآيات: ٣٠ -٤٠]. يذكر سبحانه وتعالى أنه وهب لداود سليمان عليهما السلام، ثم أثنى عليه تعالى فقال: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُّ إِنَّهُ أَوَّبُ ﴾ أي : رجّاع مطيع لله . ثم ذكر تعالى ما كان من أمره في الخيل الصافنات ، وهي التي تقف على ثلاث وطرف حافر الرابعة ، الجياد ، وهي المضمَّرة السراعُ(١) . ﴿ فَقَالَ إِّ أَحَْبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّ حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ ﴾ يعني الشمس . وقيل: الخيل - على ما سنذكره من القولين - ﴿رُدُّوهَا عَّ فَطَفِقَ مَسْتَخَا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ قيل : مسح عراقيبها وأعناقَها بالسيوف. وقيل : مسح عنها العرق لمَّا أجراها وسابق بينها وبين يديه على القول الآخر . والذي عليه أكثر السلف الأول ، فقالوا : اشتغل بعَرض تلك الخيول حتى خرج وقتُ العصر وغربت الشمس . رُوي هذا عن علي بن أبي طالب (٢) وغيره . والذي يُقطع به أنه لم يترك الصلاة عَمْداً من غير عذر ، اللهمَّ إلا أن يُقال : إنه كان سائغاً في شريعتهم فَأَخَّرَ الصلاة لأجل أسباب الجهاد ، وعَرْض الخيل من ذلك . وقد ادّعى طائفة من العلماء في تأخير النبي ◌ّ﴿ صلاة العصر يوم الخندق أن هذا كان مشروعاً إذ ذاك حتى نُسخ بصلاة الخوف . قاله الشافعي وغيره . (١) في ب: الجياد المضمرة السرَّع. تفسير الطبري ( ٩٨/٢٣ - ٩٩). (٢) أورده الطبري في ((تفسيره)) ( ٩٩/٢٣)، أن أبا الصهباء البكري سأل علي بن أبي طالب عن الصلاة الوسطى ، فقال : هي العصر ، وهي التي فتن بها سليمان بن داود . ١٨٦ قصة سليمان بن داود عليهما السلام وقال مكحول والأوزاعي : بل هو حُكم مُحْكَم إلى اليوم ؛ أنه يجوز تأخيرها بعذر القتال الشديد ، كما ذكرنا تقرير ذلك فى سورة النساء عند صلاة الخوف . وقال آخرون: بل كان تأخير النبي ◌َّ صلاة العصر يوم الخندق سهواً نسيانا، وعلى هذا فَيُحمَل فعلُ سليمان عليه السلام على هذا . والله أعلم . وأما من قال : الضمير في قوله: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ عائد على الخيل ، وأنه لم يفته وقت صلاة، وأن المراد بقوله: ﴿رُدُّوهَا عَلَّ فَطَفِقَ مَسْئًا بِالسُوقِ وَالْأَعْنَاقِ ﴾ يعني مسح العرق عن عراقييها وأعناقها ، فهذا القول اختاره ابن جرير ، ورواه الوالبي عن ابن عباس في مسح العرق . ووجَّه هذا القول ابنُ جرير بأنه ما كان لِيعذِّبَ الحيوانَ بالعرقبة ، ويهلك مالاً بلا سبب ولا ذنب لها(١) . وهذا الذي قاله فيه نظر ، لأنه قد يكون هذا سائغاً في ملّتهم . وقد ذهب بعض علمائنا إلى أنه إذا خاف المسلمون أن يظفر الكفار على شيء من الحيوانات من أغنام ونحوها جاز ذبحُها وإهلاكها لئلا يتقوَّوا بها عليهم، وعليه(٢) حُمل صنيع جعفر بن أبي طالب يومَ عَقَر فرسه بمؤته(٣). وقد قيل : إنها كانت خيلاً عظيمة . قيل : كانت عشرة آلاف فرس . وقيل : عشرين ألفَ فرس . وقيل : كان فيها عشرون فرساً من ذوات الأجنحة . وقد روى أبو داود في (( سننه)): حدّثنا محمد بن عوف ، حدّثنا سعيد بن أبي مريم ، أخبرنا يحيى بن أيوب ، حدّثني عمارة بن غَزيّة أن محمد بن إبراهيم حدّثه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن عائشة قالت: قدم رسول الله وَ ل# من غزوة تبوك أو خيبر، وفي سَهْوَتها(٤) سِتْر ، فهبَّت الريح فكشفت ناحية الستر عن بناتٍ لعائشة لُعَب، فقال: (( ما هذا يا عائشةُ)) فقالت: بناتي . ورأى بينهن فرساً له جناحان من رقاع فقال: (( ما هذا الذي أرى وسْطَهنَّ))؟ قالت: فرس. قال: (( وما الذي عليه هذا)) ؟ قالت : جناحان. قال: ((فرسٌ له جناحان))؟ قالت: أما سمعت أن لسليمان خيلاً لها أجنحة ؟ قالت : فضحك حتى رأيت نواجذه وَ له(٥). وقال بعض العلماء : لما ترك الخيلَ لله عوَّضَه اللهُ عنها بما هو خير له منها ، وهو الريح التي كانت غُدُؤُها شهرٌ ورواحها شهر ، كما سيأتي الكلام عليها . (١) تفسير الطبري ( ١٠٠/٢٣). في أ: لئلا ينفروا بها، وعليه ... وفي ط: لئلا يتقووا بها، وعليه .. وأثبتنا ما في ب. (٢) (٣) خبر غزوة مؤتة، وعرقبة جعفر بن أبي طالب فرسه، في المغازي (٢/ ٧٥٥)، وما بعدها . (٤) السهوة : بيت صغير منحدر في الأرض قليلا، شبيه بالمخدع والخزانة. وقيل: هو كالصُّفّة تكون بين يدي البيت. وقيل : شبيه بالرف أو الطاق يوضع فيه الشيء . النهاية (٢/ ٤٣٠). (٥) أخرجه أبو داود: رقم (٤٩٣١)، في الأدب: باب (٦٢) في اللعب بالبنات. ١٨٧ قصة سليمان بن داود عليهما السلام كما قال الإمام أحمد : حدّثنا إسماعيل ، حدّثنا سليمان بن المغيرة ، عن حميد بن هلال ، عن أبي قتادة وأبي الدهماء ، وكانا يكثران السفر نحو البيت قالا : أتينا على رجل من أهل البادية ، فقال البدوي: أخذ بيدي رسول الله وَلاَ فجعل يعلّمني مما علّمه الله عز وجل، وقال: ((إنّكَ لا تَدَعُ شَيْئاً اتّقاءً اللّهِعَزَّ وَجَلَّ إلّا أَعْطَاكَ اللهُ خَيْراً مِنْهُ)(١) . وقوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَنَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِهِ، جَسَدًا ثُمَّأَنَبَ﴾: ذكر ابن جرير(٢) ، وابن أبي حاتم وغيرهما من المفسرين هاهنا آثاراً كثيرة عن جماعة من السلف ، وأكثرها أو كلُّها متلقَّاة من الإسرئيليات ، وفي كثير منها نكارة شديدة. وقد نبهنا على ذلك في كتابنا (( التفسير (٣) ، واقتصرنا هاهنا على مجرّد التلاوة . ومضمون ما ذكروه أن سليمان عليه السلام غاب عن سريره أربعين يوماً ثمّ عاد إليه . ولما عاد أمر ببناء بيت المقدس فبناه بناءً مُحْكماً . وقد قدَّمْنا أنه جدَّده، وأن أول من جَعله مسجداً إسرائيلُ عليه السلام كما ذكرنا ذلك عند قول أبي ذر: قلت: يا رسول الله أيُّ مسجد وضع أوّل؟ قال: «المسْجِدُ الحَرَامُ ». قلت: ثم أي؟ قال: ((مَسْجِدُ بَيْتِ المُقدِسِ)). قلت: كم بينهما؟ قال: ((أرْبَعُونَ سَنةً )(٤) . ومعلوم أن بين إبراهيم الذي بنى المسجد الحرام وبين سليمان بن داود عليهما السلام أزيد من ألف سنة ، دع أربعين سنة ، وكان سؤاله المُلْك الذي لا ينبغي لأحد من بعده بعدَ إكماله بناء بيت المقدس كما قال الإمام أحمد ، والنسائي ، وابن ماجه ، وابن خزيمة ، وابن حبّان ، والحاكم ، بأسانيدهم عن عبد الله بن فيروز الديلمي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله وَّه: ((إنَّ سُلَيمَانَ لَمَّا بَنَى بَيْتَ المَفْدِسِ سَأَلَ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ خِلالًا ثلاثاً فَأَعْطَاهُ اثْنَتَيْنِ ، ونَحْنُ نَرْجُو أَنْ تَكُونَ لَنا الثَّالِثَةُ، سَأَلَهُ حُكْماً يُصَادِفُ حُكْمَهَ فَأَعْطَاهُ إِياهُ ، وسَأَلَهُ مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ فأعْطَاهُ إِيَّهُ، وسَأَلَه أيّما رَجُلٍ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ لا يُرِيْدُ إلّا الصَّلاةَ في هذا المسْجِدِ خَرَجَ مِنْ خَطِيْئَتِهِ مِثْلَ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أَمّهُ، فَنَحْنُ نَرْجُو أنْ يَكُونَ اللهُ قَدْ أَعْطانا إياها (٥) . فأما٦) الحكم الذي يوافق حكم الله تعالى، فقد أثنى الله تعالى عليه وعلى أبيه في قوله: ﴿ وَدَاوُودَ (١) المسند (٧٨/٥). (٢) تفسير الطبري ( ٢٣/ ١٠٠). (٣) تفسير ابن كثير (٣٤/٤) وما بعدها . (٤) أخرجه البخاري رقم (٣٤٢٥) في الأنبياء، باب قوله تعالى: ﴿ وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَسُلَيْمَنَّ﴾. (٥) أخرجه أحمد فى مسنده (١٧٦/٢)، والنسائي (٢/ ٢٤)، في المساجد ، باب فضل المسجد الأقصى والصلاة فيه ، وابن ماجه رقم ( ١٤٠٨) في إقامة الصلاة ، باب ما جاء في الصلاة في مسجد بيت المقدس . وفي لفظه اختلاف يسير . وابن خزيمة ( ١٣٣٤) . وابن حبان في صحيحه (١٦٣٣) والحاكم في المستدرك (١/ ٣٠ - ٣١). (٦) زاد في ب : وقد روي هذا عن صحابي آخر فقال الطبراني : حدّثنا محمد بن الحسن العسقلاني ، حدّثنا محمد بن أيوب بن سويد حدثني أبي ، حدّثنا إبراهيم بن أبي عبلة ، عن أبي الزاهرية ، عن رافع بن عمير ، سمعت = ١٨٨ قصة سليمان بن داود عليهما السلام وَسُلَيْمَنَ إِذْ يَحْكِكُمَانِ فِ الْحَزَّثِ إِذْنَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا ◌ِحُكْمِهِمْ شَهِدِينَ () فَفَهَمْنَهَا سُلَيْمَنَّ وَكُلَّ مَانَيْنَاً حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [ الأنبياء: ٧٨ - ٧٩] وقد ذكر شريح القاضي وغير واحد من السلف أن هؤلاء القوم كان لهم كرم ، فنفشت فيه غنم قوم آخرين ، أي : رعته بالليل فأكلت شجره بالكلية ، فتحاكموا إلى داود عليه السلام ، فحكم لأصحاب الكرم بقيمته ، فلما خرجوا على سليمان قال : بم حكم لكم نبي الله ؟ فقالوا : بكذا وكذا ، فقال : أما لو كنتُ أنا لما حكمت إلّا بتسليم الغنم إلى أصحاب الكرم فيستغلّونها نتاجاً ودرّا حتى يصلح أصحاب الغنم كرم أولئك ويردوه إلى ما كان عليه ، ثمّ يتسلّموا غنمهم ، فبلغ داود عليه السلام ذلك فحكم به . وقريب من هذا ما ثبت في (( الصحيحين )) من حديث أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله مَ ﴿: « بينما امْرأتان مَعَهما ابْناهُما، إذْ عَدا الذِّئْبُ فَأَخَذَ ابنَ إحْدَاهُما، فَتَنَازَعَتَا فِي الآخَر ، فَقَالتِ الكُبْرى: إنَّما ذَهَبَ بائِكِ. وقَالَت الصُّغْرى: بلْ إِنَّما ذَهَبَ بابنكِ. فَتَحَاكَمتا إلى دَاوِدَ فَحَكَمْ بِهِ لِلْكُبْرِى، فَخَرجَتَا عَلَى سُلَيمان فَقَال: انْتُونِي بالسِّكِّين أَشُقُهُ نِصْفَيْنِ لِكُلِّ واحِدَةٍ منهم١ً) نِصْفُه ، فَقَالَتِ الصُّغْرى: لا تَفْعَل يَرْحَمُك اللهُ هُوَ ابنُها فَقَضَى بهِ لَها (٢) ولعل كلاَّ من الحُكمين كان سائغاً في شريعتهم ، ولكن ما قاله سليمان أرجح . ولهذا أثنى الله عليه بما ألهمه إياه ومدح بعد ذلك أباه فقال ـا وَعَلَّْتَهُ صَنْغَةً تعالى: ﴿ وَكُلَّاءَانَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمَأْ وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَاَلْظَّيْرُ وَكُنَّا فَعِلِينَ اله لَبُوُسِ لَّكُمْ لِنُحْصِنَكُمْ مِّنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَكِرُونَ﴾. ثم قال: ﴿ وَلِسُلَيْمَنَ الرِّيحَ عَاصِفَةً ﴾ أي وسخرنا رسول الله وَل يقول: قال الله تعالى لداود عليه السلام: ابن لي بيتاً في الأرض، فبنى داود لنفسه بيتاً قبل البيت = الذي أمر به ، فأوحى الله تعالى إليه : يا داود نصبت بيتك قبل بيتي . قال : يا رب هكذا تعلمت فما قضيت من ملك استأثر، ثم أخذ في بناء المسجد ، فلما تم السور سقط ثلثاه ، فشكا ذلك إلى الله عز وجل ، فأوحى الله إليه أنه لا يصلح أن تبني لي بيتاً . قال : أي رب ولم ؟ قال : لما جرت عليك من الدماء . قال : أي رب أو لم يكن ذلك في هواك ومحبتك ؟ قال : بلى ، ولكنهم عبادي وأنا أرحمهم . فشق ذلك عليه ، فأوحى الله لا تحزن فإني سأقضي بناءه على يدي ابنك سليمان . فلما مات داود عليه السلام أخذ سليمان في بنائه ، فلما تم قرّب القرابين وذبح الذبائح . وجمع بني إسرائيل ، فأوحى الله تعالى إليه قد أرى سرورك ببنيان بيتي فسلني أعطك . قال : أسألك ثلاث خصال : حكماً يصادق حكمك ، وملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي ، ومن أتى هذا البيت لا يريد إلا الصلاة فيه خرج من ذنوبه کیوم ولدته أمه . قال رسول الله (: أما الثنتان فقد أعطيهما، وأنا أرجو أن يكون قد أُعطينا الثالثة. وهذا سياق غريب وإسناد غريب . وقد أورد هذا الحديث ابن كثير في تفسيره (٣٨/٤). (١) في ط : منكما . في عبارة ب اختلاف عن لفظ الحديث هاهنا . (٢) والحديث أخرجه البخاري رقم (٣٤٢٧) في الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿ وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَنَّ نِعْمَ الْعَبْدِ إِنَّهُ: أَوَّابُ﴾. رقم (٦٧٦٩) في الفرائض، باب إذا ادعت المرأة ابناً. ومسلم رقم ( ١٧٢٠) في الأقضية، باب بيان اختلاف المجتهدين . ١٨٩ قصة سليمان بن داود عليهما السلام وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَن لسليمان الريح عاصفة ﴿ تَجْرِى بِأَمْرٍِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِى بَرَّكْنَا فِيَهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِمِينَ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلَا دُونَ ذَلِكٌَ وَكُنَّالَهُمْ حَفِظِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٩ -٨٢]. وَءَآخَرِينَ وَالشَّيَطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ وقال في سورة ص: ﴿ فَسَخَّرْنَا لَهُ الْرِّيَحَ تَجْرِى ◌ِأَمْرِهِ، رَُةً حَيْثُ أَصَابَ ( مُقَرَِّينَ فِ الْأَصْفَادِ ﴿ هَذَا عَطَا ؤُنَا فَأَمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٦) وَإِنَّ لَهُم ◌ِنْدَنَا لَوْفَى وَحُسْنَ مَثَابٍ﴾ [٣٦-٤٠]. لما تَرَكَ الخَيلَ ابتغاء وجه الله عوَّضه اللهُ منها الريح التي هي أسرع سيراً وأقوى وأعظم ولا كلفة عليه لها ، تجري بأمره رُخاءً ﴿ حَيْثُ أَصَابَ﴾ أي: حيث أراد من أيِّ البلاد. كان له بساط يركبُ عليه من أخشاب(١) ، بحيث إنه يسع جميع ما يحتاج إليه من الدور المبنية والقصور والخيام والأمتعة والخيول والجمال والأثقال والرجال من الإنس والجان ، وغير ذلك من الحيوانات والطيور ، فإذا أراد سفراً أو مستنزهاً أو قتالَ ملك أو أعداءً من أي بلاد الله شاء ، فإذا حمل هذه الأمور المذكورة على البساط أمر الريحَ فدخلت تحته فرفعته ، فإذا استقل بين السماء والأرض أمر الرُّخاء(٢) فسارت به ، فإن أراد أسرع من ذلك أمر العاصفة فحملته أسرع ما يكون فوضعته في أي مكان شاء ، بحيث إنه كان يرتحل في أول النهار من بيت المقدس فتغدو به الريح فتضعه بإصطخر ، مسيرة شهر ، فيقيم هناك إلى آخر النهار . ثمّ يروح من آخره فترده إلى بيت المقدس ، كما قال تعالى: ﴿ وَلِسُلَيْمَنَ الْرِّيحَ غُدُوُهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ اُلْقِطْرِّ وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِّ وَمَن يَزِعْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (﴿ يَعْمَلُونَ لَهُمَا يَشَآءُ مِن تَحَرِيبَ وَتَمَثِيلَ وَحِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ زَّاسِيَتٍ أَعْمَلُوْءَلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِلٌ مِنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ﴾ [ سبأ: ١٢ -١٣]. قال الحسن البصري : كان يغدو من دمشق فينزل بإصطخر فيتغدّى بها ويذهب رائحاً منها فيبيت بكابل ، وبين دمشق وبين إصطخر مسيرةُ شهر ، وبين إصطخر وكابُل مسيرة شهر(٣) . قلتُ : قد ذكر المتكلمون على العمران والبلدان أن إصطخر بنتها الجان لسليمان ، وكان فيها قرار مملكة الترك قديماً ، وكذلك غيرها من بلدان شتى كتدمر وبيت المقدس ، وبابُ جيرون وباب البريد(٤) اللذان بدمشق ، على أحد الأقوال . وأما القِطْر(٥) فقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة وغير واحد : هو النحاس، وقال قتادة : وكانت باليمن أنبعها الله له . قال السدي : ثلاثة أيام فقط أخذ منها جميع ما يحتاج إليه للبنايات وغيرها . (١) كذا في ب. وفي أ: مركب في أخشاب وفي ط : مركب من أخشاب. تفسير الطبري (٤٨/٢٢). (٢) أورد الطبري الأقوال في تفسير الريح الرخاء، وفيها: السريعة الطيبة، والمطيعة. (١٠٣/٢٣). (٣) تفسير الطبري ( ٤٨/٢٢). (٤) في ب : باب التومة . (٥) في ب : عين القطر . ١٩٠ قصة سليمان بن داود عليهما السلام وقوله : ﴿ وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ، وَمَن يَزِعْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا تُذِفُهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ ﴾ أي : وسخّر الله له من الجِنّ عُمّالًا يعملون له ما يشاء لا يفترون ولا يخرجون عن طاعته ، ومن خرج منهم عن الأمر عذّبه ونكلّ به . ﴿ يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِن تَّخَرِيبَ﴾ وهي الأماكن الحسنة وصدور المجالس ﴿وَتَمَثِلَ﴾ وهي الصور في الجدران، وكان هذا سائغاً في شريعتهم وملَّتهم ﴿ وَحِفَانٍ كَالْجَوَابٍ ﴾ . قال ابن عباس : الجفنة كالجوبة من الأرض، وعنه : كالحياض (١) . وكذا قال مجاهد والحسن وقتادة والضحاك وغيرهمُ(٢) . وعلى هذه الرواية يكون الجواب جمع جابية ، وهي الحوض الذي يجبى فيه الماء كما قال الأعشى : [ من الطويل ] تَرُوْحُ على آلِ المُحَلِّقِ جَفنةٌ كَجَابِيةِ السَّيْحِ العِراقِيِّ يَفْهَوُ(٣) وأما القدور الراسيات ، فقال عكرمة : أثافيها منها ، يعني أنهن ثوابت لا يزلن عن أماكنهن . وهكذا قال مجاهد وغير واحد(٤) . ولما كان هذا بصدد إطعام الطعام والإحسان إلى الخلق من إنسان وجان قال تعالى: ﴿أَعْمَلُوَاْءَالَ دَاوُ دَ شُكْرًاً وَقَلِلٌ مِّنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ﴾. وقال تعالى: ﴿ وَالشَّيَطِينَ كُلّ بَنَّةٍ وَغَوَّاصِ ﴿ وَءَالخَرِينَ مُقَرَِّينَ فِ الْأَصْفَادِ ﴾ يعني أن منهم من قد سَخّره في البناء ، ومنهم من يأمره بالغوص في الماء لاستخراج ما هنالك من الجواهر واللآلىء وغير ذلك مما لا يوجد إلا هنالك. وقوله: ﴿وَءَاخَرِينَ مُقَرَّبِنَ فِ الْأَصْفَادِ ﴾ أي قد عصوا فقُيِّدوا مقرنين اثنين اثنين في الأصفاد ، وهي : القيود . وهذا كلّه من جملة ماهيأ الله وسخر له من الأشياء التي هي من تمام الملك الذي لا ينبغي لأحد من بعده ، ولم يكن أيضاً لمن كان قبله . وقد قال البخاري(٥) : حدّثنا محمد بن بشار ، حدّثنا محمد بن جعفر، حدّثنا شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، عن النبي ◌َّ قال : (( إِنَّ عِفْرِيْتاً مِنَ الجِنِّ تَفَلَّتَ عليّ البارِحَةَ لِيَقْطَعَ عَلَيّ صَلاتي فأمْكَنَني اللهُ مِنْهُ، فَأَخَذْتُهُ فَأرَدْتُ أنْ أَرْبِطَهُ إلى سَارِيَةٍ مِنْ سَوارِى المَسْجِد حَتّى تَنْظُرُوا إليَهِ كُلُّكُم، فَذَكَرْتُ دَعْوَةَ أَخِي سُلَيْمانَ ﴿ رَبِّ أَغْفِرْ لِ وَهَبْ لِ مُلْكَالَّا يَلْبَغِى ◌ِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِىٌّ﴾ فَرَدَدْتُهُ خَاسِئاً ». (١) تفسير الطبري (٤٩/٢٢). (٢) المصدر السابق . (٣) ديوان الأعشى: ( ق٣٣/ ب٥٧، ص ٢٧٥) . وفيه : [ من الطويل ] كجابية السيح العراقي تفهق نفى الذم عن آل المحلق جفنة وفي ط : الشيخ . والسيح : النهر . ويفهق : يتصبب . (٤) تفسير الطبري (٤٩/٢٢). (٥) أخرجه البخاري رقم ( ٣٤٢٣) في الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿ وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَنَّ ﴾. ١٩١ قصة سليمان بن داود عليهما السلام وكذا رواه مسلم والنسائي من حديث شعبة(١) . وقال مسلم(٢) : حدّثنا محمد بن سلمة المرادي ، حدّثنا عبد الله بن وهب ، عن معاوية بن صالح ، حدّثني ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخَوْلاني، عن أبي الدرداء قال: قام رسول الله مَّ فصلّى، فسمعناهُ يَقُولُ: ((أعوذُ باللهِ مِنْكَ، أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللهِ ثلاثاً، وبَسَطَ يَدَهُ كَأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ شَيْئاً، فَلَمّا فَرَغَ مِنَ الصَّلاةِ قُلْنا يا رَسُولَ اللهِسَمِعْناكَ تَقُوْلُ في الصلاَّةِ شَيْئاً لم نَسْمَعك تَقُوْلُهُ قَبْلَ ذلكَ ، ورأَيْنَاكَ بَسَطْتَ يَدَكَ . قال: ((إنَّ عَدُوَّ اللهِ إِبليس جَاءَ بِشِهابٍ مِنْ نارٍ لِيَجْعَلَهُ في وَجْهِي فَقُلْتُ أَعُوذُ باللهِمِنْكَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ ، ثُمّ قُلْتُ أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللهِ التَّامَّةِ، فَلَم يَسْتَأْخِرِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ. ثُمَّ أَرَدْتُ أَخْذَهُ . واللهِ لَولا دَعْوَةُ أَخِيْنَا سُلَيمَانَ الأَصْبَحَ مُؤْثَقاً يَلْعَبُ بِهِ وِلْدَانُ أهْلِ المَدِيْنَةِ » . وكذا رواه النسائي عن محمد بن سلمة، به(٣). وقال أحمد(٤) : حدّثنا أبو أحمد ، حدّثنا مسرّة بن معبد ، حدثنا أبو عبيد صاحب سليمان قال : رأيت عطاء بن يزيد الليثي قائماً يُصلي ، فذهبتُ أمرُ بين يديه ، فردّني ، ثمّ قال : حدّثني أبو سعيد الخدري أن رسول الله و ﴿قام فصلّى صلاةَ الصُّبح وهو خلفَه، فقرأ، فالتبسَتْ عليه القراءة . فلمّا فرغ من صلانه قال: ((لَوْ رَأَيْتُمُوْنِي وإِبْلِيْس فَأَهْوَيْتُ بِيَدِي فما زِلْتُ أخْتُقُهُ حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ لُعَابِهِ بَيْنَ أَصْبِعَيَّ هاتَيْن)) الإبهام والتي تليها ((ولَولا دَعْوَهُ أَخِي سُلَيْمانَ لأَصْبَحَ مَرْبُوطاً بِسَارِيةٍ مِنْ سَوارِي المَسْجِدِ يَتَلاعَبُ بِهِ صِبْيانُ المدِينة ، فَمَنِ اسْتَطاعَ مِنْكُمْ أنْ لا يَحُولَ بَيْنَهُ وبَيْنَ القِبْلَةِ أحَدٌ فَلْيَفْعَلْ )). روى أبو داود(٥) منه ((فَمَن اسْتَطَاع)) إلى آخره ، عن أحمد بن سريج ، عن أحمد الزبيري ، به . وقد ذكر غير واحد من السلف أنه كانت لسليمان من النساء ألف امرأة سبعمئة بمهور ، وثلاثمئة سراري ، وقيل بالعكس ثلاثمئة حرائر وسبعمئة من الإماء . وقد كان يطيق من التمتع بالنساء أمراً عظيماً جداً. قال البخاري : حدّثنا خالد بن مَخْلَد ، حدّثنا مغيرة بن عبد الرحمان ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ◌َّ قالَ: ((قال سُلَيْمَانُ بنُ دَاودَ: لَأَطُوْفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى سَبْعِيْنَ امْرأَةٌ تَحْمِلُ كُلُّ امْرأةٍ فَارِساً يُجَاهِدُ في سَبِيْلِ اللهِ. فقالَ لَهُ صَاحِبُهُ: إنْ شاءَ اللهُ. فلم يَقُلْ، فَلَمْ تَحْمِألْ شَيْئاً إلّا واحِداً ساقِطاً أَحَدُ شِقَّيْهِ)). فقال النبيِ نَ: ((لَوْ قَالَها لَجَاهَدُوا فِي سَبِيْلِ اللهِ)). وقال (١) أخرجه مسلم رقم (٥٤١) في المساجد ، باب جواز لعن الشيطان في أثناء الصلاة ، والتعوذ منه ، والنسائي في التفسير (٤٦٠)، وهو في سننه الكبرى (١١٤٤٠). (٢) صحيح مسلم رقم ( ٥٤٢ ) في المساجد ، باب جواز لعن الشيطان في أثناء الصلاة . (٣) أخرجه في الصلاة من سننه الكبرى (٥٤٩). (٤) المسند (٨٢/٣ -٨٣). (٥) في سننه رقم ( ٧٠٠) في الصلاة ، باب ما يؤمر المصلي أن يدرأ عن الممر بين يديه . ١٩٢ قصة سليمان بن داود عليهما السلام شعيب ، وابن أبي الزناد : تسعين ، وهو أصح ، تفرّد به البخاري من هذا الوجه (١) . وقال أبو يعلى : حدّثنا زهير ، حدّثنا يزيد، أخبرنا هشام بن حسان، عن محمد، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله بَلّ: ((قال سُلَيمانُ بنُ دَاودَ: لَأَطُوْفَنَّ اللَّيلةَ عَلَى مئةِ امْرأةٍ كُلُّ امْرأةٍ مِنْهُنَّ تَلِدُ غُلاماً يَضْرِبُ بالسَّيْفِ فِي سَبِيْلِ اللهِ، وَلَم يَقُلْ : إِنْ شَاءَ اللهُ . فَطافَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ على مئةِ امْرَأَةٍ فَلَمْ تَلِدْ مِنْهُنَّ امْرَأَةٌ إلّ امْرَأَةٌ وَلَدَتْ نِصْفَ إنْسَانٍ)). فقال رسول اللهَوَّةِ: ((لو قَالَ: إِنْ شَاءَ اللهُ لَوَلَدَتْ كُلُّ امْرأَةٍ مِنْهُنَّ غُلاماً يَضْرِبُ بالسَّيْفِ في سَبِيْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ)). إسناده على شرط ((الصحيح))، ولم يخرجوه من هذا الوجه (٢). وقال الإمام أحمد : حدّثنا هُشيم ، حدثنا هشام ، عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة قال : قال سليمان ابن داود : لأطوفن الليلة على مئة امرأة تلد كل واحدة منهن غلاما يقاتل في سبيل الله ، ولم يستثن ، فما ولدت إلا واحدة منهن بشِقّ إنسان قال: قال رسول الله وَّه: ((لَوَ اسْتَثْنَى لَوُلِدَ لَهُ مِئَةُ غُلام. كُلُّهُم يُقَاتِلُ فِي سَبِيْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ)) تفرد به أحمد أيض٣ً) . وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر ، عن ابن طاووس ، عن أبيه ، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّه: ((قالَ سُليمانُ بنُ داودَ لأَطُوْفَنَّ اللَّيْلَ بمئةِ امْرأةٍ تَلِدُ كُلُّ امْرأةٍ مِنْهُنَّ غُلاماً يُقاتِلُ فِي سَبِيْلِ اللهِ)) قال: ((ونَسِيَ أنْ يَقُولَ: إنْ شَاءَ اللهُ، فأطَافَ بِهِنَّ)) قال: ((فَلَم تَلِدْ مِنْهُنَّ امْرأةٌ إلّ واحِدَةٌ نِصْفَ إنْسانٍ)) فقال رسول الله ◌َ ◌َّ: ((لو قَالَ إِنْ شَاءَ اللهُ لَمْ يَحْنثْ وكانَ دركاً لحاجَتِهِ)(٤) . وهكذا أخرجاه في (( الصحيحين)) من حديث عبد الرزاق، به ، مثله(٥) . وقال إسحاق بن بشر : أخبرنا مقاتل ، عن أبي الزناد ، وابن أبي الزناد عن أبيه ، عن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة : أن سليمان بن داود كان له أربع مئةِ امْرأةٍ وستمئة سرية ، فقالَ يَوْماً : لأَطُوْفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى أَلْفِ امْرأةٍ فَتَحْمِلُ كُلُّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ بِفَارِسٍ يُجَاهِدُ في سَبِيْلِ اللهِ، ولَمْ يَسْتَثْنِ ، فَطَافَ عَلَيْهِنَّ فَلَمْ تَحْمِلْ واحِدَةٌ مِنْهُنَّ إلا امْرَأَةٌ واحِدَةٌ مِنْهُنَّ جاءَتْ بِشِقّ إنْسَانٍ. فقال النبيِ وََّ: ((والذي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوِ اسْتَثْنَى فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللهُ، لَوُلِدَ لَهُ ما قالَ فُرسانٌ، ولَجاهَدُوا في سَبِيلِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ)). (١) صحيح البخاري رقم (٣٤٢٤) في الأنبياء، باب قوله تعالى: ﴿ وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَنَّ﴾. (٢) مسند أبي يعلى رقم (٦٣٤٧). ذكره صاحب كنز العمال (٥٧/٣ و٥٨ و٥٥٨)، والحديث عزاه لعدد من الأئمة، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (٣) المسند (٢٢٩/٢). (٤) المسند (٢/ ٢٧٥). (٥) في البخاري رقم (٥٢٤٢) في النكاح ، باب قول الرجل لأطوفن الليلة على نسائي. ومسلم رقم (١٦٥٤) في الأيمان ، باب الاستثناء . ١٩٣ ذکر وفاة سلیمان ومدة ملكه و حیاته وهذا إسناد ضعيفٌ لحال إسحاق بن بشر فإنه مُنكَر الحديث، ولاسيما وقد خالف الروايات الصحاحُ(١) . وقد كان له عليه السلام من أمور المُلك وانِّساع الدولة وكثرة الجنود وتنوُّعها مالم يكن لأحدٍ قبلَه ولا يعطيه الله أحداً بعده، كما قال: ﴿ وَأُوِنَا مِن كُلِّ شَىْءٍ﴾ وقال: ﴿رَبِّ أَغْفِرْ لِ وَهَبْ لِ مُلْكَا لَّا يَلْبَغِى لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِيِّ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ . - وقد أعطاه الله ذلك بنص الصَّادق المصدوق . ولما ذكر تعالى ما أنعم به عليه وأسداه من النعم الكاملة العظيمة إليه قال: ﴿ هَذَا عَطَآؤُنَا فَأَمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي: أعط من شِئت ، واحرم من شئت ، فلا حساب عليك، أي : تصرّف في المال كيف شئت ، فإن الله قد سوَّغ لك كل ما تفعله من ذلك، ولا يحاسبك على ذلك . وهذا شأن النبي المَلِك ، بخلاف العبد الرسول ، فإنّ مِنْ شأنه أن لا يُعطي أحداً ، ولا يمنع أحداً إلا بإذن الله له في ذلك . وقد خُيِّر نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه بين هذين المقامين ، فاختار أن يكون عبداً رسولاً . وفي بعض الروايات أنه استشار جبريل في ذلك فأشار إليه : أن تواضع ، فاختار أن يكون عبداً رسولًا صلوات الله وسلامه عليه . وقد جعل الله الخِلافة والمُلْك من بعده في أمته إلى يوم القيامة ، فلا تزال طائفة من أمته ظاهرين حتى تقوم الساعة . فلله الحمد والمِنَّة . ولما ذكر تعالى ما وهبه لنبيه سليمان عليه السلام من خير الدنيا ، نَّه على ما أعدَّه له في الآخرة من الثواب الجزيل والأجر الجميل ، والقربة التي تقرِّبه إليه والفوز العظيم والإكرام بين يديه ، وذلك يوم المعاد والحساب حيث يقول تعالى: ﴿ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَثَابٍ ﴾. ذکر وفاته و کم كانت مدّة ملکه وحياته (٢) قال الله تبارك وتعالى: ﴿ فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَُّمْ عَلَى مَوْنِ إِلَّ دَابَةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَنَّهُ فَلَمَّا خَرَّ ◌َّنَتِ الْحِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِئُواْ فِى الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ [ سبأ: ١٤]. روى ابن جرير ، وابن أبي حاتم وغيرهما من حديث إبراهيم بن طهمان عن عطاء بن السائب(٣) عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي ◌َّه قال: ((كانَ سُلَيمَانُ نَبِيُّ اللهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إذا صَلَّى رَأَى شَجَرَةً (١) ترجمته وما قيل فيه في المجروحين، لابن حبان (١٣٥/١ - ١٣٧). (٢) في ط : وفاته ومدة ملكه وحياته . (٣) في ب : عن عطاء بن السائب عن أبي هريرة قال ... ١٩٤ ذکر وفاة سلیمان و مدة ملكه و حياته نابِتَةً بَيْنَ يَدَيْهِ فَيَقُوْلُ لَها: ما اسْمُكِ؟ فَتَقُول: كَذَا . فَيَقُولُ: لأيِّ شَيْءٍ أَنْتِ ؟ فإنْ كَانَتْ لِغَرْسٍ غُرِسَتْ ، وإِنْ كَانَتْ لِدَوَاءٍ أنبتت (١) فَبَيْنَمَا هُوَ يُصَلّي ذاتَ يَوْمِ إذْ رَأَى شَجَرَةً بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَقَالَ لَها : ما اسْمُكِ ؟ قالتْ : الخرُوْب . قال : لأيّ شَيءٍ أنْتِ ؟ قالتْ : لخرابِ هذا البيتِ. فَقَالَ سُلَيمانُ: اللّهُمّ عَمِّ عَلَى الجِنِّ مَوْتِي حَتَّى تَعْلَمَ الإنْسُ أنَّ الجِنَّ لا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ. فَنَحَتَها عَصاً فَتَوَكَّأَ عَلَيْهَا حَوْلًا والجِنُّ تَعْمَلُ فَأْكَلَتْها الأَرَضَةُ، فَتَبَّنَتِ الإنْسُ أنَّ الِنَّ لَوْ كانوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ مَا لَبِثُوا حَوْلًا في العذابِ المُهِيْنِ)(٢). قال : وكان ابن عباس يقرؤها كذلك(٣)، قال: فشكرت الجنُّ للأرضة فكانت تأتيها بالماء . لفظ ابن جرير(٤) . وعطاء بن السائب(٥) في حديثه نكارة(٦) . وقد رواه الحافظ ابن عساكر من طريق سلمة بن كهيل ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس موقوفا٧ً) ، وهو أشبه بالصواب . والله أعلم . وقال الشُّدّي في خبرٍ ذَكَره عن أبي مالك ، وعن أبي صالح عن ابن عباس ، وعن مرَّة عن ابن مسعود ، وعن أناس من الصحابة : كان سليمان عليه السلام يتجرد في بيت المقدس السنة والسنتين والشهر والشهرين وأقل من ذلك وأكثر ، يُدخل طعامه وشرابه ، فأدخله في المرة التي تُوُفّي فيها ، فكان بدء ذلك أنه لم يكن يوم يصبح فيه إلا نبتت في بيت المقدس شجرة فيأتيها ، فيسألُها : ما اسمك ؟ فتقول الشجرة : اسمي كذا وكذا . فيقول لها : لأي شيء نبتِّ ؟ فتقول: نبتُّ لكذا وكذا ، فيأمر بها فتقطع(٨). فإذا كانت نبتت لغرس غرسها ، وإن كانت نبتت لدواء (٩) قالت : نبتُ دواءً لكذا وكذا ، فيجعلها كذلك . حتى نبتت شجرة يقال لها : الخرُوبة ، فسألها : ما اسمك ؟ فقالت : أنا الخُوبة . فقال : ولأي شيء (١) في بعض النسخ : كتبت . (٢) الحديث في تفسير الطبري (٢٢/ ٥١). (٣) أي :.. ما لبثوا حولًا في العذاب المهين. تاريخ الطبري (١/ ٥٠١) وفي شواذ ابن خالويه: (١٢١)، أن ابن عباس كان يقرأ : تُبِيِّنت .. (٤) تفسيره (٢٢/ ٥١). وتاريخه (١/ ٥٠١). (٥) في أوب وط : الخراساني . ولا مكان لذكره هاهنا ؛ والذي في سند الحديث عند ابن جرير في تفسيره ، وتاريخه (٥٠١/١) ، عطاء بن السائب. (٦) هكذا قال ولم يوضح، وعطاء بن السائب ثقة في نفسه لكنه اختلط، فحديثه قبل الاختلاط صحيح، وقد وثقه أيوب السختياني، ويحيى بن سعيد القطان، وأحمد بن حنبل، والعجلي، وابن سعد، ويعقوب بن سفيان، والنسائي، وغيرهم، وإنما ضعفه بعضهم بسبب اختلاطه. وآفة هذا الحديث أنه من رواية إبراهيم بن طهمان عن عطاء، وهو ممن روى عنه بعد الاختلاط (وينظر تحرير التقريب ١٤/٣ _ ١٥). (٧) تاریخه (٢٩٦/٢٢ - ٢٩٧) . (٨) من قوله: فيقول لها ... إلى هنا؛ زيادة من تفسير الطبري (٥١/٢٢). وتاريخه (٥٠٢/١). (٩) في أوط: دواء. وفي ب: نَبْت دواء ... وأثبتنا لفظ الطبري. ١٩٥ ذکر وفاة سليمان و مدة ملكه و حياته نبتّ ؟ فقالت : نبتُّ لخراب هذا المسجد . فقال سليمان : ما كان الله ليخرِبه وأنا حيّ ، أنتِ التي على وجهك هلاكي وخراب بيت المقدس ، فنزعها وغرسها في حائط (١) له . ثم دخل المحراب ، فقام يصلي مُتّكِئاً على عصاه ، فمات ولم يعلم به الشياطين ، وهم في ذلك يعملون له ، يخافون أن يخرج فيعاقبهم . وكانت الشياطين تجتمع حول المحراب ، وكان المحراب له كُوَى بين يديه وخلفه ، فكان الشيطان الذي يريد أن يخلع يقول : ألست جليداً إن دخلت فخرجت من ذلك الجانب ، فيدخل حتى يخرج من الجانب - الآخر . فدخل شيطان من أولئك فمرَّ - ولم يكن شيطان ينظر إلى سليمان عليه السلام وهو في المحراب إلا احترق - ولم يسمع صوت سليمان ، ثمّ رجع فلم يسمع ، ثمّ رجع فوقع في البيت ولم يحترق ، ونظر إلى سليمان عليه السلام قد سقط ميتاً ، فخرج فأخبر الناس أن سليمان قد مات . ففتحوا عنه فأخرجوه ووجدوا مِنْسأته - وهي العصا بلسان الحبشة - قد أكلتها الأرضة ، ولم يعلموا منذ كم مات، فوضعوا الأرضة على العصا فأكلت منها يوماً وليلةً . ثمّ حسبوا على ذلك النحو فوجدوه قد مات منذ سنة . وهي قراءة ابن مسعود: ((فمكثوا يدأبون(٢) له من بعد موته حولًا كاملاً))، فأيقن الناس عند ذلك أن الجن كانوا يكذبون ، ولو أنهم علموا الغيب لعلموا بموت سليمان . ولم يلبثوا في العذاب سنة يعملون له ، وذلك قول الله عزّ وجل: ﴿ مَا دَّمْ عَلَى مَوْيِةٍ إِلَّ دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَّهُ فَلَمَّا خَرَّ نَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ اُلْغَيْبَ مَا لَبِثُواْ فِىِ الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ يقول : تبين أمرهم للناس أنهم كانوا يكذبونهم . ثم إن الشياطين قالوا للأرضة : لو كنتِ تأكلين الطعام لأتيناك بأطيب الطعام ، ولو كنتِ تشربين الشراب سقيناك أطيب الشراب ، ولكنا سننقل إليك الماء والطين . قال فهم ينقلون إليها ذلك حيث كانت ، قال : ألم تر إلى الطين الذي يكون في جوف الخشب فهو ما يأتيها به الشياطين تشكراً لها٣) . وهذا فيه من الإسرائيليات التي لا تُصدّق ولا تكذّب . وقال أبو داود في كتاب ((القدر)(٤) : حدّثنا عثمان بن أبي شيبة ، حدّثنا قبيصة ، حدّثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن خيثمة قال : قال سليمان بن داود عليهما السلام لملك الموت : إذا أردت أن تقبض روحي فأعلمني . قال : ما أنا أعلم بذاك منك ، إنما هي كُتب يُلقى إليَّ فيها تسميةُ من يموت. وقال أصبغ بن الفرج وعبد الله بن وهب ، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال : قال سليمان لملك الموت : إذا أمرتَ بي فأعلمني . فأتاه فقال : يا سليمان قد أَمِرت بك ، قد بقيت لك سُوَيعة ، فدعا (١) الحائط : البستان . (٢) في تاريخ الطبري : يدينون . (٣) تاريخ الطبري (٥٠٢/١)، وتفسيره (٢٢/ ٥١ - ٥٢). (٤) كتاب القدر لأبي داود ، رواه عنه محمد بن أحمد بن يعقوب المتُّوثي البصري . ذكر ذلك الذهبي في سير أعلام النبلاء ( ٢٠٦/١٣)، ولم يصل إلينا . ١٩٦ ذکر وفاة سلیمان و مدة ملكه و حياته الشياطين فبنوا عليه صرحاً من قوارير ليس له باب ، فقام يُصلي فاتكأ على عصاه ، قال : فدخل عليه ملَك الموت فقبض روحه وهو متوكىء على عصاه . ولم يصنع ذلك فراراً من ملك الموت . قال : والجن تعمل بين يديه وينظرون إليه يحسبون أنه حي ، قال فبعث الله دابة الأرض - يعني إلى مِنْسأته - فأكلتها حتى إذا أكلت جوف العصا ضَعُفتْ وثقُل عليها ، فخرّ ، فلما رأت الجن ذلك انفضوا وذهبوا . قال : فذلك قوله: ﴿ مَا دَّمْ عَلَى مَوْنِهِ إِلَّ دَابَةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَنَّهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَّنَتِ الْمِنُّ أَنْ لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لِيِتُواْ فِي اُلْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾(١). قال أصبغ : وبلغني عن غيره أنها مكثت سنة تأكل في منسأته حتى خَرَّ ، وقد رُوِي نحوُ هذا عن جماعة من السلف وغيرهم . والله أعلم(٢) . قال إسحاق بن بشر ، عن محمد بن إسحاق ، عن الزهري وغيره ، إن سليمان عليه السلام عاش ثنتين وخمسين سنةً ، وكان ملكه أربعين سنة . وقال إسحاق أخبرنا أبو روق ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : أن ملكه كان عشرين سنة . فالله أعلم . وقال ابن جرير : فكان جميع عمر سليمان بن داود عليهما السلام(٣) نيفاً وخمسين سنة . وفي سنة أربع من ملكه ابتدأ ببناء بيت المقدس فيما ذكر(٤) . ثمّ ملك بعده ابنه رحبعيم(٥) مدة سبع عشرة سنة فيما ذكره ابن جرير ، وقال : ثم تفرقت بعده مملكة بني إسرائيل(٦) . (١) تفسير الطبري (٢٢/ ٥٢). (٢) زاد في ب : وقد استنبط بعض الأئمة من هذا أن الأنبياء عليهم السلام لا تبلى أجسادهم كما ثبت في الحديث أن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء ، رواه أبو داود رقم (١٠٤٧) من حديث أوس بن أوس بلفظ (( إن الله حزَّم على الأرض أجساد الأنبياء )) وهو حديث صحيح . (٣) زاد ابن جرير هنا : فيما ذكر . تاريخ الطبري (١/ ٥٠٣ ) . (٤) في ط : رحبعام: وفي الطبري: رُحُبْعُم . (٥) (٦) تاريخ الطبري (١/ ٥١٧) . ١٩٧ جماعة من أنبياء بني إسرائيل عليهم السلام ممن لا يعلم وقت زمانهم باب(١) ذكر جَماعَة من أنبياء بني إسرائيل عليهم السلام ممن لا يعلم وقت زمانهم على التعيين إلا أنهم بعد داود وسليمان عليهما السلام وقبل زكريا وَيحيى عليهما السّلامُ(٢) فمنهم : شعيا بن أمصيا قال محمد بن إسحاق : وكان قبل زكريا ويحيى ، وهو ممن بَشَّر بعيسى ومحمد عليهما السلام . وكان في زمانه ملك اسمه صديقة ٣) على بني إسرائيل ببلاد بيت المقدس ، وكان سامعاً مطيعاً لشعيا فيما يأمره به وينهاه عنه من المصالح ، وكانت الأحداث قد عظمت في بني إسرائيل ، فمرض الملك وخرجت في رجله قَرْحة . وقصد بيت المقدس ملكُ بابل في ذلك الزمان وهو سنحاريب . قال ابن إسحاق : في ستمئة ألف راية ، وفزع الناس فزعاً عظيماً شديداً، وقال الملك للنبي شعيا : ماذا أوحَى الله إليك في أمر سنحاريب وجنوده ؟ فقال : لم يُوْحَ إليَّ فيهم شيء بعدُ . ثمّ نزل عليه الوحي بالأمر للملك صديقة بأن يوصي ويستخلف على ملكه مَن يشاء فإنه قد اقترب أجلُه ، فلما أخبره بذلك أقبل الملكُ على القبلة فصلّى وسبّح ودعا وبكى ، فقال وهو يبكي ويتضرّع إلى الله عزَّ وجل بقلب مخلص وتوُلٍ وصبر : اللهمّ ربَّ الأرباب وإلّه الآلهة٤ُ)، يا رحمن يا رحيمٌ(٥)، يا من لا تأخذه سِنَة ولا نوم، اذكرني بعلمي(٦) وفعلي وحسن قضائي على بني إسرائيل ، وذلك كله كان منك ، فأنت أعلم به من نفسي ، سري وإعلاني لك (٧) . قال: فاستجاب الله له ورحمه. وأوحى الله إلى شعيا أن يبشّره بأنه قد رَحِم بكاءه، وقد أخّر في أجله خمسَ عشرة سنة ، وأنجاه من عدوه سنحاريب . فلما قال له ذلك ذهب عنه الوجع وانقطع عنه الشر والحزن ، وخرّ ساجداً ، وقال في سجوده : اللهم أنت الذي تعطي المُلْكَ من تشاء ، وتنزعه ممن تشاء ، وتعز من تشاء ، وتذل من تشاء ، عالم الغيب والشهادة ، أنت الأول والآخر ، والظاهر والباطن ، وأنت (١) ليست في ب وط . (٢) في ط : جماعة من أنبياء بني إسرائيل بعد داود وسليمان وقبل زكريا ويحيى عليهم السلام. في ط : حزقيا، وكذلك في الطبري (١/ ٥٣١)، إلا أنه نبه على أن ابن إسحاق سماء: صديقة . كما هاهنا. (٣) (٤) زاد الطبري هاهنا : القدّوس المتقدس . (٥) في الطبري : الرحيم ، الرؤوف الذي لا تأخذه . (٦) في الطبري : بعملي ، وهو كذلك في بعض النسخ وهو الأصوب . (٧) تاريخ الطبري (٥٣٢/١ - ٥٣٣). ١٩٨ جماعة من أنبياء بني إسرائيل عليهم السلام ممن لا يعلم وقت زمانهم ترحم وتستجيب دعوة المضطرين(١) . فلما رفع رأسه أوحى الله إلى شعيا أن يأمره أن يأخذ ماء التين فيجعله على قَرحته فيشفى ويصبح قد برىء ، ففعل ذلك ، فشفي . وأرسل الله على جيش سنحاريب الموت فأصبحوا وقد هلكوا كلُّهم سوى سنحاريب وخمسة من أصحابه ، منهم بخت نصّر ، فأرسل ملكُ بني إسرائيل فجاء بهم ، فجعلهم في الأغلال وطاف بهم في البلاد على وجه التنكيل بهم والإهانة لهم سبعين يوماً ، ويطعم كلّ واحد منهم كل يوم رغيفين من شعير . ثمّ أودعهم السجن . وأوحى الله تعالى إلى شعيا أن يأمر الملك بإرسالهم إلى بلادهم لينذروا قومَهم ما قدْ حلَّ بهم ، فلما رجعوا جمع سنحاريب قومه وأخبرهم بما قد كان من أمرهم ، فقال لهم السحرة والكهنة : إنا أخبرناك عن شأن ربهم وأنبيائهم فلم تطعنا ، وهي أمة لا يستطيعها أحد من ربهم . فكان أمر سنحاريب مما خوفهم الله به . ثمّ مات سنحاريب بعد سبع سنين (٢). قال ابن إسحاق : ثم لما مات صديقة ملك بني إسرائيل مَرِج أمرُهم ، واختلطت أحداثهم ، وكثر شرهم ، فأوحى الله تعالى إلى شعيا ، فقام فيهم فوعظهم وذكّرهم . وأخبرهم عن الله بما هو أهله ، وأنذرهم بأسه وعقابه إن خالفوه وكذّبوه . فلما فرغ من مقالته عَدَوا عليه وطلبوه ليقتلوه ، فهرب منهم ، فمرَّ بشجرة فانفلقت له فدخل فيها ، وأدركه الشيطان فأخذ بهدبة ثوبه فأبرزها ، فلما رأوا ذلك جاؤوا بالمنشار فوضعوه على الشجرة فنشروها ونشروه معها . فإنا لله وإنا إليه راجعون (٣). ومنهم : أرميا بن حلقيا من سبط لاوي بن يعقوب وقد قيل : إنه الخضر . رواه الضحّاك عن ابن عباس(٤)، وهو غريب وليس بصحيح(٥). قال ابن عساكر(٦) : جاء في بعض الآثار أنه وقف على دم يحيى بن زكريا وهو يفور بدمشق (١) لفظ الدعاء عند الطبري في تاريخه (٥٣٣/١). (٢) تاريخ الطبري (٥٣٢/١ _ ٥٣٥). (٣) نقل الطبري الخبر عن ابن إسحاق مفصلا في تاريخه (٥٣٦/١ - ٥٣٧). (٥) وكذلك قال الطبري. تاريخه (٣٧٦/١). (٤) ورواه كذلك وهب بن منبه . تاريخ الطبري ( ٣٦٦/١ و ٥٤٧ ) . (٦) تاريخه (٨/ ٢٧ -٢٨). ١٩٩ ذکر خراب بيت المقدس فقال أيها الدم فتنت الناس فاسكن ، فسكن ورسب حتى غاب . وقال أبو بكر بن أبي الدنيا : حدّثني علي بن أبي مريم ، عن أحمد بن حباب ، عن عبد الله بن عبد الرحمن قال : قال أرميا : أي ربّ أيُّ عبادك أحَبُّ إليك؟ قال : أكثرهم لي ذِكراً ، الذين يشتغلون بذِكري عن ذكر الخلائق . الذين لا تعرض لهم وساوس الفناء ولا يُحدِّثون أنفسهم بالبقاء. الذين إذا عرض لهم عيش الدنيا قَلَّوه، وإذا زوي عنهم سُرُّوا بذلك . أولئك أنحلهم محبتي وأعطيهم فوق غاياتهم . ذكر (١) خراب بيت المقدس وقوله تعالى: ﴿وَءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ وَجَعَلْنَهُ هُدًى لِبَنِىَ إِسْرَِّيلَ أَلَّا تَتَّخِذُواْ مِن دُونِ وَكِيلًا (٥) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوعَّ ◌ِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا ﴿ وَقَضَيْنَآ إِلَى بَنِيّ إِسْرَءِ يِلَ فِ الْكِنَبِ لَنُفْسِدُنَّ فِ الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَنَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٥) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَئُهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّا أُوْلِى بَأْسِ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلَلَ الذِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا (٥َاثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَقْدَدْنَكُم بِأَمْوَلٍ وَبَنِيِنَ وَجَعَلْنَكُمْ أَكْثَرَ نَفِيْرًا ﴿ إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُ فَلَهَا فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ لِيَسْتُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُنَبِرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيرًّا ! عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَّكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَحَمَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَفِرِنَ حَصِيرًا﴾ [ الإسراء: ٢ -٨]. وقال وهب بن منبه : أوحى الله إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل يقال له : أرميا حين ظهرت فيهم المعاصي : أن قُم بين ظهراني قومك فأخبرهم أن لهم قلوباً ولا يفقهون ، وأعيناً ولا يبصرون ، وآذاناً ولا يسمعون ، وإني تذكّرت صلاح آبائهم فعطفني ذلك على أبنائهم ، فسلْهم كيف وجدوا غِبَّ طاعتي ، وهل سعد أحد ممن عصاني بمعصيتي ، وهل شقي أحد ممن أطاعني بطاعتي ، إن الدوابَّ تذكر أوطانها فتنزع إليها ، وإن هؤلاء القوم تركوا الأمر الذي أكرمت عليه آباءهم والتمسوا الكرامة من غير وجهها ، أما أحبارهم فأنكروا حقي ، وأما قُوَّاؤهم فعبدوا غيري ، وأما نُسّاكهم فلم ينتفعوا بما علموا ، وأما وُلاتهم فكذبوا عَليّ وعلى رُسلي. خَزَنوا المكر في قلوبهم ، وعوَّدوا الكذبَ ألسنتَهم . وإني أقسم بجلالي وعزتي لأهيجنَّ عليهم جيولً(٢) لا يفقهون ألسنتهم ، ولا يعرفون وجوههم ، ولا يرحمون بكاءهم ، ولأبعثن فيهم مَلِكاً جبَّاراً قاسياً ، له عساكر كقطع السحاب ، ومواكب كأمثال الفجاج ، كأن خفقان راياته طيران النسور ، وكأن حمل فرسانه كَرّ العقبان ، يعيدون العمران خراباً ، ويتركون القرى وحشة ، فياويل (١) كلمة ذكر ؛ ليست في ط . (٢) الجيول ، لعله يريد الأجيال ، جمع جيل. ٢٠٠ ذكر خراب بيت المقدس إيليا وسكانها كيف أذلّلهم للقتل وأسلّط عليهم السبي، وأُعيد بعد لجب الأعراس صُراخاً ، وبعد صهيل الخيل ◌ُواء الذِّئاب ، وبعد شرافات القصور مساكن السباع ، وبعد ضوء السرج وهج العجاج ، وبالعزّ الذُّلَّ، وبالنعمة العبودية، وأبدلن نساءهم بعد الطيب التراب، وبالمشي على الزرابي الخبب(١)، ولأجعلن أجسادهم زبلاً للأرض ، وعظامَهم ضاحية للشمس ، ولأدوسنَّهم بألوان العذاب ، ثم لآمرنَّ السماء فتكون طبقاً من حديد والأرض سبيكة من نحاس ، فإن أُمطرت لم تنبت الأرض ، وإن أنبتت شيئاً في خلال ذلك فيِرحْمتي للبهائم ، ثمّ أحبسه في زمان الزرع ، وأرسله في زمان الحصاد ، فإن زرعوا في خلال ذلك شيئاً سلطت عليه الآفة ، فإن خلص منه شيء نزعت منه البركة ، فإن دعوني لم أجبهم ، وإن سألوا لم أعطهم ، [ وإن بكَوا لم أرحمهم ، وإن تضرّعوا صرفتُ وجهي عنهم. رواه ابن عساكر بهذا اللفظ ]٢) . وقال إسحاق بن بشر : أخبرنا إدريس ، عن وهب بن منبه ، قال : إن الله تعالى لما بعث أرميا إلى بني إسرائيل ، وذلك حين عظمت الأحداث فيهم ، فعملوا بالمعاصي وقتلوا الأنبياء ، طمع بخت نصر فيهم ، وقذف الله في قلبه ، وحدَّث في نفسه بالمسير إليهم لمَّا أراد الله أن ينتقم به منهم ، فأوحى الله إلى أرميا إني مهلك بني إسرائيل ومنتقمٌ منهم ، فَقُم على صخرة بيت المقدس يأتيك أمري ووحيي ، فقام أرميا فشق ثيابه وجعل الرماد على رأسه وخَرَّ ساجداً وقال : يا رب ودِدْتُ أمي لم تلدني حين جعلتني آخِر أنبياء بني إسرائيل فيكون خراب بيت المقدس وبوار بني إسرائيل من أجلي ، فقال له : ارفع رأسك . فرفع رأسه فبكى ثم قال : يا رب من تُسَلِّط عليهم ؟ فقال : عبدة النيران ، لا يخافون عقابي ولا يرجون ثوابي . قم يا أرميا فاستمع وحيي أخبرك خبرك وخبر بني إسرائيل : من قبل أن أخلقك اخترتك ، ومن قبل أن أصوّرك في رحم أُمّك قَدَّسْتُك ، ومن قبل أن أخرجك من بطن أمك طهّرْتُك، ومن قبل أن تبلغ نبَّتُك، ومن قبل أن تبلغ الأشدَّ اخترتُك ، ولأمر عظيمٍ اجتبيتك(٣). فقم مع الملِك تُسدّده وترشده. فكان مع الملك يسدده(٤) ويأتيه بالوحي(٥) من الله، حتى عظمت الأحداث ونَسُوا ما نجّاهم اللهُ به من عدوّهم سنحاريب وجنوده ، فأوحى الله إلى أرميا : قم فاقصص عليهم ما آمرك به ، وذكِّرْهم نعمتي عليهم ، وعَرِّفْهم أحْدَاثَهم . فقال أرميا : يا رب إني ضعيفٌ إن لم تقوّني ، عاجزٌ إن لم تبلّغني ، مخطِىٌ إنْ لم تسدّدْني ، مَخذولٌ إن لم تنصرني ، ذليلٌ إن لم تُعزّني. فقال الله تعالى: أَوَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الأُمُوْرَ كُلَّها تصدر عن مشيئتي ، وأنّ الخلقَ والأمر كله لي ، وأنّ (١) الزرابي : البسط. ليست في ب . وقد فصل الطبري الخبر في تاريخه (٥٤٨/١ - ٥٥٠ ) . (٢) (٣) تاريخ الطبري ( ٤٥٨/١) . في ب : يرشده . (٥) في أوط : الوحي. وأثبتنا ما في ب. وفي تاريخ الطبري ... ويأتيه بالخبر من قبل الله فيما بينه وبين الله عز وجل. (٤)