النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ قصة شمویل علیه السلام وقول السدّي إن عدة الجيش كانوا ثمانين ألفاً، فيه نظر ، لأن أرض بيت المقدس لا تحتمل أن يجتمع فيها جيش مقاتلة يبلغون ثمانين ألفاً . والله أعلمُ (١) . قال الله تعالى: ﴿ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ، قَالُواْ لَا طَاقَةَ لَنَا أَلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِهُ﴾ أي: استقلّوا أنفسَهم واستضعفُوها عن مقاومة أعدائهم بالنسبة إلى قلّتهم وكثرة عدد عدوهم. ﴿ قَالَ الَّذِينَ يَظُونَ أَنَّهُمْ تُلَقُواْ الَّهِكَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةُ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الضَّبِينَ﴾ يعني بها : الفرسان منهم(٢) . والفرسان أهل الإيمان والإيقان الصابرون على الجِلاَ(٣) والجدال والطّعان. ﴿ وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ، قَالُواْ رَبَّنَاَ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَأَنصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ﴾ طلبوا من الله أن يُفرغ عليهم الصبرَ، أي: يغمُرُهم به من فوقهم فتستقر قلوبهم ولا تقلق ، وأن يثبّت أقدامهم في مجال الحرب ومعترك الأبطال وحَومة الوغى ، والدعاء إلى النِّزال ، فسألوا التثبّت الظاهرَ والباطنَ ، وأن يُنزل عليهم النصر على أعدائهم ، وأعدائه من الكافرين الجاحدين بآياته وآلائه ، فأجابهم العظيم القدير السميع البصير الحكيم الخبير إلى ما سألوا ، وأنالهم ما إليه فيه رغبوا ، ولهذا قال: ﴿ فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي: بحول الله لا بحولهم، وبقوة الله ونصره لا بقوتهم وعددهم مع كثرة أعدائهم وكمال عددهم، كما قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَّكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَأَتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [ آل عمران : ١٢٣ ] . وقوله تعالى: ﴿ وَقَّتَلَ دَاوُودُ جَالُونَ وَءَاتَنَهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِنَا يَشَآءُ﴾ فيه دلالة على شجاعة داود عليه السلام ، وأنه قتله قتلاً أَذَلّ به جُنْدَهُ وكسره ، ولا أعظم من غزوة يُقتَل مَلِكُ عدوّها فَيُغْنَمُ بسبب ذلك الأموال الجزيلة، ويُؤسَر الشجعان والأقران(٤) ، وتعلو كلمة الإيمان على الأوثان ، ويُدالُ أولياء الله على أعدائه ، ويظهر الدين الحق على الباطل وأوليائه . وقد ذكر الشُّدّي فيما يرويه أن داود عليه السلام كان أصغر أولاد أبيه ، وكانوا ثلاثة عشر ذكراً ، وكان سمع طالوتَ ملك بني إسرائيل وهو يُحرّض بني إسرائيل على قتل جالوت وجنوده وهو يقول : من قتل جالوت زَوّجْتُه بابنتي ، وأشركته في ملكي ، وكان داود عليه السلام يرمى بالقَذَّافة ، وهو المقلاع ، رمياً عظيماً ، فبينا هو سائر مع بني إسرائيل إذ ناداه حَجَر أن خُذني فإنّ بي تَقْتل جالوتَ ، فأخذه . ثم حجر آخر كذلك ، ثم آخر كذلك . فأخذ الثلاثة في مِخْلاته . فلما تواجه الصفّان برز جالوتُ ودعا إلى نفسه ، فتقَّدم (١) للطبري رأي في من جاوز مع طالوت النهر (٣٩٤/٢). (٢) في ب : يعني بهم الشجعان منهم . (٣) في ب : الجهاد . والجلاد : الضرب بالسيف في القتال . (٤) في ب : ويؤسر الشجعان والأبطال . وفي ط : ويأسر الأبطال والشجعان والأقران . ١٦٢ قصة شمويل عليه السلام إليه داود ، فقال له : ارجع فإني أكره قتلَك . فقال: لكني أُحب قتلك، وأخذ تلك الأحجار الثلاثة فوضَعها في القَذَّافة ، ثمّ أدارها فصارت الثلاثة حجراً واحداً ، ثمّ رمى بها جالوتَ ففلق رأسَه وفرّ جيشُه منهزماً ، فوفى له طالوت بما وعدَه ، فزوَّجه ابنته ، وأجرى حكمه في ملكه ، وعظُم داود عليه السلام عند بني إسرائيل ، وأحبوه ومالوا إليه أكثر من طالوت . فذكروا أن طالوت حَسَده وأراد قتله ، واحتال على ذلك فلم يصل إليه . وجعل العلماءُ ينهون طالوتَ عن قتل داود ، فتسلّط عليهم ، فقتلهم حتى لم يبق منهم إلا القليلُ . ثمّ حصل له توبةٌ وندم وإقلاع عما سلف منه ، وجعل يُكثر من البكاء ويخرج إلى الجبّانة فيبكي حتى يبلَّ الثرى بدموعه ، فنودي ذاتَ يوم من الجبانة : أن يا طالوت قَتَلتنا ، ونحن أحياء ، وآذيتنا ، ونحن أموات ، فازداد لذلك بكاؤه وخوفه ، واشتد وجله ، ثمّ جعل يسأل عن عالم يسأله عن أمره وهل له من توبة ، فقيل له : وهل أبقيت عالماً ؟! حتى دُل على امرأة من العابدات فأخذته فذهبت به إلى قبر يوشَع عليه السلام . قالوا : فدعتِ الله ، فقام يوشع من قبره فقال : أقامتِ القيامة ؟ فقالت : لا ، ولكن هذا طالوت يسألك هل له من توبة ؟ فقال : نعم . ينخلع من الملك ، ويذهب فيقاتل في سبيل الله حتى يُقتل . ثمّ عاد مَيْتاً . فترك الملكَ لداود عليه السلام ، وذهب ومعه ثلاثةَ عشرَ من أولاده ، فقاتلوا في سبيل الله حتى قُتلوا . قالوا: فذلك قوله: ﴿وَءَاتَنَهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِنَا يَشَاءُ﴾. هكذا ذكره ابن جرير في (( تاريخه»(١) من طريق السدّي بإسناده. وفي بعض ذلك (٢) نظر ونكارة والله أعلم . وقال محمد بن إسحاق : النبي الذي بعث فأخبر طالوت بتوبته هو اليسع بن أخطوب . حكاه ابن جرير(٣) أيضاً . وذكر الثعلبي أنها أتت به إلى قبر أشمويل فعاتبه على ما صنع بعده من الأمور . وهذا أنسب . ولعلّه إنما رآه في النوم لا أنه قام من القبر حياً ، فإن هذا إنما يكون معجزةً لنبي، وتلك المرأة لم تكن نبيَّةً . والله أعلم . قال ابن جرير(٤) : وزعم أهل التوراة أن مدّة ملك طالوت إلى أن قُتل مع أولاده كانت(٥) أربعين سنةً . فالله أعلم . (١) (٤٧٣/١ - ٤٧٥) وفيه تفصيل وتوضيح كثير لما أوجزه ابن كثير هنا. (٢) لفظ ذلك مستدرك من ب، ومكانه فراغ في أ. وفي ط : هذا . (٣) تاريخ الطبري (٤٧٥/١) . (٤) قوله : قال ابن جرير ، سقط من ط ، والخبر في تاريخ الطبري، كما أشار (١/ ٤٧٥). (٥) كانت . زيادة من أ وهي موافقة لما في الطبري. وفي ط : أربعون . ١٦٣ قصة داود عليه السلام وما كان في أيامه قصّة داود عليه السلام وَمَا كان في أيامه وذكر فضائِله(١) وَشمائِله وَدَلائل نبوّته وأعلامه هو داود بن إيشا بن عويد بن باغز(٢) بن سلمون بن نحشون بن عميناداب(٣) بن إرم بن حضرون بن فارص بن يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عبد الله ونبيه وخليفته في أرض بيت المقدس . قال محمد بن إسحاق ، عن بعض أهل العلم ، عن وهب بن منبه : كان داود عليه السلام قصيراً ، أزرق العينين ، قليل الشعر ، طاهر القلب نقيه (٤) . تقدم أنه لما قتل جالوت ، وكان قتله له ، فيما ذكر ابن عساكر(٥) ، عند قصر أم حكيم بقرب مرج الصُّفَّر(٦) فأحبته بنو إسرائيل ، ومالوا إليه وإلى ملكه عليهم ، فكان من أمر طالوت ما كان ، وصار الملك إلى داود عليه السلام ، وجمع الله له بين الملك والنبوة ، بين خير الدنيا والآخرة ، وكان الملك يكون في سبط، والنبوة في آخر، فاجتمع في داود هذا وهذا كما قال تعالى: ﴿ وَقَّتَلَ دَاوُودُ جَالُونَ وَءَاتَلَهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالِحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ، مِنَا يَشَاءُ وَلَوْ لَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ اٌلْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَلَمِينَ﴾ أي: لولا إقامة الملوك حكَّاماً على الناس لأكل قويُّ الناسِ ضعيفَهم . ولهذا جاء في بعض الآثار : السلطان ظلّ الله في أرضه (٧) . وقال أمير المؤمنين عثمان بن عفان: إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن . وقد ذكر ابن جرير في (( تاريخه)) أن جالوت لما بارز طالوت فقال له : اخرج إلي وأخرج إليك ، فندب طالوت الناس فانتدب داود فقَتل جالوت . قال وهب بن مُنبّه : فمال الناس إلى داود حتى لم يكن لطالوت ذكر ، وخلعوا طالوت ، وولوا عليهم داو(٨) . (١) في ط : ثم فضائله . (٢) في أوط : عابر. وفي بعض النسخ: عامر وأثبتنا ما في ب ، والطبري (١/ ٤٧٦). وسيأتي كذلك في نسب سليمان عليه السلام . (٣) في م : عويناداب . وفي بعض النسخ : عوينادب بن إرم بن حصرون . وأثبتنا ما في ب ، والطبري ، وسيأتي كذلك في نسب سليمان . (٤) في ط: ونقيه. مختصر ابن منظور (١٠٥/٨) وتاريخ الطبري (٤٧٦/١). (٥) مختصر ابن منظور (١٠٥/٨). (٦) مرج الصفَّر: موضع إلى الجنوب من دمشق بينها وبين الجولان . معجم البلدان ( الصفر - مرج الصفر ) . (٧). كنز العمال (١٤٥٨٠ - ١٤٥٨٥) والحديث رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) رقم (٧٣٧٣) وإسناده ضعيف في المرفوع. (٨) تاريخ الطبري (٤٧٨/١). ١٦٤ قصة داود عليه السلام وما كان في أيامه وقيل : إن ذلك كان عن أمر شمويل ، حتى قال بعضهم : إنه ولاه قبل الوقعة . قال ابن جرير : (١) والذي عليه الجمهور أنه إنما ولى ذلك بعد قتل جالوت والله أعلم وروى ابن عساكر ، عن سعيد بن عبد العزيز أن قتله جالوت كان عند قصر أم حكيم ، وأن النهر الذي هناك هو المذكور في الآية . فالله أعلم . وقال الله تعالى: ﴿ ﴿ وَلَقَدْ ءَانَيْنَادَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا يَجِبَالُ أَوِّبِى مَعَهُ وَالطَّيْرٌّ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١) أَنِ أَعْمَلْ سَِغَتِ وَقَدِّرْ فِ السَّرْدِ وَاعْمَلُواْ صَلِحًا إِنِّ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [ سبأ: ١٠ -١١]. وقال تعالى: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرُ وَكُنَّا فَعِلِينَ () وَعَلَّمْنَهُ صَنْعَةَ لَبُسٍ لَّكُمْ لِنُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَكِّرُونَ﴾ [الأنبياء: ٧٩ - ٨٠]. أعانه الله على عمل الدروع من الحديد ليحصّن المقاتلة من الأعداء ، وأرشده إلى صنعتها وكيفيتها فقال: ﴿وَقَدِّرْ فِ السَّرْدِّ﴾ أي: لا تُدِقَّ المسمارَ فيقلق(٢) ولا تُغلظه فيفصم . قاله مجاهد وقتادة والحكم وعكرمةٌ(٣) . قال الحسن البصري ، وقتادة ، والأعمش : كان الله قد ألان له الحديد حتى كان يفتله بيده لا يحتاج إلى نار ولا مطرقة . قال قتادة : فكان أول من عمل الدروع من زرد ، وإنما كانت قبل ذلك من صفائح . قال ابن شوذب : كان يعمل كلّ يوم درعاً يبيعها بستة آلاف درهم . وقد ثبت في الحديث أن أَطْيَبَ ما أكل الرجل من كسبه ، وأن نبي الله داود كان يأكل من كسب يده(٤) . وقال تعالى: ﴿ وَأَذْكُرُ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَبْدِّ إِنَّهُ: أَوََّبُ (٤) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَِّّحْنَ بِالْعَشِّ وَالْإِشْرَاقِ (٢) وَالْطَيّرَ تَخْشُورَةً كُلٌّ لَهُ , أَوَابٌ [ِ) وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ, وَءَيْنَهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ [ص: ١٧ - ٢٠]. قال ابن عباس ومجاهد : الأيد : القوة في الطاعة ، يعني كان ذا قوة في العبادة والعمل الصالح . قال قتادة : أُعطي قوةً في العبادة ، وفقهاً في الإسلام . قال : وقد ذُكر لنا أنه كان يقوم الليل ، ويصوم نصفَ الدهر . وقد ثبت في ((الصحيحين)) أن رسول الله وَ له قال: ((أَحَبُّ الصَّلاةِ إلى اللهِ صَلاَةُ دَاودَ وَأَحَبُّ الصِّيامِ (١) تاريخ الطبري (٤٧٨/١). في ط : فيغلق . وهو تصحيف . والقلق : الاضطراب وعدم الثبات. (٢) في ب : وغيرهم . وهناك عدة أقوال في تفسير الطبري (٢٢/ ٤٧). (٣) (٤) الحديث عند البخاري برقم (٢٠٧٢) في البيوع، باب كسب الرجل وعمله بيده . وفي الباب أحاديث أخرى. جامع الأصول ( ١٠/ ٥٧٠ ) . ١٦٥ قصة داود عليه السلام وما كان في أيامه إلى اللهِ صِيَامُ دَاودَ، كان ينام نصفَ الليل، ويقوم ثُلُثه . وينامُ سُدُسَه ، وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً ، ولا يفِؤُّ إذا لاقى (١) وقوله: ﴿ إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِّ وَاْإِشْرَاقِ (٦] وَالطَّيْرَ مَخْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَابٌ﴾، كما قال: ﴿ يَجِبَالُ أَوِّبِى مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ أي: سبّحي معه. قاله ابن عباس ومجاهد وغير واحد في تفسير هذه الآية ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ أي: عند آخر النهار وأوّله ، وذلك أنه كان الله تعالى قد وهبه من الصوت العظيم ما لم يعطه أحداً، بحيث إنه كان إذا ترئَّم بقراءة كتابه يقف الطير في الهواء يُرجِّع بترجيعه ويسبح بتسبيحه، وكذلك الجبال تجيبه وتُسبِّح معه كلما سبَّح بُكرَةً وعَشِياً، صلوات الله وسلامه عليه . وقال الأَوزاعي(٢): حدّثني عبد الله بن عامر قال: أُعطي داود من حسن الصوت ما لم يُعْطَ أحدٌ قَطّ، حتى أن كان الطير والوحش ينعكف حوله حتى يموت عطشاً وجوعاً ، وحتى أن الأنهار لتقف . وقال وهب بن منبه : كان لا يسمعه أحد إلا حَجَل(٣) كهيئة الرقص ، وكان يقرأ الزبور بصوت لم تسمع الآذان بمثله ، فيعكف الجن والإنس والطير والدواب على صوته حتى يهلك بعضها جوعاً . وقال أبو عوانة الإسفراييني : حدّثنا أبو بكر بن أبي الدنيا ، حدّثنا محمد بن منصور الطوسي ، سمعت صبيحاً أنبأنا برا(٤) . (ح) قال أبو عوانة : وحدّثني أبو العباس المدني، حدّثنا محمد بن صالح العدوي ، حدّثنا سيَّار - هو ابن حاتم - عن جعفر، عن مالك قال: كان داود عليه السلام إذا أخذ في قراءة الزبور تفتقت العذارى . وهذا غريب . وقال عبد الرزاق ، عن ابن جريج : سألت عطاء عن القراءة على الغناء فقال : وما بأس بذلك ، سمعت عبيد بن عُمير يقول : كان داود عليه السلام يأخذ المِعزَفة فيضرب بها فيقرأ عليها ، فترد عليه صوته . يريد بذلك أن يبكي وتبكي(٥) . (١) أخرجه البخاري: رقم (٣٤٢٠)، في الأنبياء، باب أحب الصلاة إلى الله صلاة داود، وليس فيه: ((ولا يفر إذا لاقى))، ومسلم رقم (١١٥٩) (١٨٩ - ١٩٠) في الصيام ، باب النهي عن صوم الدهر لمن تضرر به أو فوّت به حقاً . وفي لفظه تقديم وتأخير . (٢) الأوزاعي هو عبد الرحمن بن عمرو بن يُحمد ، شيخ الإسلام، وعالم أهل الشام. كان يسكن بمحلة الأوزاع - وهي العقيبة الآن - ظاهر باب الفراديس - وهو باب العمارة اليوم - ثم تحول إلى بيروت مرابطاً بها إلى أن مات رحمه الله سنة ( ١٥٧ هـ) في سير أعلام النبلاء (٧/ ١٠٧) ومصادر ترجمته ثمة. (٣) . الحَجْلِ : أن يرفع رجلاً ويقفز على الأخرى من الفرح . (٤) في بعض النسخ : سمعت صبيحاً أبا تراب . (٥) ضبطت في ب : أن يبكي ويُبكي . ١٦٦ قصة داود عليه السلام وما كان في أيامه وقال الإمام أحمد : حدّثنا عبد الرزاق ، حدّثنا مَعْمر ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة قالت : سمع رسول الله وِّه صوت أبي موسى الأشعري وهو يقرأ فقال: ((لقد أَوْتي أبو مُوسَى مِنْ مَزَامِيْر آل داود (١) . وهذا على شرط الشيخين ولم يخرجاه من هذا الوجه . وقال أحمد(٢): حدّثنا حسن(٣) ، حدّثنا حماد بن سلمة ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة أن رسول الله بَّه قال: ((لقد أُعْطي أَبو مُؤْسَى مِن مَزامِيْرِ داود)). على شرط مسلم. وقد روينا عن أبي عثمان النهدي(٤) أنه قال: لقد سمعت البَرْبَط(٥) والمزمار، فما سمعت صوتاً أحسن من صوت أبي موسى الأشعري . وقد كان مع هذا الصوت الرخيم سريع القراءة لكتابه الزبور كما قال الإمام أحمد(٦) : حدّثنا عبد الرزاق، حدّثنا معمر، عن همام، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله بَّهُ: ((خُفْفَ عَلَى داود القِراءةُ فَكَانَ يأُمُرُ بِدَابَتِهِ فَتُسْرَج، فَكَانَ يَقْرَأُ القُرآنَ مِن قَبْل أَنْ تُسْرَجَ دَابَتُهُ، وَكَانَ لا يَأْكُلُ إلَّ مِنْ عَمَلٍ يَدَيْهِ)). وكذلك رواه البخاري(٧) منفرداً به عن عبد الله بن محمد عن عبد الرزاق، به . ولفظه: (( خُفّف عَلَى داودَ القرآنُ فَكَانَ يَأْمُرُ بِدَوَابِّهِ فَتُسْرَجِ فَيَقْرَأُ القرآنَ قَبْلَ أَنْ تُسْرَجَ دَوَاتُه وَلَا يَأْكُلُ إلَّا مِنْ عَمَل يديه(٨))). ثم قال البخاري : ورواه موسى بن عقبة ، عن صفوان - هو ابن سليم - عن عطاء بن يسار ، عن أبي هريرة عن النبي ◌َله . وقد أسنده ابن عساكر في ترجمة داود عليه السلام في (( تاريخه)) من طرق عن إبراهيم بن طهمان ، عن موسى بن عقبة . ومن طريق أبي عاصم ، عن أبي بكر السبري ، عن صفوان بن سليم ، به(٩) . والمراد بالقرآن هاهنا الزبور الذي أنزله عليه وأوحاه إليه . وذكر رواية أشبه أن يكون محفوظاً ، فإنه كان ملكاً له أتباع ، فكان يقرأ الزبور بمقدار ما تُسرج الدواب ، وهذا أمر سريع مع التدبر والترثُّم والتغني (١) المسند (٦/ ١٦٧). (٢) في مسنده (٢/ ٣٥٤) . (٣) هو حسن بن موسى الأشيب . في أوط الترمذي . والصواب ما في ب . وأبو عثمان النهدي هو عبد الرحمن بن مل بن عمرو بن عدي توفي سنة (٤) (١٠٠ هـ). اللباب (٣٣٦/٣). (٥) البَرْبَط : العود . المسند (٢ /٣١٤). (٦) (٧) أخرجه البخاري برقم (٣٤١٧) في الأنبياء، باب قوله تعالى: ﴿ وَءَاتَيْنَادَاوُودَ زَبُورًا﴾. هكذا في أوط وهو موافق لإحدى روايات البخاري، وفي ب: ((يده)) وهي موافقة لإحدى روايات البخاري أيضاً . (٨) (٩) مختصر تاريخ دمشق (١٠٩/٨). ١٦٧ قصة داود عليه السلام وما كان في أيامه به على وجه التخشع ، صلوات الله وسلامه عليه. وقد قال الله تعالى: ﴿ وَءَاتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [الإسراء: ٥٥] والزبور كتاب مشهور، وذكرنا في (( التفسير )) الحديث الذي رواه أحمد وغيره أنه أنزل في شهر رمضان ، وفيه من المواعظ والحكم ما هو معروف لمن نظر فيه . وقوله: ﴿ وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَءَانَيْنَهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ أي: أعطيناه ملْكاً عظيماً وحُكماً نافذاً. روى ابن جرير (١) ، وابن أبي حاتم عن ابن عباس أن رجلين تداعيا إلى داود عليه السلام في بقر ادَّعى أحدهما على الآخر أنه اغتصبها منه، فأنكر المدَّعى عليه ، فأرجأ أمرهما إلى الليل ، فلما كان الليل أوحى الله إليه أن يَقتل المدَّعي ، فلما أصبح قال له داود: إن الله تعالى قد أوحى إلي أن أقتلك ، فأنا قاتلك لا محالة ، فما خبرك فيما ادعيته على هذا؟ قال: والله يا نبي الله إني لَمحق فيما ادعيت عليه ، ولكني كنت اغتلت أباه قبل هذا . فأمر به داود فقُتل ، فعظم أمرُ داود في بني إسرائيل جداً ، وخضعوا له خضوعاً عظيماً ، قال ابن عباس وهو قوله تعالى: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿ وَءَاتَيْنَهُ الْحِكْمَةَ﴾ أي: النبوة، ﴿ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾، قال شريح والشعبي وقتادة وأبو عبد الرحمن السُّلَمي وغيرهم: فصل الخطاب : الشهود والأيمان ، يعنون بذلك البيّنة على المدعي ، واليمين على من أنكر(٢) . وقال مجاهد والسّدي: هو إصابة القضاء وفهمه(٣) . وقال مجاهد : هو الفصل في الكلام وفي الحكم . اختاره ابن جرير(٤) وهذا لا ينافي ما رُوي عن أبي موسى أنه قول : أما بعد . وقال وهب بن منبه : لما كثر الشر وشهادات الزور في بني إسرائيل أعطي داود سلسلة لفصل القضاء ، فكانت ممدودة من السماء إلى صخرة بيت المقدس ، وكانت من ذهب ، فإذا تشاجر الرجلان في حق فأيهما كان محقاً نالها ، والآخر لا يصل إليها ، فلم تزل كذلك حتى أودع رجلٌ رجلاً لؤلؤة فجحدها منه ، واتخذ عكازاً وأودعها فيه ، فلما حضر عند الصخرة تناولها المدعي ، فلما قيل للآخر : خُذها بيدك عمد إلى العكاز فأعطاه المدعي وفيه تلك اللؤلؤة وقال : اللهم إنك تعلم أني دفعتها إليه ، ثمّ تناول السلسلة فنالها ، فأشكل أمرها على بني إسرائيل . ثمّ رفعت سريعاً من بينهم . ذكره بمعناه غير واحد من المفسرين . وقد رواه إسحاق بن بشر ، عن إدريس بن سنان ، عن وهب ، به ، بمعناه . ◌َ إِذْدَ خَلُواْ عَلَى دَاوُ دَ فَفَرِعَ مِنْهُمّ قَالُواْ لَا تَخَفّْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى ﴿﴿ وَهَلْ أَتَنَكَ نَبَؤُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَُّواْ الْمِحْرَابَ! ◌َ إِنَّ هَذَآ أَخِى لَهُ يَسْعُ وَنَسْعُونَ نَجْحَةٌ وَلَِ نَعْجَةٌ وَحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِيهَا بَعْضِ فَاحْكُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَأَهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَطِ ﴿ (١) تفسير الطبري ( ٨٨/٢٣). (٢) تفسير الطبري ( ٨٩/٢٣). (٣) تفسير الطبري ( ٢٣/ ٨٨). (٤) تفسير الطبري (٨٩/٢٣). ١٦٨ قصة داود عليه السلام وما كان في أيامه وَعَزَّبِىِ فِ اْخِطَابِ () قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَنِكَ إِلَى نِعَاجِهِ، وَإِنَّ كَثِيرًاً مِّنَ الْخُلَاِ لَيْغِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِّ وَقَلِلٌ مَّاهُمْ وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَنَّهُ فَسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابِ (٤) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكٌ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَعَادٍ ﴾ [ سورة ص: ٢١ - ٢٥]. قد ذكر كثير من المفسرين من السلف والخلف هاهنا قصصاً وأخباراً أكثرها إسرائيليات ، ومنها ما هو مكذوبٌ لا محالة ، تركنا إيرادها في كتابنا قصداً اكتفاءً واقتصاراً على مجرّد تلاوة القصّة من القرآن العظيم ، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم . وقد اختلف الأئمة في سجدة ﴿ص﴾ هل هي من عزائم السجود ، أو إنما هي سجدة شكر ليست من عزائم السجود ، على قولين . قال البخاري(١): حدّثنا محمد بن عبد الله، حدّثنا محمد بن عبيد الطنافسي، عن العوَّام قال: سألت مجاهداً عن سجدة ﴿ص) فقال: سألت ابنَ عباس: من أين سجدت؟ فقال(٢): أوما تقرأ ﴿ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ، دَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ﴾ [الأنعام: ٨٤] ﴿ أُوْلَّكَ اُلَّذِينَ هَدَى اللَّهُّ فَبِهُدَنهُمُ أَقْتَدِةٌ﴾ [ الأنعام: ٩٠] فكان داود ممن أُمِر نبيُّكم ◌ََّ أن يقتدي به، فسجدها داود عليه السلام فسجدها رسول الله وَليل . وقد قال الإمام أحمد(٣) : حدّثنا إسماعيل - هو ابن علية - عن أيوب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس أنه قال في السجود في ﴿ ص﴾: ليست من عزائم السجود. وقد رأيت رسول الله بَّله يسجد فيها. وكذا رواه البخاري(٤)، وأبو داود(٥)، والترمذي(٦)، والنسائي(٧)، من حديث أيوب . وقال الترمذي: (( حسن صحيح )). وقال النسائي(٨) : أخبرني إبراهيم بن الحسن المِقْسَمي، حدّثنا حجّاج بن محمد ، عن عمر بن ذَرّ ، عن أبيه، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس أن النبي ◌َّ هِ سجد في ﴿ص﴾ وقال: «سَجَدَها دَاودُ تَوْبَّةً وَنَسْجُدُها شُكْراً)) تفرد به ، ورجاله ثقات. (١) البخاري رقم (٤٨٠٧)، في تفسير سورة ﴿ص﴾. في ط: ((قال )) وما هنا يعضده ما في البخاري . (٢) (٣) في مسنده (٣٦٠/١) . صحيح البخاري رقم (١٠٦٩) في سجود القرآن، و(٣٤٢٢) في الأنبياء، باب ﴿ وَأَذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُرَدَذَا الْأَيَّ إِنَّهُ: أَوَّبُ﴾ . (٤) سنن أبي داود رقم ( ١٤٠٩) في الصلاة ، باب السجود في ﴿ ص﴾ . (٥) الترمذي رقم (٥٧٧) في الصلاة، باب ما جاء في السجدة في ﴿ ص﴾ . (٦) في التفسير (١٩٠). (٧) (٨) سنن النسائي (١٥٩/٢)، وهو في التفسير (٤٥٨). ١٦٩ قصة داود عليه السلام وما كان في أيامه وقال أبو داود١) : حدّثنا أحمد بن صالح ، حدّثنا ابن وهب ، أخبرني عمرو بن الحارث ، عن سعيد ابن أبي هلال ، عن عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سَرح ، عن أبي سعيد الخدري قال : قرأ رسول الله حَ ل ◌ّ وهو على المنبر ﴿ص﴾ فلما بلغ السجدة نزل فسجد وسجد الناس معه فلما كان يوم آخر قرأها ، فلما بلغ السجدة تَشَزَّل(٢) الناس للسجود فقال: ((إنّما هي تَوْبَةُ نَبِي ولكنْ رَأَيْتُكُمْ تَشَزَّنْتُم )) فنزل وسجد. تفرد به أبو داود . وإسناده على شرط الصحيح . وقال الإمام أحمد(٣): حدّثنا عفان، حدّثنا يزيد بن زُريع، حدّثنا حُميد، حدّثنا بكر - هو ابن عمر - وأبو الصديق الناجي (٤) أنه أخبره أن أبا سعيد الخدري رأى رؤيا أنه يكتب ﴿ ص﴾ فلما بلغ ( إلى ) التي يسجد بها رأى الدواة والقلم وكلَّ شيء بحضرته انقلب ساجداً، قال: فقصَّها على النبي ◌ََّ، فلم يزل يسجد بها بعد . تفرد به أحمد . وروى الترمذي(٥) وابن ماجه(٦) من حديث محمد بن يزيد بن خُنيس ، عن الحسن بن محمد بن عُبيد(٧) الله بن أبي يزيد قال : قال لي ابن جُريج : حدّثني جدك عبيد الله بن أبي يزيد عن ابن عباس قال : جاء رجل إلى النبي ◌َّر فقال: يا رسول الله: إني رأيت فيما يرى النائم كأني أَصلي خلف شجرة، فقرأت السجدةَ ، فسجدت الشجرة بسجودي ، فسمعتها تقول وهي ساجدة : اللهم اكتب لي بها عندك أجراً ، واجعلْها لي عندك ذُخراً ، وضع عنّي بها وِزراً ، واقبلها مني كما قبلت من عبدك داود ، قال ابن عباس : فرأيت النبي وَ لّ قام فقرأ السجدة ثمّ سجد، فسمعته يقول وهو ساجد كما حكى الرجل عن كلام الشجرة . ثمّ قال الترمذي : غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه . وقد ذكر بعض المفسرين أنه عليه السلام مكث ساجداً أربعين يوماً . وقاله مجاهد والحسن وغيرهما . وورد في ذلك حديث مرفوع لكنه من رواية يزيد الرقاشي ، وهو ضعيف متروك الحديث(٨). قال (١) سنن أبي داود رقم (١٤١٠) في الصلاة، باب السجود في ﴿ص﴾. (٢) في ط: تشرف ... تشرفتم .. والتشزَّن: التأهب والتهيؤ للشيء والاستعداد له. (٣) المسند (٧٨/٣). (٤) في ب : وأبو بكر الصديق . وهو سهو . والناجي: نسبة إلى بني ناجية بن سامة بن لؤي . وأبو الصديق بكر بن قيس الناجي ، منهم ، بصري، مات سنة ( ١٠٨ هـ). اللباب: (٢٨٧/٣). (٥) هو عند الترمذي رقم (٥٧٩) في الصلاة ، باب ما يقول في سجود القرآن ، وقال : غريب (يعني ضعيف ). (٦) في سننه (١٠٥٣). (٧) في ب: ((عبد الله)) وهو تحريف. (٨) في أ: متروك البداية، وفي ط :.. الرواية. وأثبتنا ما في ب . ويزيد بن أبان الرقاشي كما قال ابن كثير ضعيف متروك الحديث . المجروحين ( ٩٨/٣)، والضعفاء للنسائي: ( ١١٠). ١٧٠ قصة داود عليه السلام وما كان في أيامه الله تعالى: ﴿ فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكٌ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْقَى وَحُسْنَ مَثَابٍ﴾. أي: وإن له يوم القيامة لزلفى ، وهي القربة التي يقربه الله بها ويدنيه من حظيرة (١) قدسه بسببها ، كما ثبت في الحديث: (( المُقْسِطُوْنَ على مَنَابِرَ مِنْ نُوْرٍ عَنْ يَمِيْنِ الرَّحْمنِ ، وَكِلْنَا يديه يمينٌ ، الذين يُقْسِطون في أَهليهم وحكمِهم وما وَلوا)(٢) وقال الإمام أحمد في (( مسنده)): حدّثنا يحيى بن آدم ، حدّثنا فضيل، عن عطية ، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله بِّه: ((إنَّ أَحَبَّ النَّاسِ إلى اللهِ يَوْمَ القِيامة وأَقْرَبَهُم مِنْه مَجْلِساً إمامٌ عَادِلٌ ، وإِنَّ أَبْغَضَ النَّاسِ إِلى اللهِ يَوْمَ القِيَامَةُ(٣) وأشَدَّهُمْ عَذاباً إمامٌ جَائِرٌ )(٤) وهكذا رواه الترمذي من حديث فضيل بن مرزوق الأغرّ ، به . وقال : لا نعرفه مرفوعاً إلا من هذا الوجه(٥) . وقال ابن أبي حاتم : حدّثنا أبو زرعة ، حدّثنا عبد الله بن أبي زياد ، حدّثنا سيّار ، حدّثنا جعفر بن سليمان سمعت مالك بن دينار في قوله : ﴿ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَثَابٍ ﴾ قال : مقام داود عليه السلام يوم القيامة عند ساق العرش ، ثم يقول الله : يا داود مجِّدْني اليومَ بذلك الصوت الحسن الرخيم الذي كنتَ تمجِّدني به في الدنيا . فيقول : وكيف وقد سلبته ؟ فيقول : إني أرده عليك اليومَ . قال : فيرفع داود بصوت يستفرغ نعيم أهل الجنان . ﴿ يَدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةً فِ الْأَرْضِ فَأَحْكُبَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَفَِّعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اَلَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ سورة ص: ٢٦]. هذا خطاب من الله تعالى مع داود ، والمرادُ ولاة الأمور وحُكّام الناس ، وأمرهم بالعدل واتِّباع الحق المنزّل من الله لا ما سواه من الآراء والأهواء ، وتوعّد من سلك غير ذلك وحكم بغير ذلك ، وقد كان داود عليه السلام هو المقتدى به في ذلك الوقت(٦) في العدل وكثرة العبادة وأنواع القربات ، حتى إنه كان لا يمضي ساعة من آناء الليل وأطراف النهار إلا وأهل بيته في عبادة ليلاً ونهاراً، كما قال تعالى ﴿ أَعْمَلُوْ ءَلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِلٌ مِّنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]. قال أبو بكر بن أبي الدنيا : حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم بن بسام، حدّثنا صالح المُرِّي ، عن (١) في أوب: حضيرة .. وحظيرة القدس : الجنة. اللسان. (٢) أخرجه مسلم رقم (١٨٢٧) في الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل وعقوبة الجائر . وفي لفظه اختلاف يسير . (٣) من قوله: وأقربهم منه .. إلى هنا سقط من ب. (٤) المسند ( ٣/ ٢٢ و ٥٥ ) . الترمذي رقم (١٣٢٩) في الأحكام ، باب ما جاء في الإمام العادل . (٥) (٦) في ب : الزمان. ١٧١ قصة داود عليه السلام وما كان في أيامه أبي عمران الجوني، عن أبي الجَلْدُ(١) قال : قرأت في مسألة داود عليه السلام أنه قال : يا رب كيف لي أن أشكرك وأنا لا أصل إلى شكرك إلا بنعمتك؟ قال: فأتاه الوحي ((أن يا داود أليس تعلم أن الذي بك من النعم مني ؟ قال: بلى يا رب . قال: فإني أرضى بذلك منك)(٢) . وقال البيهقي ١٣ : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، أخبرنا أبو بكر بن بالويه ، حدّثنا محمد بن يونس القرشي ، حدّثنا روح بن عبادة ، حدّثني عبد الله بن لاحق ، عن ابن شهاب قال : قال داود : الحمد لله كما ينبغي لكرم وجهه وعزّ جلاله . فأوحى الله إليه : إنك أتعبتَ الحفَظَةَ يا داود . ورواه أبو بكر بن أبي الدنيا عن علي بن الجعد ، عن الثوري ، مثله(٤) . وقال عبد الله بن المبارك في كتاب ((الزهد )(٥) : أخبرنا سفيان الثوري ، عن رجل ، عن وهب بن منبه قال : إن في حكمة آل داود : وحق على العقل أن لا يغفل عن أربع ساعات : ساعة يناجي فيها ربّه ، وساعة يحاسب فيها نفسه ، وساعة يفضي فيها إلى إخوانه الذين يخبرونه بعيوبه ، ويصدقونه عن نفسه ، وساعة يخلّي بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل ويجمل ، فإن هذه الساعة عون على هذه الساعات وإجمام للقلوب . وحق على العقل أن يعرف زمانه ، ويحفظ لسانه ، ويقبل على شأنه . وحق على العاقل أن لا يظعن إلا في إحدى ثلاث : زاد لمعاده ، ومرمة لمعاشه، ولذة من غير محرم . وقد رواه أبو بكر بن أبي الدنيا ، عن أبي بكر بن أبي خيثمة ، عن ابن مهدي ، عن سفيان ، عن أبي الأغر ، عن وهب بن منبه ، فذكره . ورواه أيضاً عن علي بن الجعد ، عن عمر بن هيثم الرقاشي ، عن أبي الأغر ، عن وهب بن منبه ، فذكره ، وأبو الأغر هذا هو الذي أبهمه ابن المبارك في روايته . قال ابن عساكر : وقال عبد الرزاق : أخبرنا بشر بن رافع ، حدّثنا شيخ من أهل صنعاء يقال له : أبو عبد الله قال : سمعت وهب بن منبه ، فذكر مثله . (١) هو جيلان بن فروة، أبو الجلد، بفتح الجيم. الإكمال (١٨١/٣) وهو في كتاب الشكر لابن أبي الدنيا صفحة (٦٧) وإسناده ضعيف، صالح المري ، ضعيف . (٢) لفظ منك ليس في ب . والخبر في مختصر ابن منظور (١١٣/٨). (٣) في (( شعب الإيمان)) رقم (٤٤١٦). (٤) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب الشكر صفحة (٨٣)، وهو في تاريخ ابن عساكر كما في مختصره لابن منظور (١١٣/٨ - ١١٤) . (٥) الزهد لابن المبارك، وهو في تاريخ ابن عساكر كما في مختصره لابن منظور (١٢٦/٨)، وإسناده ضعيف لجهالة شيخ سفيان . ١٧٢ قصة داود عليه السلام وما كان في أيامه وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة داود عليه السلام أشياء كثيرة مليحة ، منها قوله : كن لليتيم كالأب الرحيم . واعلم أنك كما تزرع كذلك تحصد . وروى بسندٍ غريبٍ مرفوعاً قال داود : يا زارع السيئات أنت تحصد شوكها وحسكها . وعن داود عليه السلام أنه قال : مثل الخطيب الأحمق في نادي القوم كمثل المغنّي عند رأس الميت. وقال أيضاً: ما أقبح الفقر بعد الغنى ، وأقبح من ذلك الضلالة بعد الهدى . وقال : انظر ما تكره أن يذكر عنك في نادي القوم فلا تفعله إذا خلوت . وقال : لا تَعِدنَّ أخاك بما لا تنجزه له فإن ذلك عداوة ما بينك وبينه (١). وقال محمد بن سعد : أخبرنا محمد بن عمر الواقدي ، حدّثني هشام بن سعد ، عن عمر مولى غفرة قال: قالت اليهود لما رأت رسول الله وَلهل يتزوج النساء: انظروا إلى هذا الذي لا يشبع من الطعام ، ولا والله ماله همة إلا إلى النِّساء ، وحسدوه لكثرة نسائه ، وعابوه بذلك ، وقالوا : لو كان نبياً ما رغب في النساء . وكان أشدهم في ذلك حُيي بن أخطب ، فكذبهم الله تعالى وأخبرهم بفضل الله وسعته على نبيه صلوات الله عليه وسلامه قال سبحانه وتعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَآ ءَ اتَنُهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ،﴾ يعني بالناسِ رسول اللهِ وَّهِ ﴿ فَقَدْ ءَاتَيْنَآ ءَالَ إِبْرَهِيَمَ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَهُم مُلْكًا عَظِيمًا ﴾ [ النساء: ٥٤ ] يعني ما آتى الله سليمان بن داود، كانت له ألفُ امرأة، سبعمئة مهيرةً(٢) وثلاثمئة سرية ، وكانت لداود عليه السلام مئة امرأة منهن امرأة أوريا أم سليمان بن داود التي تزوجها بعد الفتنة ، هذا أكثر مما لمحمد له . وقد ذكر الكلبي نحو هذا، وأنه كان لداود عليه السلام مئة امرأة ولسليمان ألف امرأة منهن ثلاثمئة سرية . وروى الحافظ في (( تاريخه))(٣) في ترجمة صدقة الدمشقي الذي يروي عن ابن عباس من طريق الفرج بن فضالة الحمصي ، عن أبي هريرة الحمصي ، عن صدقة الدمشقي : أن رجلاً سأل ابن عباس عن الصيام ؟ فقال : لأحدثنك بحديثٍ كان عندي في التخت(٤) مخزوناً: إن شئت أنبأتك بصوم داود ، فإنه كان صوّاماً قوّاماً، وكان شجاعاً لا يفرُّ إذا لاقى ، وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً ، وقال رسول الله وَّر: ((أَفْضَلُ الصِّيَّامِ صِيَامُ دَاوُدَ)) ، وكان يقرأ الزبور بسبعين صوتاً يكون فيها . وكانت له ركعة من آخر(٥) الليل يبكي فيها نفسه ، ويبكي ببكائه كلّ شيء ويصرف بصوته الهموم (١) مختصر ابن منظور (٨/ ١٢٧). (٢) المهيرة : غالية المهر . اللسان . وهو كذلك في بعض النسخ وفي أصولنا : مهرية، والصواب ما أثبتناه . (٣) تاريخ دمشق (٢٤/ ٤٧) . (٤) التخت : وعاء تحفظ فيه الثياب . (٥) قوله: ((آخر )) من ب ، وهي في تاريخ دمشق الذي ينقل منه المصنف . ١٧٣ ذكر كمية حياة داود وكيفية وفاته والحموم (١) . وإن شئت أنبأتك بصوم ابنه سليمان ، فإنه كان يصوم من أوّل الشهر ثلاثة أيام ، ومن وسطه ثلاثة أيام ، ومن آخره ثلاثة أيام ، يستفتح الشهر بصيام ، ووسطه بصيام ، ويختمه بصيام . وإن شئت أنبأتك بصوم ابن العذراء البتول عيسى ابن مريم ؛ فإنه كان يصوم الدهر ، ويأكل الشعير ، ويلبس الشعر ، يأكل ما وجد ، ولا يسأل عما فقد ، ليس له ولد يموت ولا بيت يخرب ، وكان أينما أدركه الليل صفن بين قدميه (٢) ، وقام يصلّي حتى يصبح ، وكان رامياً لا يفوته صيد يريده ، وكان يمر بمجالس بني إسرائيل فيقضي لهم حوائجهم . وإن شئت أنبأتك بصوم أمه مريم بنت عمران فإنّها كانت تصوم يوما٣ً) وتفطر يومين. وإن شئت أنبأتك بصوم النبي العربي الأمي محمد ◌ّ له فإنه كان يصوم من كلّ شهر ثلاثة أيام، ويقول: ((إن ذلك صوم الدهر(٤))). وقد روى الإمام أحمد عن أبي النضر ، عن فرج بن فضالة ، عن أبي هرم ، عن صدقة ، عن ابن عباس مرفوعاً في صوم داود(٥) . ذكر(٦) كمّيّة حياته وَ كيفيّة وفاته عليه السّلام قد تقدم في ذكر الأحاديث الواردة في خلق آدم(٧) أن الله لما استخرج ذريته من ظهره فرأى فيهم الأنبياء عليهم السلام ، ورأى فيهم رجلاً يزهر فقال : أي ربِّ من هذا؟ قال : هذا ابنُك داود . قال : أي ربّ كم عمره ؟ قال : ستون عاماً . قال : أي ربّ زِدْ في عمره . قال: لا ، إلا أن أزيده من عمرك . وكان عمر آدم ألفَ عام ، فزاده أربعين عاماً ، فلما انقضى عمر آدم جاءه ملكُ الموت ، فقال: بقي من عمري أربعون سنة ، ونسي آدم ما كان وهَبه لولده داود ، فأتمها الله لآدم ألف سنة ولداود مئة سنة . رواه أحمد (٨) عن ابن عباس، والترمذي - وصححه (٩) عن أبي هريرة. وابن خزيمة(١٠) (١) في بعض النسخ: المهموم والمحموم ، وفي تاريخ ابن عساكر: ((ويضطرب لصوته المهموم والمحموم)). (٢) في ب :.. أينما أدركته صفن، وفي تاريخ ابن عساكر: ((صفق بيديه)). (٣) في ب : يومين . (٤) إلى هنا انتهى النقل من تاريخ ابن عساكر. (٦) كلمة ذكر ليست في ط . (٥) تقدم قبل قليل مخرّجاً . (٧) في الجزء الأول من هذا الكتاب . (٨) مسند أحمد (٢٥١/١ - ٢٥٢) . (٩) الترمذي رقم (٣٠٧٦) في التفسير ، باب ومن سورة الأعراف . (١٠) لم نقف عليه في المطبوع من صحيح ابن خزيمة . ١٧٤ ذكر كمية حياة داود وكيفية وفاته وابن حبان(١). وقال الحاكم(٢): على شرط مسلم . وقد تقدم ذكر طرقه وألفاظه في قصة آدم. قال ابن جرير(٣) : وقد زعم بعض أهل الكتاب أن عمر داود كان سبعاً وسبعين سنة . قلت : هذا غلط مردود عليهم قالوا : وكان مدة ملكه أربعين سنة . وهذا قد يُقبل نقله لأنه ليس عندنا ما ينافيه ولا ما يقتضيه . وأما وفاته عليه السلام، فقال الإمام أحمد في ((مسنده)(٤) : حدّثنا قتيبة ، حدّثنا يعقوب بن عبد الرحمن بن محمد، عن عمرو بن أبي عمرو، عن المطلب، عن أبي هريرة أن رسول الله،وَ ل قال: (( كانَ داودُ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيهِ غَيْرَةٌ شَدِيْدَةٌ ، فَكَانَ إذا خَرَجَ أُغلقت الأبواب فَلَم يَدْخُلْ عَلى أَهْلِهِ أَحَدٌ حَتَّى يَرْجِعَ. قال: فَخَرَجَ ذاتَ يَوْمٍ وغلقت الدارُ فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ تَطلع إلى الدَّارِ، فإذا رَجُلٌ قائِمٌ وَسطَ الدَّارِ ، فَقَالَت لِمَنْ فِي البَيْتِ: مِنْ أَيّنَ دَخَلَ هذا الرَّجُلُ والدَّارُ مُغْلَقَةٌ؟ واللهِ لَنَفْتَضِحَنَّ بداود. فجاءَ داودُ فإذا الرجُلُ قَائِمٌ وسطَ الدَّارِ ، فقالَ لَهُ داودُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: أنا الذي لا أَهَابُ الملوكَ ولا يمتنعُ(٥ ) من الحجَّاب، فقالَ داودُ: أنتَ واللهِ إذَنْ مَلَكُ المؤْتِ، مَرْحَباً بأمْرِ اللهِ. فَزَمَلَ دَاوُدُ مَكَانَهُ حَتَّى قُبِضَتْ نَفْسُه، حتى فَرَغَ مِنْ شَأْنِهِ . وطَلَعَتْ(٦) عَليهِ الشَّمْسُ، فقالَ سُليمانُ لِلطَّيْرِ : أَظِلّي عَلَى دَاوُد ، فأظَلَّت عَلَيه الطيرُ حتى أظلَمَتْ عَلَيهِ الأرْضُ. فقالَ سُلَيمانُ لِلطَّْرِ: اقبضي جناحاً جناحاً)). قال أبو هريرة : يرينا رسول الله وَ ◌ّله كيف (٧) فعلت الطير، وقبض رسول الله وَ لل بيده، وغلبت عليه يومئذ المضرحية. انفرد بإخراجه الإمام أحمد . وإسناده جيد قوي ، رجاله ثقات . ومعنى قوله: (( وغلبت عليه يومئذ المضرحية)) أي : وغلبت على التظليل عليه المضرحية وهي الصقور الطوال الأجنحة ، وإحداها : مَضْرحي . قال الجوهري: وهو الصقر الطويل الجناح(٨). وقال السدي ، عن أبي مالك ، عن ابن عباس قال : مات داود نبي الله عليه السلام فجأة ، وكان بسبت ، وكانت الطير تظله . (١) الإحسان (٦١٦٧) من طريق سعيد المقبري عن أبي هريرة. (٢) المستدرك (٣٢٥/٢) . في التفسير . (٣) تاريخه (٤٨٥/١). (٤) المسند (٤١٩/٢). وأخرجه ابن عساكر، كما في مختصر ابن منظور (١٣٩/٨). (٥) في ط : ولا أمنع من . وفي مسند أحمد : ولا يمتنع مني شيء . في ط : ثم مكث حتى قبضت روحه ، فلما غسل وكفن وفرغ من شأنه طلعت عليه الشمس ... ، وفي مسند (٦) أحمد : ... حيث قبضت روحه .... (٧) في ط: قال: قال أبو هريرة: فطفق رسول الله لَ ه يرينا كيف ... (٨) الصحاح (٣٨٦/١) ضرح . ١٧٥ ذكر كمية حياة داود و كيفية وفاته وقال السدي أيضاً عن أبي مالك ، وعن سعيد بن جبير قال : مات داود عليه السلام يوم السبت فجأة . وقال إسحاق بن بشر ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن الحسن قال : مات داود عليه السلام وهو ابن مئة سنة ، ومات يوم الأربعاء فجأة . وقال أبو السكن الهجري : مات إبراهيم الخليل فجأة ، وداود فجأة ، وابنه سليمان فجأة ، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين . رواه ابن عساكر(١) . وروي عن بعضهم أن ملك الموت جاءه وهو نازل من محرابه ، فقال له : دعني أنزل أو أصعد . فقال : يا نبي الله نفدت(٢) السنون والشهور والآثار والأرزاق . قال : فخرَ ساجداً على مِرْقاة من تلك المراقي ، فقبضه وهو ساجد . وقال إسحاق بن بشر: أخبرنا زافر(٣) بن سليمان ، عن أبي سليمان الفلسطيني ، عن وهب بن منبه قال : إن الناس حضروا جنازة داود عليه السلام ، فجلسوا في الشمس في يومٍ صائفٍ . قال : وكان شيَّع جنازته يومئذ أربعون ألف راهب عليهم البرانس سوى غيرهم من الناس ، ولم يمت في بني إسرائيل بعد موسى وهارون أحد كانت بنو إسرائيل أشد جزعاً عليه منهم على داود . قال : فأذلقهم الحر(٤) فنادوا سليمان عليه السلام أن يعجل عليهم لما٥) أصابهم من الحر ، فخرج سليمان فنادى الطيرَ ، فأجابت ، فأمرها فأظلت(٦) الناس . قال: فتراص بعضها إلى بعض من كلّ وجه حتى استمسكت الريح فكاد الناس أن يهلكوا غماً ، فصاحوا إلى سليمان عليه السلام من الغم ، فخرج سليمانُ فنادى الطير : أن أظلي الناس من ناحية الشمس وتنَحي عن ناحية الريح ، ففعلت ، فكان الناس في ظل تهب عليهم الريح ، فكان ذلك من أول ما رأوا من ملك سليمان(٧) . وقال الحافظ أبو يعلى : حدّثنا أبو همّام الوليد بن شجاع ، حدّثني الوليد بن مسلم ، عن الهيثم بن حميد ، عن الوضين بن عطاء ، عن نصر بن علقمة ، عن جبير بن نفير ، عن أبي الدرداء قال : قال (١) مختصر ابن منظور (٨/ ١٤٠). (٢) في أ وب: السنين. والذي في مختصر ابن منظور (٨/ ١٤٠): نفدت الأيام والشهور والسنون والآثار والأرزاق . (٣) في أوط : وافر . وهو تصحيف . وزافر بن سليمان أبو سليمان الإيادي القوهستاني ، ذكره ابن حبان في المجروحين: (٣١١/١ - ٣١٢). (٤) في ط : فأذاقهم . وأذلقهم الحر : أجهدهم وأضعفهم وأقلقهم . (٥) في ط : أن يعمل لهم وقاية لما ... (٦) في ط : أن تظل . (٧) مختصر ابن منظور (٨/ ١٤٠ - ١٤١). ١٧٦ ذكر كمية حياة داود وكيفية وفاته رسول الله بَّهُ: ((لَقَدْ قَبَضَ اللهُ دَاوُدَ مِنْ بَيْنِ أصْحابهِ ما فُتِنوا ولا بَدَّلوا، وَلَقَد مَكَثَ أصْحَابُ المسيح على سننهِ وهَذِيهِ مئتي سَنةٍ » . هذا حديث غريب ، وفي رفعه نظر . والوضين بن عطاء كان ضعيفاً في الحديث(١) . والله أعلم . (١) قوله : في الحديث والله أعلم: ليس في ب . والوضين بن عطاء بن كنانة الخزاعي . قال ابن حجر في التقريب : صدوق ، سيء الحفظ ، ورمي بالقدر . مات سنة ( ١٥٦ هـ). ١٧٧ قصة سليمان بن داود عليهما السلام قصّة سليمان بن داود عليهما السّلام قال الحافظ ابن عساكر(١) : هو سليمان بن داود بن إيشا بن عويد بن باغز بن سلمون بن نحشون بن عميناداب بن إرم بن حَضْرون بن فارص بن يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ، أبو الربيع ، نبي الله ابن نبي الله . - جاء في بعض الآثار أنه دخل دمشق . قال ابن ماكولا٢ً) : فارص ، بالصاد المهملة ، وذكر نسبه قريباً مما ذكره ابن عساكر . قال الله تعالى: ﴿ وَوَرِثَ سُلَيْمَنُ دَاوُرَّدٌ وَقَالَ يَأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الَّيْرِ وَأُوتِيَنَا مِن كُلِّ شَىْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ [النمل: ١٦] أي: ورثه في النبوة والملك، وليس المراد وراثة المال؛ لأنه قد كان له بنون غيره (٣) ، فما كان ليخص بالمال دونهم ، ولأنه قد ثبت في الصِّحاح من غير وجه عن جماعة من الصحابة أن رسول اللهَوَ ◌ّ قال: ((لا نُورثُ ما تَرَكْنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ((٤) وفي لفظ: ((نَحْنُ مَعَاشِرَ الأَنْبِياءِ لا نُورث (٥) فأخبر الصادق المصدوق أن الأنبياء لا تُورَث أموالُهم عنهم كما يورَث غيرهم ، بل تكون أموالهم صدقةً من بعدهم على الفقراء والمحاويج ، لا يخصون بها أقرباءهم ، لأن الدنيا كانت أهون عليهم وأحقر عندهم من ذلك ، كما هي عند الذي أرسلَهم واصطفاهم وفضَّلهم . وقال: ﴿ يَتَأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الَّيْرِ﴾ يعني أنه عليه السلام كان يعرف ما يتخاطب به الطيور بلغاتها ، ويعبِّر للناس عن مقاصدها وإراداتها . وقد قال الحافظ أبو بكر البيهقي : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، أخبرنا علي بن حمشَاذ ، حدّثنا إسماعيل بن قتيبة ، حدّثنا علي بن قدامة ، حدّثنا أبو جعفر (١) تاريخه (٢٣٠/٢٢) . (٢) الإكمال (٧/ ٥٢) . (٣) زاد هنا في ب : كما رواه ابن عساكر عن بعض السلف. (٤) الحديث برواياته وطرقه أخرجه البخاري: رقم (٣٧١٢) في فضائل الصحابة، باب مناقب قرابة رسول الله القدر، ورقم (٤٠٣٤) في المغازي ، باب حديث بني النضير ، ورقم (٤٢٤٠) باب غزوة خيبر ، ورقم (٦٧٢٦، ٦٧٢٧ ، ٦٧٢٨، ٦٧٣٠) في الفرائض، باب قول النبي ◌ُّر لا نورث ما تركنا صدقة، ورقم (٧٣٠٥) في الاعتصام ، باب ما يكره من التعمق والتنازع والغلو في الدين والبدع، ومسلم (١٧٦١)، في الجهاد، باب قول النبي ◌َّ لا نورث. وأبو داود (٢٩٧٧) في الخراج والإمارة، باب في صفايا رسول الله وَ طير من الأموال، والترمذي (١٦١٠) في السير ، باب ما جاء في تركة رسول الله وَ طير. ومالك في الموطأ (٩٩٣/٢)، في الكلام، باب ما جاء في تركة النبي ◌َّر. والنسائي: (١٣٢/٧)، وأحمد (٤/١، ٦، ٩، ١٠، ٤٧، ٤٩، ٦٠، ٢٠٨) و(٦ /١٤٥، ٢٦٢). (٥) . قال الحافظ ابن حجر في ((الفتح)) (٨/١٢): وأما ما اشتهر في كتب أهل الأصول وغيرهم بلفظ (نحن معاشر الأنبياء لا نورث ) فقد أنكرها جماعة من الأئمة ، وهو كذلك بالنسبة لخصوص لفظ (نحن ) لكن أخرجه النسائي بلفظ ( إنا معاشر الأنبياء لا نورث ) . ١٧٨ قصة سليمان بن داود عليهما السلام الأسواني يعني محمد بن عبد الرحمن، عن يعقوب القُمِّيُ(١) ، حدّثني أبو مالك قال : مرَّ سليمان بن داود بعصفور يدور حول عصفورة ، فقال لأصحابه : أتدرون ما يقول ؟ قالوا : وما يقول يا نبي الله ؟ قال : يخطُبُها إلى نفسها ويقول : زوجيني أُسْكنكِ أيَّ غُرَفِ دمشق شئت . قال سليمان عليه السلام : لأن غرف دمشق مبنية بالصخر لا يقدر أن يسكنها أحد ، ولكن كلّ خاطبٍ كذاب . ورواه ابن عساكر عن أبي القاسم زاهر بن طاهر ، عن البيهقي ، به (٢) . وكذلك ما عداها من الحيوانات وسائر صنوف المخلوقات . والدليل على هذا قوله بعد هذا من الآيات : ﴿ وَأُوتِنَا مِنْ كُلِّ شَىْءٍ﴾ أي: من كلّ ما يحتاج الملك إليه من العُدَدِ والآلات ، والجنود والجيوش ، والجماعات من الجن والإنس والطيور والوحوش(٣) السارحات ، والعلوم والفهوم، والتعبير عن ضمائر المخلوقات من الناطقات والصامتات. ثمّ قال: ﴿إِنَّ هَذَالَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ ﴾ أي : من بارىء البريات، وخالق الأرض والسماوات، كما قال تعالى: ﴿ وَحُشِرَ لِسُلَيْمَنَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٦) حَتَّى إِذَا أَنَوْ عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَأَيُّهَا النَّمْلُ ادْ خُلُواْ مَسَكِنَكُمْ لَا يَخْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَنُ وَجُنُوُ ﴿ فَنَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِّ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَِّىِّ أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَى وَلِدَنَّ وَّنْ أَعْمَلَ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ صَلِحًا تَرْضَنْهُ وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِ عِبَادِكَ الصَّلِحِينَ﴾ [النمل: ١٧ - ١٩]. يخبر سبحانه وتعالى عن عبده ونبيه وابن نبيه سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام أنه ركب يوماً في جيشه جميعه من الجن والإنس والطير ، فالجن والإنس يسيرون معه ، والطير سائرة معه تظله بأجنحتها من الحرِّ وغيره ، وعلى كلِّ من هذه الجيوش الثلاثة وَزَعَةٌ ، أي : نقباء يردون أوله على آخره فلا يتقدم أحد عن موضعه الذي يسير فيه ولا يتأخّر عنه . قال الله تعالى: ﴿حَتََّ إِذَا أَوْ عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُواْ مَسَكِنَكُمْ لَا يَخْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ فأمرت وحذّرت ، واعتذرت عن سليمان وجنوده بعدم الشعور . وقد ذكر وَهْب : أنه مرّ وهو على البساط بوادٍ بالطائف، وأن هذه النملة كان اسمها ( جرس )٤) وكانت من قبيلة يقال لهم بنو الشيصبان ، وكانت عرجاء ، وكانت بقدر الذئب(٥) . وفي هذا كلّه نظر ، بل في هذا السياق دليل على أنه كان في موكبه راكباً في خيوله وفرسانه لا كما زعمه بعضهم من أنه كان إذ ذاك (١) في ط : عن أبي يعقوب القمي . ويعقوب بن عبد الله بن سعد القمي ، توفي بقزوين سنة ( ١٧٤ هـ ) . والقُمي ، بضم القاف ، وتشديد الميم المكسورة نسبة إلى ( قُم ) ، بلدة بين أصبهان وساوة ، في فارس. الأنساب (٢٢٨/١٠). تاريخه (٢٢ / ٢٣٢) . (٢) زاد في ط : والشياطين !؟. (٣) في تفسير ابن كثير : حرس . بالحاء المهملة . ونقل الخبر فيه عن ابن عساكر . (٤) (٥) تفسير ابن كثير ( ٣٥٩/٣). ١٧٩ قصة سليمان بن داود عليهما السلام على البساط ، لأنه لو كان كذلك لم ينل النملَ منه شيء ولا وطْء ؛ لأن البساط كان يكون عليه جميع ما يحتاجون إليه من الجيوش والخيول والجمال والأثقال والخيام والأنعام ، والطير من فوق ذلك كله ، كما سنبينه بعد ذلك إن شاء الله تعالى . والمقصود أن سليمان عليه السلام فهم ما خاطبت به تلك النملة لأُمَّتها من الرأي السديد والأمر الحميد ، وتبسّم من ذلك على وجه الاستبشار والفرح والسرور بما أطلعه الله عليه دون غيره . وليس كما يقوله بعض الجهلة من أن الدواب كانت تنطق قبل سليمان، وتخاطب الناس ، حتى أخذ عليهم سليمان بن داود العهدَ، وألجمها ، فلم تتكلّم مع الناس بعد ذلك ، فإن هذا لا يقوله إلا الذين لا يعلمون ، ولو كان هذا هكذا ، لم يكن لسليمان في فهم لغاتها مزية على غيره ، إذ قد كان الناس كلّهم يفهمون ذلك ، ولو كان قد أخذ عليها العهد أن لا تتكلم مع غيره وكان هو يفهمها، لم يكن في هذا أيضاً فائدة يعوّل عليها١) . ولهذا قال: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِىّ﴾ أي ألهمني وأرشدني ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَِّىِّ أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَى وَلِدَىَ وَأَنْ أَعْمَلَ صَلِحًا تَرْضَنْهُ وَأَدْخِلْنِى بِرَحُمَتِكَ فِ عِبَادِكَ الصَّلِحِينَ﴾. فطلب من الله أن يقيّضه للشكر على ما أنعم به عليه ، وعلى ما خصّه به من المزيّة على غيره ، وأن ييسّر عليه العمل الصالح ، وأن يحشره إذا توفاه مع عباده الصالحين . وقد استجاب الله تعالى له . والمراد بوالديه : داود عليه السلام وأمه ، وكانت من العابدات الصالحات ، كما قال سُنيد بن داود، عن يوسف بن محمد بن المنكدر، عن أبيه ، عن جابر، عن النبي رَ لِّ قال: ((قالَتْ أمُّ سُلَيمان بنِ داودَ : يا بنيَّ لا تُكْثِرِ النَّوْمَ باللَّيلِ، فإن كثرةَ النومِ بالليلِ تَدَعُ العبدَ فَقِيراً يومَ القِيامة)). رواه ابن ماجه(٢) عن أربعة من مشايخه ، عنه ، به ، نحوه . وقال عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزُّهري : إن سليمان بن داود عليه السلام خرج هو وأصحابه يستسقون ، فرأى نملة قائمةً رافعة إحدى قوائمها تستسقي ، فقال لأصحابه : ارجعوا فقد سُقيتم ، إن هذه النملة استسقت فاستُجيب لها . قال ابن عساكر(٣) : وقد رُوي مرفوعاً، ولم يذكر فيه سليمان، ثمّ ساقه من طريق محمد بن عزيز ، عن سلامة بن روح بن خالد ، عن عقيل ، عن ابن شهاب ، حدّثني أبو سلمة عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله (١) ورد مثل هذا في تفسيره (٣٥٨/٣). وزاد هنا في ب : فأما الحديث الذي رواه الطبراني من طريق زيد بن بكر بن حبيش ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن ابن مسعود أنهم عرضوا رقبة الحمار على رسول الله وَله بسم الله سحنة قرنبة ملحة بحر قمطا فقال : هذه مواثيق أخذها سليمان بن داود على الهوام ، ولا أرى بها بأساً . فإنه حديث غريب ولا يخلو من نكارة . والله أعلم . وبتقدير صحته أخذ على الهوام ، وهي ذوات السموم ، وكانت العهود والمواثيق أنه لا تؤذين أحداً من البشر ، وليس المراد أن لا تخاطبي أحداً . (٢) سنن ابن ماجه رقم (١٣٣٢) في إقامة الصلاة، باب ما جاء في قيام الليل، وإسناده ضعيف. (٣) تاريخه (٢٨٨/٢٢) . ١٨٠ قصة سليمان بن داود عليهما السلام وَلَم يقول: «خَرجَ نبيٌّ منَ الأنبياءِ بالناسِ يَسْتَسْقِونَ الله، فإذا هُم بِنَملةٍ رافعة بَعضَ قوائمها إلى السماء، فقال النبي: ارجِعُوا فَقَدِ اسْتُجِيْبَ لَكُم مِنْ أَجْلِ هذهِ النملةِ)(١). وقال السدي : أصاب الناس قحطٌ على عهد سليمان عليه السلام ، فأمر الناس فخرجوا ، فإذا بنملة قائمة على رجليها باسطة يديها وهي تقول : اللهمَّ إنا خلقٌ من خلقك ولا غناء بنا عَنْ فَضْلِكَ ، قال : فصب الله عليهم المطر . قال تعالى: ﴿ وَتَفَقَّدَ الطّيْرَ فَقَالَ مَالِىَ لَّ أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَّبِينَ ﴿قَالَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَاذْبَنَّهُ أَوْ لَيَأْنِيَنِّى بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ﴿ فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطِتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ، وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنٍَ يَقِينٍ (٥) إِ وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَىْءٍ وَلَهَا عَرْشُ عَظِيمٌ ﴿ وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ ﴿ أَلَّا يَسْجُدُواْ لِلَّهِ الَّذِى يُخْرِجُ الْخَبَْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٤) اَللَّهُ لَآَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ! ◌َ اذْهَب بِكِتَبِى هَذَا فَأَلْفِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّتَوَلَّ عَنْهُمْ فَنْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ ﴾ اُلْكَذہینَ ◌َ قَالَتْ يَتُهَا الْمَلَوُاْ إِّ أُلْفِىَ إِلَىَّ كِتَبُ كَرِيم إِنَّهُ مِن سُلَيْمَنَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) أَّ تَعْلُواْ عَلَىَّ وَأَّتُونِ مُسْلِمِينَ (ثَ قَالَتْ يَأَيُّهَا الْمَلَوُاْ أَفْتُونِىِ فِىِّ أَمْرِى مَا كُنتُ قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوَ إِذَا دَخَلُواْ فَاطِعَةً أَمَّا حَتَّى تَشْهَدُونِ (٦) قَالُواْ نَحْنُ أُوْلُواْ قُوَّةٍ وَأُوْلُواْ بَأْسِ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِى مَاذَا تَأْمُرِينَ إِلَ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُواْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَزِلَّةٌ وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٢) وَإِنِّي مُرْسِلَةُ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (٦] ◌َمَا ◌َجَآءَ سُلَيْمَنَ قَالَ أَتْمُِّونَنِ بِمَالٍ فَمَآ ءَاتَنْنِءَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّعَآ ءَاتَنَكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَتِكُمْ نَفْرَهُونَ (٢) آرْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَتَأْنِنَّهُمْ بِحُنُودٍ لَّ قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِ حَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَغِرُونَ ﴾ [ النمل: ٢٠ - ٣٧]. يذكر تعالى ما كان من أمر سليمان والهدهد ، وذلك أن الطيور كانت على كلِّ صنف منها مقدمون يقومون بما يطلب منهم ، ويحضرون عنده بالنوبة كما هي عادة الجنود مع الملوك ، وكانت وظيفة الهدهد - على ما ذكره ابن عباس وغيره - أنهم كانوا إذا أعوزوا الماء في القفار في حال الأسفار يجيء فينظر لهم هل بهذه البقاع من ماء ، وفيه من القوة التي أودعها الله تعالى فيه أن ينظر إلى الماء تحت تخوم الأرض ، فإذا دلّهم حفروا عنه ، واستنبطوه ، وأخرجوه ، واستعملوه لحاجتهم . فلما تطلبه سليمان عليه السلام ذات يوم فقده، ولم يجده في موضعه من محلّ خدمته ﴿فَقَالَ مَالِى لَآ أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَآَبِينَ﴾ أي : ماله مفقودٌ من هاهنا أو قد غاب عن بصري فلا أراه بحضرتي؟ ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ توعّده بنوع من العذاب اختلف المفسرون فيه ، والمقصود حاصل على كلِّ تقدير، ﴿أَوْ لَأَ اذْبَجَنَّهُ، أَوْ لَيَأْنِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ﴾ أي بحجّة تنجيه من هذه الورطة . قال الله تعالى: ﴿ فَمَكَثَ غَيّرَ بَعِيدٍ﴾. أي: فغاب الهدهدُ غيبةً ليست بطويلةٍ ثم قدم منها (١) وأخرجه الحاكم وغيره ، وهو ضعيف .