النص المفهرس
صفحات 61-80
٦١
ما كان من أمر بني إسرائيل بعد هلاك فرعون
عبد الرزاق ، حدثنا مَعْمَر، عن الزُّهْري، عن سِنان الدِّيلي (١)، عن أبي واقد اللَّيثي قال : خرجنا مع
رسول الله وَ لّ قبل حُنَيْن، فمررنا بسِدْرَة٢ُ) ، فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما للكفار ذات
أنواط، وكان الكفار ينوطون سلاحهم بسدرة ويعكفون حولها، فقال النبي وَّةٍ: «اللهُ أَكْبَرُ! هذا كَما
قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى ﴿ أَجْعَل لَّنَ إِلَهَا كَمَالَمْءَالِهَةٌ﴾ إِنَّكُمْ تَرْكَبُونَ سُنَنَ الذيْنَ مِنْ قَبْلِكُمْ)).
ورواه النسائي(٣) عن محمد بن رافع ، عن عبد الرزاق(٤) ، به .
ورواه الترمذي(٥) ، عن سعيد بن عبد الرحمن المخزومي ، عن سفيان بن عيينة ، عن الزهري ، به .
ثم قال : حسن صحيح .
وقد روى ابن جرير(٦) من حديث محمد بن إسحاق ومَعْمر ، وعقيل ، عن الزهري ، عن سنان بن
أبي سنان، عن أبي واقد الليثي أنّهم خرجوا من مكة مع رسول الله وَ لَه إلى حُنَيْنُ(٧)، قال: وكان للكفار
سِدرة يعكُفون عندها ويعلِّقون بها أسلحتهم يقال لها : ذات أنواط ، قال فمررنا بسدرةٍ خضراءَ عظيمةٍ ،
قال : فقلنا : يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. قال: ((قُلْتُم - وَالذي نَفْسِي بِيَدِهِ -
كما قَالَ قَوْمُ مُوسَى لموسَى: ﴿ أَجْعَل لَّنَ إِلَهَا كُمَالَهُمْءَالِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (٢) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرُ مَّا هُمْ فِيهِ وَنَطِلٌ
مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾)).
والمقصود أنّ موسى عليه السلام لما انفصل من بلاد مصر، وواجه بلاد بيت المقدس، وجد فيها قوماً
من الجبارين من الحيثانيين والفزاريين والكنعانيين وغيرهم ، فأمرهم موسى عليه السلام بالدخول عليهم .
ومقاتلتهم وإجلائهم إياهم عن بيت المقدس ، فإن الله كتبه لهم ، ووعدهم إيّاه على لسان إبراهيم الخليل
وموسى الكليم الجليل ، فأبَوا ونكلوا عن الجهاد ، فسلّط الله عليهم الخوف ، وألقاهم في التيه يسيرون
ويحلّون ويرتحلون ويذهبون ويجيئون في مدّة من السنين طويلة، هي من العدد أربعون، كما قال الله تعالى
وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ، يَقَوْمِ أَذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيَكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ تُلُوكَّا وَءَاتَنَكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا
مِّنَ الْعَلَمِينَ ﴿ يَقَوْمِ ادْ خُلُواْ الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَنْئَدُواْ عَلَى أَذْبَرِكُمْ فَنْقَلِبُواْ خَسِرِ ينَ ﴿ قَالُواْيَمُوسَى
قَالَ رَجُلَانِ مِنَ اُلَّذِينَ
إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ الأ
(١) الدِّيلي، بكسر الدال المهملة وسكون الياء، وكسر اللام. لغة في الدؤلي. اللباب (٥١٤/١) الدؤلي.
(٢) السِّدْر : شجر النبق.
في تفسيره (٢٠٥)، وهو في الكبرى (١١١٨٥).
(٣)
(٤)
وهو في مصنفه (٢٠٧٦٣) .
في الفتن من جامعه (٢١٨٠) .
(٥)
(٦) تفسيره (٩/ ٣١).
(٧) في المطبوع: ((خيبر)) خطأ، والصواب ما أثبتناه، وينظر تعليق الدكتور بشار على طبعته في جامع الترمذي (٤/ ٥٠).
٦٢
ما كان من أمر بني إسرائيل بعد هلاك فرعون
يَخَافُونَ أَنْعَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا آدْ خُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَّ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَلِبُونَّ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
قَالُواْ يَمُوسَىّ إِنَّا لَن نَّدْ خُلَهَا أَبَدَّأُ مَّا دَامُواْ فِيهَا فَأَذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَتِلَا إِنَّاهَهُنَا فَعِدُونَ (٤) قَالَ رَبِّ إِ لَآ أَمْلِكُ
إِلَّا نَفْسِى وَأَخِىّ فَأَفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَسِقِينَ ﴿٢، قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةُ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِيْنَ سَنَةٌ يَتِيهُونَ فِ الْأَرْضَِّ فَلا
تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَسِقِينَ﴾ [ المائدة: ٢٠ -٢٦].
يذكّرهم نبيُّ الله نعمةَ الله عليهم، وإحسانه إليهم بالنعم الدينية والدنيوية، ويأمرهم بالجهاد في سبيل الله
ومقاتلة أعدائه فقال: ﴿يَقَوْمِ ادْخُلُواْ الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِى كَنَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْنَدُواْ عَلَى أَذْبَارِكُمْ﴾ أي: تنكصوا على
أعقابكم وتنكلوا عن قتال أعدائكم، ﴿فَنَنْقَلِبُواْ خَسِرِينَ﴾ أي: فتخسروا بعد الربح، وتنقصوا بعد الكمال.
قَالُواْ يَمُوسَىّ إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ أي: عتاة كفرة متمردين ﴿ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنِ
يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾. خافوا من هؤلاء الجبارين ، وقد عاينوا هلاك فرعون وهو أجبر من هؤلاء
وأشد بأساً وأكثر جمعاً وأعظم جنداً، وهذا يدلّ على أنّهم ملومول(١) في هذه المقالة ، ومذمومون على
هذه الحالة من الذلّة عن مصاولة الأعداء ومقاومة المَرَدة الأشقياء .
وقد ذكر كثيرٌ من المفسّرينُ(٢) هاهنا آثاراً فيها مجازفاتٌ كثيرةٌ باطلةٌ ، يدلّ العقل والنقل على
خلافها ، من أنهم كانوا أشكالاً هائلة ضخاماً جداً ، حتى إنهم ذكروا أن رُسَل بني إسرائيل لما قدموا عليهم
تلقَّاهم رجل من رسل الجبارين، فجعل يأخذهم واحداً واحداً ويلفُّهمُ(٣) في أكمامه وحجزة سراويله(٤) ،
وهم اثنا عشر رجلاً ، فجاء بهم فنثرهم بين يدي ملك الجبّارين ، قال : ما هؤلاء؟ ولم يعرف أنّهم من بني
آدم حتى عرفوه . وكل هذه هذيانات وخرافات لا حقيقة لها ، وأن الملك بعث معهم عنباً ، كل عنبة تكفي
الرجل ، وشيئاً من ثمارهم ليعلموا ضخامة أشكالهم . وهذا ليس بصحيح .
وذكر هاهنا أن عوج بن عنق خرج من عند الجبارين إلى بني إسرائيل ليهلكهم ، وكان طوله ثلاثة
آلاف ذراع وثلاثمئة ذراع وثلاثة وثلاثين ذراعاً وثلث ذراع ، هكذا ذكره البغوي وغيره ، وليس بصحيح
كما قدمنا بيانه٥) عند قوله وَّل: ((إنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ طُوُله ◌ِتُونَ ذِراعاً))، ثمّ لم يزل الخلق ينقص حتى
الآن . قالوا : فعمد وج إلى قلة جبل(٦) فاقتلعها ، ثمّ أخذها بيديه ليلقيها على جيش موسى ، فجاء طائر
فنقر تلك الصخرة فخرقها ، فصارت طوقاً في عنق عوج بن عنق ، ثمّ عمد موسى إليه فَوتَب في الهواء
(١) كذا في ب، وط . وأ: ملزمون.
(٢)
انظر القرطبي وابن كثير .
(٣)
في ب : ويجعلهم .
حُجْزة السراويل : موضع التكّة .
(٤)
في الجزء الأول من هذا الكتاب ، في الأحاديث الواردة في خلق آدم .
(٥)
في ط : قمة . والقلّة: أعلى الجبل ، وقلة كل شيء : أعلاه .
(٦)
٦٣
ما كان من أمر بني إسرائيل بعد هلاك فرعون
عشرة أذرع ، وطوله عشرة أذرع ، وبيده عصاه وطولها عشرة أذرع ، فوصل إلى كعب قدمه فقتله .
يروى هذا عن نوف (١) البِكَالي، ونقله ابن جرير(٢) عن ابن عباس . وفي إسناده إليه نظر. ثم هو مع
هذا كله من الإسرائيليات ، وكل هذه من وضع جهال بني إسرائيل ، فإن الأخبار الكذب قد كثرت عندهم
ولا تمييز لهم بين صحتها وباطلها . ثمّ لو كان هذا صحيحاً لكان بنو إسرائيل معذورين في النكول عن
قتالهم ، وقد ذمّهم الله على نكولهم ، وعاقبهم بالتيه على ترك جهادهم ومخالفتهم رسولهم ، وقد أشار
عليهم رجلان صالحان منهم بالإقدام ، ونهياهم عن الإحجام . ويقال : إنهما يوشع بن نون وكالب بن
يوقنا ، قاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة وعطية والشُّدّي والربيع بن أنس وغير واحد (٣)
قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ أي يخافون الله، وقرأ بعضهمُ(٤): ﴿يُخافون﴾ أي: يهابون
﴿أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ أي: بالإسلام والإيمان والطّاعة والشجاعة: ﴿ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَّ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ
فَإِنَّكُمْ غَلِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَّكَّلُواْ إِن كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ أي: إذا توكلتم على الله واستعنتم به ولجأتم إليه نصركم
على عدوّكم وأيّدكم عليهم وأظفركم بهم .
﴿ قَالُواْ يَمُوسَىّ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدَأَ مَا دَامُواْ فِيهَا فَأَذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَتِلَآ إِنَّا هَهُنَا فَعِدُونَ ﴾ فصمّم
ملؤهم على النكول عن الجهاد ، ووقع أمرٌ عظيمٌ وَوَهَنٌ كبيرٌ . فيقال: إن يوشع وكالب لمّا سمعا هذا
الكلام شقّا ثيابهما ، وإنّ موسى وهارون سَجدا إعظاماً لهذا الكلام وغضباً لله عزَّ وجلَّ وشفقةً عليهم من
وبيل هذه المقالة .
﴿ قَالَ رَبٍّ إِنِّي لَآ أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِى وَأَخِىٌّ فَأَفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ اٌلْقَوْمِ اَلْفَسِقِينَ﴾ قال ابن عباس : اقض بيني
وبينهمُ(٥) . ﴿ قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةُ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَّةٌ يَتِيهُونَ فِ الْأَرْضَِّ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ اَلْفَسِقِينَ﴾ عوقبوا
على نكولهم بالتيهان في الأرض ، يسيرون إلى غير مقصد ليلاً ونهاراً وصباحاً ومساءً ، ويقال : إنّه لم
يخرج أحدٌ من التيه ممن دخله ، بل ماتوا كلّهم في مدة أربعين سنة ، ولم يبق إلّ ذراريهم ، سوى يوشع
وكالب عليهما السلام .
لكن أصحاب محمد يوم بدر لم يقولوا له كما قال قوم موسى لموسى ، بل لما استشارهم في الذهاب
(١) في الأصل ((عوف))، وهو تحريف، وهو نَوْفٍ بن فَضَالة البِكالي، ابن امرأة كعب ، مات بعد سنة ( ٩٠هـ) . قال
في تقريب التهذيب : شامي مستور ، وإنما كذّب ابن عباس ما رواه عن أهل الكتاب (٣٠٩/٢) . والبكالي : نسبة
إلى بني بِكال ، بطن من حمير . اللباب (١٦٨/١) ، ولا نعرف في الرواة من اسمه عوف البكالي .
(٢)
(٣)
تاريخ الطبري ( ٤٣١/١).
تفسير الطبري ( ١١٣/٦).
هي قراءة ابن عباس ، ومجاهد وسعيد بن جبير. تفسير الطبري (١١٣/٦ - ١١٤) والبحر المحيط (١٢٣/١).
(٤)
(٥) تفسير الطبري (١١٦/٦).
٦٤
ما كان من أمر بني إسرائيل بعد هلاك فرعون
إلى النفير تكلّم الصِّدِّيقُ فأحْسَنَ، وغيره من المهاجرين، ثم جعل يقول: ((أشِيْرُوا عَلَيَّ)) حتى قال سعدُ بن
مُعاذ : كأنك تُعَرِّض بنا يا رسول الله ، فوالذي بعثك بالحق (١) لو استعرضتَ بنا هذا البحر فخضته لخضناه
معك، ما تخلّف منّا رجلٌ واحدٌ، وما نكره أن تلقى بنا عدوّنا غداً، إنّا لصبرٌ في الحرب، صُدُق في اللِّقاء،
لعلّ اللهَ يريكَ منّا ما تَقَرُّ به عينُك. فَسِرْ بنا على بركة الله. فَسُرَّ رسول الله وَ لَّهِ بقول سعد وبسطه ذلك(٢).
وقال الإمام أحمد (٣): حدَّثنا وكيع، حدّثنا سفيان، عن مخارق بن عبد الله الأخمسي(٤) ، عن
طارق - هو ابن شهاب - أن المِقْداد قال لرسول الله م # يوم بدر: يا رسول الله إنّا لا نقول لك كما قالت بنو
إسرائيل لموسى: ﴿ فَأَذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَتِلَآ إِنَّا هَهُنَا فَعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] ولكن : اذهب أنت
وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون .
وهذا إسنادٌ جيِّدٌ من هذا الوجه ، وله طريق(٥) أخرى: قال أحمد(٦) : حدّثنا أسود بن عامر، حدّثنا
إسرائيل ، عن مخارق ، عن طارق بن شهاب قال : قال عبد الله بن مسعود : لقد شهدت من المقداد
مشهداً لأن أكون أنا صاحبه (٧) أحبّ إليَّ مما عدل به، أتى رسول الله بَل وهو يدعو على المشركين،
قال: والله يا رسول الله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﴿فَأَذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَتِلَا إِنَّاهَهُنَا
فَعِدُونَ﴾ ولكنّا نقاتل عن يمينك وعن يسارك، ومن بين يديك ومن خلفك. فرأيتُ وجه رسول الله وَله
يُشْرِق لذلك ، وسُزَّ بذلك. رواه البخاري في التفسير، والمغازي من طرق، عن مخارق، به(٨).
وقال الحافظ أبو بكر بن مَردويه : حدّثنا علي بن الحسن بن علي ، حدثنا أبو حاتم الرازي ، حدثنا
محمد بن عبد الله الأنصاري ، حدثنا حميد ، عن أنس: أن رسول الله وَ لير لما سار إلى بدر استشار
المسلمين ، فأشار عليه عمر ، ثم استشارهم فأشار عليه عمر ، ثم استشارهم ، فقالت الأنصار : يا معشر
الأنصار إيّاكم يريدُ رسول الله وَ له. قالوا: إذاً لا نقول له كما قال بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَأَذْهَبْ أَنْتَ
وَرَبُّكَ فَقَتِلَا إِنَّاهَهُنَا قَعِدُونَ﴾ والذي بعثك بالحق إن ضربتَ أكبادَها إلى بَرْك الغِمَادُ(٩) لاتّبعناك.
(١) كذا في ب ، وط . وفي أ: فوالذي نفسي بيده.
(٢)
انظر سيرة ابن هشام . غزوة بدر .
(٣)
في مسنده (٣١٤/٤).
( الأَحْمَسِي ) : نسبة إلى أحمس ، وهي طائفة من بجيلة نزلوا الكوفة . الأنساب ( ١٤٦/١).
(٤)
(٥)
في ط : طرق .
(٦)
في مسنده (٣٩٠/١) .
(٧)
في ب : لأن أكون صاحبه .
(٨) قوله: به ، ليس في ب . والحديث في البخاري برقم (٣٩٥٢) في المغازي، باب قوله تعالى ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ
فَأَسْتَجَابَ لَكُمْ﴾، و(٤٦٠٩)، في التفسير سورة المائدة، باب ﴿ فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَتِلَاً﴾.
(٩) في حاشية ب : برك الغماد : مدينة النجاشي ملك الحبشة .
وقيل : هو موضع وراء مكة بخمس ليال مما يلي البحر . وموضع في أقاصي أرض هجر . وقيل : هو أقصى حَجْر=
٦٥
دخول بني إسرائيل التيه
ورواه الإمام أحمد عن عبيدة بن حميد ، عن حميد الطويل ، عن أنس (١) ، ورواه النسائي عن
محمد بن المثنى ، عن خالد بن الحارث ، عن حميد ، عن أنس ، به نحو(٢) .
وأخرجه ابن حبّان في ((صحيحه (٣) عن أبي يعلى (٤) ، عن عبد الأعلى بن حمّاد ، عن معتمر ، عن
حميد عن أنس ، به نحوه .
--
***
فصل
في دخول بني إسرائيل التِّيه ومَا جرى لهم من الأمور العجيبة(٥)
قد ذكرنا نكول بني إسرائيل عن قتال الجبّارين ، وأن الله تعالى عاقبهم بالتيه ، وحكم بأنّهم
لا يخرجون منه إلى أربعين سنة ، ولم أرَ في كتاب أهل الكتاب قصّة نكولهم عن قتال الجبّارين ، ولكن(٦)
فيها أن يوشع جهّزه موسى لقتال طائفةٍ من الكفّار، وأن موسى وهارون وخور(٧) جلسوا على رأس أَكَمَةٍ ،
ورفع موسى عصاه ، فكلّما رفعها انتصرَ يوشَعُ عليهم ، وكلّما مالت يدُه بها من تعبٍ أو نحوِه غلبهم
أولئك ، وجعل هارون وخور يدعَمان يديه عن يمينه وشماله ذلك اليوم إلى غروب الشمس ، فانتصر
حزب يوشع عليه السلام .
وعندهم: أن يثرون كاهن مدين وخَتَ(٨) موسى عليه السلام بلغه ما كان من أمر موسى ، وكيف
أظفره الله بعدوّه فرعون، فقدم على موسى مسلماً ، ومعه ابنته صفُّور(٩) زوجة موسى وابناها منه جِرْشُون
باليمن . معجم البلدان .
=
(١) المسند (١٠٥/٣ و١٨٨).
أخرجه في السير (٨٥٨٠) والمناقب (٨٣٤٨)، والتفسير (١١١٤١) من سننه الكبرى.
(٢)
(٣)
ابن حبان ( ٤٧٢١ ).
وهو في مسنده ( ٣٨٠٣) وهو حديث صحيح .
(٤)
كذا في الأصل ، وفي ب : فصل في دخول بني إسرائيل التيه وما جرى لهم فيه .. وفي ط : دخول بني إسرائيل التيه
(٥)
وما فيه من الأمور العجيبة .
(٦) وردت هذه القصة في العهد القديم ، سفر الخروج ، الإصحاح السابع عشر.
(٧)
كذا في أصولنا . ( خور ) بالخاء المعجمة . وفي العهد القديم : ( حور ) بالمهملة .
الخَتَنُ : أبو امرأة الرجل ، وأخو امرأته ، وكل من كان من قبل امرأته . والجمع: أختان ، والأنثى خَتَنَة .
(٨)
اللسان .
وهذا الخبر في سفر الخروج ، الإصحاح الثامن عشر .
(٩) كذا في أصولنا . وفي العهد القديم : صفورة.
٦٦
دخول بني إسرائيل التيه
وعازر(١) ، فتلقّاه موسى وأكرمه ، واجتمع به شيوخ بني إسرائيل وعظّموه وأجلُّوه .
وذكروا أنّه رأى كثرة اجتماع بني إسرائيل على موسى في الخصومات التي تقع بينهم ، فأشار على
موسى أن يجعل على الناس رجالاً أمناء أتقياء أعفّاء ، يبغضون الرِّشَا والخيانة ، فيجعلهم على الناس
رؤوس ألوف ، ورؤوس مئين ، ورؤوس خمسين ، ورؤوس عشرة ، فيقضون بين الناس ، فإذا أشكل
عليهم أمر جاؤوك ففصلْتَ بينهم ما أشكل عليهم ، ففعل ذلك موسى عليه السلام .
قالو(٢) ودخل بنو إسرائيل البرية عند سيناء في الشهر الثالث من خروجهم من مصر، وكان خروجهم في
أوّل السنة التي شُرِعت لهم، وهي أول فصل الربيع، فكأنهم دخلوا التيه في أول فصل الصيف والله أعلم.
قالو(٣) ونزل بنو إسرائيل حول طور سيناء وصَعِد موسى الجبلَ فكلّمه ربُّه ، وأمره أن يذكّر بني إسرائيل
ما أنعم الله به عليهم من إنجائه إيّاهم من فرعون وقومه ، وكيف حملهم على مثل جناحَي نسرٍ من يده
وقبضته ، وأمره أن يأمر بني إسرائيل بأن يتطّهروا ويغتسلوا ويغسلوا ثيابَهم ، وليستعدّوا إلى اليوم الثالث ،
فإذا كان في اليوم الثالث فليجتمعوا حول الجبل ولا يقتربنَّ أحدٌ منهم إليه ، فمن دنامنه قُتِل ، حتى
ولا شيء من البهائم ماداموا يسمعون صوت القرن ، فإذا سكن القرن فقد حلّ لكم أن ترتقوه٤) ؛ فسمع بنو
إسرائيل ذلك ، وأطاعوا ، واغتسلوا ، وتنظّفوا ، وتطيّوا ، فلما كان اليوم الثالث ركب الجبلَ غمامةٌ
عظيمةٌ وفيها أصواتٌ وبروقٌ وصوت الصور شديدٌ جداً ، ففزع بنو إسرائيل من ذلك فزعاً شديداً ، وخرجوا
فقاموا في سفح الجبل ، وغشي الجبلَ دخانٌ عظيمٌ في وسطه عمود نور ، وتزلزل الجبل كلّه زلزلةً
شديدةٌ ، واستمر صوت الصور - وهو البوق(٥) - واشتد ، وموسى عليه السلام فوق الجبل والله يكلِّمه
ويناجيه ، وأمر الربّ عز وجل موسى أن ينزل فيأمر بني إسرائيل أن يقتربوا من الجبل ليسمعوا وصيّة الله ،
ويأمر الأحبار - وهم علماؤهم - أن يدنوا فيصعدوا الجبل ليتقدّسو(٦) بالقرب ، وهذا نص في كتابهم على
وقوع النسخ لا محالة ، فقال موسى : يا رب إنّهم لا يستطيعون أن يَصْعدوه ، وقد نَهيتَهم عن ذلك ،
فأمره الله تعالى أن يذهب فيأتي معه بهارون أخيه ، وليكن الكهنة - وهم العلماء - والشعب - وهم بقية بني
إسرائيل - غير بعيد ففعل موسى ، وكلَّمه ربّه عز وجل فأمره حينئذٍ بالعشر كلمات .
(١) في المصدر السابق : جرشوم؛ لأنه قال : كنت نزيلاً في أرض غريبة . واسم الآخر : أليعازر ؛ لأنه قال : إلّه أبي
كان عوني وأنقذني من سيف فرعون .
(٢)
في سفر الخروج ، الإصحاح التاسع عشر .
(٣)
في المصدر السابق نفسه .
في العهد القديم : أما عند صوت البوق فهم يصعدون إلى الجبل .
(٤)
(٥)
في ب : وهو القرن .
(٦) في ط : ليتقدموا .
٦٧
دخول بني إسرائيل التيه
وعندهمُ(١) أن بني إسرائيل سمعوا كلام الله ، ولكن لم يفهموا حتى فهمهم موسى ، وجعلوا يقولون
الموسى : بلِّغنا أنتَ عن الرب عز وجل فإنا نخاف أن نموت ، فبلّغهم عنه ، فقال هذه العشر الكلمات
وهي : الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له ، والنّهي عن الحلف بالله كذباً، والأمر بالمحافظة على
السّبت ، ومعناه تفرُّغ يومٍ من الأسبوع للعبادة ، وهذا حاصل بيوم الجمعة الذي نسخ الله به السَّبت .
كرّم٢ُ) أباك وأمك ليطول عمرك بالأرض (٣) الذي يعطيك الله ربك، لا تقتل، لا تزن ، لا تسرق ،
لا تشهد على صاحبك شهادة زور ، لا تمدّ عينك إلى بيت صاحبك، ولا تشْتَهِ امرأة صاحبك ولا عبده
ولا أَمته ولا ثورَه ولا حمارَه ولا شيئاً من الذي لصاحبك ، ومعناه النّهي عن الحسد .
وقد قال كثيرٌ من علماء السلف وغيرهمُ(٤) : مضمون هذه العشر الكلمات في آيتين من القرآن ، وهما
قوله تعالى في سورة الأنعام ﴿﴿قُلْ تَعَالَوَاْ أَثْلُ مَا حَزَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُواْ بِهِ، شَيْئًا وَبِالْوَلِدَيْنِ
إِحْسَنَّاً وَلَا تَقْتُلُواْ أَوْلَدَكُمْ مِنْ إِمْلَنٍّ ◌َخْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِنَاهُمٌّ وَلَا تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنٌ
وَلَا تَقْخُلُواْ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقّ ذَلِكُمْ وَضَّنَكُمْ بِهِ، لَعَلَّكُمْ نَعْقِلُونَ (١٥) وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ الْيَقِيِ إِلَّا بِلَتِى هِىَ أَحْسَنُ
حَّى يَبْلُغَ أَشُدَّةٍ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَاَلْمِيزَانَ بِالْقِسْطِّ لَا تُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَأَعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ
اللَّهِ أَوْ فُواْ ذَلِكُمْ وَصَّنَكُمْ بِهِ، لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥) وَأَنَّ هَذَا صِرَّطِى مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ... ) الآية [: ١٥١ - ١٥٣].
وذكروا بعد العشر الكلمات وصايا كثيرةً وأحكاماً متفرّقةً عزيزةً كانت فزالت ، وعملت بها حيناً من
الدهر ، ثمّ طرأ عليها عصيانٌ من المكلّفين بها ، ثمّ عمدوا إليها فبدّلوها وحَرَّفوها وأوَّلوها . ثمّ بعد ذلك
كلّه سَلَبوها فصارت منسوخةً مبدَّلة بعد ما كانت مشروعةً مكملة ، فلله الأمر من قبلُ ومن بعدُ ، وهو الذي
يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد ، ألا له الخَلْقُ والأمر ، تبارك الله ربُّ العالمين .
وقد قال الله تعالى: ﴿يَبَنِيّ إِسْرَِّيَلَ قَدْ أَنْجَيِّنَكُم مِّنْ عَدُوِّكُمْ وَعَدْفَكُ جَاِبَ الُورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَ
وَالسَّلْوَىّ ﴿ كُلُوْ مِن طَيْبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ وَلَا تَطْغَوْ فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِىٌّ وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِى فَقَدْ هَوَى (٨) وَإِ لَغَفَّارٌ
لِمَنْ تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ أَهْتَدَى ﴾ [ طه: ٨٠ -٨٢]
يذكر تعالى منّته وإحسانه إلى بني إسرائيل بما أنجاهم من أعدائهم ، وخلّصهم من الضيق والحرج ،
وأنه وعدهم صحبة نبيهم كليمه إلى جانب الطور الأيمن ؛ أي : منهم ، لينزّل عليه أحكاماً عظيمةً فيها
مصلحةٌ لهم في دنياهم وأخراهم ، وأنّه تعالى أنزل عليهم في حال شدَّتهم وضرورتهم في سفرهم في
(١) سفر الخروج ، الإصحاح العشرون .
كذا في أ، وب . وفي ط : أكرم ، وكذلك لفظ العهد القديم .
(٢)
(٣)
في ب ، وط : في الأرض . وفي العهد القديم : على الأرض .
(٤) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٣٨١/٣).
٦٨
دخول بني إسرائيل التيه
الأرض التي ليس فيها زرع ولا ضرع منّاً من السماء يصبحون فيجدونه خلال بيوتهم ، فيأخذون منه قدر
حاجتهم في ذلك اليوم إلى مثله من الغد ، ومن ادّخر منه لأكثر من ذلك فسد . ومن أخذ منه قليلاً كَفَاه ،
أو كثيراً لم يفضل عنه ، فيصنعون منه مثل الخبز وهو في غاية البياض والحلاوة ، فإذا كان من آخر النهار
غَشِيَهم طيرُ السَّلْوى ، فيقتنصون منه بلا كُلْفةٍ ما يحتاجون إليه بحسب كفايتهم لعشاهم ، وإذا كان فصل
الصيف ظلَّل الله عليهم الغمامَ ، وهو السّحاب الذي يستر عنهم حرّ الشمس وضوأها الباهر . كما قال
تعالى في سورة البقرة: ﴿ يَبَنِىّ إِسْرَِّيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِىَ اَلَِّىَّ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِىّ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِنَّىَ فَارْهَبُونِ
وَءَامِنُواْ بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُواْ أَوَّلَ كَفِرٍ بِّ، وَلَا تَشْتَرُواْ بِثَابَتِ ثَمَنَا قَلِيلًا وَإِيَّنَىَ فَأَنَّعُونِ ﴾ إلى أن قال:
: وَإِذْ نَّنَكُمْ مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَادِ يَُّ تِحُونَ أَبْنَاءَ كُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِ ذَالِكُمْ بَلَآءُ مِن رَّيِّكُمْ
عَظِيمٌ (٤) وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيَّنَكُمْ وَأَغَقْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ نَنْظُرُونَ (٥) وَإِذْ وَ عَدْنَا مُوسَى أَزْبَعِينَ لَيْلَةُ ثُمَّ أَخَذْتُمُ
اٌلْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَنْتُمْ ظَلِمُونَ ﴿٥َا ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُم مِّنْ بَعْدٍ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢) وَإِذْءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ وَالْفُرْقَانَ
◌َعَلَّكُمْ نَهْتَدُونَ ﴿٢َ وَ إِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ، يَقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِخَاذِ كُمُ الْمِعْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِيَكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ
ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِبِكُمْ فَنَابَ عَلَيْكُمَّ إِنَّهُ هُوَ النَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١) وَإِذْ قُلْتُمْ يَمُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةٌ
فَأَخَذَتْكُمُ الضَّعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴿ ثُمَّ بَعَثْنَكُم مِّنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿ وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا
عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىّ كُلُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ ... إلى أن قال:
﴿ وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ، فَقُلْنَا أَضْرِب بِعَصَاكَ الْحَجَرِّ فَأَنْفَجَرَتْ مِنْهُ أَثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنَّا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسِ
مَشْرَبَهُمَّ كُلُوا وَاشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْ فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (١) وَإِذْ قُلْتُمْ يَمُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَذِعُ لَنَا
رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِتَّآْبِهَا وَقُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِ لُونَ الَّذِى هُوَ أَدْنَى بِلَّذِى
هُوَ خَيَّ اهْبِطُواْ مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم ◌َا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِلَّهُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ
يَكْفُرُونَ بِشَايَتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِنَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُواْ يَعْتَدُونَ﴾ [٤٠ -٦١].
فذكر تعالى إنعامه عليهم ، وإحسانه إليهم بما يسَّر لهم من المَنِّ والسَّلوى طعامين شهيّين بلا كُلفةٍ
ولا سعيٍ لهم فيه ، بل ينزّل اللهُ المنَّ باكراً، ويرسل عليهم طير السلوى عشياً . وأنبع الماءَ لهم بضرب
موسى عليه السلام حَجَراً كانوا يحملونه معهم بالعصا فتفجر منه اثنتا عشرة عيناً ، لكل سِبْط عينٌ منه
تَنْبَجِس، ثمّ تتفجر ماءً زُلالًا فيستقون فيشربون (١) ويسقون دوابهم، ويدَّخرون كفايتهم . وظلّل عليهم
الغمامَ من الحرِّ ، وهذه نعمٌ من الله عظيمةٌ، وعطيّات جسيمةٌ ، فما رَعَوها حق رعايتها ، ولا قاموا
بشكرها وحق عبادتها ، ثمّ ضجر كثيرٌ منها، وتبرّموا بها، وسألوا أن يستبدلوا منها ببدلها ﴿مِمَّا تُنْتُ
اٌلْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِشَّابِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾ فقرَّعهم الكليمُ ووَخَهم وأنَّبَّهُم على هذه المقالة وعنَّفهم
(١) قوله : فيشربون . ليس في ط .
٦٩
سؤال الرؤية
قائلاً ﴿ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِى هُوَ أَدْنَ بِلَّذِي هُوَ خَّرُّ أَهْبِطُواْ مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ﴾ أي: هذا الذي
تطلبونه وتريدونه ، بدل هذه النعم التي أنتم فيها ، حاصلٌ(١) لأهل الأمصار الصغار والكبار ، موجودٌ
بها ، وإذا هبطتم إليها ، أي : ونزلتم عن هذه المرتبة التي لا تصلحون لمنصبها ، تجدون بها ما تشتهون
وما ترومون مما ذكرتم من المآكل الدَّنِيَّةِ والأغذية الرديّة ، ولكني لست أجيبكم إلى سؤال ذلك هاهنا ،
ولا أبلّغكم ما تعنتم به من المنى ، وكل هذه الصفات المذكورة عنهم الصادرة منهم تدلّ على أنّهم لم
ينتهوا عما نهوا عنه ، كما قال الله تعالى ﴿وَلَا تَطْغَوْاْ فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِىٌّ وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِى فَقَدْ هَوَى ﴾
[طه ٨١] أي: فقد هلك، وحُقّ له - والله - الهلاكُ والدمار. وقد حَلّ عليه غضب الملك الجبّار ، ولكنه
تعالى مزج هذا الوعيد الشديد بالرجاء لمن أنابَ وتاب ، ولم يستمر على متابعة الشيطان المريد ، فقال :
﴿﴿ وَإِ لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ أَهْتَدَى ﴾ [ طه: ٨٢].
***
سؤال الرُّؤية
قال تعالى: ﴿﴿ وَوَ عَدْنَا مُوسَى تَكَثِينَ لَيْلَةُ وَأَتْمَمْنَهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةُ وَقَالَ مُوسَى
لِأَخِيهِ هَرُونَ أَخْلُفْنِى فِ قَوْمِى وَأَصْلِحْ وَلَا تَنَّبِعِ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ﴿ وَلَمَّا جَآءَ مُوسَى لِمِيقَدِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّ قَالَ رَبِّ أَرِِ
أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَئِ وَلَكِنِ أَنْطُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَبِيَّ فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَثًا
وَخَرَّ مُوسَى صَعِقَاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤) قَالَ يَمُوسَىّ إِنِّى أَصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ
بِسَلَتِ وَبِكَمِى فَخُذْ مَآ ءَاتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٤) وَكَتَبْنَا لَهُ فِى الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَىْءٍ مَّوْعِظَةً وَنَفْصِيلًاً لِّكُلِّ
شَىْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا سَأُؤْرِيِّكُمْ دَارَ الْفَسِقِينَ (٤) سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَتِىَ الَّذِينَ يَتَكَبُّونَ فِى الأَرْضِ
بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْأْ كُلَّ ءَايَةٍ لَّا يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْ سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ
سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَهُمْ كَذَّبُواْ بِشَايَئِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَفِينَ (١) وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِثَايَتِنَا وَلِقَاءِ الْآَخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمَّ هَلْ
يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٤٢ - ١٤٧].
قال جماعةٌ من السّلَف، منهم ابن عباس ومَسْروقٌ ومجاهد(٢) : الثلاثون ليلةً : هي شهر ذي القعدة
بكماله ، وأُتِمَّت أربعين ليلةً بعشر ذي الحجة ، فعلى هذا يكون كلام الله له يوم عيد النّحر ، وفي مثله
أكمل الله عَزَّ وجل لمحمد ◌َل دينه ، وأقام حججه وبراهينه .
والمقصود أنّ موسى عليه السلام لما استكمل الميقات وكان فيه صائماً ، يقال : إنّه لم يستطعم
(١) في ب : بل هذه النعم التي أنتم تطلبونها حاصلة لأهل ...
(٢) جمع هذه الأقوال الطبري في تفسيره (٩/ ٣٢ - ٣٣).
٧٠
سؤال الرؤية
بطعام ، فلما كَمُلَ الشهر أخذ لِحاء شجرةٌ(١) فمضغه ليطيب ريح فمه ، فأمر الله أن يُمْسِك عشراً أخرى
فصارت أربعين ليلةً . ولهذا ثبت في الحديث(٢) أن خُلُوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك(٣)
فلما عزم على الذهاب استخلف على شعب بني إسرائيل أخاه هارون المحبّب المبجّل الجليل ، وهو ابن
أمّه وأبيه ووزيره في الدعوة إلى مُصْطَفِيه، فوصّاه وأمره(٤) ، وليس في هذا لِعُلُوّ منزلته في نبوته منافاةٌ .
قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّاجَآءَ مُوسَى لِمِيقَئِنَا﴾ أي: في الوقت الذي أُمِر بالمجيء فيه، ﴿ وَكَلَّمَهُرَبُّهُ ﴾
أي : كلّمه الله من وراء الحجاب إلا أنّه أسمعه الخطابَ ، فناداه ، وناجاه ، وقرّبه ، وأدناه ، وهذا مقامٌ
رفيعٌ ، ومعقلٌ منيعٌ ، ومنصبٌ شريفٌ ، ومنزلٌ منيفٌ ، فصلوات الله عليه تَتْرى ، وسلامه عليه في الدنيا
والأخرى .
ولما أُعطي هذه المنزلةَ العليَّة، والمرتبة السّنية، وسمع الخطاب، سأل رفعَ الحجاب، فقال للعظيم
الذي لا تُدركه الأبصارُ ، القويِّ البرهان: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِفِ أَنْظُرْ إِلَيْكَّ قَالَ لَنْ تَرَِ﴾. ثم بيّن تعالى أنّه
لا يستطيع أن يثبت عند تجَلِّيه تبارك وتعالى، لأن الجبل الذي هو أقوى وأكبر ذاتاً ، وأشد ثباتاً من الإنسان
لا يثبت عند التجلّي من الرحمن. ولهذا قال: ﴿ وَلَكِنِ آَتْطُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَبِيِّ﴾.
وفي الكتب المتقدّمة أن الله تعالى قال له : يا موسى إنّه لا يراني حيٌّ إلا ماتَ، ولا يابسٌ إلا
تَدَهْدَ(٥)
وفي الصحيحين(٦): عن أبي موسى، عن رسول الله وَّل أنّه قال: ((حِجَابُهُ النُّوْرُ)). وفي رواية:
(( النار. لَوْ كَشَفَه لِأَحْرَقَتْ سُبُحاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إلَيْهِ بَصَره من خلقه )) .
وقال ابن عباس في قوله تعالى ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] ذاك نورُه الذي هو نورُه ، إذا
تجلّى لشيءٍ لا يقوم له شيء، ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقَاً فَلَمَّاً
أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ اَلْمُؤْمِنِينَ﴾.
(١) لحاء كل شجرة : قشرها .
(٢) قوله : الحديث زيادة من ط . وفي ب : ثبت الحديث في أن خلوف ...
(٣) أخرجه البخاري : برقم (١٨٩٤) في الصوم ، باب فضل الصوم. و(١٩٠٤) باب هل يقول الصائم إني صائم إذا
شتم، و(٥٩٢٧) في اللباس ، باب ما يذكر في المسك، و(٧٤٩٢) في التوحيد ، باب قوله تعالى :
﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُواْ كَمَ اللَّهِ﴾ و(٧٥٣٨) في التوحيد، باب ذكر النبي نَّه وروايته عن ربه. ومسلم برقم
(١١٥١) في الصيام ، باب فضل الصيام .
(٤)
في ب : وأمره ونهاه .
(٥)
في ب : يَدَّهده. والدهدهة : الدحرجة .
(٦) أخرجه مسلم (١٧٩ ) في الإيمان ، باب في قوله عليه السلام : إن الله لا ينام ، ولم يرد في البخاري خلافاً لقول
المؤلف وفي الصحيحين .
٧١
سؤال الرؤية
قال مجاهد ﴿ وَلَكِنِ أَنْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَفِيٍ﴾: فإنه أكبر منك، وأشدّ خلقاً،
فلما تجلّى ربّه للجبل فنظر إلى الجبل لا يتمالك ، وأقبل الجبل فدُكَّ على أوله ، ورأى موسى ما يصنع
الجبل ، فخر صَعِقاً .
وقد ذكرنا في ((التفسير (١) ما رواه الإمام أحمد (٢)، والترمذي(٣) وصحّحه، وابنُ جرير(٤) -
والحاكم(٥)، من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت - زاد ابن جرير وليث - عن أنس: أن رسول الله وَل
قرأ: ﴿ فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًا﴾ قال: هكذا بإصبعه ووضع النبي ◌َّ الإبهام على المفصل
الأعلى من الخنصر ، فساخ الجبل . لفظ ابن جرير .
وقال السُّدِّي عن عكرمة ، وعن ابن عباس : ما تجلّى - يعني من العظمة - إلّا قدر الخنصر ، فجعل
الجبل دكاً ، قال : تراباً ﴿ وَخَرَّ مُوسَى صَعِفَأْ﴾ أي: مَغْشِيّاً عَلَيه. وقال قتادة: ميتاً. والصحيح الأول ؛
لقوله ﴿ فَلَمَّآ أَفَاقَ﴾ فإن الإفاقة إنما تكون عن غشي .
قال ﴿ سُبْحَانَكَ﴾ تنزيهٌ وتعظيمٌ وإجلالٌ أن يراه بعظمته أحدٌ ﴿ُّبْتُ إِلَيْكَ﴾ أي: فلستُ أسأل
بعد هذا الرؤيةَ ﴿ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أنّه لا يراك حيٌّ إلا مات، ولا يابس إلا تَدَهْدَ!(٦) .
وقد ثبت في (( الصحيحين )) من طريق عمرو بن يحيى بن عمارة بن أبي حسن المازني الأنصاري ، عن
أبيه ، عن أبي سعيد الخُدري قال: قال رسول الله بِّهِ: ((لا تُخَيّرُوني مِنْ بَيْنِ الأَنْبياءِ، فإنَّ النَّاسَ يُصْعَقُوْنَ
يَوْمَ القِيامَةِ فَأَكُوْنُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيْقُ، فإذا أَنَا بِمُؤْسَى آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ العَرْشُ(٧) فلا أَدْرِي أَفَاقَ قَبْلِي أَم(٨)
◌ُوْزِيَ بِصَعْقَةِ الطُّوْرِ (٩) . لفظ البخاري . وفي أوله قصة اليهودي الذي لطم وجهه الأنصاريُّ حين قال:
(١) تفسير ابن كثير ( ٢٤٤/٣) وما بعدها .
(٢)
في مسنده (١٢٥/٣. و٢٠٩) .
سنن الترمذي رقم (٣٠٧٤) في التفسير ، باب ومن سورة الأعراف .
(٣)
(٤)
تفسير الطبري (٩ / ٣٧).
(٥) المستدرك (٢٥/١ و٣٢٠/٢ و٥٧٧).
(٦)
في ب : يَدَّهْدَه .
في ب : فأجد موسى باطشاً بقائمة العرش ، وسيرد الحديث بعد قليل بهذا اللفظ .
(٧)
كذا في ب ، والبخاري ، وهو وفاق ما عليه أهل النحو . وفي أ ، وط : أو
(٨)
في البخاري: برقم (٢٤١٢) في أول الخصومات. و (٣٣٩٨) في الأنبياء، باب قوله تعالى: ﴿﴿ وَوَعَدْنَا
(٩)
مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةُ﴾، و (٤٦٣٨) فى تفسير سورة الأعراف، باب ﴿ وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَئِنَا﴾، و(٦٩١٦
و٦٩١٧) في الديات، باب إذا لطم المسلم يهودياً عند الغضب، و (٧٤٢٧) في التوحيد، باب ﴿وَكَانَ
عَرْشُهُ, عَلَى الْمَآءِ ﴾ .
ومسلم رقم ( ٢٣٧٤) في الفضائل ، باب من فضائل موسى عليه السلام . وفي الروايات بعض اختلاف .
٧٢
سؤال الرؤية
لا والذي اصطفى موسى على البشر، فقال رسول الله: ((لا تخيِّرونى مِن بين الأنبياءِ)).
وفي ((الصحيحين)(١) من طريق الزُّهْري ، عن أبي سلمة وعبد الرحمن الأعرج ، عن أبي هريرة ،
عن النبي ◌ٌَّ، بنحوه وفيه: ((لا تُخَيِّروني عَلَى مُوسى)) وذكر تمامه. وهذا من باب الهضم والتواضع،
أو نهي عن التفضيل بين الأنبياء على وجه الغضب والعصبية ، أو ليس هذا إليكم ، بل اللهُ هو الذي رفع
بعضهم فوق بعض درجات ، وليس يُنالُ هذا بمجرد الرأي ، بل بالتوقيف . ومن قال : إن هذا قاله قبل أن
يعلم أنه أفضل ، ثم نُسخ باطلاعه على أفضليته عليهم كلّهم ، ففي قوله نظر ؛ لأن هذا من رواية أبي سعيد
وأبي هريرة ، وما هاجر أبو هريرة إلَّ عام حُنَين متأخِّراً، فيبعد أنّه لم يعلم بهذا إلّا بعد هذا . والله أعلم .
ولا شك أنّه صلوات الله وسلامه عليه أفضل البشر، بل الخليقة. قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ
أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [ آل عمران: ١١٠] وما كملوا إلا بشرف نبيّهم. وثبت بالتواتر عنه صلوات الله وسلامه عليه
أنه قال: (( أنا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يوْمَ القِيَامَةِ وَلَا فَخْر (٢) ، ثمّ ذكر اختصاصه بالمقام المحمود الذي يغِطُه به
الأوّلون والآخرون الذي تحيد عنه الأنبياء والمرسلون ، حتى أولو العزم الأكملون نوٌ وإبراهيم وموسى
وعيسى بن مريم .
وقوله ◌َِّ: ((فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيْقُ فَأَجِدُ مُوسَى باطِشاً بِقائِمَةِ العَرْشِ)) أي: آخذاً بِها (( فلا أدْرِي أَفَاقَ
قَبْلِي أَمْ جُوْزِيَ بِصَعْقَةِ الظُوْرِ )» دليلٌ على أنّ هذا الصعق الذي يحصل للخلائق في عَرَصَات القيامة حين
يتجلّى الربُّ لِفَصْل القضاء بين عباده، فيُصْعَقون من شدّة الهيبة والعَظَمةِ والجلال فيكون أوَّلَهم إفاقةً
محمدٌ خاتم الأنبياء ومصطفى ربِّ الأرض والسماء على سائر الأنبياء ، فيجد موسى باطشاً بقائمة العرش ،
قال الصّادق المصدوق: ((لا أدري أَصعق فأفاقَ قَبْلي)) أي : كانت صعقته خفيفة، لأنّه قد ناله بهذا
السبب في الدنيا صعق ، أو جوزي بصعقة الطور ، يعني فلم يصعق بالكلّية ، وهذا فيه شرفٌ كبيرٌ لموسى
عليه السلام من هذه الحيثية . ولا يلزم تفضيله بها مطلقاً من كلِّ وجه. ولهذا نَّه رسول الله وَّل على شرفه
وفضيلته بهذه الصّفة ، لأن المُسْلِم لمّا ضرب وجه اليهودي حين قال : لا والذي اصطفى موسى على
البشر ، قد يحصل في نفوس بعض المشاهدين لذلك هضمٌ بجناب موسى عليه السلام فبيّن النبي ◌ِّر
فضيلته وشرفه .
(١) في البخاري: برقم (٢٤١١) في أول الخصومات. ومسلم ( ٢٣٧٣) في الفضائل، باب من فضائل موسى وَّر.
(٢) اللفظ للترمذي. وهو قطعة من حديث فيه من طريق أبي سعيد الخدري، رقم (٣١٤٨) في التفسير ، باب ومن
سورة بني إسرائيل .
وأخرجه البخاري: برقم ( ٣٣٤٠) في الأنبياء، باب قوله عز وجل ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِ) ومسلم (١٩٤)
في الإيمان ، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها . والترمذي (٢٤٣٤) في صفة القيامة ، باب ما جاء في الشفاعة . من
طريق أبي هريرة .
٧٣
سؤال الرؤية
- وقوله تعالى: ﴿قَالَ يَمُوسَىّ إِنِ أَصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِسَلَتِ وَبِكَمِى ﴾ أي : في ذلك الزمان
لا ما قبله ، لأن إبراهيم الخليل أفضلُ منه - كما تقدم بيان ذلك في قصة إبراهيم(١) - ولا ما بعده لأن
محمداً ◌َ ◌ّ أفضل منهما، كما ظهر شرفه ليلة الإسراء على جميع المرسلين والأنبياء ، وكما ثبت أنه قال :
(( سَأَقُومُ مَقَاماً يَرْغَبُ إليَّ الخَلْقُ حَتَّى إِبْرَاهِيم)(٢) .
وقوله تعالى: ﴿ فَخُذْمَآ ءَاتَيْتُكَ وَّكُنْ مِنَ الشَّكِرِينَ﴾ أي: فخذ ما أعطيتك من الرسالة والكلام ،
ولا تسأل زيادة عليه ، وكن من الشاكرين على ذلك .
قال الله تعالى: ﴿ وَكَتَبْنَا لَهُ فِى الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَىْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْضِيلًا لِكُلِّ شَىْءٍ﴾ وكانت الألواح
من جوهرٍ نفيسٍ. ففي (( الصحيح)) أنّ الله كتب له(٣) التوراة بيده، وفيها مواعظ عن الآثام وتفصيلٌ لكلِّ
ما يحتاجون إليه من الحلال والحرام: ﴿ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾ أي: بعزم ونيّةٍ صادقةٍ قويّةٍ ﴿ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ
بِأَحْسَنِهَا﴾ أي: يضعوها على أحسن وجوهها وأجمل محاملها ﴿سَأُؤْرِيكُمْ دَارَ الْفَسِقِينَ ﴾ أي: سترون
عاقبة الخارجين عن طاعتي المخالفين لأمري المكذِّبين لرسلي. ﴿ سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَتِىَ﴾ عن فهمها وتدبُّرها
وتعقُّل معناها الذي أريد منها ، ودلّ عليه مقتضاها ﴿ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِ الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ ءَايَةٍ
◌َّا يُؤْمِنُواْ بِهَا﴾ أي: ولو شاهدوا مهما شاهدوه من الخوارق والمعجزات لا ينقادون لاتِّباعها ﴿ وَإِن يَرَوْأ
سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ أي: لا يسلكوه ولا يتبعوه ﴿ وَإِن يَرَوْ سَبِيلَ الْفَىَ يَتَّخِذُوهُ سَكِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ
كَذَّبُواْ بِئَايَتِنَا﴾ أي: صرفناهم عن ذلك لتكذيبهم بآياتنا، وتغافلهم عنها، وإعراضهم عن التصديق بها
والتفكّر في معناها وترك العمل بمقتضاها ﴿ وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بَِايَتِنَا وَلِقَاءِ الْآَخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمَّ هَلْ
يُجْزَوْنَ إِلََّّمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾.
***
في الجزء الأول .
(١)
(٢) ورد تخريجه في الجزء الأول .
(٣) في ب : كتب التوراة. والحديث في البخاري (٦٦١٤)، ومسلم (٢٦٥٢).
٧٤
قصة عبادتهم العجل في غيبة كليم الله عنهم
قصَّة عِبادتهم العجْل في غيبَة كليم الله عنهم(١)
ج
قال الله تعالى: ﴿ وَأَتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلَا جَسَدًا لَُّ خُوَارَّ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِهِمْ
سَبِيلًاً اَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَلِمِينَ الَْ وَلَا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ قَالُواْ لَيِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ
لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ لَ وَلَنَّا رَجَعَ مُوسَىَ إِلَى قَوْمِهِ، غَضَْنَ أَسِفًا قَالَ بِتْسَمَا خَفْتُهُوْنِ مِنْ بَعْدِىٌّ أَعَجِلْتُمْ أَمَ
رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَ لْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُزُّهُ إِلَيْهِ قَالَ أَبْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اُسْتَضْعَفُونِ وَكَادُواْ يَقْتُلُونَِ فَلَا تُشْمِتْ بِى الْأَعْدَاءَ
وَلَ تَجْعَلْنِى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١٥) قَالَ رَبِّ أَغْفِرْ لِ وَلِأَخِى وَأَدْخِلْنَا فِى رَحْمَتِكٌّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّحِينَ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ
أَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَيَنَالُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِهِمْ وَزِلَّةٌ فِى الْحَوَةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْرِى الْمُفْتَرِنَ (٢٥) وَالَّذِينَ عَمِلُواْ السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا
مِنْ بَعْدِهَا وَءَامَنُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (١٥) وَلَمَّا سَكَتَ عَن تُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحٌ وَفِ نُشْخَتِهَا هُدَى
وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِهِمْ يَرْهَبُونَ ﴾ [ الأعراف: ١٤٨ - ١٥٤].
وقال الله تعالى: ﴿﴿ وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَمُوسَى (﴾ قَالَ هُمْ أُوْلَاءٍ عَى أَثَرِى وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبٍ لِتَرْضَى ◌َِّه
قَالَ فَإِنَا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُ السَّامِرِىُّ ﴿ فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ، غَضْبَنَ أَسِفًا قَالَ يَقَوْمِ أَلَمْ يَعِذْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا
حَسَنَا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدِّثُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُ مَّوْعِدِى (﴾ قَالُواْمَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا
وَلَكِنَّا حُمِلْنَا أَوْزَارًا مِّنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَ فْتَهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامُِ ﴿ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًاً جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ فَقَالُواْ هَذَا إِلَهُكُمْ
وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِىَ ﴿ أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ فَوْلاً وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرَّا وَلَا نَفْعًا (ج) وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَرُونُ مِن قَبْلُ يَقَوْمِ إِنَّمَا
فُتِنْتُمِ بِهِ، وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَأَنَّعُونِ وَأَطِيعُواْ أَمْرِى ◌ِثْ قَالُواْ لَنْ تَّْرَعَ عَلَيْهِ عَكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى {لَ قَالَ يَهَرُونُ مَا مَنَعَكَ
ـَ قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلَا بِرَأْسِىٌّ إِنِّ خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ
٩٢
إِذْ رَأَيْنَهُمْ ضَلُواْ ( أَلَّا تَتَِّعَنِّ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى
بَنِيّ إِسْرَِّيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِ ﴿ قَالَ فَمَا خَطِبُكَ يَسَعِىُّ (١٦) قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ، فَقَبَضْتُ قَبْضَةٌ مِّنْ
أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِى نَفْسِى (8) قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَ لَكَ فِى الْحَيَوْةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسٌَّ وَإِنَّ لَكَ
مَوْعِدًا لَن تُخْلَفَةٌ وَأَنْعُلْ إِلَىّ إِلَهِكَ الَّذِى ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِّمًا لَتُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنِسِفَنَّهُ فِى الْيَمِّ نَسْفَا ( إِنَّهَا إِلَهُكُمُ اللهُ
الَّذِى لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ وَسِعَ كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا﴾ [ طه: ٨٣ -٩٨].
يذكر تعالى ما كان من أمر بني إسرائيل حين ذهب موسى عليه السلام إلى ميقات ربّه ، فمكث على
الطور يناجيه ربُّه ويسأله موسى عليه السلام عن أشياءَ كثيرةٍ ، وهو تعالى يجيبه عنها ، فعمد رجلٌ منهم
يقال له : هارون السّامري (٢)، فأخذ ما كان استعاروه من الحليّ، فصاغ منه عجلاً ، وألقى فيه قبضةً من
التراب كان أخذها من أثر فرس جبريل حين رآه يوم أغرقَ الله فرعونَ على يديه ، فلما ألقاها فيه خارَ كما
(١) في ب : في غيبة كليم الله موسى عليه السلام عنهم . وفي ط : في غيبة موسى .
(٢) في تاريخ الطبري (٤٢٥/١): وكان اسم السامري موسى بن ظفر .
٧٥
قصة عبادتهم العجل في غيبة كليم الله عنهم
يخور العجل الحقيقي . ويقال : إنّه استحال عجلاً جسداً ، أي: لحماً ودماً حيّاً يخور. قاله قتادة وغيره.
وقيل : بل كانت الريح إذا دخلت من دُبره خرجت من فمه فيخور كما تخور البقرة ، فيرقصون حوله
ويفرحون ﴿ فَقَالُواْ هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنِىَ ﴾ أي: فنسي موسى ربّه عندنا، وذهب يتطلّبه وهو
هاهنا ، تعالى الله عما يقولون (١) علوّاً كبيراً، وتقدّست أسماؤه وصِفاته ، وتضاعفت آلاؤه وعِداته .
قال الله تعالى مبيناً بطلان ما ذهبوا إليه ، وما عوّلوا عليه من إلَهية هذا الذي قُصاراه أن يكون حَيواناً
بَهِيماً، وشيطاناً رجيماً ﴿أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلَّا يَرَجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرَّا وَلَا نَفْعًا﴾ وقال: ﴿أَلَمْ يَرَوْ أَنَّهُ لَا
يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَلِمِينَ﴾ فذكر أنّ هذا الحيوان لا يتكلّم ولا يردّ جواباً ،
ولا يملك ضرّاً ولا نفعاً، ولا يهدي إلى رشدٍ ، اتخذوه وهم ظالمون لأنْفُسهم عالمون في أنفسهم بطلان
ما هم عليه من الجهل والضلال: ﴿وَلَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾ أي: ندموا على ما صنعوا ﴿ وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ
ضَلُواْ قَالُواْ لَيِنِ لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ﴾.
ولمّا رجع موسى عليه السلام إليهم ، ورأى ما هم عليه من عبادة العجل ، ومعه الألواح المتضمّنة
التوراة ، ألقاها ، فيقال: إنّه كسرها . وهكذا هو عند أهل الكتاب(٢)، وأن الله أبدله غيرها . وليس في
اللفظ القرآني ما يدلّ على ذلك ، إلا أنه ألقاها حين عاين ما عاين . وعند أهل الكتاب أنّهما كانا لوحين (٣)
وظاهر القرآن أنّها ألواح متعددة ، ولم يتأثر بمجرّ(٤) الخبر من الله تعالى عن عبادة العجل فأمره(٥) بمعاينة
ذلك. ولهذا جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد(٦)، وابن حِبَّان(٧) . عن ابن عباس قال : قال
رسول الله وِلَهُ: ((لَيْسَ الخُبْرُ كالمُعَايَنَةِ)) ، ثمّ أقبل عليهم فعنَّفَهم ، ووجَّخهم ، وهجَّنهم في صنيعهم هذا
القبيح، فاعتذروا إليه بما ليس بصحيح، ﴿ حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِّنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَ فْتَهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِيُ ﴾ تحرَّجوا
من تملّك حُليّ آل فرعون وهم أهل حرب ، وقد أمرهم الله بأخذه وأباحه لهم ، ولم يتحرّجوا بجهلهم وقلّة
علمهم وعقلهم من عبادة العجل الجسد الذي له خُوار مع الواحد الأحد الفرد الصمد القهَّار .
ثم أقبل على أخيه هارون عليهما السلام قائلاً له: ﴿ يَهَرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْنَهُمْ ضَلُواْ (٤) أَلَّا تَتَّبِعَنِّ﴾
أي : هَلاَّ لما رأيت ما صنعوا اتَّبعتني فأعلمتني بما فعلوا؟ فقال: ﴿ إِّ خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِىّ
(١) في ب : تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
(٢) سفر الخروج : الإصحاح الثاني والثلاثون.
(٣) المصدر السابق.
(٤)
في ب : بوجود .
في ب : عن عبادتهم العجل تأثره بمعاينة ذلك .
(٦) مسند أحمد (٢٧١/١).
(٥)
(١) صحيح ابن حبان (٢٤١٣) في كتاب التاريخ ، باب بدء الخلق.
٧٦
قصة عبادتهم العجل في غيبة كليم الله عنهم
إِسْرَِّيلَ﴾ أي: تركتهم وجئتني وأنت قد استخلفتني فيهم: ﴿قَالَ رَبِّ أَغْفِرْ لِ وَلِأَخِى وَأَدْخِلْنَا فِى
رَحْمَتِكٌّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّحِينَ﴾.
وقد كان هارون عليه السلام نهاهم عن هذا الصنيع الفظيع أشدَّ النهي ، وزجرهم عنه أتمَّ الزجر . قال
الله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَرُونُ مِن قَبْلُ يَقَوْمِ إِذَّمَا فُتِنْتُم بِهِ"﴾ أي: إنّما قدّر الله أمر هذا العجل وجعله
يخور فتنةً واختباراً لكم ﴿ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾ أي: لا هذا ﴿ فَأَّعُونِ﴾ أي: فيما أقول لكم
﴿هَ قَالُوْ لَن تَّْرَحَ عَلَيْهِ عَكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ يشهد الله لهارون عليه السلام وكَفَى باللهِ
﴿ وَأَطِيعُواْ أَمْرِى
شهيداً ، أنّه نهاهم ، وزجرهم عن ذلك فلم يطيعوه ، ولم يتّبعوه .
ثم أقبل موسى على السّامري ﴿ قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَسَمِرِىُّ﴾ أي: ما حملك على ما صنعت؟ ﴿ قَالَ
بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَصُرُواْ بِهِ،﴾ أي: رأيت جبريل وهو راكب فرساً ﴿ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ ﴾ أي :
من أثر فرس جبريل .
وقد ذكر بعضهم أنّه رآه وكلّما وطئت بحوافرها على موضع اخضرَّ وأعشبَ ، فأخذ من أثر حافرها ،
فلما ألقاه في هذا العجل المَصُوْعُ(١) من الذهب كان من أمره ما كان، ولهذا قال: ﴿فَنَبَذْتُهَا
وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِ نَفْسِى ◌ِ﴾ قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِى الْحَيَوْةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسٌِّ﴾ وهذا دعاء عليه بأن
لا يَمَسَّ أحداً معاقبة له على مسّه مالم يكن له مسّه . هذا معاقبة له في الدنيا ، ثم توعّده في الأخرى فقال:
﴿ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّنْ تُخْلَفَةٌ﴾ وقرىء ﴿لَنْ تُخْلِفَهِ ﴾٢) ﴿ وَأَنْظُرْ إِلَىَ إِلَهِكَ الَّذِى ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِّقً لَّتُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ
لَنَنَسِفَتَهُ فِ الْيَمِّ نَسْفًا﴾. قال: فعمد موسى عليه السلام إلى هذا العجل فحرّقه بالنار كما قاله قتادة
وغيره . وقيل : بالمبارد ، كما قاله علي وابن عباس وغيرهما ، وهو نص أهل الكتاب(٣) ، ثمّ ذراه في
البحر ، وأمر بني إسرائيل فشربوا ، فمن كان من عابديه عَلِقٍ على شفاههم من ذلك الرماد منه ما يدل
عليه ، وقيل : بل اصفرّت ألوانهم .
ثمّ قال تعالى إخباراً عن موسى أنّه قال لهم: ﴿ إِنَّمَآَ إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِى لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ وَسِعَ كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا ﴾
وقال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ أَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَيَنَالهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَزِلَّةٌ فِ الحَوَةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْرِى الْمُفْتَرِينَ ﴾
(١) في ط : المصنوع .
(٢) قوله : وقرىء: لن تخلفه . سقط في ب . وفي ط : نخلفه : بالنون.
وقراءة ﴿لن تُخْلَفه) بفتح اللام هي قراءة الجمهور. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ﴿ تُخْلِفُه﴾ بكسر اللام. أي: لن
تغيب عنه . على وجه التهديد . أي : ستصير إليه مريداً أو كارها ، فلا يكون لك سبيل إلى أن تخلفه . حجة
القراءات ( ٤٦٢ - ٤٦٣).
(٣) الذي قاله أهل الكتاب في سفر الخروج ، الإصحاح الثاني والثلاثين : ثم أخذَ العجلَ الذي صنعوا ، وأحرقه بالنار ،
وطحنه حتى صار ناعماً ، وذراه على الماء ، وسقى بني إسرائيل .
٧٧
قصة عبادتهم العجل في غيبة كليم الله عنهم
وهكذا وقع. وقد قال بعض السلف: ﴿ وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُفْتَرِينَ﴾ مسجّلةٌ لكلِّ صاحب بدعةٍ إلى يوم القيمة.
ثمّ أخبر تعالى عن حلمه ، ورحمته بخلقه ، وإحسانه على عبيده في قبوله توبة من تاب إليه بتوبته عليه
فقال: ﴿ وَالَّذِينَ عَمِلُواْ السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِنْ بَعْدِهَا وَءَامَنُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ لكنْ لم يقبلِ اللهُ توبة
عابدي العجل إلا بالقتل كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ، يَقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِأَنِخَاذِكُمُ الْعِجْلَ
فَتُوبُواْ إِلَى بَارِيَكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِبِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّمُ هُوَ النَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [ البقرة: ٥٤] فيقال :
إنّهم أصبحوا يوماً وقد أخذ من لم يعبد العجل في أيديهم السيوف ، وألقى الله عليهم ضَباباً حتى لا يعرف
القريبُ قريبه ولا النسيب نسيبه ، ثمّ مالوا على عابديه فقتلوهم وحصدوهم . فيقال : إنّهم قتلوا في
صبيحةٍ واحدة سبعين ألفا .
ثمّ قال الله تعالى: ﴿ وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ تُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ اَلْأَ لْوَاحِّ وَفِ نُسْخَتِهَا هُدَى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِهِمْ
يَرْهَبُونَ﴾ استدلّ بعضهم بقوله: ﴿ وَفِ نُشْخَتِهَا﴾ على أنّها تكسّرت، وفي هذا الاستدلال نظر ، وليس في
اللفظ ما يدلّ على أنّها تكسّرت . والله أعلم .
وقد ذكر ابن عباس في حديث الفتون - كما سيأتي(١) - أن عبادتهم العجل كانت على أثر خروجهم من
البحر، وما هو ببعيد؛ لأنهم حين خرجوا ﴿ قَالُواْ يَمُوسَى أَجْعَل لَّنَا إِلَهَا كَمَالَهُمْءَالِهَةٌ﴾.
وهكذا عند أهل الكتاب أن عبادتهم العجل كانت قبل مجيئهم بلاد بيت المقدس ، وذلك أنّهم لما
أُمروا بقتل من عبد العجل قَتَلوا في أول يومٍ ثلاثة آلاف . ثمّ ذهب موسى يستغفر لهم فغفر لهم بشرط أن
يدخلوا الأرض المقدّسة .
﴿ وَأَخْتَرَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًاً لِّمِيقَئِنًا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّحْفَةُ قَالَ رَبٍ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْنَهُم مِّن قَبْلُ وَإَِنِىِّ أَنْهْلِكُنَا بِمَا
فَعَلَ الشُّفَهَءُ مِنَّ إِنْ هِىَ إِلَّا فِئْتَنْكَ تُضِلُّ ◌ِهَا مَن تَشَاءُ وَتَهْدِى مَن تَشَءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَأَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَّاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَفِرِينَ
١٥
﴿ وَأَكْتُبْ لَنَا فِ هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِ الْآَخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِىَ أُصِيبُ بِهِ، مَنْ أَشَاءٌ وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ
شَىْءٍ فَسَأَكْتُهَا لِلَّذِينَ يَثَّقُونَ وَيُؤْثُونَ الزَّكَوَةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِثَايَئِنَا يُؤْمِنُونَ (٥) الَّذِينَ يَقَّعُونَ الرَّسُولَ النَِّىَّ الْأُنِىَ
الَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِ التَّوْرَةِ وَالْإِنِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ
الطِّبَتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَيِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَلَ الَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمّ فَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِ، وَعَزَّرُوهُ
وَنَصَرُوهُ وَأَتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِىَ أُنْزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [ الأعراف: ١٥٥ - ١٥٧].
ذكر السُّدِّي وابن عباس وغيرهما أن هؤلاء السبعين كانوا علماءَ بني إسرائيل ، ومعهم موسى وهارون
ويوشع وناداب وأبيهو ، ذهبوا مع موسى عليه السلام ليعتذروا عن بني إسرائيل في عبادة من عبد منهم
العجلَ ، وكانوا قد أُمروا أن يتطيّبوا ويتطهَّروا ويغتسلوا ، فلما ذهبوا معه واقتربوا من الجبل ، وعليه
(١) صفحة: (٩٢) من هذا الجزء.
٧٨
قصة عبادتهم العجل في غيبة كليم الله عنهم
الغمام ، وعمود النور ساطعٌ ، وصعد موسى الجبل ، فذكر بنو إسرائيل أنّهم سمعوا كلام الله ، وهذا قد
وافقهم عليه طائفةٌ من المفسّرين وحملوا عليه قوله تعالى: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَمَ اللَّهِ ثُمَّ
يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٧٥]، وليس هذا بلازم، لقوله تعالى: ﴿فَأَجِرُهُ حَتَّى
يَسْمَعَ كَمَ اَللَّهِ ﴾ [التوبة: ٦] أي مبلِّغاً، وهكذا هؤلاء سمعوه مبلَّغاً من موسى عليه السلام، وزعموا أيضاً
أن السبعين رأوا اللهَ، وهذا غلط منهم، لأنّهم لما سألوا الرؤية أخذتهم الرجفةُ كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ
قُلْتُمْ يَمُوسَى لَن تُؤْمِنَ لَكَ حَّى ◌َرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّعِقَّةُ وَأَنْتُمْ نَنْظُرُونَ (٥) ثُمَّبَعَثْنَلَكُم مِّنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ
تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٥ -٥٦] وقال هاهنا: ﴿ فَلَمَّآ أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبٍ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْنَهُم مِّن قَبْلُ وَإِنَِّّ﴾(١).
قال محمد بن إسحاق : اختار مُؤْسى من بني إسرائيلَ سَبعينَ رجُلاً الخيِّر فالخيِّر ، وقال : انطلقوا
إلى الله فتوبوا إليه مما صنعتم ، وسلوه التوبة على من تركتم وراءكم من قومكم ، صوموا ، وتطهّروا ،
وطهِّروا ثيابكم ، فخرج بهم إلى طور سيناء لميقات وَقَّته له ربُّه ، وكان لا يأتيه إلا بإذنٍ منه وعلم ، فقال له
طلب مني السبعون أن يسمعوا كلامَ الله ، فقال : أَفْعَلُ ، فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه عمود الغمام
حتى تغشّى الجبلَ كلَّه ، ودنا موسى فدخل في الغمام وقال للقوم : ادنوا ، وكان موسى إذا كلّمه الله وقع
على جبهته نورٌ ساطعٌ لا يستطيع أحدٌ من بني آدم أن ينظر إليه ، فضرب دونه بالحجاب ، ودنا القوم حتى
إذا دخلوا في الغمام وقعوا سجوداً فسمعوه وهو يكلِّم موسى ؛ يأمره(٢) وينهاه ، افعل ، لا تفعل . فلما
فرغ الله من أمره وانكشفَ عن موسى الغمام، وأقبل عليهم، قالوا: ﴿ لَن تُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً ﴾
[البقرة: ٥٥] ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾، وهي الصّاعقة، فالتقت أرواحهم فماتوا جميعاً ، فقام موسى يناشد
ربّه ، ويدعوه، ويرغب إليه ويقول: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْنَهُم مِّن قَبْلُ وَإِنَّنِّيَّ أَتْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّاً ﴾ أي :
لا تؤاخذْنا بما فعل السفهاء الذين عبدوا العجل منّا فإنا برآءُ مما عملوا .
وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن جريج : إنّما أخذتهم الرجْفة لأنهم لم ينْهَوا قومهم عن عبادة
العجل(٣). وقوله: ﴿ إِنْ هِىَ إِلَّا فِتْنَئُكَ﴾ أي: اختبارُك وابتلاؤك وامتحانك ، قاله ابن عباس وسعيد بن
جُبير وأبو العالية والربيع بن أنس ، وغير واحد من علماء السّلف والخلف . يعني : أنت الذي قدّرت هذا
وخلقت ما كان من أمر العجل اختباراً تختبرهم به ، كما قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَرُونُ مِن قَبْلُ يَقَوْمِ إِنَّمَا
فُتِنْتُم ◌ِهِ﴾ أي: اختُبرتم، ولهذا قال: ﴿ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاءُ وَتَهْدِى مَن تَشَاءٍ﴾ أي : من شئتَ أضللته
باختبارك إياه ، ومن شئتَ هديته ، لك الحكم والمشيئة ، ولا مانع ولا رادّ لما حكمت وقضيت
﴿ أَنْتَ وَلِتُّنَا فَأَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَفِرِينَ (٣٥) ﴾ وَأَكْتُبْ لَنَا فِى هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَفِي الْآَخِرَةِ إِنَّا هُدْنَاً إِلَيْكَ﴾
(١) ساق الطبري عدداً من الآراء في تفسيره (٩/ ٥٠).
(٢) فى ط: يأمر، والخبر في تفسير الطبري (٩/ ٥٠).
(٣) انظر تفسير القرطبي (٢٩٥/٧).
٧٩
قصة عبادتهم العجل في غيبة كليم الله عنهم
أي : تبنا إليك، ورجعنا ، وأنبنا ، قاله ابن عباس ، ومجاهد ، وسعيد بن جُبير ، وأبو العالية ،
وإبراهيم التيمي ، والضخَّاك ، والسُّدّي، وقتادة ، وغير واحد. وهو كذلك في اللغة (١).
﴿ قَالَ عَذَابِيِّ أُصِيبُ بِهِ، مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِ وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ﴾ أي: أنا أعذِّب من شئتُ بما أشاء من
الأمور التي أخلقها وأقدِّرها ﴿ وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ﴾ كما ثبت في (( الصحيحين (٢) عن رسول الله
مَّ أنه قال: ((إنّ اللهَ لَمَا فَرَغَ مِنْ خَلْقِ السَّمواتِ والأرضِ كَتَبَ كِتاباً فَهُوَ مَوْضُوْعٌ عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ: إنَّ
رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي )) ﴿ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَنَّقُونَ وَيُؤْثُونَ الزَّكَوَةَ وَلَّذِينَ هُمْ بِثَايَئِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي :
فسأُوحيها حتماً لمن اتصف بهذه الصفات ﴿ الَّذِينَ يَشَّعُونَ الرَّسُولَ النَّبِىِّ الْأُمِّىَ﴾ الآية. وهذا فيه تنويه
بذكر محمد ◌ّله وأُمَّته من الله لموسى عليه السلام في جملة ما ناجاه به ، وأعلمه، وأطلعه عليه . وقد
تكلّمنا على هذه الآية وما بعدها في (( التفسير ٣٨) بما فيه كفاية ومقنع ، ولله الحمد والمِنَّة .
وقال قتادة : قال موسى يا رب أجد في الألواح أمّةً خير أمّةٍ أُخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون
عن المنكر ، ربّ اجعلهم أمتي ، قال : تلك أمّةُ أحمد . قال: ربِّ إني أجد في الألواح أمّةً هم الآخِرون
في الخلق ، السابقون في دخول الجنة ، ربِّ اجعلهم أمتي . قال : تلك أمّةُ أحمد . قال : رب إني أجد
في الألواح أمّةً أناجِيْلُهم في صدورهم يقرؤونها وكان مَن قبلهم يقرؤون كتابهم نظراً حتى إذا رفعوها لم
يحفظوا شيئاً ولم يعرفوه ، وإن الله أعطاكم أيتها الأمة من الحفظ شيئاً لم يعطه أحداً من الأمم ، قال : ربّ
اجعلهم أمتي : قال : تلك أمّةُ أحمد . قال : ربِّ إني أجد في الألواح أمّةً يؤمنون بالكتاب الأول
وبالكتاب الآخر ويقاتلون فصول الضَّلالة حتى يقاتلوا الأعور الكذَّاب فاجعلهم أمتي ، قال : تلك أمّة
أحمد . قال : ربِّ إني أجد في الألواح أمّةً صدقاتهم يأكلونها في بطونهم ، ويؤجَرون عليها ، وكان مَن
قبلهم إذا تصدَّق بصدقةٍ فَقُبِلتْ منه بعث الله عليها ناراً فأكلتها وإن رُدَّت عليه تُرِكت فتأكلها السباع والطير ،
وإن الله أخذ صدقاتكم من غنيّكم لفقيركم ، قال : ربِّ فاجعلهم أمتي ، قال : تلك أمُّ أحمد . قال ربِّ
فإني أجد في الألواح أمّةً إذا هَمَّ أحدهم بحسنة ثمّ لم يعملها كُتبت له حسنةً فإن عملها كُتِبت له عشرُ أمثالها
إلى سبعمئة ضعف ، قال : ربِّ اجعلهم أمتي ، قال : تلك أمّةُ أحمد . قال : ربِّ إني أجد في الألواح
أمّةً هم المشفَّعون المشفوع لهم فاجعلهم أمتي ، قال : تلك أمّةُ أحمد . قال قتادة فذُكر لنا أن موسى عليه
السلام نبذ الألواح وقال : اللهم اجعلني من أمّةِ أحمد .
وقد ذكر كثيرٌ من الناس ما كان من مناجاة موسى عليه السلام ، وأوردوا أشياءَ كثيرةً لا أصل لها ،
(١) في جمهرة اللغة (٣٠٦/٢): هاد الرجل يهود هوداً: إذا أناب ورجع. ومنه قول الله جل وعزّ: ﴿ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَّ﴾
أي : أنبنا ورجعنا . اللسان (هود)، ومفردات ألفاظ القرآن للراغب (٥٤٤ ).
(٢) أخرجه البخاري: برقم (٧٤٠٤) في التوحيد، باب قوله تعالى: ﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾، ومسلم برقم
(٢٧٥١) في التوبة ، باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه .
(٣) تفسير ابن كثير (٢/ ٢٥١).
٨٠
قصة عبادتهم العجل في غيبة كليم الله عنهم
ونحن نذكر ما تيسّر ذكره من الأحاديث والآثار بعون الله وتوفيقه ، وحسن هدايته ، ومعونته ، وتأييده .
قال الحافظ أبو حاتم محمد بن حاتم بن حبان في « صحيحه (١) : ذِكْرُ سؤال كليم الله ربّه عز وجل
عن أدنى أهل الجنة وأرفعهم منزلة : أخبرنا عمر بن سعيد الطَّائي بمَنْبِج ، حدّثنا حامد بن يحيى البلخي ،
حدّثنا سفيان، حدّثنا مُطَرِّف بن طريف وعبد الملك بن أبجر - شيخان صالحان - سمعا الشعبيَّ يقول:
سمعت المغيرة بن شعبة يقول على المنبر عن النبي ◌َّر: ((إن موسى عليه السلام سأل ربَّهُ عز وجل: أيُّ
أهل الجنّة أدنى منزلةً ؟ قال : رجلٌ يجيء بعد ما يدخل أهل الجنة الجنةَ ، فيقال: ادخل الجنة . فيقول :
كيف أدخل الجنة وقد نزل النّاس منازلهم ، وأخذوا إخاذاتهم فيقال له : أترضى أن يكون لك من الجنة
مثلُ ما كان لملكِ من ملوك الدنيا ؟ فيقول : نعم ! أي ربّ . فيقال : لك هذا ومثله ومثله ومثله فيقول :
أي ربّ، رضيت . فيقال له: إنّ لك هذا وعشرة أمثاله ، فيقول : أي ربّ، رضيت . فيقال له : لك مع
هذا ما اشتهت نفسك ولذّت عينك. وسأل ربّه : أيُّ أهل الجنة أرفع منزلة ؟ قال : سأحدِّثك عنهم :
غرستُ كرامتهم بيدي ، وختمت عليها ، فلا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر .
ومصداق ذلك في كتاب الله عز وجل: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةٍ أَعْيُنٍ﴾ الآية [السجدة: ١٧])).
وهكذا رواه مسلم والترمذي (٢)، كلاهما عن ابن أبي عمر ، عن سفيان - وهو ابن عيينة - به . ولفظ
مسلم : (( فَيُقَالُ لَهُ: أَتَرْضَى أنْ يَكُونَ لَكَ مِثْلُ مُلْكِ مَلِكٍ مِنْ مُلوكِ الدُّنْيا؟ فيقولُ : رَضِيْتُ رَبِّ. فَيَقولُ:
لَكَ ذلكَ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ ، فيقول في الخامسة : رضِيتُ ربِّ. فيقال: هذا لك وعشرةُ أمثالِهِ ،
وَلِكَ ما اشْتَهَتْ نَفْسُكَ وَلَذَّتْ عَيْنُكَ . فَيَقُولُ: رَضِيْتُ رَبِّ . قَالَ رَبِّ فأعْلاهُم منزلةً؟ قالَ : أولئك
الذين أردت ، غرست كرامتهم بيدي ، وختمت عليها ، فلم ترعين ، ولم تسمع أذن ، ولم يخطر على
قلب بشر. قال: ومصداقه من كتاب الله: ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُمْ مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءُ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾)) .
وقال الترمذي : حسن صحيح قال : ورواه بعضهم عن الشعبي عن المغيرة فلم يرفعه ، والمرفوع
أصح .
وقال ابن حبان (٣) : ذِكْرُ سؤال الكليم ربّه عن خصالٍ سبع . حدّثنا عبد الله بن محمد بن سِلم ببيت
المقدس ، حدّثنا حَرْمَلة بن يحيى، حدثنا ابن وهب ، أخبرني عمرو بن الحارث ، أن أبا السَّمْح حدَّثه
عن ابن حُجَيْرة(٤)، عن أبي هريرة، عن النبي ◌ُّ أنّه قال: سأل مُوسى رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَنْ سِتّ خِصَالِ كانَ
(١) صحيح ابن حبان (٦٢١٦) كتاب التاريخ ، باب بدء الخلق .
(٢) صحيح مسلم (١٨٩) في الإيمان ، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها . سنن الترمذي (٣١٩٨) في التفسير ، باب
ومن سورة السجدة .
(٣) صحيح ابن حبان ( ٦٢١٧ ) كتاب التاريخ ، باب بدء الخلق .
(٤) هو عبد الرحمن بن حُجَيرة، البصري القاضي، الثقة. مات سنة (٨٣هـ). تقريب التهذيب (١/ ٤٧٧).