النص المفهرس

صفحات 501-520

٥٠١
ذكر الأمر بطلب الجنة والمبادرة إليها
الجَنَّةُ: اللّهُمَّ أدْخِلْهُ الْجَنَّةَ، ومنِ اسْتَجَارَ منَ النَّارِ ثلاث مرات قالتِ النَّارُ: اللّهُمَّ أجِرْهُ منَ النَّارِ(١).
وقال الحسنُ بنُ سُفْيَانَ: حدّثنا المُقَدَّمي، حدّثنا عُمَرُ بنُ عَلَيٍّ، عن يَحْيَى بنِ عَبْدِ اللهِ، عن
أبيه، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ◌ِِّ: ((أكْثِرُوا مَسْألَة اللهِ الْجَنّةَ، وَاسْتَعِيذُوا بهِ منَ النَّارِ ،
فإنَّهُما شَافِعَتانِ مُشَفَّعَتانِ ، فإنَّ الْعَبْدَ إذا أكثرَ مَسْألةَ الْجِنَّةِ قالتِ الْجِنَّةُ: يا رَبِّ، عبدُكَ هذا الَّذي
سألَنيك فأسْكِنْهُ إِيَّايَ ، وتقولُ النَّارُ: يا ربِّ عبدكَ هذا الّذِي استَعاذ بك مِنِّي فأعِذْهُ مِنِّي )(٢) .
وقال البزَّارُ : حدّثنا أحمدُ بنُ عَمْرِو بنِ عُبَيْدةَ العُصْفُريّ، حدّثنا يَعْقُوبُ بنُ إِسْحَاقَ ، حدّثنا
سُلَيْمانُ بنُ مُعاذٍ، عن محمدِ بن الْمُنْكَدِرِ، عن جابرٍ، قال: قال رسولُ اللهِّهِ: ((لا يُسْألُ بوجه اللهِ
إِلَّا الْجَنَّةُ)). ورواه أبو داودَ من حَديثِ محمّدٍ بنِ الْمُنْكَدِرِ(٣) .
وفي التِّزْمذيّ، عن أبي هريرةَ مرفوعاً: (( منْ خَافَ أَدْلَجَ ، ومنْ أدْلَجَ بَلَغَ الْمَنْزِل، ألا إنَّ سِلْعَةً
اللهِ غَاليَةٌ، ألا إنَّ سِلْعَةَ اللهِ الجنَّة )(٤).
وقال أبو بَكْرِ الشَّافعيّ، عن كُلَيْبِ بنِ حَزْن: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ وَّه يقول: ((اطْلُبُوا الْجِنّةَ
جُهْدَكُمْ ، واهْرُبُوا منَ النَّارِ جُهْدَكُمْ، فإنَّ الْجِنَّةَ لا ينامُ طالِبُها، وإنَّ النَّارَ لا ينامُ هارِبُها، وإنَّ الآخِرَةَ
اليَوْمَ محفُوفٌ بالمَكارِهِ ، وَإِنّ الدُّنْيا محفُوفٌ بِاللَّذَّاتِ والشَّهَواتِ ، فلا تُلْهِيَنَّكم عنِ الآخرةِ (٥) .
وقال أبو يَعْلَى المَوْصليّ : حدّثنا إسحاقُ بنُ أبي إسرائيلَ ، حدّثنا أيُّوبُ بنُ شَبيبِ الصَّنْعاني ،
قال : كان - فيما عَرَضْنا على رَبَاحِ بن زيد - حديثُ عبدِ اللهِبنِ بَحير(٦): سَمِعْتُ عَيْدَ الرَّحْمَنِ بن
يزيد(٧)، سمعْتُ عَبْدَ اللهِ بن عُمَر، يقول: سمعتُ رسولَ الله ◌ِ ◌َّ يقول: ((لا تَنْسوا العَظِيمَتَيْنِ))
قلنا : وما العَظِيمِتَانِ يا رسول اللهِ؟ قالَ: ((الْجَنَّهُ وَالنّارُ (٨).
(١) رواه الترمذي رقم (٢٥٦٧) والنسائي في المجتبى (٢٧٩/٨) وابن ماجه رقم (٤٣٤٠) وهناد في الزهد
( ١٧٣) وهو حديث صحيح.
(٢) أخرجه أبو نعيم في ((صفة الجنة)) (٧٠ ) من طريق الحسن بن سفيان به.
(٣) رواه أبو داود (١٦٧١) وإسناده ضعيف.
(٤) رواه الترمذي ( ٢٤٥٠) وهو حديث حسن .
(٥) وأخرجه الطبراني في الكبير (٤٤٩/١٩) والأوسط (٣٦٤٣) والبغوي، وابن قانع ( ٩٣٢) وابن شاهين ، وابن
مندة من طريق يعلى بن الأشدق عن كليب به . ويعلى بن الأشدق العقيلي ضعيف جداً ، ولبعضه شواهد .
(٦) في الأصول : ابن نمير ، وهو خطأ .
(٧)
في (م) : ابن زيد ، وهو خطأ .
(٨) رواه أبو يعلى في الكبير (٣٣٣٥ - المطالب العالية - النسخة المسندة) وفي سنده أيوب بن شبيب الصنعاني، وهو
مجهول العين .

٥٠٢
ذكر أن الجنة حفت بالمكاره وأن النار حفت بالشهوات
وقال كُلْثُومُ بنُ عِيَاضِ القُشَيْريّ، على مِنْبَرِ دِمَشْقَ أيَّامَ هِشَام بن عبدِ المَلِك: من آثرَ اللهَ آثَرَهُ [ اللهُ]
ومن أبرزَّ الله أبرَّه الله، فرَحِمَ اللهُ عَبْداً اسْتَعانَ بِنعْمَتِهِ على طاعتهِ ، ولم يَسْتَعِنْ بِنِعْمتهِ على مَعْصِيتِهِ ، فإنّهُ
لا يأتي على صاحبِ الجَنَّةِ ساعةٌ إلَّ وهو يزداد فيها صنعاً حسناً بما أعطاه الله منَ النُّعْمَةِ، وفتح عليه
علماً نافعاً له في معادِه ، لم يكن يَعرِفُهُ ، ولا يأتي على صاحبِ العذابِ ساعةٌ إلّ وهو يعمل فيها ما
يُسْتَنْكَرُ ويُستكره من أعمال أهل العذاب ، ويُفتح عليه شيء لم يكن يعرفه قبل ذلك من المخازي في
الدنيا والآخرة . كان هذا الرَّجُلُ رحمه الله مُتَوَلَّياً على دِمَشْقَ أيَّامَ هِشَام بن عبدِ الملِكِ، ثمَّ بَعَثَهُ إلى
غزْوٍ بلاد الْمَغْرِبِ فَقُتِلَ هناك رِحِمَهُ اللهُ . أوْرَدهُ ابنُ عَساكِرَ رحمه الله .
ذكر أن الجنة حفت بالمكاره وهي الأعمال الشاقة على الأنفس من فعل الواجبات
والمستحبات ، وترك المحرمات ، والصبر على المكروهات، كقوله: ((إسباغ
الوضوءِ على المكاره ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة)(١) ، وأن النار حفت بالشهوات
قال الإمامُ أحمدُ : حدّثنا حَسَنٌ، حدّثنا حَمّادُ بنُ سَلَمَةَ ، عن ثابتِ البُنّانيّ ، عن أنس بن مالكٍ :
أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قال: ((حُقَّتِ الجَنَّهُ بِالمَكَارِهِ، وحُقَّتِ النَّارُ بِالشَّهَواتِ)). وهكذا رواهُ مُسْلِم
وَالتّرْمذيّ، منْ حديثِ حمَّادِ بن سَلَمَةَ، عنْ ثابتٍ - زادَ مُسْلِمُ(٢): وحميدٍ - كلاهما عن أنَسٍ ، وقال
الترمِذيّ: [ صحيحٌ] غريبٌ (٣).
وقال أحمدُ : حدّثنا قُتَيَّةُ، حدّثنا ابنُ لَهيعَةَ، عن أبي الأسْوَدِ ، عن يَحْيَى بنِ النَّضْرِ ، عن
أبي هريرةَ: أَنَّ رسولَ اللهِ وَّه قال: ((حُفْتِ الْجِنَّهُ بالمَكَارِهِ، وَحُفّتِ النّارُ بالشّهَواتِ)). تفرَّد به
أحمدُ، وإسنادُهُ جَيِّدٌ حسنٌ لما له من الشّواهدِ(٤) .
وقال أحمد : حدّثنا محمّدُ بن بِشْرٍ، حدّثنا محمدُ بنُ عَمْرٍو، حدّثنا أبو سَلَمةَ، عن أبي هريرة ،
عن رسولِ الله ◌َّه، قال: ((لمَّا خَلَقَ اللهُ الْجَنََّ والنار، أرْسَلَ جبْرِيلَ فقال : اذهب فانْظُرْ إليها وإلى ما
أعددت فيها لأهلها، فجاء فنظر إليها وإلى ما أعد الله لأهلها فيها، فرَجعَ إليه، فقال : وعِزَّتَكَ
لا يَسْمَعُ بها أحدٌ إلّا دخَلَها، فأمَرَ بها فَحُجِبَتْ بالمكارهِ ، قال: ارْجعْ إليها ، فانْظُرْ إليها وإلى
أخرجه مسلم ( ٢٥١).
(١)
(٢) وكذا الترمذي .
رواه أحمد في المسند ( ١٥٣/٣) ومسلم (٢٨٢٢) والترمذي (٢٥٥٩).
(٣)
(٤) رواه أحمد في المسند (٢/ ٣٨٠).

٥٠٣
سماع أهل الجنة لغناء الحور العين
مَا أَعْدَدْتُ لأهلِها فيها )) قال: ((فرَجَعَ [ إليها ] فإذا هي قد حُجِبَتْ بالمَكارِهِ ، فَرَجَعَ إليه ، فقال :
وعِزَّتكَ لقد خشيتُ أَلَا يَدْخُلَها أحدٌ. قال : اذْهَبْ إلى النّارِ فَانْظُرْ إليها وإلى ما أَعْدَدْتُ لأهلِها فيها ،
فجاء فَنظرَ إليها وإلى ما أعدّ لأهْلِها فيها ، فإذا هي يَرْكَبُ بَعْضُها بَعْضاً ، فَرَجع ، فقال: وِزَّتِكَ
لا يَسْمِعُ بها أحدٌ فَيَدْخُلَها، فأمرَ بها فَحُفَّتْ بالشّهَواتِ فرجع فقال : وعِزَّتِكَ لقد خَشِيتُ ألّا يَنْجُوَ منها
أحد إلا دَخَلها)). تفرَّد به أحمدُ، وإسنادهُ صحيحٌ(١).
وقال أحمدُ : حدّثنا حُسَيْنٌ ، حدّثنا المَسْعُوديّ، عن دَاوُدَ بن يزيدَ ، عن أبيه ، عن أبي هريرةَ:
أنّ رسولَ اللهِوَّ قال: (( أكثرُ ما يَلِجُ به الإنْسانُ النَّارَ الأجْوَفَانِ: الفَرْجُ والفَمُ، وأكْثَرُ ما يَلِجُ بهِ
الإنسانُ الْجِنَّةَ: تَقْوَى اللهِ عزَّ وجلَّ، وحُسْنُ الخُلُقٍ)(٢).
فصل
النَّارُ حُفّتْ بِالشّهَواتِ، ودَاخِلُها كُلُّهُ مَضَرَّاتٌ وعقوبات وحَسَراتٌ، والجَنَّهُ حُفَّت وحجبت
بالمكارِهِ ، وداخلها أنواع المسرَّات مما لا عَيْنٌ رَأَتْ، ولا أُذُنٌّ سمِعَتْ، ولا خَطَرَ على قلبٍ بَشَرٍ منْ
أصناف اللَّذَاتِ ، كما أوردناهُ في الآياتِ المُحْكماتِ والأحاديث الثابتات .
فمنْ نَعِيمهم المُقيم، وَلَذَّتِهِم المسْتِمِرَّةِ، الطَّرَبُ الَّذِي لم تَسْمَع الآذانُ بمثلِه، كما قال
الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ فَهُمْ فِ رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ [الروم: ١٥] قال
الأوزاعيّ ، عن يَحْيَى بن أبي كثير : هو السَّماعُ في الجَنّةِ .
وقد ذكرنا ما رواهُ التِّزْمذيّ من حديثِ عبدِ الرَّحمن بنِ إسْحَاق ، عن النُّعْمانِ بن سَعدٍ ، عن عَلِيٍّ
قال: قال رسولُ الله وَّهِ: ((إنَّ في الْجَنّةِ لَمُجْتَمعاً لِلْحُورِ العِينِ، يُرَفِّعْنَ بأصواتٍ لم تَسْمع الخلائقُ
بمثلِهَا)).
قال : وفي البابِ عن أبي هريرة ، وأبي سعيدٍ ، وأنسٍ(٣) .
قلتُ : وكذا رُوي من حديثِ عبدِ الله بن أبي أوْفَى ، وابن عُمَر ، وأبي أُمَامة .
(١) رواه أحمد في المسند (٣٣٢/٢ - ٣٣٣) أقول: محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي المدني ، صدوق له
أوهام ، فإسناده حسن ، وقد رواه أصحاب السنن ، أبو داود (٤٧٤٤) والترمذي (٢٥٦٠) والنسائي ( ٧/ ٤ -
٥ ) .
(٢) رواه أحمد في المسند (٢/ ٣٩٢) وهو حديث حسن بطرقه .
(٣) رواه الترمذي رقم (٢٥٦٤) وإسناده ضعيف .

٥٠٤
سماع أهل الجنة لغناء الحور العين
حديث أبي هريرة رضي الله عنه
قال جَعْفر الفِرْيابِيّ: حدّثنا سعيد [ بن حفص ]، حدّثنا محمدُ بنُ سلمةُ(١) ، عن أبي عبدِ الرَّحيم،
عن زيد بنِ أبي أَنَّيِسَةَ ، عنِ المِنْهَالِ بن عَمْرٍو ، عن أبي صالِحٍ ، عن أبي هريرة ، قال : إنَّ في الْجَنَّهِ
نَهْراً طُولَ الْجَنَّةِ، حَافَتَاهُ العَذَارَى، قِيَامٌ مُتَقَابلاتٌ، يُغَنِينَ بِأَصْواتٍ يَسْمَعها الخلائقُ، حتى ما يَرَوْنَ
في الجنّةِ لَذَّةً مِثْلَها، قلنا: يا أبا هريرةَ، وما ذاكَ الغِناءُ؟ قال : إن شاء اللهُ ثناء بالتَّسْبيح ،
وَالتّحْمِيدِ، وَالتَّقْدِيسِ، وثَناء على الرَّبِّ عزَّ وجلٍ(٢).
وَرَوَى أبو نُعَيمٍ في ((صَفَةِ الجنَّةِ)) منْ طريقٍ مسلمةُ(٣) بن علي، عن زَيْدِ بنِ وَاقِدٍ ، عِن رَجُلٍ ، عن
أبي هريرة مرفوعاً: ((إنّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرةً ◌ُذُوعُها من ذهبٍ ، وفُرُوعُها مِنْ زَبَرْجَدٍ وَلُؤْلُؤْ، فَتَهُبُّ لها
ريحٌّ فَتَصْطَفِقُ ، فما يَسْمِعُ السَّامِعُونَ بِصَوْتِ شيءٍ قَطُ ألذَّمِنُْ (٤).
وقد تقدَّم عن ابن عبّاسٍ أنَّها تُحَرِّكُها الرّياحُ، فتتحرَّكُ بصَوْتِ كَل لَهْوِ كان في الدُّنْي٥ُ) .
حديث أبي سعيد
قال ابن أبي الدنيا : حدّثني إبراهيم بن سعيد ، حدّثنا علي بن عاصم ، حدّثنا سعيد بن أبي سعيد
الخدري(٦)، عن أبيه قال: حُدّثت أن في الجنة آجاء(١٧) من قصب من ذهب، حملها اللؤلؤ، فإذا اشتهى أهل
الجنة أن يسمعوا صوتاً حسناً، بعث الله عزَّ وجلَّ على تلك الآجام ريحاً فتأتيهم بكل صوت يشتهونه (٨) .
حديث أنس رضي الله عنه
قال ابنُ أبي الدُّنيا : حدّثنا أبو خَيْئمةَ، حدّثنا إسماعيلُ بنُ عُمَرَ، حدّثنا ابن أبي ذِئبٍ(٩) ،
عن عبدِ اللهِبن رافعٍ، عن أنسٌ ١٠)، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إنَّ الحُورَ العِينَ ليغنِّين في
(١) في (أ) : محمد بن مسلمة ، وهو خطأ .
(٢)
رواه البيهقي في (( البعث والنشور)) ( ٤٢٥).
(٣)
في الأصول : سليم ، وهو خطأ .
رواه أبو نعيم في « صفة الجنة)) ( ٤٣٣) وإسناده ضعيف .
(٤)
رواه ابن أبي الدنيا في «صفة الجنة)) ( ٤٥) وفي إسناده ضعف .
(٥)
في ((صفة الجنة)): الحارثي، وهو الصواب، وسيأتي كذلك صفحة (٥٠٦).
(٦)
جمع أجمة ، وهي الشجر الكثير الملتف .
(٧)
رواه ابن أبي الدنيا في «صفة الجنة)) (٢٦٧) وفي إسناده ضعف، كما أومأ إليه المصنف في آخر هذا الباب.
(٨)
أقحم في الأصول بعده : عن أبي ذئب .
(٩)
(١٠) في ((صفة الجنة)): ابن عبد الله بن رافع عن بعض ولد أنس بن مالك عن أنس .

٥٠٥
سماع أهل الجنة لغناء الحور العين
الْجِنَّةِ يقلن: نحنُ الْحُورُ الحِسَان، خُلِقْنا لأزواجِ كرام)(١) .
حديث عبد الله بن أبي أوْفَى ، وهو حديث غريب
قال الحافظُ أبو نُعَيْم : حدّثنا محمدُ بن جَعْفرٍ منْ أصلِهِ ، حدّثنا مُوسى بن هارُون ، حدّثنا
حامد بن يَحْيَى الْبَلْخِيُّ، حدّثنا يُونسُ بن محمّدٍ المُؤَدِّبُ ، حدّثنا الوليدُ بن أبي ثَوْر ، حدّثني سعدٌ
الطّائيُّ، عن عبد الرَّحمن بن سابط، عن ابن أبي أوْفَى، قال: قال رسولُ اللهَِ: ((يُزَوَّجُ إلى كلِّ
رَجُلٍ مِنْ أهْلِ الجَنّةِ أربعةُ آلاف بِكْرٍ ، وثمانيةُ آلافِ أيِّم ، ومَثَةُ حَوْرَاءَ ، فَيَجْتَمعنَ في كلِّ سَبْعَةٍ أيّامٍ ،
فِيَقُلْنَ بأصْواتٍ حِسانٍ لم تَسْمع الخلائقُ بِمِثْلها : نَحْنُ الْخالدَاتُ فلا نَبيد ، ونَحْنُ النَّاعماتُ فلا نَبَأسَ ،
ونَحْنُ الرَّاضيَاتُ فلا نَسْخط، ونحنُ المُقيماتُ فلا نَْعَن، طوبى لمنْ كان لنا، وكُنّا له)(٢).
حديث ابن عمر رضي الله عنهما
قال الطَّبراني: حدّثنا أبو رِفَاعةَ عُمَارَةُ بنُ وَثِيمَةَ بن مُوسى بن الفُراتِ المِصريُّ(٣)، حدّثنا سَعيدُ بن
أبي مريمَ ، حدّثنا محمدُ بنُ جَعْفر بن أبي كَثِيرٍ، عن زَيْدِ بن أسْلَمَ، عن ابن عُمر ، قال : قال
رسولُ اللهِ وَله: ((إنَّ أزْوَاجَ أهْلِ الْجَنَّةِ لَيُغَنّينَ أزْوَاجَهُنَّ بأحسن أضْواتِ سمَعَها أحدٌ قطُ، إنَّ مما يُغَنِّينَ
بهِ : نحنُ الخيراتُ الحِسَان، أزْوَاجُ قَوْمِ كِرام ، يَنْظُزْن بِقُرَّةِ أعْيَان . وإنَّ ممَّا يُغَنِينَ بهِ : نحنُ
الخالداتُ، فلا نمُتْنه، ونحنُ الآمنات فلا نَخفْنه، ونحنُ المُقيماتُ فلا نَظْعَّة)(٤).
حديث أبي أمامة رضي الله عنه
قال جعفرٌ الفِرْيابيّ : حدّثنا سُليمان بنُ عبدِ الرَّحمنِ ، حدّثنا خَالدُ بنُ يزيدَ بنِ أبي مَالكِ ، عن
أبيه، عن خالدِ بن مَعْدان، عن أبي أَمَامةَ، عن رسولِ الله ◌ِّهِ، قال: (( ما منْ عَبد يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلَّا
وَيَجْلسُ عِنْدَ رَأْسِهِ وَرِجْليْهِ ثِنْتَانِ مِنَ الْحُورِ العِينِ تُغَنِّيَانِهِ بِأحْسنِ صَوْتٍ سَمْعُهُ الإنْسُ والْجُّ، وليْسَ
بمزامير الشَّيْطانِ »(٥) .
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((صفة الجنة)) (٢٦٠) وهو حديث حسن بطرقه وشواهده.
(٢) رواه أبو نعيم في (( صفة الجنة )) ( ٣٧٨ ) ، وهو حديث حسن .
(٣) في الأصول : البصري ، وهو خطأ .
(٤) رواه الطبراني في ((الأوسط)) ( ٤٩١٧) والصغير (٧٣٤) وهو حديث صحيح.
(٥) رواه الطبراني في الكبير ( ٧٤٧٨) عن الفريابي بنحوه، قال الهيثمي (٤١٩/١٠) رواه الطبراني، وفيه من لم
أعرفهم .

٥٠٦
سماع أهل الجنة للملائكة وإسرافيل وداود عليه السلام
وقال ابنُ وَهْبٍ : حدّثني سعيد(١) بنُ أبي أيُّوبَ، قال: قال رَجُل منْ قريشٍ لابن شِهابٍ : هلْ في
الجَنَّةِ سَمَاعٌ فإنهُ حُبِّبَ إليَّ السَّمَاعُ؟ فقال: إِي وَالَّذِي نَفْسُ ابن شِهَابٍ بِيَدِهِ، إنَّ في الجَنَّةِ لَشَجراً
حَمْلُهُ اللُّؤْلُؤْ وَالزَّبَرْجِدُ، تَحْتَهُ جَوَارٍ ناهدات يُغنِّينَ بالْقُرْآنِ ، وَيَقُلْنَ : نحنُ النَّاعِماتُ فلا تَبْأس ، ونحنُ
الخَالِدَاتُ فلا نمُوت ، فإذا سَمِع ذلك الشَّجَرُ صَفَقَ بَعْضُهُ بَعْضاً، فأجَبْنَ الْجَواري ، فلا يُدْرى :
أصْواتُ الجَواري أحْسنُ ، أمْ أصْواتُ الشَّجَرِ ﴾(٢) .
قال ابنُ وَهْبٍ : وحدّثنا اللَّيْثُ [بن سعد]، عن خالدٍ بن يزيدَ: أنَّ الحُور يُغَنِّينَ أزْوَاجَهُنْ ،
يَقُلْنَ : نحنُ الْخَيْراتُ الحِسَان ، أزْوَاجُ شَبَابٍ كِرام ، ونحنُ الخَالِدَاتُ فلا نموت ، ونحنُ النَّاعِمَاتُ فلا
تَبَأْس ، ونحنُ الرَّاضياتُ فلا نَسْخط ، ونحنُ المُقيماتُ فلا نَظْعن، في صَدْر إحداهُنَّ مَكْتُوبٌ : أنْتَ
حِّي ، وأنا حِبُّكَ ، انْتَهَتْ نَفْسِي عِنْدَكَ، لَمْ تَرَ عَيْنايَ مِثْلَك(٣) .
وقال ابنُ المُبَارِكِ: حدّثنا الأوْزَاعِيُّ، حدّثنا يَحْيِى بنُ أبي كَثِيرٍ : أنَّ الحُورَ العِينَ يَتَلَقَّيْنَ أزْوَاجَهُنّ
عِنْدَ أبَوَابِ الْجَنّة، فيقُلْنَ: طَالَمَا انْتَظَرْناكم، نحنُ الرَّاضياتُ فلا نَسْخَط، وَالمُقيماتُ فلا نَظْعَن ،
والْخَالِداتُ فلا نموت ، كأحسن أصوات سُمِعَتْ، وتَقُولُ: أنتَ حِبِّي وأنَا حِبُّكَ، لَيْسَ دُونِكَ
مَقْصِدٌ ، ولا عنك معدِل ، ولا وَرَاءَكَ مطلب(٤) .
وهذه الآثار كلها رواها ابن أبي الدنيا وغيره ، وفيها نظر .
وقال ابنُ أبي الدُّنيا : حدثني إبراهيمُ بنُ سعيد(٥) ، حدّثنا علي بن عاصم ، حدّثني سعيد بن
أبي سعيدِ الْحَارثيّ ، قال: حُدِّثْتُ أنَّ في الجَنَّةِ آجاماً منْ قَصَبٍ مِنْ ذَهَبٍ حَمْلُها اللُّؤْلُؤُ ، فإذا اشْتَهى
أهلُ الجَنَّة أنْ يَسْمَعُوا صَوْتاً حَسناً بَعَثَ اللهُ على تِلْك الآجَامِ رِيحً فتَأْتِيهِمْ بِكُلِّ صَوْتٍ حَسَنٍ يَشْتَهُونَهُ .
وقد تقدم هذا عن أبي سعيد الخدري ، وهو وهم ، والله أعلم .
نوع آخر من السماع أعلى من الذي قبله
ذكَرَ حمَّادُ بن سَلَمة، عن ثابتِ البُنانيِّ، وحَجَّاجِ بن الأسْودِ ، عن شَهْرِ بن حَوْشبٍ ، قال : إنَّ
اللهَ عزَّ وجلَّ يقولُ لملائكةِ يوم القيامة: إنَّ عِبادي كانوا يُحبُّونَ الصَّوْتَ الْحسنَ في الدنيا ويَدَعونَه منْ
في الأصول : سعد ، وهو خطأ .
(١)
رواه ابن أبي الدنيا في ((صفة الجنة)) (٢٦١).
(٢)
(٣)
رواه ابن أبي الدنيا في ((صفة الجنة)) ( ٢٦٢).
(٤) رواه ابن المبارك في الزهد (٤٣٥ - زوائد نعيم ).
في الأصول : إبراهيم بن سعد ، وهو خطأ .
(٥)

٥٠٧
سماع أهل الجنة للربَّ سبحانه وللقرآن
أجلي ، فأسْمِعُوا عِبَادي . فَيَأخذُونَ بأصواتٍ منْ تَهْليلٍ ، وتسْبيحِ ، وتَكْبِيرٍ، لم يَسْمعُوا بمثلها قطُ .
وقال ابنُ أبي الدُّنيا : حدّثني دَاوُدُ بنُ عَمْرٍو الضَّبِّيّ: حدّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ المبارَكِ ، عن مالِك بنِ
أنَسٍ، عن محمدِ بنِ الْمُنْكَدِرِ ، قال: إذا كانَ يومُ القِيَامةِ نَادَى مُنادٍ : أَيْنَ الَّذِينَ كانُوا يُنزِّهون
أسْمَاعَهُمْ وأنْفُسَهُمْ عن مَجالس اللَّهْوِ ومَزَاميرِ الشَّيْطانِ في الدنيا، أسْكِنُوهُمْ ريَاضَ المِسْكِ. ثم يقولُ
للملائكةِ : أسْمِعُوهُمْ تَمْجيدي وتَحْميدي، وأخبروهم أن لا خوف عليهم ، ولا هم يحزنونُ(١) .
وقال ابنُ أبي الدُّنيا: حدّثنا دهثَمُ(٢) بنُ الفَضْلِ القُرشيّ، حدّثنا روَّاء٣ٌ) بنُ الجَّاحِ ، عن
الأوْزاعيّ قال: بَلَغني أنّهُ لَيْسَ منْ خَلْقِ اللهِ أحْسنُ صوْتاً منْ إسْرَافِيلَ، فَأمُرُهُ اللهُ فَيَأْخُذُ فِي السَّماعِ ،
فما يَبْقَى مَلَكٌ مقرب في السموات إلّا قَطَعَ عَلَيْهِ صَلاَتَهُ، فَيَمْكُثُ بذلك ما شَاءَ اللهُ أنْ يَمْكُثَ ، فيقَوَلُ
اللهُ عزَّ وجلَّ: وَعِزَّتي وجلالي لوْ يَعْلمُ العِبَادُ قَدْرَ عَظَمتي ما عَبَدُوا غَيْرِيّ(٤).
وحدّثني محمدُ بنُ الحُسَيْنِ ، حدّثنا عبد الله بن أبي بَكْرٍ، حدّثنا جَعْفرُ بن سُلَيْمانَ، عن مَالِكِ بن
دِينارٍ في قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَثَابٍ﴾ [ص: ٢٥]، قال: إذا كانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أُمِرَ
بِمِنْبَرٍ رَفيعٍ فَوُضعَ في الْجَنَّةِ، ثمَّ نُوديَ: يَا دَاوُد ، مَجِّدْني بذلك الصَّوْتِ الْحَسنِ الرَّخيمِ الَّذِي كُنْتَ
تُمَجِّدُني بَهِ فِي دَارِ الدُّنْيا ، قال : فَيَسْتَفرِغُ صَوْتُ دَاوُدَ نَعِيمَ أهلِ الْجَنَّةِ، فذلك قولُهُ: ﴿ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا
لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَثَابٍ﴾ [ص: ٢٥]٥).
نوع آخر أعلى مما عداه
وهُوَ سَمَاعُهُمْ كلامَ الرَّبِّ سبحانه ، إذَا خَاطَبَهُمْ في المَجَامِعِ الَّتِي يَجْتَمِعُونَ فيها بَيْنَ يَدَيْهِ تعالى ،
فيُخاطِبُ كلَّ واحِدٍ منهم ، ويُذَكِّرهم بأعمالِهِ الَّي سَلَفَتْ مِنْهُ في الدُّنيا، وكَذلك إذا تَجَلَّى لَهُمْ جَهْرةً ،
فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ ذَكَرْنا ذلك عند قولهِ تعالى: ﴿سَلَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍ رَّحِيمٍ﴾ [ يس: ٥٨] وقد سَبَقَ حديثُ
جابرٍ في ذلك وهو في (( سُننِ ابن مَاجَهْ)) وغَيْرِ !٦) .
وقدْ ذكر أبو الشَّيخ الأصْبَهَانِيّ، منْ طَريق صَالحٍ بن حَيَّنَ ، عَنْ عبدِ الله بن بُرَيدة ، قال: إنَّ أهْل
الجَنَّةِ يَدْخُلُونَ كلَّ يوم على الجَبَّار جَلَّ جَلالهُ، فَيَقرَأُ عَلَيْهِم الْقُرآنَ ، وقدْ جَلسَ كلٌّ منهم مَجْلِسَهُ الَّذي
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((صفة الجنة)) (٢٦٩).
(٢)
في الفاسية : دهیم .
في الأصل : داود بن الجراح ، وهو خطأ .
(٣)
رواه ابن أبي الدنيا في ((صفة الجنة)) ( ٢٦٤) .
(٤)
رواه ابن أبي الدنيا في ((صفة الجنة)) ( ٣٤٣).
(٥)
(٦) رواه ابن ماجه (١٨٤) وإسناده ضعيف.

٥٠٨
ذكر خيل الجنة وإبلها وشاتها ومِعْزاها
هوَ مَجْلِسُهُ على مَنابر الدُّرِّ، والْيَاقُوتِ، والزَّبِرْجَدِ ، والذَّهَب، والزُّمُؤُدِ، فلمْ تَقرَّ أعيْنُهُمْ بشيءٍ،
ولمْ يَسْمَعُوا شيئاً قَطُ أعْظَمَ ولا أحْسَنَ مِنْهُ، ثمَّ يَنْصرفونَ إلى رِحَالِهِمْ بأعْيُن قَرِيرةٍ ، وأعيُنُهُمْ إلى مِثْلِها
مِنَ الغَدِ متطلعة .
وروى أبو نُعيم، منْ حَديث شُبَّان بن جَسر بن فرقد السَّبَخي (١) ، عن أبيه، عن الحسن، عنْ
أبي بَرْزةَ الأسْلَمَيّ مَرْفُوعاً: ((إنَّ أهلَ الْجَنَّهَ ليَغْدُونَ فِي حُلَّةٍ، ويَرُوحُونَ في حُلَّةٍ أخرى كَغُدُوِّ أحَدِكم
وَرواحِه إلى مَلِكِ منْ مُلوكِ الدُّنْيا، كذلكَ يَغْدُونَ وَيروحُونَ إلى ربِّهِمْ عزَّ وجلَّ ، وذلك لَهُمْ بمَقادير
ومَعالم يَعْلَمُونَ تلكَ السَّاعةَ الَّتي يأتُونَ فيها ربَّهُمْ عزَّ وجلَّ)(٢).
وقال ابن أبي الدنيا : حدثنا داود بن عمر ، حدثنا عامر بن يساف ، عن يحيى بن أبي كثير قال :
لكل رجل من أهل الجنة سمَّاعتان يسمعانه من تقديس الله وتحميده وتكبيره بصوت لم يسمع الخلائق
بمثله : نحن خيرات حسان ، أزواج قوم كرام ... وذكره كما تقدم .
وقال ابن أبي الدنيا : حدثني محمد بن الحارث الخرّاز ، ثنا سيَّار بن حاتم ، ثنا عبد الله بن عرادة
الشيباني ، عن القاسم بن المطلب العجلي، عن مغيرة ، عن إبراهيم قال : إن في الجنة حواريَّ يقرأن
القرآن على شاطىء أنهار الجنة بالعربية، ينعم الله عز وجل بهن أهل الجنة من أمة محمد واله .
وذكر ابن أبي الدنيا عن يحيى بن أبي كثير أنه يُرفع عن أهل الجنة قراءة القرآن إلا ﴿طه﴾ و﴿يس﴾.
ذكر خيل الجنة
قال التِّرمذيّ : حدّثنا عبد الله بن عبد الرحمنِ ، حدّثنا عَاصم بن عَلِيٍّ، حدّثنا المسْعُودي ، عنْ
عَلْقمةَ بنِ مَرْثَد (٣)، عن سُلَيْمان بن بُرِيدَةَ، عنْ أَبِيهِ: أنَّ رَجُلاً سَأل النَّبِيَّ وَه، فقال: يا رسولَ الله ،
هل في الجَنَّةِ منْ خَيْلٍ ؟ فقال: ((إنِ اللهُ أدْخَلَكَ الْجنةَ فلا تَشَاءُ أنْ تُحْمَلَ فيها على فَرسٍ من ياقُوتة
حَمْراء تطير بك في الْجِنَّةِ حَيْثُ شْتَ)) قالَ: وسألهُ رَجُلٌ فقال: يا رَسُولَ الله ، هلْ في الْجَّةِ منْ
إبلٍ ؟ قال : فلم يقُلْ له مثل ما قال لصَاحِبهِ ، قال: ((إنْ يُدْخِلكَ اللهُ الْجَنَّةَ، يَكُنْ لكَ فيها ما اشْتَهَتْ
نَفْسُكَ، ولذَّتْ عَيْنُكَ)). ثمَّ رواه عن سوَيْدٍ، عن ابن المُباركِ، عنْ سُفْيَان، عَنْ عَلْقمة، عنْ
عبدِ الرحمن بن سابِطٍ، مُرسلاً، قال: وهذا أصحٌ(٤) .
(١) في الأصل : حسن بن فرقد السبخي ، وهو خطأ. والصواب : جعفر بن جسر بن فرقد السَّبَخي الملقب شُبَّان .
(٢)
رواه أبو نعيم في ((صفة الجنة)) (٣٩٤) وفي إسناده ضعف .
(٣) في الأصول : علقمة بن حريث ، وهو خطأ.
(٤) رواه الترمذي (٢٥٤٣) وهو حديث ضعيف .

٥٠٩
ذكر خيل الجنة وإيلها وشاتها ومِعزاها
وقَدْ رَوى أبُو نُعَيْم في (( صِفةِ الْجِنَّةِ)) منْ طَرِيقٍ عَلْقمةَ بنِ مرثد(١)، عن يَحْيِى بن إسْحاقَ ، عِنْ
عَطاء بن يَسارٍ، عنْ أبي هُرَيرة، عن النبيِّ بَّهَ، قال: (( وَالفِرْدوس أعْلاهَا سُمُوّاً، وأوسعُها مَحلاً ،
وفيها تَفَجَّرُ أنْهارُ الْجِنَّةِ، وَعَلَيْها يوضعُ العَرشُ يومَ القيامة)) فقَامَ إليْهِ رَجُلٌ ، فقالَ: يا رسولَ الله ، إنِّي
حُبِّبَ إليَّ الْخَيْلُ، فهلْ فِي الْجِنَّةِ خَيْل؟ قالَ: ((إي والَّذِي نَفْسي بَيَدهِ، إنَّ في الجنَّةِ لَخيلاً ، وإِيلاً
هَفَّافَةُ(٢) ، تَزِفُّ بَيْن خِلاَلٍ وَرَقِ الْجِنَّةِ، يَتَزَاوِرُونَ عَليْها حيث شاؤوا)(٣) .
وقال الترمذي: حدّثنا محمدُ بن إسماعيل بن سَمُرَة الأحمسيُّ، حدّثنا أبو مُعاويةَ ، عنْ وَاصِلٍ بن
السَّائبِ، عَنْ أبي سَوْرَةَ، عنْ أبي أيُّوبَ، قال: أتَى النبيَّ نَّ أَغْرابِيٌّ، فقالَ: يا رسولَ الله إنِّي أُحبُّ
الْخَيْلَ، أفي الْجِنَّةِ خَيْلٌ؟ قال رسولُ اللهَِّهِ: ((إنْ أُدْخلتَ الْجِنَّة أُتيتَ بِفَرَس منْ ياقُوتَةٍ لهُ جَنَاحانِ ،
فحُملتَ عَليهِ، ثمَّ طَارَ بكَ حَيْثُ شِئتَ)). ثم ضعّف الترمذيُّ هذا الإسناد من جهة أبي سَوْرةً ابن أخي
أبي أيوب، فإنَّهُ قَدْ ضَعَّفَهُ غَيْرٌ واحِدٍ ، واسْتَنْكرَ البُخاريّ حديثه هذا، والله أعلم(٤) .
وقال القُرطُبيُّ : وذَكَر ابنُ وَهبٍ : حدّثنا ابن زيدٍ ، قال الْحَسَنُ البَصريّ : يُذْكَرُ عَنْ
رسولِ اللهِوَّ: ((إنَّ أدنى أهْلِ الْجَنّةِ مَنزلةٌ الذي يركبُ في ألفِ ألف منْ خَدَمهِ من الْوِلْدَانِ المُخَلَّدِينَ ،
على خَيْلِ منْ يَاقوتٍ أحْمَر، لهَا أجْنَحةٌ منْ ذَهبٍ )) ثم قرأ: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ ثَّ ◌َأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكَا كَبِيرًا ﴾ [ الإنسان:
٢٠]. قلت: فيه انقطاع بَيْنَ عَبْدِ الرَّحمْنِ بن زيدٍ - وَهُو ضَعِيفٌ - وَبينَ الْحَسَنِ، ثمّ هُوَ مُرسلٌ.
وروى أبو نُعيم، عنْ أبي أَيُوب مرفوعاً: ((إنَّ أهْلَ الْجَنّةِ لِيَتَزَاوَرُونَ على نجائب بيضٍ ، كأنّها
اليَاقُوتُ، وليسَ في الْجَنّةِ منَ البهائم إلا الخَيْلُ والإبلُ)(٥).
وقال عبد الله بن الْمُبارَكَ: حدّثنا هَمَّامٌ، عنْ قتَادَة، [ عن أبي أيوب ]، عن عبد الله بن عَمْرو ،
قال: (( في الْجَنّةِ عِتَاق الْخَيْلِ وكرائم النّجائب، يركبُها أهْلُها)(٦). وهذه الصيغَةُ لا تدُل على حَصْر
كما دَلَّ عليْهِ رِوَايةُ أبي نُعيم في حَديث أبي أيُّوب، ثُمَّ هُوَ مُعَارَضٌ بما رواه ابن ماجه في ((سُنَتِهِ)) عنْ
[عبد الله ] بن عُمَر، أنَّ رسولَ الله وَهَ قَالَ: ((الشَّاةُ مِنْ دَوابِّ الجَنةِ)). وهذا مُنْكِرٌ أيضاً(٧).
(١) في (آ): حريث ، وهو خطأ .
(٢) أي سريعة السير.
(٣) رواه أبو نعيم في ((صفة الجنة)) (٤٢٧).
(٤) رواه الترمذي (٢٥٤٤) .
(٥) رواه أبو نعيم في ((صفة الجنة)) (٤٢٠) وإسناده ضعيف.
(٦) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٢٣١ - زوائد نعيم ).
(٧) رواه ابن ماجه رقم (٢٣٠٦).

٥١٠
ذكر تزاور أهل الجنة بعضهم بعضاً
وفي (( مُسْنَدِ الْبَزَّارِ)) عن النَّبِيِّ ◌َِّ قال: ((أحْسِنُوا إلى المِعْزى، وَأَمِيطُوا عَنْهَا الأَذَى، فإنَّها منْ
دَوَابِّ الجنّةِ (١) .
وقال أبو الشَّيْخِ الأصْبَهَانِيّ: حدّثنا القاسمُ بن زكَرِيًّا، حدّثنا سُوَيْدُ بنُ سَعيدٍ، حدّثنا مَزْوَانُ بنُ
مُعَاوية، عن الحَكَمِ بن أبي خالدٍ، عن الحَسنِ البَصْريّ، عن جابر بن عبد اللهِ، عن النَّبِيِّ وَّ قال:
(إذا دَخَلَ أهْلُ الْجَنَّةِ الجَنّةَ، جَاءَتْهُمْ خُيُولٌ مِنْ يَاقُوتٍ أحمر، لها أجْنِحَةٌ ، لا تَبُولُ ولا تَرُوثُ ،
فقَعِدُوا عليها، ثمَّ طَارَتْ بهم في الجَنّةِ ، إلى حيث شاء الله من سلطانه، فيَتَجَلَّى لهُمُ الجَبَّارُ تعالى،
فإذا رَأوْهُ خَرُوا لهُ سُجَّداً، فيقولُ لهم الجبّارُ تعالى: ارفعُوا رُؤُوسَكم ، فإنَّ هذا ليسَ بَيَوْمٍ عَمَلٍ ، إنَّما
هو يَوْمُ نَعيمٍ وكَرامةٍ ، فَيَرْفَعُون رؤوسَهُمْ، فَيُمْطِرُ اللهُ عَلَيْهِمْ طِيباً، فَيَمُرُون بِكُثْبَانِ الِمِسْكِ، فَيَبْعَثُ الله
على تِلْك الكَثْبانِ ريحاً، فَتَهيجُها عَلَيْهِمْ حتَّى إِنَّهُمْ لِيَرْجِعُون إلى أهْلِيهِمْ وَإِنَّهُمْ لِشُعْثٌ غُبْرٌ )(٢).
وقال ابنُ أبي الدُّنيا: حدّثني الفَضْلُ بن جعْفَرٍ، حدّثنا جعْفرُ بنُ جِسْر (٣)، حدّثنا أبي، عن
الْحَسنِ بنِ عَلِيّ، عن عليّ رضي الله عنهما قال: سمعتُ رسولَ اللهِوَلَهَ يقولُ: ((إنَّ في الْجِنَّةِ لَشَجرةً
يَخْرُجُ منْ أعْلاها حُلل، ومن أسْفَلِها خَيْلٌ منْ ذهبٍ ، مُسْرَجَةٌ مُلْجمةٌ بلجم منْ دُرِّ ويَاقوتٍ ، لا تَرُوثُ
ولا تَبُولُ ، لها أجْنِحةٌ ، خَطُوُها مَدُّ بَصَرِها، فيركبها أهْلُ الْجِنَّةِ فَتَطِيرُ بهمْ حَيْثُ شَاؤُوا، فيقولُ الَّذِين
أسْفَلَ مِنْهُمْ دَرَجةً: يا رَبِّ، بم بَلَغَ عِبَادُكَ هذه الكَرامةَ كُلَّها؟ فيقال لهمْ: كانُوا يُصَلُّون اللَّيْلَ وَكُنْتُمْ
تَنَامُونَ، وكانوا يَصُومُونَ وكُنْتُم تَأْكُلُونَ، وكانوا يُنْفِقُونَ وَكُنْتُم تَبْخَلون، وكانوا يُقاتِلُون وكُنْتُم
تَجْبُون (٤) .
ذِكر تزاور أهل الجنّة بعضهم بعضاً وتذاكرهم أموراً كانت بينهم
في الدنيا من طاعات وزلَّات
◌َ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا
◌َ قَالُواْ إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِيَّ أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ
قال الله تعالى: ﴿ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَّسَاءَلُونَ
وَوَقَتْنَا عَذَابَ السَّمُومِ (٨٥) إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [ الطور: ٢٥ -٢٨].
وقال تعالى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يََّسَآءَ لُونَ ﴾ قَالَ قَّابِلٌ مِنْهُمْ إِنِ كَانَ لِ قَرِينٌ
يَقُولُ أَمِنَّكَ لَمِنَ
الْمُصَدِّقِينَ
ج) ...
الآيات إلى قوله: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًّا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُومِ
[ الصافات: ٥٠ - ٦٢ ] .
(١) رواه البزار في مسنده (١٣٢٩ - كشف الأستار) وإسناده ضعيف.
(٢) رواه أبو نعيم في صفة الجنة (٤٢٩) من طريق سويد به ، وإسناده ضعيف.
(٣) في الأصول : جعفر بن بشر ، وهو خطأ .
(٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((صفة الجنة)) (٢٤٩) وإسناده ضعيف.

٥١١
ذكر تزاور أهل الجنة بعضهم بعضاً
قال أبو بكْرِ بنُ أبي الدُّنْيا١) : حدّثنا سَلَمةُ بنُ شَبيبٍ، حدّثنا سعيدُ بنُ دِينارٍ ، عن الربيع بن
صَبِيحٍ، عن الْحَسَنِ ، عن أنسٍ ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهَ: ((إذا دَخَلَ أهْلُ الْجَنّةِ الْجَنَّةَ، فَيَشْتاقُ
الإِخْوَانُ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ ، فَيَسيرُ سَريرُ هذا إلى سَرِيرٍ هذا، حتَّى يَجْتَمِعَا جميعاً، فيقُولُ أحدُهما
لِصَاحِبِهِ: تَعْلمُ مَتِى غَفَرَ اللهُ لنا؟ فيقُولُ صَاحِبُهُ: كُنَّا في مَوْضِع كذا [وكذا]، فَدَعَوْنا اللهَ فَغَفَر
لَنَا (٢) .
﴾ [ الصافات] وهذا القرينُ يَشْملُ الجِنِّيَّ
وأما قوله تعالى: ﴿ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ إِنِ كَانَ لِ قَرِينٌ
وَالإنْسِيَّ، يقُولُ: كانَ يُؤَسْوِسُ لي بالْكُفْرِ والمعاصي واسْتِبْعادِ أمْرِ المَعَادِ، فبرحمة الله [ونعمته ]
نجوتُ منْهُ، ثم أمرَ أصْحابَهُ أن يطلعوا معه على النَّارِ، لينظر ما حالُ قرينه ﴿فَأَطَّلَعَ فَرَاهُ فِى سَوَآءِ
الْجَحِيمِ ﴾﴾ أي في غَمَراتِها يعذب، فحَمِدَ اللهَ على نَجاته مما قرينه فيه من العذاب .
ثم قال : ﴿َلَّهِ إِن كِدِثَّ لَتُدِيِنِ ﴿ وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّ لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ أي معك فيما أنت فيه من
العذاب ، ثمّ ذكرَ الغِبْطَةَ الّتي هو فيها، وَشَكَرَ الله [عَلَيْها ]، فقال: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَّتِيٌّ ◌ِيّ ◌ِلَّ مَوْنَنَا الْأُولَى
وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ أي أما قد نَجَوْنا منَ المؤْتِ والعَذابِ بدُخُولنا الجنَّة؟ ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ اَلْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.
وقولهُ: ﴿ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَمِلُونَ﴾ يَخْتملُ أن يكونَ منْ تمام مقالةِ المؤمن، ويَحْتملُ أن يكونَ منْ
كلام اللهِ عزَّ وجلَّ ، حثّاً لعباده على مثل هذا الفوز، وليتنافس المتنافسون في الفوز عنده من النار ،
ودخول الجنة، لا موت فيها. وَلِهِذا نَظائرُ كثيرةٌ، قد ذكرناها في ((الَّفْسيرِ)).
وذكرنا في أوَّلِ (( شرحِ البُخاريّ)) في كتابِ الإيمانِ حديثَ حَارثَةَ حينَ قالَ لهُ رسولُ اللهِ وَّةٍ:
((كيفَ أصْبَحْتَ يا حارثة؟)) فقال: أصْبَحْتُ مُؤْمناً حَقّاً، قال: ((فما حقيقةُ إيمانِكَ؟)) قال: عَزَفَتْ
نَفْسي عنِ الدُّنيا ، فأسْهَرْتُ ليلي، وَأَظْمَاتُ نهاري، وكأنِّي أَنْظُرُ إلى عَرْشِ ربِّي بَارِزاً، وإلى أهْلِ
الجَنَّةِ يَتَزَاوِرُونَ فيهَا، وإلى أهلِ النَّارِ يُعذّبُونَ فيها، فقال ◌َ: ((عَبْدٌ نَوَّرَ اللهُ قَلْبَهُ (٣) .
وقال سُليمانُ بنُ المُغيرَةِ ، عن حُمَيْدِ بنِ هِلالٍ قال: بلغنا أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَزُورُ الأَعْلَى الأسْفَلَ ،
ولا يزُورُ الأسْفَلُ الأَعْلى . قُلتُ : وهذا يَحْتملُ مَعْنَيْنِ :
أحدُهما : أنَّ صاحبَ المرتبة السَّافِلةِ لا يَصْلُحُ لهُ أنْ يَتَعدّاها ، لأنه لَيْسَ فِيهِ أهْلِيَّةٌ لذلك .
الثاني: لِثَلا يَرَى مِنَ النَّعيم فَوْقَ ما هُو فيهِ ، فَيَحْزِنَ لذلك، وَذلك أنه لَيْسَ في الْجِنَّةِ حُزْنٌ ، والله
أعلم .
(١) في الأصول : أقحم هنا ( حدّثنا عبد الله ) .
(٢)
رواه أبو بكر بن أبي الدنيا في ((صفة الجنة)) (٢٤٥) وإسناده ضعيف .
(٣) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (١١/ ١٠٤٧٤) وغيره بأسانيد مختلفة ، وهو حديث ضعيف .

٥١٢
ذكر تزاور أهل الجنة بعضهم بعضاً
وقد وَرَد ما قالَهُ حُمَيْدُ بنُ هلالٍ في حديثٍ مرفوعٍ ، وفيه زيادة على ما قالَ .
فقال الطَّبرانيّ: حدّثنا الحسين(١) بن إسْحاقَ، حدّثنا سهل (٢) بن عُثْمانَ، حدّثنا المُسَيَّبُ بن
شَريكٍ، عن بِشْرِ بن نُمَيْرٍ، عن القاسم، عن أبي أَمامَةَ، قال: سُئلَ رسولُ اللهِ وَّهِ: أَيَتَزَاوَرُ أهْلُ
الْجِنَّةِ؟ قال: ((يَزُورُ الأَعْلَى الأَسْفَلَ، ولا يَزُورُ الأسْفلُ الأَعْلى، إلّا الّذين يَتَحابُّونَ في اللهِ تعالى ،
فإنهم يأْتُونَ مِنْها حَيْثُ شَاؤُوا، على النُّوقِ، مُحتَقَبِينَ(٣) الْحَشَايا)(٤) .
وقال ابنُ أبي الدُّنيا : حدّثنا حَمْزةُ بنُ العَبَّاسِ ، حدّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ عُثْمانَ، حدّثنا عبدُ اللهِبن
المُبارك، حدّثنا إسماعيلُ بنُ عَيَّاشٍ ، حدّثني ثَعْلبةُ بن مسلم، عن أيُّوبَ بنِ بشيرٍ(٥) العِجْليِّ، عن
شُفَيِّ بن ماتعِ: أنَّ رسولَ اللهِ بَ قال: ((إنَّ منْ نعيم أهْلِ الجَنَّةِ أَنَّهُمْ يَتزاورُونَ على الْمَطَايَا وَالنُّجُبِ ،
وأَنَّهُمْ يُؤْتَونَ في الْجَنَّةِ بِخَيْلٍ مُسْرَجَةٍ مُلْجَمَةٍ ، لا تَرُوثُ، ولا تَبُولُ، فَيَرْكَبُونها حتَّى يَنْتَهوا حيثُ شاء
اللهُ عزَّ وجلَّ، فَتأتيَهِمْ مِثْلَ السَّحابةِ، فيها ما لا عَيْنٌ رَأَتْ، ولا أُذُنَّ سَمِعَتْ، فيقولُون : أمْطِري
عليْنا، فما يزالُ المَطرُ عليْهِمْ حتَّى يَنْتَهِيَ ذلك فوق أمَانِيهِمْ، ثمَّ يَبْعثُ اللهُ ريحاً غَيْرَ مُؤذيةٍ ، فتنسف
كُثباناً منْ مِسْكِ عنْ أَيْمانِهِمْ وعنْ شَمائِلهِمْ، فَيَأْخُذُ ذلك المِسْكُ فِي نَوَاصي خُيُولهمْ، وفي معارِفها ،
وفي رُؤُوسِهِمْ، وثيابهم ، ولكلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ جُمَّةٌ على ما اشْتَهَتْ نَفْسُهُ، فَيَتَعلَّقُ ذلك المِسْكُ فِي تِلْكَ
الجِمَامِ ، وفي الخَيْلِ ، وفيما سِوَى ذلك منَ الثَّابِ ، ثمَّ يَنْقَلِبُونَ حتَّى يَنْتَهوا إلى ما شاء الله عزَّ وجلَّ ،
فإِذَا المَرْأةُ تُنَادي بَعْضَ أولئكَ: يا عبد اللهِ، أَمَا لكَ فينا حَاجَةٌ ؟ فيقولُ : ما أنْتِ ؟ ومنْ أنْتِ ؟
فتقول : أنا زَوْجَتُكَ وحِبُّكَ ، فيقُولُ : ما كنْتُ عَلِمْتُ بمكانِكِ، فتقولُ : أما تَعْلمُ أنّ الله تعالى قال :
فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسُ مَّ أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةٍ أَغْيُنٍ جَزَّةٌ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧] فيقُولُ: بلى وَرَبِّي، فَلَعلّهُ
يشتغل عنْها بعد ذلك الوقتِ أربعينَ خَريفاً لا يَلْتَفتُ، ولا يَعُودُ، ما يَشْغَلُه عنْها إلّا ما هو فيهِ مِنَ
النَّعيمِ ، وَالكَرَامَة )). وهذا حديثٌ مُرسل غريب جدّاً، والله أعلم(٦) .
وقال ابن المُباركِ: حدّثنا رِشْدينُ بنُ سَعْدٍ ، حدّثني ابنُ أَنْعُم (٧)، عن أبي هُريرةَ، قال: إنّ أهْلَ
في الأصول : الحسن ، وهو خطأ .
(١)
في الأصول : شريك ، وهو خطأ .
(٢)
أي يجعلون الفرش وراءهم حقيبة .
(٣)
رواه الطبراني في الكبير (٧٩٣٦) وإسناده ضعيف .
(٤)
في الأصول : بشر ، وهو خطأ .
(٥)
(٦) رواه ابن أبي الدنيا في ((صفة الجنة)) (٢٤٦).
(٧) في الأصول : أبو نعيم ، وهو خطأ .

٥١٣
ذكر تزاور أهل الجنة بعضهم بعضاً
الجَنَّةِ لَيَتَزَاورُونَ على العيسِ الخُورِ(١)، عَلَيْها رِحال المَيْس (٢)، تُثيرُ منَاسِمُها٣) غُبَارَ المِسْكِ، خِطامُ
أوْ زِمَامُ أحدِهَا خيرٌ منَ الدُّنيا ومَا فيها(٤) .
ورَوَى ابنُ أبي الدُّنيا منْ طريقِ إسماعيل بن عَيّاشٍ، عن عُمَر بن محمدٍ، عن زَيْدِ بنِ أسْلَم، [ عن أبيه ]، عن
أبي هريرة، عن النبيّ ◌ََّ أنّهُ سألَ جِبْرِيلَ عن هذه الآية: ﴿ وَنُفِخَ فِى الُورِ فَصَعِقَ مَن ◌ِ السَّمَوَتِ وَمَنْ فِ الْأَرْضِ إِلَّ مَن
شَآءَ اللّهٌ﴾ [الزمر: ٦٨] قال: هُم الشُّهَدَاءُ يَبْعَتُهُمُ اللهُ مُتَقَّدين أسْيَافَهُمْ حَوْلَ عَرْشِهِ، فأتاهُمْ مَلائِكَةٌ من المَحْشَرِ بِنَجَائبَ
مِنْ يَأُوتٍ أزِمَّتُها الدُّؤُ الأبْيَضُ، بِ حَال الذّهَبِ، أعِنْتُها السُّنْدُس وَالإِسْتَبْرِق، ونَمَارِقُها منَ الحريرِ، تَمُدُّ خُطاها مَدَّ
أبْصَارِ الرِّجَالِ، يسيرُونَ في الجنّةِ على خُيُولٍ، يَقُولُون عِنْدَ طُولِ النزهةِ: انْطَلِقُوا بنا نْظُرْ كيفَ يَقْضي اللهُ بَيْنَ خَلْقِهِ،
يَضْحكُ اللهُ إليهم، وإذا ضَحِكَ الله إلى عَبْدٍ فلا حِسَابَ عليه(٥) .
وقال أبو بكرٍ بن أبي الدُّنيا: حدّثنا أبو مُوسى، إسْحاقُ بن إبراهيمَ الهَرَويّ، حدّثنا القاسمُ بن يزيدَ الْمَوْصليّ،
حدّثني أبو إلياسَ، حدّثني محمدُ بنُ عَلَيٍّ بن الْحُسَين [ح] وَرَوى أبو نُعيم منْ حَديثِ الْمُعَافَى بنِ عمران: حدّثنا
إدريسُ بن سِنَانٍ، عن وَهْب بنِ مُنَبِّهِ، عن محمد بنِ عليٍّ، قال إدريسُ: ثمَّ لَقِيتُهُ، فَحدّثني ، قال: قال رسولُ اللهِ
وَهُ: ((إنّ في الجنّةِ شَجَرَةً يُقال لها: طُوبَى. لوْ سخَّرَ الجَوادَ الرَّاكبُ أنْ يسيرَ في ظِلِّها لَسَارَ فيه مِئَةَ عامٍ، وَرَقُها
بُرُودٌ خُضْرٌ، وَزَهْرُها رِيَاط٦ٌ) صُفْرٌ، وأقْنَاؤُها٧) سُنْدُسٌ وَإِسْتَبْرِقٌ، وَثمرُها حُلَلٌ، وصَمْغُهاَ زَنْجَبِيلٌ
وعَسَلٌ ، وبَطْحَاؤُها ياقُوتْ أحمَرُ وزُمُدٌ أخضر، وَتُرَابُها مِسْكٌ، وحَشيشُها زَعْفَرَانٌ مُونِعُ(٨)، والألْنَجُوجُ(٩)
يفوح منْ غير وَقُودٍ ، ويتفجر منْ أصْلِها السَّلْسَبيل وَالرَّحيق، وظِلُها مَجْلسٌ منْ مَجَالس أهْلِ الجنَّةُ يَأْلَفُونهُ ،
ومُتَحدَّثٌ لِجميعِهِمْ، فَبَيْنما هُمْ يَوْماً يَتَحَدَّثونَ في ظِلِّها، إذْ جَاءَتْهُم الملائكةُ يَقُودُون نَجَائبَ منَ الْيَاقُوتِ قد نُفِخَ
فيهَا الروح مزمومة بسلاسِلَ منْ ذَهَبٍ ، كأنّ وُجُوهَها المصابيحُ نَضَارةً وحُسْناً، وبَرها خَزٍّ أحمرُ، ومِرْعِزَّى(١٠)
أبيضُ ، مختلطان لم يَنْظِرِ النَّاظِرُونَ إلى مِثْلِها، عَلَيْها رحائل ألواحها منَ الدُّرِّ والياقُوتِ ، مُفَضَّضَةٌ بِاللُّؤْلُؤْ ،
والمَرْجانِ ، صفائحها من الذهب الأحمرِ، مُلَّسٌ بالعَبقريّ وَالأُزْجوانِ، فأناخُوا لهم تِلْكَ النُّجُب ثمَّ
(١) العيس الخُور: النوقِ الكثيرة الألبان، وفيه أقوال أخرى، انظرها في ((التاج)).
(٢) أي شجر صلب تعمل منه أكوار الإبل ورحالها، وفي الأصول: الذهب ، وهو خطأ .
(٣)
أي أخفافها .
(٥)
أخرجه ابن أبي الدنيا في ((صفة الجنة)) ( ٢٤٧)، وإسناده ضعيف .
(٤)
رواه ابن أبي الدنيا في ((صفة الجنة)) ( ٢٤٨) وإسناده ضعيف .
(٦)
جمع ريطة ، وهي الملاءة . وفي الفاسية وأبي نعيم : رياض .
(٧)
جمع قِنٍو ، وهو العَذق ، وهو النخلة بحملها .
في الفاسية : متنوع ، وفي (آ) منوع .
(٨)
(٩) ((الألنجوج)): عود يتبخر به. ((لسان العرب)).
(١٠) الزغب الذي تحت شعر العنز .

٥١٤
ذکر أول من يدخل الجنة
قالوا لهم: إنّ ربّكم عزَّ وجلَّ يُقْرِئُكم السَّلام، ويَسْتَزِيركم لِيَنْظُرَ إليكم وتَنْظُرُوا إليْهِ، وتُحُّونَهُ ويُحَيِّكم،
ويُكَلّمَكُمْ وَتُكَلّمُونَهُ، ويَزِيدكم منْ فَضْلهِ ، إنّهُ ذُو رَحْمةٍ وَاسعَةٍ ، وفَضْلٍ عَظيمٍ. فَيَتَحَوَّلُ كلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ
على رَاحِلِتِهِ ، ثمَّ انْطَلَقُوا صفاً واحداً مُعْتَدِلًا، لا يَقُوت مِنْهُ شيءٌ شَيئاً، ولا يفُوتُ أذُنُ ناقةٍ [ أُذُنَ ]
صَاحِبَتِها، ولا يَمُؤُونَ بِشَجَرَةٍ مِنْ أَشْجَارِ الجنّةِ إلّا أَتْحَفَتْهُمْ من ثمرها، ورحلَتْ لهمْ عنْ طَرِيقِهِمْ كَرَاهِيَةً
أنْ تَتْلَمِ صَفَّهُمْ، أوْ تفرِّقَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَرَفِيقِهِ ، فلمَّا رُفعُوا إلى الجبَّارِ تعالى، أسفر لهم عن وجْهِهِ
الكريم ، وتجلَّى لهم في عَظَمَتِهِ العظيمُ، فحيَّاهم بالسلام فقالوا : رَبّنا أنتَ السَّلامُ، ومِنْكَ السَّلامُ،
ولكَ حُّ الجلالِ وَالإكرامِ، فقال لهم ربّهمْ عزَّ وجلَّ: إنِّي أنا السَّلامُ، ومِنِّ السَّلامُ، ولي حقُّ الجلالِ
والإكرام ، مَرْحباً بِعِبادي الّذين حَفِظُوا وَصِيتي، ورعَوْا حَقّي، وخَافُوني بالْغَيْبِ ، وكانوا منِّي على كلِّ
حَالٍ مُشْفِقِين ، قالوا: وِزَّتِكَ وجَلالِك وَعُلُوَّ مَكانِكَ ما قدَزْنَاكَ حَقَّ قَدْرِكَ ، وما أدَّيْنا إليْكَ كلَّ حَقّكَ ،
فأُذَنْ لنا بالسُّجُودِ لك، فقال لهم ربُّهُمْ: إنِّي قد وَضَعْتُ عنْكم مُؤْنَةَ العِبَادَةِ ، وأرَحْتُ لكم أبْدَانَكم ،
فِطَالَما أنصبتم لي الأبْدَانَ، وأَعْنَيْتُم لي الوُجُوه، فالآن أفَضيْتُمْ إلى رَوْحِي وَرَحْمَتِي وكَرامَتِي ، فَسَلُّوني
ما شِئْتُمْ، وتَمَنَّوْا عليّ أعظمَ أمَانِيِّكم ، فإني لَنْ أجْزِيَكم اليَوْمَ بقَدْرِ أعمالِكِم ، ولكنْ بِقَدرٍ رحمتي ،
وفضلي، وكرامتي، وطَوْلي، [ وعُلُوٌّ مكاني، وعَظَمةِ شأني ]، فما يَزَالُونَ في المسألة والأماني ،
والعَطايا، والمواهبِ، حتَّى إنَّ الْمُقَصِّر في أُمْنِيتِهِ لَيَتَمِنَّى مِثْل جميع الدُّنيا مُنْذُ خلقها الله تعالى إلى يومَ
أفْناها، فقال لهم ربُّهمْ: لقدْ قَصَّرْتُمْ في أمانيكم، ورَضِيتُمْ بُدُوَنِ ما يَحِقُّ لكم ، فقد أوْجَبْتُ لكم
ما تَمَنِيْتُمْ وسَألْتُمْ ، وألْحَقْتُ بكم ذُرِّيتكم، وِزِدْتُكم أضعاف ما قَضَّرَتْ عَنْهُ أمَانيكم)). وهذا مُرسَلٌ
ضعيفٌ، غريبٌ جداً، وفيه ألفاظ منكرة(١) وأحسنُ أحوالِهِ أن يكونَ منْ كلام بعض التابعين ، أو منْ
كلام بَعْضِ السَّلَفِ ، فَوَهمَ بعضُ رُواتِهِ ، فجَعلهُ مَرْفوعاً ، وليْسَ كذلك ، والله أعلم .
ذكر أول من يدخل الجنة
وهو رسول الله وَ ﴿ل قبل الأنبياء كلُّهم ثم أمته قبل الأمم .
كما تَبَتَ ذلك في ((صَحيح مُسْلِمٍ)) [منْ حَديثِ المختارِ بن فُلْفُلٍ ] عنْ أنَسٍ ، قال رسولُ الله ◌َّى :
((أنَا أوَّلُ مِنْ يَقْرَعُ بابَ الْجَنَّةِ (٢) .
وعندهُ أيضاً عنه: أنَّ رسولُ الله ◌َِّ قال: ((إني آتي بَاب الْجَنَّةِ فَأَسْتَفْتِحُ، فيقُولُ الخَازِنُ: منْ
أنتَ؟ فأقولُ: أنا مُحمَّدٌ، فيقُولُ: بكَ أُمِرْتُ ألّا أفْتَحَ لِأحَدٍ قَبْلك)(٣).
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((صفة الجنة)) (٥٤) وأبو نعيم في الحلية في ((صفة الجنة)) أيضاً (٤١١).
(٢) رواه مسلم رقم (١٩٦) (٣٣١).
(٣) رواه مسلم رقم (١٩٧) (٣٣٣).

٥١٥
ذكر أول من يدخل الجنة
وقال أحمدُ : حدّثنا عَبدُ الله بن مُحمَّدٍ، حدّثنا شَريكٌ، عن أبي إسْحاقَ ، عن السَّائبِ بن مَالكِ ،
عنْ عبْدِ الله بن عمْرٍو قال: قَال رسولُ اللهِ وََّ: ((اطَّلَعْتُ فِي الجَنّةِ فَرَأَيْتُ أكثر أهلِها الفُقَراءَ،
واطّلَعْتُ في النَّار فرأيتُ أكْثَر أهْلِهَا الأغْنِيَاءَ، وَالنِّسَاءَ(١).
وقال أبو بكر بن أبي شَيْبَةً: حدّثنا يَزِيدُ بنُ هارُونَ، حدّثنا مِشَامٌ الدَّسْتُوائيُّ ، عن يحيى بن أبي
كَثِيرٍ، عنْ عامر العُقَيليّ، عن أبيهِ، عن أبي هُريرةَ، قال: قالَ رسولُ الله ◌َِ: (( عُرِضَ عليَّ أوَّلُ
ثلاثةٍ مِنْ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ ، وأولُ ثلاثةٍ يدْخُلُونَ النَّار، فأمَّا أولُ ثلاثةٍ يَدْخُلُونَ الجَنةَ: فالشَّهيدُ ،
وعَبْدٌ مَمْلُوٌ لم يَشْغَلهُ رِقُّ الدُّنيا عن طاعةِ ربِّه، وفقيرٌ مُتَعفِّفٌ ذُو عِيَال، وأما أولُ ثَلاثةٍ يدْخِلُونَ
النَّار: فأميرٌ مُسَلَّطٌ، وذُو ثروةٍ من المَال لا يؤَدِّي حقَّ الله منْ مالهِ ، وفَقَيرٌ فَخُورٌ)).
وكذا رواه أحمد ، عنْ إسماعيل بن عُليَّةَ ، عنْ هشَام . وأخْرَجهُ التِّرمذيُّ منْ حَديثِ علي بن
المباركِ ، عنْ يَحْيَى بن أبي كثيرٍ ، وقال : هذا حديثٌ حَسن(٢) .
وفي حديث غالبِ القَطَّانِ، عن الحسن، عنْ أنَسٍ: أنَّ رسول الله وَِّ قال: ((إذا وَقفَ العِبَادُ
الْحِسَاب جَاء قوْمٌ واضِعُو سُيُوفِهِم على رِقَابهمْ تَقْطُرُ دَماً، فازْدَحَمُوا على بَابِ الجَنةِ ، فقيل : من
هؤلاء ؟ قالوا : الشُّهَداءُ، كانوا أحياءً يُرْزُقُونَ، ثمَّ نَادَى مُنادٍ: لِيَقُمْ منْ أجْرُه على الله فليَدْخُلِ الْجنة ،
ثمَّ نادَى الثانية: لِيَقُمْ منْ أجْرهُ على الله فَلَيَدخُلِ الْجَنَّةَ ، قالوا : ومن الذي أجره على الله ؟ قال :
العافون عن الناس ، ثم نادى الثالثة : ليقم من أجره على الله فليدخل الجنة ، فقام كذا وكذا ألْفاً ،
فدخلوا بغَيْرِ حِسَاب (٣) .
وفي حديثٍ حبيبٍ بن أبي ثابتٍ، عنْ سَعيد بن جُبَيْرٍ ، عن ابن عباس، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَّةٍ:
(( أولُ منْ يُدْعى إلى الجنَّةِ يوم القيامةِ الْحمَّادُونَ الَّذين يَحْمَدُونَ الله في السرَّاء والضَّرَّاء(٤).
وثبت في ((الصحيحين))، و(( سنن النسائي)) واللفظ له ، من طريق عبد الله بن طاوس ، عن أبيه ،
عن أبي هريرة، عن النبي بَّ قال: ((نحن الآخرون الأوَّلون يوم القيامة، نحن أول الناس دُخولًا
الجنة ... )) الحديث بطوله(٥) .
(١) رواه أحمد في المسند (١٧٣/٢) وإسناده ضعيف، وهو حديث صحيح دون قوله: ((الأغنياء)). فقد ثبت عن
جمع من الصحابة دونها ، وهو منكر بهذه الزيادة .
(٢) رواه أبو بكر بن أبي شيبة في ((مصنفه)) (١٧٨١٨/١٤) وأحمد في المسند (٢/ ٤٢٥) والترمذي رقم (١٦٤١)
أقول : وإسناده ضعيف .
(٣) رواه الطبراني في ((الأوسط)) (٢٠١٩) وفي إسناده ضعف.
(٤) رواه الطبراني في ((الكبير)) (١٢٣٤٥) وفي ((الأوسط)) رقم (٣٠٥٧) وفي ((الصغير)) (٢٨٨) وإسناده ضعيف.
(٥) رواه البخاري رقم (٨٩٦) ومسلم رقم (٨٥٥) والنسائي في ((الكبرى)) (١٦٥٣).

٥١٦
باب جامع لأحكام تتعلق بالجنة وأحاديث شتى وردت فيها
وفي ((صحيح مسلم)) عنه، عن النبي ◌َّار قال: ((نحن الآخرون الأوَّلون يوم القيامة ، ونحن أول
من يدخل الجنة (١) .
وروى الحافظ الضياء من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيَّب ،
عن عمر بن الخطاب، عن رسول الله مَ﴾ قال: ((إن الجنة حُرِّمت على الأنبياء كُلُّهم حتى أدخلها،
وحُرِّمت على الأمم حتى تدخل أمتي)(٢) .
وفي ( سنن أبي داود))، من حديث أبي خالد الدالاني، عن أبي خالد مولى [ آل] جَعْدة، عن أبي
هريرة قال: ((أتاني جبريل [ فأخذ بيدي] فأراني باب الجنة الذي تدخل منه أمتي)) فقال أبو بكر :
يا رسول الله وَدِدتُ أني كنتُ معك حتى أنظرَ إليه، فقال رسول الله وَلهو: ((أما إنك يا أبا بكر أول من
يدخل الجنة من أمتي (٣) .
وتقدَّم في ((الصحيح)): ((أدخِل من لا حساب عليه من أمتك، من الباب الأيمن [ من أبواب
الجنة ] وهم شركاء الناس [ في ] سائر الأبواب (٤).
وقد تقدم في الحديث الصحيح : ((مَنْ أنفق زوجين من ماله في سبيل الله ، دُعِي من أبواب الجنة ،
وللجنة ثمانية أبواب ... )) الحديث بطوله(٥) .
وفي (الصحيحين)) من حديث سهل بن سعد قال: ((للجنة ثمانية أبواب، منها باب يُسَمَّى الرَّيَّان ،
لا يدخله إلا الصائمون ، فإذا دخلوا منه أُغلق فلم يدخل منه أحد غيرهم (٦) .
باب
جامع لأحكام تتعلق بالجنة وأحاديث شتی وردت فيها
قال الله تعالى: ﴿ وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وأتبعناهم ذرياتهم بِإِيمَنٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذرياتهم وَمَا أَلَنْتَهُم مِنْ عَمَلِهِممِّن
(١) رواه مسلم (٨٥٥) (٢٠) .
(٢) وأخرجه أيضاً ابن عدي في (( الكامل في الضعفاء)) (١٤٤٨/٤) وإسناده ضعيف.
(٣) رواه أبو داود رقم (٤٦٥٢) وإسناده ضعيف .
(٤) رواه البخاري رقم (٤٧١٢) ومسلم رقم (١٩٤).
(٥) رواه أحمد في المسند (٢٦٨/٢) والبخاري (١٨٩٧) ومسلم (١٠٢٧) وابن أبي عاصم في الجهاد (٩٦) ..
(٦) رواه البخاري رقم (٣٢٥٧) و(١٨٩٦) ومسلم (١١٥٢).

٥١٧
باب جامع لأحكام تتعلق بالجنة وأحاديث شتى وردت فيها
شَّءٍ﴾ [الطور: ٢١] (١) أي أنَّ الله تعالى يرفعُ دَرَجةَ الأولاد في الجَنّةِ إلى دَرَجةِ الآباء، وإنْ لم يعْمَلوا
بعَملهمْ، ولا يَنْقصُ الآباءَ منْ أعمالِهِمْ، حتَّى يَجْمعَ بينهمْ في الدَّرجةِ العالية لِيُقرَّ أعينهم باجتماعهم
هم وذریاتھم .
قال الثّوريّ، عن عمرو بن مُرَّة ، عنْ سَعيدٍ بن جُبَيْر ، عن ابن عبّاس، قال: إنَّ الله ليرفعُ ذُرِّية
الْمُؤْمنِ في دَرَجتهٍ ، وإنْ كانُوا دُونهُ في العَمل ليُقرّ بهم عَيْنَهُ، ثمّ قرأ: ﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وأتبعناهم
ذُرِّيَّاتهم بِيمَنِ أَلْحَقْنَابِهِمْ ذرياتهم وَمَا أَلَنْتَهُم مِّنْ عَمَلِهِم ◌ِن شٍََّ﴾ [ الطور: ٢١]١) . هكذا رواهُ ابن جرير، وابنُ
أبي حاتم ، في ((تَفْسِيريهما)) عن الثَّوْري مَوقُوفاً، وكذا رواهُ ابن جَرير، عنْ شُعْبَةً، عنْ عَمْرو بن
مرة، عن سعيدٍ، عنِ ابْن عَبَّاس مَوقوفاً، ورواه البزَّار في ((مُسْنَدِه)) وابن مَرْدَويهِ في (( تفسِيرِه)) منْ
حَدِيثِ قَيْسٍ بن الرَّبيع، عن عَمرو، عنْ سعيد، عن ابْن عَبَّاسٍ، عنِ النَّبِيِّ بَّهِ، وروايةُ الثوري
وشُعْبة في الوقف أثْبَتُ ، والله أعلم (٢).
وروى ابن أبي حاتم من حديثِ الليْثِ ، عنْ حَبيب بن أبي ثابتٍ ، عنْ سَعيد بن جُبَيْر ، عنٍ ابن
عبَّاس في هذهِ الآية ، قال: هم ذُرِّيةُ المُؤْمن يمُوتُونَ على الإيمان ، فإنْ كانتْ منازلُ آبائهمْ أرْفَعَ منْ
مِنَازِلِهمْ أَلْحَقُوا بآبائهم ، ولمْ يُنْقَصُوا منْ أعمالهم التي عملوا شيئاً .
وقال الطَّرانيّ: حدّثنا الحسين بنُ إسحَاقَ التُّسْتَريّ(٣)، حدّثنا مُحمَّد بن عبد الرّحمن بن غَزْوَانَ،
حدّثنا شَريكٌ، عنْ سَالم الأفْطَسِ، عنْ سَعيد بن جُبَيْر، عنِ ابْن عباس، أظُنُّه عن النَّبِيِّ وَِّ قال:
((إذا دَخل الرَّجُلُ الْجَنَّةَ سَأل عنْ أبويْهِ وَزَوْجَتِهِ وَلدهِ، فيقالُ: إنهمْ لم يَبْلُغوا دَرَجَتك، فَيَقُولُ :
يا ربِّ، قدْ عملتُ لي ولهمْ، فَيُؤْمَر بإلحَاقِهِمْ بهِ)) وقَرَأْ ابن عبَّاسٍ ﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وأتبعناهم ذرياتهم
- (١). (٤)
بِإِيمَنٍ ... ) الآية (١)،(٤).
وقال العَوفيّ، عنِ ابن عبّاس في هَذِهِ الآية : وَالذين أدْرَكَ ذُرِّيَّتُهُم الإيمانَ فعَملوا بطاعتي الْحَقْتُهُم
بإيمانهم إلى الجنَّةِ ، وأولادُهُم الصِّغَارُ تُلْحقُ بهمْ. وهذا التَّفَسيرُ هوَ أحدُ أقوَالِ العُلَماء في مَعْنى الذُّرِّيةِ
هنا: أهُمُ الصِّغارُ فَقط، أو يشملُ الصَّغَارَ وَالْكَبَارَ أيضاً، كقولهِ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ، دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ .. ) الآية
[الأنعام: ٨٤]، وقال: ﴿ ذُرِّيَّةً مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٌ﴾ [الإسراء: ٣] وقال: ﴿ ذُرِّيَّةٌ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٌِ﴾ [آل عمران: ٣٤]
(١) كذا النسخ على قراءة أبي عمرو، وعلى رواية حفص، عن عاصم: ﴿ وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَانَّعَنْهُمْ ذُرِّيَّهُم بِإِبِمَنٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ
ذُرِيَّنَهُمْ ﴾ .
(٢) رواه البزار (١٢٦٠ - كشف الأستار ).
(٣) كذا في الأصول: والذي في المعجم الكبير للطبراني (١٢٢٤٨) محمد بن عبد الله الحضرمي .
(٤) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير» (١٢٢٤٨) وفي ((المعجم الصغير)) رقم (٦٤٠) وفي سنده محمد بن
عبد الرحمن بن غزوان ، قال غير واحد : كان يضع الحديث .

٥١٨
ذكر دخول الفقراء الجنة قبل الأغنياء
فَأَطْلَقَ الذُّرْيَةَ على الكِبَار، كما أطْلَقها على الصِّغارِ ، وتَفْسِيرُ العَوْفِيّ عنِ ابْنِ عِبَّاس يَشْمَلُهُما، وهو
اختيارُ الْوَاحديّ وغيره .
وهذا إنما هو إلى الله عزَّ وجلَّ ، فإن الخير في يديه ، والخَلْق له والأمر له ، وهذا القول مَحكيّ
عن الشَّعْبِيّ، وأبي مِجْلَزٍ، وسَعيد بن جُبَيْر، وإبراهيم النَّخَعي، وقتادةَ ، وأبي صالح ، والرَّبيع بن
أنَسٍ، وهذا من فضل الله ورَحْمته على الأبْنَاء بِبَرَكةِ عَملِ الآباء ، فأما فَضْلُهُ على الآباءُ بِبَرَكةِ دُعاء
الأبناء، فَقَدَ قالَ الإمامُ أحمدُ : حدّثنا يَزِيدُ، حدّثنا حمادُ بن سَلَمة، عنْ عَاصِم بن أبي النَّجُودِ ، عنْ
أبي صَالح، عن أبي هريرةَ، قَالَ: قالَ رسولُ الله ◌َّهِ: ((إنَّ الله عزَّ وجلَّ لَيَزْفعُ الدَّرَجةَ لِلْعَبْدِ الصَّالِحِ
فِي الْجِنَّة، فَيَقُولُ: يا رَبِّ، أنّى لي هذه؟ فَيَقُولُ: بِاسْتِغْفارِ وَلِدِكَ لكَ)). وهذا إسنادٌ صحيحٌ ،
ولم يُخَرِّجْهُ أحدٌ منْ أصْحابِ الكُتب (١) وَلَكِنْ لهُ شاهِد في ((صحيح مسلم))، عن أبي هُرَيرَةَ ، قَالَ :
قالَ رسول الله ◌َهُ: ((إذا مات ابنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَملُهُ إلَّا مِنْ ثَلاثٍ: صَدَقَةٍ جَاريةٍ، أو عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بهِ، أو
وَلِدٍ صَالحِ يَدْعُو لَهُ )(٢) .
ذكر دخول الفقراء الجنَّة قبل الأغنياء
قال أحمد : حدّثنا عفّان، حدّثنا حمّاد بن سَلَمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سَلَمة ، عن
أبي هريرة، أن رسول الله ﴿ قال: ((يدخلُ فُقراءُ الْمُسْلمِينَ الْجَنَّةَ قَبْل أَغْنِيَائهمٍ بِنِصْفِ يَوْمٍ ، وهُوَ
خَمْسمئةٍ عام)). وأخرجه الترمذيّ، [ وابن ماجه] ، من حديث محمد بن عمرو ، وقال [الترمذيّ ] :
حسن صحيح. وله طرق عن أبي هريرة ، [فمن ذلك ما رواه الثوريّ ، عن محمد بن زيد ، عن
أبي حازم، عن أبي هريرة]، عن رسول الله ﴿ قال: ((إنَّ فُقَراءَ الْمُؤْمنينَ يَدْخُلُونَ الْجِنَّةَ قَبلَ أَغْنِيائهمْ
بِنِصْفِ يوم، وذلك خمسمئة عام ... )) [الحديث بطوله ]٣).
وقال أحمد : حدّثنا أبو عبد الرحمن ، حدّثنا حَيْوة هو ابن شُرَيْح، أخبرني أبو هانىء ؛ أنّه
سمع أبا عبد الرحمن الحُبُلِيّ، يقول: سمعت عبد الله بن عمرٍو يقول: سمعتُ رسول الله اليه
يقول: ((إنّ فُقَراءَ المُهاجرينَ يَسْبقُونَ الأغنياءَ يَوْم القيامة)) يعني إلى الجنّة ((بأرْبَعِين خَرِيفاً)».
(١) رواه أحمد في المسند (٥٠٩/٢) أقول: وفيه عاصم بن أبي النجود ، قال ابن حجر : صدوق له أوهام ،
فإسناده حسن .
(٢) رواه مسلم ( ١٦٣١).
(٣) رواه أحمد (٣٤٣/٢) والترمذي (٢٣٥٣ و٢٣٥٤) وابن ماجه (٤١٢٢) وأبو نعيم في «الحلية)) (٩٩/٧ -
١٠٠) وهو حديث صحيح .

٥١٩
ذكر دخول الفقراء الجنة قبل الأغنياء
وكذا رواه مُسلم ، من حديث أبي هانئ حُمَيْد بن هانئ، به (١).
وقال أحمد: حدّثنا حسين ، هو ابن محمد، حدّثنا داود ، هو ابن نافعُ(٢) ، عن سلم بن
بشير(٣)، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: [قال رسول الله وَّر]: ((الْتَقَى مُؤْمنانِ على بابِ
الجَنّة، مؤمنٍ غَنِيٌّ، ومُؤْمِنٌ فَقير، كانا فِي الدُّنيا، فأُدْخِلَ الفَقيرُ الجَنَّةَ، وحُبِسَ الغَنيّ ما شاء الله أنْ
يُخْبَس ، ثم أُدْخِلَ الْجَنَّةَ، فَلَقِيهُ الفَقيرُ ، فقال: يا أخي ، ماذا حبسك؟ والله لَقَدِ احْتبسْتَ حتَّى خِفْتُ
عَلَيْكَ ، فيقول : أيْ أخي ، إِني حُبِسْتُ بَعْدَكَ مَحِبساً فَطيعاً كربهاً ، ما وَصلْتُ إِلَيْكَ حتَّى سال مِنِّي منَ
العَرق ما لوْ وَرَدهُ ألْفُ بعيرٍ كُلُّها أكلَت حَمْضاً لصَدَرَتْ عنْهُ رِواءً(٤).
وثبت في ((الصحيحين)) من حديث أبي عثمان النَّهديّ، عن أسامة بن زيد؛ أن رسول الله وَ ليه
قال : ((قمتُ على باب الجنَّة ؛ فإذا عَامَّةُ منْ دَخَلها المساكينُ ، وقمتُ على باب النار ، فإذا عامَّةُ منْ
دخَلَها النِّساء (٥) .
وفي ((صحيح البخاريّ)) من حديث سَلْمُ(٦) بن زَرِيْر، عن أبي رجاء، عن عمران بن حُصَيْن .. ،
مِثْله. ورواه عبدُ الرزّاق، عن معْمَر، عن قتادة، عن أبي رجاء ؛ عِمْران بن مِلْحَان ، عن عمران بن
حُصَيْن، قال: سمعت رسول اللّه ◌َّه يقول: ((نَظَرْت في الجنَّة فرأيتُ أكْثَرَ أهْلِهَا الفُقَراءَ، ونظرتُ في
النار فرأيتُ أكْثَرَ أهْلِهَا النساء (٧) .
وروى مسلم عن شيبان بن فَرّوخ ، عن أبي الأشهب ، عن أبي رجاء ، عن ابن عباس : أن
رسول الله ◌َيَ اطّلع في النار فرأى أكثر أهْلِها النّساءَ، واطلع في الجنة فرأى أكثر أهلها الفقراء(٨).
وقال [أحمد: ثنا] عبد الله بن محمد، ثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن السائب بن
مالك، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله وَّهو: ((اطلعت في الجنة، فرأيت أكثر
(١) رواه أحمد (١٦٩/٢) ومسلم (٢٩٧٩).
كذا في الأصول ، والذي أومأ إليه ابن حجر أنه ابن سليمان النصيبي الملقب بـ ((دويد)).
(٢)
(٣)
في (أ) : مسلم بن بشر .
رواه أحمد (٣٠٤/١) وإسناده ضعيف .
(٤)
رواه البخاري ( ٦٥٤٧) ومسلم ( ٢٧٣٦).
(٥)
في نسخ الكتاب التي بين يدي: (( سلمة)» والتصحيح من (( صحيح البخاري)» وكتب الرجال.
(٦)
رواه البخاري (٣٢٤١) ومعمر في ((جامعه)) الملحق بمصنف عبد الرزاق (٢٠٦١٠) قال القرطبي : إنما كان
(٧)
النساء أقلّ ساكني الجنة ، لما يغلب عليهن من الهوى ، والميل إلى عاجل زينة الدنيا ، والإعراض عن الآخرة ؛
لنقص عقلهنّ وسرعة انخداعهن. فتح الباري (٤٢٠/١١).
(٨) رواه مسلم ( ٢٧٣٧).

٥٢٠
أحاديث شتى تتعلق بالجنة . [ ذكر أن الجنة والنار موجودتان الآن ]
أهلها الفقراء، واطلعت في النار، فرأيت أكثر أهلها الأغنياء والنساء)(١).
وتقدم باقيه، من حديث ابن أبي شيبة: ((عُرِض عليَّ أول ثلاثة يدخلون الجنة ... )) إلى آخره،
وهو [في ] الذين يحمدون الله في السَّرَّاء والضَّرَّاء(٢) ... الجامع لأحكام الجنة .
فصل
والجنةُ وَالنّارُ مَوْجُودتانِ الآنَ، فالْجَنَّةُ مُعدَّةٌ لِلْمُتَّقِينَ، والنّارُ مُعَدَّةٌ لِلْكَافِرِينَ، كما نَطَقَ بِذَلكَ
الْقُرآنُ العَظيمُ، وَتَواتَرت بذلِك الأخْبَارُ عن رَسُولِ رَبِّ الْعَالَمينَ، وهذا اعتِقَادُ أهْلِ السُّنةِ وَالْجَماعةِ
رحمهم الله أجمعين، الْمُتَمسِّكينَ بالعُزوةِ الْوُثْقَى، وهيَ السُّنةُ الْمُثْلَى إلى قِيَام السَّاعة ، خِلافاً لمن
زَعَم أنَّهما لم يُخلقا بَعدُ وإنَّما يُخْلقانِ يوم القيامةِ، وهذا القولُ قاله منْ لمْ يَطّلع على الأحَادِيث
الصحيحة المتَّفْقِ على صحتها وإخراجها، والْحَسَنةِ ، ممَّا لا يُمْكِنُ دَفْعُهُ ولا رَدُهُ، لِتَوَاتُرِهِ وَاشْتِهَارِهِ ،
وقد ثبت في ((الصَّحيحين))، وغَيْرِهما منْ كُتُب الإسْلامِ الْمُعْتمَدةِ الْمَشهُورة بالأسانيدِ الصَّحيحةِ.
قال الله تعالى: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَاَلْأَرْضُ أُعِدَتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣].
وقال: ﴿فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِى وَقُودُهَا النَّاسُ وَالِحِجَارَةُ أُعِدَتْ لِلْكَفِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤].
وقال: ﴿ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْ خِلُوَاْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦].
وقال: ﴿ فَلَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مِّنْ قُرَّةٍ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧].
وفي (الصحيحين)) عن أبي هريرة، عن النبي ◌َّ قال: ((يقول الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين
ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر، دُخْراً، بَلْهَ ما أطلعكم عليه)(٣) .
وفي ((الصحيحين)) من حديث مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله بصير قال: ((إن
أحدكم إذا مات ، عُرِض عليه مقعده بالغداة والعَشيِّ ، إن كان من أهل الجنة ، فمن أهل الجنة ، وإن
كان من أهل النار ، فمن أهل النار ، يقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة)(٤) .
وفي ((صحيح مسلم)) عن ابن مسعود قال: ((أرواح الشهداء في حواصل طَيْرٍ خُضْرٍ ، لها قناديل
(١) رواه أحمد في ((المسند)) (١٧٣/٢) وإسناده ضعيف، وهو حديث صحيح دون قوله (( الأغنياء)) فقد ثبت عن
جمع من الصحابة دون هذه الزيادة ، وهو منكر بهذه الزيادة .
(٢) رواه أبو بكر بن أبي شيبة في ((مصنفه)) (١٧١٨/١٤) وأحمد في ((المسند)) (٤٢٥/٢)، والترمذي رقم (١٦٤٢)
وإسناده ضعيف .
(٣) رواه مسلم رقم (٢٨٢٤) والبخاري رقم (٤٧٨٠)، وانظر الفتح (٨/ ٥١٦).
(٤) رواه البخاري (١٣٧٩) ومسلم (٢٨٦٦) .