النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
ذكر أماكن في النار وردت بأسمائها أحاديث
وقال عبد الله بن عمرو ، ومجاهد : هو وادٍ من أودية جهنم ، زاد عبد الله بن عمرو : عميق فرق
به يوم القيامة بين أهل الهُدَى وأهل الضلالة .
وروى البيهقيُّ عن الحاكم ، عن الأصمّ، عن العبّاس الدُّوريّ، عن ابن مَعين، عن هُشَيم ، عن
العوَّام بن حَوْشَب ، عن عبد الجبّار الخَوْلانيّ، قال: قدم علينا رجُلٌ من أصحاب النبيِّ بَّهِ دِمَشْقَ
فرأى ما فيه الناسُ ، يعني من الدُّنيا ، فقال : وما يغني عنهم ما هم فيه من الدنيا ؟ أَيْسَ من ورائهم
الفَلَقُ [ قيل: وما الفلق؟ قال: جُبّ في النار ، إذا فُتِحَ ، هَرَّ منهُ أهْلُ النَّارِ . هكذا قال يحيى: هَّ
منه أهْلُ النارِ ، ولم يَقُلْ : فَوَ مِنْه ولا هرب منه ﴾(١) .
وروى البَيْهقيُّ عن الحاكم ، وغيره ، عن الأصمِّ، عن إبراهيم بن مرزوق (٢)، بمِصْر، عن
سعيد بن عامر ، عن شُعْبَة ، قال : كتب إليَّ منصور وقرأته عليه : عن مجاهد ، عن يزيد بن شَجَرَة ،
وكان يزيد بن شجرة من الزُّهادِ ، وكان مُعاويةُ يستعملُهُ على الجُيُوش ، فخطبنا يوماً ، فحَمِدَ الله ،
وأثنى عليه ، ثم قال : يا أيُّها الناسُ ، اذكروا نعمة الله عليكم، ما أحسن أثر نِعْمةِ الله عليكم ! لو ترون
ما أرى من بين أحمر ، وأصفر ، ومن كلّ لون ، وفي الرِّحال ما فيها ، إنه إذا أقيمت الصلاةُ فُتحت
أبوابُ السماء ، وأبوابُ الْجَنَّة، وأبواب النار، وإذا التقى الصَّفَّان ، فتحت أبواب الجنة ، وأبواب
النار ، وزُيِّنَ الْحُورُ العِينُ فيَطَّلِعْنَ، فإذا أقبل أحدكم بوجهه على القتال وعلى الصلاة ، قلن: اللهمَّ
ثَتْهُ، اللهمَّ انْصُرْه، وإذا أدْبَرِ احْتَجَبْنَ عنه، وقلن: اللهمَّ اغفر له، فانهكوا بوجوه القوم(٣)، فِدَاكُمْ
أبي وأمّي، فإنَّ أَوَل قَطْرةٍ تَقْطُر من دم أحدكم يَحُطُّ اللهُ بها عنه خَطَاياه، كما يَحُطّ الغُصْنُ ورَقَ
الشجر ، وتَبْتَدِرُه اثنتانِ من الحور العِين وَتَمْسحانِ التُّراب عن وَجْهِه، وتقولان : فِدانا لَكَ ، ويقول :
فدانا لَكُما ، فيُكْسَى مئةَ حُلَّةٍ، لو وُضعَتْ بين إصبَعِيَّ هاتينٍ لَوَسعَتَاهُنَّ، لَيْستْ من نَسْجِ بَني آدم ،
ولكنها من ثياب الْجِنّة ، إنكم مكتوبون عند الله بأسمائكم، وبسيماكمْ ونَجْواكم ، وحُلاكُمْ
ومَجالسِكُمْ، فإذا كان يومُ القيامة قيل: يا فلان، هذا نُورِكَ ، يا فلانُ، لا نورَ لك، وإنَّ لجهنّم
جِباب٤ً) من سَاحِلٍ كساحل البحر ، فيه هوائُ وحَيَّاتٌ كالبَخاتيّ، وعقاربُ كالبغال الدُّلْم أو كالدَّلَم
البغال(٥) ، فإذا سأل أهل النار التخفيف قيل: اخْرجُوا إلى الساحل، فتأخذُهم تلك الهَوائُ بشِفاهِهِمْ
وجُنُوبِهِم، وبمَا شاءَ اللهُ من ذلك فتكشطها٦) فيرجعون هرباً فيبادرون إلى مُعْظم النار، ويُسلَّطُ عليهم
(١) رواه البيهقي في (( البعث والنشور)) (٥٢٩) وإسناده ضعيف.
(٢)
في (أ): إبراهيم بن مروان، وهو خطأ.
(٣) أي ابلغوا جهدكم في قتالهم .
(٤)
في الأصول : حيات .
(٥) فى الأصول : كالبغال الدل ، أو كالدل البغال .
(٦) في الأصل : فتسترطها .

٣٨٢
در کات جهنم
الْجَرَبُ ، حتَّى إنَّ أحدهم لَيَحُكُ جلده حتَّى يَبْدُوَ العَظْمُ، فيقال : يا فلان ، هل يُؤذيك هذا ؟ فيقول :
نعم ، فيقال له : ذلك بما كنتَ تُؤْذي المؤمنينُ(١) .
وقال الترمذيّ ، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله وَّه: ((من سأل الله الجنَّةَ ثَلاثَ مرَّاتٍ، قالت
الجنةُ: اللهمَّ أدْخلْهُ الْجِنَّة، ومن استجار من النار ثلاث مرات قالتِ النارُ: اللهمَّ أجرْهُ من النار (٢).
وروى البيهقيّ عن أبي سعيد، أو عن ابن حُجَيْرة٣ُ) الأكبر ، عن أبي هريرة ، أنَّ أحدَهما حدثه
عن رسول الله وَّرَ، قال: ((إذا كان يومٌ حازِّ ألقى اللهُ سمعَه وبصرَه إلى أهل السماء، وإلى أهل
الأرض ، فإذا قال العبدُ: لا إله إلا اللهُ، ما أشدَّ حَرَّ هذا اليومِ ! اللهمَّ أجرني من حَرِّ نارِ جهنّم ،
قال الله لجهنّم : إنّ عَبْداً من عبادي قد استجار بي منك ، وإنّي أَشْهدُكِ أنِّي قَدْ أجَزْتُه منكِ، وإذا كان
يومٌ شديدُ البرد ألقى الله سَمعَه وبصره إلى أهل السماء وإلى أهل الأرض ، فإذا قال العبدُ : لا إله إلا
الله، ما أشدّ بَزْد هذا اليوم! اللهمَّ أجِرْني من زَمْهَرير جَهَّم، قال الله تعالى لجهنم: إنَّ عَبْداً من
عبادِي قد اسْتَجارَ بي من زَمْهَرِيرِهِ، وإنِّي أُشْهِدُكِ أنّي قد أجَرتُه)) قالوا : وما زَمْهَرِيرُ جَهنَّم ؟ قال :
((جُبِّ يُلْقَى بهِ الكافرُ فيتميَّز(٤) من شدَّة الْبَرْد بعضُه عنْ بَعْضٍ (٥) .
فصل
قال القرطبي : قال العلماء : أعْلَى الدّرَكاتِ جهنَّمُ، وهي مُخْتصَّةٌ بالعُصاة من أمّة محمد ◌ِّر ،
وهي التي تخلو منْ أهلها فتصفق الرِّياحُ أبوابَها فلا يبقى فيها أحد من أمة محمد ، ويشاركهم بعض
عصاة الأمم قبلهم ممن كان في التوحيد، قال : ثم لَظى، ثم الخُطمةُ ، ثم السَّعيرُ، ثم سَقَر ، ثم
الْجَحيمُ ، ثم الهاويةُ .
وقال الضحاك : في الدَّرْك الأعلى المحمديُّون ، وفي الثاني النصارى ، وفي الثالث اليهود ، وفي
الرابع الصابئون ، وفي الخامس المَجُوسُ ، وفي السادس مشركو العرب ، وفي السابع المنافقون ،
قلت : هذه المراتب والمنازل وتخصيصها بهؤلاء مما يحتاج إثباته إلى سند صحيح إلى المعصوم الذي
(١) رواه البيهقي في ((البعث والنشور)) (٦١٧) وفي إسناده ضعف.
(٢) رواه الترمذي رقم (٢٥٧٢) وابن ماجه رقم (٤٣٤٠) والنسائي (٢٧٩/٨) وابن حبان رقم (١٠٣٤) والحاكم
(٥٣٥/١) وأحمد (٢٠٨/٣) كلهم من حديث أنس بن مالك ، لامن حديث أبي سعيد الخدري ، وهو حديث
صحيح .
(٣)
في الأصول : أبي حجيرة ، وهو خطأ .
أي : يفترق بعضه عن بعض .
(٤)
(٥) وأخرجه البيهقي أيضاً في ((الأسماء والصفات)) (٣٨٧) وإسناده ضعيف.

٣٨٣
ذکر بکاء أهل النار فيها
لا ينطق عن الهوى، أو قرآن ناطق بذلك، ولكن معلوم أنَّ هؤلاء كلّهم يدخلون النار، وكونهم يكونون
على هذه الصفة والأخبار ، وعلى هذا الترتيب فالله أعلم بذلك ، فأما المنافقون ففي الدَّرْك الأسفل من
النار بنصّ القرآن لا محالة ، قال القرطبيّ : فمن هذه الأسماء ما هو علَمٌ لِلنَّر كُلُّها بجُمْلتها، نحو
جَهِنَّم ، وسعير ، ولَظى ، فهذه الأعلام ، ليستْ لبابٍ دون بابٍ ، وصدق رحمهُ اللهُ فيما قال .
وقال حَرْملةُ، عن ابن وَهْب : أخبرني عمرو: أنَّ دَرَّاجاً أبا السَّمْح حدَّثه: أنَّ سمع عبد الله بن
الحارث بن جَزْءِ الزُّبَيْدِيّ عن النبيّ ◌ََّ أنه قال: ((إنّ في النار لَحَياتِ أمثالَ أعناقِ البُخْتِ، يَلْسَعْن
أحدَهُم اللسعةَ فيجدُ حُموَّتها أربعين خَريفاً)(١) .
وقال الطبرانيّ : حدّثنا أبو يزيد القَراطيسيّ، حدّثنا أسد بن موسى، حدّثنا إسماعيلُ بن عَيَّاش ،
عن الربيع ، عن البَرَاءِ بن عازب: أنَّ رسول الله وَّرَ سُئِلَ عن قول الله تعالى: ﴿زِدْنَهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ
بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ﴾ [النحل: ٨٨]، قال: ((عقاربُ أمْثالُ النَّخْلِ الطُّوالِ، تَنْهَشُهُمْ فِي جَهنّم)(٢).
وقد رواه الثوريّ عن الأعمش، عن عبد الله بن مرّة، عن مسروق، عن ابن مسعود قولَه، وتقدم(٣) .
وقال أبو بكر بن أبي الدّنيا : [ حدّثنا شُجاعُ بن الأشْرَس، حدّثنا إسماعيلُ بن عيَّاشٍ ، عن
محمَّد بن عَجْلان، عن زَيْد بن أسْلَم ، عن عطاء بن يَسْارٍ ]، عن كعب الأحبار ، قال : حَيَّاتُ جَهَنَّم
أمْثالُ الأودية ، وعَقارِبُها كأمثالِ القلال، وإنَّ لها لأذْناباً كأمثال الرّماح، تلْقَى إحداهُنَّ الكافرَ ،
فَتَلْسَعُه فَيَتْناثَرُ لَحْمُهُ على قَدَمَيْهُ(٤).
ذكر بكاء أهل النار فيها
قال أبو يَعْلَى الموصلي: حدّثنا عبد الله بن عبد الصمد بن أبي خِداش، حدّثنا محمد بن حُمَيْد(٥) ،
عن ابن المبارك ، عن عمران بن زيد، حدّثنا يزيدُ الرَّقاشيّ ، عن أنس بن مالك قال : سمعتُ
رسول اللهِوَ﴿ يقول: ((يا أيُّها الناسُ ابْكُوا، فإنْ لم تبكوا فَتَبَاكَوا ، فإنَّ أهل النار يَبْكُونَ في النار حتى
تَسيلَ دُموعُهُم في وجوههم كأنها جَدَاوِلُ، حتّى تَنْقطع الدموع، فَتَسيلَ فتقرَّحَ العُيونَ، فلو أن سُفُناً
أُرْسلتْ فيها لَجَرَتْ))، ورواه ابن ماجه من حديث الأعمش، عن يزيد الرَّقاشيّ، عن أنس، بنحوه(٦) .
(١) رواه ابن حبان (٧٤٧١) والبيهقي في (( البعث والنشور)) (٦١٦) وإسناده حسن.
(٢)
وفي إسناده ضعف .
(٣) رواه الطبراني في ((الكبير)) (٩١٠٥).
(٤)
رواه ابن أبي الدنيا في «صفة النار)) ( ٩٥).
(٥)
في الأصول : حِمْير .
(٦) رواه أبو يعلى الموصلي (٤١٣٤) من حديث أنس وابن ماجه رقم (٤١٩٦) من حديث سعد بن أبي وقاص وإسناده=

٣٨٤
قوله تعالى: ﴿تلفح وجوههم النار﴾، وأحاديث شتى في صفة النار وأهلها
وقال أبو بكر بن أبي الدُّنيا : حدّثنا محمد بن العباس ، حدّثنا حمَّاد الجَزَريّ ، عن زيد بن
رُفَيَعُ(١) ، رفعه، قال: ((إنّ أهل النار إذا دخلوا النار بَكَوا الدُّموعَ زماناً، ثم بكَوا القَيْحَ زَماناً، فيقول
لهم الخَزَنةُ: يا معشر الأشقياء ، تركتُم البكاء في الدار المرحوم فيها أهلها وتبكون في الدار التي
لا يُرحم أهلها، هل تجدون اليومَ من تَسْتغيثون به؟)) قال: ((فيرفعون أصواتهم : يا أهل الجنّة ؛
يا معشر الآباء والأمَّهاتِ والأولاد والقُربات، خرجنا من القبور ◌ِطاشاً ، وكُنَّا طول الموقف عِطاشاً ،
ونحنُ اليومَ في النار عطائٌ، فـ ﴿أَفِيِضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾)) قال: ((فَيَدْعُونَ أربعين
سنةً لا يجيبهُم أحد، ثم يجيبهم مالك: ﴿ إِنَّكُر ◌َكِنُونَ﴾ قال: ((فَيْأسونَ من كلّ خير(٢) .
قوله تعالى: ﴿ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِهَا كَلِحُونَ ﴾
قال الإمامُ أحمد : حدّثنا عليُّ بن إسحاق ، حدّثنا عبد الله هو ابن المبارك، أخبرنا سعيد بن
يزيد، أبو شُجاع، عن أبي السَّمْح، عن أبي الهَيْثم، عن أبي سعيد، [عن النبيّ وَرَ] قال:
﴿وَهُمْ فِهَا كَلِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٤] قال: ((تَشْوِيهِ النارُ، فَتَقَلِصُ شَفَتَهُ [العُلْيا] حتَّى تَبْلُغَ وَسط
رَأْسِه، وتَسْتَرْخِي شَفَتَهُ السُفْلى حتَّى تبلغ سرته ». ورواه الترمذي عن سُوَيْدٍ ، عن ابن المبارك ، به ،
وقال : حسن صحيح غريب(٣) .
وقال ابن مَرْدَوَيْهِ : حدّثنا أحمدُ بن محمد بن يحيى القَزّاز ، حدّثنا الخضر(٤) بن عليّ بن يوسف
القَطَّان، حدّثنا عنُّ الحارث بن الخضر(٥) القَطَّان، حدّثنا سعيدُ بن أبي سَعيد المَقْبُريّ ، عن أخيه ،
عن أبيه، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله وَله في قوله تعالى: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ قال:
((تلفحهم لَفْحةً، فَتَسيلُ لحومهم على أعقابهم (٦) . أجارنا الله منها .
أحاديث شتى في صفة النار وأهلها
قال أبو القاسم الطبرانيّ : حدّثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدّثنا أبو الشَّغْثاء علي بن الحسن
=
ضعيف. ولكن صح من طريق الحاكم (٤/ ٦٠٥) وصححه الذهبي ، وٍهو كما قالا عن أبي موسى الأشعري رضي
الله عنه قال: قال رسول الله : ((إن أهل النار ليبكون، حتى لو أجريت السُّفن في دموعهم لجرت، وإنهم
يبكون الدم )) يعني مكان الدمع .
في (١) : يزيد بن رفيع، وهو خطأ، وزيد بن رفيع ، ضعفه الدار قطني . وقال النسائي : ليس بالقوي.
(١)
(٢)
أخرجه ابن أبي الدنيا في «صفة النار» (٢١١) وإسناده ضعيف .
(٣)
رواه أحمد في المسند (٨٨/٣) والترمذي (٢٥٨٧) وإسناده ضعيف.
(٤)
في (أ) : الحسن بن علي .
(٥)
في الأصل : عم أبي الحارث الخضر .
(٦) وإسناده ضعيف .

٣٨٥
أحاديث شتى في صفة النار وأهلها
الواسطيّ ، حدّثنا خالدُ بن نافع الأشعري ، عن سعيد بن أبي بُرْدةً ، عن أبي موسى ، قال : قال
رسول الله وسلم: ((إذا اجتمع أهلُ النار في النار، ومعهم من شاء الله من أهل القِبْلَةِ، قال الكفّار
للمسلمين : ألم تكونوا مسلمين ؟ قالوا : بلى ، قالوا : فما أغنى عنكم الإسلام وقد صرتم معنا في
النار ؟ قالوا : كانت لنا ذنوبٌ فأُخذْنا بها)) قال: ((فسَمعَ اللهُ ما قالوا ، فأمر بمن كان في النار من أهل
القِبْلَةِ فأُخْرِجُوا؟ فلمَّا رأى ذلك من بقي في النار من الكفّار قالوا : يا ليتنا كُنّا مسلمين، فَنَخْرُجَ كما
خَرَجُوا )) قال: ثم قرأ رسول الله وَّمَ: أعوذُ باللهِ من الشَّيْطانِ الرَّجيم ﴿الَرَِّلْكَ ءَايَتُ الْكِتَبِ وَقُرْءَانٍ
مُبِينٍ ﴿َازُيَمَا يَوَدُ الَّذِينَ كَفَرُواْلَوْ كَانُواْمُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: ١ -٢](١).
وقال الطبرانيّ : حدّثنا موسى بن هارون ، حدّثنا إسحاق بن رَاهَوَيْه ، قال : قلتُ لأبي أُسامة :
أحدَّئكم أبو رَوقٍ عَطيَّةُ بن الحارث، حدّثني صالحُ بن [أبي] طَرِيف، سألتُ أبا سعيد الخُدْريّ ، فقلت
له: هل سمعتَ رسول الله وَلَه يقول في هذه الآية: ﴿ رُبَمَا يَوَدُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾؟ قال:
نعم، سمعتُهُ يقول: ((يُخْرِجُ الله ناساً من المؤمنين من النار بَعْدَما يَأْخُذُ نِفْمته منهم)) وقال: ((لَمَّا
أدخلهم النار مع المشركين قال لهم المشركون : تَزعمُون أنكم كنتم أولياء الله في الدنيا ، فما بالكم
معنا في النار ؟ فإذا سمع الله ذلك منهم ، أذِنَ في الشَّفَاعةِ لهم ، فيشفع الملائكةُ والنبيُّون ، ويَشْفَعُ
المؤمنون، حتّى يَخرجُوا بإذن الله، فإذا رأى المشركون ذلك قالوا: يا لَيْتَنَا كُنّا مثلَهم، فتُدركنا الشفاعةُ،
فنخرُجَ معهم)) قال: ((فذلك قول الله تعالى: ﴿ زُبَمَا يَوَدُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾ فَيُسمَّون في
الجنة الجهنميون (٢) ، من أجل سوادٍ في وجوههم ، فيقولون : يا رَبَّنا أذهب عنّا هذا الاسم ،
فيأمرهم ، فَيَغْتسلون في نهر الجنّة ، فيذهبُ ذلك الاسم عنهم))؟ فأقرَّ به أبو أسامة ، وقال: نعم (٣).
وقال الطبرانيّ: حدّثنا محمد بن العباس، هو الأخْرَمُ، حدثنا محمد بن منصور هو الطُّسيّ، حدّثنا صالح بن
إسحاق الجِهْبذُ، وأثنى عليه يحيى بن مَعين، حدّثنا مُعَرّف بن واصل، عن يعقوب بن أبي نُباتة، عن عبد الرحمن
الأغرِّ ، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله وَّه: ((إنَّ ناساً منْ أهْلِ لا إله إلا الله يَدْخُلونَ النارَ بذنوبهم،
فيقول لهم أهل اللاتِ والعُزَّى: ما أغنَى عنكم قولُكم: لا إله إلا اللهُ، وأنتم مَعَنا في النَّارِ؟ فَيَغْضَبُ اللهُ لَهُمْ
فَيُخْرِجُهُمْ، فَيَلْقِيهِمْ فِي نَهْرِ الْحَياةِ ، فيبرؤونَ من حَرَقهم ، كما يَبَرَأْ القَمَرُ مِنْ كُسُوفِهِ ، فيدْخُلُون الْجِنَّةَ، ويُسمَّوْن
فيها الْجَهَنميين)) فقال رجل: يا أنس، أنتَ سمعتَ هذا من رَسُولِ الله ◌َِّر؟ فقال أنس: سمعتُ رسولَ الله ◌َِه
(١) وإسناده ضعيف، خالد بن نافع الأشعري فيه كلام، ولكن للحديث شواهد يقوى بها ، انظر السنة لابن أبي عاصم
رقم (٨٤٣) .
(٢) كذا الأصول. وفي صحيح ابن حبان رقم (٧٤٣٢) : الجهنميين .
(٣) رواه الطبراني في ((الأوسط)) (٨١١٠) وفي سنده صالح بن أبي طريف، لم يوثقه غير ابن حيان ، وهو حديث
حسن بطرقه وشواهده ، انظر صحيح ابن حبان رقم (٧٤٣٢) .

٣٨٦
أحاديث شتى في صفة النار وأهلها
يقول: ((منْ كَذَبَ عليَّ مُتَعَمَّداً، فَلْيَتَبَوأُ مَقْعدهُ منَ النّارِ)) نَعَمْ أنا سَمِعْتُ رسولَ اللهِوَه يقول هذا.
قال الطبرانيّ: لم يروه عن مُعَرّف بن واصل إلّ صالحُ بن إسحاقَ الحِهْبذُ (١).
أثر غريب وسياق عجيب
" قال أبو بكر بن أبي الدُّنيا: حدّثنا أبو عبد الرحمن القُرَشيّ، حدّثنا طلْحةُ بنُ سنان، حدّثنا
عبدُ الملك بن أبجر(٢) ، عن الشعبيّ، عن أبي هريرة، قال: يُؤْتى بجَهنَّم يَوْمَ القِيَامَةِ تُقَادُ بسَبْعِينَ أَلْفَ
زِمام ، آخِذ بكُلِّ زِمَام سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكِ، وَهِيَ تَمايلُ عَلَيْهِمْ حتَّى تُوقَفَ عَنْ يَمِينِ العَرْشِ ، وَيُلْقِي اللهُ
عَلَيْهَا الذُّلَّ يَوْمئذٍ، فَيُوحِي اللهُ إِلَيْها: ما هذا الذُّلُّ؟ فَتَقُولُ: يا رَبِّ، أخَافُ أنْ تَكُونَ لَكَ فِيَّ نِقْمَةٌ
فيُوحِي الهُ إِلَيْها : إِنَّمَا خَلَقْتُكِ نِقْمَةً، وَلَيْسَ لِي فيكِ نِقْمَةٌ، فَيُوحِي اللهُ إلَيْها، فَتَزْفَرُ زَفرةً لا تَبْقَى دَمْعَةٌ
في عَيْنٍ إلَّ جَرتْ، قال: ثُمَّ تَزْفَرُ أُخرى، فلا يَبْقَى مَلَكٌ مُقَرَّبٌ ولا نَبِّ مُرسلٌ إلّ صعِقَ ، إلّا نَبِيُّكُمْ
نَبِيُّ الرَّحْمَةِ ، يقول: يا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي(٣).
أثر آخر من أغرب الآثار عن كعب الأحبار
قال الحافظُ أبو نُعَيْم الأصْبهانيّ: حدّثنا أبي، حدّثنا أحمد بن محمَّد بن الحُسَيْن الْبَغْداديّ،
حدّثنا إبراهيم بن عبد الله بن الجُنَيد، حدّثنا عُبَيد الله بنُ محمَّد بن عائشة، حدّثَنَا سَلْم الخوَّاصُ(٤)، عن
فُراتٍ بن السَّائبِ، عن زَاذانَ ، قال: سمعتُ كَعْبَ الأحبَار يقول: إذا كانَ يومُ القيامةِ جَمَعَ اللهُ
الأوَّلينَ والآخِرِينَ في صَعيدٍ واحدٍ ، فَنَزَلتِ المَلائكةُ فَصَارُوا صُفُوفاً، فيقول الله تعالى : يا جبريل ائتني
بجهنَّم ، فَيَأْتي بها جِبْرِيلُ تُقَادُ بِسَبْعِينَ ألفَ زِمامٍ ، حتَّى إذا كانت منَ الْخَلائقِ على قَدْرِ مئةٍ عام زَفرتْ
زَفْرَةً طَارَتْ لَها أفْئِدَةُ الْخَلَائِقِ ، ثُمَّ زَفَرَتْ ثانيةً، فلا يَبْقَى مَلَكٌّ مُقَرَّبٌ ولا نَبِيّ مُرْسِلٌ إلا جَثَا لِرُكْبَتَهِ،
ثُمَّ زَفَرَت الثَّالِثَةَ، فَتَبَلُغ القُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَذْهِلُ العُقُولُ، فَيَفْزَعُ كُلُّ امْرِيْ إلى عَمَلِهِ حتَّى إِنَّ إِبْرَاهيمَ
الْخَليلَ عليه السلام يَقُولُ : بِخُلَّتي لا أسْألُكَ الْيَوْمَ إلَّ نَفْسي، ويقول موسَى عليه السلام: بمُناجاتي
لا أسألُكَ إلَّ نَفْسي، وإنَّ عيسى عليه السلام لَيَقُولُ: بما أكْرَمْتني لا أسألُكَ إلَّ نَفْسِي، لا أسْألُكَ مَرْيمَ
الَّتِي وَلَدَتْني، ومحمَّدٌ وَه يقول: أمَّتِي أُمَّتي لا أسْألُكَ الْيَوْمَ نَفْسي، إنَّما أسْألُكَ أُمَّتِي، قال: فَيُجِيبُهُ
الْجَليلُ جل جلاله : أوليائي منْ أُمَّتِكَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هُمْ يَحْزِنُونَ، فَوَعِزَّتِي وَجَلالي
(١) إسناده ضعيف، ولكن لبعضه طرق وشواهد بمعناه يقوى بها .
(٢) في (آ) ابن الجز، وهو خطأ .
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في (( صفة النار)) (١٨٢).
(٤) في الأصل : حدّثنا مسلم ، والتصحيح من الجرح والتعديل لابن أبي حاتم .

٣٨٧
أحاديث شتى في صفة النار وأهلها
لأُقِرَّنَّ عينَك في أمَّتِكَ، ثُمَّ تَقفُ المَلائِكُ بَيْنَ يَدي اللهِ عزَّ وجلَّ يَنْتَظِرُونَ ما يُؤْمَرُونَ به ، فيقول لهم
الربُّ تعالى وتَقَدَّسَ: معاشر الزبانية انطلقوا بالمصرِّين على الكَبَائر منْ أُمَّةٍ مُحمَّدٍ إلى النَّارِ ، فَقَدِ اشْتَدَّ
غَضبِي عَليهِمْ بتَهاونِهِمْ بِأمْري في دَارِ الدُّنيا ، واسْتِخْفَافِهِمْ بِحَقِّي ، وانْتِهاكِهِم حُزْمتي، يَسْتَخفونَ منَ
النَّاسِ وَيُبَارزُوني بالمعاصي مَعَ كَرامتي لهم، وتَفْضيلي إيَّهُمْ على الأُمَم، ولَمْ يَعْرِفُوا فَضْلي، وعِظَمَ
نِعْمتي ، فَعِنْد ذلك تأخُذُ الزَّبَانية بلِحِى الرِّجَالِ، وذَوائبِ النِّساء، فينْطَّلِقُون بهم إلى النَّار، وما منْ
عَبْدٍ يُساقُ إلى النَّارِ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الأمَّةِ إلَّ مُسْودّاً وَجْهُهُ، وقَدْ وُضِعَتِ الأنْكَالُ(١) فِي قَدَمَيهِ ، والأغْلالُ
في عُنُقُه إلَّ ما كانَ من أهل النار مِنْ هَذِهِ الأمَّةِ ، فإنَّهُمْ يُساقُونَ إلى النار بِألْوَانِهِمْ، فإذا وَرَدوا على
مَالِكِ قال لهم : معَاشِرَ الأَشْقِيَاءِ ، مِنْ أيِّ أمَّةِ أنْتُم؟ فمَا وَرَدَ عَليَّ أحْسَنُ وجُوهاً مِنْكُم ، فيقُولُون :
يا مَالِكُ، نَحْنُ مِنْ أُمَّةِ القُرْآنِ، فيقولُ لَهُمْ: معَاشرَ الأشْقياء أو لَيْسَ القُرآنُ أُنْزِلَ عَلى محمَّد ◌َّهِ؟
قال : فَيَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ بالنَّحيب، والبُكاء: وامُحمَّدَاه، يا مُحمَّدُ اشْفَعْ لِمَنْ آمن بك ممن أُمرَ بهِ إلى
النَّارِ مِنْ أُمَّتِكَ، قال: فَيُنادى مالك بتهدُّدٍ، وانْتهارٍ : يا مَالِكُ، منْ أمَرَكَ بمعاتبة الأشْقِيَاء،
وَمُحادَثَتِهِمْ، والتَوَقُّفِ عنْ إذْخالِهِم العذاب؟ يا مَالِكُ، لا تُسوِّدْ وُجُوههمْ، فقد كانوا يَسْجُدُونَ لي
بها في دار الدنيا ، يا مالكُ لا تَغُلَّهُمَ بالأغْلالِ، فقدْ كانُوا يَغْتسلُونَ منَ الْجَنابةِ ، يا مَالِكُ، لا تُقَيِّدْهُمْ
بالأنْكالِ، فقدْ طافُوا حَوْلَ بَيْتِيَ الحَرَامِ ، يا مالِك لا تُلْبِهُم القَطِرَانَ، فقد خَلَّعُوا ثِيَابَهُمْ لِلإِخْرَامِ ،
يا مَالِكُ، [مُرِ النار لا تحرق ألسنتهم، فقد كانوا يقرؤون القرآن، يا مالك] قُلْ النَّارِ تَأْخُذْهُمْ على قَدْرِ
أعْمَالِهِمْ، فَالنَّارُ أعْرَفُ بهمْ وبمقاديرِ اسْتِخْقَاقهمْ من العذاب منَ الوَالِدَة بَوَلَدِها، فمِنْهُمْ مِنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ
إلى كَعْبَيْهِ ، ومِنْهُمْ منْ تأخذُهُ النَّارُ إلى رُكْبَتَيْهِ، ومِنْهُمْ من تأخُذُهُ النَّارُ إلى سُرَّتِهِ، ومِنْهُمْ منْ تأخذُهُ النَّارُ
إلى صَدْرِهِ ، قال: فإذا انْتَقَم اللهُ منْهُمْ على قَدْرِ كَبائِهِمْ وعُتُوُهُمْ وإضْرَارِهم، فتح بينهم وبين
المشركين باباً وهم في الطَّبَقِ الأعْلَى من النار ، لا يذوقُونَ بَزْداً ولا شَراباً، يبكون ، ويقولون :
يا مُحمَّداهُ، ارحم من أُمَّتك الأشْقياءَ، واشْفَعْ لَهُمْ، فقد أكلت النارُ لُحُومَهُمْ، وعِظامهمْ وَدِماءهم ،
ثم ينادُون : يا رَبّاه ، يا سيّداه ، ارحم من لم يُشركُ بك شيئاً في دار الدُّنيا ، وإن كان قد أساء وأخْطأ ،
وتَعدَّى، فعِنْدها يقولُ المُشْرِكُون لهم : ما أغنى عَنْكُمْ إيمانُكُمْ باللهِ، وبمحمّد، فَيَغْضِبُ اللهُ لذلكَ ،
فيقول: يا جبريلُ، انْطَلِقْ، فَأَخْرِجْ مِنْ فِي النَّارِ مِنْ أُمَّةِ محمَّد ◌َه، فَيُخْرِجُهُمْ ضَبائِرُ(٢) ، قد
امْتَحشُو(٣)، فيُلْقيهِمْ على نَهْرٍ على بابِ الْجَنَّةِ، يُقالُ لَهُ: نَهْرُ الحياةِ، فَيَمْكُثُونَ حتَّى يَعُودُوا أَنْضَر
ما كانوا ، ثمَّ يأمرُ الله عز وجل بإدخالهم الجنَّةَ، مكتوبٌ على جِباهِهِمْ: هَؤُلاءِ الْجَهَنَّمِيُّونَ، عُتَقَاءُ
(١) الأنكال : جمع نِكل ، وهو القيد .
(٢) ضبائر : جماعة في تفرق .
(٣) أي : احترقوا .

٣٨٨
أنواع شفاعته (ٹے
الرَّحْمَنِ منْ أَمَّةِ محمَّد نَّهَ، فَيُعْرِفُونَ من بَيْنِ أهْلِ الْجِنَّةِ بذلك، فيتَضَّعُونَ إلى الله تعالى أنْ يَمْحُوَ
عَنْهُمْ تلك السِّمَةَ ، فَيَمْحُوها اللهُ عنهم ، فلا يُعْرفونَ بها بَعْدَ ذلك منْ بَيْن أهْلِ الجَنّةِ .
لبَعْض هذا الأثر ، شواهدُ من الأحاديث ، والله أعلم .
وسيأتي بعد ذكر أحاديث الشفاعة ذِكر آخِرٍ منْ يخْرُجُ منَ النار ويَدْخُلُ الْجنّةَ إنْ شاءَ اللهُ تعالى .
ذكر الأحاديث الواردة في شفاعة رسول الله وَّله يوم القيامة
وبيان أنواعها وتعدادها
النوع الأول منها شفاعته الأولى، وهي العظمى الخاصة به من بين سائر إخوانه من النبيين
والمرسلين صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين، وهي التي يرغب إليه فيها الخلق كلّهم حتى
إبراهيم الخليل ، وموسى [الكليم]، [ويتوسَّل الناسُ إلى آدَم، فمنْ بعده من المُرسلين ، فكلٌّ يَحيدُ
عنها، ويقولُ: لَسْتُ بِصَاحِبها]، حتّى يَنْتَهِيَ الأمْرُ إلى سيِّد وَلَد آدمَ في الدُّنيا والآخِرَةِ محمّدٍ وَهِ،
فيقول : [أنا لها]، أنا لها، فيذهبُ فَيَشْفَعُ عند الله تعالى في أنْ يَأْتِي لفصل القضاء بَيْنَ الخلق
ويُرِيحَهُمْ مما هم فيه ، ويَميز بَيْنَ مُؤمنهم وكافِرِهمْ ، بمُجازاةِ المؤمنين بالجنّةِ ، والكافرين بالنار .
وقد ذكرنا ذلك عند تفسير قوله تعالى: في سورة ( سُبْحانَ ) ﴿ وَمِنَ الَيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ، نَافِلَةٌ لَّكَ عَسَى أَنْ
يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا فَّحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]، وقد قدَّمنا في هذا الكتاب من الأحاديث الدالّةِ على هذا
المقام المحمود ما فيه كفايةٌ ، ولله الحمد والمِنّة .
وثبت في «الصحيحين)) من طريق هُشَيْم، عن سَيَّر، عن يَزِيدَ الفَقيرِ ، عن جابر بن عبد الله
قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: (( أُعطيتُ خَمْساً لَمْ يُعْطَهنَّ أحَدٌ منَ الأنْبياءِ قَبْلي: نُصرْتُ بالُّعْبِ مَسيرَةَ
شهْرٍ، وَجُعِلَتْ ليَ الأرْضُ مَسْجِداً وطَهُوراً، وأُحِلَّتْ لِيَ الغَنائمُ، ولمْ تَحِلَّ لأحدٍ قَبْلِي ، وَأُعْطِيتُ
الشَّفَاعَةَ، وكان النَّبِيُّ يُبْعثُ إلى قَوْمِهِ [خاصَّةً ] وَبُعِثْتُ إلى النَّاسِ عَامَّةً)(١).
وقد رواه أبو داود الطَّيالسيُّ، عن شُعْبةَ، عن وَاصلٍ، عن مُجاهدٍ، عن أبي ذَرِّ، عن النبيِّ ◌َِّهِ،
بنحوه ، ورواه الأعمشُ ، عن مُجاهدٍ ، عن عُبَيْدٍ بن عُمَيْرٍ ، عن أبي ذَّ(٢).
فقوله: ((وأُغْطِيتُ الشَّفَاعَةَ)) يعني [بذلك] الشَّفَاعَةَ العُظْمى، وهي الأُولى الَّتِي يَشْفِعُ فيها [عِنْدَ
اللهِ عزَّ وجلَّ ] لِفَصْلِ القَضاءِ بين العباد ، ويغبطه بها الأولون والآخرون .
(١) رواه البخاري رقم (٣٣٥) ومسلم (٥٢١ ).
(٢) رواه أبو داود الطيالسي في ((مسنده)) رقم (٤٧٢) وعبد الله بن المبارك في ((الزهد)) ( ١٠٦٩ ) وهو حديث حسن.

٣٨٩
أنواع شفاعته #
فهذه هي الشّفاعة الّتي اخْتصَّ بها دُونَ غَيْرِه من الرسل ، وأما الشفاعة في العُصَاةِ ، فيشركه فيها
غَيْره من الأنبياء والملائكة والمؤمنين حتى القرآن والأعمال الصالحة ، كما سيأتي بيان ذلك فيما نورده
من الأحاديث الصحيحة وغيرها فقد ثبتت له ولغيره .
وقال الأوزاعيّ، عن أبي عمَّار، عن عبد الله بن فَرُوخٍ، عن أبي هُريرةَ: أنَّ رسولَ اللهِمَّهِ قالَ:
(( أنَا أوَّلُ منْ تَنْشِقُّ عَنْهُ [الأرضُ ]، وأَّلُ شَافِعٍ، وأوَّلُ مُشَّفَّعٍ )(١) .
ورواه البيهقيُّ عن مَعْمر بن راشد ، عن محمد بن عبد الله بن أبي يَعْقوبَ، عن بِشْرِ بن شَغَافٍ ،
عن عبد الله بن سَلام، قال: قال رسولُ الله ◌َّمَ: ((أنا سَيِّدُ وَلَدِ آدَم ولا فَخْرَ، وأنَا أوَّلُ منْ تَنْشِق عَنْهُ
الأرضُ، وأنَا أوَّلُ شَّافِعٍ ومُشَفَّعِ، بِيَدِي لِواءُ الْحَمْدِ، تحتي آدَم، فمَنْ دُونَهُ) (٢).
وفي ((صحيح مسلم)) من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أَبَيِّ بن كَعْبٍ: أنَّ رسولَ اللهِّ
قال: ((إنَّ رَبِّي أْسَلَ إليَّ أنِ اقْرإِ القُرْآنَ على حَرْفٍ، فَرَددتُ عَلَيْهِ : يا رَبِّ، هَوِّنْ على أُمَّتِي، فَرَدَّ
عليَّ الثَّانيةَ: أنِ اقْرَأْهُ على حرفين(٣))) قال: ((قلت: يا رَبِّ، هَوِّنْ على أمَّتِي، فَرَدَّ عَلَيَّ الثّالِثَةَ : أنِ
اقْرأْهُ على سَبْعةٍ أحْرُفٍ ، ولَكَ بِكُلِّ رَدَّةٍ رُدِدْتَها مَسْألَةٌ تَسْألنيها ، فقلتُ : يا رب اللَّهُمَّ اغْفرْ لأُمَّتي،
الَّلهُمَّ اغْفزْ لِأُمَّتِي، وأَخَّرْتُ الثَّالِثَةَ إلى يومٍ يَرْغبُ إليَّ فِيهِ الْخَلْقُ [كُلُّهُمْ] حتى إبراهيمُ عَلَيْهِ
السَّلامُ)(٤).
النوع الثاني والثالث من الشفاعة
شفاعته وَّر في أقوام قد تساوت حسناتهم ، وسيئاتُهُمْ، فيشفع فيهم ليدخلوا الجنة ، وفي أقوام قد
أُمر بهم إلى النَّارِ ألّا يَدْخُلوهَا .
قال الحافظ أبو بكر بن أبي الدُّنيا في كتاب ((الأهوال)) : حدّثنا سعيدُ بن محمد الجَزْميُّ، حدّثنا
أبو عُبَيْدةَ الْحَدّاد، حدّثنا محمد بنُ ثابتِ البُنَانِيُّ، عن عُبَيْدِ الله بن عَبْدِ اللهِ بن الحارث بن نَوْفلٍ ، عن
أبيه، عن عبد الله بن عبَّاس، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهَ: ((يُنْصِبُ لِلأنْبِياءِ يَوْمَ القِيامَةِ مَنابرُ مِنْ ذهبٍ ،
فَيَجْلِسُون علَيْها)) قال: (( وَيَبْقى مِنبري لا أجْلسُ عَلَيْهِ قَائماً بَيْنَ يَدِي اللهِ عزَّ وجلَّ مُنْتصباً بِأُمَّتِي مَخَافَةَ
أنْ يُبْعَثَ بي إلى الْجِنَّةِ وَتَبْقَى أُمَّتي بَعْدي، فأقول: يا رَبِّ أُمَّتي، فيقولُ [اللهُ]: يا محمد ، وما تُريدُ
أنْ أَصْنَعَ بِأُمَّتِكَ؟ فأقولُ: يا رَبِّ، عَجِّلْ حِسَابَهُمْ. فَيُدْعِى بِهِمْ، فَيُحاسبُونَ، فمِنْهُمْ منْ يَدْخُلُ الْجِنّةَ
(١) رواه مسلم رقم ( ٢٨٧٨).
(٢) رواه ابن أبي عاصم في السنة رقم ( ٧٩٣) من طريق معمر ، به ، وهو حديث صحيح .
(٣) في الأصول : على حرف ، وما أثبتناه من صحيح مسلم .
(٤) رواه مسلم رقم (٨٢٠) .

٣٩٠
أنواع شفاعته راخ
بِرَحْمَةِ اللهِ، ومِنْهُمْ مِنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِشَفاعتي، وما أزَالُ أشْفَعُ حتى أُعْطَى صِكاكاً بِرِ جَالٍ قَدْ بُعِثَ بِهِمْ
إلى النّارِ، حتّى إنَّ مَالِكاً خَازنَ النار لَيَقُولُ: يا مُحمَّدُ، ما تَرَكْتَ لِغَضَبِ رَبِّكَ لِأُمَتِكَ مِنْ نِقْمةٍ (١) .
١
وحدّثنا إسماعيلُ بنُ عُبَيْدِ بنِ عُمَر (٢) بن أبي كريمة، حدّثني محمد بنُ سَلَمةُ(٣)، عن
أبي عبد الرحيم ، حدّثني زيدُ بنُ أبي أَنَسة، عن المِنْهالِ بنِ عَمْرٍو ، عن عبدِ اللهِ بن الْحَارِث ، عن
أبي هريرة، قال: يُحْشِرُ النَّاسُ عُراةً، فَيَجْتمعونَ شَاخِصةً أبْصَارُهُمْ إلى السَّماءِ، يَنْتَظِرُونَ فَضْلَ
القَضاءِ ، قِياماً أرْبَعينَ سَنةً، فَيَنْزِلُ اللهُ عزَّ وجلَّ منَ الْعَرْشِ إلى الكُرْسيِّ، فيكونُ أوَّلَ منْ يُدْعى إبراهيمُ
الْخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَيُكْسَى قُبْطِيَّتَيْنِ من الْجَنَّةِ، ثم يقول: ادعوا ليَ النبيَّ الأمِّيَّ محمَّداً ، قال :
( فأقُومُ، فَأُكْسى حُلّةً من ثِيَاب الجنة )) قال: ((وَيُفَجَّرُ لِيَ الْحَوْضُ، وَعَرْضُهُ كمَا بَيْنَ أيْلَة إلى الكَعْبةِ )»
قال: ((فَأَشْرَبُ، وَأَغْتَسِلُ، وَقدْ تَقطَّعَتْ أغْنَاقُ الخَلائقِ منَ العَطَشِ، ثمَّ أقومُ عنْ يَمين الكُزْسيِّ،
لَيْسَ أحَدٌ يومئذٍ قَائماً ذَلِكَ المَقَامَ غَيْرِي، ثمَّ يُقالُ: سَلْ تُعْطَه، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ)) قال: فقال رَجُلٌ :
أَتَرْجُو لِوَالِدَيْكَ شَيْئاً يا رسولَ اللهِ؟ قال: ((إِنِّي لَشْافِعٌ لَهُما أُعطيتُ أوْ مُنِعْتُ، وما أرْجُو لَهُما شَيْئاً)).
ثمَّ قال المِنْهالُ: حدثني عبدُ الله بن الحارث أيضاً: أنَّ نَبيَّ اللهِ ◌ّهَ قال: ((أمُرُ بِقَوْم منْ أُمَّتِي قَدْ
أُمِرَ بِهِمْ إِلى النَّارِ ، فَيَقُولُونَ: يا محمَّد، نَنْشُدُك الشّفاعة)) قال: ((فَآمرُ الملائكةَ أنْ يَقِفُواْ بِهِمْ)) قال :
(( فَأَنْطلقُ فأسْتَأذنُ على الرَّبِّ عزَّ وجلَّ، فيؤذن لي فَأَسْجِدُ وأقولُ: يا رَبِّ قَوْمٌ منْ أَمَّتِي قَدْ أَمَرْتَ بهمْ
إلى النّارِ)) قال: ((فيقول: انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مِنْهُمْ)) قال: ((فأَنْطَلِقُ، فَأُخْرِجِ مِنْهُمْ مِنْ شَاءَ اللهُ أنْ أُخْرجَ ،
ثمَّ يُنادي البَاقُونَ: يا محمد، نَنْشُدُكَ الشَّفَاعَةَ، فأرجعُ إلى الرَّبِّ عز وجل ، فَأَسْتَأذنُ ، فَيُؤْذِنُ لي ،
فأسْجُدُ ، فَيُقالُ لي: ازْفَعْ رَأْسَكَ، وسَلْ تُعْطَهِ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ)) قال: ((فأَقُوم فَأُتْني على اللّهِ ثَنَاءً لم
يُّْن عَلَيْهِ أحدٌ مثله، ثم أقولُ: يا رب قوم من أُمَّتِي قَدْ أُمِرَ بهمْ إلى النَّارِ، فيقول: انْطَلِقْ، فَأَخْرِجْ
مِنْهُمْ)) قال: ((فأقولُ: يا رَبِّ أُخْرجُ مِنْهُمْ مِنْ قال: لا إله إلا اللهُ، ومَنْ كانَ في قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ منْ
إيمانٍ؟)) قال: ((فَيَقُولُ: يا مُحمَّدُ، لَيْستْ تِلْكَ لَكَ، تِلْكَ لي)) قال: ((فأنْطَلقُ فَأُخْرجُ منْ شَاءَ اللهُ
أنْ أُخرج)) قال: ((وَيَبْقَى قَوْمٌ فَيَدْخُلُونَ النَّارَ، فَيُعَيِّرُهُمْ أهْلُ النَّارِ فَيَقُولُونَ: أَنْتُمْ كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ اللهَ ،
ولا تُشْرِكُونَ بِهِ شيئاً، فما الذي أدْخَلَكُمْ النَّارَ))، قالَ: ((فَيَحرجونَ ويحزنون من ذَلِك))، قال :
((فَيَبْعثُ اللهُ مَلكاً بَكَفٍّ مِنْ مَاءٍ فَيَنْضِحُ بها في النَّارِ التي فيها الموحَّدون ، فلا يبقى أحد من أهل لا إله
إلا الله، إلا وقعت في وجهه منها قطرة، قال: فُيُعرفون بها، ويغبطهم أهلُ النَّارِ، ثمَّ يَخْرُجُونَ
فَيَدخُلُونَ الْجِنَّةَ، فيُقالُ لهمْ : انْطلقُوا، فَتَضِيَّفوا النَّاسَ، فلوْ أنَّ جَمِيعَهُمْ نَزَلوا بِرَجُلٍ واحدٍ كَانَ لَهُمْ
(١) وأخرجه ابن أبي الدنيا في ((حسن الظن بالله)) (٦١) وإسناده ضعيف.
(٢) في الأصول: عمير ، والتصحيح من كتب الرجال .
(٣) في الأصول : محمد بن مسلمة ، والتصحيح من كتب الرجال .

٣٩١
أنواع شفاعته الخ
عندَهُ سَعةٌ وَيُسمَّوْنَ المُحَرَّرِينَ)(١). وهذَا السِّيَاقُ يَقْتَضِي تَعْدَادَ هَذِهِ الشّفَاعَة فِي مَنْ أُمِرَ بِهِمْ إلى النَّارِ
ثَلاثَ مَرَّاتٍ ألّا يَدْخُلُوها، ويَكُونُ مَعْنِى قَوْلِهِ: فأخْرِجْ، أيْ أنْفِذْ، بدليلٍ قَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: ((وَيَبْقَى قَوْمٌ
فَيَدْخُلونَ النَّارَ ))، واللهُ سُبحانَهُ وتعالى أعلم بالصَّوابِ .
النوع الرابع من الشفاعة، شفاعته وَ ل # في رفع درجات من يدخل الجنة فوق مايقتضيه ثواب
أعمالهم .
وقَدْ وافقتِ الْمُعْتزلةُ على هذهِ الشِفَاعِ خَاصَّةً، وخَالفُوا فِيما عَدَاهَا مِنَ الشفاعاتِ ، مع تَواتُر
الأحَاديث فيها ، على ما سَتَراهُ قَريباً إنْ شاء الله تعالى .
فأما دليل هذه الشفاعة، فهو ما ثبت في (( الصحيحين )) وغيرهما من رواية أبي موسى الأشعريّ لمَّا
أُصيبَ عَمُّهُ أبو عَامِرٍ فِي غَزْوَةِ أوْطَاس، فلمَّا أَخْبَرَ أبو مُوسى رسولَ اللهِ وَّهِ بِذَلِكَ، قال: فتوضأ
رسولُ الله، وَرَفعَ يَدَيْهِ، وقال: ((اللَّهُمَّ اغْفر لِعُبَيْدٍ أبي عَامِرٍ، وَاجْعَلْهُ يَوْمَ القِيامةِ فَوْقَ كَثِيرٍ مِنْ
خَلْقِك (٢) .
وهكذا حديث أمِّ سَلَمَةَ: أنَّ رسولَ اللهِوَهِ دَعَا لأبي سَلَمَةَ بَعْدَما تُوفِّيَ، فقال: ((اللّهُمَّ اغْفِرْ
لأبي سَلَمَةَ، وَازْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي المَهْدِيِّين، وَاخْلُفْهُ فِي عَقِهِ فِي الْغَابِرِينَ، وَاغْفِرْ لَنا ولَهُ يا رَبَّ
العَالمِينَ، وَافْسِحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ ، ونَوِّرْ لَهُ فيهِ)). وهو في ((صحيح مسلم)(٣).
وقد ذكر القاضي عياضٌ وغيرُه ، نوعاً آخر من الشفاعة وهو خامسٌ ، وهي في أقوام يدخلون الْجَنَّةَ
بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَلَمْ أَرَ لِهَذا شاهداً فيمَا عَلِمْتُ ، ولم يذكر القاضي عياضٌ له مستنداً فيمَا رَأيْتُ ، ثمَّ
تَذَكَّرْتُ حَديثَ عُكَّاشةَ بنِ مِحْصٍ حينَ دَعا لَهُ رسولُ اللهِّهِ أَنْ يَجْعَلَهُ منَ السَّبعينَ ألْفاً الَّذِينَ يَدْخُلُونَ
الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسابٍ، والحديث مُخَرَّج في ((الصحيحين))، كما تقدَّمُ(٤) وهو يُناسبُ هذَا المقام .
وذكر أبو عبد الله القرطبيّ في ((التذكرة)) نوعاً سادِساً منَ الشَّفاعةِ، وهو شَفَاعتُه في عمّه
أبي طالبٍ أنْ يُخَفَّفَ عَذَابُهُ، واستشهدَ بحدِيثِ أبي سَعيدٍ في ((صحيح مُسْلم)) أنَّ رسولَ اللهَِّهَ ذُكِرَ
(١) وهو مرسل .
(٢) رواه البخاري (٢٨٨٤) ومسلم (٢٤٩٨).
(٣) رواه مسلم ( ٩٢٠ ) .
(٤) رواه البخاري (٦٥٤١) ومسلم (٢٢٠) من حديث ابن عباس والبخاري (٦٥٤٢) ومسلم (٢١٦) من حديث
أبي هريرة .

٣٩٢
أنواع شفاعته رقملآ
عِنْدَهُ عَقُّهُ أبو طَالِبٍ فقال: ((لَعَلَّهُ تَنْفَعُه شَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ ، فَيُجْعل في ضَحْضَاحٍ منْ نارٍ يَبْلُغُ كَعْبَيْهِ
يَغْلِي مِنْهُ دِمَاغُه»١) .
ثم قال: فإن قيلَ: فَقَدْ قال الله تعالى: ﴿فَمَا نَفَعُهُمْ شَفَعَةُ الشَِّفِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] قيل: لا تنفعُهُ
في الخُروج منَ النَّارِ ، كما تَنْفِعُ عُصَاةَ المُوحِّدينَ الَّذِينَ يَخْرُجُون منْها، ويَدْخلون الْجِنَّةَ .
النوع السابع من الشفاعة، شفاعتُهُ وَّهِ لِجَميعِ المُؤْمِنِينَ قَاطِئَةً في أنْ يُؤْذَنَ لَهُمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةُ ،
كما ثبت في ((صحيح مسلم)) عن أنس بن مالك: أنَّ رسولَ اللهِ نَّه. قال: ((أنَا أوَّلُ شَفيع في
الْجَنَّة )(٢) .
وقال في حديث الصُّور [بعد ذِكر مرور الناس على الصِّرَاط]٣): فإذا خلص المؤمنون من
الصراط، وأفْضَى أهْلُ الْجَنَّةِ إلى الجَنةِ قالوا: منْ يَشْفعُ لَنا إلى رَبَِّا فَنَدْخُلَ الجَنَّةَ؟ ثم ذكر مجيء
المؤمنين من نبي إلى نبي، حتى جاؤوا إلى النبي ◌َِّ، قال النبي ◌ََّ: ((فيأْتُوني ولي عند رَبِّي
عزَّ وجلَّ ثَلاثُ شَفَاعاتٍ ، يعني والله أعلم خاصة به دون غيره، قال : فأنْطلقُ فَآَتي الجَنَّةَ فَآَخُذُ بِحَلْقَةٍ
بَابِها ، ثم أسْتَفْتَحُ ، فيقول الخازن : مَنْ أنت؟ فأقول: محمد ، فيفتح لي، فأُحَيًّا، ويُرخَبُ بي فإذا
دخلت ونظرت إلى ربي سبحانه، خررت له ساجداً ، فيأذن الله تعالى لي من حمده وتمجيده بشيء
ما أذن به لأحد ، ثم يقول لي: ارفع رأسك يا محمد، واشفع تُشفَّع، وسل تُعْطَه، فإذا رفعت رأسي
قال الله وهو أعلم: ما شأنك؟ فأقُولُ: يا رَبِّ وَعَدْتَنِي الشَّفَاعَةِ، فَشَفِّعْني في أهْلِ الْجِنّةِ، فيقولُ اللهُ
عزَّ وجلَّ : قدْ شَفَّعْتُكَ، وَأذِنْتُ لَهُمْ في دخول الْجَنَّةِ ... وذكر الحديث كما تقدَّم في حديث الصور.
ثم ذكر بعد هذا الشفاعةَ في أهْلِ الكَبائِرِ ، وهُوَ :
النوع الثامن من الشفاعة وهو شفاعته في أهْلِ الكبائر مِنْ أُمَّتِهِ ممَّنْ دَخَلَ النَّارَ بذنوبه وكبائر إثمه ،
فَيَخْرُجُونَ مِنْها .
وَقَدْ تواترت بهذا النوع الأحاديثُ، وقد خَفيَ علم ذلك على الخوارج ، والمُعتزلةِ ، فخالفوا في
ذلك جَهْلاً منهم بصحّة الأحاديث، وعِنَاداً ممَّنْ عَلِمَ ذلك واستَمرّ على بِدْعتهِ .
وهذه الشفاعة يشاركه فيها الملائكةُ والنبيُّون والمؤمنون ، وهذه الشفاعة تتكرّر منه صلواتُ الله
وسلامه عليه [ أرْبَعَ ] مَرَّاتٍ .
(١) رواه مسلم (٢١٠).
(٢) رواه مسلم رقم ( ١٩٦).
(٣) ما بين الحاصرتين من (ط) .

٣٩٣
طرق أحاديث الشفاعة
باب طرق الأحاديث وألفاظها
رواية أُبي بن كعب
قال ابن أبي الدنيا : حدّثنا عبدُ الله بن وَضَّاحِ، حدّثنا يحيى بنُ يَمانٍ ، عن شَريك ، عن
عبد الله بن محمد بن عَقِيلٍ ، عن الطُّفيلِ بن أُبَيِّ بَن كَعْبٍ ، عن أبَيِّ بنِ كَعْبٍ ، قال : قال
رسول الله ◌َله: ((أنا خَطيبُ الأنْبياء يَوْمَ القِيامةِ وَإِمَامُهُمْ، وَصَاحِبُ شَفَاعَتِهِمْ)(١).
رواية أنس بن مالك رضي الله عنه
قال ابن أبي الدُّنيا : حدّثنا سعيدُ بنُ سُلَيْمانَ، عن منصور بن أبي الأسودِ، عن لَيْثٍ ، عن
الرَّبيعِ بن أنس، عن أنس بن مالك، قال: قال رسولُ الله وَّةِ: ((أنَا أوَّلُهُمْ خُرُوجاً، وأنا قَائدُهُمْ إذا
وَفَدُوَاَ، وأنا خَطيبُهُمْ إذا أَنْصَتُوا، وَأنَا شَفيعُهُمْ إذا حُبسُوا، وأنا مُبَشِّرُهُمْ إذا يئسوا، لواءُ الكَرامةِ ،
والمفاتيحُ يَوْمئذٍ بِيَدِي ، ولواءُ الْحَمْدِ يَوْمئذٍ بِيَدي، وأنا أكْرَمُ وَلَدِ آدَمَ على رَبِّي، يَطُوفُ [عَليَّ] ألفُ
خادِم ، كأنَّهُمْ بَيْضٌ مَكْنُونٌ ، أو كأنَّهُمْ لُؤْلُؤْ مَنْثُورٌ )) .
ثم رواه عن خَلَف بن هِشَام، عن حِبَّال٢ُ) بنِ عَلَيِّ العَنزيّ، عن ليثِ بن أبي سُلَيْم، عن
عُبَيْد اللهِ بن زَحْر ، عن الرَّبيع بن أنس ... فذكره مرفوعاً كما تقدَّمُ(٣).
طريق أخرى عنه
قال الإمام أحمد: حدّثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ ، حدّثنا بِسْطامُ بنُ حُرَيْثٍ ، عن أشْعث الحُدَّاني ، عنْ
أنس بن مالك، قال: قال رسولُ الله ◌ِّهِ: ((شَفاعتي لأَهْلِ الكبائر من أمتي)). وهكذا رواه
أبو داود، عن سليمان، عن بِسطام، عن أشْعَثَ بن عبد الله بن جابر الحُدَّاني ، عن أنس(٤).
طريق أخرى عنه
قال الحافظ أبو بكر البزّار في ((مُسنده)): حدّثنا عمرو بن عليّ، حدّثنا أبو داود، حدّثنا
(١) ورواه أحمد فى المسند (١٣٧/٥) والترمذي ( ٣٦١٣) وابن ماجه (٤٣١٤ ) وهو حديث حسن .
(٢)
في الأصول : جبر .
وأخرجه البيهقي في (( دلائل النبوة)) (٤٨٣/٥) من طريق سعيد بن سليمان، و(٤٨٤/٥) من طريق خلف بن
(٣)
هشام ، وأخرجه الترمذي ( ٣٦١٠) من طريق ليث عن الربيع ، وإسناده ضعيف .
(٤) رواه أحمد في المسند (٢١٣/٣) وأبو داود رقم (٤٧٣٩) وهو حديث صحيح .

٣٩٤
طرق أحاديث الشفاعة
الخَزْرَج بن عُثْمان، عن ثابت، عن أنس، [قال: قال رسول الله وَّر]: ((شَفَاعتي لأهْلِ الكَبَائر منْ
أمَّتي)) ثم قال: لم يَزْوِه عن ثابت إلَّ الْخَزْرِجُ بنُ عُثْمانٌ(١) . وهكذا روى أبو يَعْلَى مِنْ طَريق يَزِيدَ
الرَّقاشِيّ، عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، عن النَّبِيّ ◌َِّ أنه قال: (( شَفَاعتي لأهْلِ الكَبائِرِ منْ
أمَّتي )(٢) .
طريق أخرى عنه
قال الإمام أحمد: حدّثنا عارم، حدّثنا مُعْتمرٌ، سمعتُ أبي يُحدِّثُ، عن أنس: أن رسول الله وَله
قال: ((كُلّ نَبيَّ قد سَألَ سُؤَالًا -)) أو قال: ((لِكُلِّ نَبِيِّ دَعْوَةٌ قَدْ دَعَاهَا - فَاسْتَخْبَأْتِ دَعْوتِي شَفَاعةً لأُمَّتِي
يَوْمَ القِيَامَةِ)) أو كما قال. ورواه البخاريُّ تَعْليقاً، فقال: وقال مُعْتمر(٣) عن أبيه ، وأسنده مسلم ،
فرواه عن محمد بن عبد الأعْلَى، عن مُعْتمرٍ ، عن أبيه سُلَيْمانَ بن طرْخَانَ التيميّ ، عن أنس ، به
نحو(٤) .
طريق أخرى
قال ابن أبي الدنيا : حدَّثنا محمد بن يزيد العِجْليّ، حدّثنا أبو بكر بن عَيَّاش، حدّثنا حُمَيْدٌ ، عن
أنس، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إذا كان يَوْمُ القِيَامَةِ أُنِلْتُ الشَّفَاعَةَ، فَأَشْفَعُ لِمَنْ كانَ في قَلْبِهِ مِثْقَالُ
ذَرَّةٍ منْ إيمانٍ ، حتى لا يَبْقَى أحدٌ في قَلْبِهِ منَ الإيمانِ مِثْلُ هَذَا)) وَحرَّكَ الإبهامَ، والمُسَبِّحةُ(٥) .
طريق أخرى عنه
وقال أحمد : حدّثنا بَهْزٌ، وَعَفَّانُ، قالا: حدّثنا هَمَّامٌ، حدّثنا قَتَادةُ، عن أنس: أنَّ
رسولَ اللهِ ◌ّله، قال: ((إنَّ لكُلِّ نَبِيّ دَعْوةً قَدْ دعا بها، فاستجيبت له، وإني استخبأت دعوتي شفاعة
لأمتي يوم القيامة)). وهذا الحديث على شرطهما. ولم يُخَرّجُوه منْ حَديثِ هَمَّا(٦) وإنَّما أخرجه
الشَّيْخانِ منْ حَديثِ أبِي عَوَانةَ الوَضَّاحِ بن عبد الله الْيَشْكُريّ، عن قتادَةَ . ثم رواه مسلم من حديث
(١) رواه البزار (٣٤٦٩ - كشف الأستار) وفي إسناده ضعف ، ولكن يشهد له الذي قبله .
(٢) رواه أبو يعلى رقم (٤١١٥) وإسناده ضعيف أيضاً، ولكن يشهد له حديث أحمد وأبي داود الذي قبله .
(٣) في بعض نسخ البخاري : وقال لي خليفة : حدثنا معتمر ، فعلى هذا هو متصل .
(٤) رواه أحمد (٢١٩/٣) والبخاري تعليقاً في حكم المتصل في بعض النسخ رقم (٦٣٠٥) ووصله مسلم (٢٠١)
( ٣٤٤ ) .
(٥) ورواه الآجري في ((الشريعة)) من طريق أبي بكر بن عياش رقم (٨٥٠ ) وهو حديث حسن.
(٦) رواه أحمد (١٣٤/٣).

٣٩٥
طرق أحاديث الشفاعة
سعيد، عن قتادةَ، عن أنس، قال: قال رسولُ اللهِ وَلّهِ: ((يَجْتَمعُ المُؤْمنُونَ يومَ القِيَامةِ، فيُهمّون
بذلك، أو يُلهُمُونَ ذَلِكَ ... )) بمثل حديث أبي عَوانةَ، وقال في الحديث: ((ثمَّ آتيهِ الرَّابعةَ ، أو أعود
الرَّابعَةَ، فأقُولُ: يا رَبِّ، ما بَقِيَ إلَّ مِنْ حَبَسَهُ القُرآنُ(١)
طريق أخرى عنه
قال أحمد: حدّثنا عَفَّانُ، حدّثنا هَمَّام، حدّثنا قَتادةُ، عن أنسٍ: أنَّ رسولَ اللهِ وَلِّ، قال:
(( يُخْبسُ المُؤْمنونَ يَوْمَ القِيَامَةِ فيُهُمُّون لِذَلك، فيقولُونَ: لو استَشْفَعْنا على رَبَّا فِيُرِيحَنَا منْ مَكانِنَا
هَذَا؟)) قال: ((فيأْتُون آدَمَ، فيقُولُونَ: أَنْتَ أَبُونَا، خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ، وأسْجدَ لكَ مَلائكَتَهُ، وعَلَّمَكَ
أسْماءَ كلِّ شَيْءٍ، فَاشْفَعْ لَنَا عِنْدَ رَبِّكَ)) قال: ((فَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، ويَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الّتي أَصَابَ :
أكْلَهُ مِنَ الشّجَرَةِ، وقدْ نُهيَ عَنْها، وَلَكن ائْتُوا نُوحاً أوَّلَ نَبِيِّ بَعَثَهُ اللهُ إلى أهْلِ الأرْض)) قال: ((فَيَأْتُونَ
نُوحاً ، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُناكُمْ، ويذْكُرُ خطيئته، سُؤاله رَبّهُ ما ليس له به عِلْم، ولكن ائْتُوا إبْرَاهيمَ خَليلَ
الرَّحمن. فيأْتُونَ إبراهيمَ ، فيقولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، ويَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ : ثَلاثَ كَذَبَاتٍ كَذَبَهُنَّ :
قولَهُ: ﴿ إِنِّ سَقِيمٌ﴾ وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيُهُمْ هَذَا﴾ وأتى على جَبَّارٍ مُتْرِفٍ، ومَعهُ امْرَأْتُهُ،
فقال : أخبريهِ أنِّي أخُوكِ، فإنِّي مُخْبرُهُ أنّكِ أُخْتي، ولكن ائْتُوا مُوسى عبداً كَلَّمَهُ اللهُ تَكْليماً ، وأعْطاهُ
التَّوْراة)) قال: ((فيأْتُونَ مُوسى فيقول: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ خَطيئته الّتي أصَابَ: وهي قَتْلُهُ الرَّجُلَ ،
وَلكن ائْتُوا عِيسَى عَبْدَ اللهِ وَرَسُولَهُ، وَكَلِمة اللهِ وَرُوحَهُ)) قالَ: ((فَيَأْتُونَ عِيسَى، فَيَقُولُ: لَسْتُ
هُناكُمْ، وَلَكن ائْتُوا مُحمَّداً عبداً غُفِرَ لهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وما تأخّرَ )) قال: ((فَيَأْتُوني ، فأسْتأذنُ على رَبِّي
عزَّ وجلَّ في دارِهِ فَيُؤْذَنُ لي عَلَيْهِ ، فإذا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ سَاجِداً، فَيَدَعُني ما شَاءَ اللهُ أنْ يَدَعَني ، ثمَّ يَقُولُ :
ارفع رأسك يا محمد ، وَقُلْ تُسْمِعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، وَسَلْ تُعْطَ، فَأَحْمَدُ رَبِّي عزَّ وجلَّ بِشَاءِ ، وتَحْميدٍ
يُعَلِّمُنيهِ، ثمَّ أشْفَعُ، فَحُدُّ لِي حَدّاً، فَأُخْرِجُهُمْ، فَأُدْخِلُهُم الجَنَّةَ)) وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((فَأُخْرِجُهُمْ منَ
النَّارِ وَأُدْخِلهُم الجَنََّ)) قالَ: ((ثمَّ أَسْتَأْذِنُ على رَبِّي عزَّ وجلَّ الثَّانِيَةَ، فَيُؤْذَنُ [لي] عَلَيْهِ ، فإذا رَأَيْتُهُ
وَقَعْتُ سَاجِداً، فَيَدَعُني ما شَاءَ اللهُ أَنْ يَدَعَني، ثمَّ يَقُولُ: [ارفع رأسك] يا محمد ، وقَلْ تُسمع،
واشْفَعْ تُشفّعْ ، [وسَلْ تُعْطَ)) قال: ((فأزْفَعُ رَأْسي، وأحمد رَبِّي بِثَنَاءِ، وتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنيهِ، ثمَّ أَشْفَعُ ]
فَيَحُدُّ لي حَدّاً ، [فأُخْرِجُهُمْ]، فأُدْخِلُهُم الْجِنَّةَ)).
قال هَمَّامٌ: وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((فَأُخْرِجُهُمْ منَ النَّارِ، فَأُدْخِلُهُم الْجِنَّةَ)) قال: ((ثُمَّ أَسْتَأذِنُ على رَبِّيْ
عزَّ وجلَّ الثالثةَ، فإذا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ سَاجداً، فَيَدَعُني ما شاءَ اللهُ أنْ يَدَعني، ثُمَّ يَقُولُ: ارفَعْ مُحمَّدُ
(١) رواه البخاري (٦٥٦٥) ومسلم ( ١٩٣).

٣٩٦
طرق أحاديث الشفاعة
وقُلْ تُسْمَعْ، وسَلْ تُعْطَ، واشفعْ تُشفَّع، فَأَزْفَعِ [رَأْسِي]، فأَحْمدُ رَبِّي بِمحامد وثَنَاءٍ وَتَحْميدٍ
يُعَلِّمُنِيهِ، ثُمَّ أَشْفَع فَيَحُدُّ لي حَدّاً فأخرجهم، فأُدْخِلُهُم الجنَّةَ - قال هَمَّامٌ: وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((فَأُخْرجُهُمْ
مِنَ النَّارِ فَأُدْخِلُهُم الْجَنّةَ - فما يبقى في النار إلَّ مِنْ حَبَسهُ القُرآنُ)) أيْ وَجَبَ عَلَيْهِ الخُلُودُ ، ثمَّ تَلا قَتَادَةُ
﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا فَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] قال: هو المقامُ المحمودُ الَّذِي وَعَدَ اللهُ عزَّ وجلَّ نبيّه
· 鶏
وقد رواه البخاريّ في كتاب التوحيد مُعَلّقاً، فقال: وقال حجَّاجُ بنُ مِنْهالٍ، عنْ هَمامٍ ... ،
فذكره بنحو(١) .
طرق أُخْرى متعددّة عنه
قال البخاريُّ في كتاب التوحيد : حدّثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ ، حدّثنا حمَّادُ بنُ زَيْدِ ، حدّثنا مَعْبَد بنُ
هِلال(٢) العَنَزَيّ، قال: اجْتَمَعْنا نَاسٌ من أهْلِ البَصْرَةِ، فَذَهَبْنا إلى أنسِ بنِ مَالِكِ، وَذهبنا مَعَنا ثَابتٌ
البُنَانِيّ يَسألُهُ لَنَا عِنْ حَديثِ الشَّفَاعِةِ ، فإذَا هُوَ في قَصْرِهِ ، فَوَافْنَاهُ يُصَلِّي الضُّحَى، فاسْتَأْذَنَّا، فَأذِنَ لَنَا
وهُوَ قَاعِدٌ على فِرَاشِهِ ، فَقُلْنا لِئَابتٍ : لا تَسْألُهُ عِنْ شَيْءٍ أوَّلَ مِن حَديث الشَّفَاعِةِ ، فقال :
يا أبا حَمْزَةَ ، هَؤلاء إخْوانُكَ منْ أهْلِ البَصْرَةِ جَاؤُوا يَسْألُونكَ عنْ حَديثِ الشَّفَاعَةِ .
فقال: حدّثنا محمد نَّه، قال: ((إذا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ مَاجَ الناسُ بَعْضُهُمْ في بَعْضٍ، فَيَأْتُونَ آدَمَ
فَيَقُولُونَ: اشْفَعْ لَنا إلى رَبِّكَ، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَها، وَلَكِنْ [عَلَيْكُم] بإبرَاهِيمَ، [فإنَّهُ خَليلُ
الرَّحمَنِ ]، فَيَأْتُونَ إِبرَاهيمَ، فَيَقُولُ: لَسْتُ لها، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُوسَى، [فإنَّهُ كَلِيمُ اللهِ]، فَيَأْتُونَ
مُوسَى، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَها، ولَكِنْ عَلَيْكُمْ بِعِيسَى، [فإنَّهُ رُوحُ اللهِ وَكَلِمتُهُ]، فَيَأْتُونَ عِيسى، فيقُولُ :
لَسْتُ لَها، ولَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُحمَّدٍ وَ فيأتوني، فأقول: أنا لها، فأَسْتأذنُ على رَبِّي فَيُؤْذِنُ لي ،
ويُلْهُمُني مَحَامِد أحْمِدُهُ بها ، لا تَحْضُرني الآنَ، فأحْمَدُهُ بِتِلْكَ المَحَامِد، وَأَخِرُ لَهُ سَاجداً، فيُقالُ:
يا مُحمَّد، ازفَعْ رَأْسَكَ، وقُلْ يُسْمَعْ [لك]، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، وَسَلْ تُعْطَه، فأقول: يا رَبِّ، أُمَّتِي أُمَّتي،
فِيُقالُ : انْطَلِقْ فأخْرِجْ مِنْها منْ كانَ في قَلْبِهِ مِثْقَالُ شَعِيرةٍ مِنْ إيمانٍ ، فأنْطَلِقُ ، فأفْعل، ثُمَّ أعُودُ فأحْمَدُهُ
بِتِلْكَ المحَامِدِ، ثُمَّ أخِرُ لَهُ سَاجداً، فيُقالُ: يا مُحمَّدُ، ازْفَعْ رَأْسَك، وَقُلْ يُسمع لك، وَاشْفَعْ
تُشفَّع، وسَلْ تُعْطَه، فأقول: يا رَبِّ، أُمَّتِي أُمَّتي، فيُقالُ : انْطِلِقْ، فأخْرِجْ منْها منْ كانَ في قَلْبِهِ
(١) رواه أحمد في المسند (٢٤٤/٣) والبخاري معلقاً رقم (٧٤٤٠) وهو حديث صحيح .
(٢) في (آ) حدثنا حماد بن زيد ، حدّثنا سعيد بن هلال ، وهو خطأ.

٣٩٧
طرق أحاديث الشفاعة
مِثْقَالُ ذَرَّةٍ أو خَرْدلةٍ منْ إيمانٍ ، فَأَنْطلقُ ، فأفْعلُ، ثُمَّ أعودُ، فَأَحْمِدُهُ بِتِلْك المَحَامِدِ ، ثُمَّ أخِر له
ساجداً ، فِيَقُولُ: يا مُحمَّد ، ازفَعْ رَأْسَكَ، سل تُعْطه، وَقُلْ يُسْمِعْ لَكَ، وَاشْفِعْ تُشَفَّغْ ، فأقولُ :
يا رَبِّ، أُمَتِي أُمَّتِي، فيُقالُ: انْطلقْ، فأخْرِجْ مِنْها منْ كانَ في قَلْبِهِ أدنى أدنى أدْنى مِثْقَالٍ حَبَّة خَزْدَل
مِنْ إيمانٍ ، فأخْرِجْهُ منَ النَّارِ ، فَأَنْطلقُ فَأَفْعَلُ )) .
قال : فلمَّا خَرَجْنا منْ عِنْد أنَسٍ ، قُلت لِبَعْضِ أصْحابي: لوْ مَرَرْنا بِالْحَسنِ وَهُوَ مُتَوَارٍ فِي مَنزلٍ
أبي خَليفةَ، فَحَدَّثْنَاه بما حَدَّثَنا بهِ أنسُ بنُ مَالِكِ رَضِيَ اللهُ عنْهُ، قال: فأتَيْناهُ فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ ، فَأذِنَ لَنا ،
فَقُلْنا لَهُ : يا أبَا سَعيدٍ ، جِئْناكَ منْ عِنْدِ أخيكَ أنسِ بنِ مَالِك، فَلَمْ نَرَ مِثْلَ مَا حَدَّثَنا في الشَّفَاعَةِ ،
فقالَ: هيه، فَحَدَّثناهُ [ بالحديث] فانْتَهَيْنا إلى هَذَا المَوْضِع فقال: هِيه . فقلنا: لم يَزِدْنا على هذا .
فقال : لَقَدْ حَدّثَنِ وهُوَ جَمِيعٌ مُنْذُ عِشْرِينَ سَنةً، فما أدري أنسِيَ أمْ كَرِهَ أنْ تَتَّكُلُوا ؟ فقلنا :
يا أبا سَعيد، فحدِّثنا، فضَحِكَ، وقال: خُلِقَ الإنْسانُ عَجُولًا، ما ذَكَرْتُه إلَّ وأنا أريدُ أنْ أُحدِّثَكُمْ،
حدّثني أنس كما حدَّثَكُمْ، ثم قال: ((ثمَّ أعُودُ الرَّابعَةَ، فَأَحْمَدُه بِتِلْكَ المحَامِدِ ، ثمَّ أخِرُ له ساجِداً ،
فيقالُ: يا مُحمّد ، ارفعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَغْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفّعْ، فأَقُولُ: يا رَبِّ ائذَنْ
لي في مَنْ قالَ لا إلهَ إلَّ اللهُ، فيقولُ: وعِزَّتي، وجَلالي وكِبْرِيَائي، وعَظْمَتي، لِأُخْرِ جَنَّ مِنْها مَنْ قالَ
لا إلهَ إلا اللهُ)).
وهكذا رواه مسلم ، عن أبي الرّبيع الزّهْراني، وسَعيد بن منصور، كلاهما عن حمّاد بن زَيْدٍ ، بِهِ
نَحْوَ (١) .
وقد رواه أحمد، [عنْ عَفّانَ]، عنْ حمَّادِ بن سَلَمة، عن ثابتٍ، عنْ أنسٍ، عن النبيِّ وَّر ... ،
فذكَرَ الْحَديثَ بِطُولِه ، وقالَ فيه: ((فَأَحْمَدُ رَبِّي بِمَحَامِدَ لَمْ يَحْمَدْهُ بها أحدٌ كان قبلي ، ولا يحمده بها
أحد كان بَعْدي )) . وفيه: فَأَخْرِجْ منْ كانَ في قَلْبِهِ مِثْقَالُ شَعيرَةٍ، ثمَّ يعُودُ فِيُقالُ: مِثْقَالُ بُرَّةٍ، ثمَّ
يَعُودُ ، فيقال: مِثْقَالُ ذَرَّةٍ، ولم يذكر الرّابعةُ(٢) .
وكذا رواه البزار، عن محمد بن بَشَّار، ومحمد بن مَعْمر، كلاهما عن حمَّادِ بن مسعدة (٣) ، عن
محمّد بن عَجْلان، عن جُوثة٤ُ) بن عُبَيْدِ المَدَنيّ، عن أنس بن مالك ... ، فذكر الحديثَ بطوله(٥) . وكذا
رواه أبو يعلى من حديث الأعمش، عن يزيدَ الرَّقاشيِّ، عن أنس ... ، فذكر الحديث بطوله ، وذكر فيه
(١) رواه البخاري رقم (٧٥١٠) ومسلم رقم ( ١٩٣) وما بين الحاصرتين في الحديث تكملة من (ط) .
(٢) رواه أحمد فى المسند ( ٣/ ٢٤٧ - ٢٤٨) بإسناد صحيح.
(٣)
في (أ) : حماد بن زيد .
في (أ) : حيوة .
(٤)
(٥) وإسناده ضعيف .

٣٩٨
طرق أحاديث الشفاعة
ثلاث شَفَاعَات، وقال في آخِرِهنَّ: ((فأَقُولُ: أُمَّتي، فيُقالُ [لي]: لَكَ مِنْ قالَ: لا إله إلّ اللهُ
مُخْلصاً(١).
طريق أخرى
قال البزّار : حدّثنا عمرو بن عليّ، حدّثنا حماد بن مسعدة، عن عمرال٢) العَمِّيِّ، عن الحسن ،
عن أنس، قال: قال رسولُ اللهِوَّهِ: ((لا أزالُ أَشْفِعُ، وأَشَفَّعُ -)) أوْ قالَ: ((وَيُشَفِّعُني رَبِّي عزَّ وجلَّ -
حتَّى أقولَ : أَيْ رَبِّ، شَفْعني في مِنْ قالَ: لا إلهَ إلَّ اللهُ. فيُقالُ: يا مُحمَّد، هَذِهِ لَيْسَتْ لَكَ،
ولا لأَحَدٍ ، هذهِ لي ، وعِزّتي ورَحْمتي لا أدَعُ في النَّارِ أحداً يَقُولُ: لا إلهَ إلا اللهُ)) ثمّ قال: لا نَعْلَمُهُ
يُزْوى إلا بهَذَا الإسنادِ. ورواه ابنُ أبي الدُّنيا عن أبي حَفْصِ الصَّيْرَفيِّ، عن حمَّادِ بن مَسْعَدَةً ، به(٣).
طريق أخرى
قال أحمد : حدّثنا يونُس بن مُحمَّد، حدّثنا حَرْبُ بن مَيْمُون، أبو الخَطَّابِ الأنْصاريّ ، عن
النّضْر بن أنس، عن أنس قال: حدّثنا نَبِيُّ اللهِ وَّهِ: ((إنِّي لَقَائِمٌ أَنْتَظرُ أُمَّتِي تَعْبُرُ الصِّرَاط، إذْ جَاءني
عيسى فقال: هَذِهِ الأنْبياء قدْ جَاءَتْكَ يا مُحمَّد يسألونك -)) أو قال: ((يَجْتَمِعُونَ إلَيْكَ - وَيَدْعُونَ الله
عزَّ وجلَّ أن يفرِّق بَيْنَ جَميعِ الأُمَمِ إلى حَيْثُ يَشَاء اللهُ [ لِغَمِّ ما هُمْ فِيهِ ]، فَالخَلْقُ مُلْجَمُونَ في العَرَق ،
فأمَّا المُؤْمنُ فَهُوَ عَلَيْهِ كالزُّكْمَةِ،َ وأمَّا الكافِرِ فيغشاه الْمَوْتُ)) قال: ((يا عيسى، انْتَظِرْ حتَّى أرْجِعَ
إِلَيْكَ)) قال: ((فذهب نَبِيُّ اللهَِّ فَقَامَ تَحْتَ العَرْشِ فَلَفَيَ ما لَمْ يَلْقَ(٤) مَلَكٌ مُقْرَّبٌ مُصطَفى، ولا نَبِيٌّ
مُؤْسلٌ ، فأوحى اللهُ إلى جِبْرِيلَ : أنِ اذْهَبْ إلى مُحمَّدٍ، فقُل: ارْفَعْ رَأْسَكَ، وسَلْ تُعْطَهُ، وَاشْفَعْ
تُشَفَّعْ)) قال: ((فَشَفَعْتُ في أُمَّتي: أنْ أخرِجْ مِنْ كُلِّ تِسْعةٍ وَتِسعينَ إنْساناً وَاحداً)) قال: ((فمَا زِلْتُ
أتَرَدَّدُ علَى رَبِّي عزَّ وجلَّ فلا أقوم مَقاماً إلا شُفِّعْتُ، حتى أعطاني الله عزَّ وجلَّ منْ ذلِكَ أنْ قالَ :
يا مُحمَّدُ أدْخِلْ مِنْ أمَّتِكَ مِنْ خَلْقِ اللهِ عزَّ وجلَّ منْ شَهِدَ أنْ لا إلهَ إلَّ اللهُ يَوْماً وَاحداً مُخْلصاً ، ومَاتَ
على ذَلِكَ)) تفَرَّدَ به أحمدُ، وقد حَكمَ التِّرْمذيُّ بالحُسْنِ لِهَذَا الإِسْناء(٥) .
وقال ابن أبي الدُّنْيا : حدّثنا أبو يُوسف القُلُوسيّ، حدّثنا عبدُ الله بن رَجَاء ، أنبأنا حَرْب بن
(١) ورواه أبو يعلى في مسنده (٤١٣٠) و(٤١٣٧) وفي سنده يزيد الرقاشي وهو ضعيف.
(٢)
هو عمران بن أبي قدامة العَمِّي .
(٣) وفي إسناده ضعف .
في (أ) : فيلقن ما لم يلقن .
(٤)
(٥) رواه أحمد في المسند (١٧٨/٣) وهو حديث حسن، وقد حسن الترمذي هذا الإسناد عند حديث آخر رقم (٢٤٣٣).

٣٩٩
طرق أحاديث الشفاعة
مَيْمُونٍ، حدّثني النَّضْرُ بن أنس، عن أنس، قال: جاءَ جِبْرِيلُ إلى النَّبِيِّ نَّهَ وَقَدْ حَضَرَ منْ أمْرِ العِبَادِ
ما حَضَرَ، فقال: ادْنُ إلى رَبِّكَ فَسَلْ أُمَّتِكَ الشَّفَاعَةَ، قَالَ: ((فَدَنَوْتُ منْ العَرْشِ ، فَقُمْتُ عند
العَرْشِ ، فَلقيتُ ما لمْ يَلْقُ(١) نَبِيٌّ ولا مَلَكُ مُقَرَّبٌ، فقال: سَلْ تُعْطه، واشْفَعْ تُشَفَّغْ، قال:
أُمَّتِي ... )) وذكر تمَامَ الحَديثِ، كَنَحْوِ ما ساقه الإمام أحمد (٢) .
رواية بريدة بن الحُصَيب
قال ابن أبي الدُّنْيا : حدّثنا عليٍّ بن معبد(٣)، حدّثنا الأسْوَدُ بنُ عَامِرٍ ، حدّثنا أبو إسرائيل ، عن
الحَارِثِ بنِ حَصيرة، عن ابن بُرَيْدةَ، عن أبيه، قال: سمعتُ النبيَّ ◌َ يقولُ: ((إنّي لأَرْجُو أَنْ أُشَفَّعَ
عِدَّة كلِّ حَجَرٍ ومَدَرٍ لأُمَّتي )(٤) .
روایة جابر بن عبد الله
قال الإمامُ أحمد : حدّثنا يَعْمَر(٥)، حدّثنا عبدُ الله(٦)، حدّثنا هِشَامٌ قال: سمعتُ الْحسنَ يَذْكُرُ
عن جَابر بنِ عَبْدِ اللهِ، قال: قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((إن لِكُلِّ نَبِيِّ دَعْوةً مُستجابةً قَدْ دَعا بها، وإِنِّي
اسْتَخْبَأْتُ دَعْوتِي شَفَاعة لأمَّتِي يَوْمَ القِيَامَةِ)). تفرَّد به أحمدُ منْ هذا الوجه(٧) .
طريق أخرى
قال الحافظ البَيْهقيُّ: حدّثنا أبو الحسنِ مُحمَّدُ بنُ الْحُسَيْنِ بن داود العَلَويّ، حدّثنا محمدُ بنُ
حَمْدَويِهِ بنِ سَهْلِ المَرْوزيّ، أبو نَصْر الغازيُّ، حدّثنا عبدُ اللهِ بن حمَّادِ الآملي (٨)، حدّثنا صَفْوانُ بنُ
صَالِحٍ ، حدّثنا الوَليدُ ، حدّثنا زُهَيْرُ بن مُحمَّد، [حدّثنا جَعْفرُ بن مُحَمَّد] ، عن أبيه ، عن جَابِرِ بنِ
عَبْدِ اللهِ قالَ: قالَ رسول الله وَله: ((شَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ لأَهْلِ الْكَبَائر منْ أُمَّتِي)) فَقُلْتُ: [ما هَذا]
يا جابرُ؟ قالَ: نَعَمْ، يا مُحمَّد، إنَّهُ منْ زَادتْ حَسَناتُهُ على سَيئاتِهِ فَذَلِك الَّذي يَدْخَلُ الْجَنَّةَ بِغِيْرِ
(١) في الأصل : فلقنت ما لم يلقن.
(٢) وهو حديث حسن .
(٣)
في (أ) : سعيد .
ورواه أحمد في المسند ( ٣٤٧/٥) عن الأسود بن عامر به ، وإسناده ضعيف لضعف أبي إسرائيل.
(٤)
في الأصول : معمر .
(٥)
هو عبد الله بن المبارك .
(٦)
رواه أحمد في المسند (٣٩٦/٣) وإسناده ضعيف، لأن الحسن لم يسمع من جابر، ولكن الحديث صحيح بشواهده.
(٧)
(٨) في الأصول : الأيلي ، وهو خطأ .

٤٠٠
طرق أحاديث الشفاعة
حِسابٍ ، ومنِ اسْتَوَتْ حَسَناتُهُ وَسَيِّئَاتُهُ، فَذَاكَ الَّذِي يُحاسبُ حِساباً يَسيراً، ثمَّ يَدْخُلُ الجنَّةَ، وإنَّما
شَفَاعةُ رسول اللهِّهِ: لِمَنْ أْبقَ(١) نَفْسَهُ، وأغلَقَ ظَهْرَ(٢) .
وقد رواه البيهقيُّ أيْضاً عنِ الْحاكِم، عن أبي بَكْر مُحمَّد بن جَعْفر بن أحمد المزكي ، عن
محمّد بن إبراهيم العَبْديّ ، عن يعقوب بن كَعْب الحَلَبِيّ ، عن الوليد بن مُسْلم ، عن زُهَيْر بن محمد ،
عن جَعْفر بن مُحمّد، عن أبيه، عن جابر: أنَّ رَسُولَ اللهِ له تلا: ﴿ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّ لِمَنْ أَرْتَضَى وَهُمْ مِنْ
خَشْبِهِ، مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨] ثم قال رسول اللهِ وََّ: ((شَفَاعتي لأَهْلِ الكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتي)) قال
الحاكمُ: هذا حديثٌ صحيحٌ(٣) . قال البَيْهقيُّ: وظاهرُهُ يُوجبُ أنْ تَكُونَ الشَّفاعةُ في أهْلِ الكَبَائِر
مُخْتَصَّةً بِرسولِ اللهِوَّةِ، والمَلائكةُ إنَّما يَشْفعُونَ في أهْلِ الصَّغَائرِ وَزيادةِ الدَّرَجَاتِ، وَقَدْ يَكُونُ المُرَادُ
مِنَ الآيةِ بَيَانَ كَوْنِ المَشْفُوعِ [ فيهِ] مُرتضىّ بإيمانِهِ ، وإنْ كانتْ لهُ كَبائِرُ وذُنُوبٌ دُونَ الشِّرْك ، فيكونُ
المرادُ بالآية نفي (٤) الشَّفَاعةَ لِلكفّارِ ، لأنّ اللهَ لم يأذن فيها ، ولمْ يَرْضَ اعْتِقَادَهُم .
طريق أخرى
قال أحمد : حدّثنا رَوْحٌ، حدّثنا ابنُ جُرَيْجٍ ، أَخْبَرَني أبو الزُّبَيْر : أنَّهُ سَمِعَ جَابرَ بن عَبْدِ اللهِ يقول :
((لِكُلِّ نَبِيِّ دَعوةٌ مُستجابةٌ قدْ دَعَا بِها في أمَّتِه، وخَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعةً لِأُمَّتِي يَوْمَ القِيَامَةِ )) يَعْني النبيّ
*. ورواه مسلم عن مُحمّد بن أحمَد بن أبي خَلَف، عن رَوْحِ بنِ عُبَادةَ، به(٥) .
طريق أخرى
قال أحمد : حدّثنا أبو النَّضْر، حدّثنا زُهَيْرٌ، حدّثنا أبو الزُّبَيْر، عن جَابٍ، قال: قال
رسول الله﴿: ((إذا مُّزَ أهْلُ الجَنّةِ وَأَهْلُ النَّارِ، فَدَخَلَ أهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنّة، وأهْلُ النَّارِ النَّارَ، قَامَت
الرُّسُلُ، فَشَفْعُوا، فَيَقُولُ: انْطَلِقُوا أو اذهبوا، فَمِنْ عَرَفْتُمْ فأخْرِ جُوهُ، فَيُخْرِجُونَهُمْ قَدِ امْتَحشُوا
فَيُلْقُونَهُمْ فِي نَهْرٍ، أَوْ على نَهْرٍ ، يُقالُ لَهُ: نهر الْحَياةِ )) قالَ: ((فَيَسْقُطُ مُحَاشُهُمْ على حَافَتَي النَّهْرِ ،
وَيَخْرُجُونَ بِيضاً كالثَّعَارِير(٦)، ثمَّ يَشْفَعُونَ فَيَقُولُ: اذْهَبُوا أوِ انْطَلِقُوا فَمِنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ قِيراطٍ
(١) في (آ): لمن أونق .
(٢)
أي : أثقله بالذنوب .
ورواه البيهقي في ((البعث والنشور)) (١) عن الحاكم، وهو حديث صحيح بطرقه وشواهده.
(٣)
(٤)
في (أ) : هي، وهو خطأ .
(٥) رواه أحمد في المسند (٣٨٤/٣) ومسلم (٢٠١).
(٦) في (أ): كالثغارير، وهو خطأ ، والتعارير، جمع ثعرور، وهو الِقِثَّاء الصغار.