النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١
ذكر ما ورد في الحوض النبوي المحمدي
رواية أسماء بنت الصِّدِّيق رضي الله عنهما
قال البخاريُّ : حدّثنا سعيدُ بن أبي مَزيم ، عن نافع بن عمر ، حدّثني ابن أبي مُلَيْكة، عن أسماء
بنتِ أبي بكر، قالت: قال النبيُّ ◌ََّ: ((إني على الحوض حتّى أَنْظُر منْ يَرِدُ عليَّ منكم، وسَيُؤْخَذُ
أُناسٌ دُونِي ، فأقول : يا ربّ، منِّي ومن أمَّتِي، فيُقال: هَلْ شَعَرتَ ما عَمِلُوا بعدك؟ والله ما بَرِحوا
يَرْجِعُون على أعقابهم )) فكان ابنُ أبي مُليْكةَ يقول: اللّهم إنا نعوذُ بك أن نَرْجِعَ على أعقابنا، أو نُفْتَن
عن دِيننا . ورواه مسلم عن داود بن عمرو ، عن نافع بن عمر ، عن ابن أبي مُلَيْكة ، عن أسماء ،
مثلَهُ(١).
رواية أم المؤمنين عائشة بنت الصديق رضي الله عنهما
قال البيهقي : حدّثنا أبو عبد الله الحافظ ، حدّثنا عبد الرحمن بن الْحَسَن القاضي ، حدّثنا
إبراهيمُ بن الْحُسَيْن، حدّثنا آدمُ، حدّثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاق ، عن أبي عَبَيْدَةَ ، قال: سألتُ
عائشةَ أمّ المؤمنين عن الكوثر، فقالت: هو نَهْرٌ أُعْطِيهُ نَبِيّكُمْ وََّ في الجنَّة، حافتاه دُرّ مُجَوَّف ، عليه
من الآنية عددُ النجوم)) . ورواه البخاري عن خالد بن يَزِيد الكاهِليّ عن إسرائيل، واستشهد برواية
مُطَرّف (٢).
وقال مسلم : حدّثنا ابن أبي عُمر، حدّثنا يحيى بن سُلَيْم، عن ابن خُثَيْم ، عن عبد الله بن
عُبَيْدِ الله بن أبي مُلَيْكة أنه سمع عائشةَ تقول: سمعتُ رسول الله بَّهِ يقول وهو بين ظَهْرَانِيْ أصحابه :
(( إنّي على الحوض أنْتَظرُ منْ يَرِدُ عليَّ منكم، فوالله لَيُقتطعنَّ دوني رجالٌ، فَلأقولَنّ : أَيْ رَبّ ، مني ،
ومِنْ أمَّتي ، فيقول : إنّك لا تدري ما عَمِلُوا بَعْدَك، ما زالوا يَرْجعُون على أعقابِهِم)). انفرد به
(٣)
مسلم(٣) .
رواية أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها
قال مسلم : حدّثني يونُس بن عَبْدِ الأعلى الصَّدَفيّ، حدّثنا عبدُ الله بنُ وَهْب ، أخبرني عمرو ،
وهو ابن الحارث ، أن بُكَيْراً حَدَّثه، عن القاسم بن عبّاس الهاشميّ، عن عبد الله بن رافع ، مولى
(١) رواه البخاري ( ٦٥٩٣) ومسلم ( ٢٢٩٣).
(٢) رواه البيهقي في (( البعث والنشور)) (١٣٦) والبخاري (٤٩٦٥).
(٣) رواه مسلم رقم (٢٢٩٤) (٢٨).
٢٦٢
ذكر أن لكل نبي حوضاً وأن حوض نبينا مَّ أعظمها وأجلّها
أمّ سَلَمة، عن أمّ سَلَمَة زَوْجِ النبيّ ◌ََّ أنها قالت: كنتُ أسمعُ الناسَ يذكرون الحوض، ولم أسمع ذلك
من رسول الله وَ﴿، فلمّا كان يوماً من ذلك، والجاريَةُ تَمْشُطني، سمعتُ رسول اللهِوََّ يقول: (( أيُّها
الناسُ)) فقلت للجارية: اسْتَأُخري عَنِّي، فقالت: إنَّما دعا الرجالَ ، ولم يدعُ النِّساءَ، فقلت : إنّي
من الناس، فقال رسول الله وَّهُ: ((إنِّي لَكُمْ فَرَطْ عَلَى الحَوْض، فإياي لا يَأْتِين أحدُكم، فَيُذَبّ عنّي
كما يذَبُّ البَعيرُ الضَّالُّ، فأقول: فبم هذا؟ فيُقال: إنّك لا تدري ما أحْدَثُوا بعدك، فأقول: سُحْقاً)).
ثم رواه مسلم والنسائيّ من حديث أفلح بن سعيد ، عن عبد الله بن رافع ، عنها(١) .
رواية أخٍ لزيد بن أرقم
قال الإمام أحمد : ثنا عبد الرزاق ، عن معمر ، عن مطر، عن عبد الله بن بريدة ، قال : شكَّ
عبيد الله بن زياد في الحوض ، فأرسل إلى زيد بن أرقم ، فسأله عن الحوض ، فحدثه به حديثاً مُونِقاً ،
فأعجبه ، فقال له: سمعتَ هذا من رسول الله وَّر؟ [ قال: لا] ولكن حدثنيه أخي(٢).
فقد تلخّص من مجموع هذه الأحاديث المُتواتِرَة صِفَةُ هذا الحوض العظيم ، والمَوْرِد الكريم ،
المُمَدّ من شراب الْجَنّة ، من نهر الكوثر ، الذي هو أشدُّ بياضاً من اللبن ، وأبردُ من الثلج ، وأحلى من
العسل ، وأطْيَبُ ريحاً من المسك ، وهو في غاية الاتّساعِ ، عَرْضُه وطوله سَواءٌ ، كل زاوية من زواياه
مَسیرَةُ شَهْرٍ .
وفي بعض الأحاديث المتقدِّمة أنّ كل ما لهُ في زيادةٍ واتّساعٍ ، وأنه ينبت في حاله أي في طينه من
المسك ، وأن رضراضه ، من اللؤلؤ، وأنه ينبت على جوانبه قُضْبانُ الذّهب، ويُثْمرُ ألوان الجواهر ،
فسبحان الله الخالق الذي لا يُعْجزُه شيء، و [ أشهد أن ] لا إله إلّا الله [وأن ] محمَّداً عبده ورسوله .
ذكر أن لكل نبي حوضاً
وأن حوض نبينا محمد رَّهِ وعليهم أجمعين أعظمها وأجلها ، وأكثرها وارداً
جعلنا الله تعالى من ۇُرَّاده ، وسقانا منه شربة لا نظما بعدها ، ونعوذ بالله سبحانه أن نذاد عنه
قال الحافظ أبو بكر بن أبي الدنيا في كتاب ((الأهوال)»: حدّثنا محمد بن سُلَيْمانَ الأسَديّ ، حدّثنا
(١) رواه مسلم رقم (٢٢٩٥) (٢٩) والنسائي في الكبرى (١١٤٦٠).
(٢) رواه أحمد في المسند (٤/ ٣٧٤) ومعمر في ((جامعه)) الملحق بمصنف عبد الرزاق (٢٠٨٥٢)، وفي إسناده
ضعف .
٢٦٣
ذكر أن لكل نبي حوضاً وأن حوض نبينا وصل أعظمها وأجلّها
عيسى بن يونس، عن زكريّا، عن عطيّة، عن أبي سعيد الخدري: أنّ رسول الله مَ له قال: ((إنّ لي
حوضاً طوله ما بين الكَعْبةِ إلى بَيْتِ المَقْدِس ، أشدّ بياضاً من اللبن ، آنيتُه عددُ النجوم ، وكلُّ نبيٍّ يدعُو
أمَّتَه ؛ ولِكُلّ نبيّ حوض ، فمنهم من يأتيه الفِئَامُ، ومنهم من يأتيه العُصْبةُ، ومنهم من يأتيه النَّفَر ،
ومنهم من يأتيه الرجلان والرجل ، ومنهم من لا يأتيه أحد ، فيقال : لقد بلّغتَ، وإنّي لأكثرُ الأنبياء
تبعاً يوم القيامة )) .
ورواه ابن ماجه ، عن أبي بكر بن أبي شَيْبَة ، عن محمد بن بِشْر ، عن زكريّا بن أبي زائدة ، عن
عَطِيَّة بن سعد العَوْفيّ، عن أبي سعيد، عن رسول الله وَّل بنحوه(١) .
حدیث آخر
قال ابن أبي الدنيا : حدّثنا العبّاس بن محمد، حدّثنا الْحُسَينُ بن محمد المَرُّوذي، حدّثنا
مِحْصنُ بن عُقْبَة اليَمَاميّ ، عن الزُّبَيْر بن شَبيب ، عن عثمان بن حاضر ، عن ابن عباس ، قال : سُئل
رسول الله وَ﴿ عن الوقوف بين يدي ربّ العالمين: هل فيه ماء؟ فقال: (( [ إي ] والذي نَفْسي بِيَدِه ،
إِنَّ فيه لَماءً ، إنّ أولياء الله لَيَرِدُون حيَاضَ الأنبياء ، ويَبْعثُ الله سبعين ألف ملَكِ، في أيديهم عِصيٍّ من
نار، يذُودونَ الكُفَّارَ عن حياض الأنبياء)). هذا حديث غريب من هذا الوجه ، وليس هو في شيء من
الكتب الستة ، وتقدم .
وتقدَّم ما رواه الترمذيّ ، والطبرانيّ ، وغيرُهما ، من حديث سعيد بن بَشِير، عن قتادةً ، عن
الحسن، عن سَمُرة أنّ رسول اللهِوَّه قال: ((إنّ لِكلّ نبيّ حَوْضاً [وإنهم ] يتباهَوْنَ أيُّهم أكْثَرُ وَارِدةً ،
وإنّي لأرجو أن أكون أكثرهم وارِدةً )) ثم قال الترمذيّ : هذا حديث غريب .
وقد رواه أشْعَثُ بن عبد الملك ، عن الحسن مُرْسلاً ، وهو أصحّ ، ورواه الطبرانيّ أيضاً من طريق
خُبِيب بن سُلَيْمان، عن سَمُرَة بن جُنْدُب: أنّ رسولَ الله وَّرِ قال: ((إن الأنبياء يتَبَاهَوْنَ يوم القيامة
أيُّهم أكْثَرُ أصحاباً ، وإنّي أرجو أن أكون [ يومئذ ] أكثرَهم كُلَّهم وَارِدةٌ، وإنَّ كلّ رجل منهم [ يومئذ ]
قائمٌ على حَوْضٍ ، ملآنَ، معه عَصاً يدعو منْ عَرَف من أمته ، ولكلّ أمَّةٍ سِيمَا يَعْرِفُهُمْ بها نَبِيُّهم (٢) .
وقال ابن أبي الدنيا : حدّثنا خالد بن خِدَاش، حدّثنا حَزْمُ بن أبي حَزْم ، سمعتُ الحسن البَصْريّ
يقول: قال رسول الله وَلَهُ: ((إذا فَقَدْتُموني فأنا فَرَطُكُم على الحوض، إنّ لِكُلّ نبيّ حوضاً، قائمٌ على
(١) رواه ابن ماجه (٤٣٠١) أقول: في إسناده عطية العوفي، وهو ضعيف ، ولكن لبعضه شواهد.
(٢) رواه الترمذي (٢٤٤٣) والطبراني في الكبير (٦٨٨١) و(٧٠٥٣) وإسناده ضعيف.
٢٦٤
أين ومتى يكون الحوض
حوضه ، بَيَدِهِ عَصاً، يدعو من عرف من أمّته ، ألا وإنّهم يَتباهَوْنَ أيُّهم أكثرُ تَبَعاً ، والذي نفسي بيده
إنّي لأرْجُو أنْ أكونَ أكثرَهُم تَبَعاً ... )) وذكر تمام الحديث ، وهذا مرسل عن الحسن ، وهو حسن
صَخَّحهُ يحيى بن سعيد القَطَّان، وغيرُهم، وقد أفتى شيخُنا الحافظ المِزيُّ بصِحَّةِ هذا الحديث ، بهذه
الطُرق .
فضل
إن قال قائل : فهل يكون الحوضُ قبلَ الجَواز على الصراط أو بعده ؟ فالجواب أنّ ظاهر ما تقدّم
من الأحاديث يقتضي كونَه قبلَ الصِّراط ، لأنه يُذادُ عنه أقوامٌ ، يقال عنهم : إنهم لم يَزالُوا يَرْتَدُّون على
أدبارهم وأعقابهم ، منذ فارقْتَهُمْ، فإنْ كان هؤلاء كفّاراً ، فالكافرُ لا يُجَاوِزُ الصِّرَاطَ ، بل يُكَبُّ على
وجهه في النار قبلَ أن يُجَاوزَه ، وقيل: إن الصراط طريق ومَعْبَر إلى الجنة ، فهو إنما ينصب للمؤمن
والعصاة والفُتَّاق والظلمة ، تحفظهم عليه الكلاليب ، فمنهم المخدوش المسلّم ، ومنهم من يأخذ
الكَلُّوب ، فيهوى في النار على وجهه ، وإن كان المشار إليهم بالردة عُصاةً من المسلمين فيَبعُدُ حَجبُهمْ
عن الحوض، لا سيَّما وعليهم سِيمًا الوضوء، وقد قال رسول الله بَله: ((أعرفكم غُرّاً مُحَجّلينَ من
آثارِ الوُضوء)) ثم من جاوز الصراط لا يكون إلّا ناجياً مُسْلِماً، فمثل هذا لا يُحْجَبُ عن الحوض ،
فالأشبَهُ والله أعلم أنّ الحوضَ قبلَ الصراط .
فأمَّا الحديثُ الذي قال الإمامُ أحمد: حدّثنا يونُس، حدّثنا حَرْب بنُ مَّيْمونٍ، عن النَّضْر بن
أنس، عن أنس قال: سألت رسول الله #﴿ أنْ يَشْفَع لي يومَ القيامة، قال: ((أنا فاعل)) قال: فأين
أطلُبك يوم القيامة يا نبيَّ اللهِ؟ قال: ((اطْلُبْنِي أوَّلَ ما تَطْلُبني على الصراط » قلت: فإنْ لم ألْقَكَ [ على
الصراط؟] قال: ((فأنا عند الميزان))، قال: قلت: فإن لم ألقك عند الميزان؟ قال: ((فأنا عند
الحوض لا أخطئ هذه الثَّلاثة مَواطِنَ يوم القيامة)). ورواه الترمذيّ من حديث بَدَل بن المُحَبَّر، وابن
ماجه في (( تفسيره)) من حديث عبد الصمد، كلاهما عن حَرْب بن مَيْمُون أبي الخَطَّاب الأنصاريّ
البصريّ من رجال مُسْلم، وقد وَثَّقَه عليّ بنُ المَدينيّ، وعمرو بن عليّ الفَلاّس ، وفرّقا بينه وبين
حَرْب بن [ ميمون ] أبي عبد الرحمن العَبْديّ [ البصري ] أيضاً صاحب الأغميّة، وضعّفا هذا، وأمَّا
البُخاريّ فجعلهما واحداً، وحَكَى عن سُلَيْمان بن حرب أنّه قال: كان هذا أكْذَبَ الخلق ، وأنكر
الدار قطنيّ على البخاريّ ومسلم في جعلهما هذين واحداً ، وقال شيخنا الحافظ المِزّيّ: جَمَعَهُما غيرُ
واحدٍ ، وفرق بينهما غيرُ واحدٍ ، وهو الصحيح ، إن شاء الله تعالى . قلت : وقد حرَّرت هذا في
( التكميل)) بما فيه كفاية.
٢٦٥
أين ومتى يكون الحوض
وقال الترمذيّ : هذا حديث حسن غريب ، لا نعرفه إلّ من هذا الوجه (١).
والمقصود أنّ ظاهر هذا الحديث يقتضي أنّ الحوض بعد الصراط ، وكذلك الميزان أيضاً ، وهذا
لا أعلم به قائلاً ، اللهمَّ إلّا أن يكون المراد به حوضاً آخرَ ، يكون بعد قطع الصراط ، كما جاء في
بعض الأحاديث ، ويكون ذلك حوضاً ثانياً لا يذادُ عنه أحد ، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب .
فصل
وإذا كان الظاهر كونَه قبلَ الصراط ، فهل يكون ذلك قبل وضع الكرسيّ لفصل القضاء ، أو بعد
ذلك . هذا ممّا يحتمل كُلّ من الأمرين، ولم أر في ذلك شيئاً فاصلاً ، فالله أعلم أيّ ذلك يكون .
وقال القُرْطبيّ في ((التَّذكرة)): واختلف في الميزان، والحوض : أيّهما يكون قبلَ الآخر ؟
فقيل : الميزانُ قبلُ [ وقيل: الحوض ]، قال أبو الحسن القابسيّ: والصحيح أن الحوض قبلُ . قال
القرطبيّ : والمعنى يقتضيه ، فإنّ الناس يَخْرجون عِطاشاً من قبورهم، كما تقدَّم ، فيُقدَّم قبل الميزان
والصراط . قال أبو حامد الغزاليّ في كتاب ((كشْفِ علوم الآخرة)): حَكى بعضُ السَّلف من أهل
التصنيف : أنّ الحوض يُوردُ بعد الصراط ، وهو غلطٌ من قائله . قال القرطبيّ: هو كما قال ، ثم أورد
حديثَ منع المُرْتدِّينَ على أعقابهم عن الحوض ، ثم قال : وهذا الحديث مع صحّته أدَلّ دليل على أنَّ
الحوض يكون في الموقف قبلَ الصراط ، لأن الصراط منْ جاز عليه سَلِمَ ، كما سيأتي . قلت : وهذا
التوجيه قد أسلفناه ولله الحمد .
قال القُرْطبيّ : وقد ظنّ بعضُ الناس أنّ في تحديد الحوض تارةً بجَربَاءَ وأذرُح ، وتارةً كما بَيْن
الكَعْبةِ إلى كذا، وتارةً بغير ذلك اضطراباً، قال: وليس الأمر كذلك، فإنّه بَّرِ حدَّث أصحابه به
مَرَّاتٍ مُتعدِّدَةً ، فخاطب في كلّ مرّةٍ لكل قوم بما يعرفون من الأماكن ، وقد جاء في الصحيح تحديدُه
بِشَهْرٍ فِي شَهْرٍ ، قال : ولا يخطُّر ببالك أنَّه في هذه الأرض ، بل في الأرض المُبَدَّلةِ، وهي أرضٌ
بيضاءُ كالفِضَّةِ ، لم يُسْفَك فيها دم، ولم يُظْلمْ على ظهرها أحد قطّ، تُطهَّرُ لِتُزول الْجَبَّار جلَّ جلالُه
لِفَضْل القضاء .
قال : وقد روي أنّ على كلِّ زاوية من زوايا الحوض واحداً من الخلفاء الأربعة ، فعلى الركن
الأوَّل أبو بكر ، وعلى الثاني عمر ، وعلى الثالث عثمان ، وعلى الرابع عليّ ، رضي الله عنهم ، قلت:
وقد رَوَيْناه في ((الغَيْلانِيَّات))، ولا يصح إسناده، لضعف بعض رجاله(٢) ، والله أعلم بالصواب.
(١) رواه أحمد في المسند (١٧٨/٣) والترمذي ( ٢٤٣٣) وهو حديث حسن.
(٢) هو في ((الغيلانيات)) برقم (٦٤ - الزهراني ).
٢٦٦
مجيء الرب لفصل القضاء
فصل
في مجيء الرَّبِّ سبحانه وتعالى كما يشاء يوم القيامة لفصل القضاء بين خلقه
ذُكر في حديث الصور المتقدّم أنّه إذا ذهب رسولُ اللهِوَِّ فشفع عند الله لَيَفْصِل بَيْن العباد ، فيقول
الرب تعالى: أنا آتيكم فأقضي بينكم، ثم يَرْجِعُ رسول اللهِ وَ هَ فيقف مع الناس في مقامِهِ الأوَّل،
فحينئذ تَنْشقُّ السَّماوتُ بغَمام النُّور وتَتَنزَّلُ المَلائكةُ تَنْزِيلاً، فَيَنْزِلُ أهْلُ السَّماءِ الدُّنْيًا ، وهم قَدْرُ أهل
الأرض من الجن والإنس ، فُيُحيطونَ بهم دَائرةً ، ثمَّ تنشق السماءُ الثانية ، فتنزل ملائكتها وهم قدر
الجن والإنس ، وقدر ملائكة سماء الدنيا ، فيحيطون بمن هناك من الملائكة والجن والإنس دائرة ، ثم
كذلك أهل السماء الثالثة ، والرابعة ، ثم الخامسة ، ثم السادسة ، ثم السابعة ، فكلّ أهل سماءٍ يُحيط
بمنْ قبلهم دائرةً ، ثم تَنْزِلُ الملائكة الكَرُوبِيُّونَ وحَمَلَةُ العَرْش، ومن حولهم من المُقَرَّبين ، ولهم زَجَلٌ
بالتسبيح ، والتقديس ، والتعظيم ، يقولون : سبحانَ ذي العِزَّة والجَبَرُوت ، سبحان ذي الملك
والملكوت ، سبحان الْحَيّ الذي لا يموت، سُبْحانَ الذي يُميتُ الْخَلائق ولا يَمُوت ، ثم يأتيهم الله
الفصل القضاء .
وقال أبو بكر بن أبي الدنيا في ((الأهوال)): حدّثنا حمزة بن العبَّس، حدّثنا عبد الله بن عُثمانَ،
حدّثنا ابن المبارك، حدّثنا عَوْفٌ، عن أبي المِنْهال ، سيَّار بن سَلامة الرِّياحيِّ، حدّثنا شَهْرُ بن حَوْشَب،
حدّثني ابنُ عبَّاس، قال: إذا كان يومُ القيامة مُدَّتِ الأرضُ مَدَّ الأدِيم، وزِيدَ في سَعتها كذا وكذا
وجُمِعَ الخَلائقُ بصعيدٍ واحدٍ، جِنُّهم وإنْسُهُمْ، فإذا كان كذلك قِيضَت (١) هذه السماء الدنيا عن أهلها ،
فتُثِر مَنْ فيها على وجْهِ الأرضِ ، وأَهْلُ هَذِهِ السَّماءِ الدُّنْيَا وَحْدَهُمْ أكْثَرُ مِنْ جَميع أهلِ الأرض ، جنِّهم ،
وإنْسهم بالضِّعْفِ ، فإذا رآهم أهلُ الأرض فَزِعُوا إِلَيْهم ، ويقولون : أفيكُمْ رَبنا؟ فيفْزَعُون منْ قولهم ،
ويقولون : سُبْحانَ رَبَّا، [ لَيس فينا]، وهو آتٍ، [ ثم تُقَاضُ السَّماءُ الثانية، ولأهْلُ السماء الثانية
أكْثَرُ من أهْلِ هذه السماء الدُّنيا، ومنْ جميع أهل الأرض بالضِّعْف، فإذا نُثُرُوا على وجْه الأرض فَزِعَ
إليهم أهْلُ الأرض ، ويقولون : أفيكمُ رَبُّنا؟ فيفزعون من قولهم ، ويقولون : سُبْحان رَبًِّا [ ليس فينا ]
وهو آتٍ ، ثم تُقَاضُ السموات، سماءً، سماءً، كلّما قِيضت سماءٌ كانت أكثرَ منْ أهل السموات التي
تَحْتَها، ومن جميع أهل الأرض بالضِّعْف، جنِّهم، وإنْسِهم ، كلّما نُثُرُوا على وجه الأرض فَزِع إليهم
أهْلُ الأرض ، ويقولون لهم مثل ذلك ويرجعون إليهم مثل ذلك ، حتى تُقَاضَ السَّماءُ السَّابعةُ ، ولأهلُها
وحدَهم أكثرُ منْ أهلِ ستُّ سمواتٍ ، ومن أهل الأرض من الجن والإنس بالضِّعْف ، ويجيء اللّهُ فيهم ،
(١) أي شقت.
٢٦٧
مجيء الرب لفصل القضاء
والأمم جثاً صُفُوف، فينادي منادٍ : سَتَعْلَمون اليومَ منْ أصحابُ الكَرم ، لِيَقُم الْحِمَّدُون لله على كلّ حال ،
فيقومون ، فيُسَرَّحُون إلى الجنَّة ، ثم ينادي ثانية: ستعلمون منْ أصحاب الكرم اليوم ، لَيَقُم الذين كانتْ
﴾ [السجدة: ١٦]، فيقومون ،
نَتَجَاقَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَارِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَا رَزَقْنَهُمْ يُنفِقُونَ
فُيُسَرَّحُونَ إلى الْجَنَّة، ثم ينادي ثالثة: ستعلمون منْ أصحابُ الكرم اليوم، لَيَقُم الذين كانُوا ﴿لَّا نُلْهِمْ نِحَرَةٌ
وَلَا بَيْعٌّ عَن ذِكْرِ الَّهِ وَ إِقَامِ الصَّلَوْةِ وَإِنَاءِ الزَّكَوَةِ يَخَافُونَ يَوْمًا نَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَرُ﴾ [النور: ٣٧] فيقومون، فيسَرَّحُونَ
إلى الجنَّة ، فإذا لمْ يبق أحد من هؤلاء الثلاثة خَرج عُنقٌ من النار ، فأشْرَف على الخلائق ، له عَيْنانِ بصيرتان ،
ولسانٌ فصيح ، فيقول: إنِّي وَكُلْتُ بثلاثة ، وكلت بكُلِّ جَبَّارٍ عنيد، فَيَلْقُطُهم منَ الصُّغْوفِ لَقْطَ الطَّيْرِ حَبَّ
السَّمْسِم، فَيَخْنسُ بهم في جهنّم ثم يَخْرِجُ الثانية، فيقول: إنِّي وُكِّلتُ بمن آذى اللّهَ ورَسُولَه، فَيَلْقُطُهم من
الصفوف لَقْط الطَّيْرِ حَبَّ السَّمْسِم فيخنسُ بهم في جَهَنّم ثم يخرج الثالثة، فيقول: إنِّي وُكِّلْتُ بأصحاب
التَّصاوير، فيلقُطُهم مِنَ الصفوف لَقْطَ الطَّرِ حَبَّ السَّمْسِم فيخنسُ بهم في جهنّم ، قال : فإذا أخذ من هؤلاء
ثلاثةً، ومن هؤلاء ثلاثة، نُشِرَت الصُّحف، ووضِعَت الموازين، ودُعيتِ الْخَلائِقُ للحساب (١) وقد قال
الله تعالى: ﴿ كَلَِّّ إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ ذَكّ ◌َّكُ لِّ وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفَّا صَفًّا (١) وَجِاْتَّ يَوْمَيٍِ يَجَهَنَّدٌ يَوْمَعِدٍ يَنَذَ كَرُ الْإِنْسَنُ
﴾ [الفجر: ٢١ - ٢٣]. وقال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِ ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ
٢٢
وَأَنَّ لَهُ الذِّكْرَى
[البقرة: ٢١٠]. وقال تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ
وَالْمَلَتَّبِ كَةُ وَقُضِىَ الْأَمْرُّ وَ إِلَى اللَّهِ تُنَجَعُ الأُمُورُ
رَيِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَبُ وَجِّءَ بِالنَِّنَ وَالشُّهَدَآءِ وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ بِلْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ () وَوُفِيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُوَ
﴾ [الزمر: ٦٩ - ٧٠]. وقال تعالى: ﴿ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَمِ وَنُزِلَ المَلَتَبِكَةُ تَنزِيلًا (وَ الْمُلْكُ
أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ
يَوْمَيِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمِنَّ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَفِرِينَ عَسِيرًا ﴾ [الفرقان: ٢٥ -٢٦].
وقال في حديث الصور : فيضَعُ اللهُ كُرْسيَّهُ حَيْثُ شاء من أرضه ، يعني بذلك كُرْسيَّ فَصْل
القَضاء ، وليس هذا بالكرسيّ المذكور في آية الكرسي، ولا المذكور في « صحيح ابن حِبَّان)»:
(( ما السمواتُ السبعُ والأَرَضُونَ السَّبْعُ وما فِيهنَّ، وما بَيْنَهُنّ في الكُرْسيّ إلّا كَحَلْقَةٍ مُلْقاةٍ بأرضٍ فَلاةٍ ،
وما الكُرْسيُّ في العَرْش إلا كتِلِك الْحَلْقةِ بِتلكَ الفَلاةِ، والعَرْشُ لا يَقْدُرُ قدره إلّا اللهُ عزَّ وجلَّ)(٢) .
وقد يُطلق على هذا الكرسيّ اسمُ العرش، فقد ورد ذلك في بعض الأحاديث ، كما في (( الصحيحين ))
من حديث أبي هريرة: (( سَبْعَةٌ يُظلُّهم اللهُ في ظله)) - وفي رواية (٣): ((في ظل عرشه - يَوْمَ لا ظِلَّ إلّ
ظِلُّه ... )) الحديث بتمامه(٤).
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الأهوال)) (٢١٥) وإسناده ضعيف.
(٢) رواه ابن حبان في حديث أبي ذر الطويل مختصراً رقم (٣٦١) وهو صحيح بطرقه وشواهده .
(٣) ذكرها الحافظ في ((الفتح)) (١٤٤/٢) وعزاها إلى سعيد بن منصور من حديث سلمان بإسناد حسن.
(٤) رواه البخاري رقم (٦٦٠) ومسلم رقم (١٠٣١) .
٢٦٨
مجيء الرب لفصل القضاء
وثبت في ((صحيح البخاريّ)) من حديث الزهريّ، عن أبي سلَمَةَ، وعبد الرحمن الأعرج ، عن
أبي هريرة: أنّ رسولَ اللهِ وََّ قال: ((إذا كانَ يومُ القيامة فإنّ الناس يَصْعَقُونَ، فأكونُ أوَّلَ منْ يُفيقُ ،
فأجِدُ مُوسى باطِشاً بقائمةٍ من قوائم العَرْش، فلا أدري أَصَعِقِ فأفاقَ قَبْلِي، أم جُوزي بصَعْقَةِ الطُّور؟)(١)
فقوله: ((أم ◌ُوزي بصَعْقة الطور)): يَدُلُّ على أن هذا الصَّعْق الذي يَحْصُل للناس يوم القيامة سَبَبُه
تَجَلِّي الربّ تعالى لعباده، لفَصْل القضاء، فَيَضْعَقُ الناسُ من تجلي العَظَمة ، والجلال ، كما صَعِقَ
موسى يَوْم الطُورِ حينَ سَأله الرُّؤْيَة ﴿ فَلَمَّا تَجَلَّ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣ ]
فموسى عليه الصلاة والسلام إذا صَعقَ الناسُ يوم القيامة، إمّا أن يكون جُوزي بصعقة الطور، فلا يصعق
يومئذ، وإما أن يكون صعق فأفاق ، أي صعق صعقة خفيفة ، فأفاقَ قبلَ الناس كُلّهِمْ ، والله أعلم .
وقد ورد في بعض الأحاديث: أنَ المؤمنينَ يَرون اللهَ في عَرَصاتِ القيامة، كما ثَبتَ في ((الصحيحين))
- واللفظ للبُخَارِيّ- من طريق قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله، قال: خَرَجَ عَلَيْنا
رسولُ اللهِ﴾ ليلة البدر، فقال: ((إنّكم سَتَّرونَ رَبَّكُمْ يَوْمَ القِيَامةِ كما تَرَوْنَ هذا لا تُضامُونُ في
رُؤيتهِ)).
وفي رواية للبخاريّ: ((إنّكم سترون ربكم عِياناً(٢) .
وجاء : أنّهم يسجدون له تعالى ، كما قال ابن ماجه : حدّثنا جبارة بن المغلِّس الْحِمَّانيّ ، حدّثنا
عبد الأعلى بن أبي المُسَاور، عن أبي بُرْدَةَ، عن أبي موسى، قال: قال رسول الله اَلر: ((إذا
جمع الله الخلائقَ يوم القيامة أُذِنَ لأُمَّةِ محمّدٍ بِّه في السجود، فَيَسْجدون له طويلاً ثم يقال: ارفعوا
رُؤوسكم، فقد جَعْلنا عدَّتكم فداءكم من النار)). وله شواهد من وجوه أُخر، كما سيأتي(٣).
وقال البزّار : حدّثنا محمد بن المُثَنّى، حدّثنا يحيى بن حماد، حدّثنا أبو عَوَانَةَ ، عن الأعمش ،
عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبيّ وََّ، قال: ((حتَّى إنَّ أحدهُمْ لَيَلْتَفْتُ فَيُكْشَفُ عن ساقٍ ،
فَيَقَعونَ سُجوداً، وتَرْجعُ أصلابُ المنافقين حتى تكون عَظْماً ، كأنها صَياصي البَقَر)) ثم قال : لا نعلم
حَدَّث به عن الأعمش إلّ أبا عَوانةَ . قلت : وسيأتي له شاهد من وجه آخر .
وذكر في حديث الصُّور: ((إنّ الله يُنادي العِبَاد يوم القيامة فيقول: إنّي قد أنْصَتُّ لكم مُنْذُ
خَلَقْتُكُمْ إلى يومكم هذا، أرى أعمالَكم، وأسمع أقوالكم ، فأنصتوا لي ، فإنما هي أعمالكم ،
(١) رواه بنحوه البخاري رقم (٦٥١٧) .
(٢) رواه البخاري (٧٤٣٦ و٧٤٣٥) ومسلم رقم ( ٦٣٣).
(٣) رواه ابن ماجه رقم (٤٢٩١) وإسناده ضعيف .
٢٦٩
مجيء الرب لفصل القضاء
وصُحُفكم تُقْرأ عليكم، فمنْ وَجَدَ خَيْراً فليحمد الله، ومن وجد غيرَ ذلك فلا يلومَنّ إلَّ نفسه)).
وروى الإمام أحمد ، من حديث عبد الله بن محمد بن عَقيل ، عن جابر بن عبد الله : أنّه اشترى
رَاحِلَةً، وسار إلى عبد الله بن أُنَيْس شهراً لِيَسْمع منه حديثاً بلَغَهُ عَنْهُ ، فلمّا سأله عنه ، قال : سمعتُ
رسول الله وَّ يقول: ((يُحْشَرُ الناسُ يَوْمَ القيامةِ)) - أو قال: ((العِبَادُ - حُفاةً عُراةً غُزْلًا [بهماً])) قلنا:
وما يُهما؟ قال : ((ليس معهم شيء ، ثم يُناديهم بصوت يسمعُه منْ [بَعُد كما يسمعه] من قَرُبَ: أنا
المَلِكُ ، أنَا الديّانُ ، لا ينبغي لأحدٍ من أهل النار أنْ يدخُل النار ، وله عند أحَدٍ من أهل الْجَنّة حقٌّ حَتّى
أُقِصَّهُ مِنْهُ، ولا يَنْبغي لأحَدٍ من أهلِ الْجَنَّةِ أن يدخلُ الْجَنَّةَ ولأحدٍ من أهل النَّار عِندهُ حقّ حَتَّى أُقضَّه
منه، حتى اللظْمة)) قال: قلنا: وكيف، وإنّ إنّما نأتي اللّهَ بُهْماً؟ قال: ((بالْحَسَناتِ، والسّيئات)﴾(١).
وفي ((صحيح مسلم)) عن أبي ذَرّ عن النبيّ وَّ في الحديث الإلهي الطويل: (( يا عبادي إنّما هي
أعمالكم أُخصيها لكم ثم أوفيكم إيّاها ، فمن وجد خيراً فليحمد الله ، ومن وجد غير ذلك فلا يَلُومنَّ
إلّا نفسه (٢).
وقد قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَّآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآَخِرَةِّ ذَلِكَ يَوْمٌ تَجْمُوعُ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ
[ هود : ١٠٣ - ١٠٥ ].
وَهَا نُؤَخِرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ ﴿ يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسُّ إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَمِنْهُمْ شَفِىٌّ وَسَعِيدُ (
ثم ذكر سبحانه ما أعدَّه للأشقياء، وما أعدَّهُ للسُّعداء ، فقال تعالى: ﴿رَبِّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا
الرَّحْمَنِّ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا (٦) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَتِكَةُ صَفًّا لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا
[ النبأ: ٣٧ _٣٨ ] .
وثبت في ((الصحيحين)): ((ولا يتكلم يَوْمئذ إلّ الرُّسُل)(٣).
وقد عقد البخاريّ رحمه الله باباً في ذلك، فقال في باب التوحيد من («صحيحه »: بابُ كلام
الرَّبّ سبحانه وتعالى يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم ، ثم أورد فيه حديث أنس في الشفاعة بتمامه .
[ وحديث عدي: (( ما منكم من أحد إلا سيكلّمه ربه ... ))] الحديث ، وحديث ابن عمر في
النَّجْوَى(٤) .
ونحن نورد في هذه الترجمة أحاديث أُخر ، مناسبةً لهذا الباب . وقد قال الله تعالى :
(١) رواه أحمد في المسند (٤٩٥/٣) وإسناده حسن. وجملة ((بَعُد كما يسمعه)) ليست في نسخ المسند وهي مثبتة
في «مجمع الزوائد» (٣٤٥/١٠) وجامع المسانيد للمصنف (٥٠٧٦/٧).
(٢) رواه مسلم رقم ( ٢٥٧٧) (٥٥) .
(٣) رواه البخاري رقم ( ٧٤٣٧) ومسلم ( ١٨٢) (٢٩٩).
(٤) البخاري ( ٧٥١٠) و(٧٥١٤).
٢٧٠
ذکر كلام الرب مع آدم عليه السلام
[ المائدة : ١٠٩ ] . وقال
◌ْ يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتٌُّ قَالُواْ لَا عِلْمَ لَنَّاً إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّهُ الْغُيُوبِ
٧
◌َ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلَّمٍ وَمَا كُنَا غَيِينَ
تعالى: ﴿ فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ
[الأعراف: ٦ - ٧]. وقال تعالى: ﴿ وَاُلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَزِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ◌ِهِ وَمَنْ خَفَّتْ
[ الأعراف: ٨ - ٩]. وقال تعالى:
مَوَزِينُهُ، فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِكَايَتِنَا يَظْلِمُونَ
﴾ [ الحجر: ٩٢ - ٩٣ ] .
فَوَرَيِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينٌّ (١) عَمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٥)
وقال ابن أبي الدنيا : حدّثنا حمزةُ بن العبّاس، حدّثنا عبد الله بن عُثْمانَ ، أنبأنا ابن المبارك ، أنبأنا
رِشْدين بنُ سعد، أخبرني ابن أنْعُم المَعَافِريّ، عن حبان بن أبي جَبَلَة، يُسنده إلى النبيّ ◌ََّ قال: ((إذا جَمَعَ
اللهُ عِبَادَهُ يَوْمَ القيامةِ كان أوَّلُ منْ يُدْعَى إسرافيل ؛ فيقول له رَبُّه : ما فعلتَ في عهدي ؟ هل بَلَّغْتَ عَهْدي ؟
فيقول : نعم ، يا ربّ ، قد بلّغته جبريلَ، فيُدعى جبريل، فيقال له: هل بلّغك إسرافيلُ عَهْدي ؟ فيقول:
نعم ، قد بلَّغني ، فيخلّى عن إسرافيل ، ويقال لجبريل: هل بلَّغت عهدي ، فيقول: نعم قد بَلغْت الرُّسُل،
فيُدْعَى الرسل فيقولُ لهم : هل بَلّغكم جِبْرِيلُ عَهْدي؟ فيقولون: نعم ، فيخلّى عنْ جِبْرِيل ، ويقال للرسل :
ما فعلتم بعهدي؟ فيقولون: بَلَّغْنا أُمَمنا، فتُدْعى الأُممُ، فيُقال لهم: هل بلَّغَكمُ الرُّسُل عَهدي ؟ فمنهم
المُكَذّب ، ومنهم المُصَدِّق ، فيقول الرُّسُل: إنّ لنا عليهم شهداء يَشْهَدُون لنا أنا قدْ بَلَّغْنا عهدَك ، فيقول :
مِنْ يشهدُ لكم؟ فيقولون: أُمّةُ أحمد ◌ََّ، فيقول: أتشهدون أنّ رُسُلي هؤلاءٍ قَدْ بَلَغُوا عَهْدي إلى مِنْ أُرْسِلُوا
إلَيْهِ ؟ فيقولون : نعم رَبِّ شَهِدْنَا أنْ قَدْ بَلَّغُوا ، فتقولُ تلك الأمم : كيفَ يَشْهِدُ عَلَيْنا مِنْ لمْ يُدرِكْنا؟ فيقول
لهمُ الربُّ تعالى: كيف تَشْهَدُونَ على منْ لم تُدْرِكُوا؟ فيقولون: رَبَّنا، بَعَثْتَ إلينا رَسُولًا، وأنزلتَ إليْنا
عَهْدَكَ وكِتَابَك ، وقصصت عَلينا فيه أنّهم قد بَلّغوا ، فشَهِدْنا بما عَهِدت إِلَيْنا، فيقول الربُّ: صَدَقُوا ، فذلكَ
قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةُ وَسَطَّا لَِّكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣])).
قال ابن أنْعُم: فبلغني أن أمة محمد تشهد، إلّا منْ كانَ في قلبه حِنَّةٌ(١) على أخيه (٢).
ذكر كلام الرب تعالى مع آدم عليه السلام
قال الإمام أحمد : حدّثنا قُتَيِّبَةُ بن سعيد ، حدّثنا عبد العزيز بن محمد ، عن ثَوْر، عن
أبي الغَيْث، عن أبي هريرة: أنّ رسول اللهِوَهَ قال: ((أوَّل من يُدْعى يومَ القيامة آدمُ ، فيقال : هذا
أبوكم آدم ، فيقول : يا رَبِّ لَتَّيْكَ وَسَعْديكَ، فيقول له ربّما تعالى: أخْرِجْ نَصيبَ جَهَنّم منْ ذُرِّيتِكَ ،
فيقول : يا رَبّ وكم ؟ فيقول: من كلّ مئةٍ تِسْعة وتسعين)) فقلنا: يا رسول الله، أرأيتَ إذا أخَذَ منّا منْ
(١) أي عداوة. انظر ((النهاية)) (١/ ٤٥٣).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((الأهوال)) (٢٣٧) وابن المبارك في ((الزهد)» (١٥٩٨) وفي إسناده ضعف.
٢٧١
ذكر كلام الرب مع آدم عليه السلام
كلّ مئةٍ تسعةً وتسعين، فماذا يَبْقَى مِنَّا؟ قال: (( إن أُمتي في الأمم، كالشعْرَةِ البَيْضاءِ في الثَّوْرِ
الأسود )).
ورواه البخاريّ ، عن إسماعيل بن عبد الله، عن أخيه ، عن سُلَيْمانَ بن بلال ، عن ثور بن زيد
الدِّيليِّ، عن سالم أبي الغَيْث، مولى ابن مُطيع، عن أبي هريرة: أنّ رسول الله وَ ◌ّ قال: ((أوَّل من
يُدْعَى يومَ القيامة آدم ، فتتراءى ذُريتُه، فيقال: هذا أبوكم آدمُ ، فيقول: لَيْكَ، وَسَعْدَيْكَ ، فيقول :
أخْرج بَعْثَ جَهنَّم من ذُرِّيتك ... وذكر تمامه كما تقدم(١) .
وقال الإمامُ أحمد : حدّثنا وكيع ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي سعيد ، قال : قال
رسول الله وَّةِ: ((يقولُ الله يوم القيامة: يا آدم، قُمْ فابْعَثْ بَعْثَ النار، فيقول: لَتَيْكَ وَسَعْدِيكَ،
وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْك، يا رَبِّ، وما بَعْثُ النَّار؟ فيقول: من كلِّ ألفٍ تِسْعَمئَةٍ وتِسْعةً وتسعين)) قال:
((فَيَوْمئذٍ يَشِيبُ المَوْلُود، ﴿ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتٍ حَمْلٍ حَمّلَهَا وَرَى النَّاسَ سُكَرَى وَمَا هُم بِسُكَرَى وَلَكِنَّ
عَذَابَ اَللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ٢])) قال: فيقولون: أيُّنا ذلك الواحد. فقال رسول الله وَّرَ: ((تِسْعُمئة
وتِسْعةٌ وتسعون منْ يأْجُوج ومأُجُوجَ، ومنكم واحد)) قال : فقال الناس : الله أكبر ، فقال
رسول الله وَلَهُ: ((والله إني لأرجو أنْ تَكُونوا رُبُعَ أهلِ الجَنّة، واللهِ إنِّي لأرجو أنْ تكونوا ثُلُثَ أهْلِ
الجَنَّة، واللهِ إنّي لأرجو أنْ تكونوا نِصْفَ أهْلِ الجَنَّةَ)) قال: فَكَبَّرَ الناس، فقال رسول الله عَليه:
(( ما أنْتُمْ في النّاسِ إلا كالشَّعْرةِ البَيْضاءِ في الثَّوْرِ الأسْوَدِ ؛ أو كالشَّعْرَةِ السَّوْداءِ في الثّوْرِ الأبيض».
ورواه البخاريّ ، عن عمر بن حَفْص بن غِياث ، عن أبيه ، عن الأعمش ، به . ورواه مسلم، عن
أبي بكر بن أبي شَيْبَة ، عن وَكيع ، به، وأخرجاه من طرق أُخَر ، عن الأعمش، به(٢).
وفي (( صحيح البخاريّ)) عن بُنْدَار، عن غُنْدَر، عن شُعْبة ، عن أبي إسحاقَ ، عن عمرو بن
مَيْمون، عن عبد الله بن مسعود، قال: كُنَّا مع رسول الله وََّ فِي قُبَّةٍ من أدم، فقال: (( أَتَرْضَوْنَ أنْ
تكُونوا رُبُع أهْل الجَنّة؟)) قلنا: نعم، فقال: ((والذي نفس محمد بِيَده ، إنّي لأرجو أن تكونوا نِصْفَ
أهْلِ الجنّة، وذلك أنَّ الجنّة لا يدخُلها إلا نفسٌ مُسْلِمة، وما أنتم في أهل الشِّرْكِ إلَّ كالشَّعرة البيضاء
في جِلْد الثور الأسود، أو كالشعرة السوداء في جلد الثور الأحمر(٣) .
(١) رواه أحمد في المسند (٣٧٨/٢) والبخاري (٦٥٢٩) .
(٢) رواه أحمد في المسند (٣٢/٣) والبخاري (٤٧٤١ و٣٣٤٨) ومسلم رقم (٢٢٢) (٣٨٠).
(٣) رواه البخاري (٦٥٢٨) ومسلم (٢٢١) (٣٧٧).
٢٧٢
كلام الرب مع نوح عليه السلام
كلام الرَّبِّ تعالى مع نوح عليه السلام وسؤاله إياه عن البلاغ
كما قال الله تعالى: ﴿فَلَنَسْعَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ﴾﴾ [الأعراف: ٦].
وقال الإمامُ أحمد : حدّثنا وكيع ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي سعيد ، قال : قال
رسول الله وَّهُ: ((يُدْعَى نوح يومَ القيامة، فيُقال له: هل بَلّغْتَ؟ فيقول: نعم، فيُدْعِى قَومُه،
فيُقال : هل بَلَغَكُمْ؟ فيقولون : ما أتانا مِنْ نذير، أو ما أتانا من أحدٍ ، قال : فيُقال لنوح : منْ يشْهدُ
لَكَ؟ فيقول: محمد، وأُمَّتُه، وذلك قوله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطَّا لِنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ
وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣])) قال: ((والوَسَطُ: العَدل الخيار))، قال: ((فيُدْعَوْن،
فيشْهُدُون له بالبلاغ)) قال: (( ثم أشْهدُ عليكم)). وهكذا رواه البخاري ، والترمذيّ ، والنّسائيّ ، من
طرق عن الأعمش ، به ، وقال الترمذيّ: حسن صحيح(١).
وقد رواه الإمام أحمد ، بلفظ أعمَّ من هذا ، فقال : حدّثنا أبو معاوية ، حدّثنا الأعمش ، عن
أبي صالح، عن أبي سعيد، قال: قال رسولُ الله وَله: ((يَجيءُ النبيُّ يوم القيامة ومعه الرجل، والنبيُّ
ومعه الرجلان ، وأكثرُ من ذلك ، فيدعى قومُه ، فيقول لهم : هل بَلّغكم هذا؟ فيقولون: [ لا]،
فيُقال له : هل بَلَغْتَ قَوْمَك؟ فيقول: نعم، فيُقال له: منْ يَشْهدُ لك؟ فيقول: محمد، وأمّته ،
فيُذْعى محمد، وأمته ، فيُقال لهم : هل بَلْغ هذا قَوْمَه؟ فيقولون: نعم ، فيُقال: وما عِلْمُكُم ؟
فيقولون : جاءنا نَبِيُّنا، وأخبرنا: أنّ الرُّسُل قد بَلَّغُوا)) قال: ((فذلك قوله: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا
لِتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ﴾)) قال: ((يقول: عَدْلَا ﴿لِّيَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ﴾
[البقرة: ١٤٣])) وهكذا رواه ابن ماجه عن أبي كُرَيْب، وأحمد بن سِنَان، كلاهما عن أبي معاويةً(٢).
قلت : ومضمون هذا أنّ هذه الأمّة يوم القيامة تكون عدولاً عند سائر الأمم والأنبياء ، ولهذا
يَسْتَشهدُ بهم سائر الأنبياء على أُمَمِهِم ، ولولا اعترافُ أممهم بشرف هذه الأمة لما حصل إلزامُهم
بشهادتهم .
وفي حديث بَهْز بن حَكِيم، عن أبيه، عن جَدّه معاوية بن حَيْدَةَ، أنّ رسول اللهِوَ الر قال: ((أنتم
تُوَقُّونَ سبعين أمَّةً أنتم خَيْرُها، وأكرمُها على الله سبحانه وتعالى (٣) .
رواه أحمد في المسند (٣٢/٣) والبخاري (٤٤٨٧) والترمذي (٢٩٦١) والنسائي في ((الكبرى)) (١١٠٠٧).
(١)
(٢) رواه أحمد في المسند ( ٥٨/٣) وابن ماجه رقم (٤٢٨٤) وهو حديث صحيح .
(٣) رواه أحمد في المسند (٣/٥) وإسناده حسن .
٢٧٣
تشريف إبراهيم يوم القيامة على رؤوس الأشهاد - ذكر موسى وظهور شرفه يوم القيامة
ذِكر تشريف إبراهيم الخليل عليه السلام
يوم القيامة على رؤوس الأشهاد
قال الله تعالى: ﴿وَءَيْنَهُ أَجْرَهُ فِ الدُّنْيَأُ وَ إِنَّهُ فِ الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّلِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٧].
وقال البخاريّ : حدّثنا محمد بن بَشّار، حدّثنا غُنْدَر، حدّثنا شُعْبةُ ، عن المغيرة بن النُّعمان ،
عن سعيد بن جُبَيْر ، عن ابن عبّاس، قال: قام فينا النبيُّ وَ لَهِ يخطبُ، فقال: ((إنّكم محشورون إلى
الله حُفاة عُراةً ﴿ كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [ الأنبياء: ١٠٤] وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم
عليه الصلاة والسلام ، وإنه سيجاء برجال من أمّتي فيُؤْخذُ بهم ذاتَ الشِّمال ، فأقول : يا ربّ ،
أصحابي، فيقول: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك)) قال: ((فأقول كما قال العبدُ الصالح :
﴿ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِهِمّ فَلَمَّا تَوَفَّيَّتَنِى ... ) إلى قوله ﴿اَلْعَزِبِزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٧ - ١١٨])) قال:
(([ فيقال]: إنهم لم يزالوا مُزْتَدِّينَ على أعقابهم)(١).
ذكر موسى عليه السلام وظهور شرفه وجلالته [ وكرامته ] يوم القيامة
ووجاهته [ عند الله ] وكثرة أتباعه وانتشار أمته
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ ءَاذَوْ مُوسَى فَبَرََّهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُواْ وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا
[الأحزاب: ٦٩]. وقال تعالى: ﴿وَذَكُرْ فِىِ الْكِنَبِ مُوسَىَّ إِنَُّ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا فِّيَّا (٢) وَتَدَيْنَهُ مِن جَانِبِ اُلُّورِ
اَلْأَيْمَنِ وَقَرَبْنَهُ نِيًّا (ِنْ وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَيِّنَا أَخَاهُ هَرُونَ نِيًّا﴾ [مريم: ١٥ -٥٣]. وقال تعالى: ﴿يَمُوسَىّ إِنَّ أَصْطَفَيْتُكَ
عَلَى النَّاسِ بِسَلَتِ وَبِكَلَمِى﴾ [الأعراف: ١٤٤]. وقال: ﴿ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةٌ مِّنِى وَلِنُصْنَعَ عَلَى عَيْنِ ... ) إلى قوله:
﴿ وَأَصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِى﴾ [ طه: ٣٩ - ٤١] والقرآن مملوء بذكر موسى والثناء عليه من الله عزَّ وجلَّ حتى كاد
القرآن أن يكون كُلُّه فيه. وقال النبي ◌ِّر: ((لا تفضِّلوني على موسى، فإن الناس يصعقون يوم
القيامة، فأكون أول من يفيق، فإذا موسى باطش بالعرش (٢) وقال تعالى: ﴿ وَكَلَّمَ اَللَّهُ مُوسَى
تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]. وثبت في الصحيح في الإسراء أن النبي وَّهُ مرَّ بموسى ليلة الإسراء وهو
قائم يصلي في قبره ، ورآه في السماء السابعة [ وفي رواية ] في السادسة ليلة الإسراء ، وكانت شريعة
موسى عظيمة جداً، وأمته كثيرة جداً ، وكان فيهم الأنبياء والعلماء والربانيون والأحبار والعبَّاد
والزُّهاد ، والصالحون والمؤمنون والمسلمون والملوك والسادات والكبراء . وطالت أيامهم في أرغد
(١) رواه البخاري رقم (٦٥٢٦) ومسلم رقم (٢٨٦٠) (٥٨) بالسند نفسه.
(٢) رواه بنحوه البخاري رقم (٢٤١١) و( ٦٥١٧).
٢٧٤
ذكر كلام الرب مع عيسى
عيش وأطيبه ، مع القهر والغلبة لأهل الأرض قاطبة ، ولا سيما في زمن داود وسليمان عليهما
السلام. وقد مدح الله بعضهم، وأثنى عليه في القرآن. فقال تعالى: ﴿ وَمِن قَوْمِ مُوسَىَّ أُمَّةٌ يَهْدُونَ
بِالْحَقِّ وَبِهِ، يَعْدِلُونَ(١٥)﴾ [الأعراف] وقال: ﴿وَقَطَّعْنَهُ فِى الْأَرْضِ أُمَمَّاً مِّنْهُمُ الصَّلِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكٌ ﴾
[ الأعراف: ١٦٨] وقال: ﴿أُوْلَّكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيْنَ مِن ذُرِّيَّةِ ءَدَمَ وَمِمَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةٍ إِبْزَهِيمَ
وَإِسْرَّهِيلَ وَمِنَّنْ هَدَيْنَا وَأَجْتَبَيْنَاً﴾ [مريم: ٥٨] وقال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ ءَانَيْنَا بَنِىّ إِسْرَّهِيلَ الْكِتَبَ وَاَلْحُكْرَ وَالنُُّوَّةَ
وَرَزَقْتَهُمْ مِنَ الَتَِّتِ وَفَضَّلْنَهُمْ عَلَى الْعَلَمِينَ (١) وَءَاتَّْنَهُم بَيِنَاتٍ مِّنَ الْأَمْرِّ﴾ [الجاثية: ١٦ - ١٧] وقد ذكرهم الله كثيراً
في القرآن .
وقد رأى النبي بَ لّ سواداً عظيماً قد سدَّ الأفق، فظنها أمته ، فقيل: هذا موسى وقومه. والآيات
والأحاديث في فضل موسى في الدنيا والآخرة كثيرة جداً .
ذكر عيسى ابن مريم عليه السلام
وكلام الرَّبِّ معه يوم القيامة
[ قال الله تعالى]: ﴿ وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَحِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ءَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ التَّخِذُونِ وَأُنِىَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ
سُبْحَنَكَ مَا يَكُونُ لِيّ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقِّ ... ﴾ إلى قوله: ﴿اٌلْعَرَبِزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٦ -١١٨] وهذا
السؤال من الله تعالى يوم القيامة لعيسى ابن مَزيم مع علمه تعالى أنّه لم يَقُلْ شيئاً من ذلك ولا خطر ذلك
بنفسه قط ، ولا حدثته به نفسه ، إنّما هو على سبيل التَّقْريع، والتَّوْبيخ لمن اعتقد فيه ذلك ، من ضُلاّلٍ
النَّصارى ، وكَفَرَةِ أهْلِ الكِتابِ ، فَيَتبرَّأَ إلى الله تعالى من هذه المقالة ، وممن قالها فيه وفي أمه ، كما
تتبّرأ الملائكة ممَّن اعتقد فيهم شيئاً من ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نحشرهمُ(١) جَمِيعًا ثُمَّ تقول(١)
لِلْمَلَبِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ ﴿ قَالُواْ سُبْحَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ آلْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِم
مُؤْمِنُونَ (٨)﴾ [سبأ: ٤٠ - ٤١]. وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نحشرهمْ(٢) وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ ءَأَنْتُمْ
أَضْلَلْتُمْ عِبَادِى هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّواْ السَّبِيلَ ﴿ قَالُواْ سُبْحَتَكَ مَا كَانَ يَتْبَغِى لَنَا أَنْ تَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءُ وَلَكِن
مَتَّعْتَهُمْ ... ) إلى قوله ﴿ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ١٧ -١٩]. وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ
جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَّكُوْ مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرْكَاؤُكُمْ فَلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَّكَاؤُهُم مَّا كُمْ إِنَّانَا تَعْبُدُونَ !
﴾ إلى قوله :
.
﴿ وَضَلَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [ يونس: ٢٨ - ٣٠].
هي قراءة ما سوى حفص ويعقوب .
(١)
(٢) هي بالنون قراءة نافع، وأبي عمرو ، وشعبة عن عاصم ، وحمزة ، والكسائي ، وخلف .
٢٧٥
ذكر كلام الرب مع نبينا مصرية
وأما المقام المحمود المحمَّدي يوم القيامة ،
فلا يساویه بل ولا يدانيه أحد فيه ،
ويحصل له من التشريفات ما يغبطه بها الخلائق كلهم
وقد تقدّم ما ورد من الأحاديث في المقام المحمود ، وأنه ◌َ لّ أول من يسجُد بين يدي الله تعالى
يوم القيامة، وأوَّل من يَشْفَعُ [ فُيُشفَّعُ]، وأوَّل من يُكْسَى بَعْد الخليل ◌ِّهِ حُلَّتين خَضْرَاوَيْنِ، وَيَجْلسُ
الْخَليلُ [عليه الصلاة والسلام] بين يدي العرش، ومحمَّد [رَّهَ] عن يَمِين العرش، فيقول :
يا ربّ، إنّ هذا - ويُشير إلى جبريلَ [ عليه السلام ]- أخبرني عَنْكَ أنّك أرْسَلْتَه إليّ، فيقول الله تعالى :
صدق جبريلُ .
وقد روى لَيْثُ بن أبي سُلَيْم ، وأبو يحيى القَتات ، وعطاء بن السائب ، وجابر الجُعْفيّ ، عن
مجاهد ، أنّه قال في تفسير المقام المحمود: إنّه يُجْلسُه معه على العَرْش . ورُوي نحوه عن عبد الله بن
سَلام ، وجمع فيه أبو بكر المَؤُوذي جُزءاً كبيراً ، وحكاه هو وغيرُه عن غير واحد من السلف ، وأهل
الحديث ، كأحمدَ ، وإسحاق بن راهَوَيْهِ ، وخَلْقٍ ، وقال ابنُ جرير : وهذا شيء لا يُنكرهُ مِثْبتٌ
ولا نافٍ ، وقد نَظمَه الْحَافِظُ [ أبو الحسن ] الدارقُطْنيّ في قصيدةٍ له .
قلت : ومثلُ هذا لا ينبغي قَبُولُه إلّا عن معصوم ، ولم يَثْبُتْ في هذا حديثٌ يُعَوَّلُ عليه ، ولا يُصارُ
بسببهِ إليه ، وقولُ مجاهدٍ وغيره في هذا : ( إنَّه المقام المحمود ) ليس بحُجَّة بمُجَرَّدِهِ ، وكذلك
ما روي عن عبد الله بن سلام لا يصح . ولكن قد تلقاه جماعة من أهل الحديث بالقبول ، ولم يصحّ
إسنادُه إلى ابن سلام ، والله سبحانه أعلم بالصواب .
وقال [ أبو بكر ] بن أبي الدُّنيا: حدّثنا سُرَيْجُ(١) بن يونس، حدّثنا أبو سُفْيانَ المَعْمَريّ، عن مَعْمَر،
عن الزّهريّ، عن عليّ بن الحُسَيْن: أنَّ النبيَّ ◌َ ◌ّهِ قال: ((إذا كان يومُ القيامة مُدَّت الأرضُ مَدَّ الأديم ،
حتى لا يكون للإنسان إلّا مَوْضِعُ قَدَمَيْه))، قال النبيُّ ◌َ: ((فأكونُ أوّلَ من يُدْعى، وجبريلُ عن يمين
الرحمن ، واللهِ ما رآه قَبْلَها، فأقول: يا ربّ ، إنّ هذا أخبرني أنّك أرسلته إليّ ، فيقول الله تعالى:
صدق ، ثم أشْفَعُ فأقول : يا رَبّ عبادُك عبدوك في أطراف الأرض ، فهو المقام المحمود )).
قلت : قد ورد في المقام المحمود أنه الشفاعة العظمى في الخلق ليقضى بينهم حين يأتون آدم
ونوحاً وإبراهيم وموسى وعيسى فإذا جاؤوا إلى النبي بَّل، قال: ((أنا لها، أنا لها)) فهذا هو المقام
المحمود الذي يحمده به الأولون والآخرون، كما روي في الأحاديث الصحيحة.
(١) في آ) : شريح ، وهو خطأ .
٢٧٦
ما ورد في كلام الرب مع العلماء يوم فصل القضاء ومع المؤمنين وعدم كلامه مع الكفار
ذكر ما ورد في كلام الرَّبِّ تعالى
مع العلماء يوم فصل القضاء
قال الطبرانيّ : حدّثنا أحمد بن زُهَيْرٍ، حدّثنا العلاء بن مسلمة (١)، حدّثنا إبراهيم الطَّالقانيّ،
حدّثنا ابنُ المبارك، عن سُفْيانَ، عن سِمَاك بن حَرْبٍ ، عن ثَعْلبةً بن الحكم ، قال : قال
رسول الله وَّه: ((يقول الله تعالى للعلماء إذا جَلَس على كُرْسيِّه لِفَضْل القَضاءِ: إنِّي لم أجْعَل(٢) عِلْمي
وحِكْمتي فيكُمْ إلّا وأنا أريدُ أنْ أغْفِرَ لَكُمْ على ما كانَ مِنْكُمْ، ولا أبالي)). [ قلت ]: ولا يصح، ولو
صح كان المراد به العلماء العاملون ، والله أعلم(٣) .
ذِكْر أولِ كلامه عزَّ وجلَّ مع المؤمنين
قال أبو داود الطَّالسيّ: حدّثنا عبد الله بن المُبارك، حدّثني يحيى بن أيوب، عن عُبيد الله بن
زَحْر ، عن خالد بن أبي عِمْران، عن أبي عياش(٤)، عن معاذ بن جَبَل، قال: قال رسول الله ◌ِّينِ:
((إِنْ شِئْتُم أنْبأتكُمْ بأوّل ما يقول الله عزَّ وجلَّ للمؤمنين يوم القيامة ، وبأوّل ما يقولون له )) قالوا : نعم ،
يا رسول الله، قال: «فإنّ اللهَ تعالى يقول للمؤمنين يوم القيامة : هل أحببتُم لقائي ؟ فيقولون: نعم ،
يا رَيَّنَا ، فيقول : ما حملكم على ذلك؟ فيقولون : عَفْوك وَرَحْمتُك، وَرِضْوانُك، فيقول: إنّي قد
أوْجَبْتُ لكم رحمتي (٥) .
فصل
وأما الكفّار فقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الَّهِ وَأَيْمَنِمْ ثَمَنَّا قَلِلًا أُوْلَبِّكَ لَا خَلَقَ لَّهُمْ فِ الْآَخِرَةِ
وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧]. وقال تعالى:
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَبِ وَيَشْتَّرُونَ بِهِ، ثَنَا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِى بُعُونِهِمْ إِلَّ النَّارَ وَلَا
يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيُ ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الضَّلَلَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ
بِالْمَغْفِرَةٍ فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَ النَّارِ﴾ [البقرة: ١٧٤ - ١٧٥]. والمراد من هذا أنه لا يكلّمهم، ولا ينظر إليهم؛
في الأصول : العلاء بن سالم .
(١)
وفي نسخة على حاشية الفاسية : لم أضع .
(٢)
رواه الطبراني في المعجم الكبير رقم ( ١٣٨١ ).
(٣)
في (أ): ابن عباس، وفي الفاسية ابن عياش، والتصحيح من ((تهذيب الكمال)).
(٤)
(٥) رواه أبو داود الطيالسي رقم (٥٦٤) وإسناده ضعيف.
٢٧٧
إبراز النيران والجنان والميزان
كلاماً ينتفعون به، ونظراً يَرْحَمُهم به، كما أنهم عن رَبّهم يَومئذٍ لَمَحْجُوبُونَ، لقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ(١)
جَمِيعًا يَمَعْشَرَ الِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الْإِنِسِّ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُمْ مِنَ الْإِسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَنَا الَّذِىَ أَجَّلْتَ لَنَّا قَالَ
النَّارُ مَثَوَنَكُمْ خَلِينَ فِيهَا إِلَّ مَا شَآءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٢٨]. [ وقال تعالى: ﴿ هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِّ جَعْنَكُمْ
وَاْأَوَِّينَ {وَ فَإِن كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (تََّ وَيْلٌ يُؤْمِذٍ لِلْكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٣٨-٤٠]. وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُمُ اللّهُ جَمِيعًا فَيَعْلِفُونَ
لَمُ كُمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَىْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَذِبُونَ﴾ [المجادلة: ١٨]. وقال تعالى: ﴿ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَّكَآَوِىَ
ـَ قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَينَهُمْ كَمَا غَوَيِنً تَبَرَأْنَا إِلَيْكٌَ مَا كَانُواْ إِيَّنَا
الَّذِينَ كُمْ تَزْعُمُونَ الثَّ
يَعْبُدُونَ ﴿ وَقِيلَ أَدْعُواْ شُرَكّتَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ وَرَوْ اَلْعَذَابَّ لَوْأَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ () وَيَوْمَ يُنَادِيِهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ
فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَآءَ لُونَ﴾ [القصص: ٦٢ - ٦٦] وقال: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيِهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ
٦٥
الْمُرْسَلِينَ
شُرَكَآءِىَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ (٢) وَنَزَعْنَا مِن كُلّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُواْ بُرْهَنَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ ◌ِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُم ◌َّا
كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ [القصص: ٧٥]]، والآيات في هذا كثيرة جدّاً.
وثبت في ((الصحيحين)) [ كما سيأتي] من حديث [ خَيثمة، عن ] عَدِيٍّ بن حاتم ؛ أن
رسولَ اللهِ ﴿َ قال: (( ما منكم من أحد إلّا سَيُكلِّمُهُ رَبُّه لَيْسَ بينه وبينَه تَرْجُمان)(٢)، ((فَلْقَى الرَّجُلَ
فيقول : ألَمْ أُكْرِمْك؟ ألم أزوّجْكَ، ألم أسَخِّر لكَ الخَيْلَ والإبل ، وأَذَرْكَ تَرْأسُ وَتَربعُ ؟ فيقول :
بَلَى ، فيقول : أظننْتَ أنّكَ مُلاقيَّ؟ فيقول: لا، فيقول: الْيَوم أنساكَ كما نَسيتني (٣) ، فهذا فيه
التصريح العظيم في تكليم الله تعالى ، ومخاطبته لعَبْده الكافر .
وأما العُصاةُ ، ففي حديث ابن عمر [ الذي في ((الصحيحين))] حديث النجوى كما سيأتي عن
رسول الله وَ﴿ قال: (( يُدْني اللهُ العَبْد يوم القيامة حتى يَضع عليهِ كَنَفْهُ، ثم يُقرِّرُه بذُنُوبِه، فيقول :
عَمِلْتَ في يوم كذا كذا وكذا [ وفي يوم كذا كذا وكذا ] ، فيقول : نعم ، يا ربّ، حتى إذا ظَنَّ أنّه قد
هلك ، قال الله تعالى: إني قد سَتَّزْتُها عَلَيْكَ في الدُّنْيا، وأنا أغْفرُها لَكَ اليوم)(٤) .
فصل
في إبراز النِّيران ، [ والجنَان ] ، ونصب الميزان ، ومحاسبة الدَّيَّان
قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّهُ لِلْمُنَّقِينَ ﴿ وَبُرْزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾ [ الشعراء: ٩٠-٩١]. وقال:
(١) هي قراءة ما سوى حفص عن عاصم ، وروح عن يعقوب .
(٢) رواه مسلم رقم (٢٩٦٨) من حديث أبي هريرة .
(٣) رواه البخاري (٦٥٣٩) ومسلم (١٠١٦) (٦٧).
(٤) رواه البخاري رقم (٢٤٤١) ومسلم رقم (٢٧٦٨) .
٢٧٨
ذكر إبداء عنق من النار إلى المحشر
﴿وَإِذَا الْجَحِيُ سُعِرَتْ رِ) وَإِذَا الْجَنَّهُ أَزْلِفَتِْ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٢ - ١٤]. وقال تعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ
﴾ الآية [ ق: ٣١٣٠]. وقال تعالى
لِجَهَنَّمَ هَلِ آَمْثَلَأْتِ وَتَّقُولُ هَلْ مِن ◌َزِيدٍ (ْبَ وَأَزْلِفَتِ الْجَنَّهُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (يَّمَ.
﴿وَتَضَعُ الْمَوَزِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَمَةِ ... ) الآية [الأنبياء: ٤٧]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ
... ﴾ الآية [النساء: ٤٠]. وقال لُقْمان لابنه فيما أخبر الله عنه: ﴿يَبُنَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ
فَتَكُنْ فِ صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفُ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ١٦] والآيات في هذا كثيرة
جدّاً .
ذِكْر إبداء عنق من النار إلى المحشر فيطلع على الناس
قال الله تعالى: ﴿وَجِأْىَّ يَوْمَيِهِمْ بِجَهَنَّمٌ يَوْمَيِذٍ يَنَذَ كَّرُ اُ لْإِنسَنُ وَأَنَّ لَهُ الذِّكْرَى ◌ِ
[ الفجر : ٢٣ ] .
وقال مسلم في ((صحيحه)): حدّثنا عمر بن حفص بن غياث، حدّثنا أبي، عن العلاء بن خالد
الكاهِلَيّ، عن شَقيق، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله وََّ: ((يُؤْتِى بِجَهنَّم يومئذ لها
سبعون ألف زِمام ، مع كلّ زمام سبعون ألفَ مَلَك ، يَجُُونها)) . وهكذا رواه الترمذي مرفوعاً ، ومن
وجه آخر هو وابن جرير مَوْقوفا١ً) .
وقال الإمام أحمد: حدثنا معاوية، حدّثنا شَيبانُ، عن فِرَاس، عن عَطيَّة ، عن أبي سعيد الخُدْريّ،
عن نبيّ الله وَّ أنه قال: ((يَخْرُجُ عُنُقٌ منَ النار فيتكلّم يقولُ: وُكِّلْتُ اليومَ بِثلاثةٍ: بكُلّ جَبَّارٍ ، ومن
جَعَل مع الله إلهاً آخر ، ومن قتل نَفْساً بغير نفس، فَيَنْطوي عليهم، فيقذِفُهم في غَمَراتٍ جَهنّم )). تفرّد
به من هذا الوجه(٢). وسيأتي في باب الميزان عن خالد، عن القاسم، عن عائشةً، نحوُهُ(٣).
وقال تعالى: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَا تَغَيُّظًا وَزَفِيْرًا (١) وَإِذَا أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَانَا ضَيِّقًا مُّقَرَّنِينَ دَعَوْاْ
هُنَالِكَ ثُبُورًا (١) لَّا نَدْعُوْ اَلْيَوْمَ ثُبُورًا وَنِدًا وَأَدْعُواْ ثُبُورًا كَثِيرٌ فَ
﴾ [الفرقان: ١٢ - ١٤].
قال السُّدِّيّ: ﴿ إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾، قال: من مسيرة مئةٍ عام ( سَمِعُواْلَمَا تَغَيُّظًا﴾ أي عليهم
﴿ وَزَفِيرًاً﴾ أي من شِدّة حَيَقِها وبُغْضها لمن أشرك بالله، واتَّخَذ معَه إلهاً أُخَر .
وفي الحديث : ((من كَذَب عليّ، أو ادّعى إلى غير أبيه، أو انتمَى إلى غير مَوالِيه، فَلْيَتَبَوّأْ
بَيْن عَيْنِي جَهَتَّم ◌َفْعَداً)) قالوا: يا رسول الله، وهَلْ لَها مِنْ عَيْنَيْن؟ قال: (( أمَا سَمِعْتُم اللهَ
(١) رواه مسلم رقم (٢٨٤٢) والترمذي ( ٢٥٧٣).
(٢) رواه أحمد في المسند ( ٣/ ٤٠) وفي إسناده عطية العوفي، وهو ضعيف، وللحديث دون قوله: ((ومن قتل
نفساً بغير نفس)) شاهد من حديث أبي هريرة عند أحمد (٣٣٦/٢) والترمذي رقم (٢٥٧٤) وآخر من حديث
عائشة الآتي بعده .
(٣) رواه أحمد في المسند (٦/ ١١٠) وبعضه صحيح لغيره.
٢٧٩
ذكر الميزان
الفرقان ] )) رواه ابن أبي حاتم .
T
يقول: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (
وقال ابن جرير : حدّثنا أحمد بنُ إبراهيم الدّورقيّ، حدّثنا عُبَيْدُ الله بنُ موسى ، حدّثنا إسرائيلُ ،
عن أبي يحيى، عن مُجاهد ، عن ابن عبّاس، قال: إنّ الرَّجُلَ ليُجَرُّ إلى النار، فَتَنْزَوي ويَنْقَبِضُ
بَعْضُها إلى بَعْض ، فيقول الرحمنُ : مالكِ ؟ فتقول : إنّه يَسْتَجِيرُ بك مِنِّي، فيقول : أرسلُوا عَبْدي ،
وإنّ الرَّجُلِ لَيَّجَرُّ إلى النار فيقول : يا رَبّ، ما كان هذا الظنَّ بِكَ، فيقول : فما كانَ ظنُّك ؟ فيقول :
أنْ تَسَعَني رَحْمتُك، فيقول: أرسلُوا عَبدي، وإِنَّ الرَّجُلَ لَيُجرّ إلى النّارِ، فَتَشْهِقُ إلَيْهِ النّارُ شُهُوقَ
البَغْلَةِ إلى الشَّعير، وتَزْفِرُ زَفْرَةٌ لا يَبْقَى أحَدٌ إلّا خافَ . إسناده صحيح .
وقال عبد الرزاق : حدّثنا مَعْمرٌ، عن منصور ، عن مجاهد ، عن عُبَيْد بن عُمَيْر ، قال : إنّ جَهنَّمَ
تَزْفِرُ زَفْرَةٌ لا يَبْقَى مَلَكٌ، ولا نَبِيِّ إلا خَرَّ، تُرْعَدُ فَرَائصه، حتَّى إنّ إبراهيم لَيَجْثُو على رُكْبَتَيْهِ،
ويقول : يا رَبّ ، لا أسْألُكَ اليومَ إلّ نَفْسي .
وقال في حديث الصُّور : ثم يأمر اللهُ جَهنَّم فَيَخْرُج مِنْها عُنُقٌ سَاطِعٌ مُظْلم ، ثم يقول تعالى :
* أَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَنَبَنِيّ ءَادَمَ أَن لَّا تَعْبُدُواْ الشَّيْطِنَّ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (٥) وَأَنِ أَعْبُدُونِيِّ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (
◌َ أَصْلَوْهَا الْيَّوْمَ بِمَا كُنْتُمْ
هَذِهِ، جَهَنَّمُ الَّتِى كُنْتُمْ تُوعَدُونَ النَّ
وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُرْ جِلًا كَثِيرًا أَفَمَ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ
تَكْفُرُونَ﴾ [ يس: ٦٠-٦٤]. وقال: ﴿ وَأَمْتَزُواْ أَلْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [ يس: ٥٩] فيَمِيزُ اللهُ بين الخلائق،
وتجْثُو الأمم، وذلك قوله تعالى: ﴿ وَتَرَى كُلّ أُمَِّ جَائِيَّةٌ كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَ إِلَى كِنَبِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوَّنَ مَا كُ تَعْمَلُونَ (٦) هَذَا كِتَبُنَا
يَطِقُ عَلَيْكُمْ بِآلْحَقِّ إِنَّا كُنََّ نَسْتَنْسِخُ مَا كُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٨ -٢٩].
ذكر الميزان
قال الله تعالى: ﴿ وَنَضَعُ الْمَوَزِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَمَةِ فَلَا نُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ
أَنَيْنَا بِهَأْ وَكَفَى بِنَا حَسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]. وقال تعالى: ﴿ فَمَن تَقُلَتْ مَوَزِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
وَمَنْ خَقَّتْ مَوَزِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوَاْ أَنْفُسَهُمْ فِ جَهَنَّمَ خَلِدُونَ﴾ [ المؤمنون: ١٠٢-١٠٣]. وقال تعالى:
﴿ وَأَلْوَزْنُ يَوْمَيِذٍ الْحَقّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (®] وَمَنْ خَفَّتْ مَوَزِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُم بِمَا
كَانُواْ بِئَايَِنَا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ٨ -٩]. وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَزِينُهُ ﴿ فَهُوَ فِى عِيشَةٍ
رَّاضِيَةٍ ﴿ وَأَمَّا مَنْ خَقَّتْ مَوَزِينُهٌُ ﴿ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ () وَمَآ أَدْرَنِكَ مَاهِيَهْ جَنَارٌّ حَامِيَةٌ﴾ [ القارعة: ٦ -
١١]. وقال تعالى: ﴿ قُلْ هَلْ نُنَُّهُ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَلا ◌َ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا
أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِثَايَتِ رَبِّهِمْ وَلِقَّابِهِ، فَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فَلَا تُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٥].
قال أبو عبد الله القرطبيّ : قال العلماء : إذا انقضى الحسابُ يوم القيامة كان بعده وَزْنُ الأعمال ،
لأن الوزن للجزاء ، فينبغي أن يكون بعد المحاسبة ، فإن المحاسبة لتقرير الأعمال والوزن لإظهار
٢٨٠
ذكر الميزان
مقاديرها ، ليكون الجَزَاءُ بِحَسبها ، قال: وقوله تعالى: ﴿ وَنَضَعُ الْمَوَزِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَمَةِ﴾ يحتمل أن
يكون ثَمَّ مَوَازينُ مُتعدّدة، توزنُ فيها الأعمال ، ويحتمل أن يكون المراد المَوْزونات ، فجُمع باعتبار
تَنَوّع الأعمال الموزونة ، والله أعلم .
بیان کون المیزان له کفتان حسيتان مشاهدتان
قال الإمام أحمد : حدّثنا إبراهيم بن إسحاق الطَّالقَانيّ، حدّثنا ابنُ المبارك، عن لَيْث بن سَعْد،
حدّثني عامر بن يحيى، عن أبي عبد الرحمن الْحُبُليّ، واسمه عبد الله بن يَزِيد ، سمعتُ عبد الله بن
عمرو، يقول: قال رسول الله ﴿ل: ((إنّ الله تعالى يستخلص رجلاً من أُمّتي على رؤوس الخلائق يوم
القيامة ، فيَنْشُر اللهُ عليه تِسعةً وتسعين سِجلاً، كلُّ سِجِلِّ مَدُّ البَصرِ ، ثم يقول له : أتنكرُ مِنْ هذا
شَيْئاً؟ أظلمكَ كَتَبتي الحافظون ؟ قال : لا ، يا رَبّ، فيقول الله: ألَكَ عُذْرٌ أوْ حَسَنةٌ؟ فيُبْهتُ
الرَّجُل ، فيقول : لا ، يا رَبّ، فيقول: بلى، إنَّ لك عندنا حسنة واحدة ، إنك لا تظلم ، أو قال :
لا ظلم عليك اليوم ، فتخرج له بطاقة فيها : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً عبده ورسوله ،
فيقول : أخضِرُوه، فيقول: يا رَبّ، ما هذه البطاقةُ مع هذه السِّجلات؟ فيقول: إنّك لا تُظْلم ))
قال: ((فتوضع السِّجلاتُ في كِفّةٍ، والبطاقةُ فِي كِفّةٍ)) قال: ((فَطَاشَت السِّجِلاَتُ، وَتَقُلتْ البطاقة ،
ولا يَعْتُّلُ شَيْءٌ [ مع ] اسم اللهِ الرّحْمنِ الرَّحيم )) وهكذا رواه الترمذيّ وابن ماجه وابن أبي الدنيا ، من
حديث الليثِ ، زاد الترمذي : وابن لهيعة - كلاهما - عن عامر بن يحيى ، به ، وقال الترمذيّ: حسن
غريب(١) .
سياق آخر [ لهذا الحديث ]
قال أحمد : حدّثنا قتيبةُ، حدّثنا ابنُ لهيعة، عن عمرو بن يحيى (٢)، عن أبي عبد الرحمن
الحُبُلي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله ﴿﴿ه: (( توضع الموازينُ يوم القيامة،
فِيُؤْنى بالرَّجُلِ فُيُوضَع في كِفّةٍ، فيوضع ما أُحصي عليه من أعماله فيَتَمايل به الميزان)) قال :
(١) رواه أحمد في المسند (٢١٣/٢) والترمذي رقم (٢٦٣٩) وابن ماجه رقم (٤٣٠٠) وهو حديث صحيح.
أقول : وفي هذا الحديث الشريف بشارة عظمى وفائدة كبرى ، وهي أن البطاقة التي فيها ( لا إله إلا الله وأن
محمداً عبده ورسوله ) ثقلت في الميزان ، ورجحت على سائر السجلات ، وهذا يدل على مدى قيمة هذه الكلمة
الطيبة ، وأنها تنجي قائلها من الخلود في النار يوم القيامة ، وأن توحيد الله عزَّ وجلَّ والاعتراف له بالوحدانية
ولمحمد# بالرسالة، هو الأصل الذي عليه تبنى جميع الأعمال، نسأل الله تعالى أن يختم حياتنا بهذه الكلمة
الطيبة والإيمان بها والعمل بمدلولها .
(٢) كذا في الأصول : عمرو بن يحيى ، والصواب عامر بن يحيى .