النص المفهرس
صفحات 441-460
٤٤١ وفيات سنة ٧٦٤هـ الشَّيخ ناصر الدين محمد(١) بن أحمد القُونوي الحنفي، خطيب جامع يَلْبُغَا، وصُلَِّ عليه عُقيب صلاة الظهر أيضاً، ودُفن بالصُّوفية، وقد باشر عوضه الخطابة والإمامة قاضي القضاة جمال الدين الكَفْري الحنفي . وفي عصر هذا اليوم توفي القاضي علاء الدين(٢) بن القاضي شرف الدين بن القاضي شمس الدين بن الشهاب محمود الحلبي ، أحد موقّعي الدست بدمشق ، وصُلِّيَ عليه يوم الأربعاء ودفن بالسفح . وفي يوم الجمعة الثالث والعشرين منه خطب قاضي القضاة جمال الدين الكفري الحنفي بجامع يَلْبُغَا عوضاً عن الشيخ ناصر الدين بن القُونوي رحمه الله تعالى ، وحضر عنده نائب السلطنة الأمير سيف الدين قَشْتَمُر ، وصلَّى معه قاضي القضاة تاج الدين الشَّافعي بالشباك الغربي القبلي منه، وحضر خلق من الأمراء والأعيان ، وكان يوماً مشهوداً ، وخطب ابن نُبَاتَةُ(٣) بأداءٍ حسنٍ وفصاحة بليغة ، هذا مع علم أنَّ كلَّ مركبٍ صعبٌ . وفي يوم السبت خامس عشر جمادى الآخرة توجه الشيخ شرف الدين(٤) القاضي الحنبلي إلى الديار المصرية بطلب الأمير سيف الدين يَلْبُغا في كتاب كتبه إليه يستدعيه ويستحثُّه في القدوم عليه . وفي يوم الثلاثاء ثاني شهر رجب سقط اثنان سُكَارئ من سطحِ بحارة اليهود ، أحدهما مسلم والآخر يهودي ، فمات المسلم من ساعته، وانقلعت عين اليهودي وانكسرت يده لعنه الله ، وحُمل إلى نائب السَّلطنة فلم يحر جواباً . ورجع الشيخ شرف الدين ابن قاضي الجبل بعدما قارب غزَّة لما بلغه من الوباء بالديار المصرية (٥) فعاد إلى القدس الشريف، ثم رَجَع إلى وطنه فأصَاب السُّنَّة٦ُ) ، وقد وردت كتب كثيرة تخبر بشدة الوباء (١) ترجمته في الذيل للحسيني ص (٣٦٩) والدرر الكامنة (٣٢٧/٣) وفيهما: الشهير بابن الرّبوة . والذيل التام (١٩٧/١) . ترجمته في الذيل للحسيني ص (٣٧٠) والدرر الكامنة (٣٣/٣). (٢) وهو : علي بن أبي بكر بن محمد بن الشيخ شهاب الدين محمود الحلبي . لعله أراد ديوان خطب ابن نباتة ، وهو محمد بن محمد بن محمد بن أبي الحسن بن صالح بن نباتة جمال الدين (٣) الشاعر المعروف المتوفى سنة (٧٦٨هـ) الدرر (٢١٧/٤) والنجوم الزاهرة (٩٥/١١). (٤) هو: أحمد بن قاضي الجبل. مات سنة (٧٧١)هـ الدارس (٤٤/٢). (٥) الذيل التام للسخاوي (١/ ١٩٣). يريد بذلك قول رسول الله وَلهو: الطاعون رجزٌ أرسل على طائفة من بني إسرائيل، أو على من كان قبلكم ، فإذا سمعتم به بأرض ، فلا تدخلوا عليه ، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها فراراً منه)) . (٦) رواه البخاري رقم (٣٢٨٦) في الأنبياء باب (٥٢) ورواه مسلم أيضاً رقم (٢٢١٨) في السلام ، باب : الطاعون والطّيرة والكهانة ونحوها ، من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه . ٤٤٢ وفيات سنة ٧٦٤هـ والطاعون بمصر، وأنه يضبط من أهلها في النهار نحو الألف، وأنّه مات جماعة ممَّن يُعرفون كولَدَيْ قاضي القضاة تاج الدين المُنَاوي، وكاتب الحكم ابن الفرات(١)، وأهل بيته أجمعين، فإنَّا لله وإنا إليه راجعون. وجاء الخبر في أواخر شهر رجب بموت جماعة بمصر ، منهم أبو حاتم٢ُ) ابن الشيخ بهاء الدين السُّبكي المصري بمصرَ ، وهو شاب لم يستكمل العشرين ، وقد درَّس بعدة جهات بمصر وخطب ، ففقده والدُه وتأسَّف النَّاس عليه وعزَّوا فيه عمَّه قاضي القضاة تاج الدين السُّبكي قاضي الشافعية بدمشق . وجاء الخبر بموت قاضي القضاة شهاب الدين أحمد(٣) الرباحي(٤) المالكي، وكان بحلب وليها مرتين، ثم عُزل فقصد مصر واستوطنها مدّة ليتمكن من السعي في العَودة ، فأدركته منيته في هذه السنة من الفناء وولدان له معه أيضاً . وفي يوم السبت سادس شعبان توجه نائب السلطنة في صحبة جمهور الأمراء إلى ناحية تَدْمُرَ لأجل الأعراب من أصحاب حيار(٥) بن مهنا ، ومن التفّ عليه منهم ، وقد دمّر بعضهم بلد تَدْمُرَ وحرّقوا كثيراً من أشجارها ، ورعَوْها وانتهبوا شيئاً كثيراً، وخرجوا من الطّاعة، وذلك بسبب قطع إقطاعاتهم وتملُّك أملاكهم والحيلولة عليهم ، فركب نائب السلطنة بمن معه كما ذكرنا ، لطردهم عن تلك الناحية ، وفي صحبتهم الأمير حمزة بن الخياط ، أحد أمراء الطبلخانات ، وقد كان حاجباً لحيار قبل ذلك ، فرجع عنه وأَلَّب عليه عند الأمير الكبير يَلْبُغا الخاصكي ، ووعدَه إن هو أمّرَه وكبّره أن يُظْفره بحيار وأن يأتيَه برأسه ، ففعل معه ذلك ، فقدم إلى دمشقَ ومعه مرسوم بركوب الجيش معه إلى حيار وأصحابه ، فساروا كما ذكرنا ، فوصلوا إلى تَدْمُر ، وهربت الأعراب من بين يدي نائب الشام يميناً وشمالاً ، ولم يواجهوه هيبة له ، ولكنهم يتحرَّفون على حمزة بن الخيّاط ، ثم بلغنا أنهم بيَّتوا الجيش فقتلوا منه طائفة وجرحوا آخرين وأسروا آخرين فإنا لله وإنا إليه راجعون (٦) . (١) هو : تقي الدين محمد بن أحمد بن الحسن بن محمد بن الفرات الحنفي، الذيل التام (١/ ١٩٧). (٢) ترجمته في الذيل التام (١/ ١٩٥). وفيه: أبو حاتم محمد بن الإمام البهاء أبي حامد أحمد بن شيخ الإسلام التقي علي السُّبكي . ترجمته في: الذيل للحسيني ص (٣٦٢) والدرر الكامنة (٣٢٧/١) والذيل التام (١٩٨/١). (٣) وهو : أحمد بن ياسين بن محمد الرباحي ، وهو أول من ولّي قضاء بحلب . (٤) في ط : الرُّباجي بالجيم . وأثبتنا ما في مصادر ترجمته . في ط : خيار ومضى الحديث فيه . (٥) (٦) ابن خلدون (٤٣٩/٥) . ٤٤٣ وفيات سنة ٧٦٤هـ سلطنة الملك الأشرف ناصر الدين : شعبان بن حسن بن الملك الناصر محمد بن قلاوون في يوم الثلاثاء خامس عشر شعبان . لما كان عشية السبت تاسعَ عشرَ شعبان من هذه السنة - أعني سنة أربع وستين وسبعمئة - قدم أمير من الديار المصرية فنزل بالقصر الأبلق ، وأخبر بزوال مملكة الملك المنصور بن المظفر حاجي ابن الملك الناصر محمد بن قلاوون، و[ أنه }١) مسك واعتقل. وبُويع للملك الأشرف شعبان بن حسين الناصر بن المنصور قلاوون ، وله من العمر قريب العشرين ، فدُقَّت البشائر بالقلعة المنصورة ، وأصبح الناس يوم الأحد في الزينة . وأخبرني قاضي القضاة تاج الدين والصاحب بدر الدين ماجد ناظر الدواوين ، أنه لما كان يوم الثلاثاء الخامسَ عشرَ من شعبان عُزل الملك المنصور وأُودع منزله وأُجلس الملك الأشرف ناصر الدين شعبان على سرير الملك ، وبُويع لذلك(٢). وقد وقع رعد في هذا اليوم ومطر كثير ، وجرت المزاريب ، فصار غدراناً في الطرقات ، وذلك في خامس حزيران ، فتعجب الناس من ذلك . هذا وقد وقع وباء في مصر في أول شعبان ، فتزايد وجمهوره في اليهود ، وقد وصلوا إلى الخمسين في كل يوم وبالله المستعان . وفي يوم الإثنين سابعه اشتهر الخبر عن الجيش بأن الأعراب اعترضوا التجريدة القاصدين إلى الرّحبة وواقفوهم وقتلوا منهم ونهبوا وجرحوا ، وقد سار البريد خلف النائب والأمراء ليقدموا إلى البلد لأجل البيعة للسلطان الجديد جعله الله مباركاً على المسلمين ، ثم قدم جماعة من الأمراء المنهزمين من الأعراب في أسوأ حال وذلّة ، ثم جاء البريد من الديار المصرية بردهم إلى العسكر الذي مع نائب السَّلطنة على تَدْمُرَ ، متوعدين بأنواع العقوبات ، وقطع الإقطاعات . وفي شهر رمضان تفاقم الحال بسبب الطاعون فإنا لله وإنا إليه راجعون ، وجمهوره في اليهود لعله قد فُقد منهم من مستهل شعبان إلى مستهل رمضان نحو الألف نسمة خبيثة ، كما أخبرني بذلك القاضي صلاح الدين الصفدي وكيل بيت المال ، ثم كثر ذلك فيهم في شهر رمضان جداً ، وعدة العدة من المسلمين والذّمة بالثمانين . وفي يوم السبت حادي عشره صلَّينا بعد الظهر على (١) زيادة يقتضيها السياق . (٢) الذيل للحسيني ص (٣٥٨) والذيل التام (١/ ١٩٤). ٤٤٤ وفيات سنة ٧٦٤هـ الشيخ المعمَّر الصَّدر بدر الدين محمد(١) بن [ أحمد ]٢) الزقَّاق(٣) المعروف بابن الجوخي(٤). وعلى الشيخ صلاح الدّين محمد(٥) بن شاكر الكتبي(٦)، تفرد في صناعته وجمع تاريخ٧ً) مفيداً نحواً من عشرة مجلدات ، وكان يحفظ ويذاكر ويفيد - رحمه الله وسامحه ـ انتهى . وفاة الخطيب جمال الدين محمود(٨) بن جملة ومباشرة تاج الدّين بعده : كانت وفاته يوم الإثنين بعد الظهر قريباً من العصر ، فصلَّى بالناس بالمحراب صلاة العصر قاضي القضاة تاج الدين السُّبكي الشافعي عوضاً عنه، وصلَّى بالناس الصبح أيضاً ، وقرأ بآخر المائدة من قوله : يَوْمَ يَجْمَعُ اَللَّهُ الرُّسُلَ﴾ [المائدة: ١٠٩ ] ثم لمّا طلعت الشمس، وزال وقت الكراهة صُلِّي على الخطيب جمال الدين عند باب الخطابة ، وكان الجمع في الجامع كثيراً ، وخرج بجنازته من باب البريد ، وخرج معه طائفةٌ من العوام وغيرهم ، وقد حضر جنازته بالصَّالحية على ما ذكر جمٌّ غفير وخلقٌ كثير ، ونال قاضي القضاة الشافعيَّ من بعض الجهلة إساءةُ أدبٍ ، فأُخذ منهم جماعة وأدِّبُوا ، وحضر هو بنفسه صلاة الظهر يومئذ ، وكذا باشر الظهر والعصر في بقية الأيام ، يأتي للجامع في محفل من الفقهاء والأعيان وغيرهم ، ذهاباً وإياباً ، وخطب عنه يوم الجمعة الشيخ جمال الدين ابن قاضي القضاة ، ومُنع تاج الدين من المباشرة ، حتى يأتي التشريف . وفي يوم الإثنين بعد العصر صُلِّي على الشيخ شهاب الدين أحمد (٩) بن عبد الرحمنُ(١٠) البَعْلبكيّ، ترجمته في الذيل للحسيني ص (٣٦١) والدرر الكامنة (٢٥٠/١). (١) (٢) زيادة من مصادر ترجمته . (٣) في ط : الزّقاق . (٤) في ط : الجوجي . ترجمته في : الذيل للحسيني ص (٣٦٩) والوفيات لابن رافع (٢٦٣/٢) والدرر الكامنة (٤٥١/٣) والذيل التام (٥) (١٩٩/١ - ٢٠٠). (٦) في ط : الليثي وهو تحريف . سمّاه : عيون التواريخ ، يقع في ستة مجلدات . كشف الظنون (١١٨٥/٢) قلت : وهو يصدر اليوم عن وزارة (٧) الإعلام العراقية ، سلسلة كتب التراث . وهو صاحب الكتاب المفيد : فوات الوفيات استدرك فيه ما فات ابن خلكان في وفيات الأعيان وزاد عليه . (٨) ترجمته في الذيل للحسيني ص (٣٦٧) وطبقات الشافعية للسبكي (١٠ /٣٨٥) والوفيات لابن رافع (٢٦٥/٢) والدرر الكامنة (٣٢٢/٤) والذيل التام (١٩٦/١). (٩) ترجمته في الذيل للحسيني ص (٣٦٣) وطبقات الشافعية (١٧٤/٥) والوفيات لابن رافع (٢٦٦/٢) والدرر الكامنة (١١٥/١). (١٠) في ط : عبد الله . وأثبتنا ما في مصادر ترجمته . واسم أبيه (بَلَبَان) كما في الذيل. ثم تسمّى بعبد الرحمن ، وتسمّى جده بعبد الرحيم تفادياً بذلك عن أسماء الموالي. ٤٤٥ وفيات سنة ٧٦٤هـ المعروف بابن النقيب ، ودُفن بالصوفية وقد قارب السبعين وجاوزها . وكان بارعاً في القراءات والنَّحو والتَّصريف والعربية ، وله يد في الفقه وغير ذلك، وولّي مكانه مشيخة الإقراء بأمِّ الصَّالح شمس الدين محمد بن اللََّالُ(١)، وبالتُّربة الأشرفية الشيخ أمين الدين عبد الوهاب بن السلاَ(٢). وقدم نائب السلطنة من ناحية الرحبة وتدمر وفي صحبته الجيش الذين كانوا معه بسبب محاربته إلى أولاد مهنا وذويهم من الأعراب في يوم الأربعاء سادس شوال . وفي ليلة الأحد عاشره توفي الشيخ صلاح الدين خليل (٣) بن أَيْبَك، وكيل بيت المال، وموقع الدست ، وصُلّيَ عليه صبيحة الأحد بالجامع ، ودُفن بالصوفية ، وقد كتب الكثير من التاريخ واللغة والأدب ، وله الأشعار الفائقة ، والفنون المتنوعة ، وجمع وصنّف وألف ، وكتب ما يقارب مئتين من المجلدات . وفي يوم السبت عاشره جُمع القضاة والأعيان بدار السعادة وكتبوا خطوطهم بالرِّضى بخطابة قاضي القضاة تاج الدين السُّبكي بالجامع الأموي ، وكاتب نائب السلطنة في ذلك . وفي يوم الأحد حادي عشره استقرّ عزل نائب السلطنة سيف الدين قَشْتَمُر عن نيابة دمشق وأمر بالمسير إلى نيابة صَفَد فأنزل أهله بدار طَيْبُغا حجي من الشّرف الأعلى ، وبرز هو إلى سطح المزّة ذاهباً إلى ناحية صفد (٤). وخرج المحمل صحبة الحجيج وهم جم غفير وخلق كثير يوم الخميس رابع عشر شوال . وفي يوم الخميس الحادي والعشرين من شوال توفي القاضي أمين الدين(٥) أبو حيّان ابن أخي قاضي القضاة تاج الدين المسلاتي المالكي وزوج ابنته ونائبه في الحكم مطلقاً وفي القضاء والتدريس في غيبته ، فعاجلته المنية . ومن غريب ما وقع في أواخر هذا الشهر أنّه اشتُهر بين النّساء وكثير من العوام أنّ رجلاً رأى مناماً فيه : (١) الدارس (٣٦٤/١) . (٢) الدارس (٢٩٨/٢). ترجمته في الذيل للحسيني ص (٣٦٤) وطبقات الشافعية (٩٤/٦) والوفيات لابن رافع (٢٦٨/٢ - ٢٦٩) والدرر (٣) الكامنة (٨٧/٢) والنجوم الزاهرة (١٩/١١) والذيل التام (١٩٨/١ -١٩٩) وفيه: وهو صاحب الوافي بالوفيات وهو على حروف المعجم في نحو ثلاثين مجلدة . اهـ . (٤) الذيل للحسيني (٣٦١) والذيل التام (١٩٤/١ - ١٩٥). ترجمته في: الذيل للحسيني ص (٣٦٦) والوفيات لابن رافع (٢٧٣/٢) والدرر الكامنة (١٧/٤) والذيل التام (٥) (١٩٧/١) . وهو : أمين الدين أبو حيّان محمد بن عبد العزيز بن عبد الرحيم السُّلمي المَسَلاَّتي الشافعي ثم المالكي. ٤٤٦ وفيات سنة ٧٦٤ هـ أنه رأى النبي وَلّ عند شجرة توتة عند مسجد ضِرَارُ(١) خارج باب شرقي فتبادر النساء إلى تخليق (٢) تلك التوتة ، وأخذوا أوراقها للاستشفاء من الوباء ، ولكن لم يظهر صدق ذلك المنام ، ولا يصح عمن يرويه . وفي يوم الجمعة سابع شهر ذي القعدة خطب بجامع دمشق قاضي القضاة تاج الدين السُّبكي خطبة بليغة فصيحة أدَّاها أداءً حسناً ، وقد كان يُحسنُّ من طائفة من العوام أن يشوشوا فلم يتكلم أحد منهم بل ضجوا عند الموعظة وغيرها ، وأعجبهم الخطيب وخطبته وأداؤه وتبليغه ومهابته ، واستمر يخطب هو بنفسه . وفي يوم الثلاثاء ثامن عشرة توفي الصاحب تقي الدين سُليمانٌ(٣) بن مَرَاجِل ناظر الجامع الأموي وغيره ، وقد باشر نظر الجامع في أيام تَنْكِز، وعمر الجانب الغربي من الحائط القبلي ، وكمَّل رخامه كله ، وفتق محراباً للحنفيّة في الحائط القبلي ، ومحراباً للحنابلة فيه أيضاً في غربيه ، وأثر أشياء كثيرة فيه ، وكانت له همَّة ، ويُنسب إلى أمانةٍ وصرامةٍ ومباشرة مشكورة مشهورة، ودُفن بتربة أنشأها تجاه داره بالقُبَيْبَات رحمه الله ، وقد جاوز الثمانين. وفي يوم الأربعاء تاسع عشره توفّي الشيخ بهاء الدّين عبد الوهاب(٤) الإخميمي المِصْري ، إمام مسجد دَرْب الحَجَر(٥) وصُلِّيَ عليه بعد العصر بالجامع الأموي، ودُفن بزاوية ابن السََّّاجُ(٦) عند الطُّيوريينُ(٧) بزاوية لبعض الفقراء الخزنة هناك ، وقد كان له يد في أصول الفقه، وصنَّ في اللام كتابٌ(٨) مشتملاً على أشياء مقبولة وغير مقبولة انتهى . دخول نائب السلطنة مَنْكُلي بُغَا : في يوم الخميس السابع والعشرين من ذي القعدة دخل نائب السلطنة مَنْكلي بُغا من حلب إلى دمشقَ (١) هو: ضرار بن الأزور مالك بن أوس بن خزيمة بن ربيعة بن مالك بن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة الأسدي . مات سنة (١٣ هـ) وقيل غير ذلك . مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر لابن منظور (١٥٣/١١). ((التَّخليق)) : التَّطييب بالخلوق . (٢) ترجمته في الذيل للحسيني ص (٣٦٥). والوفيات لابن رافع (٢٧٨/٢) والدرر الكامنة (١٥٩/٢) والنجوم الزاهرة (٣) (١٨/١١). وهو : سليمان بن علي بن عبد الرحيم بن مراجل الدمشقي . (٤) ترجمته في الذيل للحسيني ص (٣٦٥) والدرر الكامنة (٤٢٥/٢) والذيل التام (١٩٦/١). الدارس (٣١٨/٢) وهناك في درب الحجر أكثر من مسجد . (٥) في ط : بقصر ابن الحلاج وأثبتنا ما في الذيل للحسيني والدارس (٢٨٩/٢) نقلا عن الحسينى أيضاً . (٦) عند الصَّاغة العتيقة . (٧) (٨) هو : المنقذ من الزّلل في القول والعمل . الذيل للحسيني الذيل التام. ٤٤٧ أحداث سنة ٧٦٥هـ نائباً عليها في تجمُّل هائل ، ولكنَّه مستمرض في بدنه بسبب ما كان ناله من التَّعب في مصابرة الأعراب ، فنزل دار السعادة على العادة (١) . وفي يوم الإثنين مستهل ذي الحجّة خُلع على قاضي القضاة تاج الدين السُّبكي الشافعي للخطابة بجامع دمشق ، واستمر على ما كان عليه يخطب بنفسه كل جمعة . وفي يوم الثلاثاء ثانيه قدم القاضي فتح الدِّينُ(٢) بن الشهيد ولبس الخلعة وراح الناس لتهنئته وفي يوم الخميس حضر القاضي فتح الدين بن الشّهيد كاتب السر مشيخة السُّمَيْسَاطية ، وحضر عنده القضاة والأعيان بعد الظهر ، وخلع عليه لذلك أيضاً ، وحضر فيها من الغد على العادة . وخُلع في هذا اليوم على وكيل بيت المال الشيخ جمال الدين بن الرُّهاوي(٣) ، وعلى الشيخ شهاب الدين الزهري(٤) بفُتيا دار العدل ، انتهى . ثم دخلت سنة خمس وستين وسبعمئة استهلّت هذه السنة وسلطان الديار المصرية والشامية والحرمين وما يتبع ذلك الملك الأشرف ناصر الدين شَعْبان بن حُسين بن السلطان الملك الناصر محمد بن المنصور قلاوون الصالحي ، وهو في عمر عشر سنين . ومدبّر الممالك بين يديه الأمير الكبير نظام الملك سيف الدين يَلْبُغَا الخَاصْكي . وقضاة مصرهم المذكورون في السنة التي قبلها ، ووزيرها فخر الدين بن قَرَوِيْنَة ، ونائب دمشق الأمير سيف الدين مَنْكُلي بُغَا الشَّمسي ، وهو مشكور السيرة . وقضاتها هم المذكورون في السنة التي قبلها ، وناظر الدواوين بها الصاحب سعد الدين ماجد ، وناظر الجيش علم الدين داود ، وكاتب السر القاضي فتح الدين بن الشهيد ، ووكيل بيت المال القاضي جمال الدين بن الزُّهاوي . (١) الذيل للحسيني ص (٣٦١) الذيل التام (١/ ١٩٤). (٢) هو : محمد بن إبراهيم بن محمد النابلسي الأصل الشافعي الرئيس . فتح الدين أبو الفتح بن الشهيد قتل بسيف السلطان في مصر سنة (٧٩٣)هـ. الدرر الكامنة (٢٩٦/٣) الدارس (١٥٩/١) الذّيل التام (٣٦٢/١) وفيه: وكذا مات فيها كل من أخويه شمس الدين محمد ونجم الدين محمد ودفنوا في قبر واحد بعد الشّتات الطويل . (٣) هو القاضى جمال الدين أحمد بن محمد بن أحمد بن عمر بن إلياس بن الخضر الدمشقي المعروف بابن الرُّهاويّ الشافعي مات سنة (٧٧٧)هـ الدارس (٢٨٥/١) شذرات الذهب (٢٥٠/٦). (٤) هو : أحمد بن صالح بن أحمد بن خطاب البقاعي الأصل الدمشقي ، شهاب الدين الزّهري الفقيه الشافعي ، مات سنة (٧٩٥) هـ. الدارس (١/ ٣٧٠) شذرات الذهب (٣٣٨/٦). ٤٤٨ وفيات سنة ٧٦٥هـ استهلَّت هذه السنة وداء الفناء موجود في الناس ، إلا أنه خفَّ وقلَّ ولله الحمد . وفي يوم السبت توجه قاضي القضاة - وكان بهاء الدين أبو البقاء السُّبكي - إلى الديار المصرية مطلوباً من جهة الأمير يَلْبُغَا وفي الكتاب إجابته له إلى مسائل ، وتوجّه بعده قاضي القضاة تاج الدين الحاكم بدمشق وخطيبُها يوم الإثنين الرابعَ عشرَ من المحرم ، على خيل البريد ، وتوجَّه بعدهما الشيخ شرف الدين ابن قاضي الجبل الحنبلي، مطلوباً إلى الديار المصرية، وكذلك توجه الشيخ زين الدين المنفلوطي مطلوباً. وتوفي في العشر الأوسط من المحرّم صاحبُنا الشيخ شمس الدين(١) بن العطّار الشافعي ، كان لديه فضيلة واشتغال ، وله فهم ، وعلق بخطه فوائد جيدة ، وكان إماماً بالسّجن من مشهد علي بن الحسين بجامع دمشقَ ، ومصدّراً بالجامع ، وفقيهاً بالمدارس ، وله مدرسة الحديث الوادعية ، وجاوز الخمسين بسنوات ، ولم يتزوج قط . وقدم الركب الشامي إلى دمشق في اليوم الرابع والعشرين من المحرم ، وهم شاكرون مثنون في كل خير بهذه السنة أمناً ورخصاً ولله الحمد . وفي يوم الأحد حاديْ عشَرَ صفر درَّس بالمدرسة الفتحية (٢) صاحبنا الشيخ عماد الدين إسماعيل ابن خليفة الشافعي ، وحضر عنده جماعة من الأعيان والفضلاء ، وأخذ في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ عِذَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ [التوبة: ٣٦]. وفي يوم الخميس خامس عشره نودي في البلد على أهل الذمة بإلزامهم بالصَّغار وتصغير العمائم ، وأن لا يستخدموا في شيء من الأعمال ، وأن لا يركبوا الخيل ولا البغال ، ويركبون الحمير بالأكف بالعرض ، وأن يكون في رقابهم ورقاب نسائهم في الحمَّامات أجراس ، وأن يكون أحد النعلين أسود مخالفاً للون الأخرى ، ففرح بذلك المسلمون ودعَوا للآمر بذلك . وفي يوم الأحد ثالث ربيع الأول قدم قاضي القضاة تاج الدين من الديار المصرية مستمراً على القضاء والخطابة ، فتلقّاه الناس وهنؤوه بالعَود والسلامة . وفي يوم الخميس سابعه لبس القاضي الصاحب البهنسي الخلعة لنظر الدواوين بدمشق ، وهنأه الناس ، وباشر بصرامته واستعمل في غالب الجهات من أبناء السبيل . وفي يوم الإثنين حادي عشره ركب قاضي القضاة بدر الدين (٣) بن الفتح على خيل البريد إلى الديار لم أقع على ترجمته فیما بين يديّ من المصادر . (١) الدارس (٤٢٩/١) مدرسة للشافعية، وهو : إسماعيل بن خليفة بن عبد الغالب الحسباني. (٢) (٣) هو: محمد بن محمد بن عبد اللطيف السُّبكي، مات سنة (٧٧١) هـ الذيل التام (٢٤٢/١). ٤٤٩ وفيات سنة ٧٦٥هـ المصرية لتوليه قضاء قضاة الشافعية بدمشق، وعن رضى من خاله قاضى القضاة تاج الدين ونزوله عن ذلك . وفي يوم الخميس خامس ربيع الأول احترقت الباسورة التي ظاهر باب الفرج على الجسر ، ونال حجارة الباب شيء من حريقها فاتسعت ، وقد حضر طفيها نائب السلطنة والحاجب الكبير ، ونائب القلعة والولاة وغيرهم . وفي صبيحة هذا اليوم زاد النهر زيادة عظيمة بسبب كثرة الأمطار وذلك في أوائل كانون الثاني ، وركب الماء سوق الخيل بكماله ، ووصل إلى ظاهر باب الفراديس ، وتلك النواحي ، وكسر جسر الخشب الذي عند جامع يَلْبُغا ، وجاء فصدم به جسر الزلابية فكسره أيضاً . وفي يوم الخميس ثاني عشره صُرف حاجب الحجَّاب قُمَاري (١) عن المباشرة بدار السعادة ، وأخذت القضاة من يده وانصرف إلى داره في أقل من الناس ، واستبشر بذلك كثير من الناس ، لكثرة ما كان يفتئت على الأحكام الشرعية . وفي أواخره اشتهر موتُ القاضي تاج الدين(٢) المُنَاوي بديار مصر وولاية قاضي القضاة بهاء الدين بن أبي البقاء السُّبكي مكانه بقضاء العساكر بها ، ووكالة السلطان أيضاً ، ورتَّب له مع ذلك كفايته . وتولَّى في هذه الأيام الشيخ سراج الدين البُلْقيني إفتاء دار العدل مع الشيخ بهاء الدين أحمد ابن قاضي القضاة الشُّبكي بالشام ، وقد ولَّى هو أيضاً القضاء بالشام كما تقدم ، ثم عاد إلى مصر موفّراً مكرّماً وعاد أخوه تاج الدين إلى الشام ، وكذلك وَلَّوْا مع البُلْقيني إفتاء دار العدل الحنفي ( شيخاً) يقال له الشيخ شمس الدين بن الصائغ ، وهو مفتٍ حنفي أيضا٣ً) . وفي يوم الإثنين سابع ربيع الأول توفّي الشيخ نور الدّين(٤) محمد بن الشيخ أبي بكر [ بن محمد بن ٥) قوّام بزاويتهم(٦) بسفح جبل (١) هو قماري الحموي . ترجمته في الوفيات لابن رافع (٢٨٣/٢) والدرر الكامنة (٣٨٠/٣) والنجوم الزاهرة (٨٥/١١) والذيل التام (٢) (٢٠٢/١). وهو : محمد بن إسحاق بن إبراهيم السُّلَمي المُنَاويّ الشافعي . (٣) الذيل التام (١/ ٢٠١) . ترجمته في الوفيات لابن رافع (٢٨٥/٢) وفيه: وفاته في ليلة الإثنين مستهل جمادى الأولى والدرر الكامنة (٤) (٤٠٩/٣) وفيه : البالسي ثم الصالحي . (٥) ما بين الحاصرتين استدركناه من مصادر ترجمته . الزاوية القوامية البالسية . (٦) ٤٥٠ وفيات سنة ٧٦٥هـ قاسيون ، وغدا الناس إلى جنازته ، وقد كان من العلماء الفضلاء الفقهاء بمذهب الشافعي ، درَّس بالناصرية البرّانية مدَّة سنين بعد أبيه، وبالرّباط الدويداري(١) داخل باب الفرج، وكان يحضر المدارس ، ونزل عندنا بالمدرسة النَّجيبية ، وكان يحبُّ السُّنَّة ويفهمها جيداً رحمه الله . وفي مستهل جمادى الأولى وُلِّي قاضي القضاة تاج الدين(٢) الشافعي مشيخة دار الحديث بالمدرسة التي فُتح بدرب القَلي (٣)، وكانت داراً لواقفها جمال الدين عبد الله بن محمد بن عيسى التدمري ، الذي كان أستاذاً للأمير طاز ، وجعل فيها درساً للحنابلة ، وجعل المدرس لهم الشيخ برهان الدين إبراهيم ابن قيّم الجَوْزية(٤) ، وحضر الدرس وحضر عنده بعض الحنابلة الدرس ، ثم جرت أمور يطول بسطها . واستحضر نائب السلطنة شهود الحنابلة بالدَّرس ، واستفرد كُلاَّ منهم وسألهم كيف شهد في أصل الكتاب - المحضر - الذي أثبتوا عليهم ، فاضطربوا في الشهادات فضُبط ذلك عليهم ، وفيه مخالفة كبيرة لما شهدوا له في أصل المحضر ، وشنَّع عليهم كثير من الناس ، ثم ظهرت ديون كثيرة لبيت طاز على جمال الدين التَّدمري الواقف ، وطلب من القاضي المالكي أن يحكم بإبطال ما حكم به الحنبلي ، فتوقف في ذلك . وفي يوم الإثنين الحادي والعشرين منه ، قرىء كتاب السلطان بصرف الوكلاء من أبواب القضاة الأربعة فصرفوا . وفي شهر جمادى الآخرة توفي الشيخ شمس الدين(٥) شيخ الحنابلة بالصالحية ويعرف بالتَّتريّ(٦) يوم الخميس ثامنه(٧) ، صليّ عليه بالجامع المظفَّري بعد العصر ودفن بالسفح وقد قارب الثمانين . وفي الرابعَ عشرَ منه عُقد بدار السعادة مجلس حافل اجتمع فيه القضاة الأربعة وجماعة من المفتين ، الدارس (٧١/١ و١٢١). (١) (٢) هو عبد الوهاب السُّبكي . في ط : درب القبلي. وأثبتنا ما في الدارس (٣٣٠/٢). (٣) هو إبراهيم بن محمد بن أبي بكر بن أيوب بن قيم الجوزية مات سنة (٧٦٧) هـ الدرر الكامنة (١ /٥٨) والدارس (٤) (٨٩/٢) . (٥) ترجمته في الوفيات لابن رافع (٢٨٦/٢ - ٢٨٧) والدرر الكامنة (٣٣٦/٢) والذيل التام (٢٠٤/١) وشذرات الذهب (٢٠٦/٦) . وهو كما جاء في ((الذيل التام)»: أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن أبي الفرج عبد الرحمن بن أبي عمر المقدسي الحنبلي . في ط : البيري وهو تحريف، وما أثبتناه هو الصواب، وذلك أنه أسر سنة قازان (٦٩٩) هـ بيد التتار ، وعاد فيما بعد . (٦) (٧) في الوفيات لابن رافع : ثانيه . ٤٥١ وفيات سنة ٧٦٥هـ وطلبتُ فحضرتُ معهم بسبب المدرسة التَّدمرية ، وقرابة الواقف ودعواهم ، أنه وقف عليهم الثلث ، فوقف الحنبلي في أمرهم عن ذلك أشد الدفاع . وفي العشر الأول من رجب وُجد جراد كثير منتشر ، ثم تزايد وتراكم وتضاعف وتفاقم الأمر بسببه ، وسدَّ الأرض كثرةً وعاثَ يميناً وشمالاً ، وأفسد شيئاً كثيراً من الكروم والمقاثىء والزُّروعات النفيسة ، وأتلف للناس شيئاً كثيراً(١) ، فإنا لله وإنا إليه راجعون . وفي يوم الإثنين ثالث شعبان توجه القضاة ووكيل بيت المال إلى باب كَيْسان فوقفوا عليه وعلى هيئته ومن نية نائب السلطنة فتحه ليتفرَّج النَّاسُ به . وعدم للناس غلات كثيرة وأشياء من أنواع الزروع بسبب كثرة الجراد ، فإنا لله وإنا إليه راجعون . فتح باب كَيْسَانُ(٢) بعد غلقه نحواً من مئتي سنة : وفي يوم الأربعاء السادس والعشرين من شعبان اجتمع نائب السلطنة والقضاة عند باب كَيْسان ، وشرع الصُّنَّاع في فتحه عن مرسوم السلطان الوارد من الديار المصرية ، وأمر نائب السلطنة وإذن القضاة في ذلك واستُهلَّ رمضان وهم في العمل فيه . وفي العشر الأخير من شعبان توفي الشّريف شمس الدين محمد(٣) بن علي بن الحسن بن حمزة الحُسَيْني(٤) المحدِّث المحصّل، المؤلِّف الأشياء مهمّة في الحديث(٥) قرأ وسمع وجمع وكتب أسماء الرجال بـ(( مسند)) الإمام أحمد ، واختصر كتابا٦ً) في أسماء الرجال مفيداً ، وولي مشيخة الحديث التي وقفها في داره بهاء الدين القاسم بن عساكر(٧) ، داخل باب توما . وخُتِمَت البُخاريَّات في آخر شهر رمضان . (١) الذيل التام (٢٠٢/١) . (٢) الذيل التام (١/ ٢٠١). وكَيْسان له صحبة، وقيل: كان يتجّر في الخمر في زمن النبي بََّ، فلما حَرُمت الخمر نهاه النبي ◌َِّ عن ذلك، وذكر فيمن نزل حمص من أصحاب رسول الله وَّير وولده بدمشق وقيل : توفي بحمص ترجمته في مختصر تاريخ دمشق لابن منظور (٢٢٨/٢١) . وباب کیْسان مكان كنيسة بولس في دمشق . (٣) ترجمته في الوفيات لابن رافع (٢/ ٢٩٠) والدرر الكامنة (٦١/٤) والذيل التام (٢٠٥/١) وفيه : صاحب الذيل على العبر ، وطبقات الحفاظ . .(٤) في ط : الحسني . (٥) اختصر الأطراف ورتبها على الحروف . اختصر تهذيب الكمال للمزي . (٦) هي دار الحديث البهائيّة ، وقد كان الواقف طبيباً بارعاً، كثير الصدقات . وقد سبق ذكره فى وفيات سنة (٧٢٣)هـ . (٧) ٤٥٢ وفيات سنة ٧٦٥هـ ووقع بين الشيخ عماد الدين بن السراج قارىء البخاري عند محراب الصحابة ، وبين الشيخ بدر الدين بن الشيخ جمال الدين الشُّريشي، وتهاترا على رؤوس الأشهاد بسبب لفظة (( يبتز)) بمعنى يدَّخر، وفي نسخة يتير، فحكى ابن السرّاج عن الحافظ المزي أن الصواب ((يبتز)) من قول العرب: عزَّ بز(١) وصدق في ذلك ، فكأن منازعَه خطَّأَ ابنَ المِزِّي ، فانتصر الآخر للحافظ المزِّي ، فقاد منه بالقول ، ثم قام والده الشيخ جمال الدين المشار إليه فكشف رأسه على طريقة الصوفية ، فكأن ابن السَّرَّاج لم يلتفت إليه ، وتدافعوا إلى القاضي الشافعي فانتصر للحافظ المزِّي ، وجرت أمور ثم اصطلحوا غير مرة ، وعزم أولئك على كتْبِ محضرٍ على ابن السراج ، ثم انطفأت تلك الشرور . وكثر الموت في أثناء شهر رمضان وقاربت العدة مئة ، وربما جاوزت المئة ، وربما كانت أقل منها وهو الغالب ، ومات جماعة من الأصحاب والمعارف ، فإنا لله وإنا إليه راجعون . وكثر الجراد في البساتين ، وعظُم الخطب بسببه ، وأتلف شيئاً كثيراً من الغلات والثمار والخضراوات ، وغلت الأسعار وقلت الثمار ، وارتفعت قيم الأشياء فبيع الدبس بما فوق المئتين القنطار ، والرز بأزيد من ذلك ، وتكامل فتح باب كَيْسان وسموه الباب القبلي ، ووضع الجسر منه إلى الطريق السالكة ، وعرضه أزيد من عشرة أذرع بالنجاري لأجل عمل الباسورة جنبتيه ، ودخلت المارة عليه من المشاة والركبان ، وجاء في غاية الحسن ، وسلك الناس في حارات اليهود ، وانكشف دَخَلُهم وأمِنَ النَّاسُ من دخنهم وغشهم ومكرهم وخبثهم ، وانفرج الناس بهذا الباب المبارك . واستهل شوال والجراد قد أتلف شيئاً كثيراً من البلاد ، ورعى الخضراوات والأشجار ، وأوسع أهل الشام في الفساد ، وغلت الأسعار ، واستمرّ الفناء وكثر الضجيج والبكاء ، وفقدنا كثيراً من الأصحاب والأصدقاء ، فلان مات . وقد تناقص الفناء في هذه المدة وقلَّ الوقع وتناقص للخمسين وفي شهر ذي القعدة تقاصر الفناء ولله الحمد ، ونزل العدد إلى العشرين فما حولها . وفي رابعه دخل بالفيل والزّرافة إلى مدينة دمشقَ من القاهرة ، فأنزل في الميدان الأخضر قريباً من القصر الأبلق ، وذهب الناس للنَّظر إليهما على العادة . وفي يوم الجمعة تاسعه صُلِّي على الشيخ جمال الدين عبد الصمد(٢) بن خليل البغدادي، المعروف بابن الخُضَري ، محدِّث بغدادَ وواعظها ، كان من أهل السُّنَّة والجماعة رحمه الله انتهى . (١) في ط: يز، وهو تحريف . وهو إشارة إلى المثل القائل: من عزَّ بزَّ ، أي من غلب سلب. ترجمته في الوفيات لابن رافع (٢٩٣/٢) ووفاته فيه : في شهر رمضان والدرر الكامنة (٢/ ٣٦٧) وفيه : يعرف بابن الحصري ، وذيل طبقات الحنابلة (٢/ ٤١٣) والذيل التام (١ / ٢٠٤) وفيه أيضاً : وفي رمضان ببغداد. (٢) ٤٥٣ أحداث سنة ٧٦٦هـ تجديد خُطبة ثانية (١) داخل سورُ دمشق منذ فتوح الشام : اتّفق ذلك في يوم الجمعة الثالث ، ثم تبين أنه الرابع والعشرين من ذي القعدة من هذه السنة بالجامع الذي جَدَّد بناءه نائب الشام سيف الدين مَنْكُلِي بُغًا ، بدرب البَيَّاعة(٢) قبلي مسجد درب الحجر، داخل باب كَيْسان المجدَّد فتحُه في هذا الحين كما تقدَّم، وهو معروف عند العامة بمسجد الشَّهر زُوري(٣)، وإنما هو في (( تاريخ)) ابن عساكر مسجد الشهرزوري، وكان المسجد رثَّ الهيئة، قد تقادم عهده مدة دهر، وهُجر فلا يدخله أحد من الناس إلا قليل ، فوسّعه من قبليّه وسقفَه جديداً ، وجعل له صرحة شمالية مبلطة ، ورواقات على هيئة الجوامع ، والداخل بأبوابه على العادة ، وداخل ذلك رواق كبير له جناحان شرقي وغربي ، بأعمدة وقناطر ، وقد كان قديماً كنيسة فأخذت منهم قبل الخمسمئة ، وعُملت مسجداً ، فلم يزل كذلك إلى هذا الحين ، فلما كَمُّل كما ذكرنا وسيق إليه الماء من القنوات ، ووضع فيه منبر مستعمل كذلك ، فيومئذ ركب نائب السلطنة ودخل البلد من باب كَيْسان وانعطف على حارة اليهود حتى انتهى إلى الجامع المذكور ، وقد استكف الناس عنده من قضاة وأعيان وخاصّة وعامّة ، وقد عين لخطابته الشيخ صدر الدين بن منصور الحنفي، مدرس النَّجيبيّة (٤) وإمام الحنفية بالجامع الأموي ، فلمَّا أذَّن الأذان الأول تعذر عليه الخروج من بيت الخطابة ، قيل لمرض عرض له ، وقيل لغير ذلك من حصر أو نحوه ، فخطب النَّاس يومئذ قاضي القضاة جمال الدين(٥) الحنفي الكفري ، خدمة لنائب السلطنة. واستهل شهر ذي الحجَّة وقد رفع الله الوباء عن دمشقَ وله الحمد والمنة . وأهل البلد يموتون على العادة ولا يمرض أحد بتلك العلّة ، ولكن المرض المعتاد ، انتهى . ثم دخلت سنة ست وستين وسبعمئة استهلَّت هذه السنة والسلطان الملك الأشرف ناصر الدين شعبان ، والدولة بمصر والشام هم هم . ودخل المحمل السلطاني صبيحة يوم الإثنين الرابع والعشرين منه ، وذكروا أنهم نالهم في الرجعة شدة شديدة من الغلاء وموت الجمال وهرب الجمَّالين ، وقدم مع الركب ممَّن خرج من الديار المصرية الذيل التام (٢٠١/١) . (١) (٢) في ط : البلاغة، والتصويب من الدارس (٣١٧/٢). في ط : الشاذوري وهو تحريف. والتصويب من الدارس (٣١٧/٢) وفيه: هو مسجد كبير كان قديماً كنيسة لليهود (٣) ثم جُعل مسجداً . (٤) في ط : الناجية وهو تحريف . هو يوسف بن أحمد . مرَّ كثيراً ووفاته سنة (٧٦٦) هـ . (٥) ٤٥٤ وفيات سنة ٧٦٦هـ قاضي القضاة بدر الدين بن أبي الفتح(١)، وقد سبقه التقليد بقضاء القضاة مع خالِهٍ(٢) تاج الدين(٣) يحكم فیما يحكم فيه مستقلاً معه ومنفرداً بعده . وفي شهر الله المحرم رسم نائب السلطنة بتخريب قريتين من وادي التيم وهما مَشْغَر(٤) وتلفياث(٥) ، وسبب ذلك أنهما عاصيتان وأهلهما مفسدون في الأرض ، والبلدان والأرض حصينة لا يصل إليهما إلا بكلفة كثيرة لا يرتقي إليهما إلا فارس فارس ، فخربتا وعُمر بدلهما في أسفل الوادي ، بحيث يصل إليهما حكم الحاكم والطلب بسهولة ، فأخبرني الملك صلاح الدين بن الكامل أن بلدة تلفياتا عمل فيها ألف فارس ، ونقل نقضها إلى أسفل الوادي خمسمئة حمار عدَّة أيام . وفي يوم الجمعة سادس صفر بعد الصَّلاة صُلِّي على قاضي القضاة جمال الدين يوسف (٦) ابن قاضي القضاة شرف الدين أحمد ابن أقضى القضاة ابن الحُسَين الكَفْري(٧) الحنفي ، وكانت وفاته ليلة الجمعة المذكورة بعد مرض قريب من شهر ، وقد جاوز الأربعين بثلاث من السنين ، وُلِّيَ قضاء قضاة الحنفية ، وخطب بجامع يَلْبُغَا ، وأحضر مشيخة النفيسيّة(٨)، ودرَّس بأماكن من مدارس الحنفية ، وهو أول من خطب بالجامع المستجد داخل باب كَيْسَان بحضرة نائب السلطنة . وفي صفر كانت وفاة الشيخ جمال الدين عمر(٩) بن القاضي عبد المُحْسنُ(١٠) بن إدريس الحنبلي محتسب بغداد ، وقاضي الحنابلة بها ، فتعصَّبت عليه الرَّوافض حتى ضُرب بين يدي الوزارة ضرباً مبرحاً ، كان سبب موته سريعاً رحمه الله ، وكان من القائمين بالحق الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ، من أكبر المنكرين على الرّوافض وغيرهم من أهل البدع رحمه الله ، وبلَّ بالرحمة ثراه . (١) هو : محمد بن محمد بن عبد اللطيف السُّبكي وذكر من قبل غير مرّة . (٢) في ط : خالد وهو تحريف . عبد الوهاب بن علي ، ذكر من قبل غير مرّة . (٣) (٤) في ياقوت : مَشْغَرى . في ط : تلبيانا . وأثبتنا ما في الدارس (٣٦٨/٢) وكذلك هي في ياقوت . (٥) ترجمته في الوفيات لابن رافع (٢٩٧/٢) والدرر الكامنة (٤٤٦/٤) والنجوم الزاهرة (٨٦/١١) والذيل التام (٦) (٢٠٩/١) . في ط : المزّي . وهو توهم . (٧) هي دار حديث قبلي المارستان الدقاقي. الدارس (١١٤/١). (٨) (٩) ترجمته في الدرر الكامنة (١٧٣/٣). (١٠) في ط : عبد الحي وأثبتنا ما في الدرر الكامنة . ٤٥٥ وفيات سنة ٧٦٦هـ وفي يوم الأربعاء تاسع صفر حضر مشيخة النَّفيسيّة الشيخ شمس الدين بن سَنَّد(١) ، وحضر عند قاضي القضاة تاج الدين(٢) وجماعة من الأعيان، وأورد حديث عبادة بن الصامت ((لا صلاة لِمَنْ لَمْ يَقْرأ بفاتحة الكِتَاب (٣) أسنده عن قاضي القضاة المشار إليه . وجاء البريد من الديار المصرية بطلب قاضي القضاة تاج الدين إلى هناك؛ فسيَّر أهله قبله على الجمال ، وخرجوا يوم الجمعة حادي عشر ربيع الأول جماعة من أهل بيتهم لزيارة أهاليهم هناك ، فأقام هو بعدهم إلى أن قدم نائب السلطنة من الرّحبة وركب على البريد . وفي يوم الإثنين خامس عشر جمادى الآخرة رجع قاضي القضاة تاج الدين السبكي من الديار المصرية على البريد وتلقَّه الناس إلى أثناء الطريق ، واحتفلوا للسَّلام عليه وتهنئته بالسلامة انتهى . والله أعلم . قتل الرافضي الخبيث : وفي يوم الخميس سابع عشره أول النهار وجد رجل بالجامع الأموي اسمه محمود بن إبراهيم الشِّيرازي ، وهو يسبُّ الشيخين ويصرّح بلعنتهما ، فرُفع إلى القاضي المالكي قاضي القضاة جمال الدين المسلَّتي فاستتابه عن ذلك، وأُحضر الضُّرَّاب، فأؤَل ضربة قال : لا إله إلا الله ، علي ولي الله ، ولما ضُرب الثّانية لعن أبا بكر وعمر ، فالتهمه العامّة فأوسعوه ضرباً مبرحاً بحيث كاد يهلك ، فجعل القاضي يستكفُّهم عنه فلم يستطع ذلك ، فجعل الرّافض يسب ويلعن الصَّحابة ، وقال : كانوا على الضَّلال ؛ فعند ذلك حُمل إلى نائب السلطنة ، وشهد عليه قوله بأنَّهم كانوا على الضلالة ، فعند ذلك حكم عليه القاضي بإراقة دمه ، فأخذ إلى ظاهر البلد فضربت عنقه وأحرقته العامة قبَّحه الله ، وكان ممَّن يقرأ بمدرسة أبي عُمَر ، ثم ظهر عليه الرَّفض فسجنه الحنبلي أربعين يوماً ، فلم ينفع ذلك ، وما زال يصرِّحُ في كل موطن يمر(٤) فيه بالسبِّ حتَّى كان يومه هذا ، أظهر مذهبه في الجامع ، وكان سببَ قتله قبّحه الله كما قبح من كان قبله ، وقُتل بقتله في سنة خمسٍ وخمسين (٥) . (١) هو : الحافظ الواعظ الشمس محمد بن موسى بن محمد بن سند اللخمي الدمشقي. مات سنة (٧٩٢) هـ . الذيل التام (٣٥٨/١) . (٢) هو : عبد الوهاب السُّبكي . رواه البخاري رقم (٧٥٦) في صفة الصلاة ، باب: وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها . (٣) ورواه مسلم أيضاً رقم (٣٩٤) في الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة . من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه . (٤) في ط : يأمر . (٥) وهو: علي بن أبي الفضل بن محمد بن حسين ، قتل سنة (٧٥٥)هـ. ٤٥٦ وفيات سنة ٧٦٦هـ استنابة ولي الدين بن بهاء الدين أبي البقاء الشُّبكي : وفي آخر هذا اليوم - أعني يوم الخميس ثامن عشره - حكم أقضى القضاة ولي الدين(١) ابن قاضي القضاة بهاء الدين بن أبي البقاء بالمدرسة العادليَّة الكبيرة نيابة عن قاضي القضاة تاج الدين مع استنابة أقضى القضاة شمس الدين (٢) الغزّي، وأقضى القضاة بدر الدين بن وهبة(٣)، وأما قاضي القضاة بدر الدين بن أبي الفتح فهو نائب أيضاً ، ولكنه بتوقيع شريف أنَّه يحكم مستقلاً مع قاضي القضاة تاج الدين . وفي يوم الإثنين الثاني والعشرين منه استحضر نائب السلطنة الأمير ناصر الدين بن العاوي متولّي البلد ونقم عليه أشياء ، وأمر بضربه ، فضُرب بين يديه على أكتافه ضرباً ليس بمبرح ، ثم عزله واستدعى بالأمير علم الدين سُلَيْمان أحد الأمراء العشراوات ابن الأمير صفيّ الدين بن أبي القاسم البُصْراوي ، أحد أمراء الطبلخانات ، كان قد ولي شد الدواوين ونظر القدس والخليل وغير ذلك من الولايات الكبار ، وهو ابن الشيخ فخر الدين عثمان بن الشيخ صفي الدين أبي القاسم التميمي الحنفي . وبأيديهم تدريس الأمينيّة التي بُيُصْرى والحكيمية أزيد من مئة سنة ، فولاه البلد على تكُّه منه ، فألزمه بها وخلع عليه ، وقد كان وليها قبل ذلك فأحسن السيرة ، وشُكر سعيه لديانته وأمانته وعفَّته ، وفرح الناس ولله الحمد . ولاية قاضي القضاة بهاء الدين السبكي قضاء مصر بعد عزل عز الدين بن جماعة نفسه(٤) : ورد الخبر مع البريد من الدّيار المصرية بأن قاضي القضاة عز الدين عبد العزيز ابن قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة عزل نفسه عن القضاء يوم الإثنين السادسَ عشرَ من هذا الشهر ، وصمَّم على ذلك ، فبعث الأمير الكبير يَلْبُغا إليه الأمراء يسترضونه فلم يقبل ، فركب إليه بنفسه ومعه القضاة والأعيان فتلطّفوا به فلم يقبل وصمَّم على الانعزال ، فقال له الأمير الكبير : فعيِّن لنا من يصلح بعدك . قال : ولا أقول لكم شيئاً غير أنه لا يتولَّى رجل واحد ، ثم ولُّوا من شئتم ، فأخبرني قاضي القضاة تاج الدين السُّبكي أنه قال : لا تولُّوا ابنَ عقيل، فعين الأمير الكبير قاضي القضاة بهاء الدين أبا البقاء، فقيل: إنه أظهر الامتناع، ثم قبل ولبس الخلعة . وباشر يوم الإثنين الثالث والعشرين من جمادى الآخرة ، وتولَّى قاضي القضاة الشيخ بهاء الدين ابن قاضي القضاة تقي الدين السُّبكي قضاء العساكر الذي كان بيد أبي البقاء . وفي يوم الإثنين سابع رجب توفي هو : أبو ذر عبد الله بن محمد بن عبد البر. مات سنة (٧٨٥) هـ. الذيل التام (٣٢٨/١). (١) (٢) هو: محمد بن خلف بن كامل بن عطاء الله الغزِّي ثم الدمشقي الشافعي. مات سنة (٧٧٠) هـ الذيل التام (٢٣٥/١). (٣) في ط : وهيبة . (٤) الدرر الكامنة (٢/ ٣٨١) النجوم الزاهرة (٢٨/١١) الذيل التام (٢٠٧/١). ٤٥٧ وفيات سنة ٧٦٦هـ الشيخ علي(١) المراوحي خادم الشيخ أسد المراوحي البغدادي ، وكان فيه مروءة كثيرة ، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، ويدخل على النواب ويرسل إلى الولاة فتقبل رسالته ، وله قبول عند الناس ، وفيه بر وصدقة وإحسان إلى المحاويج(٢)، وبيده مال جيد يتَّجر له فيه ، تعلَّل مدة طويلة ثم كانت وفاته في هذا اليوم فصلََّ عليه الظهر بالجامع ، ثم حُمل إلى سفح قاسيون رحمه الله . وفي صبيحة يوم الثلاثاء السابع والعشرين من شعبان قدم الأمير سيف الدين بَيْدَمُر الذي كان نائب الشام فنزل بداره عند مئذنة فيروز ، وذهب الناس للسّلام عليه بعد ما سلَّم على نائب السلطنة بدار السعادة ، وقد رُسم له بطبلخانتين وتقدمة ألف وولاية الولاة من غَزَّة إلى أقصى بلاد الشام ، وأكرمه ملك الأمراء إكراماً زائداً ، وفرحت العامة بذلك فرحاً شديداً بعَوده إلى الولاية (٣) . وخُتمت (( البخاريات)) بالجامع الأموي وغيره في عدة أماكن من ذلك ستة مواعيد ، تقرأ على الشيخ عماد الدين ابن كثير في اليوم ، أولها بمسجد ابن هشام بكرةً قبل طلوع الشمس ، ثم تحت النَّسر ، ثم بالمدرسة النُّورية ، وبعد الظهر بجامع تَنْكِز ، ثم بالمدرسة العزِّيّة ، ثم بالكوشك لأم الزوجة الست أسماء بنت الوزير ابن السَّلْعوس ، إلى أذان العصر ، ثم من بعد العصر بدار ملك الأمراء أمير علي بمحلَّة القصَّاعين إلى قريب الغروب، ويقرأ ((صحيح مسلم)) بمحراب الحنابلة داخل باب الزِّيادة بعد قبة النَّسر وقبل النورية ، والله المسؤول وهو المعين الميسّر المسهّل . وقد قرىء في هذه الهيئة في عدة أماكن أُخر من دور الأمراء وغيرهم ، ولم يعهد مثل هذا في السنين الماضية ، فلله الحمد والمنة . وفي يوم الثلاثاء عاشر شوال توفي الشيخ نور الدين علي (٤) بن أبي الهيجاء الكَرَكي الشَّوْبَكيّ ، ثم الدمشقي الشافعي ، كان معنا في المقرىء والكتَّاب ، وختمت أنا وهو في سنة إحدى عشرة ، ونشأ في صيانة وعفاف ، وقرأ على الشيخ بدر الدين بن سيحان للسبع ، ولم يكمل عليه ختمة ، واشتغل في ((المنهاج)) للنّواوي فقرأ كثيراً منه أو أكثره ، وكان ينقل منه ويستحضر ، وكان خفيف الروح ، تحبُّه الناس لذلك ، ويرغبون في عشرته لذلك رحمه الله ، وكان يستحضر المتشابه في القرآن استحضاراً حسناً متقناً كثير التلاوة له ، حسنَ الصَّلاة يقومُ اللّيل، وقرأ عليَّ ((صحيح البخاري)) بمشهد ابن هشام عدَّة سنين ، ومهر فيه، وكان صوته جَهْورياً فصيح العبارة ، ثم وُلّي مشيخة الحلبيّة بالجامع ، وقرأ في عدة كراسي بالحائط الشمالي ، وكان مقبولًا ترجمته في الدرر الكامنة (١٤٥/٣) وفيه : البراوحي . (١) (٢) يعني : المحتاجين . (٣) الدرر الكامنة (٥١٣/١) . ترجمته في : الدرر الكامنة (١٠/٣) وفيه: علي بن إبراهيم بن أبي الهيجاء ... (٤) ٤٥٨ وفيات سنة ٧٦٦هـ عند الخاصة والعامة ، وكان يداوم على قيام العشر الأخير في محراب الصّحابة مع عدة قرّاء يبيتون فيه ويُحيون الليل ، ولما كان في هذه السنة أحيا ليلة العيد وحده بالمحراب المذكور ثم مرض خمسة أيام ، ثم مات بعد الظهر يوم الثلاثاء عاشر شوال بدرب العميد ، وصُلِّيَ عليه العصر بالجامع الأموي ، ودُفن بمقابر الباب الصغير عند والده في تربة لهم ، وكانت جنازته حافلة وتأسَّف النَّاسُ عليه ، رحمه الله وبلّ بالرحمة ثراه ، وقد قارب خمساً وستين سنة ، وترك بنتاً سباعية اسمها عائشة ، وقد أقرأها شيئاً من القرآن إلى تبارك، وحفّظها ((الأربعين)) النواوية جبرها ربُّها ورحم أباها آمين . وخرج المحمل الشّامي والحجيجُ يوم الخميس ثاني عشره ، وأميرهم الأمير علاء الدين علي بن علَم الدين الهلالي ، أحد أمراء الطبلخانات . وتوفي الشيخ عبد الله الملطي (١) يوم السبت رابع عشره ، وكان مشهوراً بالمجاورة بالكلاسة في الجامع الأموي ، له أشياء كثيرة من الطراريح والآلات الفقرية ، ويلبس على طريقة الحريرية ، وشكله مزعج ، ومن الناس من كان يعتقد فيه الصلاح ، وكنت ممن يكرهُهُ طبعاً وشرعاً أيضاً . وفي يوم الخميس الخامس والعشرين من ذي القعدة (٢) قدم البريد من ناحية المشرق ومعهم قماقم ماء من عينٍ هناك من خاصيَّتِهِ أنَّه يتبعه طير يسمى السَّمَرْمَر أصفر الريش قريب من شكل الخطَّف من شأنه إذا قدم الجراد إلى البلد الذي هو فيه أنه يفنيه ويأكله أكلاً سريعاً ، فلا يلبث الجراد إلا قليلاً حتى يرحل أو يؤكل على ما ذكر ، ولم أشاهد ذلك . وفي المنتصف من ذي الحجة كمل بناء القيسارية التي كانت معملاً بالقرب من دار الحجارة ، قبلي سوق الدهشة الذي للرجال ، وفتحت وأكريت دهشة لقماش النساء ، وذلك كله بمرسوم ملك الأمراء ناظر الجامع المعمور رحمه الله ، وأخبرني الصدر عز الدين الصَّيرفي المشارف بالجامع أنه غرم عليها من مال الجامع قريب ثلاثين ألف درهم انتهى . طرح مكس القطن المغزول البلدي والمجلوب(٣) : وفي أواخر هذا الشهر جاء المرسوم الشريف بطرح مكس القطن المغزول البلدي والجلب أيضاً، ونودي بذلك في البلد ، فكثرت الدعوات لمن أمر بذلك ، وفرح المسلمون بذلك فرحاً شديداً ولله الحمد والمنة . لم أقع له على ترجمة فيما بين يدي من المصادر . (١) في ذي الحجة في بدائع الزهور (١٩/٢). (٢) الذیل التام (١/ ٢٠٨) . (٣) ٤٥٩ أحداث سنة ٧٦٧هـ ثم دخلت سنة سبع وستين وسبعمئة استهلَّت وسلطان البلاد المصرية والشَّامية والحرمين الشريفين وما يتبع ذلك من الأقاليم الملك الأشرف بن الحُسَين بن الملك الناصر محمد بن قلاوون ، وعمره عشر سنين فما فوقها ، وأتابك العساكر ومدبر ممالكه الأمير سيف الدين يَلْبُغَا الخاصكي . وقاضي قضاة الشافعية بمصر بهاء الدين أبو البقاء السُّبكي ، وبقية القضاة هم المذكورون في السنة الماضية . ونائب دمشق الأمير سيف الدين مَنْكُلي بُغَا ، وقضاة دمشق هم المذكورون في التي قبلها سوى الحنفي فإنه الشيخ جمال الدين بن السرّاج شيخ الحنفية ، والخطابة بيد قاضي القضاة تاج الدين الشافعي ، وكاتب السر وشيخ الشيوخ القاضي فتح الدِّين بن الشَّهيد ، ووكيل بيت المال الشيخ جمال الدين بن الرُّهَاويّ. ودخل المحمل السلطاني يوم الجمعة بعد العصر قريب الغروب ، ولم يشعر بذلك أكثر أهل البلد ، وذلك لغيبة النَّائب في السرحة ممَّا يلي ناحية الفرات ، ليكون كالرد للتَّجريدة التي تعيَّنت لتخريب الكبيسات التي هي إقطاع حيار بن مهنا من زمن السلطان أُوَيْس ملك العراق انتهى . استيلاء الفرنج لعنهم الله على الإسكندرية (١) : وفي العشر الأخير من شهر المحرم احتيط على الفرنج بمدينة دمشق ، وأودعوا في الحبوس في القلعة المنصورة ، واشتُهر أنَّ سبب ذلك أن مدينة الإسكندرية محاصرة بعدة شواین ، وذكر أن صاحب قبرص معهم ، وأن الجيش المصري صمدوا إلى حراسة مدينة الإسكندرية حرسها الله تعالى وصانها وحماها ، وسيأتي تفصيل أمرها في الشهر الآتي ، فإنه وضح لنا فيه ، ومكث القوم بعد الإسكندرية بأيام فيما بلغنا ، بعد ذلك حاصرها أمير من التتار يقال له ماميه(٢) ، واستعان بطائفة من الفرنج ففتحوها قسراً ، وقتلوا من أهلها خلقاً وغنموا شيئاً كثيراً واستقرت عليها يد ماميه ملكاً عليها . وفي يوم الجمعة سلخ هذا الشهر توفي الشيخ برهان الدين إبراهيم(٣) بن الشيخ شمس الدين ابن قيم الجوزية ببستانه بالمِزَّة ، ونقل إلى عند (١) ابن خلدون (٤٥٤/٥) النجوم الزاهرة (٢٩/١١) الذيل التام (٢١٠/١). (٢) لم أقع له على ذكر فيما بين يديّ من المصادر . ترجمته في الوفيات لابن رافع (٣٠٣/٢) والدرر الكامنة والذيل التام (٢١٤/١) و(٥٨/١) والسحب الوابلة لابن (٣) حميد ص(٣٠) . ٤٦٠ أحداث سنة ٧٦٧هـ والده بمقابر باب الصغير ، فصليّ عليه بعد صلاة العصر بجامع جرَّاح ، وحضر جنازته القضاة والأعيان وخلق من التجار والعامة ، وكانت جنازته حافلة ، وقد بلغ من العمر ثمانياً وأربعين سنة ، وكان بارعاً فاضلاً في النّحو والفقه وفنون أُخر على طريقة والده رحمهما الله تعالى ، وكان مدرِّساً بالصَّدرية والتَّدمرية ، وله تصدير بالجامع ، وخطابة بجامع ابن صلحان ، وترك مالاً جزيلاً يقارب المئة ألف درهم ، انتھی . ثم دخل شهر صفر وأوله الجمعة ، أخبرني بعض علماء السير أنه اجتمع في هذا اليوم - يوم الجمعة مستهل هذا الشهر - الكواكب السبعة سوى المرِّيخ في برج العقرب ، ولم يتفق مثل هذا من سنين متطاولة ، فأما المرِّيخ فإنه كان قد سبق إلى برج القوس فيه ، ووردت الأخبار بما وقع من الأمر الفظيع بمدينة الإسكندرية من الفرنج لعنهم الله ، وذلك أنهم وصلوا إليها في يوم الأربعاء الثاني والعشرين من شهر الله المحرم ، فلم يجدوا بها نائباً(١) ولا جيشاً ، ولا حافظاً للبحر ولا ناصراً ، فدخلوها يوم الجمعة بكرة النهار بعدما حرقوا أبواباً كبيرة منها ، وعاثوا في أهلها فساداً ، يقتلون الرجال ويأخذون الأموال ويأسرون النّساء والأطفال ، فالحكم الله العلي الكبير المتعال . وأقاموا بها يوم الجمعة والسبت والأحد والإثنين والثلاثاء ، فلما كان صبيحة يوم الأربعاء قدم الشاليش المصري ، فأقلعت الفرنج لعنهم الله عنها ، وقد أسروا خلقاً كثيراً يقاومون أربعة الآلاف (٢)، وأخذوا من الأموال ذهباً وحريراً وبهاراً وغير ذلك ما لا يُحدُّ ولا يوصف . وقدم السلطان والأمير الكبير يَلْبُغَا ظهر يومئذ، وقد تفارط الحال وتحولت الغنائم كلها إلى الشَّوائن بالبحر ، فسمع للأسارى من العويل والبكاء والشكوى والجأر إلى الله والاستغاثة به وبالمسلمين ما قطع الأكباد ، وذرفت له العيون وأصم الأسماع ، فإنا لله وإنا إليه راجعون . ولما بلغت الأخبار إلى أهل دمشق شقَّ عليهم ذلك جداً ، وذكر ذلك الخطيبُ يوم الجمعة على المنبر فتباكى [ الناس ] كثيراً ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، وجاء المرسوم الشريف من الديار المصرية إلى نائب السلطنة بمسك النَّصارى من الشام جملة واحدة ، وأن يأخذ منهم ربع أموالهم لعمارة ما خرب من الإسكندرية ، ولعمارة مراكب تغزو الفرنج ، فأهانوا النصارى وطُلبوا من بيوتهم بعنف وخافوا أن يقتلوا ، ولم يفهموا ما يراد بهم ، فهربوا كل مهرب ، ولم تكن هذه الحركة شرعية ، ولا يجوز اعتمادها شرعاً . وقد طلبتُ يوم السبت السادسَ عشرَ من صفر إلى الميدان الأخضر للاجتماع بنائب السلطنة ، وكان اجتماعنا بعد العصر يومئذ بعد الفراغ من لعب الكرة ، فرأيت منه أنساً كثيراً ، ورأيته كامل الرأي والفهم ، حسن العبارة كريم المجالسة ، فذكرت له أن هذا لا يجوز اعتماده في النَّصارى ، فقال إن بعض فقهاء مصر (١) نائبها خليل بن عزّام. كان يؤدّي الفريضة. ابن خلدون (٤٥٤/٥). (٢) في ط : الأربعة آلاف .