النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
سبب خروج بيدمر من القلعة - دخول السلطان المنصور محمد إلى دمشق
سبب خروج بَيْدَمُر من القلعة وصفة ذلك
لما كان يوم الأحد الثامن والعشرين منه أرسل قضاة القضاة ومعهم الشيخ شرف الدين ابن قاضي
الجبل الحنبلي ، والشيخ سراج الدين الهندي الحنفي قاضي العسكر المصري للحنفية ، إلى بَيْدَمُر ومن
معه ليتكلّموا معهم في الصلح لينزلوا على ما يشترطون قبل أن يشرعوا في الحصار والمجانيق التي قد
استدعيَ بها من صفد وبعلبك ، وأَحضر من رجال النقاعين نحو من ستة آلاف رام ، فلما اجتمع به القضاة
ومن معهم وأخبروه عن السلطان وأعيان الأمراء بأنهم قد كتبوا له أماناً إن أناب إلى المصالحة ، فطلب أن
يكون بأهله ببيت المقدس ، وطلب أن يعطي مَنْجَك كذا بناحية بلاد سيس ليسترزق هنالك ، وطلب
أَسَنْدَمُر أن يكون بشمقداراً للأمير سيف الدين يَلْبُغَا الخاصكي .
فرجع القضاة إلى السلطان ومعهم الأمير زين الدين جبريل الحاجب ، كان ، فأخبروا السلطان
والأمراء بذلك ، فأُجيبوا إليه ، وخلع السلطان والأمراء على جِبْريل خلعاً ، فرجع في خدمة القضاة ومعهم
الأمير أسنْبُغَا بن [ بَكْتَمُر (١) البوبكري ، فدخلوا القلعة وباتوا هنالك كلهم، وانتقل الأمير بَيْدَمُر بأهله
وأثاثه إلى داره بالمطرِّزين ، فلما أصبح يوم الإثنين التاسع والعشرين منه خرج الأمراء الثلاثة من القلعة
ومعهم جِبْريل ، فدخل القضاة وسلَّموا القلعة بما فيها من الحواصل إلى الأمير أسَنْبُغَا بن البُوبَكري انتهى.
دخول السلطان المنصور محمد ابن الملك المظفر أمير حاجي ابن الملك الناصر
محمد ابن الملك المنصور قلاوون إلى دمشق في جيشه وجنوده وأمرائه وأُبَّهته
لما كان صبيحة يوم الإثنين التاسع والعشرين من رمضان من هذه السنة ، رجع القضاة إلى الوطاق
الشريف ، وفي صحبتهم الأمراء الذين كانوا بالقلعة ، وقد أعطوا الأمان من جهة السلطان ومن معهم
وذويهم ، فدخل القضاة ، وحجب الأمراء المذكورون ، فخلع على القضاة الأربعة وانصرفوا راجعين
مجبورين ، وأما الأمراء المذكورون فإنهم أُركبوا على خيل ضعيفة، وخلف كل واحد منهم وساقيّ(٢) أخذ
بوسطه قبل ، وفي يد كل واحد من الوٍسَاقية خنجر كبير مسلول لئلا يستنقذه منه أحد فيقتله بها ، فدخل
جهرة بين الناس ليُروهم ذلتهم التي قد لبستهم ، وقد أحدق الناس بالطريق من كل جانب ، فقام كثير من
الناس ، الله أعلم بعدتهم ، إلا أنهم قد يقاربون المئة ألف أو يزيدون عليها ، فرأى الناس منظراً فظيعاً ،
فدخل به الوساقية إلى الميدان الأخضر الذي فيه القصر ، فأُجلسوا هنالك وهم ستة نفر : الثلاثة النواب
وجِبْرِيل وابن أسَنْدَمُر، وسادس، وظن كل منهم أن يُفْعل بهم فاقرة(٣) ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .
في ط : أستبغا الأبوبكري ، وأثبتنا ما في الدرر الكامنة (٣٨٦/١) والنجوم الزاهرة (٦/١١) مات سنة (٧٧٧) هـ.
(١)
(٢)
((الوساقي)) : الحمّال.
((الفاقرة)) : الدّاهية والمصيبة.
(٣)

٤٢٢
دخول السلطان المنصور محمد إلى دمشق
وأرسلت الجيوش داخلة إلى دمشق أطلاباً في تجمُّل عظيم ، ولُبس الحرب بنهر النصر وخيول
وأسلحة ورماح ، ثم دخل السلطان في آخر ذلك كله بعد العصر بزمن ، وعليه من أنواع الملابس قنباز(١)
بخاري ، والقبة والطير يحملهما على رأسه الأمير سيف الدين تُؤْمَان تَمُر الذي كان نائب طرابلس ،
والأمراء مشاة بين يديه ، والبسط تحت قدمي فرسه ، والبشائر تضرب خلفه ، فدخل القلعة المنصورة
المنصورية لا البدرية . ورأى ما قد أُرصد بها من المجانيق والأسلحة ، فاشتد حنقه على بَيْدَمُر وأصحابه
كثيراً ، ونزل الطارمة ، وجلس على سرير المملكة ، ووقف الأمراء والنواب بين يديه ، ورجع الحق إلى
نصابه ، وقد كان بين دخوله ودخول عمه الصالح صالح في أول يوم من رمضان ، وهذا في التاسع
والعشرين منه ، وقد قيل إنه سلخه والله أعلم . وشرع الناس في الزينة .
وفي صبيحة يوم الثلاثاء سلخ الشهر نقل الأمراء المغضوب عليهم الذين ضلّ سعيهم فيما كانوا أبرموه
من ضمير سوءٍ للمسلمين إلى القلعة فأنزلوا في أبراجها مهانين ، مفرقاً بينهم ، بعد ما كانوا بها آمنين
حاكمين ، أصبحوا معتقلين مهانين خائفين ، فجاروا بعدما كانوا رؤساء ، وأصبحوا بعد عزهم أذلاء ،
ونقبت أصحاب هؤلاء ، ونودي عليهم في البلد ، ووعد من دل على أحد منهم بمال جزيل ، وولاية إمرة
بحسب ذلك ، ورسم في هذا اليوم على الرئيس أمين الدين بن القلانسي كاتب السر(٢)، وطلب منه ألف
ألف درهم ، وسُلِّم إلى الأمير زين الدين زبالة نائب القلعة، وقد أُعيد إليها وأعطي تقدمة ابن قَرَاسُنْقُر،
وأمره أن يعاقبه إلى أن يزن هذا المبلغ ، وصلَّى السلطان وأمراؤه بالميدان الأخضر صلاة العيد ، ضرب له
خام عظيم وصلَّى به خطيباً القاضي تاج الدين المُناوي(٣) الشافعي ، قاضي العسكر المنصورة للشافعية ،
ودخل الأمراء مع السلطان للقلعة من باب المدرسة ، ومدَّ لهم سماطاً هائلاً أكلوا منه ثم رجعوا إلى دورهم
وقصورهم، وحمل الطير في هذا اليوم على رأس السلطان الأمير علي نائب دمشق، وخلع عليه خلعة
هائلة .
وفي هذا اليوم مُسك الأمير تُؤْمان تَمُر الذي كان نائب طرابلس ، ثم قدم على بَيْدَمُر ، فكان معه ، ثم
قفل إلى المصريين واعتذر إليهم، فعذروه فيما يبدو للناس ، ودخل وهو حامل القبة على رأس السلطان
يوم الدخول ، ثم ولّوه نيابة حمص ، فصغّروه وحقّروه ، ثم لما استمر ذاهباً إليها فكان عند القابون أرسلوا
إليه فأمسكوه وردوه ، وطلب منه المئة ألف التي كان قبضها من بَيْدَمُر ، ثم ردُّوه إلى نيابة حمصَ .
(١) في ط : قباز .
(٢) هو : محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن نصر الله . مات سنة (٧٦٣)هـ كما سيأتي.
(٣) في ط : الساوي وهو تحريف.
هو محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن عبد الرحمن السّلمي المصري المُنَاوي مات سنة (٧٦٥)هـ كما سيأتي.

٤٢٣
خروج السلطان من دمشق قاصداً مصر
وفي يوم الخميس اشتهر الخبر بأن طائفة من الجيش بمصر من طواشية وخاصكية ملَّكُوا عليهم حُسَيْن
الناصر ثم اختلفوا فيما بينهم واقتتلو١) ، وأن الأمر قد انفصل ورُدَّ حُسَيْن للمحلّ الذي كان معتقلاً
فيه (٢) ، وأطفأ الله شر هذه الطائفة ولله الحمد .
وفي آخر هذا اليوم لبس القاضي ناصر الدين بن يعقوب (٣) خلعة كتابة السر الشريفية ، والمدرستين ،
ومشيخة الشيوخ عوضاً عن الرئيس علاء الدين بن القلانسي ، عُزل وصُودر ، وراح الناس لتهنئته بالعَوْد
إلى وظيفته كما كان(٤) .
وفي صبيحة يوم الجمعة ثالث شوال مسك جماعة من الأمراء الشاميين منهم الحاجبان صلاح الدين
وحسام الدين والمهمندار ابن أخي الحاجب الكبير ، تَمُر ، وناصر الدين ابن الملك صلاح الدين بن
الكامل ، وابن حمزة والطرخاني واثنان أخوان وهما طَيْبُغا زفر وبلجاك(٥) ؛ كلهم طبلخانات ، وأخرجوا
خير وتمر حاجب الحجاب ، وكذلك الحجوبية أيضاً لقاربي أحد أمراء مصر .
وفي يوم الثلاثاء سابع شوال مسك ستّةَ عشر أميراً من أمراء العرب بالقلعة المنصورة ، منهم عمر بن
موسى بن مُهَنَّا الملقب بالمِصْمَع ، الذي كان أمير العرب في وقت ، ومُعَيْقل بن فضل بن مهنا وآخرون ،
وذكروا أن سبب ذلك أن طائفة من آل فضل عرضوا للأمير سيف الدين الأحمدي الذي استاقوه على
حلب ، وأخذوا منه شيئاً من بعض الأمتعة ، وكادت الحرب تقع بينهم . وفي ليلة الخميس بعد المغرب
حمل تسعة عشر أميراً من الأتراك والعرب على البريد مقيدين في الأغلال أيضاً إلى الديار المصرية ، منهم
بَيْدَمُر ومَنْجَك وأسَنْدَمُر وجِبْريل وصلاح الدين الحاجب وحسام الدين أيضاً وبلجك وغيرهم ، ومعهم
نحو من مئتي فارس ملبسين بالسلاح متوكلين بحفظهم ، وساروا بهم نحو الديار المصرية ، وأمَّروا جماعةً
من البطالين منهم أولاد لاقوش ، وأطلق الرئيس أمين الدين بن القلانسي من المصادرة والترسيم بالقلعة ،
بعد ما وَزَن بعضَ ما طلب منه ، وصار إلى منزله ، وهنَّه الناس .
خروج السلطان من دمشقَ قاصداً مصرَ(٦)
ولما كان يوم الجمعة عاشر شهر شوال خرج طلب يَلْبُغا الخاصكي صبيحته في تجمُّل عظيم لم ير
الدرر الكامنة (٢/ ٧٠). بدائع الزهور (٥٨٤/١) الذيل التام (١٨٠/١).
(١)
(٢)
في دور الحريم بقلعة الجبل .
هو : محمد بن يعقوب مات سنة (٧٦٣) هـ كما سيأتي.
(٣)
(٤)
الدرر الكامنة (٤ / ٢٨٧) .
في ط : بلجات . وسوف يأتي بالكاف .
(٥)
النجوم الزاهرة (٥/١١).
(٦)

٤٢٤
أحداث سنة ٧٦٣هـ
الناس في هذه المُدَد مثله ، من نجائب وجنائب ومماليك وعظمة هائلة ، وكانت عامة الأطلاب قد تقدّمت
قبله بيوم ، وحضر السلطان إلى الجامع الأموي قبل أذان الظهر ، فصلَّى في مشهد عُثْمان هو ومن معه من
أمراء المصريين ، ونائب الشام ، وخرج من فوره من باب النصر ذاهباً نحو الكُسْوة والناس في الطرقات
والأسطحة على العادة ، وكانت الزينة قد بقي أكثرها في الصّاغة والخواصين وباب البريد إلى هذا اليوم ،
فاستمرت نحو عشرة الأيّامُ(١) .
وفي يوم السبت حادي عشرَ شوال خُلع على الشيخ علاء الدين (٢) الأنصاري بإِعادة الحِسْبة إليه وعزل
عماد الدين بن الشيرجي(٣) .
وخرج المحمل يوم الخميس سادسَ عشر شوال على العادة ، والأمير مصطفى البيري .
وتوفي يوم الخميس ويوم الجمعة أربعة أمراء بدمشق، وهم طَشْتَمُر زَفَر(٤) وَطَيْبُغَا الفيل(٥) ،
ونَوْرُور(٦) أحد مقدمي الألوف، وتَمُر المهمندار(٧) ، وقد كان مقدم ألف، وحاجب الحجاب، وعمل نيابةً
غزة في وقت ، ثم تعصَّب عليه المصريون فعزلوه عن الإمرة ، وكان مريضاً فاستمر مريضاً إلى أن توفي يوم
الجمعة ، ودفن يوم السبت بتربته التي أنشأها بالصُّوفية ، لكنّه لم يُدفن فيها بل على بابها كأنه مودِّع أو ندم
على بنائها فوق قبور المسلمين رحمه الله .
وتوفي الأمير ناصر الدين بن لاقُوش(٨) يوم الإثنين العشرين من شوال ودُفن بالقُبَيْبات ، وقد ناب
ببعلبك وبحمصَ ، ثم قطع خبره هو وأخوه كُجْكُنُ(٩) ونفُوا عن البلد إلى بلدان شتى ، ثم رضي عنهم
الأمير يَلْبُغا وأعاد عليهم أخباراً (١) بطبلخانات ، فما لبث ناصر الدين إلا يسيراً حتى توفي إلى رحمة الله
تعالى ، وقد أثر آثاراً حسنة كثيرة ، منها عند عقبة الرمانة خان مليح نافع ، وله ببعلبك جامع وحمام وخان
وغير ذلك ، وله من العمر ست وخمسون سنة .
(١) في ط : العشرة أيام.
هو : علي بن محمد بن سعيد بن سالم بن يعقوب بن قمر . علاء الدين الأنصاري بن أمير المشهد . مات سنة
(٢)
(٧٦٣)هـ كما سيأتي.
(٤)
في ط : وفر والتصويب من الذيل التام للسخاوي (١٨٤/١) وترجمته فيه .
(٥)
ترجمته في الدرر الكامنة (٢٣٠/٢) .
(٦)
ترجمته في الدرر الكامنة (٣٩٨/٤). وهو نوروز الناصريّ.
(٧)
ترجمته في : الذيل للحسيني ص (٣٣٩) والذيل التام للسخاوي (١٨٣/١).
(٨)
ترجمته في الدرر الكامنة (٢٨٠/٤) والذيل التام للسخاوي (١٨٤/١) وفيه: محمد بن آقوش.
في ط : كحلن . وقد سبق الكلام فيه .
(٩)
(١٠) في ط: ((أخباراً)) بالراء ولا معنى لها، والصواب ما أثبتناه، وهو جمع ((خبز)). (بشار).
في ط : السيرجي بالسين . وما أثبت موافق لما في الذيل للحسيني ص (٣٤٤).
(٣)

٤٢٥
أحداث سنة ٧٦٣هـ
وفي يوم الأحد السادس والعشرين منه درَّس القاضي بدر(١) الدين محمد ابن قاضي القضاة بهاء الدين
أبي البقاء الشافعي بالمدرسة الأتابكية ، نزل له عنها والده بتوقيع سلطاني ، وحضر عنده القضاة
والأعيان، وأخذ في قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧].
وفي هذا اليوم درَّس القاضي نجم الدين أحمد بن عثمان النّابلسي الشّافعي المعروف بابن الجابي(٢)
بالمدرسة العَصْرونية (٣) استنْزل له عنها القاضي أمين الدين بن القلانسي في مصادراته .
وفي صبيحة يوم الإثنين التاسع والعشرين من شوّال درَّس القاضي ولي الدين عبد الله(٤) بن القاضي
بهاء الدين أبي البقاء بالمدرستين الرّواحية ثم القيْمريّة ، نزل له عنهما والده المذكور بتوقيع سلطاني ،
وحضر عنده فيهما القضاة والأعيان .
وفي صبيحة يوم الخميس سلخ شوال شُهر الشيخ أسد بن الشيخ الكردي(٥) على جمل وطِيْفَ به في
حواضر البلد ونُودي عليه : هذا جزاء من يخامر على السلطان ويفسد نواب السلطان ، ثم أُنزل عن الجمل
وحمل على حمار ، وطيف به في البلد ونُودي عليه بذلك ، ثم ألزم السجن وطُلب منه مالٌ جزيل ، وقد
كان المذكور من أعوان بَيْدَمُر المتقدم ذكره وأنصاره ، وكان هو المتسلِّم للقلعة في أيامه .
وفي صبيحة يوم الإثنين حادي عَشَرَ ذي القعدة خُلع على قاضي القضاة بدر الدين بن أبي الفتح بقضاء
العسكر الذي كان متوفّراً عن علاء الدين بن شَمَرْنُوخ(٦) ، وهنأه الناس بذلك وركب البغلة بالزناري مضافاً
إلى ما بيده من نيابة الحكم والتدريس .
وفي يوم الإثنين ثامن عشره أَعيد تدريس الركنية بالصالحية إلى قاضي القضاة شرف الدين الكفري
الحنفي ، استرجعها بمرسوم شريف سلطاني ، من يد القاضي عماد الدين بن العز ، وخُلع على الكفري ،
وذهب الناس إليه للتهنئة بالمدرسة المذكورة(٧) .
وفي شهر ذي الحجة اشتهر وقوع فتن بين الفلاحين بناحية عَجْلونُ(٨) ، وأنهم اقتتلوا فقتل من الفريقين
في ط : نور . وهو تحريف .
(١)
الياسوفي. مات سنة (٧٧٨) هـ. الدرر الكامنة (٢٠٠/١) الدارس (٢٤١/١).
(٢)
(٣)
هي داخل باب الفرج والنصر شرقي القلعة. الدارس (٣٩٨/١).
مات سنة (٧٨٥)هـ. الدرر الكامنة (٢٩٢/٢) الدارس (٢٧٣/١ و٤٤٥).
(٤)
هو : أسد بن أميري الكردي من أعوان بَيْدَمر ضد يَلْبُغَا. الدرر الكامنة (٣٥٩/١).
(٦) هو : علي بن عثمان بن أحمد بن عمر بن أحمد بن هرماس البعلي الزُّرعي الدمشقي علاء الدين بن شمرنوخ مات
(٥)
سنة (٧٧٦) هـ. الدرر الكامنة (٧٣/٣).
(٧)
الدارس (٥١٩/١) وهي : الركنية البرانية .
مدينة معروفة من أعمال الأردن اليوم .
(٨)

٤٢٦
أحداث سنة ٧٦٣هـ
اليمني والقيسي طائفة، وأن عين حيتا التي هي شرقي عَجْلون دمِّرت وخربت، وقطع أشجارها ودمرت
بالكلية .
وفي صبيحة يوم السبت الثاني والعشرين من ذي الحجة لم تفتح أبواب دمشق إلى ما بعد طلوع
الشمس ، فأنكر الناس ذلك، وكان سببه الاحتياط على أمير يقال له: كَتْبُغ١َ) ، كان يريد الهرب إلى بلاد
الشرق ، فاحتيط عليه حتى أمسكوه .
وفي ليلة الأربعاء السادس والعشرين من ذي الحجة قدم الأمير سيف الدين طاز(٢) من القدس فنزل
بالقصر الأبلق، وقد عميَ من الكحل حين كان مسجوناً بالإسكندرية، فأُطلق كما ذكرنا، ونزل ببيت
المقدس مدة، ثم جاءه تقليد بأنه یکون طرخان(٣) ينزل حيث شاء من بلاد السلطان ، غير أنه لا يدخل ديار
مصر ، فجاء فنزل بالقصر الأبلق ، وجاء الناس إليه على طبقاتهم - نائب السلطنة فمن دونه - يسلّمون عليه
وهو لا يبصر شيئاً، وهو على عزم أن يشتري أو يستكري له داراً بدمشقَ يسكنها. انتهى والله سبحانه وتعالى
أعلم .
ثم دخلت سنة ثلاث وستين وسبعمئة
استهلَّت هذه السنة وسلطان الديار المصرية والشامية والحرمين الشَّريفين وما والاهما من الممالك
الإسلامية السّلطان الملك المنصور صلاح الدين محمد بن الملك المظفر أمير حاجي (٤) بن الملك
المنصور قلاوون ، وهو شاب دون العشرين .
ومدبّر الممالك بين يديه الأمير يَلْبُغا، ونائب الديار المصرية قَشْتَمُر(٥).
وقضاتها هم المذكورون في التي قبلها .
والوزير سيف الدين قَرَوينة وهو مريضٌ مُدْنَفٌ .
ونائب الشام بدمشقَ الأمير علاء الدين المارداني ، وقضاته هم المذكورون في التي قبلها ، وكذلك
في ط : كسبغا وهو تحريف .
(١)
(٢) هو: طاز بن قطغاج. ذكر كثيراً. وكان مدبِّر الدولة أيام الملك الصالح. مات سنة (٧٦٣)هـ الدرر الكامنة
،
(٢ /٢١٤) .
(٣) له مرتب أمير، ولكنه بطال.
في ط : حاج ، والتصويب من ذيل العبر للحسيني ص (٣٤٧).
(٤)
(٥) في ط: طشتمر والتصويب من الدرر الكامنة (٢٤٩/٣) والدليل الشافي (٥٤٣/٢) وهو: قشتمر بن عبد الله
المنصوري الأمير سيف الدين ، قتل في واقعة بظاهر حلب سنة (٧٧٠)هـ .

٤٢٧
منام غريب جداً
الخطيب ، ووكيل بيت المال ، والمحتسب علاء الدين الأنصاري عاد إليها في السنة المنفصلة ، وحاجب
الحجَّاب قُماري(١) ، والذي يليه السليماني وآخر من مصر أيضاً، وكاتب السر القاضي ناصر الدين
محمد بن يعقوب الحلبي ، وناظر الجامع القاضي تقي الدين بن مراجل ، وأخبرني قاضي القضاة تاج
الدين الشافعي أنَّه جُدِّد في أول هذه السنة قاضي حنفي بمدينة صفد المحروسة مع الشافعي ، فصار في كل
من حماة وطرائُلُس وصفد قاضيان شافعي وحنفي .
وفي ثاني المحرّم قدم نائب السلطنة بعد غيبة نحو من خمسة عشر يوماً ، وقد أوطأ بلاد فرير
بالرعب ، وأخذ من مقدميهم طائفة فأودعهم الحبس ، وكان قد اشتهر أنه قصد العشيرات المواسين ببلاد
عجلون ، فسألتُه عن ذلك حين سلَّمتُ عليه فأخبرني أنه لم يتعد ناحية فرير ، وأن العشيرات قد اصطلحوا
واتفقوا ، وأن التجريدة عندهم هناك . قال : وقد كبس الأعراب من حرم الترك، فهزمهم الترك وقتلو
منهم خلقاً كثيراً ، ثم ظهر للعرب كمين فلجأ الترك إلى وادي صرح فحصروهم هنالك ، ثم ولت الأعراب
فراراً ولم يقتل من الترك أحد ، وإنما جرح منهم أمير واحد فقط ، وقتل من الأعراب فوق الخمسين نفساً .
وقدم الحجّاج يوم الأحد الثاني والعشرين من المحرّم ، ودخل المحمل السلطاني ليلة الإثنين بعد
العشاء ، ولم يحتفل لدخوله كما جرت به العادة ، وذلك لشدة ما نال الركب في الرجعة من بريز إلى هنا
من البرد الشديد ، بحيث إنه قد قيل إنه مات منهم بسبب ذلك نحو المئة ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، ولكن
أُخبروا برخص كثير وأمن ، وبموت ثقبة(٢) أخي عجلان صاحب مكة ، وقد استبشر بموته أهل تلك البلاد
لبغيه على أخيه عجلان العادل فيهم انتهى والله أعلم .
منام غريب جداً
ورأيتُ في ليلة الإثنين الثاني والعشرين من المحرَّم سنة ثلاث وستين وسبعمئة الشيخ محيي الدين
النَّواوي (٣) رحمه الله، فقلت له: يا سيدي الشيخ لم لا أدخلت في شرحك المهذب (٤) شيئاً من مصنّفات
سيأتي ذكره بعد قليل عند الكلام على عزل تاج الدين السبكي .
(١)
في ط : نفسه والتصويب من الدرر الكامنة (١/ ٥٣١) وهو : ثقبة بن رميثة.
(٢)
هو : أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي الدمشقي. مات سنة (٦٧٦) هـ فوات الوفيات (٢٦٤/٤).
(٣)
المهذب لأبي إسحاق الشيرازي إبراهيم بن علي. مات سنة (٤٧٦)هـ في الفقه الشافعي الفوات (٢٩/١) والأعلام
(٤)
(٥١/١) .
قلت : شرحه النووي ووصل فيه إلى أبواب الرّبا ، ولم يتمّه ، وقد ذكره ابن كثير لدى حديثه عن النَّووي - رحمه
الله - إذ قال : إنه لو كمل لم يكن له نظير في بابه ، فإنه أبدع فيه وأجاد ، وأفاد وأحسن الانتقاد وحرّر الفقه في
المذهب وغيره ، والحديث على ما ينبغي ، واللغة وأشياء مهمة لا أعرف في كتب الفقه أحسن منه . اهـ .

٤٢٨
وفيات سنة ٧٦٣هـ
ابن حزمُ(١) ؟ فقال ما معناه : إنه لا يحبه ، فقلت له : أنت معذور فيه فإنه جمع بين طرفي النقيضين في
أصوله وفروعه ، أما هو في الفروع فظاهري جامد يابس ، وفي الأصول تول مائع(٢) قرمطة القرامطة
وهرس الهرائسة ، ورفعت بها صوتي حتى سمعت وأنا نائم ، ثم أشرت له إلى أرض خضراء تشبه النخيل
بل هي أردأ شكلاً منه ، لا ينتفع بها في استغلال ولا رعي ، فقلت له : هذه أرض ابن حزم التي زرعها
[ قال ] انظر هل ترى فيها شجراً مثمراً أو شيئاً ينتفع به ؟ فقلت : إنما تصلح للجلوس عليها في ضوء
القمر . فهذا حاصل ما رأيته ، ووقع في خَلَدي أنّ ابنَ حزم كان حاضرنا عند ما أشرت للشّيخ محيي الدين
إلى الأرض المنسوبة لابن حزم ، وهو ساكت لا يتكلم .
وفي يوم الخميس الثالث والعشرين من صفر خلع على القاضي عماد الدين بن الشّيرجي بعَود
الحسبة إليه بسبب ضعف علاء الدين الأنصاري عن القيام بها لشغله بالمرض المُدْنِف ، وهنَّأه الناس على
العادة .
وفي يوم السبت السادس والعشرين من صفر توفي
الشيخ علاء الدين الأنصاري(٣) المذكور بالمدرسة الأمينيّة، وصُلّي عليه الظهر بالجامع الأموي ،
ودفن بمقابر باب الصغير خلف محراب جامع جراح(٤) ، في تربة هنالك ، وقد جاوز الأربعين سنة ،
ودرَّس في الأمينيّة ، وفي الحسبة مرتين ، وترك أولاداً صغاراً وأموالاً جزيلة سامحه الله ورحمه ، وولي
المدرسة بعده قاضي القضاة تاج الدين بن السُّبكي بمرسوم كريم شريف(٥) .
وفي العشر الأخير من صفر بلغنا وفاة :
قاضي القضاة المالكية الإخنائي(٦) بمصر وتولية أخيه برهان الدين ابن قاضي القضاة علم الدين
الشافعي أبوه قاضياً مكان أخيه ، وقد كان على الحسبة بمصرَ مشكور السيرة فيها ، وأضيف إليه نظر
الخزانة كما كان أخوه .
وفي صبيحة يوم الأحد رابع شهر ربيع الأول كان ابتداء حضور قاضي القضاة تاج الدين أبو نصر
(١) هو: أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري مات سنة (٤٥٦) الفوات (٣٢٥/٣) هـ.
(٢)
هكذا في ط ، والتولة : الداهية .
ترجمته في الذيل للحسيني ص (٣٤٨) والدرر الكامنة (١٠٣/٣) وفيه: علي بن محمد بن سعيد بن سالم ... والدارس
(٣)
(٢٠٠/١) والذيل التام للسخاوي (١٨٨/١).
خارج الباب الصغير بمحلة سوق الغنم . الدارس (٤٢٠/٢).
(٤)
الدارس (٢٠٠/١) .
(٥)
ترجمته في الذيل للحسيني ص (٣٤٨) والدرر الكامنة (٢٤٥/٤) والنجوم الزاهرة (١٤/١١) والذيل التام للسخاوي
(٦)
(١٨٩/١) .

٤٢٩
وفيات سنة ٧٦٣هـ
عبد الوهاب ابن قاضي القضاة تقي الدين أبي(١) الحسن بن عبد الكافي السُّبكي الشافعي تدريس الأمينيّة
عوضاً عن الشيخ علاء الدين المحتسب ، بحكم وفاته رحمه الله كما ذكرنا ، وحضر عنده خلق من العلماء
والأمراء والفقهاء والعامة، وكان درساً حافلاً ، أخذ في قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَآ ءَ اتَلُهُمُ اللَّهُ
مِن فَضْلِهِ ﴾ [النساء: ٥٤] الآية وما بعدها، فاستنبط أشياء حسنة، وذكر ضَرْباً من العلوم بعبارة طلقة جارية
معسولة ، أخذ ذلك من غير تلعثُم ولا تلجلُج ولا تكلّف فأجاد وأفاد ، وشكره الخاصة والعامة من
الحاضرين وغيرهم حتى قال بعض الأكابر: إنَّه لم يسمع درساً مثله (٢) .
وفي يوم الإثنين الخامس والعشرين منه توفي :
الصدر برهان الدين بن لؤلؤ الحوضي (٣)، في داره بالقَصَّاعين ولم يمرض إلا يوماً واحداً ، وصُلّي
عليه من الغد بجامع دمشق بعد صلاة الظهر ، وخرجوا به من باب النصر ، فخرج نائب السَّلطنة الأمير علي
فصلَّى عليه إماماً خارج باب النصر ، ثم ذهبوا به فدفنوه بمقابرهم بباب الصغير ، فدفن عند أبيه
رحمه الله ، وكان رحمه الله فيه مروءة وقيام مع الناس ، وله وجاهةٌ عند الدّولة ، وقبول عند نواب السلطنة
وغيرهم ، ويحب العلماء وأهل الخير ، ويواظب على سماع مواعيد الحديث والخير ، وكان له مال وثروة
ومعروف ، قارب الثمانين رحمه الله .
وجاء البريد من الديار المصرية فأخبر بموت :
الشيخ شمس الدين محمد(٤) بن النَّقَّاش المصري بها ، وكان واعظاً باهراً، وفصيحاً ماهراً ، ونحويّاً
شاعراً ، له يدٌ طولى في فنون متعددة ، وقدرة على نسج الكلام ، ودخول على الدَّولة ، وتحصيل
الأموال ، وهو من أبناء الأربعين رحمه الله .
وأخبر البريد بولاية قاضي القضاة شرف الدين المالكي البغدادي ، الذي كان قاضياً بالشام للمالكية ،
ثم عُزل بنظر الخزانة بمصر ، فإنَّه رُتِّب له معلوم وافر يكفيه ويفضل عنه ، ففرح بذلك من يحبُّه .
وفي يوم الأحد السابعَ عشرَ من ربيع الآخر توفي :
الرَّئيس أمين الدين محمد(٥) بن الصدر جمال الدين أحمد بن الرئيس شرف الدين محمد بن
في ط: ((بن)) وهو تحريف بين فهو أبو الحسن علي بن عبد الكافي ( بشار) .
(١)
(٢)
الدرر الكامنة (٤٢٦/٢) الدارس (٢٠٠/١) .
(٣)
لم أقع له على ترجمة فيما بين يدي من المراجع .
ترجمته في الذيل للحسيني ص(٣٤٩) والدرر الكامنة (٧١/٤) والنجوم الزاهرة (١٣/١١) والذيل التام (١٨٥/١).
(٤)
وهو : محمد بن علي بن عبد الواحد بن يحيى بن عبد الرحيم الدكالي ثم المصري أبو أمامة بن النَّقَّاش .
ترجمته في الذيل للحسيني ص (٣٤٩) والدرر الكامنة (٣٦٢/٣) والنجوم الزاهرة (١٥/١١) والدارس (٣٠٧/١)
(٥)
والذيل التام (١/ ١٨٧).

٤٣٠
وفيات سنة ٧٦٣هـ
القلانسي ، أحد من بقي من رؤساء البلد وكبرائها ، وقد كان باشر مباشرات كبار كأبيه وعمّه علاء الدين ،
ولكن فاق هذا على أسلافه فإنّه باشر وكالة المال مدّة ، وولي قضاء العساكر أيضاً ، ثم ولي كتابة السر مع
مشيخة الشيوخ وتدريس النَّاصريّة والشَّامية الجوّانية، وكان قد درس في العَصْرونيّة (١) من قبل سنة ست
وثلاثين ، ثم لما قدم السلطان في السنة الماضية عُزل عن مناصبه الكبار ، وصُودر بمبلغ كثير يقارب مئتي
ألف ، فباع كثيراً من أملاكه ، وما بقي بيده من وظائفه شيء ، وبقي خاملاً مدَّة إلى يومه هذا ، فتوفي
بغتة ، وكان قد تشوش قليلاً لم يشعر به أحد ، وصُلّي عليه العصر بجامع دمشق ، وخرجُوا به من باب
الناطفانيين إلى تربتهم التي بسفح قاسيون رحمه الله .
وفي صبيحة يوم الإثنين ثامن عشره ، خلع على القاضي جمال الدين ابن قاضي القضاة شرف الدين
الكَفْري الحنفي(٢) ، وجعل مع أبيه شريكاً في القضاء ولُقِّب في التوقيع الوارد صحبة البريد من جهة
السلطان (( قاضي القضاة)) فلبس الخلعة بدار السعادة ، وجاء ومعه قاضي القضاة تاج الدين السُّبكي إلى
التُّورية فقعد في المسجد ووضعت الربعة فقرئت وقرىء القرآن ولم يكن درساً ، وجاءت الناس للتهنئة بما
حصل من الولاية له مع أبيه .
وفي صبيحة يوم الثلاثاء توفّي :
الشيخ الصالح العابد الناسك الجامع فتح الدين(٣) بن الشيخ زين الدين الفَارقي ، إمام دار الحديث
الأشرفية ، وخازن الأثر بها ، ومؤذن في الجامع ، وقد أتت عليه تسعون سنة في خير وصيانة وتلاوة
وصلاة كثيرة وانجماع عن الناس ، صلّي عليه صبيحة يومئذ ، وخرج به من باب النصر إلى نحو الصالحية
رحمه الله .
وفي صبيحة يوم الإثنين عاشر جمادى الأولى ورد البريد وهو قَرَابُغَا دوادار نائب الشام الصغير ومعه
تقليد بقضاء قضاة الحنفية للشيخ جمال الدين يوسف ابن قاضي القضاة شرف الدين الكَفْري ، بمقتضى
نزول أبيه له عن ذلك ، ولبس الخلعة بدار السعادة وأجلس تحت المالكي ، ثم جاؤوا إلى المقصورة من
الجامع وقرىء تقليده هنالك ، قرأه شمس الدين بن السُّبكي نائب الحسبة ، واستناب اثنين من أصحابهم
الدارس (٣٠٨/١ و٤٠٤) .
(١)
هو : يوسف بن أحمد بن الحسين بن سليمان بن فزارة مات سنة (٧٦٦) هـ. الدرر الكامنة (٤٤٦/٤).
(٢)
ترجمته في الذيل للحسيني ص (٣٥٠) والدرر الكامنة (٤٢٤/٤) والنجوم الزاهرة (١١ / ١٧) والذيل التام للسخاوي
(٣)
(١٩٠/١) .
وهو : يحيى بن عبد الله بن مروان بن عبد الله بن قمر الفارقي ثم الدمشقي .

٤٣١
وفيات سنة ٧٦٣هـ
وهما شمس الدين بن منصور(١) ، وبدر الدين بن الجواشني (٢) ثم جاء معه إلى النورية فدرَّس بها ولم
يحضره والده بشيء من ذلك انتهى والله أعلم .
موت الخليفة المُعْتضد بالله(٣) :
كان ذلك في العشر الأوسط من جمادى الأولى بالقاهرة ، وصُلِّيَ عليه يوم الخميس ، أخبرني بذلك
قاضي القضاة تاج الدين الشَّافعي ، عن كتاب أخيه الشيخ بهاء الدين رحمهما الله .
خلافة المتو گّل على الله
ثم بُويع بعده ولده المتوكل على الله(٤) أبو عبد الله محمد بن المعتضد أبي بكر أبي الفتح بن المستكفي
بالله أبي الربيع سليمان بن الحاكم بأمر الله أبي العباس أحمد رحم الله أسلافه .
وفي جمادى الأولى توجّه الرسول من الديار المصرية ومعه صناجق خليفية وسلطانية وتقاليد وخلع
وتحف لصاحبي المَوْصل وسِنْجار من جهة صاحب مصر ليُخطب له فيهما .
وولي قاضي القضاة تاج الدين الشافعي الشُّبكي الحاكم بدمشق لقاضيهما من جهته تقلیدین ، حسب
ما أخبرني بذلك ، وأرسلا مع ما أرسل به السلطان إلى البلدين ، وهذا أمر غريب لم يقع مثله فيما تقدم
فيما أعلم والله أعلم .
وفي جُمادى الآخرة خرج نائب السلطنة إلى مرج الفسولة ومعه حجبته ونقباء النقباء ، وكاتب السرّ
وذووه ، ومن عزمهم الإقامة مدة ، فقدم من الديار المصرية أمير على البريد فأسرعوا الأوبة فدخلوا في
صبيحة الأحد الحادي والعشرين منه ، وأصبح نائب السلطنة فحضر الموكب على العادة .
وخلع على الأمير سيف الدين يَلْبُغا الصَّالحي ، وجاء النص من الديار المصرية بخلعة دوادار عوضاً
عن سيف الدين كجكن(٥) .
وخلع في هذا اليوم على الصدر شمس الدين بن مرقي بتوقيع الدست ، وجهات أخر ، قدم بها من
الديار المصرية ، فانتشر الخبر في هذا اليوم بإجلاس قاضي القضاة شمس الدين الكفري الحنفي ، فوق
قاضي القضاة ، لكن لم يحضر في هذا اليوم ، وذلك بعد ما قد أمر بإجلاس المالكي فوقه .
(١)
الدارس (٦٢٤/١) .
في ط : الخراشي وأثبتنا ما في الذيل للحسيني ص (٣٥١).
(٢)
(٣)
ترجمته في الذيل للحسيني ص (٣٥٠) والدرر الكامنة (٤٤٣/١) والنجوم الزاهرة (١٤/١١) والذيل التام (١/ ١٨٥).
(٤)
بعد هذا في ط : علي ، ولا يصح .
في ط : كحلن . وقد مر الحديث فيه .
(٥)

٤٣٢
أعجوبة من العجائب
وفي ثاني رجب توفي :
القاضي الإمام العالم شمس الدين(١) بن مفلح المقدسي الحنبلي ، نائب مشيخة قاضي القضاة جمال
الدين يوسف بن محمد المقدسي الحنبلي ، وزوج ابنته ، وله منها سبعة أولاد ذكور وإناث ، وكان بارعاً
فاضلاً متفنّناً في علوم كثيرة ، ولاسيما علم الفروع ، كان غاية في نقل مذهب الإمام أحمد ، وجمع
مصنَّفَات كثيرة منها كتاب (( المقنع )) نحواً من ثلاثين مجلداً كما أخبرني بذلك عنه قاضي القضاة جمال
الدين ، وعلق على (( محفوظة أحكام الشيخ مجد الدين بن تيمية )(٢) مجلدين ، وله غير ذلك من الفوائد
والتعليقات رحمه الله ، توفي عن نحو خمسين سنة ، وصُلّ عليه بعد الظهر من يوم الخميس ثاني الشهر
بالجامع المظفّري ، ودُفن بمقبرة الشيخ الموفق ، وكانت له جنازة حافلة حضرها القضاة كلهم ، وخلق
من الأعيان رحمه الله وأكرم مثواه .
وفي صبيحة يوم السبت رابع رجب ضرب نائبُ السلطنة جماعة من أهل قبر عاتكة (٣) أساؤوا الأدب
على النائب ومماليكه ، بسبب جامع للخُطبة جُدِّدَ بناحيتهم ، فأراد بعض الفقراء أن يأخذ ذلك الجامع
ويجعله زاوية للرقَّاصين ، فحكم القاضي الحنبلي بجعله جامعاً قد نصب فيه منبر ، وقد قدم شيخ الفقراء
على يديه مرسوم شريف بتسليمه إليه ، فأنفت أنفس أهل تلك الناحية من عَوده زاوية بعد ما كان جامعاً ،
وأعظموا ذلك ، فتكلم بعضهم بكلام سيء ، فاستحضر نائب السلطنة طائفة منهم وضربهم بالمقارع بين
يديه ، ونودي عليهم في البلد ، فأراد بعض العامة إنكاراً لذلك .
وحُدِّد ميعاد حديث يقرأ بعد المغرب تحت قبة النسر على الكرسي الذي يقرأ عليه المصحف ، رَبه
أحد أولاد القاضي عماد الدين بن الشِّيرازي ، وحدّث فيه الشيخ عماد الدين بن السراج ، واجتمع عنده
خلق كثير وجم غفير ، وقرأ في (( السِّيرة النبوّية)(٤) من خطِّ ، وذلك في العشر الأول من هذا الشهر .
أعجوبة من العجائب :
وحضر شاب عجمي من بلاد تِبْريز وخُرَاسان يزعم أنّه يحفظ ((البخاري)) و((مسلماً)) و((جامع
المسانيد)) و((الكشاف)) للزمخشري وغير ذلك من محاضيرها، في فنون أَخر . فلما كان يوم الأربعاء
سلخ شهر رجب قرأ في الجامع الأموي بالحائط الشمالي منه ، عند باب الكلاسة من أول (( صحيح
البخاري)) إلى أثناء كتاب العلم منه، من حفظه وأنا أقابل عليه من نسخة بيدي ، فأدَّى جيداً ، غير أنَّه
(١) ترجمته في الذيل للحسيني ص (٣٥٢) وفيه: أبو عبد الله محمد بن مفلح. والدرر الكامنة (٢٦١/٤) والنجوم
الزاهرة (١٦/١١) والدارس (٨٥/٢) والذيل التام (١٩٠/١).
(٢)
هو كتاب المنتقى للمجد بن تيمية .
(٣)
محلّة معروفة إلى اليوم بدمشق .
(٤) يعني السيرة النبوية التي ألّفها ابن كثير رحمه الله وهي مطبوعة .

٤٣٣
عزل الأمير علي - سفر قاضي القضاة
يصحِّفُ بعضاً من الكلمات لعُجْم فيه ، وربما لَحَن أيضاً في بعض الأحيان ، واجتمع خلقٌ كثير من العامّة
والخاصّة وجماعةٌ من المحدّثين ، فأعجب ذلك جماعةً كثيرين ، وقال آخرون منهم : إن سردَ بقيّة الكتاب
على هذا المنوال لعظيمٌ جداً
.
فاجتمعنا في اليوم الثاني وهو مستهلُّ شعبان في المكان المذكور، وحضر قاضي القضاة الشافعي
وجماعة من الفضلاء، واجتمع العامة مُخْدقين ، فقرأ على العادة غير أنَّه لم يطوِّل كأول يوم ، وسقط عليه
بعض الأحاديث، وصحَّف ولحَن في بعض الألفاظ ، ثم جاء القاضيان الحنفي والمالكي فقرأ بحضرتهما
أيضاً بعضَ الشيء ، هذا والعامة محتقُّون به متعجِّبون من أمره ، ومنهم من يتقرب بتقبيل يديه ، وفرح
بكتابتي له بالسَّماع على الإجازة ، وقال : أنا ما خرجت من بلادي إلَّا إلى القصد إليك ، وأن تجيزني ،
وذكرك في بلادنا مشهور، ثم رجع إلى مصر ليلة الجمعة وقد كارمه القضاة والأعيان بشيء من الدَّراهم
يقارب الألف.
عزل الأمير علي عن نيابة دمشق المحروسة (١) :
في يوم الأحد حادي عَشَرَ شعبان ورد البريد من الدّيار المصرية وعلى يديه مرسوم شريف بعزل الأمير
علي عن نيابة دمشقَ ، فأحضر الأمراء إلى دار السعادة وقُرىء المرسوم الشريف عليهم بحضوره ، وخُلع
عليه خلعةٌ وردت مع البريد ، ورُسم له بقرية دومة وأُخرى في بلاد طَرابُلُس على سبيل الراتب ، وأن يكون
في أي البلاد شاء من دمشقَ أو القدسِ أو الحجاز ، فانتقل من يومه من دار السَّعادة وبباقي أصحابه
ومماليكه ، واستقرَّ نزوله في دَار الخليلي بالقصاعين التي جدَّدها وزاد فيها دويداره يَلْبُغا ، وهي دار
هائلة، وراح النَّاسُ للتَّأْسُّف عليه والحُزن له انتهى .
سفر قاضي القضاة تاج الدين عبد الوهاب (٢) بن السُّبكي الشافعيّ مطلوباً إلى الديار المصرية معزولًاً
عن قضاء دمشق :
ورد البريد بطلبه من آخر نهار الأحد بعد العصر الحادي عشر من شعبان سنة ثلاث وستين وسبعمئة ،
فأرسل إليه حاجب الحجاب قُماري وهو نائب الغيبة أن يسافرَ من يومه ، فاستنظرهم إلى الغد فأمهل ، وقد
ورد الخبر بولاية أخيه الشيخ بهاء الدين بن السبكي بقضاء الشام عوضاً عن أخيه تاج الدين ، وأرسل
يستنيب ابن أختهما قاضي القضاة تاج الدين في التأهُّب والسير ، وجاء الناس إليه ليودِّعُوه ويستوحشون
له ، وركب من بستانه بعد العصر يوم الإثنين ثاني عشر شعبان ، متوجهاً على البريد إلى الديار المصرية ،
وبين يديه قضاة القضاة والأعيان ، حتى قاضي القضاة بهاء الدين أبو البقاء السُّبكي ، حتى ردهم قريباً من
(١) الذيل للحسيني ص (٣٥٢) الدرر الكامنة (٧٧/٣) الذيل التام (١/ ١٨٥).
(٢) الذيل للحسيني ص (٣٥٢) الدرر الكامنة (٤٢٦/٢).

٤٣٤
أعجوبة أخرى غريبة - دخول نائب السلطنة قشتمر
الجُسُورة ، ومنهم من جاوزها والله المسؤول في حسن الخاتمة في الدنيا والآخرة ، انتهى والله سبحانه
وتعالى أعلم بالصواب .
أعجوبة أخرى غريبة :
لما كان يوم الثلاثاء العشرين من شعبان دُعيت إلى بستان الشيخ العلامة كمال الدين بن الشَّرِيشي شيخ
الشافعية ، وحضر جماعة من الأعيان منهم الشيخ العلامة شمس الدين بن الموصلي الشافعي(١) ، والشيخ
الإمام العلامة صلاح الدين الصَّفدي (٢)، وكيل بيت المال، والشيخ الإمام العلامة شمس الدين الموصلي
الشافعي ، والشيخ الإمام العلامة مجد الدين محمد بن يعقوب الشيرازي من ذرية الشيخ أبي إسحاق
الفيروزابادي(٣)، من أئمة اللُّغويين، والخطيب الإمام العلامة صدر الدين بن العز الحنفي أحد البلغاء
الفضلاء ، والشيخ الإمام العلامة نور الدين علي بن الصَّارم أحدُ القراء المحدِّثين البلغاء ، وأحضروا نيفاً
وأربعين مجلداً من كتاب ((المنتهى في اللغة)(٤) للتَّميمي البرمكي (٥)، وقف النَّاصريَّة(٦) وحضر ولد
الشيخ كمال الدين بن الشَّرِيشي، وهو العلامة بدر الدين محمد، واجتمعنا كلُّنا عليه، وأخذ كل منّا مجدداً
بيده من تلك المجلَّدات، ثم أخذنا نسألُه عن بيوت الشّعر المُسْتشهد عليها بها ، فينشر كُلاًّ منها ويتكلم
عليه بكلام مبين مفيد ، فجزم الحاضرون والسَّامعون أنه يحفظ جميع شواهد اللُّغة ولا يشذُّ عنه منها إلا
القليل الشاذ ، وهذا من أعجب العجائب ، وأبلغ الإعراب (٧).
دخول نائب السلطنة سيف الدين قَشْتَمُ(٨):
وذلك في أوائل رمضان يوم السبت(٩) ضُحىّ، والحجبةُ بين يديه والجيش بكماله ، فتقدَّم إلى سوق
الخيل فأُركب فيه، ثم جاء ونزل عند باب السر ، وقبّل العَتَبَة ، ثم مشى إلى دار السعادة والناس بين يديه .
وكان أول شيء حكم فيه أن أمر بصلب الذي كان قتل بالأمس والي الصالحيَّة ، وهو ذاهب إلى صلاة
الجمعة، ثم هرب فتبعه الناس فقتل منهم آخر، وجرح آخرين، ثم تكاثروا عليه فمُسك، ولما صُلب طافوا
(١) هو: محمد بن محمد بن عبد الكريم البعلي، مات سنة (٧٧٤)هـ الدرر الكامنة (١٨٨/٤).
(٢) هو : خليل بن أيبك صاحب الوافي بالوفيات مات سنة (٧٦٤هـ) كما سيأتي .
(٣)
صاحب القاموس المحيط .
هو : المنتهى في الفرع ، منقول من الصحّاح وزاد عليه أشياء . كشف الظنون (١٨٥٨).
(٤)
هو : محمد بن تميم البرمكي مات سنة (٤١١) هـ الدارس (١٦٣/١).
(٥)
(٦)
المدرسة الناصرية الدارس (٤٥٩/١) .
نقله السخاوي في الذيل التام (١٨٦/١) مع بعض التصرُّف في الألفاظ.
(٧)
(٨)
في ط : تشْتَمُر بالتاء ، وهو تحريف . وسبق الحديث فيه .
(٩) الذيل للحسيني ص (٣٥٢ -٣٥٣).

٤٣٥
قدوم قاضي القضاة بهاء الدين أحمد
به على جملٍ إلى الصَّالحية فمات هناك بعد أيام ، وقاسى أمراً شديداً من العقوبات ، وقد ظهر بعد ذلك
على أنه قتل خلقاً كثيراً من الناس قبحه الله .
قدوم قاضي القضاة بهاء الدين أحمد بن تقي الدين عوضاً عن أخيه قاضي القضاة تاج الدين بن
عبد الوهاب :
قدم يوم الثلاثاء قبل العصر فبدأ بملك الأمراء فسلّم عليه ، ثم مشى إلى دار الحديث فصلّى هناك ، ثم
مشى إلى المدرسة الرُّكنّةُ(١) فنزل بها عند ابن أخيه قاضي القضاة بدر الدين بن أبي الفتح(٢) ، قاضي
العساكر، وذهب النَّاسُ للسَّلام عليه، وهو يكره من يلقِّبه بقاضي القضاة ، وعليه تواضُعٌ وتقشُّف ،
ويظهر عليه تأسُّف على مفارقة بلده ووطنه وولده وأهله ، والله المسؤول المأمول أن يحسن العاقبة (٣) .
وخرج المحملُ السّلطاني يوم الخميس ثامنَ عشرَ شوّال ، وأمير الحاج الملك صلاح الدين ابن الملك
الكامل بن السعيد بن العادل الكبير ، وقاضيه الشيخ بهاء الدين بن سَبُع مدرس الأمينية٤ُ) ببعلبك ، وفي
هذا الشهر وقع الحكم بما يخص المجاهدين من وقف المدرسة التَّقويةُ(٥) إليهم ، وأذن القضاة الأربعة
إليهم بحضرة ملك الأمراء في ذلك .
وفي ليلة الأحد ثالث شهر ذي القعدة توفي
القاضي ناصر الدين محمد(٦) بن يعقوب كاتب السر، وشيخ الشيوخ ومدرّس النّاصريّة الجوّانيةُ(٧)
والشَّامية الجوَّانيةُ(٨) بدمشق، ومدرّس الأسديّةُ(٩) بحلب ، وقد باشر كتابة السر بحلب أيضاً ، وقضاء
العساكر وأفتى بزمان ولاية الشيخ كمال الدين الزملكاني قضاء حلب ، أذن له هنالك في حدود سنة سبع
وعشرين وسبعمئة، ومولده سنة سبع وسبعمئة، وقد قرأ ((التنبيه)) و(( مختصر ابن الحاجب)) في
الأصول ، وفي العربية ، وكان عنده نباهةٌ وممارسةٌ للعلم ، وفيه جودة طباع وإحسان بحسب ما يقدر
الركنية هي الجوانية .
(١)
هو محمد بن محمد بن عبد اللطيف مات سنة (٧٧١)هـ. الدرر الكامنة (١٨٩/٤).
(٢)
(٣)
الذيل للحسيني ص (٣٥٣) .
واقفها : أمين الدولة غزال أبو الحسن وزير الصالح إسماعيل أبي الحبش ، كان يهودياً فأسلم في الظاهر ، مات سنة
(٤)
(٦٤٨)هـ. الدارس (٢٨٥/٢) .
من أجلِّ مدارس دمشق ، داخل باب الفراديس ، شمال الجامع. الدارس (٢١٦/١).
(٥)
ترجمته في الذيل للحسيني ص (٣٥٥) والدرر الكامنة (٢٨٧/٤) والنجوم الزاهرة (١٦/١١) والدارس (٣٠٧/١)
(٦)
والذيل التام (١٨٩/١).
الدارس (١/ ٣٠٧ و٤٦٢) .
(٧)
الدارس (١/ ٣٠٧) .
(٨)
الدرر الكامنة (٢٨٨/٤) .
(٩)

٤٣٦
أحداث سنة ٧٦٤ هـ
عليه ، وليس يُتوسّم منه سوء ، وفيه ديانة وعفّة، حلف لي في وقت بالأيمان المغلّظة أنه لم يكن (١) قطّ
منه فاحشة اللّواط ولا خطر له ذلك ، ولم يزن ولم يشرب مُسكراً ولا أكل حشيشة ، فرحمه الله وأكرم
مثواه ، صُلِّي عليه بعد الظهر يومئذ ، وخُرج بالجنازة من باب النصر ، فخرج نائبُ السلطنة من دار السعادة
فحضر الصلاة عليه هنالك ، ودُفن بمقبرة لهم بالصُّوفية وتأسَّفوا عليه وترخَّموا ، وتزاحم جماعةٌ من
الفقهاء بطلب مدارسه انتهى .
ثم دخلت سنة أربع وستين وسبعمئة
استهلّت هذه السنة وسلطان الإسلام بالديار المصرية والشامية والحجازية وما يتبعها من الأقاليم
والرساتيق الملك المنصور صلاح الدين محمد بن الملك المنصور المظفّري حاجي بن الملك الناصر
محمد ابن الملك المنصور قلاوون الصالحي .
ومدبر الممالك بين يديه وأتابك العساكر سيف الدين يَلْبُغا .
وقضاة مصرهم المذكورون في التي قبلها ، غير أن ابن جماعة قاضي الشَّافعية وموفق الدين قاضي
الحنابلة في الحجاز الشريف ، ونائبُ دمشقَ الأمير سيف الدين قَشْتَمرُ المنصوري ، وقاضي قضاة الشافعية
الشيخ بهاء الدين ابن قاضي القضاة تقي الدين السُّبكي ، وأخوه قاضي القضاة تاج الدين مقيمٌ بمصرَ ،
وقاضي قضاة الحنفية الشيخ جمال الدين ابن قاضي القضاة شرف الدين الكَفْري ، آثره والده بالمنصب
وأقام على تدريس الزُكنّة يتعبَّدُ ويتلو ويُجْمعُ على العبادة ، وقاضي قضاة المالكية جمال الدين
المسلاَّتي ، وقاضي قضاة الحنابلة الشيخ جمال الدين المرداوي [ والخطيب ]٢) محمود بن جَمْلة،
ومحتسب البلد الشيخ عماد الدين بن الشَّيرجي ، وكاتب السر جمال الدين عبد الله بن الأثير ، قدم من
الديار المصرية عوضاً عن ناصر الدين بن يعقوب ، وكان قدومه يوم سلخ السنة الماضية (٣) ، وناظر
الدواوين بدر الدين حسن بن النابلسي ، وناظر الخزانة القاضي تقي الدين بن مراجل .
ودخل المحمل السلطاني يوم الجمعة الثاني والعشرين من المحرم بعد العصر خوفاً من المطر ، وكان
في ط : يمكن وهو تحريف .
(١)
سقطت من ط . وقد تولى الخطابة بعد الشيخ تاج الدين عبد الرحيم بن القاضي جلال الدين القزويني . وسيأتي في
(٢)
وفيات هذه السنة .
(٣) في بدائع الزهور (٥٨٩/١): وفي شهر شوال أخلع على القاضي جمال الدين عبد الله بن محمد المعروف بابن
الأثير ، واستقرّ في كتابة السرّ بدمشق عوضاً عن القاضي ناصر الدين.

٤٣٧
أحداث سنة ٧٦٤هـ
وقع مطرٌ شديد قبل أيام، فتلف منه غلاتٌ كثيرة بحَوْران وغيرها، ومساطيح(١) وغير ذلك، فإنا لله وإنا
إليه راجعون .
وفي ليلة الأربعاء السابع والعشرين منه بعد عشاء الآخرة قبل دقة القلعة دخل فارس من ناحية باب
الفرج إلى ناحية باب القلعة الجوانية ، ومن ناحية الباب المذكور سلسلة ، ومن ناحية باب النصر أخرى
جددتا لئلا يمر راكب على باب القلعة المنصورة ، فساق هذا الفارس المذكور على السلسلة الواحدة
فقطعها ، ثم مر على الأخرى فقطعها وخرج من باب النصر ولم يعرف لأنه ملئَّم .
وفي حادي عشرَ صفر وقبله بيوم قدم البريد من الديار المصرية بطلب الأمير سيف الدين زبالة أحد
أمراء الألوف إلى الديار المصرية مكرَّماً ، وقد كان عزل عن نيابة القلعة بسبب ما تقدم ، وجاء البريد أيضاً
ومعه التواقيع التي كانت بأيدي ناس كثير ، زيادات على الجامع ، رُدَّت إليهم وأَقْرُوا على ما بأيديهم من
ذلك ، وكان ناظر الجامع الصاحب تقي الدين بن مراجل قد سعى برفع ما زيد بعد التذكرة التي كانت في
أيام صَرْغَتْمُش ، فلم يف ذلك .
وتوجّه الشيخ بهاء الدين بن السبكي قاضي قضاة الشام الشافعي من دمشق إلى الديار المصرية يوم
الأحد سادسَ عشرَ صفر من هذه السنة ، وخرج القضاة والأعيان لتوديعه ، وقد كان أخبرنا عند توديعه بأن
أخاه قاضي القضاة تاج الدين قد لبس خلعة القضاء بالديار المصرية ، وهو متوجه إلى الشَّام عند وصوله
إلى ديار مصر، وذكر لنا أن أخاه كاره للشَّام . وأنشدني القاضي صلاح الدّين الصَّفدي ليلة الجمعة رابع
عشره لنفسه فيما عكس عن المتنبي في يديه من قصيدته وهو قوله :
إذا اعتاد الفتى خوضَ المنايا فأيسرُ ما يمرُ به الوحولٌ(٢)
وقال :
دخولُ دمشقَ يُكسبُنا نُحُولاً كأنَّ لها دخولاً في البَرَايَا
فأيسرُ ما يمرُّ بهِ المنايا
إذا اعتادَ الغريبُ الخوض فيها
وهذا شعر قوي ، وعكس جليّ ، لفظاً ومعنى(٣).
وفي ليلة الجمعة الحادي والعشرين من صفر عملت خيمة حافلة بالمارستان الدقاقي جوار الجامع ،
بسبب تكامل تجديده قريب السقف مبنياً باللَّبِن ، حتى قناطره الأربع بالحجارة البلق ، وجعل في أعاليه
(١) في ط : مشاطيخ وهو تحريف .
والمساطيح : ج مِسْطح وهو مكان بسط التمر وغيره للتجفيف واللُّغة فيه : مساطح .
(٢)
في ط : الوصول بالصاد وهو تحريف . والبيت من قصيدة يمدح بها المتنبي سيف الدولة وقد عزم على الرحيل عن
أنطاكية . وهي في ديوانه (٣/ ٥) بشرح العُكْبَري .
(٣) نقله السخاوي في الذيل التام (١/ ١٩٣).

٤٣٨
وفيات سنة ٧٦٤هـ
قمريات كبار مضيئة ، وفتق في قبلته إيواناً حسناً زاد في أعماقه أضعاف ما كان ، وبيَّضَه جميعه بالجصّ
الحسن المليح ، وجُدّدت فيه خزائن ومصالح ، وفرش ولحف جدد ، وأشياء حسنة ، فأثابه الله وأحسن
جزاءه آمين ، وحضر الخيمة جماعات من الناس من الخواص والعوام ، ولما كانت الجمعة الأخرى دخله
نائب السلطنة بعد الصلاة فأعجبه ما شاهده من العمارات ، وأخبره بما كانت عليه حاله قبل هذه العمارة ،
فاستجاد ذلك من صنيع النَّاظر .
وفي أول ربيع الآخر قدم قاضي القضاة تاج الدين السُّبكي من الديار المصرية على قضاء الشام عَوداً
على بدء يوم الثلاثاء رابع عشره، فبدأ بالسلام على نائب السلطنة بدار السعادة ، ثم ذهب إلى دار الأمير
عليّ(١) بالقصَّاعين فسلّم عليه، ثم جاء إلى العادليَّة قبل الزوال، ثم جاءه الناس من الخاص والعام
يسلّمون عليه ويهنئونه بالعَود ، وهو يتودَّد ويترخَّب بهم ، ثم لما كان صبح يوم الخميس سادس عشره
لبس الخلعة بدار السعادة ثم جاء في أبَّهة هائلة لابسها إلى العادلية فقرىء تقليده بها بحضرة القضاة
والأعيان وهنّأه النَّاسُ والشُّعراء والمذَّاحُ(٢).
وأخبر قاضي القضاة تاج الدين بموت
حسين (٣) بن الملك الناصر ، ولم يكن بقي من بنيه لصلبه سواه ، ففرح بذلك كثير من الأمراء وكبار
الدولة ، لما كان فيه من حِدَّة وارتكاب أمور منكرة .
وأخبر بموت
القاضي فخر الدين سليمان(٤) بن القاضي عماد الدين بن الشَّيْرجيّ(٥)، وقد كان اتفق له من الأمر أنه
قُلد حِسبة دمشقَ عوضاً عن أبيه ، نزل له عنها باختياره لكبره وضعفه ، وخلع عليه بالديار المصرية ، ولم
يبق إلا أن يركب على البريد فتمرّض يوماً وثانياً وتوفِّي إلى رحمة الله تعالى، فتألَّم والده بسبب ذلك تألُّماً
عظيماً ، وعزّاه الناس فيه ، ووجدته صابراً محتسباً باكياً مسترجعاً موجعاً انتهى .
بشارة عظيمة بوضع الشطر من مكس الغنم :
مع ولاية سعد الدين ماجد(٦) بن التاج إسحاق من الديار المصرية على نظر الدواوين قبله ، ففرح
(١) هو : علي المارداني نائب الشام سابقاً.
(٢)
الدارس (٣٦٧/١) .
ترجمته في الدرر الكامنة (٢/ ٧٠) والنجوم الزاهرة (٢١/١١) وقال: كان أمثل من أخوته ، ولكن وفاته قبل تولية
(٣)
ابنه الملك الأشرف شعبان بن حسين بخمسة أشهر .
(٤)
لم أقع له على ترجمة فيما بين يدي من المصادر .
في الدارس (٢/ ٧٤) : محتسب دمشق عماد الدين بن الشيرازي .
(٥)
ماجد بن التاج أبي إسحاق القبطي ناظر الخاص بدمشق مات سنة (٧٧٥)هـ الدرر الكامنة (٢٧٥/٣).
(٦)

٤٣٩
وفيات سنة ٧٦٤هـ
الناس بولاية هذا وقدومه - وبعزل الأوّل وانصرافه عن البلد فرحاً شديداً ، ومعه مرسوم شريف بوضع
نصف مکس الغنم ، وکان عبرته أربعة دراهم ونصف ، فصار إلی درهمین وربع درهم ، وقد نُودي بذلك
في البلد يوم الإثنين العشرين من شهر ربيع الآخر ، ففرح الناس بذلك فرحاً شديداً ، ولله الحمد والمنّة ،
وتضاعفت أدعيتُهم لمن كان السبب في ذلك ، وذلك أنه يكثر الجلب برخص اللَّحم على الناس ، ويأخذ
الديوان نظير ما كان يأخذ قبل ذلك ، وقدّر الله تعالى قدوم وفود وقفول بتجائر متعدِّدة ، وأخذ منها
الديوان السلطاني في الزَّكاة والوكالة ، وقدم مراكب كثيرة فأخذ منها في العشر أضعاف ما أطلق من
المكس ، ولله الحمد والمنة ، ثم قرىء على الناس في يوم الجمعة بعد صلاة الجمعة قبل العصر .
وفي يوم الإثنين العشرين منه ضُرب الفقيه شمس الدين بن الصفدي بدار السعادة بسبب خانقاه
الطواويس(١) ، فإنه جاء في جماعة منهم يتظلمون من كاتب السر الذي هو شيخ الشيوخ ، وقد تكلّم معهم
فيما يتعلق بشرط الواقف ممّا فيه مشقّة عليهم ، فتكلَّم الصفديُّ المذكور بكلام فيه غلظ ، فبُطح ليضرب
فشفِّع فيه، ثم تكلّم فشفع فيه، ثم بطح الثالثة فضرب ثم أمر به إلى السجن ، ثم أخرج بعد ليلتين أو ثلاث.
وفي صبيحة يوم الأحد السادس والعشرين منه درس قاضي القضاة الشافعي(٢) بمدارسه(٣)، وحضر
درس النَّاصرية الجوانية بمقتضى شرط الواقف الذي أثبته أخوه بعد موت القاضي ناصر الدين كاتب السر ،
وحضر عنده جماعة من الأعيان وبعض القضاة ، وأخذ في سورة الفتح ، قرىء عليه من تفسير والده في
قوله ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحَامُبِينًا ﴾ [ الفتح: ١].
وفي مستهل جُمادى الأولى يوم الجمعة بعد صلاة الفجر مع الإمام الكبير صُلِّي على القاضي قطب
الدين محمد(٤) بن [عبد] المُحْسن الحاكم بحمصَ ، جاء إلى دمشق لتلقِّي أخي زوجته قاضي القضاة تاج
الدين السُّبكي الشافعي، فتمرّض مدة ثم كانت وفاته بدمشق ، فصلِّيَ عليه بالجامع كما ذكرنا ، وخارج
باب الفرج، ثم صعدوا به إلى سفح قاسيون ، وقد جاوز الثمانين بسنتين(٥)، وقد حدَّث وروى شيئاً يسيراً
رحمه الله .
(١) هي الخانقاه الطواويسية، وهم مسجد كبير فيه قبر الملك دقاق ، وفيه قبة معروفة بقبة الطواويس بالشرف الأعلى .
الدارس (٢ / ١٦٤) .
(٢)
هو القاضي بهاء الدين أحمد .
(٣)
الدارس (٣٨/١).
في ط : محمد بن الحسن وهو تحريف. ترجمته في الذيل للحسيني ص (٣٥٩) والدرر الكامنة (٢٨/٤) والذيل
(٤)
التام (١٩٥/١) .
وفيها جميعاً محمد بن عبد المحسن بن حمدان الشُّبكي الشافعي .
(٥)
في الذيل للحسيني : مولده سنة ست وثمانين وستمئة . فيكون مات قبل إتمام الثمانين بسنتين ، وفي الذيل التام
للسخاوي عن دون السبعين ولعله وهم .

٤٤٠
وفيات سنة ٧٦٤ هـ
وفي يوم الأحد ثالثه قدم قاضيا الحنفية والحنابلة بحلب والخطيب بها والشيخ شهاب الدين
الأذرعي ، والشيخ زين الدين الباريني وآخرون معهم ، فنزلوا بالمدرسة الإقبالية وهم وقاضي قضاتهم
الشافعي ، وهو كمال الدين المصري مطلوبون إلى الديار المصرية ، فتحرَّر ما ذكروه عن قاضيهم
وما نقموه عليه من السيرة السَّيئة فيما يذكرون في المواقف الشريفة بمصر ، وتوجهوا إلى الديار المصرية
يوم السبت عاشره .
وفي يوم الخميس قدم الأمير زين الدين زبالة (١) نائب القلعة من الديار المصرية على البريد في تجمُّل
عظيم هائل ، وتلقّاه الناس بالشموع في أثناء الطريق ، ونزل بدار الذَّهب ، وراح الناس للسّلام عليه
وتهنئته بالعَود إلى نيابة القلعة ، على عادته ، وهذه ثالثُ مرَّة وليها لأنَّه مشكور السيرة فيها ، وله فيها سعيٌ
محمود في أوقات متعدِّدة .
وفي يوم الخميس الحادي والعشرين صلَّى نائبُ السلطنة والقاضيان الشافعي والحنفي وكاتب السرّ
وجماعةٌ من الأمراء والأعيان بالمقصورة ، وقُرىء كتاب السلطان على السُّدَّة بوضع مكس الغنم إلى كل
رأس بدرهمين ، فتضاعفت الأدعية لوليّ الأمر ، ولمن كان السبب في ذلك .
غريبة من الغرائب وعجيبة من العجائب :
وقد كثرت المياه في هذا الشهر وزادت الأنهار زيادة كثيرة جداً ، بحيث إنه فاض الماء في سوق الخيل
من نهر بردى حتى عمَّ جميع العرصة المعروفة بموقف المركب ، بحيث إنه أجريت فيه المراكب بالكلك ،
وركبت فيه المارة من جانب إلى جانب ، واستمر ذلك جُمَعاً متعدّدة ، وامتنع نائب السلطنة والجيش من
الوقوف هناك ، وربما وقف نائب السلطنة بعض الأيام تحت الطَّارمة تجاه باب الإسطبل السُّلطاني ، وهذا
أمر لم يُعهد مثله ولا رأيته قطّ في مدة عمري ، وقد سقطت بسبب ذلك بنايات ودور كثيرة ، وتعطلت
طواحين كثيرة غمرها الماء .
وفي ليلة الثلاثاء العشرين من جمادى الأولى توفّي
الصدر شمس الدين عبد الرحمن(٢) بن الشيخ عز الدين بن المُنَجًّا التَّنوخي بعد العشاء الآخرة،
وصُلِّيَ عليه بجامع دمشقَ بعد صلاة الظهر ودُفن بالسفح .
وفي صبيحة هذا اليوم توفي
(١) هو: زين الدين الفارقي. الدارس (٤٤٣/٢).
(٢) ترجمته في الذيل للحسيني ص (٣٧٠) والدرر الكامنة (٣٤١/٢).