النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١
أحداث سنة ٧٥٣هـ
وفي يوم الإثنين حادي عشرَ شعبان قدم الأمير سيف الدين أَرْغُون الكاملي الذي كان نائباً على الديار
الحلبية من هناك ، فدخل دمشق في هذا اليوم في أَبَّهة عظيمة ، وخرج الأمراء والمقدّمون وأرباب الوظائف
لتلقّيه إلى أثناء الطريق ، منهم من وصل إلى حلبَ وحماة وحمص ، وجرى في هذا اليوم عجائب لم تُرَ من
دهور ، واستبشر الناس به لصرامته وشهامته وحِدَّته ، وما كان من لين الذي قبله ورخاوته ، فنزل دار
السعادة على العادة . وفي يوم السبت وقف في موكب هائل قيل إنَّه لم يُرَ مثلُه من مدة طويلة ، ولما سير
إلى ناحية باب الفرج اشتكى إليه ثلاثُ نسوة على أمير كبير يقال له: طُرْغاي(١) ، فأمر بإنزاله عن فرسه
فأُنزل وأُوقف معهن في الحكومة .
واستمرَّ بطلان الوقيد في الجامع الأموي في هذا العام أيضاً كالذي قبله ، حسب مرسوم السلطان
الناصر حسن رحمه الله ، ففرح أهل الخير بذلك فرحاً شديداً ، وهذا شيء لم يعهد مثله من نحو ثلثمئة سنة
ولله الحمد والمنة .
ونودي في البلد في هذا اليوم والذي بعده عن النائب : من وجد جندياً سكراناً فلينزله عن فرسه
وليأخذ ثيابه ، ومن أحضره من الجند إلى دار السعادة فله خبزه ، ففرح الناس بذلك ، واحتجر على
الخمّارين والعصّارين ، ورخصت الأَعْنَاب وجادت الأخبار واللَّحم بعد أن كان بلغ كل رطل أربعةٌ
ونصفاً ، فصار بدرهمين ونصف ، وأقل ، وأُصلحت المعايش من هيبة النائب ، وصار له صيتٌ حسنٌّ ،
وذكر جميل في النَّاس بالعدل وجودة القصد وصحَّة الفهم وقوَّة العدل والإدراك .
وفي يوم الإثنين ثامنَ عشرَ شعبان وصل الأمير أحمد بن شاد الشربخاناه الذي كان قد عصى في
صفد ، وكان من أمره ما كان ، فاعتُقُل بالإسكندرية ، ثم أُخرج في هذه الدَّولة وأُعطي نيابة حماة فدخل
دمشقَ في هذا اليوم سائراً إلى حماة ، فركب مع النائب مع الموكب وسير عن يمينه ونزل في خدمته إلى
دار السعادة ، ورحل بين يديه ، وفي يوم الخميس الحادي والعشرين منه دخل الأمير سيف الدين بَيْبُغا الذي
كان نائباً بالديار المصرية ، ثمَّ مسك بالحجاز وأودع الكَرَك ، ثم أُخرج في هذه الدولة وأُعطي نيابةً
حلب ، فتلقَّاه نائبُ السلطنة ، وأُنزل دار السعادة حين أضافه . ونزل وطاقُه بوطأة برزة ، وضُربت له خيمة
بالمَيْدان الأَخْضر .
ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين وسبعمئة
استهلّت هذه السنة وسلطان الديار المصرية والبلاد الشامية والحرمين الشريفين وما يتبع ذلك الملك
الصالح صلاح الدين ، صالح بن السلطان الملك الناصر محمد بن الملك المنصور قلاوون .
(١) في ط : الطرخاين ، وهو تحريف .

٣٦٢
ترجمة باب جیرون المشهور بدمشق
والخليفة الذي يدعى له المعتضد بأمر الله ، ونائب الديار المصرية الأمير سيف الدين قُبْلاي.
وقضاة مصر هم المذكورون في التي قبلها ، والوزير القاضي ابن زنبور ، وأولو الأمر الذين يدبّرون
المملكة فلا تصدر الأمور إلا عن آرائهم لصغر السلطان المذكور جماعة من أعيانهم ثلاثة سيف الدين
شَيْخُون، وطَازُ(١) وصَرْغَتْمُشْ(٢).
ونائب دمشق الأمير سيف الدين أَرْغُون الكاملي ، وقضاتها هم المذكورون في التي قبلها ، ونائب
البلاد الحلبية سيف الدين بَيْبُغَا أُرُوس(٣)، ونائب طرابُلُس الأمير سيف الدين بَكْلَمُش، ونائب حماة
الأمير شهاب الدين أحمد بن مشد الشربخاناه(٤) .
ووصل بعض الحجاج إلى دمشق في تاسع الشهر - وهذا نادر - وأخبروا بموت المؤذن شمس
الدين بن(٥) سعيد بعد منزلة العُلا٦) في المدابغ .
وفي ليلة الإثنين سادسَ عشرَ صفر في هذه السنة وقع حريق عظيم عند باب جيرون شرقيه فاحترق به
دكان القفاعي الكبيرة المزخرفة وما حولها ، واتسع اتساعاً فظيعاً ، واتصل الحريق بالباب الأَصْفر من
النُّحاس ، فبادر ديوان الجامع إليه فكشطوا ما عليه من النحاس ونقلوه من يومه إلى خزانة الحاصل ،
بمقصورة الحلبية ، بمشهد علي ، ثم عَدَوْا عليه يكسِّرُون خشبه بالفؤوس الحداد ، والسواعد الشداد ،
وإذا هو من خشب الصنوبر الذي في غاية ما يكون من القوة والثبات ، وتأسَّفَ الناس عليه لكونه كان من
محاسن البلد ومعالمه . وله في الوجود ما ينيف عن أربعة آلاف سنة . انتهى والله أعلم .
ترجمةُ باب جَيْرون المشهور بدمشق (٧)
الذي كان هلاكه وذهابه وكسره في هذه السنة ، وهو باب شرقي جامع دمشق لم يُرَ بابٌ أوسع
(١) في ط : طار بالراء .
(٢) في ط : حرعيمش .
(٣)
في ط : يلبغا أروش .
(٤)
في ط : الشريخانة .
ترجمته في الذيل للحسيني ص (٢٨٧) وفيه : المقرىء المجيد شمس الدين محمد بن شيخنا سعيد بن فلاح بن
(٥)
أبي الوحش النابلسي الأصل ، الدمشقي ، رئيس المؤذنين بالجامع الأموي ، توفي بدرب الحجّاج وصار قبره منزلة
للحاجّ معروفة ا . هـ .
وذكر وفاته في سنة (٧٥٢)هـ .
في ط : العلاء . والصواب ما أثبتناه معجم البلدان .
(٦)
(٧) معجم البلدان ومختصر تاريخ دمشق لابن منظور (٤٤/١، ٤٦) ودمشق تاريخ وصور للدكتور قتيبة الشهابي
ص(٢٥٠) .

٣٦٣
بيان تقدم مدة هذا الباب
ولا أعلى منه ، فيما يعرف من الأبنية في الدنيا ، وله غلقان (١) من نحاس أصفر بمسامير نحاس أصفر أيضاً
بارزة ، من عجائب الدنيا ، ومحاسن دمشق ومعالمها ، وقد تم بناؤها . وقد ذكرته العرب في أشعارها
والناس [ في أمثالها ]٢).
وهو منسوب إلى ملك يقال له : جَيْرون بن سعد (٣) بن عاد بن عوص بن أدم بن سام بن نوح ، وهو
الذي بناه ، وكان بناؤه له قبل الخليل عليه السلام ، بل قبل ثمود وهود أيضاً ، على ما ذكره الحافظ ابن
عساكر في (( تاريخه )) وغيره ، وكان فوقه حصن عظيم ، وقصر منيف .
ويقال بل هو منسوب إلى اسم المارد الذي بناه لسليمان عليه السلام ، وكان اسم ذلك المارد
جَيْرون ، والأول أظهر وأشهر ، فعلى الأول يكون لهذا الباب من المدد المتطاولة ما يقارب خمسةً آلاف
سنة ، ثم كان انجعاف (٤) هذا الباب لا من تلقاء نفسه ، بل بالأيدي العادية عليه ، بسبب ما ناله من شوط
حريق اتصل إليه حريق وقع من جانبه في صبيحة ليلة الإثنين السادس عشر من صفر ، سنة ثلاث وخمسين
وسبعمئة . فتبادر ديوان الجامعية ففرّقوا شَمْلَهُ وقَضَعُوا ثَمْلهُ(٥) . وعَرَّوْا جلده النحاس عن بدنه الذي هو
من خشب الصنوبر ، الذي كأن الصانع قد فرغ منه يومئذ ، وقد شاهدت الفؤوس تعمل فيه ولا تكاد تحیل
فيه إلا بمشقة ، فسبحان الذي خلق الذين بنوه أولاً ، ثم قدَّر أهل هذا الزمان على أن هدموه بعد هذه المدد
المتطاولة ، والأمم المتداولة ، ولكن لكل أجل كتاب ، ولا إلّه إلا رب العباد .
بيان تقدّم مدة هذا الباب وزيادتها على مدة
أربعة آلاف سنة بل يقارب الخمسة
ذكر الحافظ ابن عساكر(٦) في أوّل ((تاريخه)) باب بناء دمشقَ بسنده عن القاضي يحيى بن حمزةً(٧)
البتلهيّ(٨) الحاكم بها في الزّمن المتقدم - وقد كان هذا القاضي من تلاميذ أبي عمروٍ(٩) الأوزاعيِّ - قال:
(١) في ط: ((علمان))، ولا معنى لها، وما هنا يعضده ما جاء في وجيز الكلام ١/ ٦٠ (بشار).
(٢) ما بين الحاصرتين استدركناه من الذيل التام للسخاوي (١٢١/١) نقلا عن ابن كثير .
(٣)
في مختصر تاريخ دمشق : جيرون بن سعد بن لقمان بن عاد .. .
((انجعاف)) : من جعف الشجر قلعها . القاموس المحيط .
(٤)
(٥)
جاؤوا على البقية الباقية منه .
(٦)
تاريخ ابن عساكر (١٣/١).
هو : يحيى بن حمزة الحضرمي البتلهي أبو عبد الرحمن ، قاضي دمشق في عصره وعالمها ، كان من حفاظ
(٧)
الحديث ، تولّى القضاء نحواً من ثلاثين سنة وحديثه في الكتب الستّة مات سنة (١٨٣)هـ تذكرة الحفاظ (٢٦٤/١)
الأعلام (٨/ ١٤٣) .
(٨) فى ط : التبلهي، بتقديم التاء على الباء . وهو تصحيف ، والبتلهي نسبة إلى بيت لها قرية قرب دمشق.
(٩) في ط : ابن عمر والأوزاعي . وهو توهم .
=

٣٦٤
بيان تقدم مدة هذا الباب
لمَّا فتح عبد الله بن عليّ دمشقَ بعد حصارها - يعني وانتزاعها من أيدي بني أمية وسلبهم ملكهم - هدموا
سورَ دمشق فوجدوا حجراً مكتوباً عليه باليونانية ، فجاء راهب فقرأه لهم، فإذا هو مكتوب عليه : (( ويكِ
إِرَم الجبابرة ، من رَامَكُ(١) بسوء قصمه الله، إذا وهى منك جيرونُ الغربي من باب البريد وَيْلكِ (٢) من
خمسة أعين نَقْضُ سورك على يديه ، بعد أربعة آلاف سنة تعيشين رَغَداً ، فإذا وهى منك جَيْرُونُ الشرقي
أُديل(٣) لك ممّن تعرّض(٤) لك)).
قال : فوجدنا الخمسة أعين عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب(٥)، عين بن
عين بن عين بن عين بن عين .
فهذا يقتضي أنه كان بسورها سنيناً إلى حين إخراجه على يد عبد الله بن علي أربعة آلاف سنة، وقد كان
إخراجه له في سنة ثنتين وثلاثين ومئة كما ذكرنا في التاريخ الكبير ، فعلى هذا يكون لهذا الباب إلى يوم
خرب من هذه السنة - أعني سنة ثنتين وثلاثين ومئة - أربعة آلاف وستمئة وإحدى وعشرين سنة، والله
أعلم .
وقد ذكر ابن عساكر عن بعضهم أن نوحاً عليه السلام هو الذي أسس دمشقَ بعد حرَّانَ وذلك بعد مضي
الطوفان .
وقيل بناها دمسقس(٦) غلام ذي القرنين عن إشارته ، وقيل : عاد الملقب بدمشيق وهو غلام
الخليل ، وقيل : غير ذلك من الأقوال ، وأظهرها أنها من بناء اليونان ، لأن محاريب معابدها كانت
موجهة إلى القطب الشمالي ، ثم كان بعدهم النصارى فصلَّوا فيها إلى الشرق ، ثم كان فيها بعدهم أجمعين
أمة المسلمين فصلَّوا إلى الكعبة المشرّفة . وذكر ابن عساكر وغيره أن أبوابها كانت سبعة ، كل منها يتخذ
عنده عيد لهيكل من الهياكل السبعة ، فباب القمر باب السلامة ، وكانوا يسمونه باب الفراديس الصغير ،
ولعطارد باب الفراديس الكبير ، وللزُّهرة باب توما ، وللشَّمس الباب الشرقي ، وللمرّيخ باب الجابية ،
وللمُشْتري باب الجابية الصغير ، ولزُحل باب كيسان .
وفي أوائل شهر رجب الفرد اشتُهر أن نائب حلب بَيْبُغا أُرُوس اتّفق مع نائب طرائُلُس بَكْلَمُش ، ونائب
وهو أبو عمرو عبد الرحمن بن عمر بن يُحمِد الأوزاعي . مات سنة (١٥٧) هـ ببيروت.
=
(١) فى ط : راسك . وهو تحريف .
(٢)
في ط : وتلك . وهو تحريف .
(٣)
في ط : أؤمل وهو تحريف .
في ط : يعوض . وهو تحريف .
(٤)
الخبر في : قرة العيون في أخبار باب جيرون: ص(٨).
(٥)
في ط : دمسغس بالغين . وهو تحريف .
(٦)

٣٦٥
دخول بيبغا أروس إلى دمشق
حلب أمير أحمد بن مشد الشربخاناه على الخروج عن طاعة السلطان حتى يمسك شَيْخُون وطَاز ، وهما
عضدا الدولة بالديار المصرية ، وبعثوا إلى نائب دمشق وهو الأمير سيف الدين أَرْغُون الكاملي فأَبى عليهم
ذلك ، وكاتب إلى الديار المصرية بما وقع من الأمر ، وانزعج الناس لذلك ، وخافوا من غائلة هذا الأمر
وبالله المستعان(١) .
ولما كان يوم الإثنين ثامن الشهر جمع نائب السلطنة الأمراء عنده بالقصر الأبلق واستحلفهم بيعة
أخرى لنائب السلطنة الملك الصالح ، فحلفوا واتفقوا على السمع والطاعة والاستمرار على ذلك .
وفي ليلة الأربعاء سابعَ عشرَ رجب جاءت الجبلية الذين جمعوهم من البقاع لأجل حفظ ثنيّة العُقَاب
من قدوم العساكر الحلبية ، ومن معهم من أهل طرابلس وحماة ، وكان هؤلاء الجبلية قريباً من أربعة
آلاف ، فحصل بسببهم ضرر كثير على أهل برزة وما جاورهم من الثِّمار وغيرها .
وفي يوم السبت العشرين منه ركب نائب السلطنة سيف الدين أَرْغُون ومعه الجيوش الدمشقية قاصدين
ناحية الكُسْوة لئلاً يقاتلو(٢) المسلمين ، ولم يبق في البلد من الجند أحد ، وأصبح الناس وليس لهم نائب
ولا عسكر ، وخلت الديار منهم ، ونائب الغيبة الأمير سيف الدين أُلْجي بُغَا العادلي ، وانتقل النَّاسُ من
البساتين ومن طرف العُقَيْبة وغيرها إلى المدينة ، وأكثر الأمراء نقلت حواصلهم وأهاليهم إلى القلعة
المنصورة ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .
ولما اقترب دخول الأمير بَيْبُغَا بمن معه انزعج الناس وانتقل أهل القرى الذين في طريقه ، وسَرَى ذلك
إلى أطراف الصّالحية والبساتين وحواضر البلد ، وغُلّقت أبواب البلد إلى ما يلي القلعة ، كباب النصر
وباب الفرج ، وكذا باب الفراديس ، ودخلت أكثر المحال من أهاليهم ، ونقلوا حوائجهم وحواصلهم
وأنعامهم إلى البلد على الدواب والحمَّالين ، وبلغهم أن أطراف الجيش انتهبوا ما في القرايا في طريقهم
من الشعير والتبن وبعض الأنعام للأكل . وبما وقع فساد غير هذا من بعض الجهلة ، فخاف النَّاسُ كثيراً
وتشوشت خواطرهم انتهى .
دخول بَيْبُغَا أُرُوس(٣) إلى دمشق(٤)
ولما كان يوم الأربعاء الرابع والعشرين من رجب دخل الأمير سيف الدين بَيْبُغَا أُرُوس نائب حلب إلى
(١) النجوم الزاهرة (١٠ / ٢٧٠) الذيل التام للسخاوي (١٢١/١ - ١٢٢).
(٢) في ط : ليلاً يقاتلون وهو تحريف .
(٣)
في ط : يلبغا أروش.
(٤) النجوم الزاهرة (١٠/ ٢٧٢ وما بعدها). الذيل التام (١/ ١٢٢).

٣٦٦
دخول بيبغا أروس إلى دمشق
دمشق المحروسة بمن معه من العساكر الحلبية وغيرهم وفي صحبته نائب طرابلس الأمير سيف الدين
بَكْلَمُش ، ونائب حماة الأمير شهاب الدين أحمد ، ونائب صفد الأمير علاء الدين ألْطَنْبُغَا ، الملقب
بُرْنَاق(١) ، وكان قد توجه قبله ، قيل بيوم ، ومعه نواب قلاع كثيرة من بلاد حلب وغيرها ، في عدد كثير
من الأتراك والتركمان ، فوقف في سوق الخيل مكان نواب السلطان تحت القلعة واستعرض الجيوش الذين
وفدوا معه هنالك ، فدخلوا في تجمُّل كثير ، ملبسين ، وكان عدَّة من كان معه من أمراء الطبلخانات قريباً
من ستين أميراً أو يزيدون أو ينقصون ، على ما استفاض عن غير واحد ممَّن شاهد ذلك ، ثم سار قريباً من
الزوال للمخيم الذي ضُرب له قبل مسجد القدم عند قبة يَلْبُغا ، عند الجدول الذي هنالك ، وكان يوماً
مشهوداً هائلاً ، لمَا عايَن النَّاسُ من كثرة الجيوش والعدد ، وعذَرَ كثيرٌ من الناس صاحبَ دمشقَ في ذهابه
بمن معه لئلا يقابل هؤلاء . فنسأل الله أن يجمعَ قلوبهم على ما فيه صلاح المسلمين .
وقد أرسل إلى نائب القلعة وهو الأمير سيف الدين إيَاجي (٢) يطلب منه حواصل أَرْغُون التي عنده ،
فامتنع عليه أيضاً ، وقد حصَّن القلعة وسترها وأرصد فيها الرجال والرماة والعُدَد ، وَهيأ بها بعض
المجانيق ليبعد بها فوق الأبرجة ، وأمر أهل البلد أن لا يفتحوا الدكاكين ويغلقوا الأسواق ، وجعل يغلق
أبواب البلد إلا باباً أو بابين منها ، واشتدّ حنق العسكر عليه ، وهمُّوا بأشياء كثيرة من الشر ، ثم يرعوون
عن الناس والله المسلِّم ، غير أن إقبال العسكر وأطرافه قد عاثوا فيما جاوروه من القرايا والبساتين والكروم
والزروع فيأخذون ما يأكلون وتأكل دوابهم ، وأكثر من ذلك فإنا لله وإنا إليه راجعون .
ونُهبت قرايا كثيرة وفجروا بنساء وبنات ، وعَظُم الخطب ، وأمّا التجار ومن يذكر بكثرة مال فأكثرهم
مختف لا يظهر لما يخشى من المصادرة ، نسأل الله أن يحسن عاقبتهم .
واستهلّ شهر شعبان وأهل البلد في خوف شديد ، وأهل القرايا والحواضر في نقلة أثاثهم وأبقارهم
ودوابهم وأبنائهم ونسائهم ، وأكثر أبواب البلد مغلقة سوى بابي الفراديس والجابية ، وفي كل يوم نسمع
بأمور كثيرة من النهب للقرايا والحواضر ، حتى انتقل كثير من أهل الصالحية أو أكثرهم ، وكذلك من أهل
العُقَيْبةُ(٣) وسائر حواضر البلد ، فنزلوا عند معارفهم وأصحابهم ، ومنهم من نزل على قارعة الطريق
بنسائهم وأولادهم ، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
وقال كثيرٌ من المشايخ الذين أدركوا زمن قَازَان: إن هذا الوقت كان أصعب من ذلك لمَا ترك الناس
من ورائهم من الغلات والثمار التي هي عمدة قوتهم في سنتهم ، وأما أهل البلد ففي قلق شديد أيضاً لما
(١) في ط: طيبغا ملقب برتاق وهو تحريف . والتصويب من الذيل التام (١/ ١٢٢). وفيه: أَلْظَنْبُغا الجاشنكير الملقب
بُزْناق .
(٢) في ط : إياجي بالباء وهو تحريف.
(٣) في ط : العقيبة .

٣٦٧
دخول بیبغا أروس إلى دمشق
يبلغهم عنهم من الفجور بالنساء ، ويجعلون يدعون عَقِيْب الصلوات عليهم يصرِّحون بأسمائهم ويعنون
بأسماء أمرائهم وأتباعهم .
ونائب القلعة الأمير سيف الدين إياجي في كل وقت يسكِّن جأش الناس ويقوِّي عزمهم ويبشِّرهم
بخروج العساكر المنصورة من الديار المصرية صحبة السلطان إلى بلاد غزة حيث الجيش الدمشقي ،
ليجيئوا كلُّهم في خدمته وبين يديه ، وتدق البشائر فيفرحُ النّاس ، ثم تسكن الأخبار وتبطل الروايات ،
فتقلق ، ويخرجون في كل يوم وساعة في تجمُّل عظيم ووعد وهيآت حسنة ، ثم جاء السلطان أيده
الله تعالى وقد ترجَّل الأمراء بين يديه من حين بسط له عند مسجد الذُّبَّان إلى داخل القلعة المنصورة ، وهو
لابس قباءً أحمر له قيمته على فرس أصيلة مؤدّبة معلّمة المشي على القوس لا تحيد عنه ، وهو حسن
الصُّورة مقبول الطلعة ، عليه بهاء المملكة والرياسة ، والجتر فوق رأسه يحمله بعض الأمراء الأكابر ،
وكلّما عاينه من عاينه من الناس يبتهلون بالدعاء بأصوات عالية ، والنساء بالزغرطة ، وفرح الناس فرحاً
شديداً ، وكان يوماً مشهوداً ، وأمراً حميداً ، جعله الله مباركاً على المسلمين .
فنزل بالقلعة المنصورة ، وقد قدم معه الخليفة المعتضد أبو الفتح أبو بكر(١) بن المستكفي بالله
أبي الربيع سليمان بن الحاكم بأمر الله أبي العباس أحمد ، وكان راكباً إلى جانبه من ناحية اليسار ، ونزل
بالمدرسة الدِّماغية ٢) .
[ ثم (٣) في أواخر هذا اليوم سار(٤) الأمراء مع نائب الشام ، وتقدَّمهم طاز وشَيْخُون في طلب بَيْبُغا
ومن معه من البغاة المفسدين .
وفي يوم الجمعة ثانيه حضر السلطان أيَّده الله إلى الجامع الأموي وصَلَّى فيه الجمعة بالمشهد الذي
يصلِّي فيه نواب السلطان أيده الله ، فكثُر الدعاء والمحبة له ذاهباً وآيباً تقبل الله منه ، وكذلك فعل الجمعة
الأخرى وهي تاسع الشهر .
وفي يوم السبت عاشره اجتمعنا٥) - بالخليفة المعتضد بالله أبي الفتح أبي بكر المستكفي بالله
أبي الربيع سليمان بن الحاكم بأمر الله أبي العباس أحمد ، وسلَّمنا عليه وهو نازل بالمدرسة الدِّماغية ،
داخل باب الفرج، وقرأتُ عنده جزءاً فيه ما رواه أحمدُ بن حنبل عن محمد بن إدريس الشافعي في
((مسنده))، وذلك عن الشيخ عز الدّين بن الضِّياء الحموي بسماعه من ابن البُخَاري وزينب بنت مكي،
في ط : أبو الفتح بن أبي بكر وهو غلط . فهو أبو الفتح وأبو بكر أيضاً .
(١)
(٢)
داخل باب الفرج وشمالي العمادية . الدارس (٢٣٦/١) .
(٣)
ما بين الحاصرتين زيادة من الذيل التام (١٢٣/١).
(٤)
في ط : سائر وهو تحريف .
بعد هذا في ط: ((يقول الشيخ عماد الدين بن كثير المصنف رحمه الله))، ولا شك أن هذا من الناسخ.
(٥)

٣٦٨
قتل الأمراء السبعة من أصحاب بيبغا
عن أحمد بن الخُصَين ، عن ابن المذهب ، عن أبي بكر بن مالك عن عبد الله بن أحمد عن أبيه فذكرهما .
والمقصود أنَّه شابٌّ حسنُ الشكل مليحُ الكلام متواضعٌ، جيدُ الفهم حلوُ العبارة رحم الله سَلَفَهُ(١)
وفي رابع عشره قدم البريد من بلاد حلب بسيوف الأمراء الممسوكين من أصحاب بَيْبُغًا .
وفي يوم الخميس خامس عشره نزل السلطان الملك الصالح من الطّارمة إلى القصر الأبلق في أُبَّهة
المملكة ، ولم يحضر يوم الجمعة إلى الصلاة ، بل اقتصر على الصلاة بالقصر المذكور . وفي يوم الجمعة
باكر النهار دخل الأمير سيف الدين شَيْخُون وطاز بمن معهما من العساكر من بلاد حلب ، وقد فات تدارك
بَيْبُغا وأصحابه لدخولهم بلاد دُلْغَادر(٢) التركماني بمن بقي معهم ، وهم القليل، وقد أُسر جماعةٌ من
الأمراء الذين كانوا معه ، وهم في القيود والسلاسل صحبة الأميرين المذكورين ، فدخلا على السلطان
وهو بالقصر الأبلق فسلّما عليه وقبّلا الأرض وهنَّه بالعيد، ونزل طاز بدار أَيْتَمُش بالشرف (٣) الشمالي ،
ونزل شَيْخُون بدار إياس الحاجب بالقرب من الظاهرية البرانية ، ونزل بقية الجيش في أرجاء البلد ، وأما
الأمير سيف الدين أَزْغون فأقام بحلب نائباً عن سؤاله إلى ما ذكر ، وخُوطب في تقليده بألقاب هائلة ،
ولبس خلعة سنية، وعُّم تعظيماً زائداً، ليكون هناك إلبا٤) على بَيْبُغَا وأصحابه لشدة ما بينهما من
العداوة . ثم صلَّى السلطان بمن معه من المصريين ومن انضاف إليهم من الشاميين صلاة عيد الفطر
بالمَيْدان الأخضر ، وخطب بهم القاضي تاج الدين(٥) المُنَاوي المصري قاضي العسكر المصري بمرسوم
السلطان وذويه ، وخلع عليه . انتهى والله سبحانه وتعالى أعلم .
قتل الأمراء السّبعة من أصحاب بَيْبُغَا(٦)
وفي يوم الإثنين ثالث شوال قبل العصر ركب السلطان من القصر إلى الطّارمة وعلى رأسه القبة والطَّيْر
يحملهما الأمير بدر الدين بن الخطير(٧) ، فجلس في الطارمة ووقف الجيش بين يديه تحت القلعة
وأحضروا الأمراء الذين قدموا بهم من بلاد حلب، فجعلوا يوقفون الأمير منهم ثم يشاورون عليه، فمنهم
الذيل التام (١/ ١٢٤) نقلا عن ابن كثير .
(١)
في ط : زلغادر وهو تحريف . وهو : قَرَاجا بن دُلغادر بن خليل التركماني قتل في القاهرة سنة (٧٥٤) هـ . الدرر
(٢)
الكامنة (٢٤٥/٣) .
(٣)
في ط : الشرق وهو تحريف .
((الإلْبُ)): القوم يجتمعون على عداوة إنسان واحد. القاموس المحيط.
(٤)
هو: محمد بن إسحاق المناوي. مات سنة (٧٦٤)هـ. الوفيات لابن رافع (٢٨٣/٢) الذيل التام (١٢٣/١).
(٥)
في ط : يلبغا . وأسماء الأمراء وتفصيل الخبر في النجوم الزاهرة (١٠ / ٢٧٦).
(٦)
مسعود بن أوحد .
(٧)

٣٦٩
خروج السلطان من دمشق متوجهاً إلى بلاد مصر
من يُشفع فيه ، ومنهم يُؤْمر بتوسيطه ، فوُسِّط سبعةٌ : خمس طبلخانات ومقدَّما ألفٍ ، منهم نائب صفد
بُرْناق وشُفع في الباقين فردُوا إلى السّجن ، وكانوا خمسة آخرين . وفي يوم الأربعاء خامسه مُسك جماعةٌ
من أمراء دمشق سبعة وتحولت دول كثيرة، وتأمَّر جماعة من الأجناد وغيرهم(١) انتهى .
خروج الشّلطان من دمشقَ متوجهاً إلى بلاد مصر
وفي يوم الجمعة سابع شوّال ركب السلطان في جيشه من القصر الأبلق قاصداً لصلاة الجمعة بالجامع
الأموي ، فلما انتهى إلى باب النصر ترجَّل الجيش بكماله بين يديه مشاة ، وذلك في يوم شاتٍ كثير
الوحل ، فصلَّى بالمقصورة إلى جانب المصحف العثماني ، وليس معه في الصف الأول أحد ، بل بقية
الأمراء خلفه صفوف ، فسمع خطبة الخطيب ، ولما فرغ من الصَّلاة قُرِىءَ كتابٌ بإطلاق أعشار
الأوقاف .
وخرج السلطان بمن معه من باب النصر ، فركب الجيش واستقل ذاهباً نحو الكُسْوة بمن معه من
العساكر المنصورة ، مصحوبين بالسلامة والعافية المستمرة ، وخرج السلطان وليس بدمشقَ نائبُ سلطنةٍ ،
وبها الأمير بدر الدين بن الخطير هو الذي يتكلم في الأمور نائبَ غيبةٍ ، حتى يقدم إليها نائبها ويتعين لها ،
وجاءت الأخبار بوصول السلطان إلى الديار المصرية سالماً ، ودخلها في أَبَّهة عظيمة في أواخر ذي
القعدة ، وكان يوماً مشهوداً ، وخلع على الأمراء كلهم ولبس خلعة نيابة الشام الأمير علاء الدين
المارِدَاني، ومُسِكَ الأمير علم الدين بن زَنْبُور(٢) وتولَّى(٣) الوزارة الصاحب موفق الدين (٤).
وفي صبيحة يوم السبت خامس [ ذي ] الحجة دخل الأمير علاء الدين على الجَمدار من الديار المصرية
إلى دمشق المحروسة في أبهة هائلة ، وموكب حافل متولياً نيابة بها ، وبين يديه الأمراء على العادة ،
فوقف عند تربة بَهَادُر آص حتّى استعرض عليه الجيش فلحقهم ، فدخل دار السعادة فنزلها على عادة
النواب قبله ، جعله الله وجهاً مباركاً على المسلمين .
وفي يوم السبت ثاني(٥) عشره قدم دوا دار السلطان الأمير عزّ الدين طُقْطَاي(٦) من الديار المصرية فنزل
(١) تفاصيل الخبر في النجوم الزاهرة (١٠/ ٢٧٦).
الذيل التام (١/ ١٢٤). وكان وصوله يوم الثلاثاء خامس عشرين شؤَّال كما في النجوم الزاهرة (١٠ / ٢٧٧).
(٢)
(٣)
في ط: ((وتولية)) ولا معنى لها .
هو هبة الله بن إبراهيم ، وتسمّى لما أسلم عبد الله . وكان يقال له : الأسعد القبطي الوزير موفق الدين . مات سنة
(٤)
(٧٥٥)هـ. الدرر الكامنة (٤/ ٤٠٠).
(٥) في ط: ((ثالث)) ولا يصح فإن السبت الذي قبله هو الخامس منه (بشار).
في ط : مغلطاي. وأثبتنا ما في الذيل التام (١٢٩/١) وفيه: في محرمها توجه الأمير عز الدين طُقطاي الناصري
(٦)
الدوادار .

٣٧٠
أحداث سنة ٧٥٤هـ
القصر الأبلق ، ومن عزمه الذهاب إلى البلاد الحلبية ليجهز الجيوش نحو بَيْبُغا وأصحابه انتهى والله تعالى
أعلم .
ثم دخلت سنة أربع وخمسين وسبعمتة
استهلّت هذه السنة وسلطان الإسلام بالديار المصرية والبلاد الشامية والمملكة الحلبية وما والاها
والحرمين الشريفين الملك الصالح صلاح الدين صالح بن الملك الناصر محمد بن الملك المنصور قلاوون
الصالحي .
ونائبه بالديار المصرية الأمير سيف الدين قَبْلاي ، والمشار إليهم في تدبير المملكة الأمراء سيف الدين
شَيْخُون ، وسيف الدين طاز ، وسيف الدين صَرْغَتْمُش الناصري .
وقضاة القضاة وكاتب السر هناك هم المذكورون في السنة الماضية .
ونائب حلب الأمير سيف الدين أَرْغُون الكاملي ، لأجل مقاتلة أولئك الأمراء الثلاثة بَيْبُغا وأمير أحمد
ويَكْلَمُش الذين فعلوا ما ذكرنا في رجب من السنة الماضية، ثم لجأوا إلى بلاد الأَبْلُسْتَيْنُ(١) في خفارة
دُلْغَادر(٢) التركماني ، ثم إنه احتال عليهم من خوفه من صاحب مصر وأسلمهم إلى قبضة نائب حلب
المذكور ، ففرح المسلمون بذلك فرحاً شديداً ، ولله الحمد والمنة ، ونائب طرابُلُس الأمير سيف الدين
أَيْتَمُش الذي كان نائب دمشق كما ذكرنا ، تقلبت به الأحوال حتى استنيب في طرابُلُس حين كان السلطان
بدمشق كما تقدم .
واستهلّت هذه السنة وقد تواترت الأخبار بأن الأمراء الثلاثة بَيْبُغَا وبَكْلَمُش وأمير أحمد قد حصلوا في
قبضة نائب حلب الأمير سيف الدين أَزْغُون ، وهم مسجونون بالقلعة بها ، ينتظر ما يرسم به فيهم ، وقد
فرح المسلمون بذلك فرحاً شديداً .
وفي يوم السبت سابع عشر المحرم وصل إلى دمشق الأمير عز الدين طُقْطَاي(٣) الدويدار عائداً من
البلاد الحلبية ، وفي صحبته رأس بَيْبُغا الباغي أمكن الله منه بعد وصول صاحبيه بَكْلَمُش الذي كان نائباً
بطرائُلُس ، وأمير أحمد الذي كان نائب حماة ، فقطعت رؤوسهما بحلب بين يدي نائبها سيف الدين
أَزْغُون الكاملي ، وسُيّرت إلى مصر ، ولما وصل بَيْيُغَا بعدهما فُعل به كفعلهما جهرة بعد العصر بسوق
(١) في ط : البلبيسين وهو تحريف . والأبلستين مدينة مشهورة ببلاد الروم قريبة من أبسُس وهي في أرض تركية اليوم .
معجم البلدان أطلس تاريخ الإسلام (الخريطة ١٢٨) .
(٢) في ط : زلغادر .
(٣) في ط : مغلطاي .

٣٧١
أحداث سنة ٧٥٤هـ
الخيل بين يدي نائب السلطنة والجيش برمته والعامة على الأحاجير يتفرجون بمصرعه ، وسُرَّ المسلمون
كلهم ولله الحمد والمنة (١) .
وفي يوم الجمعة الثامن والعشرين من شهر ربيع الأول أُقيمت جمعة جديدة بمحلة الشاغور بمسجد
هناك يقال له مسجد المَزَّاز(٢) ، وخطب فيه جمال الدين عبد الله بن الشيخ شمس الدين بن قيم
الجوزية(٣) ، ثم وقع في ذلك كلام فأفضى الحال أن أهل المحلة ذهبوا إلى سوق الخيل يوم موكبه ،
وحملوا سناجق خليفية من جامعهم ومصاحف واشتملوا إلى نائب السلطنة وسألوا منه أن تستمر الخطبة
عندهم ، فأجابهم إلى ذلك في الساعة الراهنة ، ثم وقع نزاع في جواز ذلك ، ثم حكم القاضي الحنبلي
لهم بالاستمرار ، وجرت خطوب طويلة بعد ذلك .
وفي يوم الأحد سابع ربيع الآخر توفِّي الأمير الكبير سيف الدين أُلْجيبُغا٤) العادلي، ودفن بتربته(٥)
التي كان أنشأَهَا قديماً ظاهرَ باب الجابية ، وهي مشهورة تعرف به ، وكان له في الإمرة قريباً من ستين
سنة ، وقد كان أصابه في نوبة أَزْغون شاه وقضيته ضربة أصابت يدَهُ اليمنى، واستمرَّ مع ذلك على إمرته
وتقدمته محترماً معّماً إلى أن توفي رحمة الله تعالى عليه .
ذكر أمر غريب جداً
لما ذهبتُ لتهنئة الأمير ناصر الدين بن لاقوش (٦) بنيابة بعلبك، وجدتُ هنالك شاباً فذكر لي من
حضر أن هذا هو الذي كان أنثى ثم ظهر له ذكر ، وقد كان أمره اشتهر ببلاد طرابلس ، وشاع بين الناس
بدمشق وغير ذلك ، وتحدَّث الناس به ، فلما رأيته وعليه قبعة تركية استدعيته إليّ وسألته بحضرة من
حضر ، فقلت له : كيف كان أمرك ؟ فاستحيى وعلاه خجل يشبه النِّساء ، فقال : كنت امرأة مدة خمس
عشرة سنة ، وزوجوني بثلاثة أزواج لا يقدرون عليَّ، وكلهم يطلَّق ، ثم اعترضني حال غريب فغارت
تدياي وصَغُرت ، وجعل النوم يعتريني ليلاً ونهاراً ، ثم جعل يخرج من محل الفرج شيء قليل قليلاً ،
ويتزايد حتى برز شبه ذكر وأنثيان ، فسألته أهو كبير أم صغير ؟ فاستحيى ثم ذكر أنه صغير بقدر الأُضْبع ،
النجوم الزاهرة (١٠ / ٢٨٤).
(١)
في ط : المزار بالراء المهملة. وأثبتنا ما في الدارس (٢/ ٤٢١).
(٢)
هو : جمال الدين عبد الله بن محمد بن أبي بكر الحنبلي الدمشقي . مات سنة (٧٥٦)هـ.
(٣)
ترجمته في: الدرر الكامنة (٤٠٦/١) والدارس (٢٢٧/٢) والذيل التام (١٣٣/١).
(٤)
التربة الجيبغائية ، شمالي تربة مختار الطواشي خارج باب الجابية يمنة الذاهب في الطريق السلطاني . انظره الدارس
(٥)
(٢٢٧/٢) .
(٦) في ط : ابن الأقوس وهو تحريف .
وهو : الأمير ناصر الدين كجكن بن لاقوش . مات سنة (٧٦١) هـ.

٣٧٢
أحداث سنة ٧٥٤هـ
فسألته هل احتلم؟ فقال احتلم مرتين منذ حصل له ذلك ، وكان له قريباً من ستة أشهر إلى حين أخبرني ،
وذكر أنه يُحسن صَنْعَة النِّساء كلَّها من الغزل والتطريز والزركاش وغير ذلك ، فقلت له : ما كان اسمك
وأنت على صفة النساء ؟ فقال : نفيسة ، فقلت : واليوم ؟ فقال عبد الله ، وذكر أنه لما حصل له هذا
الحال كتمه عن أهله حتى عن أبيه ، ثم عزموا على تزويجه على رابع ، فقال لأمّه إن الأمر ما صفته كيت
وكيت ، فلما اطّلع أهله على ذلك أعلموا به نائب السلطنة هناك ، وكتب بذلك محضراً واشتُهر أمره ،
فقدم دمشقَ ووقف بين يدي نائب السلطنة بدمشق ، فسأله فأخبره كما أخبرني ، فأخذه الحاجب سيف
الدين كجكن بن لاقوش(١) عنده وألبسه ثياب الأجناد ، وهو شاب حسن ، على وجهه وسمته ومشيته
وحديثه أنوثةُ النساء ، فسبحان الفعال لما يشاء ، فهذا أمر لم يقع مثله في العالم إلا قليلاً جداً ، وعندي أن
ذكره كان غائراً في جوزة طير فافرخ ثم لمّا بلغ ظهر قليلاً قليلاً ، حتى تكامل ظهوره فتبينوا أنه كان ذكراً ،
وذكر لي أن ذكره برز مختوناً فسمي ختان القمر ، فهذا يوجد كثيراً والله أعلم .
وفي يوم الثلاثاء خامس شهر رجب قدم الأمير عز الدين طُقْطَاي(٢) الدويدار من الديار الحلبية وخبر
عما اتفق عليه العساكر الحلبية من ذهابهم مع نائبهم ونواب تلك الحصون وعساكر خلف دُلْغَادر
التركماني ، الذي كان أعان بَيْبُغا وذويه على خروجه على السلطان ، وقدم معه إلى دمشق وكان من أمره
ما تقدم بسطه في السنة الماضية ، وأنّهم نهبوا أمواله وحواصله ، وأسروا خلقاً من بنيه وذويه وحريمه ،
وأن الجيش أخذ شيئاً كثيراً من الأغنام والأبقار والرّقيق والدواب والأمتعة وغير ذلك ، وأنه لجأ إلى ابن
أَزْتَنا٣) فاحتاط عليه واعتقله عنده ، وراسل السلطان بأمره ففرح الناس براحة الجيش الحلبي وسلامته
بعدما قاسوا شديداً وتعباً كثيراً .
وفي يوم الأربعاء ثالث عشره كان قدوم الأمراء الذين كانوا مسجونين بالإسكندرية من لَدُن عَود
السُّلطان إلى الديار المصرية، ممَّن كان انُّهم بممالأة بَيْبُغَا أو خدمته ، كالأمير سيف الدين مَلَك آص(٤)،
وعلاء الدين علي البَشْمُقْدَار(٥) ، وساطلمس الجلالي ومن معهم.
وفي أول شهر رمضان اتفق أنَّ جماعة من المفتين أفتوا بأحد قولي العلماء، وهما وجهان لأصحابنا
الشافعية، وهو جواز استعادة ما استهدم من الكنائس، فتعصَّب عليهم قاضي القضاة تقي الدين السُّبكي
(١) في ط : كحلن ابن الأقوس.
في ط : بقطية وهو تحريف . ومرَّ ذكره .
(٢)
في ط : أرطنا وأثبتنا ما في الدرر (٣٤٨/١). وهو صاحب الرُّوم من جهة أبي سعيد. مات سنة (٧٥٣) هـ.
(٣)
في ط : ملك أجي وهو تحريف .
(٤)
في ط : السيمقدار .
(٥)

٣٧٣
أحداث سنة ٧٥٥هـ
فقرَّعهم في ذلك ومنعهم من الإفتاء ، وصنَّف في ذلك مصنَّفاً يتضمن المنع من ذلك سمَّاه ((الدسائس في
(١)
الكنائس (١)
وفي خامس شهر رمضان قدم بالأمير دُلْغَادر(٢) التركماني الذي كان مؤازراً لبَيْبُغَا في العام الماضي على
تلك الأفاعيل القبيحة، وهو مضيَّق عليه، فأُحضر بين يدي النائب، ثم أُودع القلعة المنصورة في هذا اليوم.
ثم دخلت سنة خمس وخمسين وسبعمئة
استهلّت هذه السنة وسلطان الديار المصرية والبلاد الشامية وما يتبع ذلك والحرمين الشريفين
وما والاهما من بلاد الحجاز وغيرها الملك الصالح صلاح الدين بن الملك الناصر محمد بن الملك
المنصور قلاوون الصالحي ، وهو ابن بنت تَنْكِز نائب الشام ، وكان في الدولة الناصرية .
ونائبه بالديار المصرية الأمير سيف الدين قَبْلاي الناصري ، ووزيره القاضي موفق الدين ، وقضاة
مصرهم المذكورون في العام الماضي ، ومنهم قاضي القضاة عزّ الدين بن جماعة الشافعي ، وقد جاور في
هذه السنة في الحجاز الشريف ، والقاضي تاج الدين المُنَاوي يسدُّ المنصب عنه ، وكاتب السر القاضي
علاء الدين بن فضل الله العدوي ، ومدبرو المملكة الأمراء الثلاثة سيف الدين شَيْخُون، وصَرْ غَتْمُش
الناصري ، والأمير الكبير الدوادار عز الدين طُقْطَاي الناصري .
ودخلت هذه السنة والأمير سيف الدين شَيْخُون في الأحداث من مدة شهر أو قريب .
ونائب دمشق الأمير علاء الدين على المارداني ، وقضاة دمشق هم المذكورون في التي قبلها ، وناظر
الدواوين الصاحب شمس الدين موسى بن التاج أبي إسحاق(٢) ، وكاتب السر القاضي ناصر الدين بن
الشرف يعقوب ، وخطيب البلد جمال الدين محمود بن جملة ، ومحتسبه الشيخ علاء الدين الأنصاري ،
قريب الشيخ بهاء الدين ابن(٤) إمام المشهد ، وهو مدرّس الأمينية(٥) مكانه أيضاً .
وفي شهر ربيع الآخر قدم الأمير علاء الدين مُغْلَطاي الذي كان مسجوناً بالإسكندرية ثم أُفرج عنه ،
وقد كان قبل ذلك هو الدولة ، وأمر بالمسير إلى الشام ليكون عند أَيْتَمُش (٦) نائب طرابُلُس، وأمّا مَنْجك
(١)
الذيل التام (١/ ١٣١).
(٢)
في ط : أبو الغادر وهو تحريف .
هو : موسى بن أبي إسحاق ، ويدعى عبد الوهاب بن عبد الكريم المصري القبطي . مات سنة (٧٧١)هـ والزيادة
(٣)
من الوفيات لابن رافع (٢/ ٣٦١) .
بهاء الدين هو : محمد بن علي بن سعيد بن سالم الأنصاري مات سنة (٧٥٢)هـ الدارس (١٩٩/١).
(٤)
(٥)
مدرسة قبلي باب الزيادة من أبواب الجامع الأموي . الدارس (١٩٩/١).
في ط : حمزة أيتمش وهذه ليست في جميع مصادر ترجمته .
(٦)

٣٧٤
أحداث سنة ٧٥٥هـ
الذي كان وزيره بالدّيار المصرية وكان معتقلاً بالإسكندرية مع مُغْلَطائ(١) ، فإنه صار إلى صفد مقيماً بها
بطالاً ، كما أن مُغْلَطاي أُمر بالمقام بطرابُلُس بطالًا إلى حين يحكم الله عز وجل . انتهى والله أعلم .
نادرة من الغرائب
في يوم الإثنين السادسَ عشرَ من جمادى الأولى اجتاز رجل من الرّوافض من أهل الحِلَّهِ(٢) بجامع
دمشق وهو يسبُّ أول من ظلم آل محمد ، ويكرِّر ذلك لا يفتر ، ولم يصلِّ مع الناس ولا صلَّى على الجنازة
الحاضرة ، على أن النَّاس في الصَّلاة ، وهو يكرّر ذلك ويرفع صوته به، فلمَّا فرغنا من الصَّلاة نبَّهْتُ عليه
الناس ، فأخذوه ، وإذا قاضي القضاة الشافعي في تلك الجنازة حاضر مع الناس . فجئت إليه واستنطقته :
مَن الذي ظلم آل محمد؟ فقال : أبو بكر الصديق ، ثم قال جهرة والناس يسمعون : لعن الله أبا بكر وعمرَ
وعثمانَ ومعاويةَ ويزيدَ ، فأعاد ذلك مرتين ، فأمر به الحاكم إلى السِّجن ، ثم استحضره المالكي وجلده
بالسّياط ، وهو مع ذلك يصرُعُ بالسبّ واللّعن والكلام الذي لا يصدرُ إلا عن شقي، واسم هذا اللعين
علي بن أبي الفضل بن محمد بن حسين بن كثير قبَّحه الله وأخزاه ، ثم لما كان يوم الخميس سابع عشره
عقد له مجلس بدار السعادة وحضر القضاة الأربعة وطُلب إلى هنالك، فقدَّر الله أن حكم نائب المالكي
بقتله ، فأُخذ سريعاً فضرب عنقه تحت القلعة وحرقه العامة وطافوا برأسه البلد ، ونادوا عليه : هذا جزاء
من سبَّ أصحاب رسول الله بِّه، وقد ناظرت هذا الجاهل بدار القاضي المالكي وإذا عنده شيء ممَّا يقوله
الرَّافضةُ الغُلاة، وقد تلقَّى عن أصحاب ابن مطهّر أشياء في الكُفْر والزَّندقة ، قبّحه الله وإياهم .
وورد الكتاب بإلزام أهل الذمة بالشروط العمرية (٣) . وفي يوم الجمعة ثامن عشرَ رجب الفرد قُرِىءَ
بجامع دمشق بالمقصورة بحضرة نائب السلطنة وأمراء الأعراب ، وكبار الأمراء ، وأهل الحل والعقد
والعامة ، كتاب السلطان بإلزام أهل الذمة بالشّروط العُمَرية وزيادات أخر : منها أن لا يستخدموا في شيء
من الدواوين السلطانية والأمراء ولا في شيء من الأشياء ، وأن لا تزيد عمامةُ أحدهم عن عشرة أَذْرُع
و[ أن ]٤) لا يركبوا الخيل ولا البغال، ولكن الحمير بالأكف عرضاً، وأن لا يدخلوا (الحَمَّام) إلا
بالعلامات من جرس أو خاتم نحاس أصفر أو رصاص ، ولا تدخل نساؤهم مع المسلمات الحمَّامات ،
وليكن لهن حمَّامات تَخْتَصُّ بهن ، وأن يكون إزار النصرانية من كتان أزرق ، واليهودية من كتان أصفر ،
وهو: أَيْتَمُش الجمدار الناصري ، ولي نيابة طرابلس سنة (٧٥٣) هـ ومات بها سنة (٧٥٥) هـ الدرر (٤٢٤/١).
=
(١)
علاء الدين مُغْلطاي النوري رأس نوبة مات سنة (٧٥٥)هـ الذيل للحسيني ص (٢٩٥).
(٢)
(«الحلَّة)» : مدينة كبيرة بين الكوفة وبغداد ، وكانت تسمّى الجامعين . معجم البلدان .
(٣)
الدرر الكامنة (٩٥/٣).
زيادة يقتضيها السياق .
(٤)

٣٧٥
عودة الملك الناصر حسن بن الملك الناصر محمد بن قلاوون
وأن يكون أحد خفيها أسود، والآخر أبيض(١)، وأن يُحْمَلُ(٢) حكمُ مواريثهم على الأحكام الشرعية .
واحترقت باسورة باب الجابية في ليلة الأحد العشرين من جمادى الآخرة ، وعدم المسلمون تلك
الأطعمات والحواصل النافعة من الباب الجوّاني إلى الباب البرّاني.
وفي مستهل شهر رمضان عمل الشيخ الإمام العالم البارع شمس الدين بن النَّقَّاش (٣) المصري الشّافعي
- وَرَدَ دمشق(٤) - بالجامع الأموي تجاه محراب الصَّحابة ، ميعاداً للوعظ واجتمع عنده خلق من الأعيان
والفضلاء والعامة ، وشكروا كلامه وطلاقة عبارته ، من غير تَلعْثُم ولا تخليط ولا توقُّف ، وطال ذلك إلى
قريب العصر .
وفي صبيحة يوم الأحد ثالثه صُلِّي بجامع دمشق بالصَّحن تحت النَّسر على القاضي جمال الدّينُ(6)
حُسَين(٦) ابن قاضي القضاة تقي الدين السُّبكي الشّافعي، ونائبُ(٧) ، وحضر نائب السَّلطنة الأمير
علاء الدين علي ، وقضاة البلد والأعيان والدولة وكثير من العامة ، وكانت جنازته محسودة ، وحضر
والده قاضي القضاة وهو يتهادى(٨) بين رجلين، فظهر عليه الحزن والكآبة ، فصلَّى عليه إماماً، وتأسَّف
النَّاس عليه لسماحة أخلاقه وانجماعه على نفسه، لا يتعدّى شُه إلى غيره، وكان يحكم جيداً نظيفَ
العرض في ذلك، وكان قد درَّس في عدَّة مدارس، منها الشَّامية البرّانية والعَذْراوية٩ُ)، وأفتى وتصدّر ،
وكانت لديه فضيلة جيدة بالنَّحو والفقه والفرائض وغير ذلك .
ودفن بسفح قاسيون في تربة معروفة لهم رحمهم الله .
عودة الملك النّاصر حسن بن الملك الناصر محمد بن قلاوون
وذلك يوم الإثنين ثاني شهر شوال اتفق جمهور الأمراء مع الأمير شَيْخُون وصَرْغَتْمُش في غيبة طَاز في
وفي الذيل التام (١٣٥/١): وإذا مرّ بمسلم جالس نزل وأظهر المسكنة، ولا يكرموا في المجالس ألبتة.
(١)
(٢)
في ط : يحكم وأثبتنا ما في الذيل التام .
هو : شمس الدين أبو أمامة محمد بن علي بن عبد الواحد بن يحيى الدُّكَالِيّ المصري الشافعي المعروف بابن
(٣)
النَّقَّاش. مات سنة (٧٦٣) هـ كما سيأتي. الوفيات لابن رافع (٢٤٨/٢).
قال ابن رافع : قدم علينا دمشق ، وتكلّم على الناس بجامع دمشق .
(٤)
في ط : كمال الدين وأثبتنا ما في مصادر ترجمته .
(٥)
ترجمته في : الذيل للحسيني ص (٢٩٦) وطبقات الشافعية (٨٧/٦) والوفيات لابن رافع (١٧٣/٢) والدرر الكامنة
(٦)
(٢/ ٦١) والدارس (٢٣٩/١) والذيل التام (١/ ١٣٧). وهو: حسين بن علي بن عبد الكافي السُّبكي أبو الطَّيب.
أي نائب أبيه قاضي القضاة .
(٧)
(٨)
في ط : يهادي .
الدارس (٢٣٩/١).
(٩)

٣٧٦
أحداث سنة ٧٥٦هـ
الصيد على خلع الملك الصّالح صالح بن الناصر ، وأمُّه بنت تَنْكز ، وإعادة أخيه الملك الناصر حسن ،
وكان ذلك يومئذ وألزم الصالح بيته مضيَّقاً عليه ، وسُلِّم إلى أمه خوندة بنت الأمير سيف الدين تَنْكز نائب
الشام، كان، فطلبوا طاز(١)، وأُمسك أخوه جَنْتَمُر(٢) وأخو السُّلطان لأمه عمر بن أحمد بن بَكْتَمُر
السَّاقي ، ووقعت خبطة عظيمة بالدّيار المصرية ، ومع هذا فلم يقبل البريد إلى الشام وخبر البيعة إلا يوم
الخميس الثالث عشر من هذا الشهر ، قدم بسببها الأمير عز الدين أيْدَمُر الشّمسي، وبايع النائب بعد
ما خلع عليه خِلْعة سنّة، والأمراءُ بدار السعادة على العادة ، ودقت البشائر ، وزين البلد ، وخطب له
الخطيب يوم الجمعة على المنبر بحضرة نائب السلطنة والقضاة والدولة .
وفي صبيحة يوم الإثنين تاسع عشر شوال دخل دمشق الأمير سيف الدين مَنْجَك على نيابة طرابلس
ونزل القصر الأبلق مع الأمير عز الدين أَيْدَمُر فأَقَام أيَّاماً عديدة ثم سار إلى بلده بعد أيام٣ُ). وفي صبيحة
يوم الخميس السادس والعشرين منه دخل الأمير سيف الدين طَاز من الديار المصرية في جماعة من أصحابه
مجتازاً إلى نيابة حلب المحروسة ، فتلقَّاه نائب السلطنة إلى قريب من جامع كريم الدين بالقُبَيْبات ، وشيَّعه
إلى قريب من باب الفراديس ، فسار ونزل بوطأة برزة فبات هنالك ، ثم أصبح غادياً وقد كان نظير الأمير
شَيْخون ولكن قوي عليه فسيَّره إلى بلاد حلب ، وهو محبَّب إلى العامَّة لماله من السَّعي المشكور في أمورٍ
كبار كما تقدَّم .
ثم دخلت سنة ست وخمسين وسبعمئة
استهلَّت هذه السنة وسُلطان الإسلام والمسلمين السَّلطان الملك الناصر حسن بن الملك الناصر
محمد بن الملك المنصور قلاوون الصالحي ، وليس بالدّيار المصريّة نائبٌ ولا وزير ، وقضاتها هم
المذكورون في التي قبلها .
ونائب دمشق الأمير علي المارِدَاني ، والقضاة والحاجب والخطيب وكاتب السرّ هم المذكورون في
التي قبلها .
ونائب حلب الأمير سيف الدين طَاز، ونائب طرابُلُس مَنْجَك، ونائب حماة أَسَنْدَمُرُ(٤) العمري ،
في ط : وقطلبوطار . وهو تحريف .
(١)
في ط : سنتمر. النجوم (٣٠٢/١٠) الذيل التام (١٣٦/١).
(٢)
(٣)
الدرر الكامنة (٣٦١/٤) .
في ط : استدمر .
(٤)

٣٧٧
أحداث سنة ٧٥٦هـ
ونائب صفد الأمير شهاب الدين بن صُبْح ، ونائب حمص الأمير ناصر الدين بن لاقوش(١) ، ونائب بعلَبَكّ
الحاج كامل .
وفي يوم الإثنين تاسع صفر مُسك الأمير أَرْغون الكاملي الذي ناب بدمشقَ مدَّة ثم بعدها بحلبَ ثم
طلب إلى الديار المصرية حين وليها طازُ، فقبض عليه وأُرسل إلى الإسكندرية معتقلا٢ً) .
وفي يوم السبت من شهر صفر قُدِّم تقليد قضاء الشافعية بدمشقَ وأعمالها لقاضي القضاة تاج الدين
عبد الوهّاب بن قاضي القضاة تقي الدين السُّبكي ، على قاعدة والده ، وذلك في حياة أبيه ، وذهبتِ
الناس للسّلام عليه ٣) .
وفي صبيحة يوم الأحد السادس والعشرين من ربيع الآخر توجه قاضي القضاة تقي الدين السبكي بعد
استقلال ولده تاج الدين عبد الوهاب في قضاء القضاة ومشيخة دار الحديث الأشرفية مسافراً نحو الديار
المصرية في محفة ، ومعه جماعة من أهله وذويه ، منهم سبطه القاضي بدر الدين بن أبي الفتح وآخرون ،
وقد كان الناس ودَّعوه قبلَ ذلك وعنده ضَعْفٌ ، ومن النّاس من يخاف عليه وَعْثاء السفر مع الكبر
والضَّعف .
ولما كان يوم الجمعة سادس شهر جمادى الآخرة صُلِّيَ بعد الظهر على قاضي القضاة تقي الدين(٤)
علي(٥) بن عبد الكافي بن علي بن تمام السبكي المصري الشافعي ، توفي بمصر ليلة الإثنين ودفن من
صبيحة ذلك اليوم وقد أكمل ثلاثاً وتسعين سنة ، ودخل في الرابعة أشهراً ، ووَلِيَ الحكم بدمشق نحواً من
سبعَ عَشْرة سنة ، ثم نزل عن ذلك لولده قاضي القضاة تاج الدين عبد الوهاب ، ثم رحل في محفَّة إلى
الديار المصرية كما ذكرنا ، ولما وصل مصر أقام دون الشهر ثم توفي كما ذكرنا .
وجاءت التعزية ومرسومٌ باستقرار ولده في مدرسته التقوية (٦) والقيمرية ، وبتشريف ، تطيباً لقلبه ،
وذهب الناس إلى تعزيته على العادة .
وقد سمع قاضي القضاة السُّبكي الحديثَ في شبيبته بديار مصر ، ورحل إلى الشام وقرأ بنفسه وكتب
(١) في ط : ابن الأقوس.
(٢)
الدرر الكامنة (٣٥٣/١) والذيل التام (١٤١/١).
(٣)
الدرر الكامنة (٤٢٦/٢) .
(٤)
في ط : تقي الدين بن علي وهو توهم .
ترجمته في : الذيل للحسيني ص (٣٠٤) وطبقات الشافعية (١٤٦/٦) والوفيات لابن رافع (٢/ ١٨٥) والدرر الكامنة
(٥)
(٦٣/٣) والنجوم الزاهرة (٣١٨/١٠) والذيل التام (١٤٣/١) وبغية الوعاة (١٧٦/٢) وفيه وفاته سنة (٧٥٥) هـ.
(٦) في ط: اليعقوبية وهو تصحيف وأثبتنا ما في الدارس (١/ ٢٢٣، ٤٤٥) وهي مدرسة داخل باب الفراديس ، بسوق
العمارة ، وهي شمالي الجامع ، شرقي الظاهرية .

٣٧٨
أحداث سنة ٧٥٦هـ
وخرّج ، وله تصانيف كثيرة منتشرة كثيرة الفائدة ، وما زال في مدة القضاء يصنَّفُ ويكتبُ إلى حين وفاته ،
وكان كثير التلاوة ، وذكر لي أنه كان يقوم من اللَّيل رحمه الله .
وفي شهر جمادى الأولى من هذه السنة اشتهر أخذ الفرنج المخذولين لمدينة طرابلس الغرب(١) . وقرأت من
كتاب لقاضي قضاة أنَّ أخذهم إيّاها كان ليلة الجمعة مستهل ربيع الأول من هذه السنة ، ثم بعد خمسةَ عشرَ يوماً
استعادها المسلمون وقتلوا منهم أضعاف ما قتلوا أولًا من المسلمين ولله الحمد والمنة . وأرسل [ أهل (٢) الدولة
إلى الشام يطلبون من أموال أوقاف الأسارى ما يَسْتَنقذون به من بقي في أيديهم من المسلمين .
وفي يوم الأربعاء حادي عشرَ رجب الفرد من هذه السنة حكم القاضي المالكي وهو قاضي القُضاة
جمال الدين المسلَّتي بقتل نَصْراني من قرية الرأس من معاملة بعلَيَكّ ، اسمه داود بن سالم ، ثبت عليه
بمجلس الحكم في بعلَبَكَّ أنَّ اعترف بما شهد عليه أحمد بن نور الدين علي بن غازي من قرية اللَّبْوة من
الكلام السيء الذي نال به من رسول الله وَله، وسبّه وقذفه بكلام لا يليق ذكره ، فقتل لعنه الله يومئذ بعد
أذان العصر بسوق الخيل وحرقه الناس وشفى الله صُدورَ قوم مؤمنين ولله الحمد والمنة .
وفي صبيحة يوم الأحد رابعَ عشرَ شعبان درَّس القاضي بهاء الدين أبو البقاء السُّبكي بالمدرسة
القيمرية (٣) نزل له عنها ابن عمه قاضي القضاة تاج الدين عبد الوهاب ابن قاضي القضاة تقي الدين السُّبكي
وحضر عنده القضاة والأعيان، وأخذ في قوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ﴾
[ الحشر : ٩ ] .
وصُلَِّ في هذا اليوم بعد الظهر على الشيخ الشاب الفاضل المحصِّل جمال الدين عبد الله بن(٤) العلامة
شمس الدين بن قيم الجوزية الحنبلي ، ودُفن عند أبيه بمقابر باب الصغير ، وكانت جنازته حافلة ، وكانت
لديه علوم جيدة ، وذهنه حاضر خارق ، أفتى ودرَّس وأعاد وناظر وحَّ مراتٍ عديدة رحمه الله وبلّ
بالرحمة ثراه .
وفي يوم الإثنين تاسعَ عشرَ شوال وقع حريق هائل في سوق القطّانين بالنهار ، وذهب إليه نائب
السّلطنة والحجبة والقضاة حتى اجتهد الفعول(٥) والمتبرِّعون في إخماده وطَفْبِهِ ، حتى سكن شؤُه وذهب
بسببه دكاكين ودور كثيرة جداً ، فإنا لله وإنا إليه راجعون . وقد رأيته من الغد والنَّارُ كما هي عمَّالةٌ والدُّخانُ
(١) الذيل التام (١/ ١٤٢).
زيادة من الذيل التام .
(٢)
(٣)
الدارس (٤٤٥/١) .
ترجمته في الدرر الكامنة (٢٩٠/٢) والدارس (٩٠/٢) والشذرات (٦/ ١٨٠) وهو: عبد الله بن محمد بن أبي بكر
(٤)
الحنبلي الدمشقي . وفيها جميعها : شرف الدين .
(٥) ((الفعول)): جمع فاعل وهو العامل. وتجمع أيضاً على فَعَلة .

٣٧٩
أحداث سنة ٧٥٧هـ
صاعد ، والناس يُطفونه بالماء الكثير الغمر والنار لا تخمد ، لكن هدمت الجدران وخربت المساكن
وانتقل السكان انتهى والله أعلم .
ثم دخلت سنة سبع وخمسين وسبعمئة
استهلَّت هذه السنة وسلطان البلاد بالديار المصرية والشَّامية والحرمين وغير ذلك الملك الناصر
حسن بن الملك الناصر محمد بن الملك المنصور قلاوون الصالحي ، ولا نائب ولا وزير بمصرَ ، وإنما
يرجع تدبير المملكة إلى الأمير سيف الدين شَيْخُون، ثم الأمير سيف الدين صَرْغَتْمُش ، ثم الأمير عز الدين
◌ُقْطَايُ(١) الدوايدار ، وقضاة مصرهم المذكورون في التي قبلها سوى الشافعي فإنّه ابن المتوفى قاضي
القضاة تاج الدين عبد الوهاب بن تقي الدين السُّبكي .
ونائب حلب الأمير سيف الدين طَاز، وطرابُلُس الأمير سيف الدين مَنْجك ، وبصفد الأمير شهاب
الدين بن صُبْح، وبحماة أسَنْدَمُر(٢)، وبحمص علاء الدين بن المعظّم ، وببعلبك الأمير ناصر
الدين [ بن ]٣) لاقُوش(٤) .
وفي العشر الأول من ربيع الأول تكاملَ إصلاح بلاط الجامع الأموي وغسل فصوص المقصورة
والقبّة ، وبُسط بسطاً حسناً، وبُيّضت أطباق القناديل، وأضاء حاله جداً ، وكان المستحثّ على ذلك
الأمير علاء الدين أَيْدَغْمُش أحد أمراء الطبلخانات ، بمرسوم نائب السّلطنة له في ذلك .
وفي يوم الجمعة الثامن والعشرين من ربيع الآخر من هذه السنة صُلَِّ على الأمير سيف الدين بُرَاق(٥)
أمير آخور بجامع تَنْكِز ، ودُفن بمقابر الصُّوفية ، وكان مشكور السيرة كثير الصَّلاة والصَّدقة محباً للخير
وأهله ، من أكابر أصحاب الشيخ تقي الدين بن تيمية ، رحمه الله تعالى . وقد رُسم لولديه ناصر الدين
محمد وسيف الدين أبي بكر ، كل منهما بعشرة أرماح ، ولناصر(٦) الدين بمكان أبيه في الوظيفة بإصطبل
السلطان .
وفي يوم الخميس رابع شهر جمادى الأولى خلع على الأميرين الأخوين ناصر الدين محمد وسيف
الدين أبي بكر ولدي الأمير سيف الدين بُراق رحمه الله تعالى ، بأميرين عشرتين .
في ط : مغلطاي وسبق الحديث فيه .
(١)
(٢)
في ط : استدمر .
(٣)
زيادة يقتضيها الكلام .
في ط : الأقوس .
(٤)
ترجمته في الدرر الكامنة (٤٧٤/١). والذيل التام (١/ ١٥٢ - ١٥٣) وفيهما وفاته في شهر ربيع الأول.
(٥)
(٦) في ط : والناصر .

٣٨٠
أحداث سنة ٧٥٧هـ
ووقع في هذا الشهر نزاع بين الحنابلة في مسألة المناقلة ، وكان ابن قاضي الجبل(١) الحنبلي يحكم
بالمناقلة في قرار دار الأمير سيف الدين طَيْدَمُر الإسماعيلي(٢) حاجب الحجَّاب إلى أرض أخرى يجعلها وقفاً
على ما كانت قرار داره عليه، ففعل ذلك بطريقه، ونقضه القضاة الثلاثة الشافعي والحنفي والمالكي ، فغضب
القاضي الحنبلي وهو قاضي القضاة جمال الدين المَزْداوي المقدسي من ذلك ، وعقد بسبب ذلك مجالس ،
وتطاول الكلام فيه ، وادّعى كثيرٌ منهم أنّ مذهب الإمام أحمد في المناقلة إنَّما هو في حال الضَّرورة ، وحيث
لا يمكن الانتقاع بالموقوف ، فأما المناقلة لمجرد المصلحة والمنفعة الراجحة فلا ، وامتنعوا من قبول
ما قرَّره الشيخ تقي الدين بن تيمية في ذلك، ونقله عن الإمام أحمد من وجوه كثيرة من طريق ابنيه صالح(٣)
وحَزْب وأبي داود وغيرهم ، أنها تجوز للمصلحة الراجحة ، وصنَّف في ذلك مسألة مفردة وقفتُ عليها
فرأيتها في غاية الحسن والإفادة ، بحيث لا يتخالج من اطلع عليها ممّن يذوق طعم الفقه أنها مذهب الإمام
أحمد رحمه الله ، فقد احتجَّ أحمدُ في ذلك في رواية ابنه صالح بما رواه عن يزيد بن عوف عن المسعودي عن
القاسم بن محمد : أنَّ عمرَ كتب إلى ابن مسعود أن يُحوِّلَ المسجد الجامع بالكوفة إلى موضع سوق
التمَّارين ، ويجعل السوق في مكان المسجد الجامع العتيق(٤) ، ففعل ذلك ، فهذا فيه أوضح دلالة على
ما استدل به فيها من النقل بمجرد المصلحة فإنّه لا ضرورة إلى جعل المسجد العتيق سوقاً ، على أن الإسناد
فيه انقطاع بين القاسم وبين عمر وبين القاسم وابن مسعود ، ولكن قد جزم به صاحب المذهب ، واحتج به ،
وهو ظاهر واضح فى ذلك ، فعقد المجلس فى يوم الإثنين الثامن والعشرين من الشهر .
وفي ليلة الأربعاء الرابع والعشرين من جمادى الأولى وقع حريق عظيم ظاهر باب الفرج احترق فيه
بسببه قياسير كثيرة لطاز ويلبغا ، وقيسرية الطواشي لبنت تَنْكِز ، وأُخر كثيرة ودور ودكاكين وذهب للناس
شيء كثير من الأمتعة والنحاس والبضائع وغير ذلك ، مما يقاوم ألف ألف وأكثر خارجاً عن الأموال ،
فإنا لله وإنا إليه راجعون . وقد ذكر كثير من الناس أنه كان في هذه القياسير شر كثير من الفسق والرّبا
والزّغل وغير ذلك(٥)
وفي السابع والعشرين من جمادى الأولى ورد الخبر بأن الفرنج لعنهم الله استحوذوا على مدينة
هو : شرف الدين أحمد بن قاضي القضاة حسن مات سنة (٧٧١)هـ. الوفيات لابن رافع (٣٥٤/٢) .
(١)
(٢)
طَيْدَمُر الإسماعيلي الحاجب ، أمِّر بدمشق ثم قبض عليه، ومات سنة (٧٣٩) هـ.
صالح وحرب ابنا الإمام أحمد بن حنبل رحمهم الله ، فأما الأول فكان قاضي أصبهان مات سنة (٢٦٦)هـ . وفيات
(٣)
الأعيان (١/ ٦٥) أما حرب فلم أقع له على ترجمة فيما بين يديّ من المصادر ، ولم أعلم لابن حنبل أولاداً غير صالح
وعبد الله وبالأخير كان يكنى .
(٤)
الذي بناه سعد بن أبي وقاص بأمر عمر بن الخطاب رضي الله عنهم . معجم ياقوت .
(٥) الذيل للحسيني ص (٣١٠) والذيل التام (١٤٨/١) والزغل: الغِشُّ.