النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
أحداث سنة ٧٤٩هـ
وفي يوم الأربعاء تاسع عشره أمر نائب السلطنة بجماعة انتهبوا شيئاً من الباعة فقطعوا أحدَ عشرَ منهم ،
وسُمِّر عشرةٌ تسميراً تعزيراً وتأديباً انتهى . والله أعلم .
ثم دخلت سنة تسع وأربعين وسبع مئة
استهلَّت وسلطان البلاد المصرية والشامية الملك الناصر ناصر الدين حسن بن الملك المنصور ونائبه
بالديار المصرية الأمير سيف الدين بَيْبُغَا(١) ، ووزيره مَنْجَك(٢).
وقضاته عز الدين بن جماعة الشافعي وتقي الدين الإِخنائي المالكي ، وعلاء الدين بن التركماني
الحنفي ، وموفق الدين المقدسي الحنبلي . وكاتب سره القاضي علاء الدين بن محيي الدين بن فضل الله
العمري . ونائب الشام المحروس بدمشقَ الأمير سيف الدين أَرْغُون شاه الناصري ، وحاجب الحجاب
الأمير طَيْدَمُر(٣) الإسماعيلي .
والقضاة بدمشق ، قاضي القضاة تقي الدين السُّبكي الشافعي ، وقاضي القضاة نجم الدين الحنفي ،
وقاضي القضاة جلال الدين المسلأَّتي المالكي ، وقاضي القضاة علاء الدين بن مُنَجَّى الحنبلي .
وكاتب سرّه القاضي ناصر الدين الحلبي الشافعي ، وهو قاضي العساكر بحلب ، ومدِّرس الأسدية بها
أيضاً ، مع إقامته بدمشق المحروسة .
وتواترت الأخبار بوقوع البلاء في أطراف البلاد . فذكر عن بلاد القرم أمر هائل ، وموتان فيهم كثير ،
ثم ذكر أنَّ انتقل إلى بلاد الفرنج حتى قيل : إنَّ أهل قبرص مات أكثرهم أو يقارب ذلك ، وكذلك وقع بغزة
أمر عظيم ، وقد جاءت مطالعة نائب غزة إلى نائب دمشق أنه مات من يوم عاشوراء إلى مثله من شهر صفر
نحو من بضعةً عشر ألفاً، وقرىء ((البخاري)) في يوم الجمعة بعد الصلاة سابع ربيع الأول في هذه السنة ،
وحضر القضاة وجماعة من الناس ، وقرأ ربعة بعد ذلك المقرئون ، ودعا الناس برفع الوباء عن البلاد ،
وذلك أن الناس لما بلغهم من حلول هذا المرض في السواحل وغيرها من أرجاء البلاد يتوهمون ويخافون
وقوعه بمدينة دمشق ، حماها الله وسلمها مع أنه قد مات جماعة من أهلها بهذا الداء .
(١) في ط: يلبغا وهو تحريف. والتصويب من النجوم (١٨٨/١٠) والذيل التام للسخاوي (١ /٩٤) وسيأتي في أحداث
سنة (٧٥٤) هـ .
(٢) الأمير منجك اليوسفي السلاح دار أخو بيبغا أروس .
(٣) في ط: طير دمر وهو تحريف. والتصويب من الدرر الكامنة (٢/ ٢٣٢) وفيه : طيدمر الحاجب الإسماعيلي اعتقل
ومات بعد سنة (٧٥٩)هـ .

٣٤٢
أحداث سنة ٧٤٩هـ
وفي صبيحة يوم تاسعه اجتمع الناس بمحراب الصحابة وقرؤوا متوزعين (( سورة نوح )) ثلاثة
آلاف مرة وثلثمئة وثلاث وستين مرة ، عن رؤيا رجل أنه رأى رسول الله وَلير وأرشده إلى قراءة ذلك
كذلك(١) .
وفي هذا الشهر أيضاً كثر الموت في الناس بأمراض الطواعين ، وزاد الأموات كل يوم على المئة ، فإنا
لله وإنا إليه راجعون ، وإذا وقع في أهل بيت لا يكاد يخرج منه حتى يموتَ أكثرهم ، ولكنه بالنظر إلى كثرة
أهل البلد قليل ، وقد توفي في هذه الأيام من هذا الشهر خلق كثير وجم غفير، ولاسيَّما من النّساء، فإن
الموت فيهن أكثر من الرجال بكثير كثير، وشرع الخطيب في القنوت بسائر الصلوات والدعاء برفع الوباء
من المغرب ليلة الجمعة سادس شهر ربيع الآخر من هذه السنة ، وحصل للناس بذلك خضوع وخشوع
وتضُّع وإنابة ، وكَثُرت الأموات في هذا الشهر جداً ، وزادوا على المئتين في كل يوم، فإنا لله وإنا إليه
راجعون، وتضاعف عدد الموتى منهم ، وتعطلت مصالح الناس ، وتأخرت الموتى عن إخراجهم ، وزاد
ضمان الموتى جداً فتضرَّر النَّاس ولا سيما الصَّعاليك ، فإنه يؤخذ على الميت شيء كثير جداً ، فرسم نائب
السلطنة بإبطال ضمان النُّعوش والمغسّلين والحمّالين ، ونودي بإبطال ذلك في يوم الإثنين سادسَ عشرَ
ربيع الآخر ، ووقف نعوش كثيرة في أرجاء البلد واتسع الناس بذلك، ولكن كثرت الموتى فالله
المستعان(٢) .
وفي يوم الإثنين الثالث والعشرين منه نودي في البلد أن يصوم الناس ثلاثة أيام ، وأن يخرجوا في اليوم
الرابع وهو يوم الجمعة إلى عند مسجد القدم يتضرَّعون إلى الله ويسألونه في رفع الوباء عنهم ، فصام أكثرُ
الناس ونامَ الناس في الجامع وأحيوا الليل كما يفعلون في شهر رمضان ، فلما أصبح الناس يوم الجمعة
السابع والعشرين منه خرج الناس يوم الجمعة من كل فج عميق ، واليهود والنصارى والسَّامرة ، والشيوخ
والعجائز والصبيان ، والفقراء والأمراء والكبراء والقضاة من بعد صلاة الصبح ، فما زالوا هنالك يدعون
الله تعالى حتى تعالى النهار جداً ، وكان يوماً مشهوداً .
وفي يوم الخميس عاشر جمادى الأولى صَلَّى الخطيب بعد صلاة الظهر على ستة عشر ميتاً جملة
واحدة ، فتهوَّل النَّاسُ من ذلك وانذعروا ، وكان الوباء يومئذ كثيراً ربما يقارب الثلثمئة بالبلد وحواضره
فإنا لله وإنا إليه راجعون ، وصُلِّيَ بعد صلاة على خمسةَ عشرَ ميتاً بجامع دمشق، وصُلِّيَ على أحدَ عشرَ
نفساً رحمهم الله .
وفي يوم الإثنين الحادي والعشرين منه رسم نائب السلطنة بقتل الكلاب من البلد ، وقد كانت كثيرة
(١) لم يرد مثل هذا في السنة ، والمنامات لا تؤخذ منها الأحكام الشرعية.
(٢) النجوم الزاهرة (١٩٥/١٠) والذيل التام للسخاوي (٩٤/١ - ٩٥).

٣٤٣
أحداث سنة ٧٤٩هـ
بأرجاء البلد ، وربما ضَرَّت النَّاسَ وقطعت عليهم الطرقات في أثناء الليل ، أما تنجيسها الأماكن فكثير قد
عمَّ الابتلاء به وشق الاحتراز منه ، وقد جمعتُ جُزْءاً في الأحاديث الواردة في قتلهم ، واختلاف الأئمة في
نسخ ذلك ، وقد كان عثمانُ(١) رضي الله عنه يأمر في خطبته بذبح الحمام وقتل الكلاب ، ونصَّ مالكٌ في
رواية ابن وهب على جواز قتل كلاب بلدة بعينها ، إذا أذن الإمام في ذلك للمصلحة .
وفي يوم الإثنين الثامن والعشرين منه توفي زين الدين عبد الرحمن(٢) ابن شيخنا الحافظ المِزِّي ، بدار
الحديث النُّورِيَّة وهو شيخها ، ودفن بمقابر الصوفية على والده .
وفي منتصف شهر جمادى الآخرة قوي الموت وتزايد وبالله المستعان ، ومات خلائق من الخاصَّة
والعامَّة ممَّن نعرفهم وغيرهم رحمهم الله وأدخلهم جنته ، وبالله المستعان .
وكان يُصلَّى في أكثر الأيام في الجامع على أَزْيَدَ من مئة ميت فإنا لله وإنا إليه راجعون ، وبعض الموتى
لا يُؤتى بهم إلى الجامع ، وأما حول البلد وأرجائها فلا يعلم عددَ من يموت بها إلا الله عز وجل رحمهم الله
آمين .
وفي يوم الإثنين السابع والعشرين منه توفي الصدر شمس الدين(٣) بن الصَّبَّاب(٤) التاجرُ السفَّارُ ، باني
المدرسة الصبابية ، التي هي دار قرآن بالقرب من الظاهرية ، وهي قبلي العادلية الكبيرة ، وكانت هذه
البقعة برهة من الزمان خربة شنيعة ، فعمرها هذا الرجل وجعلها دار قرآن ودار حديث للحنابلة ، ووقف
هو وغيره عليها أوقافاً جيدة رحمه الله تعالى .
وفي يوم الجمعة ثامن شهر رجب صلي بعد الجمعة بالجامع الأموي على غائب : على القاضي علاء
الدين بن قاضي شُهْبة٥ُ) .
ثم صُلي على إحدى وأربعين نفساً جملة واحدة ، فلم يتّسع داخل الجامع لصفّهم بل خرجوا ببعض
الموتى إلى ظاهر باب السر ، وخرج الخطيب والنَّقيب فصلَّى عليهم كلهم هناك ، وكان وقتاً مشهوداً ،
وعبرة عظيمة ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .
(١) في ط : عمر وهو توهم . وقد مر الكلام فيه في سنة (٧٤٥) هـ مفصلاً .
فقد روى الأشعث عن الحسن قال : ما خطب عثمان خطبة إلا أمر بقتل الكلاب وذبح الحمام . الحيوان (٢٩٢/١).
ترجمته في الذيل للحسيني ص (٢٧٥) والوفيات لابن رافع (٧٧/٢) والدرر الكامنة (٣٥١/٢).
(٢)
ترجمته في الذيل للحسيني ص (٢٧٦) والدرر الكامنة (٣٧٥/٣) وذيول تذكرة الحفاظ ص (١٢١) ومنادمة الأطلال
(٣)
ص(٦٩) وقد وهم الشيخ بدران فجعل وفاته سنة (٧٤٠) نقلاً عن الذيل.
في الدارس (١٢٨/١) ابن الصَّبَّان. وهو : محمد بن أحمد بن محمد بن أبي العزّ ابن الصبّاب الحراني التاجر .
(٤)
(٥) لعله ممن انفرد ابن كثير بذكره .

٣٤٤
أحداث سنة ٧٤٩هـ
وفي هذا اليوم توفي التاجر المسمى بأَفْرِيْدُون(١) الذي بنى المدرسة التي بظاهر باب الجابية(٢) تجاه
تربة بهادرآص ، حائطها من حجارة ملونة ، وجعلها داراً للقرآن العظيم ووقف عليها أوقافاً جيدة ، وكان
مشهوراً مشكوراً رحمه الله وأكرم مثواه .
وفي يوم السبت ثالث رجب صُلِّيَ على الشيخ علي(٣) الغَزِّي(٤) أحد اصحاب الشيخ تقي الدين بن
تيمية بالجامع الأفرمي بسفح قاسيون ، ودفن بالسفح رحمه الله .
وكانت له عبادة وزهادة وتقشف وورع ولم يتولَّ في هذه الدنيا وظيفة بالكلية، ولم یکن له مال، بل
كان يأتي بشيء من الفتوح يستنفقه قليلاً قليلاً، وكان يعاني التصوُّف ، وترك زوجة وثلاثة أولاد رحمه الله.
وفي صبيحة يوم الأربعاء سابع رجب صُلِّي على القاضي زين الدين(٥) بن النُّجَيْح نائب القاضي
الحنبلي ، بالجامع المظفَّري ، ودفن بسفح قاسيون ، وكان مشكوراً في القضاء ، لديه فضائل كثيرة ،
وديانة وعبادة ، وكان من أصحاب الشيخ تقي الدين بن تيمية ، وكان قد وقع بينه وبين القاضي الشافعي
مشاجرات بسبب أمور ، ثم اصطلحا فيما بعد ذلك .
وفي يوم الإثنين ثاني عشره بعد أذان الظهر حصل بدمشقَ وما حولها ريح شديدة أثارت غباراً شديداً
اصفرّ الجو منه ثم اسودّ حتى أظلمت الدنيا ، وبقي الناس في ذلك نحواً من ربع ساعة يستجيرون الله
ويستغفرون ويبكون ، مع ما هم فيه من شدة الموت الذريع ، ورجا الناس أن هذا الحال يكون ختام ما هم
فيه من الطاعون ، فلم يزدد الأمر إلا شدة ، وبالله المستعان .
وبلغ المصلَّى عليهم في الجامع الأموي إلى نحو المئة وخمسين ، وأكثر من ذلك ، خارجاً عمَّن
لا يؤتى بهم إليه من أرجاء البلد وممّن يموت من أهل الذمة ، وأما حواضر البلد وما حولها فأمر كثير ،
يقال : إنه بلغ ألفاً في كثير من الأيام ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .
وصلّيَ بعد الظهر من هذا اليوم بالجامع المظفري على الشيخ إبراهيم(٦) بن المُحبّ ، الذي كان
(١) ترجمته في الذيل للحسيني ص (٢٧٧) والدرر الكامنة (٣٩١/١) والدارس (٢٥٣/٢) والذيل التام (١٠٢/١).
(٢)
الدارس (٢/ ٢٥٣) .
ترجمته في الدرر الكامنة (١٤٥/٣) وفيه : علي الغزي نزيل الصالحية في كلام طويل .
(٣)
(٤)
في ط : المغربي . وأثبتنا ما في الدرر .
ترجمته في الذيل للحسيني ص (٢٧٣) وفيه : زين الدين عمر بن سعدالله بن النُّجَيْج الحراني ، وذيل طبقات الحنابلة
(٥)
(٤٤٣/٢) والدرر الكامنة (١٦٦/٣). وفي الوفيات لابن رافع (٨٥/٢ - ٨٦) وفيه: عمر بن سعد الله بن
عبد الأحد بن سعد الله بن بُخَيْخ . نقلاً عن المشتبه في الرجال (١/ ٥١) فليحرر .
(٦) ترجمته في الذيل للحسيني ص (٢٧٨) والوفيات لابن رافع (٩١/٢) والدرر الكامنة (٩/١) وفيه: إبراهيم بن
أحمد . وذيول تذكرة الحفاظ ص (٥٧) .

٣٤٥
أحداث سنة ٧٤٩هـ
يحدث في الجامع الأموي وجامع تَنْكز ، وكان مجلسه كثير الجمع لصلاحه وحسن ما كان يؤديه من
المواعيد النافعة ، ودفن بسفح قاسيون ، وكانت جنازته حافلة رحمه الله .
وعملت المواعيد بالجامع الأموي ليلة سبع وعشرين من رجب يقولون ليلة المعراج ، ولم يجتمع
الناس فيه على العادة لكثرة من مات منهم ، ولشغل كثير من الناس بمرضاهم وموتاهم ، واتفق في هذه
الليلة أنه تأخر جماعة من الناس في الخيم ظاهر البلد ، فجاؤوا ليدخلوا من باب النصر على عادتهم في
ذلك ، فكأنه اجتمع خلق منهم بين البابين فهلك كثير منهم كنحو ما يهلك الناس في هذا الحين على
الجنائز ، فانزعج نائب السلطنة فخرج فوجدهم فأمر بجمعهم ، فلما أصبح الناس أمر بتسميرهم ثم عفا
عنهم ، وضُرب متولِّي البلد ضرباً شديداً ، وسُمّر نائبه في الليل ، وسُمّر البواب بباب النصر ، وأمر أن
لا يمشي أحد بعد عشاء الآخرة ، ثم تسمَّح لهم في ذلك .
واستهلّ شهر شعبان والفناء في الناس كثير جداً ، وربما أنتنت البلد ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .
وتوفي الشيخ شمس الدين(١) بن الصَّلاح مدرِّسُ القَيْمريّة الكبيرة بالمطرزيين ، يوم الخميس ثالث
عشر شعبان .
وفي يوم الجمعة رابع عشر شعبان صُلِّي بعد الصلاة على جماعة كثيرة ، منهم القاضي عماد الدين بن
الشِّيرازي(٢) . محتسب البلد ، وكان من أكابر رؤساء دمشق ، وولي نظر الجامع مدة ، وفي بعض
الأوقات نظر الأوقاف ، وجمع له في وقت بينهما ، ودفن بسفح قاسيون .
وفي العشر الأخير من شهر شوال توفي الأمير قَرَابُغَ(٣) دوادار النائب(٤) ، بداره غربي حكر السماق ،
وقد أنشأ له إلى جانبها تربة ومسجداً ، وهو الذي أنشأ السُّويَقة المجدَّدة عند داره ، وعمل لها بابين شرقياً
وغربياً ، وضمِّنت بقيمة كثيرة بسبب جاهه ، ثم بارت وهجرت لقلة الحاجة إليها ، وحضر الأمراء
والقضاة والأكابر جنازته ، ودفن بتربته هناك ، وترك أموالً جزيلة وحواصل كثيرة جداً ، أخذه مخدومه
نائبُ السَّلطنة .
(١) ترجمته في الذيل للحسيني ص (٢٧٢) وفيه: محمد بن الصلاح . والوفيات لابن رافع : (٢ / ٩٣) وفيه: شمس
الدين أبو الحسن علي بن محمد بن علي بن محمود بن علي بن عاصم الشَّهْرُزُوري الدمشقي الشافعي ، والدارس
(١/ ٤٤١)، وقد نقل نصّ الحسيني .
(٢) ترجمته في : الذيل للحسيني ص (٢٧٤) وفيه : عماد الدين محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن هبة الله بن
محمد بن يحيى ، أبو المعالي بن الشيرازي الدمشقي. والوفيات لابن رافع (٢/ ٩٤ - ٩٥) وفيه : بن جميل بدلًا من
يحيى . والدرر الكامنة (٣٦٥/٣) والدارس (٧٤/٢).
(٣)
ترجمته في الدرر الكامنة (٢٤٤/٣) .
يعني : أرغون شاه . نائب دمشق .
(٤)

٣٤٦
أحداث سنة ٧٤٩هـ
وفي يوم الثلاثاء سابع شهر ذي القعدة توفّي خطيبُ الجامع ، الخطيب تاج الدين عبد الرحيم (١) بن
القاضي جلال الدين محمد بن عبد الرحمن(٢) القزويني ، بدار الخطابة ، مرض يومين وأصابه ما أصاب
الناس من الطاعون ، وكذلك عامة أهل بيته من جواريه وأولاده .
وتبعه أخوه بعد يومين صدر الدين عبد الكريم(٣)، وصُلِّي على الخطيب تاج الدين بعد الظهر يومئذ
عند باب الخطابة ودفن بتربتهم بالصوفية عند أبيه وأخويه بدر الدين محمد(٤)، وجمال الدين عبد الله(٥)
رحمهم الله .
وفي يوم الخميس تاسعه اجتمع القضاة وكثير من الفقهاء المفتين عند نائب السلطنة بسبب الخطابة ،
فطلب إلى المجلس الشيخ جمال الدين(٦) محمود بن جملة . فولَاه إياها نائب السلطنة ، وانتزعت من يده
وظائف كان يباشرها ، ففرِّقت على الناس ، فولي القاضي بهاء الدين أبو البقاء تدريس الظاهرية البرانية ،
وتوزع الناس بقية جهاته ، ولم يبق بيده سوى الخطابة ، وصلّى بالناس يومئذ الظهر ، ثم خُلع عليه في
بكرة نهار الجمعة ، وصلَّى بالناس يومئذ وخطبهم على قاعدة الخطباء .
وفي يوم عرفة ، وكان يوم السبت ، توفي القاضي شهاب الدين (٧) بن فضل الله كاتب الأسرار الشريفة
بالديار المصرية ، والبلاد الشامية ، ثم عزل عن ذلك ومات ، وليس يباشر شيئاً من ذلك من رياسة وسعادة
وأموال جزيلة ، وأملاك ومرتَّبات كثيرة ، وعمر داراً هائلة بسفح قاسيون بالقرب من الركنية (٨) شرقيها
ليس بالسفح مثلها .
وقد انتهت إليه رياسة الإنشاء ، وكان يشبّه بالقاضي الفاضل (٩) في زمانه ، وله مصنَّفات عديدة
( ٢ )
في ط : الرحيم .
ترجمته في الدرر الكامنة (٢/ ٤٠١) وفيه ذكر لاسمه فقط ، وأشير في الهامش إلى أن في ترجمته بياض قدره ثلاثة
(٣)
أسطر .
(٤)
توفي سنة (٧٤٢) هـ كما سلف .
(٥)
توفي سنة (٧٤٣)هـ الدرر الكامنة (٢٩٤/٢).
في ط : جمال الدين بن محمود وهو توهم. الذيل ص (٢٧٣) والدارس (٣٤٦/١).
(٦)
ترجمته في الذيل للحسيني ص (٢٧٥) والوفيات لابن رافع (١١٢/٢ - ١١٣). والفوات (١/ ١٥٧) والنجوم الزاهرة
(٧)
(١٠/ ٢٣٤) والذيل التام للسخاوي (١٠٢/١).
وهو : أحمد بن يحيى بن فضل الله العُمَري .
الركنية البزانية الحنفية بسفح قاسيون . الدارس (٥١٩/١).
(٨)
أبو علي عبد الرحيم بن علي بن الحسن بن أحمد بن الفرج بن أحمد اللخمي العسقلاني . وزر لصلاح الدين رحمه
(٩)
الله تعالى مات فجأة بالقاهرة سنة (٥٩٦) هـ. وفيات الأعيان (١٥٨/٣).
ترجمته في : الذيل للحسيني ص (٢٧٢ - ٢٧٣) والدرر الكامنة (٣٦١/٢) والدارس (٣٤٧/١ - ٣٧٠).
(١)

٣٤٧
أحداث سنة ٧٥٠هـ
بعبارات سعيدة ١) ، وكان حسن المذاكرة سريع الاستحضار جيد الحفظ فصيح اللسان جميل الأخلاق ،
يحب العلماء والفقراء ، ولم يجاوز الخمسين ، توفي بدارهم داخل باب الفراديس ، وصُلِّي عليه بالجامع
الأموي ، ودُفن بالسَّفح مع أبيه وأخيه بالقرب من اليغمورية(٢) سامحه الله وغفر له .
وفي هذا اليوم توفي الشيخ عبد الله(٣) بن رشيق المغربي ، كاتبُ مصنَّفات شيخنا العلامة ابن تيمية ،
كان أبصرَ بخط الشيخ منه ، إذا عزب شيء منه على الشيخ استخرجه أبو عبد الله(٤) هذا ، وكان سريع
الكتابة لا بأس به ديناً عابداً كثير التلاوة حسن الصلاة ، له عيال وعليه ديون رحمه الله وغفر له آمين .
ثم دخلت سنة خمسين وسبعمئة
استهلَّت هذه السنة وسلطان البلاد المصرية والشامية والحرمين وغير ذلك من البلاد الملك الناصر
حسن بن الناصر محمد بن قلاوون .
ونائب الديار المصرية ومُدَبِّر(٥) ممالكه والأَتابك سيف الدين بَيْبُغَا٦).
وقضاة الديار المصرية هم المذكورون في التي قبلها .
ونائب الشام الأمير سيف الدين أَزْغون شاه الناصري .
وقضاة دمشقَ هم المذكورون في التي قبلها ، وكذلك أرباب الوظائف سوى الخطيب وسوى
المحتسب (٧) .
وفي هذه السنة ولله الحمد تقاصر أمرُ الطَّاعون جداً، نزل ديوان المواريث إلى العشرين وما حولها بعد
أن بلغ الخمسمئة في أثناء سنة تسع وأربعين ، ثم تقدَّم ولكن لم يرتفع بالكلية .
فإنَّه في(٨) يوم الأربعاء رابع شهر المحرَّم توفي الفقيه شهاب الدين أحمد٩) بن الثُّقة هو وابنه وأخوه
في ساعة واحدة بهذا المرض ، وصُلّيَ عليهم جميعاً ، ودُفنوا في قبر واحد رحمهم الله تعالى .
(١) منها كتابه المشهور : مسالك الأبصار في ممالك الأمصار .
(٢)
مدرسة بالصالحية . الدارس (٦٤٩/١).
(٣)
لعلَّه ممن انفرد ابن كثير بذكره .
لعلّ أبو زيادة ، لأنه ذكره عبد الله .
(٤)
(٥)
في ط : مدير .
في ط : يلبغا وسبق الكلام فيه .
(٦)
فقد توفاهما الله في السنة الماضية .
(١)
في ط : فإنّ .
(١)
(٩) لعله ممن انفرد ابن كثير بذكره.

٣٤٨
مسك نائب السلطنة أَرْغُون شاه
وفي يوم الأربعاء الخامس والعشرين من المحرم توفي صاحبنا الشيخ الإمام العالم العابد الزاهد
الناسك الخاشع نور الدين(١) محمد بن (٢) محمد بن محمد بن عبد القادر بن الصائع الشافعي ، مدرِّس
العمادية ، كان رحمه الله لديه فضائل كثيرة على طريقة السلف الصالح ، وفيه عبادة كثيرة وتلاوة وقيام ليل
وسكون حسن ، وخلق حسن ، جاوز الأربعين بنحو من ثلاث سنين ، رحمه الله وأكرم مثواه .
وفي يوم الأربعاء ثالث صفر باشر تقي الدين بن رافع(٣) المحدِّث مشيخة دار الحديث النورية ،
وحضر عنده جماعة من الفضلاء والقضاة والأعيان ، انتهى والله تعالى أعلم .
مسك نائب السلطنة أَرْغُون شاه
وفي ليلة الخميس الثالث والعشرين من ربيع الأول مُسك نائب السلطنة بدمشق الأمير سيف الدين
أَرْغُون شاه ، وكان قد انتقل إلى القصر الأبلق بأهله ، فما شعر بوسط الليل إلا ونائب طرابُلُس الأمير سيف
الدين أُلْجِي بُغَا المظفَّري الناصري ، ركب إليه في طائفة من الأمراء الألوف وغيرهم ، فأحاطوا به ودخل
عليه من دخل وهو مع جواريه نائم ، فخرج إليهم فقبضوا عليه وقيَّدوه ورسموا عليه ، وأصبح الناس
أكثرُهم لا يشعر بشيء ممَّا وقع ، فتحدَّث الناس بذلك، واجتمعت الأتراك إلى الأمير سيف الدين أُلْجيبُغَا
المذكور ، ونزل بظاهر البلد ، واحتيط على حواصل أَزْغُون شاه ، فبات عزيزاً وأصبح ذليلاً ، وأمسى
غنياء) نائب السَّلطنة ، فأصبح وقد أحاط به الفقر والمسكنة ، فسبحان من بيده الأمر مالك الملك ، يؤتي
الملك من يشاء وينزع المُلك ممن يشاء ، ويعزُّ من يشاءُ ويذلُّ من يشاء(٥) ، وهذا كما قال الله تعالى :
أَفَأَ مِنَ أَهْلُ الْقُرَ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَنْتًا وَهُمْ نَآَيِعُونَ (٦َ أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُم بَأَسُنَا ضُحَى وَهُمْ يَلْعَبُونَ
أَفَأَ مِنُواْ مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ الَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٧ -٩٩] ثم لما كان ليلة الجمعة
الرابع والعشرين من ربيع الأول أصبح مذبوحاً فأُثبت محضرٌ بأنه ذبح نفسه(٦) فالله تعالى أعلم .
في ط : ناصر الدين وأثبتنا ما في الدرر الكامنة والدارس .
(١)
ترجمته في الذيل للحسيني ص (٢٧٢) وذكره في وفيات سنة (٧٤٩)هـ وكذلك هو في الوفيات لابن رافع (٢/ ١٠٦)
(٢)
ففيه وفاته في ليلة الأربعاء مستهلٌّ ذي القعدة . وكذلك في الدارس (٢٣٩/١). أما الدرر الكامنة (٢٢٦/٤) فوفاته
فيها سنة (٧٥٠) غير أنه جعل ولادته سنة (٦٩٦) فيكون بذلك قد جاوز الرابعة والخمسين من العمر .
هو : أبو المعالي محمد بن رافع السَّلامي صاحب كتاب الوفيات. مات سنة ٧٧٤هـ .
(٣)
في ط : علينا. والتصويب من الذيل التام للسخاوي (١/ ١٠٦) نقلا عن ابن كثير .
(٤)
(٥)
هذا تمثّل من ابن كثير رحمه الله بمعنى الاية .
الذيل ص (٢٧٩) الدرر الكامنة (٣٥٠/١) ابن خلدون (٤٤٨/٥) النجوم الزاهرة (٢٤٣/١٠) الذيل التام للسخاوي
(٦)
(١٠٥/١ - ١٠٦).

٣٤٩
كائنة عجيبة غريبة جداً
كائنة عجيبة غريبة جداً
ثمَّ لمَّا كان يوم الثلاثاء الثامن والعشرين من ربيع الأول سنة خمسين وسبعمئة وقع اختلاف بين جيش
دمشق وبين الأمير سيف الدين أُلْجِيبُغَا، نائب طرابُلُس ، الذي جاء فأمسك نائب دمشق الأمير سيف الدين
أَرْغُون شاه الناصري ، ليلة الخميس وقتله ليلة الجمعة كما تقدَّم ، وأقام بالميدان الأخضر يستخلص أموالَه
وحواصلَه ، ويجمعُها عنده ، فأنكر عليه الأمراء الكبار ، وأمروه أن يحمل الأموال إلى قلعة السلطان، فلم
يقبل منهم ، فاتَّهموه في أمره ، وشكُّوا في الكتاب على يده من الأمر بمسكه وقتله ، وركبوا ملبسين تحت
القلعة وأبواب الميادين ، وركب هو في أصحابه وهم في دون المئة ، وقائل يقول : هم ما بين السبعين
إلى الثمانين والتسعين ، جعلوا يحملون على الجيش حمل المستقتلين ، إنما يدافعهم مدافعة المتبرِّئين ،
وليس معهم مرسوم بقتلهم ولا قتالهم ، فلهذا ولّى أكثرهم منهزمين ، فخرج جماعة من الجيش حتى بعض
الأمراء المقدّمين ، وهو الأمير الكبير سيف الدين أُلْجِيبُغَا العادلي، فقُطعت يدُه اليمنى ، وقد قارب
التّسْعين ، وقتل آخرون من أجناد الحلقة والمستخدمين ، ثم انفصل الحال على أن أخذ أُلْجِيبُغَا المظفّري
من خيول أَرْغُون شاه المرتبطة في إسطبله ما أراد ، ثم انصرف من ناحية المِزَّة صاغراً على عقبيه ، ومعه
الأموال التي جمعها من حواصل أَرْغون شاه ، واستمرَّ ذاهباً ، ولم يتبعه أحد من الجيش ، وصحبته الأمير
فخر الدين إيَّاس ، الذي كان حاجباً ، وناب في حلب في العام الماضي ، فذهبا بمن معهما إلى طرابلس ،
وكتب أمراء الشام إلى السُّلطان يعلمونه بما وقع ، فجاء البريد بأنه ليس عند السلطان علم بما وقع بالكلية ،
وأن الكتاب الذي جاء على يديه مفتعل ، وجاء الأمر لأربعة آلاف من الجيش الشامي أن يسيروا وراءه
ليمسكوه ثم أضيف نائب صفد مقدَّماً على الجميع ، فخرجوا في العشر الأول من ربيع الآخر .
وفي يوم الأربعاء سادس ربيع الآخر خرجت العساكر في طلب سيف الدين أُلْجِيبُغَا العادلي في
المعركة ، وهو أحد أمراء الألوف المقدمين ، ولما كانت ليلة الخميس سابعه نودي بالبلد على من يقربها
من الأجناد أن لا يتأخر أحد عن الخروج بالغد ، فأصبحوا في سرعة عظيمة واستنيب في البلد نيابة عن
النائب الراتب الأمير بدر الدين بن خطير(١) فحكم بدار السعادة على عادة النواب .
وفي ليلة السبت بين العشاءين ، سادس عشره دخل الجيش الذين خرجوا في طلب أَلْجِيبُغَا المظفري ،
وهو معهم أسير ذليل حقير ، وكذلك الفخر إياس الحاجب مأسور معهم ، فأودعا في القلعة مهانين من
جسر باب النصر الذي تجاه دار السعادة ، وذلك بحضور الأمير بدر الدين بن خطير نائب الغيبة ، ففرح
الناس بذلك فرحاً شديداً ، ولله الحمد والمنة .
(١) في ط : بدر الدين الخطير . والتصويب من الذيل التام وفيه : بدر الدين مسعود بن خطير نائب الغيبة .

٣٥٠
كائنة عجيبة غريبة جداً
فلما كان يوم الإثنين الثامنَ عشرَ منه خرجا من القلعة إلى سوق الخيل فوسّطا بحضرة الجيش ،
وعلقت جُثَّتهما على الخشب ليراهما النَّاس ، فمكثا أياماً ثم أُنزلا فدفنا بمقابر(١) المسلمين .
وفي أوائل شهر جمادى الآخرة جاء الخبر بموت نائب حلب سيف الدين قُطْلِيجا٢) ففرح كثير من
الناس بموته وذلك لسوء أعماله في مدينة حماة في زمن الطاعون ، وذُكر أنَّه كان يحتاط على التَّرِكَةِ وإن
كان فيها ولد ذكر أو غيره ، ويأخذ من أموال الناس جَهْرةً ، حتَّى حصل له منها شيء كثير ، ثم نقل إلى
حلب بعد نائبها الأمير سيف الدين أَرُقْطاي(٣) الذي كان عُيّن لنيابة دمشقَ بعد موت أَرْغُون شاه ، وخرج
النَّاس لتلقّيه فما هو إلا أن برز منزلةً واحدةً من حلبَ فمات بتلك المنزلةُ(1)
فلمّا صار قُطْلِيجا إلى حلب لم يقم بها إلا يسيراً حتى مات ، ولم ينتفع بتلك الأموال التي جمعها
لا في دنياه ولا في أخراه .
ولما كان يوم الخميس الحادي عشر من جمادى الآخرة دخل الأمير سيف الدين أَيْتَمُش الناصري(٥)
من الديار المصرية إلى دمشقَ نائباً عليها ، وبين يديه الجيش على العادة ، فقبّل العتبة ولبس الحياصة
والسيف، وأُعطي تقليدَه ومنشورَه هنالك، ثم وقف في الموكب على عادة النواب ، ورجع إلى دار
السعادة وحكم ، وفرح النّاس به ، وهو حسن الشكل تام الخلقة ، وكان الشام بلا نائب مستقل قريباً من
شهرين ونصف . وفي يوم دخوله حبس أربعة أمراء من الطبلخانات ، وهم القاسمي وأولاد آل أبو بكر
اعتقلهم في القلعة لممالاتهم أُلْجِيبُغَا المظفري ، على أَزْغون شاه نائب الشام .
وفي يوم الإثنين خامسَ عشرَ جمادى الآخرة حكم القاضي نجم الدين(٦) بن القاضي عماد الدين
الطرسوسي الحنفي ، وذلك بتوقيع سلطاني وخلعة من الديار المصرية .
وفي يوم الثلاثاء سادسَ عشرَ جُمادى الآخرة حصل الصُّلح بين قاضي القضاة تقي الدين السُّبكي وبين
(١) الذيل للحسيني ص (٢٨٠) وفيه: فقتلا في حادي عشرين ربيع الآخر. والذيل التام للسخاوي (١٠٧/١) نقلاً عن
ابن كثير .
(٢) في ط : قطلبشاه وهو تحريف .
ترجمته في الدرر الكامنة (٢٥٥/٣) والذيل التام للسخاوي (١١٠/١).
(٣)
في ط : أرقطية وأثبتنا ما في النجوم الزاهرة (٢٤٤/١٠).
وترجمته في النجوم الزاهرة (٢٤٤/١٠) والدليل الشافي (١٠٩/١) وفيه: أرقطاي بن عبد الله الأمير سيف الدين.
مات بظاهر حلب في خامس جمادى الأولى . الدليل الشافي .
(٤)
(٥)
الذيل للحسيني ص (٢٨٠) .
(٦) هو: إبراهيم بن علي بن أحمد بن عبد الواحد الحنفي مات سنة (٧٥٨)هـ الدرر الكامنة (٤٣/١) الدارس
(٤٧٦/١) .

٣٥١
كائنة عجيبة غريبة جداً
الشيخ شمس الدين بن قيم الجوزية ، على يدي الأمير سيف الدين بن فضل ملك العرب ، في بستان قاضي
القضاة ، وكان قد نقم عليه إكثارَه من الفُتيا بمسألة الطَّلاق .
وفي يوم الجمعة السادس والعشرين منه نقلت ◌ُثَّة الأمير سيف الدين أَزْغُون شاه من مقابر الصُّوفية
إلى تربته التي أنشأها تحت الطَّارمة ، وشرع في تكميل التربة والمسجد الذي قبلها ، وذلك أنه عاجلته
المنية على يد أُلْجِيبُغَا المظفري قبل إتمامهما، وحين قتلوه ذبحاً ودفنوه ليلاً في مقابر الصوفية ، قريباً من
قبر الشيخ تقي الدين بن الصَّلاح ، ثم حُوِّل إلى تربته في الليلة المذكورة .
وفي يوم السبت تاسع عشر رجب أذن المؤذنون للفجر قبل الوقت بقريب من ساعة ، فصلَّى الناس في
الجامع الأموي على عادتهم في ترتيب الأئمة ، ثم رأوا الوقت باقياً، فأعاد الخطيب الفجر بعد صلاة
الأئمة كلهم وأقيمت الصَّلاة ثانياً ، وهذا شيء لم يتفق مثله .
وفي يوم الخميس ثامن شهر شعبان توفي قاضي القضاة علاء الدين(١) بن مُنَجَّى الحَنْبلي بالمسمارية ،
وصُلِّيَ عليه الظّهر بالجامع الأموي ، ثم بظاهر باب النصر ، ودفن بسفح قاسيون رحمه الله .
وفي يوم الإثنين (ثالث(٢) رمضان بكرة النهار استدعي الشيخ جمال الدين المَرْداوي(٣) من
الصّالحية إلى دار السعادة ، وكان تقليد القضاء لمذهبه قد وصل إليه قبل ذلك بأيام ، فأحضرت الخلعة بين
يدي النائب والقضاة الباقين ، أُريد على لبسها وقبول الولاية فامتنع ، فألخُواعليه فصمَّم وبالغ في
الامتناع، وخرج وهو مغضب فراح إلى الصالحية فبالغ الناس في تعظيمه ، وبقي القضاة يوم ذلك في دار
السعادة ، ثم بعثوا إليه بعد الظهر فحضر من الصَّالحية فلم يزالوا به حتى قبل ولبس الخلعة وخرج إلى
الجامع ، فقرىء تقليده بعد العصر ، واجتمع معه القضاة وهنّأَه الناس ، وفرحوا به لديانته وصيانته
وفضيلته وأمانته .
وبعد هذا اليوم بأيام حكم الفقيه شمس الدين محمد بن مفلح الحنبلي(٤) نيابة عن قاضي القضاة جمال
الدين المرداوي المقدسي ، وابن مفلح زوج ابنته .
وفي العشر الأخير من ذي القعدة حضر الفقيه الإمام المحدث المفيد أمين الدين الإيجي المالكي
(١) ترجمته في الذيل للحسيني ص (٢٨١) وذيل طبقات الحنابلة (٤٤٧/٢) والدرر الكامنة (١٣٤/٣) والدارس
(٤١/٢) .
وهو : أبو الحسن علي بن المُنَجًّا بن عثمان بن أسعد بن المنجًّا التنوخي.
(٢) ما بين الحاصرتين إضافة لابد منها ليستقيم بها النص .
(٣) هو: يوسف بن محمد بن التقي عبد الله بن محمد بن محمود المرداوي. مات سنة ٧٦٩هـ الدارس (٤٢/٢).
(٤) مات سنة (٧٦٣) هـ الدارس (٢/ ٤٣).

٣٥٢
أحداث سنة ٧٥١هـ
مشيخة دار الحديث بالمدرسة الناصرية الجوانية ، نزل له عنها الصدر أمين الدين بن القلانسي ، وكيل بيت
المال ، وحضر عنده الأكابر والأعيان(١) .
وفي أواخر هذه السنة تكامل بناء التربة التي تحت الطارمة المنسوبة إلى الأمير سيف الدين أَزْغُون
شاه ، الذي كان نائب السلطنة بدمشق ، وكذلك القبلي منها ، وصلَّى فيها الناس ، وكان قبل ذلك مسجداً
صغيراً فعمره وكبّره ، وجاء كأنه جامع ، تقبّل الله منه انتهى .
ثم دخلت سنة إحدى وخمسين وسبعمئة
استهلَّت وسلطان الشام ومصر الناصر حسن بن الناصر محمد بن قلاوون . ونائبه بمصر الأمير سيف
الدين بَيْبُغَ(٢) وأخوه سيف الدين منجك الوزير، والمشارون جماعة من المقدمين بديار مصر . وقضاة
مصر وكاتب السرهم الذين كانوا في السنة الماضية . ونائب الشام الأمير سيف الدين أَيْتَمُش (٣) الناصري .
والقضاة هم القضاة سوى الحنبلي فإنَّه الشيخ جمال الدين يوسف المَرْداوي ، وكاتب السر ، وشيخ
الشيوخ تاج الدِّين ، وكاتب الدست هم المتقدِّمون ، وأضيف إليهم شرف الدين عبد الوهاب بن القاضي
علاء الدين بن شَرْنُوخ(٤) ، والمحتسب القاضي عماد الدين بن العزفور ، وشاد الأوقاف الشَّريف ، وناظر
الجامع فخر الدين بن العفيف ، وخطيب البلد جمال الدين محمود بن جملة رحمه الله .
وفي يوم السبت عاشر المحرم نودي بالبلد من جهة نائب السلطان عن كتاب جاءه من الديار المصرية
أن لا تلبس النِّسَاءُ الأكمامَ الطّوالَ العِراضَ ، ولا البُرُد الحرير ، ولا شيئاً من اللباسات والثياب الثمينة ،
ولا الأقمشة القصار، وبلغنا أنهم بالديار المصرية شدَّدُوا في ذلك جداً ، حتى قيل إنهم غرّقوا بعض النساء
بسبب ذلك فالله أعلم(٥)
وجُدِّدت وأكملت في أول هذه السّنة دار قرآن قبلي تربة امرأة تَنْكِز(٦)، بمحلَّة باب الخَوّاصين حوَّلها
وكانت قاعة صورة مدرسة الطّواشي صفي الدين عَنْبر ، مولى ابن حمزة ، وهو أحد الكبار الأجواد ،
تقبَّل الله منه .
(١) الدارس (١/ ٤٦٢).
(٢)
في ط : يلبغا .
في ط : اريتمش وهو تحريف .
(٣)
هو: علي بن عثمان. مات سنة (٧٧٦)هـ. الدرر الكامنة (٨١/٣).
(٤)
بدائع الزهور (٥٣٦/١).
هي : الست ستيتة. ماتت سنة (٧٣٠)هـ والتربة هي التربة الكوكبائية شرقي الأكزية، وغربي الطيبة ، وقبلي النورية
(٦)
(٥)
الكبرى . الدارس (٢/ ٢٧٤) .

٣٥٣
ترجمة الشيخ شمس الدين بن قيم الجوزية
وفي يوم الأحد خامس شهر جمادى الأولى فتحت المدرسة الطيبانية (١) التي كانت داراً للأمير سيف
الدين طيبان بالقرب من الشامية الجوانية ، بينها وبين أم الصالح ، اشتريت من ثلثه الذي وصَّى به ،
وفتحت مدرسة وحُوِّل لها شباك إلى الطريق في ضفتها القبلية منها ، وحضر الدّرس بها في هذا اليوم
الشيخ عماد الدين بن شرف الدين ابن عم الشيخ كمال الدين بن الزملكاني بوصية الواقف له بذلك ،
وحضر عنده قاضي القضاة السُّبكي والمالكي وجماعةٌ من الأعيان ، وأخذ في قوله تعالى: ﴿ مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ
لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فاطر: ٢] الآية.
واتفق في ليلة الأحد السادس والعشرين من جمادى الأولى أنه لم يحضر أحد من المؤذنين على السُّدَّة
في جامع دمشق وقت إقامة الصلاة للمغرب سوى مؤذن واحد ، فانتظر من يقيم معه الصلاة فلم يجيء أحد
غيره مقدار درجة أو أزيد منها ، فأقام هو الصلاة وحدَه ، فلمَّا أحرمَ الإمام بالصَّلاة تلاحق المؤذنون في
أثناء الصَّلاة حتى بلغوا دون العشرة ، وهذا أمر غريب من عدة ثلاثين مؤذناً أو أكثر ، لم يحضر سوى مؤذن
واحد ، وقد أخبر خلق من المشايخ أنهم لم يَرَوْا نظير هذه الكائنة .
وفي يوم الإثنين سابعَ عشرَ جُمادى الآخرة اجتمع القضاة بمشهد عثمان ، وكان القاضي (٢) الحنبلي قد
حكم في دار المعتمد الملاصقة لمدرسة الشيخ أبي عمر يلبغا ، وكانت وقفاً ، لتُضافَ إلى دار القرآن ،
ووقف عليها أوقافٌ للفقراء ، فمنعه الشافعي من ذلك ، من أجل أنَّه يؤول أمرها أن تكون دار حديث ثم
فتحوا باباً آخر وقالوا : هذه الدار لم يستهدم جميعها ، وما صادف الحكم محلاً لأن مذهب الإمام أحمد
أنَّ الوقف يباع إذا استهدم بالكلية ولم يبق ما ينتفع به ، فحكم القاضي الحنفي بإثباتها وقفاً كما كانت ،
ونفَّذه الشافعي والمالكي ، وانفصل الحال على ذلك ، وجرت أمور طويلة ، وأشياءُ عجيبة .
وفي يوم الأربعاء السابع والعشرين من جمادى الآخرة أصبح بوَّاب المدرسة المستجدة التي يقال لها
الطيبانية إلى جانب أم الصَّالح مقتولًا مذبوحاً ، وقد أُخذت من عنده أموال من المدرسة المذكورة ولم
يطلع على فاعل ذلك ، وكان البواب رجلاً صالحاً مشكوراً رحمه الله(٣).
ترجمة الشيخ شمس الدين بن قيم الجوزية :
وفي ليلة الخميس ثالثَ عشرَ رجب وقت أذان العشاء توفي صاحبُنا الشّيخ الإمام العلامة شمس الدين
محمد(٤) بن أبي بكر بن أَيُّوب الزُّرَعي ، إمام الجوزية ، وابن قيمها، وصُلِّي عليه بعد صلاة الظهر
(١) في الدارس (١/ ٣٣٧) المدرسة الطيبة.
(٢)
في ط : الفاضل .
(٣)
الدارس (٣٣٧/١) وفيه : الطيبة .
ترجمته في الذيل ص (٢٨٢) وذيل طبقات الحنابلة (٢/ ٤٤٧) والدرر الكامنة (٤٠٠/٣) والنجوم الزاهرة (٢٤٩/١٠):
(٤)

٣٥٤
ترجمة الشيخ شمس الدين بن قيم الجوزية
من الغد بالجامع الأموي ، ودُفن عند والدته بمقابر الباب الصغير رحمه الله .
ولد في سنة إحدى وتسعين وستمئة وسمع الحديث واشتغل بالعلم . وبرع في علوم متعددة ،
ولاسيما علم التفسير والحديث والأصلين ، ولما عاد الشيخ تقي الدين بن تيمية من الديار المصرية في سنة
ثنتي عشرة وسبعمئة لازمه إلى أن مات الشيخ ، فأخذ عنه علماً جماً ، مع ما سلف له من الاشتغال ، فصار
فريداً في بابه في فنون كثيرة ، مع كثرة الطلب ليلاً ونهاراً ، وكثرة الابتهال . وكان حسن القراءة والخلُق ،
كثير التودُّد ، لا يحسد أحداً ولا يؤذيه ، ولا يستعيبه ولا يحقد على أحد ، وكنت من أصحب الناس له
وأحبِّ الناس إليه ، ولا أعرف في زماننا من أهل(١) العلم أكثر عبادة منه ، وكانت له طريقة في الصلاة
يطيلها جداً، ويمدُّ ركوعها وسجودها ، ويلومه كثير من أصحابه في بعض الأحيان ، فلايرجع ولا ينزع
عن ذلك رحمه الله ، وله من التَّصانيف الكِبَار والصِّغار شيء كثير، وكتب بخطِّه الحسن شيئاً كثيراً ،
واقتنى من الكتب ما لا يتهيأ لغيره تحصيل عُشْره من كتب السَّلف والخَلف ، وبالجملة كان قليل النظير في
مجموعه وأموره وأحواله ، والغالب عليه الخير والأخلاق الصالحة ، سامحه الله ورحمه ، وقد كان
متصدياً للإفتاء بمسألة الطلاق التي اختارها الشيخ تقي الدين بن تيمية ، وجرت بسببها فصول يطولُ بسطها
مع قاضي القضاة تقي الدين السُّبكي وغيره (٢) ، وقد كانت جنازته حافلة رحمه الله ، شهدها القضاة
والأعيان والصَّالحون من الخاصة والعامة ، وتزاحم النَّاسُ على حمل نعشه ، وكمل له من العمر ستون سنة
رحمه الله .
وفي يوم الإثنين ثاني عشر شعبان ذكر الدَّرس بالصَّدرية شرف الدين عبد الله بن الشيخ الإمام العلامة
شمس الدين بن قيم الجوزية عوضاً عن أبيه رحمه الله فأفادَ وأجادَ ، وسرد طرفاً صالحاً في فضل العلم
وأَهْلِهٍ(٣) ، انتهى والله تعالى أعلم .
ومن العجائب والغرائب التي لم يتفق مثلها ولم يقع من نحو مئتي سنة وأكثر ، أنه بطل الوقيدُ بجامع
دمشق في ليلة النصف من شعبان ، فلم يُزَد في وقيده قنديلٌ واحد على عادة لياليه في سائر السنة ولله الحمد
والمنة . وفرح أهل العلم بذلك ، وأهل الديانة ، وشكروا الله تعالى على تبطيل هذه البِدْعة الشَّنْعاء ، التي
كان يتولَّد بسببها شرور كثيرة بالبلد ، ولا سيَّما٤) بالجامع الأموي ، وكان ذلك بمرسوم السلطان الملك
الناصر حسن بن الملك الناصر محمد بن قلاوون خلَّد الله ملكه ، وشيَّد أركانه، وكان الساعي لذلك
=
والذيل التام (١/ ١١٣) وفيه نقل عن ابن كثير .
في ط : ولا أعرف في هذا العالم في زماننا . وأثبتت العبارة من الذيل التام . وهو الأصوب .
(١)
(٢)
١ الدرر الكامنة (٤٠٢/٣) .
الدارس (٢/ ٩٠) وقد مات رحمه الله تعالى سنة (٧٥٩) هـ .
(٣)
في ط : والاستيجار وهو تحريف، والتصويب من الذيل التام (١/ ١١١).
(٤)

٣٥٥
ترجمة الشيخ شمس الدين بن قيم الجوزية
بالديار المصرية الأمير حسام الدين أبو بكر بن النَّجِيْبِيّ بيّض الله وجهه ، وقد كان مقيماً في هذا الحين
بالديار المصرية ، وقد كنت رأيت عنده فُتْيا عليها خطُّ الشيخ تقي الدين بن تيمية ، والشيخ كمال الدين بن
الزَّمْلكاني ، وغيرهما في إبطال هذه البدعة ، فأنفذ الله ذلك ولله الحمد والمنة . وقد كانت هذه البدعة قد
استقرت بين أَظْهر الناس من نحو سنة خمسين وأربعمئة وإلى زماننا هذا ، وكم سعى فيها من فقيه وقاضٍ
ومفتٍ وعالم وعابد وأمير وزاهد ونائب سلطنة وغيرهم ، ولم ييسر الله ذلك إلا في عامنا هذا ، والمسؤول
من الله إطالة عمر هذا السلطان ، ليعلمَ الجَهَلةُ الذين استقرَّ في أذهانهم [ أنّه }(١) إذا أَبطل هذا الوقيد في
عام يموت سلطان الوقت ، وكان هذا لا حقيقة له ولا دليل عليه إلا مجرّد الوهم والخيال .
وفي مستهل شهر رمضان اتّفق أمرٌ غريب لم يتفق مثله من مدة متطاولة ، فيما يتعلّق بالفقهاء
والمدارس ، وهو أنه كان قد توفّي ابنُ النَّاصحُ(٢) الحنبلي بالصَّالحية ، وكان بيده نصف تدريس
الصَّاحبة (٣) التي للحنابلة بالصالحية، والنصف الآخر للشيخ شرف الدين (٤) ابن القاضي شرف الدين
الحنبلي شيخ الحنابلة بدمشقَ ، فاستنجز مرسوماً بالنصف الآخر ، وكانت بيده ولاية متقدّمة من القاضي
علاء الدين بن المُنَجَّى الحنبلي ، فعارضه في ذلك قاضي القضاة جمال الدين المَرْدَاوي الحنبلي ، وولَّى
فيها نائبه شمس الدين بن مفلح ، ودرَّس بها قاضي القضاة في صدر هذا اليوم ، فدخل القضاة الثلاثة
الباقون ومعهم الشيخ شرف الدين المذكور إلى نائب السلطنة ، وأنهَوْا إليه صورة الحال ، فرسم له
بالتدريس ، فركب القضاة المذكورون وبعضُ الحجَّاب في خدمته إلى المدرسة المذكورة ، واجتمع
الفضلاء والأعيان ، ودرَّس الشيخ شرف الدين المذكور ، وبث فضائل كثيرة ، وفرح الناس .
وفي شوال كان في جملة من توجه إلى الحجّ في هذا العام نائب الديار المصرية ومدبّر ممالكها الأمير
سيف الدين بَيْبُغَ(٥) الناصري ، ومعه جماعة من الأمراء ، فلمَّا استقلَّ النَّاسُ ذاهبين نهض جماعة من
الأمراء على أخيه الأمير سيف الدين مَنْجك ، وهو وزير المملكة ، وأستاذ دار الأستادارية ، وهو باب
الحوائج في دولتهم ، وإليه يرحل ذوو الحاجات بالذَّهب والهدايا ، فأمسكوه وجاءت البريدية إلى الشام
في أواخر هذا الشهر بذلك(٦).
(١) زيادة يقتضيها السياق .
(٢) هو: يوسف بن يحيى بن الناصح. ترجمته في الذيل (١/ ٢٨٣) والدرر الكامنة (٤/ ٤٨٠).
في ط : الضّاحية وهو تحريف. الدارس (٧٩/٢) ويقال لها : الصاحبية أيضاً .
(٣)
هو : أحمد بن الحسن بن عبد الله بن أبي عمر المقدسي الحنبلي بن قاضي الجبل . مات سنة ٧٧١هـ الوفيات لابن
(٤)
رافع (٢/ ٣٥٤) .
(٥)
في ط : يلبغا .
(٦) الدرر الكامنة (٣٦١/٤) النجوم الزاهرة (٢١٨/١٠) الذيل التام (١١٢/١).

٣٥٦
ترجمة الشيخ شمس الدين بن قيم الجوزية
وبعد أيام يسيرة وصل الأمير سيف الدين شَيْخُونُ(١) ، وهو من أكابر الدولة المصرية تحت التَّرسيم ،
فأدخل إلى قلعة دمشق ، ثم أخذ منها بعد ليلة فذهب به إلى الإسكندرية فالله أعلم(٢) . وجاء البريد
بالاحتياط على ديوانه وديوان مَنْجك بالشام وأُيسَ من سلامتهما .
وكذلك وردت الأخبار بمسك بَيْبُغا في أثناء الطريق ، وأُرسل سيفُه إلى السلطان ، وقدم أمير من
الديار المصرية فحلَّف الأمراء بالطاعة إلى السُّلطان ، وكذلك سار إلى حلبَ فحلف من بها من الأمراء ثم
عادَ إلى دمشقَ ثم عاد راجعاً إلى الديار المصرية ، وحصل له من الأموال شيء كثير من النواب والأمراء .
وفي يوم الخميس العشرين من ذي القعدة مُسك الأميران الكبيران الشّاميان المقدَّمان شهاب الدين
أحمد بن صُبْح، وملك آص (٣) ، من دار السعادة بحضرة نائب السلطنة والأمراء ورُفعا إلى القلعة
المنصورة ، سِيْر بهما ماشيين من دار السعادة إلى باب القلعة من ناحية دار الحديث ، وقُّدا وسُجنا بها .
وجاء الخبر بأن السلطان استوزر بالدِّيار المصرية القاضي علم الدين بن زَنْبُور(٤) ، وخلع عليه خلعة
سنية ، لم يسمع بمثلها من أعصار متقادمة ، باشر وخلع على الأمراء والمقدمين ، وكذلك خلع على الأمير
سيف الدين طَشْبُغَا٥) وأُعيد إلى مباشرة الدويدارية بالديار المصرية ، وجعل مقدماً .
وفي أوائل شهر ذي الحجّة اشتهر أن نائب صفد شهاب الدين أحمد بن مشد الشُّرْبخاناة طُلب إلى
الديار المصرية فامتنع من إجابة الداعي ، ونقَضَ العهد ، وحصَّن قلعتها ، وحصَّل فيها عدداً ومدداً وادّخر
أشياء كثيرة بسبب الإقامة بها والامتناع فيها ، فجاءت البريدية إلى نائب دمشق بأن يركب هو وجميع جيش
دمشق إليه ، فتجهّز الجيش لذلك وتأهَّبُوا ، ثم خرجت الأطلاب على راياتها ، فلما برز منها بعضٌ ، بدا
لنائب السَّلطنة فردَّهم، وكان له خبرة عظيمة ، ثم استقر الحال على تجريد أربعة مقدمين بأربعة آلاف
إليه (٦) .
وفي يوم الخميس ثاني عشره وقعت كائنة غريبة بمنى، وذلك أنه اختلف الأمراء المصريون والشاميون
مع صاحب اليمن الملك المجاهد(٧) ، فاقتتلوا قتالاً قريباً من وادي محسّر ، ثم انجلت الوقعة عن أسر
(١)
في الدرر الكامنة (١٩٦/٢): شَيْخُو .
(٢)
النجوم الزاهرة (٢١٨/١٠) .
(٣)
مات ملك آص سنة (٧٥٦)هـ. الدرر الكامنة (٣٥٧/٤) .
في ط : علم الدين زينور وهو توهّم وتحريف . والتصويب من الدرر الكامنة (٢٦١/٢) والنجوم الزاهرة
(٤)
(٢٢٥/١٠) . وفيهما : عبد الله بن سعيد الدولة القبطي الوزير موفق الدين.
في ط : طسبغا بسين مهملة. وأثبتنا ما في النجوم الزاهرة (١٠/ ٢٢١).
(٥)
(٦)
النجوم الزاهرة (١٠/ ٢٢٢) .
(٧) هو: علي بن داود بن المظفر يوسف بن المنصور. النجوم الزاهرة (٢٢٨/١٠) وبدائع الزهور (٥٣٦/١).

٣٥٧
أحداث سنة ٧٥٢هـ
صاحب اليمن الملك المجاهد فحُمل مقيّداً إلى مصر ، كذلك جاءت بها كتب الحجّاج وهم أخبروا بذلك.
واشتُهر في أواخر ذي الحجة أن نائب حلب الأمير سيف الدين أَرْغون الكاملي قدخرج عنها بمماليكه
وأصحابه فرام الجيشُ الحلبي ردَّه فلم يستطيعوا ذلك ، وجرحَ منهم جراحاتٍ كثيرةً ، وقتل جماعة فإنا لله
وإنّا إليه راجعون، واستمر ذاهباً وكان في أمله فيما ذكر أن يتلقى سيف الدين بَيْبُغَا في أثناء طريق الحجاز
فيتقدّم معه إلى دمشقَ ، وإن كان نائب دمشق قد اشتغل في حصار صفد أن يهجم عليه بغتة فيأخذها ، فلمَّا
سار بمن معه وأخذته القُطّاع من كل جانب ونهبت حواصله وبقي تجريدة في نفر يسير من مماليكه ، فاجتاز
بحماةَ ليهرِّبَه نائبُها فأبى عليه ، فلما اجتاز بحمصَ وطَّنَ نفسه على المسير إلى السلطان بنفسه ، فقدم به
نائبُ حمصَ وتلقّاه بعض الحجاب وبعض مُقَدَّمي الألوف ، ودخل يوم الجمعة بعد الصلاة سابع عشري
الشهر ، وهو في أَبَّهة ، فنزل بدار السعادة في بعض قاعات الدويدارية انتهى .
ثم دخلت سنة ثنتين وخمسين وسبعمئة
استهلَّت هذه السنة [ والخليفة المعتضد بالله أبو بكر وأبو الفتح ابن المستكفي بالله أبي الربيع سليمان
و(١) وسلطان البلاد الشامية والديار المصرية والحرمين الشريفين وما يلحق بذلك من الأقاليم والبلدان ،
الملك الناصر حسن بن السلطان الملك محمد بن السلطان الملك المنصور قلاوون الصالحي .
ونائبه بالديار المصرية الأمير سيف الدين بَيْبُغَ(٢) الملقب بحارس الطير ، وهو عوضاً عن الأمير سيف
الدين بَيْبُغَا أَرُوس(٣) الذي راح إلى بلاد الحجاز، ومعه جماعة من الأمراء بقصد الحج الشريف ، فعزله
السلطان في غيبته وأَمسك (٤) شَيْخُون واعتقله ، وأخذ مَنجك الوزير ، وهو أستاذ دار ومقدّم ألف ،
اصطفى أمواله ، واعتاض عنه، وولَّى مكانه في الوزارة القاضي علم الدين بن زَنْبور ، واسترجع إلى
وظيفة الدويدارية الأمير سيف الدين طَشْبُغا الناصري ، وكان أميراً بالشام مقيماً منذ عزل إلى أن أُعيد في
أواخر السنة كما تقدم . وأما كاتب السر بمصر وقضاتها فهم المذكورون في التي قبلها .
واستهلَّت هذه السنة ونائب صفد(٥) قد حصن القلعة وأعدّ فيها عدتها وما ينبغي لها من الأطعمات
والذخائر والعُدَد والرِّجال ، وقد نابذ المملكة وحارب ، وقد قصدته العساكر من كل جانب من الديار
(١) ما بين الحاصرتين نقله السخاوي من ابن كثير (١١٢/١).
في ط: يلبغا. وهو: بَيْبُغَاطَطَر حارس الطَّير. النجوم الزاهرة (١٠/ ٢٢٠) والذيل التام (١١٩/١).
(٢)
(٣)
في ط : يلبغا أروس وهو تحريف . أشرنا إليه من قبل .
(٤)
في ط : أمسك على .
(٥) أحمد السّاقي ، ذُكر في أحداث السنة الماضية خروجه عن الطاعة واستعداؤهُ .

٣٥٨
أحداث سنة ٧٥٢هـ
المصرية ودمشقَ وطرابُلُس وغيرها ، والأخبار قد كتمتْ عن بَيْبُغا ومن معه ببلاد الحجاز ما يكون من
أمره ، ونائب دمشق في احتراز وخوف من أن يأتي إلى بلاد الشام فيدهمها بمن معه ، والقلوب وجلة من
ذلك ، فإنَّا لله وإنا إليه راجعون .
وفيها ورد الخبر أن صاحب اليمن حجَّ في هذه السنة فوقع بينه وبين صاحب مكة عَجْلان بسبب أنَّه أراد
أن يولِّي عليها أخاه ثَقْبَةُ(١) ، فاشتكى عَجْلان ذلك إلى أمراء المصريين، وكبيرهم إذ ذاك الأمير سيف
الدين بُزْلار ومعهم طائفة كثيرة، وقد أمسكوا أخاهم(٢) بَيْبُغا وفيَّدُوه ، فقويَ رأسُه عليهم واستخفَّ بهم،
فصبروا حتى قُضي الحجّ وفرغ الناس من المناسك ، فلمّا كان يوم النفر الأول يوم الخميس تواقفوا هم
وهو ، فقتل من الفريقين خلق كثير ، والأكثر من اليمنيين ، وكانت الوقعة قريبة من وادي محسِّر ، وبقي
الحجيج خائفين أن تكون الدائرة على الأتراك فتنهبُ الأعرابُ أموالهم وربَّما قتلوهم ، ففرَّج الله ونصر
الأتراك على أهل اليمن ، ولجأ الملك المجاهد إلى جبل فلم يعصِمْهُ من الأتراك ، بل أسروه ذليلاً حقيراً ،
وأخذوه مقيداً أسيراً ، وجاءت عوامُ الناس إلى اليمنيين فنهبوا شيئاً كثيراً، ولم يتركوا لهم جليلاً
ولا حقيراً ، ولا قليلاً ولا كثيراً ، واحتاط الأمراء على حواصل الملك وأمواله وأمتعته وأثقاله ، وساروا
بخيله وجماله ، وأدلوا على صنديد(٣) من رحله ورجاله، واستحضروا معهم طُفَيْلا٤ً) الذي كان حاصر
المدينة النبوية في العام الماضي وقيَّدوه أيضاً ، وجعلوا الغُلَّ في عنقه، واستاقوه كما يُستاق الأسير في
وثاقه مصحوباً بهمِّه وحتفه ، وانشمروا عن تلك البلاد إلى ديارهم راجعين ، وقد فعلوا فعلةً تذكر بعدهم
إلى حين .
ودخل الركب الشامي إلى دمشقَ يوم الثلاثاء الثالث والعشرين من المحرم على العادة المستمرة
والقاعدة المستقرة .
وفي هذا اليوم قدمت البريدية من تلقاء مدينة صفد مخبرةً بأنَّ الأمير شهاب الدين أحمد بن مشد
الشّربخاناة(٥) ، الذي كان قد تمرّد بها وطغى وبغى حتّى استحوزَ عليها وقطع سبلها٦) وقتل الفرسان
والرجّالة ، وملأها أطعمة وأسلحة ، ومماليكه ورجاله ، فعندما تحقَّق مسكُ بَيْبُغا أُرُوس خضعت تلك
(١) في ط: بُعيثه وهو تحريف. وأثبتنا ما في النجوم الزاهرة (٢٢٦/١٠) وهو: ثقبة بن رميثة بن أبي نميّ. مات سنة
(٧٦٢) بمكة .
(٢) يعني الأتراك.
العبارة مضطربة . وقد تكون : وأتَوْا على العديد من رحله ورجاله .
(٣)
هو الشريف طَفَيْل بن منصور بن جمّاز . نهبَ المدينة سنة (٧٥١)هـ ثم عزل بابن عمّه سعد بن ثابت بن جماز.
(٤)
ومات سنة (٧٥٢) هـ. الدرر الكامنة (٢/ ٢٢٤).
(٥) في ط : الشر نجاتاه وهو تحريف .
(٦) في ط : سببها .

٣٥٩
أحداث سنة ٧٥٢هـ
النفوس ، وخمدت ناره وسكن شراره وحار بثاره ، ووضح قراره ، وأناب إلى النوبة والإقلاع ، ورغب
إلى السَّلامة والخلاص ، وخشع ولات حين مناص ، وأرسل سيفه إلى السلطان ، ثم توجّه بنفسه على
البريد إلى حضرة الملك الناصر والله المسؤول أن يُحسن عليه وأن يُقبل بقلبه إليه (١) .
وفي يوم الأحد خامس صفر قدم من الديار المصرية الأمير سيف الدين أَرْغُون الكاملي معاداً إلى نيابة
حلب ، وفي صحبته الأمير سيف الدين طَشْبُغَا الدوادار بالديار المصرية ، وهو زوج ابنة نائب الشام ،
فتلقَّاه نائبُ الشام وأعيان الأمراء ، ونزل طَشْبُغَا الدوادار عند زوجته بدار منجى في محلَّة مسجد القَصَب
التي كانت تعرف بدار حنين بن حندر ، وقد جُدِّدَتْ في السنة الماضية ، وتوجّها في اللَّيلة الثانية من
قدومهما إلى حلب .
وفي يوم الأربعاء رابع عشر ربيع الأول اجتمع القضاة الثلاثة وطلبوا الحنبلي ليتكلَّموا معه فيما يتعلق
بدار المعتمد التي بجوار مدرسة الشيخ أبي عمر ، التي حكم بنقض وقفها وهدم بابها وإضافتها إلى دار
القرآن المذكور ، وجاء مرسوم السلطان يوافق ذلك ، وكان القاضي الشافعي قد أراد منعه من ذلك ، فلما
جاء مرسوم السلطان اجتمعوا لذلك ، فلم يحضر القاضي الحنبلي ، قال حتى يجيء نائب السلطنة .
ولما كان يوم الخميس خامسَ عشرَ ربيع الأول حضر القاضي حُسَين(٢) ولد قاضي القضاة تقي الدين
الشُّبكي عن أبيه مشيخة دار الحديث الأشرفية وقرىء عليه شيء كان قد خرّجه له بعض المحدِّثين ، وشاع
في البلد أنه نزل له عنها ، وتكلَّموا في ذلك كلاماً كثيراً ، وانتشر القولُ في ذلك ، وذكر بعضهم أنَّه نزل له
عن الغزالية والعادلية ، واستخلفه في ذلك فالله أعلم .
وفي سحر ليلة الخميس خامس شهر جمادى الآخرة وقع حريق عظيم بالجوّانيين في السوق الكبير
واحترقت دكاكين الفواخرة والمناجليين وفرجة الغرابيل ، وإلى درب القلى ، ثم إلى قريب درب العميد ،
وصارت تلك الناحية دكاً بلقعاً، فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون. وجاء نائب السلطنة بعد الأذان إلى هناك ورسم
بطفي النار ، وجاء المتولّي والقاضي الشافعي والحُجّاب ، وشرع الناس في طفي النار ، ولو تركوها
لأحرقت شيئاً كثيراً ، ولم يفقد فيما بلغنا أحدٌ من الناس ، ولكن هلك للناس شيء كثير من المتاع والأثاث
والأملاك وغير ذلك ، واحترق للجامع من الرباع في هذا الحريق ما يساوي مئة ألف درهم . انتهى والله
أعلم .
(١) النجوم (٢٢٥/١٠).
(٢) هو : حسين بن علي بن عبد الكافي . مات سنة (٧٥٥)هـ كما سيأتي.

٣٦٠
مملكة السلطان الملك الصالح
كائنة غريبة جداً :
وفي يوم الأحد خامسَ عشرَ جمادى الأولى استسلم القاضي الحنبلي(١) جماعة من اليهود كان قد صَدَر
منهم نوع استهزاء بالإسلام وأهله ، فإنَّهم حملوا رجلاً منهم صفَة ميّت على نعش ويهلِّلون كتهليل
المسلمين أمام الميت ويقرؤون ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ (٥) اللّهُ الصََّمَدُ فَّ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ
كُفُوَا أَحَدٌ﴾ [ الإخلاص: ١
فسمع بهم مَن بِحَارَتِهِم من المسلمين ، فأخذوهم إلى ولي الأمر نائب السلطنة فدفعهم إلى الحنبلي ،
فاقتضى الحال استسلامهم، فأسلم يومئذ منهم ثلاثة وتبع أحدَهم ثلاثةُ أطفال ، وأسلم في اليوم الثاني
ثمانيةٌ آخرون ، فأخذهم المسلمون وطافوا بهم في الأسواق يهللون ويكبِّرون ، وأعطاهم أهل الأسواق
شيئاً كثيراً وراحوا بهم إلى الجامع فصَلَّوا، ثم أخذوهم إلى دار السعادة فاستطلقوا لهم شيئاً ، ورجعوا
وهم في ضجيج وتهليل وتقديس ، وكان يوماً مشهوداً ولله الحمد والمنَّة . انتهى والله أعلم .
مملكة السُّلطان الملك الصَّالح
صلاح الدين صالح بن الملك الناصر محمد بن الملك المنصور قلاوون الصالحي : في العشر الأوسط
من شهر رجب الفرد وردت البريدية من الديار المصرية بعزل السلطان الملك الناصر حسن بن الناصر بن
قلاوون لاختلاف الأمراء عليه ، واجتماعهم على أخيه الملك الصالح ، وأُمُّه صالحة بنت ملك الأمراء
تَنْكِز الذي كان نائب الشام مدة طويلة، وهو ابن أربع عشرة سنة ، وجاءت الأمراء للحَلْف ، فدقّت البشائر
وزيّن البلد على العادة ، وقيل: إنَّ الملك الناصر حسن خُنق ورجعت الأمراء الذين كانوا بإسكندرية مثل
شَيْخُون ومَنْجك وغيرهما، وأرسلوا إلى بَيْبُغا فجيء به من الكَرَك، وكان مسجوناً بها من مرجعه من الحج،
فلما عاد إلى الديار المصرية شَفَعَ في صاحب اليمن الملك المجاهد الذي كان مسجوناً في الكَرَك فأُخرج
وعاد إلى الديار الحجازيّة . وأما الأمراء الذين كانوا من ناحية الُّلطان حين مُسك معارضه أمير أخور(٢)
ومنكُلي بُغَ(٣) الفخري وغيرهما، فاحتيط عليهم وأرسلوا إلى الإسكندرية ، وخُطب للملك الصالح
بجامع دمشقَ يوم الجمعة السابعَ عشرَ من شهر رجب وحضر نائبُ السلطنة والأمراء والقضاة للدعاء له
بالمقصورة على العادة .
وفي أثناء العشر الأخير من رجب عُزل نائبُ السّلطنة سيف الدين أَيْتَمُش عن دمشقَ مطلوباً إلى الديار
المصرية فسار إليها يوم الخميس .
(١) القاضي جمال الدين يوسف المرداوي .
هو أيد غدي أمير أخور. النجوم الزاهرة (٢٥٦/١٠).
(٢)
في ط : ميكلي ، وهو تحريف .
(٣)