النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١ وفيات سنة ٧٢٧هـ وفي هذه السنة تولَّى قضاء حلب عوضاً عن ابن الزَّمْلكاني القاضي فخر الدين البارزي . وفي العشر الأول من ذي الحجة كَمُل ترخيمُ الجامع الأموي أعني حائطَهُ الشّمالي وجاء تَنْكِز حتى نظر إليه فأعجبه ذلك ، وشكر ناظره تقي الدين بن مراجل(١) . وفي يوم الأضحى جاء سيل عظيم إلى مدينة بلبيس فهرب أهلها منها وتعطلت الصَّلاة والأضاحي فيها، ولم يُر مثلُه من مدة سنين متطاولة ، وخرّب شيئاً كثيراً من حواضرها وبساتينها٢) . فإنا لله وإنا إليه راجعون . وممّن توفي فيها من الأعيان : الأمير أبو يحيى : زكريا٣) بن أحمد بن محمد بن عبد الواحد بن(٤) أبي حفص الهنتاني [ اللِّحياني (٥) المغربي ، أمير بلاد المغرب. ولد بتونس قبل سنة خمسين وستمئة ، وقرأ الفقه والعربية ، وكان ملوك تونس تعظّمه وتكرمه ، لأنّه من بيت المُلْك والإمرة والوزارة ، ثم بايعه أهلُ تونس على الملك في سنة إحدى عشرة وسبعمئة ، وكان شجاعاً مقداماً ، وهو أوَّلُ من أبطل ذكر ابن التُّومرت(٦) من الخُطبة، مع أن جدَّه أبا حفص الهنتاتي كان من أخصّ أصحاب ابن التُّومَرَت . توفي في المحرم من هذه السنة بمدينة الإسكندرية(٧) ، رحمه الله . الشيخ الصالح الناسك [: ضياء الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر (18) رضي الدين أبي الفضل المسلم بن الحسن بن نصر الدمشقي، المعروف بابن الحموي، كان هو وأبوه وجده من الكتاب المشهورين المشكورين ، وكان هو كثيرَ التّلاوة والصّلاة والصّيام والبر والصّدقة والإحسان إلى الفقراء والأغنياء . (١) الدارس (٢/ ٣٩٤). (٢) الذيل (ص١٥١). ترجمته في الذيل (ص١٥٢) والدرر الكامنة (١١٣/٢) والنجوم الزاهرة (٢٦٨/٩). وفيه: اللّحياني نسبة إلى (٣) لحيان بن مدركة بن إلياس بن مضر. وشذرات الذهب (٧٦/٦) . (٤) ليست في ط . في ط : الجياني . وأثبتنا مافي المصادر السابقة . وهو زيادة في ط . (٥) هو : أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن تومرت . المنعوت بالمهدي الهَرْغي . وكذلك المعصوم . ترجمته في (٦) الوفيات (٤٥/٥) والذیل (ص١٥٢). جاء إليها بعد أخذ تونس منه سنة (٧٢١هـ) . (٧) ليست في ط . (٨) ٢٠٢ وفيات سنة ٧٢٧هـ ولد سنة خمس وثلاثين وستمئة ، وسمع الحديث الكثير ، وخرّج له البِرْزالي مشيخةً سمعناها عليه ، وكان من صدور أهل دمشق . توفي يوم الجمعة رابعَ عشرَ صفر، وصَلّي عليه ضحوة يوم السبت ، ودفن بباب الصغير ، وحجّ وجاور وأقامَ بالقدس مدَّة . [ مات وله ثنتان وتسعون ]١) سنة رحمه الله، وقد ذكر والده أنّه حین وُلد له فتح المصحفَ يتفاءَلُ فإذا قوله : ﴿ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلَّذِى وَهَبَ لِى عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ﴾ [ إبراهيم: ٣٩] فسمّاه إسماعيل. ثم ولد له آخر فسمّاه إسحاق، وهذا من الاتّفاق الحسن. رحمهم الله تعالى]٢) . الشّيخ عليُّ المجارفيّ: علي(٣) بن أحمد بن هوس الهلالي، أصل جده من قرية آبل السُّوقُ(٤) ، وأقام والده بالقدس، وحجَّ هو مرّة وجاورَ بمكة سنةً ثم حجّ ، وكان رجلاً صالحاً مشهوراً، ويُعرف بالمجارفيّ، لأنه كان يَجْرِف الأزقّة ويُصلح الرُّصفان لله تعالى، وكان يكثر التهليل والذِّكر جهرةً، وكان عليه هيبةٌ ووقارٌ، ويتكلَّم كلاماً فيه تخويف وتحذير من النار ، وعواقب الرَّدى ، [ وكان ملازماً لمجالس ابن تيمية ]٥) . وكانت وفاته يوم الثلاثاء ثالث عشري ربيع الأول ، ودفن بتربة الشّيخ موفق الدّين بالسفح ، وكانت جنازته حافلة جداً رحمه الله . الملك الكامل ناصر الدين : أبو المعالي محمد(٦) بن الملك السعيد فتح الدين عبد الملك بن السلطان الملك الصالح إسماعيل أبي الخيش(٧) ابن الملك العادل أبي بكر بن أيوب أحد أكابر الأمراء وأبناء الملوك ، كان من محاسن البلد ذكاءً وفِطنة وحُسنَ عشرة ولطافةً كلام ، بحيث يَسردُ كثيراً من الكلام بمنزلة الأَمثال من قوَّة ذهنه وحذاقة فهمه ، وكان رئيساً من أجود الناس . توفي عشيّةَ الأربعاء عشرين جُمادى الأولى وصُلّي عليه ظهر الخميس بصحن الجامع تحت النَّسر(٨)، ثم أرادوا دفنه عند جدّه لأمّه الملك الكامل فلم يتيسر ذلك، فدُفن بتربة أمِّ الصَّالح سامحه الله . (١) في ط : وسبعون . (٢) ليست في ب . لم أقع له على ترجمة . (٣) في ط : إيل البسوق . وهو تصحيف ، وأبل السوق قرية كبيرة في غوطة دمشق . سبق ذكرها . ياقوت (ابل). (٤) (٥) ليست في ب . ترجمته في الذيل (ص ١٥٣) والدرر الكامنة (٣١/٤ -٣٢) والنجوم الزاهرة (٢٦٩/٩) والدارس (٢٨٦/٢). (٦) (٧) ينظر تاريخ الإسلام للذهبي ١٤/ ٥٩٣ ( تحقيق الدكتور بشار). (٨) يريد : قبة النَّسر في جامع بني أمية . ٢٠٣ وفيات سنة ٧٢٧هـ وكان له سماع كثير سمعنا عليه منه ، وكان يحفظ تاريخاً جيداً، وقام ولده الأمير صلاح الدّين مكانه في إمرة الطَّبلخانه ، وجُعِل أَخُوه في عَشْرَته ولبسا الخلع السلطانية بذلك . الشيخ الإمام نجم الدين : أحمد(١) بن محمد بن أبي الحزم القرشي المخزومي [ القَقُّولي ]٢)، كان من أعيان الشافعية، وشرح ((الوسيط (٣) وشرح ((الحاجبية)) في مجلدين ، ودرَّس وحكم بمصرَ ، وكان محتسباً بها أيضاً ، وكان مشكورَ السِّيرة فيها ، وقد ولّي بعده الحكم نجم الدين بن عقيل ، والحِسبة ناصر الدين بن فار السّقوف(٤) . توفي في رجب وقد جاوز الثَّمانين ، ودُفن بالقَرَافة رحمه الله . الشّيخ الصّالح أبو القاسم : عبد الرحمن(٥) بن موسى بن خلف الحزامي، أحد مشاهير الصَّالحين بمصرَ ، توفي بالرَّوضة في منتصف رجب(٦) وحُمل إلى شاطىء النيل ، وصُلّي عليه وحُمل على الرؤوس والأصابع ، ودفن عند ابن أبي حمزة ، وقد قارب الثمانين ، وكان ممّن يُقصد للزيارة رحمه الله . القاضي عز الدين : عبد العزيز(٧) بن أحمد بن عثمان بن أحمد بن عثمان(٨) بن عيسى بن عمر بن الخضر الهكاري الشافعي ، قاضي المحلّة . كان من خيار القُضاة، وله تصنيف على حديث المُجَامع في رمضان، يقال: إنه استنبط فيه ألف حُكم. توفي في رمضانَ، وقد كان حصَّل كتباً جيدة منها ((التَّهذيب )) لشيخنا المِزِّي. الشيخ كمال الدين بن الزملكاني(٩) : شيخنا الإمام العلامة كمال الدين أبو المعالي بن الشيخ علاء الدين علي بن عبد الواحد بن خطيب زملكا عبد الكريم بن خلف بن نبهان الأنصاري الشافعي ابن الزملكاني(١٠) ، شيخ الشّافعية بالشام وغيرها ، انتهت إليه رياسةُ المذهب تدريساً وإفتاءً ومناظرةً ، (١) ترجمته في الدرر الكامنة (٣٠٤/١) والشذرات (٧٥/٦) . (٢) زيادة من ب وهي في المصادر السابقة ، والقَمُّولي نسبة إلى قمولة بلد في الصّعيد. (٣) لزين الدين الغزالي ، وسماه : البحر المحيط في شرح الوسيط . في ط : قار السبقوق . وهو تصحيف . وهو لقب . (٤) (٥) لم أقع له على ترجمة . (٦) ليست في ط . ترجمته في الدرر الكامنة (٣٦٨/٢) وفيه: الكردي. والشذرات (٦/ ٧٧). (٧) (٨) ليست في ط . (٩) ترجمته فى الذيل (ص١٥٤) وطبقات الشافعية (٢٥١/٥) وفوات الوفيات (٧/٤ - ١١) والدرر الكامنة (٧٤/٤ - ٧٦) والنجوم الزاهرة (٩/ ٢٧٠) والدارس (٣١/١ -٣٢) والشذرات (٧٨/٦). (١٠) ليست في ط . وهي في أوب. ٢٠٤ وفيات سنة ٧٢٧هـ ويُقال في نسبه : السِّماكيّ ، نسبةً إلى أبي دُجانة سِمَاك بن خَرَشه١ً) والله أعلم . ولد ليلة الإثنين ثامن شوال سنة ست وستين وستمئة ، وسمع الكثير واشتغل على الشيخ تاج الدين الفزاري [ في الفقه ٢٤) ، وفي الأصول على القاضي بهاء الدين بن الزكي ، وفي النحو على بدر الدين بن مالك (٣) وغيرهم ، وبرَع وحصّل وساد أقرانه من أهل مذهبه ، وحاز فَصَب السّبْق عليهم بذهنه الوقّاد في تحصيل العلم الذي أسهره ومنعه الرُّقاد وعبارته التي هي أشهى من كل شيء معتاد ، وخطه الذي هو أنضر من أزاهير الوهاد ، وقد درَّس بعدَّةٍ مدارس بدمشق(٤) ، وباشر عدة جهات كبار ، كنظر الخِزانة ، ونظر المارستان النُّوري ، وديوان الملك السعيد ، ووكالة بيت المال . وله تعاليق مفيدة واختيارات حميدة سديدة ، ومناظرات سعيدة . ومما علَّقه قطعةٌ كبيرةٌ من (( شرح المنهاج )) للنووي ، ومجلد في الرد على الشيخ تقي الدين بن تيمية في مسألة الطلاق وغير ذلك ، وأما دروسه في المحافل فلم أسمع أحداً من الناس درَّس أحسنَ منها ولا أحلى من عبارته ، وحسن تقريره ، وجودة احترازاته ، وصحة ذهنه وقوة قريحته وحسن نظمه ، وقد درَّس بالشَّامية البرَّانية والعذراوية والظّاهرية الجوانية والزّواحيَّة والمسروريّة ، فكان يعطي كل واحدة منهنَّ حقّها بحیث کان یکاد ینسخ بكل واحد من تلك الدروس ما قبله من حسنه وفصاحته ، ولا يُهيلُ(٥) تعدادُ الدروس وكثرة الفقهاء والفضلاء ، بل كلَّما كان الجمع أكثر والفضلاء أكبر كان الدَّرس أنضر وأبهر وأحلى وأنصح وأفصح . ثم لما انتقل إلى قضاء حلب وما معه من المدارس العديدة عامله معاملة مثلها ، وأوسعَ بالفضيلة جميع أهلها ، وسمعُوا من العلوم مالم يسمعوا هم ولا آباؤهم . ثم طلب إلى الدّيار المصرية ليولّى البلاء٦) الشامية دار السنة النبوية فعاجلته المنية قبل وصوله إليها ، فمرض وهو سائر على البريد تسعة أيام ، ثم عقب المرض بحرّاق الحمام(٧) ، فتوفي في سحر يوم الأربعاء (١) سِمَاكُ بن خَرَشة الخزرجي البياضي الأنصاري المعروف بأبي دجانة ، صحابي ، كان بطلاً شجاعاً ، شهد بدراً ، وثبت يوم أحد وأصيب بجراحات كثيرة ، استشهد باليمامة سنة (١١هـ). الأعلام (١٣٩/٣) وثمة مصادر ترجمته . (٢) زيادة من ب . في ط : ملك . (٣) الدارس (١/ ٣٢). (٤) ((يهيلُهُ)»: یفزعه . (٥) (٦) ليست في ط . وقيل: مات مسموماً. الفوات والدرر ؛ ويأتي بعد هذا في ب: ((فقبضه هاذ اللَّذات ، وحال بينه وبين سائر (٧) الشهوات والإرادات ، والأعمال بالنيات . ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوّجها فهجرتُه إلى ما هاجر إليه ، وكان من نيته الخبيثة إذا رجع إلى الشام متولياً أن يؤذي شيخ الإسلام ابن تيمية فدعا عليه فلم يبلغ أمله ومراده » ولا أظن أن ابن كثير كتب هذا لأنه يتناقض مع الثناء العاطر الحسن الذي أثنى عليه المؤلف ( بشار) . ٢٠٥ أحداث سنة ٧٢٨هـ سادسَ عشرَ شهر رمضانَ بمدينة بِلْبيس(١) ، وحمل إلى القاهرة ودفن بالقُرَافة ليلة الخميس جوار قبة الشّافعي تغمدهما الله برحمته . الحاج علي المؤذن المشهور بالجامع الأموي: الحاجُ عليّ بن(٢) فرج(٣) بن أبي الفضل الكَتَّاني، كان أبوه من خيار المؤذنين ، فيه صلاح ودين وله قبول عند الناس ، وكان حسنَ الصّوت جَهْوَرَه ، وفيه توقُّد وخدمة(٤) وكرم ، وحجَّ غير مرة وسمع من أبي عمر وغيره . توفي ليلة الأربعاء ثالث ذي القعدة وصُلّ عليه غَدْوة ، ودفن بياب الصغير . وفي ذي القعدة : الشيخ فضل(٥) ابن الشيخ الرّجيحي اليُونُسيّ(٦): وأُجلس أخوه يوسف مكانه بالزاوية(٧). ثم دخلت سنة ثمان وعشرين وسبعمئة [ في ذي القعدة منها كانت وفاة شيخ الإسلام أبي العباس أحمد بن تيمية قدس الله روحه كما ستأتي ترجمة وفاته في الوفيات إن شاء الله تعالى (٨) . استهلت هذه السنة [وحكام البلاد هم المذكورون في التي قبلها سوى نائب مصر وقاضي حلب (٩) . (١) ((بلْبيس)): مدينة بينها وبين الفسطاط عشرة فراسخ على طريق الشام. فتحها عمرو بن العاص - رضي الله عنه - سنة (١٨ أو ١٩ هـ) . ياقوت . ترجمته في الدرر الكامنة (١٣٦/٣). (٢) في الدرر (نوح) . (٣) (٤) في ط : خدم . ترجمته في الدارس (٢١٦/٢). (٥) في ط : التونسي ، وهو تحريف ، نسبة إلى يونس بن يوسف بن مساعد الشيباني المخارقي القِنِّي ، نسبة إلى الفنية (٦) من نواحي ماردين . وهو شيخ الطائفة اليونسية . منادمة الأطلال (ص ٣١٣). (٧) الزاوية اليونسية . سبق الحديث عنها . الدارس (٢١٣/٢) . (٨) ليست في ب . (٩) ليست في ب . وفيه : والخليفة المستكفي بالله ، وسلطان البلاد الملك الناصر محمد بن قلاوون ولا نائب له بالديار المصرية . وقاضي الشافعية بها جلال الدين القزويني ، وقاضي الحنفية شمس الدين الحريري ، وقاضي المالكية تقي الدين الأخنائي ، وقاضي الحنابلة [ بياض في الأصل ] . ووزير مصر علاء الدين مغلطاي الجمالي وهو الأستاذ، ونائب دمشق الأمير سيف الدين تنكز ، وقضاته هم في التي قبلها سوى الشافعي فإنه علاء الدين القونوي ، والحنبلي فإنه عز= ٢٠٦ أحداث سنة ٧٢٨هـ وفي يوم الأربعاء ثاني المحرّم درّس بحلقة صاحب حمص الشّيخ الحافظ صلاح الدين العلائي(١)، نزل له عنها شيخنا الحافظ المِزِّي، وحضر عنده الفقهاء والأعيان ، وذكر درساً حسناً مفيداً . وفي يوم الجمعة رابع المحرم حضر قاضي القضاة علاء الدين القونويُ(٢) مشيخة الشيوخ بالسُّمَيْسَاطية عوضاً عن القاضي المالكي شرف الدين(٣) ، وحضر عنده الفقهاء والصّوفية على العادة . وفي يوم الأحد ثامنَ عشرَ صفر درَّس بالمَسْرُوريّة تقي الدين عبد الرحمن بن الشيخ كمال الدين بن الزَّمْلَكاني عوضاً عن جمال الدين بن الشَّرِيشي بحكم انتقاله إلى قضاء حمصَ ، وحضر الناس عنده وترخَّموا على والده(٤) وفي يوم الأحد خامس عشري صفر وصل إلى دمشق الأمير الكبير صاحب بلاد الروم تَمْرُتَاش بن جُوبان ، قاصداً إلى مصرَ ، فخرج نائبُ السّلطنة والجيش لتلقِّيه ، وهو شابٌّ حسنُ الصُّورة تام الشكل مليحُ الوجه ، ولمّا انتهى إلى السلطان بمصرَ أكرمه وأعطاه تقدمة ألف ، وفُرِّق أصحابُه على الأمراء وأُكرموا إكراماً زائداً ، وكان سبب قدومه إلى مصر(٥) أن صاحب العراق الملك أبا سعيد كان قد قتل أخاه خَواجًا دِمَشْقُ(٦) في شوّال من السنة الماضية ، فهمّ والده جوبان بمحاربة الشُّلطان أبي سعيد فلم يتمكَّن من ذلك ، وكان جُوبان إذ ذاك مدبر الممالك ، فخاف تَمُرْتَاش هذا عند ذلك من السلطان ففر هارباً بدمه إلى السطان الناصر بمصر . وفي ربيع الأول توجه نائب الشام سيف الدين تَنْكِز إلى الدّيار المصرية لزيارة السلطان فأكرمه واحترمه واشترى في هذه السَّفرة دار الفلوس التي بالقرب من (٧) البزوريين والجَوْزية ، وهي شرقيها ، وقد كان سوق البزوريّة اليوم يسمّى سوق القمح ، فاشترى هذه الدار وعمرها داراً هائلة ليس بدمشقَ دارٌ أحسنُ منها ، وسمّاها دار الذهب، وهدم حمّام سُوَيْد تلقاءها وجعله دار قرآن وحديث وجاءت(٨) في غاية الدين بن التقي سليمان المقدسي ، والمباشرون هم هم سوى كاتب السر فإنه القاضي محيي الدين بن فضل الله ، = عوضاً عن شمس الدين بن الشهاب محمود توفي بالسنة الماضية ، وليس بدمشق شادّ الدواوين ، ثم ولي في المحرّم شد الدواوين الأمير سيف الدين . اهـ . (١) هو : خليل بن كيكلدي العلائي ، سيأتي في وفيات سنة (٧٦١هـ) . في ب : الحريري . وهو غلط ، والقونوي : هو علي بن محمود بن حميد بن موسى سيأتي في وفيات سنة (٢) (٧٤٩هـ). الدارس (١٥٥/٢). هو محمد بن أبي بكر بن طاهر الهمداني النويري . مات سنة (٧٤٨هـ) الدارس (١٥٨/٢). (٣) الدارس (٤٥٧/١) والمسرورية : مدرسة كانت بباب البريد . (٤) في ب : إلى السلطان الناصر . (٥) في ط : جواجا رمشتق، وهو تحريف، وفي الدرر الكامنة (٥١٨/١): (دشتى) ولعلّه توهم ، وفي النجوم (٦) الزاهرة (٢٧٣/٩): (دِمَشْق حَجًا ). في ب : بالقرب من حمام نور الدين بسوق القمح . (٧) ليست في ط . (٨) ٢٠٧ أحداث سنة ٧٢٨هـ الحسن أيضاً ، ووقف عليها أماكنَ ورتّب فيها المشايخ والطلبة كما سيأتي تفصيله في موضعه (١) ، واجتاز برجوعه من مصرَ بالقدس الشريف وزاره وأمر ببناء حمّام ومدرسة ودار(٢) حديث أيضاً به ، وخانقاه كما يأتي بيانه . وفي آخر ربيع الأول وصلت القناة إلى القدس التي أمر بعمارتها وتجديدها سيف الدين تَنْكِز قُطْلُبَك ، فقام بعمارتها مع ولاة تلك النواحي ، وفرح المسلمون بها ودخلت حتى إلى وسط(٣) المسجد الأقصى ، وعمل به بركة هائلة ، وهي مرخّمة ما بين الصخرة والأقصى ، وكان ابتداء عملها من شوال من السنة الماضية . وفي هذه المدة عمر سقوف ورواقات(٤) المسجد الحرام وأبوابه(٥)، وعمرت بمكّة طَهارة ممّا يلي باب بني شَيْبة . قال البرزالي : وفي هذا الشهر كَمُلَت عِمارة الحَمَّام الذي بسوق باب توما ، وله بابان . وفي ربيع الآخر نقض التّرخيمُ الذي بحائط جامع دمشق القبلي من جهة الغرب مما يلي باب الزِّيادة ، فوجدوا الحائط متجافي٦ً) فخيف من أمره ، وحضر تَنْكِز بنفسه ومعه القضاة وأرباب الخبرة ، فاتّفق رأيهم على نقضه وإصلاحه ، وذلك يوم الجمعة بعد الصلاة سابع عشري ربيع الآخر ، وكتب نائب السلطنة إلى السلطان يعلمه بذلك ويستأذنه في عمارته ، فجاء المرسوم بالإذن بذلك ، فشُرع في نقضه يوم الجمعة خامس عشري جُمادى الأولى ، وشرعوا في عمارته يوم الأحد تاسع جمادى الآخرة ، وعمل محرابٌ فيما بين باب (٧) الزِّيادة ومقصورة الخطابة يضاهي محراب الصَّحابة ، ثم جدُّوا ولازموا في عمارته ، وتبرّع كثيرٌ من الناس بالعمل فيه من سائر الناس ، فكان يعمل فيه كل يوم أزيد من مئة رجل ، حتى كَمُلت عمارةُ الجدار وأُعيدت طاقاته وسقوفه في العشرين من رجب ، وذلك بهمَّة تقي الدين بن مراجل ، وهذا من العجب فإنه نُقِضَ الجدار وما يسامتُه من السّقف، وأُعيد في مدة لا يتخيّل إلى أحد أن عمله يفرغ في(٨) هذه المدة جزماً ، وساعدهم على سرعة الإعادة حجارةٌ وجدوها في أساس الصَّومعة الغربية التي عند الغَزَالية ، وقد كان في كل زاوية من هذا المعبد صومعة كما في الغربية والشرقية والقبليّتين(٩) منه فأُبيدت (١) الدارس (١/ ١٢٣). في ط : به وبناء . وأثبتنا مافي ب . (٢) (٣) في ط : حتى إلى شط وهو تحريف . (٤) في ط : شرافات . (٥) في ط : وإيوانه . في الذيل (ص ١٥٥): (منحدباً) . (٦) (٧) ليست في ط . في ط : فيما يقارب . (٨) (٩) في ط : القبلتين . وهو تحريف . ٢٠٨ أحداث سنة ٧٢٨هـ الشماليتين قديماً ولم يبق منهما من مدة ألوف من السنين سوى أس هذه المئذنة الغربية الشمالية ، فكانت من أكبر العون على إعادة هذا الجدار سريعاً . ومن العجب أن ناظر الجامع ابن مراجل لم ينقص أحداً من أرباب المرتبات على الجامع شيئاً مع هذه العمارة(١) . وفي ليلة السبت خامس جمادى الأولى وقع حريق عظيم بالفرّائين (٢) واتصل بالرمَّاحين ، واحترقت القيسارية والمسجد الذي هناك ، وهلك للنّاس شيء كثير من الفِراء والجوخ والأقمشة ، فإنا لله وإنا إليه راجعون(٣) . وفي يوم الجمعة عاشره بعد الصّلاة صُلِّ على القاضي شمس الدين بن الحريري قاضي قضاة الحنفية بمصرَ ، وصُلّي عليه صَلاةُ الغائب بدمشقَ . وفي هذا اليوم قدم البريدُ يطلب برهان الدين بن عبد الحق الحنفي(٤) إلى مصر ليلي القضاء بها بعد ابن الحريري ، فخرج مسافراً إليها ، ودخل مصر في خامس عشري جُمادى الأولى ، واجتمع بالسلطان فولًا، القضاء وأكرمه وخَلَع عليه وأعطاه بغلة (٥) بِزناري، وحكم بالمدرسة الصَّلاحية بحضرة القضاة والحجاب ، ورسم له بجميع جهات ابن الحريري . وفي يوم الإثنين تاسع جمادى الآخرة أخرج ما كان عند الشيخ تقي الدين بن تيمية من الكتب والأوراق والدّواة والقلم ، ومُنع من الكتب والمطالعة ، وحُملت كتُبه في مستهل رجب إلى خزانة الكتب بالعادلية الكبيرة . [ قال البرزالي : وكانت نحو ستين مجلداً، وأربعَ عَشْرةَ ربطة كراريس ، فنظر القضاة والفقهاء فيها وتفرَّقوها بينهم](٦) ، وكان سبب ذلك أنه أجاب لما كان رد عليه التقي بن الأخنائي المالكي في مسألة الزيارة [ فرد عليه الشيخ تقي الدين واستجهله وأعلمه أنه قليل البضاعة في العلم] (٦) ، فطلع الأخنائي إلى السُّلطان وشكاه ، [ فرسم السطان عند ذلك بإخراج ما عنده من ذلك وكان ما كان، كما ذكرنا ](٦). وفي أواخره رسم لعلاء الدين بن القلانسي(٧) في الدست ، مكان أخيه جمال الدين(٨) توفيراً (١) الدارس (٣٩٤/٢ - ٣٩٥) الشذرات (٨٠/٦). في ط : القرايين . وجاء محرفاً في كثير من المصادر . وهو نسبة لصنع الفراء . (٢) (٣) الذيل (ص١٥٦) . هو : إبراهيم بن علي بن محمد . وسيأتي في وفيات سنة (٧٤٤هـ) . (٤) (٥) في ط : بلغة . (٦) جميعها ليست في ب . (٧) هو: علي بن محمد بن محمد بن نصر الله ... سيأتي في وفيات سنة (٧٣٦هـ). (٨) هو: أحمد بن محمد .... سيأتي في وفيات سنة (٧٣١هـ). ٢٠٩ أحداث سنة ٧٢٨هـ لخاطره عن المباشرة ، وأن يكون معلومه على قضاء العساكر والوكالة ، وخلع عليهما بذلك . وفي يوم الثلاثاء ثالث عشري رجب رُسم للأئمة الثلاثة الحنفي والمالكي والحنبلي بالصّلاة في الحائط القبلي من الأموي، فعُيّن المحراب الجديد الذي بين باب (١) الزيادة والمقصورة للإمام الحنفي، وعُيّن محراب الصحابة للمالكي ، وعين محراب مقصورة الخَضِر الذي كان يصلِّي فيه المالكي للحنبلي ، وعوِّض إمام محراب الصّحابة بالكلاّسة ، وكان قبل ذلك في حال العمارة قد بلغ محراب الحنفية من المقصورة المعروفة بهم ، ومحراب الحنابلة من خلفهم في الرواق الثالث الغربي وكانا بين الأعمدة ، فَقُلِعت (٢) تلك المحاريب ، وعوّضوا بالمحاريب المستقرة بالحائط القبلي واستقر الأمر كذلك . وفي العشرين من شعبان مسك الأمير تَمُرْتَاش بن جُوبان [ الذي أتى هارباً إلى السطان الناصر بمصر وجماعة من أصحابه(٣)، وحُبسوا بقلعة مصر(٤) ، فلما كان ثاني شوال أُظهر موتُه ، يقال: إنّه قتله السلطان وأرسل رأسَه إلى أبي سعيد صاحب العراق ابن خَّرْبَنْدا ملك التتار . وفي يوم الإثنين ثاني شوال خرج الركب الشامي وأميره فخر الدين عثمان بن الأمير(٥) شمس الدين لؤلؤ الحلبي أحد أمراء دمشق ، وقاضيه قاضي قضاة الحنابلة عز الدين بن التقي سُلَيمان . وممّن حج فيها الأمير حسام الدين الشُّبْمقدار ، والأمير قَبْجَق والأمير حسام الدين بن النجيبي وتقي الدين بن السَّلْعُوس وبدر الدين بن الصّائغ وابنا جهبل والفخر المصري ، والشيخ علم الدين البِرْزالي ، وشهاب الدين الطَّاهري . وقبل ذلك بيوم حكم القاضي جمال الدين(٦) المنفلوطي الذي كان حاكماً ببعلَبَكَّ بدمشقَ نيابة عن شيخه قاضي القضاة علاء الدين القُونوي ، وكان مشكورَ السيرة ، تألَّم أهلُ بعلَبَكَّ لفقدهِ ، فِحكم بدمشقَ عوضاً عن القونوي بسبب عزمه على الحجّ ، ثم لما رجع الفخر من الحج عاد إلى الحكم واستمر المَنْفلوطيّ يحكم أيضاً ، فصاروا ثلاثةَ نوّاب : ابن جملة والفخر المصري وجمال الدين (٧) المنفلوطي . وسافر القاضي معين الدين(٧) بن الحشيشي في ثاني عشري شوال إلى القاهرة لينوب عن القاضي فخر الدين كاتب المماليك إلى حين رجوعه من الحجاز ، فلما وَصَل وُلّيَ حجابة ديوان الجيش ، (١) ليست في ط . (٢) في ط : نقلت . (٣) ليست في ب . في ب القاهرة . (٤) ليست في ط . الدرر الكامنة (٢/ ٤٥٠). (٥) (٦) ليست في ط . (٧) ليست في ط . ٢١٠ ذكر وفاة الشيخ تقي الدين بن تيمية واستمرّ هناك ، واستقل قطبُ الدين ابن شيخ السلامية بنظر الجيش بدمشق على عادته . وفي شوّال خُلع على أمين الملك بالديار المصرية، ووُلّيَ نظر الدَّواوين فباشره شهراً ويومين وعُزل عنه. ذكر وفاة الشيخ تقي الدين بن تيمية رضي الله عنه قال الشيخ علم الدين البِرْزالي في تاريخه : وفي ليلة الإثنين العشرين من ذي القعدة توفي الشيخ الإمام العلامة الفقيه الحافظ الزاهد القدوة شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن شيخنا الإمام العلامة المفتي شهاب الدين أبي المحاسن عبد الحليم بن الشيخ الإمام شيخ الإسلام أبي البركات عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم محمد بن تيمية الحرّاني ثم الدمشقي ، بقلعة دمشق بالقاعة التي كان محبوساً فيها ، وحضر جمع كثير إلى القلعة ، فأذن لهم في الدخول عليه ، وجلس جماعة عنده قبل الغُسْل وقرؤوا القرآن وتبرّكوا برؤيته وتقبيله ، ثم انصرفوا ، ثم حضر جماعةٌ من النِّساء ففعلن مثل ذلك ثم انصرفن واقتُصِرَ على من يُغَسِّله ، فلما فرغ من غسله أُخرج وقد(١) اجتمع الخلق بالقلعة والطريق إلى الجامع وامتلأ الجامع أيضاً وصحنه والكلّسة وبابُ البريد وبابُ السّاعات إلى باب اللبّادين والفَوَّارة ، وحضرت الجنازة في الساعة الرابعة من النهار أو نحو ذلك ووضعت في الجامع ، والجند [ قد احتاطوا بها (٢) ) يحفظونها من الناس من شدة الزحام ، وصُلّي عليه أولاً بالقلعة ، تقدَّم في الصلاة عليه أولاً الشيخ محمد بن تمَّامُ(٣) ، ثم صُلّي عليه بالجامع الأموي عقيب صلاة الظهر ، وقد تضاعف اجتماع الناس على ما تقدم ذكره ، ثم تزايد الجمع إلى أن ضاقت الرِّحاب والأزقَّة والأسواق بأهلها ومن فيها ، ثم حمل بعد أن صُلِّي عليه على الرؤوس ، والأصابع ، وخرج النَّعش به من باب البريد واشتدَّ الزحام وعلتِ الأصوات بالبكاء والنحيب والتَّرُم عليه والثناء والدعاء له ، وألقى الناس على نعشه مناديلهم وعمائمهم وثيابهم ، وذهبت النعال من أرجل الناس وقباقيبهم ومناديل وعمائم لا يلتفتون إليها لشغلهم بالنظر إلى الجنازة ، وصار النعش على الرؤوس تارة يتقدم وتارة يتأخر ، وتارة يقف حتى تمر الناس ، وخرج الناس من الجامع من أبوابه كلها وهي شديدة الزحام ، كل باب أشد زحمة من الآخر ، ثم خرج الناس من أبواب البلد جميعها من شدة الزحام فيها ، لكن كان معظم الزحام من الأبواب الأربعة : باب الفرج الذي أُخرجت منه الجنازة ، وباب الفراديس ، وباب النصر ، وباب الجابية . وعظم الأمر بسوق الخيل وتضاعف الخلق وكثر الناس ، ووضعت الجنازة هناك وتقدم للصّلاة عليه هناك أخوه زين الدين عبد الرحمن ، فلمّا قُضيت الصَّلاة حُمل (١) في ط : ثمَّ . ليست في أوب . (٢) (٣) في ط : محد . ٢١١ ذكر وفاة الشيخ تقي الدين بن تيمية إلى مقبرة الصُّوفية فدفن إلى جانب أخيه شرف الدين عبد الله رحمهما الله ، وكان دفنه قبل العصر بيسير ، وذلك من كثرة من يأتي ويصلي عليه من أهل البساتين وأهل الغوطة وأهل القرى وغيرهم ، وأغلق النَّاسُ حوانيتهم ولم يتخلّف عن الحضور إلا من هو عاجز عن الحضور ، مع الترخُم والدعاء له، وأنَّه لو قَدَرَ ما تخلَّفَ ، وحضر نساء كثيرات بحيث حُزِزْنَ بخمسة عشر ألف امرأة ، غير اللاتي كنَّ على الأسطحة وغيرهن ، الجميع يترخَّمن ويبكين عليه فيما قيل . وأما الرجال فحُزِروا بستين ألفاً إلى مئة ألف إلى أكثر من ذلك إلى مئتي ألف ، وشرب جماعة الماء الذي فضل من غسله ، واقتسم جماعة بقية السِّدر الذي غُسِّل به ، ودفع في الخيط الذي كان فيه الزئبق الذي كان في عنقه بسبب القمل مئة وخمسون درهماً ، وقيل : إن الطَّاقِيَّة التي كانت على رأسه دفع فيها خمسمئة درهم . وحصل في الجنازة ضجيج وبكاءٌ كثير ، وتضُّع وخُتمت له ختمات كثيرة بالصَّالحية وبالبلد ، وتردّد الناس إلى قبره أياماً كثيرة ليلاً ونهاراً يبيتون عنده ويُصبحون ، ورُؤيت له مناماتٌ صالحةٌ كثيرة ، ورثاه جماعة بقصائد جمة . وكان مولده يوم الإثنين عاشر ربيع الأول بحرّان سنة إحدى وستين وستمئة ، وقدم مع والده وأهله إلى دمشق وهو صغير ، فسمع الحديثَ من ابن عبد الدائم وابن أبي اليسر وابن عبدان والشيخ شمس الدين الحنبلي ، والشيخ شمس الدين بن عطاء الحنفي ، والشيخ جمال الدين بن الصيرفي ، ومجد الدين ابن عساكر ، والشيخ جمال الدين البغدادي ، والنجيب بن المقداد ، وابن أبي الخير ، وابن علان ، وابن أبي بكر الهروي(١) ، والكمال عبد الرحيم، والفخر علي، وابن شيبان، والشرف بن القواس ، وزينب بنت مكي ، وخلق كثير سمع منهم الحديث ، وقرأ بنفسه الكثير وطلب الحديث وكتب الطباق والأثبات ولازم السّماع بنفسه مدة سنين ، وقلَّ أن سمع شيئاً إلا حفظه ، ثم اشتغل بالعلوم ، وكان ذكياً كثير المحفوظ ، فصار إماماً في التفسير وما يتعلق به عارفاً بالفقه ، [ فيقال إنه كان أعرف بفقه المذاهب من أهلها الذين كانوا في زمانه وغيره (٢)، وكان عالماً باختلاف العلماء ، عالماً في الأصول والفروع والنحو واللغة ، وغير ذلك من العلوم النقلية والعقلية ، وما قطع في مجلس ولا تكلّم معه فاضل في فن من الفنون إلا ظن أن ذلك الفنّ فتُّه، ورآه عارفاً به متقناً له، وأما الحديث فكان [حامل رايته](٢) حافظاً له متناً وإسنادا٣ً) مميّزاً بين صحيحه وسقيمه ، عارفاً برجاله متضلِّعاً من ذلك ، وله تصانيف كثيرة وتعاليقُ مفيدة في الأصول والفروع ، كَمُل منها جملةٌ وبُيّضت وكُتبت عنه وقُرئت عليه أو بعضها ، وجملة كبيرة لم يُكملها ، وجملة كمَّلها ولم تبيَّض إلى الآن . (١) في ط : اليهودي وهو تحريف . وهو أبو بكر بن محمد بن أبي بكر الهروي مات سنة (٧٣٠هـ) الدرر الكامنة (١/ ٤٥٧) . (٢) ليست في ب . (٣) ليست في ط . ٢١٢ ذكر وفاة الشيخ تقي الدين بن تيمية وأثنى عليه وعلى علومه وفضائله جماعة من علماء عصره ، مثل القاضي الخُوبي(١) ، وابن دقيق العيد ، وابن النحاس ، والقاضي الحنفي قاضي مصر ابن الحريري، وابن الزملكاني، وغيرهم ، ووجدت بخط ابن الزملكاني أنه قال : اجتمعت فيه شروطُ الاجتهاد على وجهها ، وأنَّ له اليد الطولى في حسن التصنيف وجودة العبارة والترتيب والتقسيم والتَّبيين(٢)، وكتب على تصنيف له هذه الأبيات: وصفاتهُ جلَّتْ عن الحصرِ ماذا يقولُ الواصفونَ لهُ هو بينَنَا أُعجُوبةُ الدّهرِ هو حجةٌ للهِ قاهرةٌ أنوارُها أربَتْ على الفَجْرِ(٣) هو آيةٌ في الخَلْقِ ظاهرةٌ وهذا الثناء عليه ، وكان عمره يومئذ نحو الثلاثين سنة ، وكان بيني وبينه مودة وصحبة من الصغر ، وسماع الحديث والطلب من نحو خمسين(٤) سنة ، وله فضائل كثيرة ، وأسماء مصنفاته وسيرته وما جرى بينه وبين الفقهاء والدولة وحبسه مرات وأحواله لا يحتمل ذكر جميعها في(٥) هذا الموضع. ولما مات كنت غائباً عن دمشقَ بطريق الحجاز ، ثم بلغنا خبرُ موته بعد وفاته بأكثر من خمسين يوماً لمّا وصَلْنا إلى تبوكَ، وحصل التأشُّف لفقده رحمه الله تعالى. هذا لفظه في هذا الموضع من ((تاريخه)). ثم ذكر الشيخ علَم الدِّين بعد إيراد هذه الترجمة جنازة أبي بكر بن أبي داود وعظمها ، وجنازة الإمام أحمد ببغداد وشهرتها ، وقال الإمام أبو عثمان الصابوني : سمعت أبا عبد الرحمن السيوفي يقول : حضرت جنازة أبي الفتح القوَّاس الزاهد مع الشيخ أبي الحسن الدَّارَ قُطني فلمّا بلَغ إلى ذلك الجمع العظيم أقبل علينا٦) وقال : سمعت أبا سهل بن زياد القطّان يقول : سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل يقول : سمعت أبي يقول : قولوا لأهل البدع بينَنَا وبينَكُم الجنائز . قال : ولا شك أن جنازة أحمد بن حنبل كانت هائلة عظيمة ، بسبب كثرة أهل بلده واجتماعهم لذلك، وتعظيمهم له ، وأن الدولة كانت تحبُّه ، والشيخ تقي الدين بن تيمية رحمه الله توفي ببلدة دمشق ، وأهلها لا يعشرون (٧) أهل بغداد حينئذ كثرة ، ولكنهم اجتمعوا لجنازته اجتماعاً لو جمعهم سلطان قاهر ، وديوان حاصر ، لما بلغوا هذه الكثرة التي اجتمعوها في جنازته ، وانتهوا إليها . (١) هو القاضي شهاب الدين محمد بن أحمد بن الخليل الخويي الشافعي المتوفى سنة ٦٩٣ . في ط : التديُّن وهو تحريف . (٢) (٣) ((أربت)) : فاقت . (٤) ليست في ط . (٥) ليست في ط . (٦) أي : أبو الحسن الدار قطني. (٧) أي : لا يبلغون عشرهم : ٢١٣ ذكر وفاة الشيخ تقي الدين بن تيمية هذا مع أن الرجل مات بالقلعة محبوساً من جهة السلطان ، وكثير من الفقهاء والفقراء يذكرون عنه للناس أشياء كثيرة، ممّا ينقِّر منها طباعَ أهل الأديان ، فضلاً عن أهل الإسلام . وهذه كانت جنازته . قال : وقد اتفق موتُه في سحر ليلة الإثنين المذكور ، فذكر ذلك مؤذن القلعة على المنارة بها وتكلم به الحرَّاس على الأبرجة ، فما أصبح الناس إلا وقد تسامعوا بهذا الخَطْب العظيم والأمر الجسيم ، فبادر الناس على الفور إلى الاجتماع حول القلعة من كل مكان أمكنهم المجيء منه ، حتى من الغوطة والمرج ، ولم يطبخ أهلُ الأسواق شيئاً ، ولا فتحوا كثيراً من الدكاكين التي من شأنها أن تفتح أوائل النَّهار على العادة ، وكان نائب السَّلطنة تَنْكز قد ذهب يتصيَّدُ في بعض الأمكنة ، فحارت الدولة ماذا يصنعون ، وجاء الصاحب شمس الدين غبريال نائبُ القلعة فعزَّاه فيه ، وجلس عنده ، وفتح باب القلعة لمن يدخل من الخواص والأصحاب والأحباب ، فاجتمع عند الشيخ في قاعته خلق من أخِصَّاء أصحابه ومن رجال الدولة وغيرهم من أهل البلد والصّالحية ، فجلسوا عنده يبكون وينُّون . [عَلَى مِثْلِ لَيْلَى يَقْتُلُ المَرْءُ نَفْسَهُ}١). وكنت فيمن حضر هناك مع شيخنا الحافظ أبي الحجاج المِزّي رحمه الله ، وكشفتُ عن وجه الشيخ ونظرت إليه وقبّلته، وعلى رأسه عمامةٌ بعَذَبَةٍ مغروزة وقد علاه الشَّيب أكثر مما فارقناه . وأخبر الحاضرين أخوه زين الدين عبد الرحمن أنه قرأ هو والشيخ منذ دخل القلعة ثمانين خَتْمة ، وشرعا في الحادية والثَّمانين ، فانتهينا فيها إلى آخر اقتربت الساعة : ﴿ إِنَّ الْمُنَّقِينَ فِ جَنَّتٍ وَنَهَرٍ ﴿ فِ مَفْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْنَدِرٍ ﴾ [ القمر: ٥٤ -٥٥]. فشرع عند ذلك الشّيخان الصّالحان الخيّران عبد الله بن المحب وعبد الله الزُّرعي الضرير - وكان الشيخ رحمه الله يحب قراءتهما - فابتدآ من أول سورة الرحمن حتى ختموا القرآن وأنا حاضرٌ أسمعُ وأَرَى . ثم شرعوا في غسل الشيخ وخرجتُ إلى مسجد هناكَ ولم يمكث(٢) عنده إلا من ساعد في غسله، منهم شيخنا الحافظ المزي وجماعة من كبار الصّالحين [ الأخيار، أهل العلم والإيمان }٣) ، فما فُرغ منه حتى امتلأت القلعة وضجَّ الناس بالبكاء والثناء والدعاء والترُم ، ثم ساروا به إلى الجامع فسلكوا طريق (١) زيادة في ط . وهو صدر بيت لقيس بن الملوّح المعروف بمجنون ليلى ، والبيت بتمامه : وإن بات من لیلی علی الیأس طاویا على مثل ليلى يقتل المرء نفسه ديوانه (ص٢٩٦) . (٢) في ط : يدعوا . (٣) ليست في أوب . ٢١٤ ذكر وفاة الشيخ تقي الدين بن تيمية العماديّة على العادلية الكبيرة، ثم عطفوا على ثلث الناطفانيين، وذلك أن سُوَيقة باب البريد كانت قد هدمت لتُصْلح ، ودخلوا بالجنازة إلى الجامع الأموي ، والخلائق فيه بين يدي الجنازة وخلفها وعن يمينها وشمالها ما لا يُحصي عدَّتهم إلا الله تعالى، فصرخ صارخٌ وصاح صائح : هكذا تكون جنائز أئمة السنَّةَ فتباكى الناسُ وضُوا عند سماع هذا الصارخ، ووضع الشيخ في موضع الجنائز مما يلي المقصورة، وجلس الناس من كثرتهم وزحمتهم على غير صفوف ، بل مرصوصين رصاً لا يتمكن أحد من السجود إلا بكلفة [ جو الجامع وبرّي الأزقة والأسواق، وذلك قبل أذان الظهر بقليل، وجاء الناس من كل مكان ](١) ، ينوي خلق الصيام لأنهم لا يتفرّغون في هذا اليوم لأكل ولا لشرب ، وكثر الناس كثرة لا تُحدُّ ولا تُوصف، فلما فرغ من أذان الظهر أُقيمت الصّلاة عقبه على السدّة خلاف العادة ، فلما فرغوا من الصلاة خرج نائب الخطيب لغيبة الخطيب بمصر فصلى عليه إماماً ، وهو الشيخ علاء الدين الخراط ، ثم خرج الناس من كل مكان من سائر(٢) أبواب الجامع والبلد كما ذكرنا ، واجتمعوا بسوق الخيل ، ومن الناس من تعجّل بعد أن صلّى في الجامع إلى مقابر الصوفية ، والناس في بكاء وتهليل في مخافتة ، كل واحد بنفسه ، وفي ثناءٍ وتأسُّفٍ ، والنّساء فوق الأسطحة من هناك إلى المقبرة يبكين ويدعين ويقلن : هذا العالم . وبالجملة كان يوماً مشهوداً لم يعهد مثله بدمشق ، اللّهمُ(٣) إلا أن يكون في زمن بني أمية حين كان الناس كثيرين ، وكانت دار الخلافة ، ثم دفن عند أخيه قريباً من أذان العصر على التحديد ، ولا يمكن أحد حصر من حضر الجنازة ، وتقريب ذلك أنه عبارة عمّن أمكنه الحضور من أهل البلد وحواضره ولم يتخلف من الناس إلا القليل من الصغار والمخدّرات ، وما علمتُ أحداً من أهل العلم إلا النفر اليسير تخلّف عن الحضور في جنازته ، [ وهم ثلاثة أنفس : وهم ابن جملة ، والصدر ، والقحفازي ، وهؤلاء كانوا قد اشتهروا بمعاداته فاختفوا من الناس خوفاً على أنفسهم ، بحيث إنهم علموا متى خرجوا قتلوا وأهلكهم الناس ]٤) ، وتردّد شيخُنا الإمام العلامة برهان الدين الفزاري إلى قبره في الأيّام الثلاثة ، وكذلك جماعةٌ من علماء الشَّافعية ، وكان برهان الدين الفزاري يأتي راكباً على حماره وعليه الجلالة والوقار رحمه الله . وعُملت له ختمات كثيرة، ورؤيت له منامات باهرة(٥) صالحة عجيبة ، ورئي بأشعار كثيرة [ وقصائد مطوّلة !٦) جداً . وقد أُفردت له تراجم كثيرة ، وصنَّف في ذلك جماعةٌ من الفضلاء وغيرهم ، وسأُلخّص (١) ليست في أوب . ليست في ط . (٢) ليست في ط . (٣) (٤) زيادة من ط . (٥) ليست في ط . (٦) ليست في أوب . ٢١٥ ذكر وفاة الشيخ تقي الدين بن تيمية من مجموع ذلك ترجمة وجيزة في ذكر مناقبه وفضائله وشجاعته وكرمه ونصحه وزهادته وعبادته وعلومه المتنوعة الكثيرة المحرّرة (١) ومُصَنَّفاته(٢) الكبار والصغار، في العلوم كلِّها٣) ، ومفرداته في الاختيارات التي نصرها بالكتاب والسُّنَّة ، وأفتى بها . وبالجملة كان رحمه الله من كبار العلماء، وممن يُخطىء ويُصيب، ولكن خطؤه بالنسبة إلى صوابه كنقطة في بحر لُجِّي، وخطؤه أيضاً مغفور له كما في ((صحيح البخاري)): ((إذا اجتهَدَ الحاكمُ فَأَصَابَ فله أجران ، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر )(٤) فهو مأجور . وقال الإمام مالك بن أنس: (( كل أحد يؤخذ من قوله ويُتْرك إلا صاحب هذا القبر (٥) . وفي السادس والعشرين من ذي القعدة نقل نائب السلطنة سيف الدين(٦) تَنْكِز حواصله وأمواله من دار الذَّهب داخل باب الفراديس إلى الدَّار التي أنشأها ، وتُعرف بدار فلوس ، فسميت دار الذهب ، وعزل خَزِنْداره ناصر الدين محمد بن عيسى ، وولي مملوكه أَبَاحي . وفي ثاني عشري ذي القعدة جاء إلى مدينة عجلون سيل عظيم من أول النهار إلى وقت العصر ، فهدم من جامعها وأسواقها ورباعها ودورها شيئاً كثيراً ، وغرقَ سبعةُ نفر ، وهلَكَ للنَّاس شيء كثير من الأموال والغلاّت والأمتعة والمواشي ما يقارب قيمته ألف ألف درهم والله أعلم ، وإنا لله وإنا إليه راجعون . وفي يوم الأحد ثامن عشر ذي الحجة أَلزم القاضي الشافعي الشّيخُ علاءُ الدين القونوي جماعةَ الشُّهود بسائر المراكز أن يُرسلوا في عمائمهم العَذَبات (٧) ليتميّزوا بذلك عن عوامّ الناس ، ففعلوا ذلك أياماً ثم تضرَّرُوا من ذلك ، فأرخص لهم في تركها ، ومنهم من استمر بها . وفي يوم الثلاثاء عشرين ذي الحجة أُفرج عن الشيخ الإمام العالم العلامة أبي عبد الله شمس الدين (١) في ط : المجودة . (٢) في ط : وصفاته وهو تحريف . (٣) في ط : التي احتوت على غالب العلوم . (٤) رواه البخاري رقم (٦٩١٩) في الاعتصام بالكتاب والسنّة ، باب : أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ . وهو من حديث عمرو بن العاص - رضي الله عنه - ولفظه فيه: ((إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران ، وإذا حكم فاجتهد ثمَّ أخطاً فله أجر واحد)) ومسلم أيضاً رقم (١٧١٦) في الأقضية ، باب : بيان أجر الحاكم إذا اجتهد ، فأصاب أو أخطأ . (٥) هذا أثر، ذكر السُّيوطي في الدُّرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة (ص١٠٨) تحقيق الأستاذ محمود الأرناؤوط : أن عبد الله بن الإمام أحمد ذكره في زوائد الزهد من طريق عكرمة عن ابن عبّاس قال: ((مامن أحدٍ من الناس إلا يؤخذ من قوله ويُدَعُ غير النبي ◌َّرِ)). (٦) ليست في ط . (٧) ((العَذَبة)): هو ما يسدل من العمامة بين الكتفين. ٢١٦ ذكر وفاة الشيخ تقي الدين بن تيمية محمد(١) ابن قيّم الجوزية ، وكان معتقلاً بالقلعة أيضاً ، من بعد اعتقال الشيخ تقي الدين بأيام من شعبان سنة ستِّ وعشرين إلى هذا الحين، وجاء الخبر بأن السلطان أَفرج عن الجاولي (٢) والأمير فرج بن قراسنقر(٣)، ولاجين المنصوري(٤)، وأُحضروا بعد العيد بين يديه ، وخلع عليهم . وفيه وصل الخبر بموت الأمير الكبير جُوْبالٌ(٥) نائب السلطان أبي سعيد على تلك البلاد . ووفاة قراستقر المنصوري(٦) أيضاً كلاهما في ذي القعدة من هذه السنة . وجوبان هذا هو الذي ساق القناة الواصلة إلى المسجد الحرام(٧)، [ وقد غرم عليها أموالًا جزيلة كثيرة }٨)، وله تربة بالمدينة النبوية ، ومدرسة مشهورة ، وله آثار حسنة، وكان جيد الإسلام، له همَّة عالية وقد دبّر الممالك في أيام أبي سعيد مدَّة طويلة على السداد ، ثم أراد أبو سعيد مسكَه فتخلَّص من ذلك كما ذكرنا ، ثم إن أبا سعيد قتل ابنه خَواجًا دِمَشْق في السّنة الماضية ففر ابنه الآخر تَمُرْتَاش هارباً إلى سلطان مصر ، فآواه شهراً ثم تردّدت الرسل بين الملكين في قتله ، فقتله صاحبُ مصر فيما قيل وأرسل برأسه إليه ، ثم توفي أبوه بعده بقليل ، والله أعلم بالسرائر(٩). وأما قَرَاسُنْقُر المنصوري فهو من جملة كبار أمراء مصر والشام ، وكان من جملة من [ شارك في ﴾(١) قتل الأشرف خليل بن المنصور كما تقدم ، ثم ولي نيابة مصر مدة ، ثم صار إلى نيابة دمشق ثم إلى نيابة حلب ، ثم فر إلى النتر هو والأَفْرم والزَّزْدَكاشي فآواهم ملك التتار خَرْبَنْدا وأكرمهم وأقطعهم بلاداً كثيرة ، وتزوَّج قَرَاسُنْقُر بنت هولاكو ثم كانت وفاته بَمَراغَة١١ً) بلدِهِ التي كان حاكماً بها في هذه السنة ، وله نحو تسعين سنة والله أعلم . (١) ليست في ط . هو علم الدين سنجر الجاولي بعد اعتقال ثماني سنين وثلاثة أشهر . النجوم الزاهرة (٩/ ٩٠). (٢) (٣) توفي سنة (٧٣٤هـ) الدرر الكامنة (٢٣٠/٣). حبسه الناصر بعد عودته من الكرك ، فأقام سبعة عشر عاماً ، ثم أفرج عنه ليلة عرفة. مات سنة (٧٣١هـ) . الدرر (٤) الكامنة (٣/ ٢٧٠) . (٥) الدرر الكامنة (٥٤٢/١) النجوم الزاهرة (٩/ ٢٧٢). (٦) وهو الذي مرَّ خبر فراره في سنة (٧١٢هـ) إلى التتار. الدرر الكامنة (٢٤٧/٣) والنجوم الزاهرة (٢٧٣/٩) وفيه: وفاته كانت في شوال . والدارس (٣٠٤/١) . (٧) سنة (٧٢٦هـ) . ليست في ب . (٨) (٩) النجوم الزاهرة (٩/ ٢٧٣). (١٠) زيادة من ب. (١١) بلدة عظيمة ومشهورة، وهي أعظم بلاد أذْرَبيجان. ياقوت. ٢١٧ وفيات سنة ٧٢٨هـ وممَّن توفي فيها من الأعيان : شيخ الإسلام العلامة تقي الدين بن تيمية (١) : كما تقدم ذكر ذلك في الحوادث وسنفرد له ترجمة على حدة إن شاء الله تعالى . الشريف العالم الزاهد المحدث(٢) : عز الدين أبو إسحاق إبراهيم(٣) بن أحمد بن عبد المحسن العلوي الحسيني الغَرَّافي(٤) الإسكندري الشافعي، سمع الكثير وحفظ (( الوجيز في الفقه»(٥) ، و ((الإيضاح)»(٦) في النحو، وكان زاهداً متقللاً من الدُّنيا وبلغ تسعين سنةً، وعقله وعلمه وذهنه ثابت متيقِّظ ، ولد سنة ثمان وثلاثين وستمئة ، وتوفّي يومَ الجمعة خامس المحرم ، ودُفن بالإسكندريّة بين المادین رحمه الله . الشمس محمد (٧) بن عيسى البكري(٨): كانت فيه شهامة وصَرَامة ، وكان يكون بين يدي الشيخ تقي الدين بن تيمية كالمُنَفِّذ لما يأمر به وينهى عنه ، ويرسله الأمراء وغيرهم في الأمور المهمة ، وله معرفة ومروءة [ يبلِّغ رسالته على أتم الوجوه (٩) . توفي في الخامس من صفر بالقُبَيْبَات ودُفن عند الجامع الكريمي . رحمه الله تعالى . الشيخ الصّالح١٠ُ): أبو بكر(١١) بن شرف بن محسن بن معن بن عمّار(١٢) الصّالحيّ. ٤ (١٣) ولد سنة ثلاث وخمسين وستمئة ، وسمع الكثير صحبة الشيخ تقي الدين بن تيمية والمِزَي ، وکان (١) ترجمته في الذيل (ص١٥٨) وذيل طبقات الحنابلة (٣٨٧/٢) وفوات الوفيات (٣٥/١) والدرر الكامنة (١٤٤/١) والنجوم الزاهرة (٢٧١/٩) والدارس (٧٥/١) والشذرات (٨٠/٦). (٢) ليست في ط . ترجمته في الذيل (ص١٥٦) ودول الإسلام (٢/ ١٨٠) والدرر الكامنة (١٠/١) والشذرات (٨٠/٦). (٣) (٤) في ط والشذرات : العراقي بالعين المهملة . وأثبتنا ما في الذيل . قال بشار : وهو منسوب إلى الغَرَّاف البلد والنهر المشهور في جنوب العراق . للإمام الغزالي . (٥) (٦) لأبي علي الفارسي . ترجمته في الدارس (٤١٩/٢) . (٧) (٩) بعد هذا في بعض النسخ: ((وكان ممن يحب الشيخ تقي الدين)) وليست في ب، والظاهر أنها من زيادات بعض القراء. (٨) في ب : التدمري وفي ط : التكريدي . (١٠) في ط : الشيخ أبو بكر الصالحالي . (١١) ترجمته في الدرر الكامنة (٤٤٣/١). (١٢) في أ : عثمان ، وفي ط : عمان وأثبتنا مافي الدرر . (١٣) ليست في ب . ٢١٨ وفيات سنة ٧٢٨ هـ معهما كالخادم لهما ، وكان فقيراً ذا عيال يتناول من الزّكاة والصَّدقات ما يقوم بأوَده ، وأقام في آخر عمره بحمصَ ، وكان فصيحاً مفوّهاً ، له تعاليق وتصانيف في الأصول وغيرها ، وكان له عبادة وفيه خير وصلاح ، وكان يتكلّم على الناس بعد صلاة الجُمُعة إلى العصر من حفظه ، وقد اجتمعتُ به مرة صحبةً شيخنا المِزِّي حين قدم من حمصَ ، فكان قويّ العبارة فصيحها متوسطاً بالعلم ، له ميل إلى التصوُّف والكلام في الأحوال [ والأعمال والقلوب وغير ذلك ، وكان يكثر ذكر الشيخ تقي الدين بن تيمية ] . توفي بحمصَ في الثاني والعشرين من صفر من هذه السنة ، [ وقد كان الشيخُ يحضُّ النّاسَ على الإحسان إليه ، وكان يعطيه ويرفده ] . ابن الدّواليبي البغدادي : الشيخ الصالح العالم العابد الرّحلة المُسْند المعمَّر عفيف الدين أبو عبد الله محمد(١) بن عبد المحسن بن أبي الحسين بن عبد الغفار البغدادي الأزجي الحَنْلي المعروف بابن الدواليبي، شيخ دار الحديث المُسْتَنْصرية٢ُ)، ولد في ربيع الأول سنة ثمانٌ(٣) وثلاثين وستمئة ، وسمع الكثير، وله إجازات عالية، واشتغل بحفظ ((الخِرَقِيّ)(٤) ، وكان فاضلاً في النحو وغيره ، وله شعر حسن ، وكان رجلاً صالحاً جاوز التسعين وصار رُحْلَةَ العراق . وتوفي يوم الخميس رابع عشري(٥) جمادى الأولى ودفن بمقبرة الإمام أحمد في(٦) مقابر الشهداء رحمه الله . وقد أجازني فيمن أجازَ من مشايخ بغداد ولله الحمد . قاضي القضاة شمس الدين ابن الحريري : أبو عبد الله محمد (٧) بن صفي الدين أبي عمرو عثمان بن أبي الحسن عبد الوهاب الأنصاري الحنفي . ولد سنة ثلاث وخمسين، وسمع الحديث واشتغل وقرأ («الهداية »٨)، وكان فقيهاً جيداً ، (١) ترجمته في الذيل (ص١٥٦) وذيل طبقات الحنابلة (٢/ ٣٨٤) والدرر الكامنة (٢٧/٤) والنجوم الزاهرة (٢٧٤/٩) وفيه : المعروف بابن الخراط الدواليبي البغدادي . والشذرات (٨٨/٦) وكذلك فيه. (٢) مدرسة في بغداد عمرها المستنصر بالله في (٦٢٥ هـ) وانتهت سنة (٦٣١ هـ) على دجلة . في ب : ثلاث وثلاثين . وفي الدرر : سبع وثلاثين - أو ثمان وثلاثين - أو تسع وثلاثين . (٣) مختصر الخرقي في فقه الحنابلة لأبي القاسم عمر بن الحسين الخِرَقي الفقيه الحنبلي . مات سنة (٣٣٤هـ) الوفيات (٤) (٤٤١/٣) . (٥) ليست في ط . (٦) ليست في ط . ترجمته في الذيل (ص١٥٧) والدرر الكامنة (٣٩/٤) والدارس (٥٦٣/١) ومنادمة الأطلال (ص١٨٢) وفيه : (٧) الجوبري نقلاً عن الوافي بالوفيات للصفدي (٩٠/٤). (٨) الهداية كتاب في الفقه الشافعي ، والذي في ط : الهدايا وهو تحريف . ٢١٩ وفيات سنة ٧٢٨هـ ودَّسُ(١) بأماكن كثيرةٍ بدمشقَ، ثم ولّي القضاء بها، ثم خُطِبَ(٢) إلى قضاء الديار المصرية فاستمرّ بها مدَّة طويلة محفوظ العرض ، لا يقبل من أحد هدية ، ولا تأخذه في الحكم لومة لائم ، [ وكان يقول : إن لم يكن ابن تيمية شيخ الإسلام فمن؟ وقال لبعض أصحابه : أتحبُّ الشيخ تقي الدين؟ قال : نعم ، قال : والله لقد أحببتَ شيئاً مليحاً (٣) . توفي رحمه الله يوم السبت رابع جمادى الآخرة ودفن بالقَرَافة ، وكان قد عَيَّن لمنصبه القاضي برهان الدين بن عبد الحق(٤) فنُفِّذت وصيتُه بذلك، وأُرسل إليه إلى دمشقَ فأُحضر فباشر الحكم بعده وجميعَ جهاته . الشيخ الإمام العالم المقرىء : شهاب الدين أبو العباس أحمد(٥) بن الشيخ الإمام تقي الدين محمد بن جبارة بن عبد الولي بن جبارة المقدسي المَرداوي الحنبلي ، شارح ((الشاطبية)(٦) . ولد سنة تسع وأربعين وستمئة ، وسمع الكثير وعُنيَ بفن القراءات فبرز فيه ، وانتفع النَّاسُ به ، وقد أقام بمصر مدَّة واشتغل بها على القَرَافي(٧) في أصول الفقه . وتوفي بالقدس رابع رجب رحمه الله ، كان يعد من الصُّلحاء الأخيار ، سمع من خطيب مردا وغيره . ابن العاقولي البغدادي : الشيخ الإمام العلامة جمال الدين أبو محمد عبد الله(٨) بن محمد بن علي بن حماد بن ثابت(٩) الواسطي العاقولي ثم البغدادي الشافعي ، مدرّس المُسْتَنصريّة مدّةً طويلة نحواً من أربعين سنةً ، وباشر نظر الأوقاف وعين لقضاء القضاة في وقت . ولد ليلة الأحد عاشر رجب سنة ثمان وثلاثين وستمئة ، وسمع الحديث وبرع واشتغل وأفتى من سنة سبع وخمسين إلى أن مات ، وذلك مدة إحدى وسبعين سنة ، وهذا شيء غريب جداً ، وكان قويَّ النفس له وَجاهة في الدولة ، فكم كشف كُرْبة عن الناس بسعيه وقَصْده . الدارس (١/ ٥٦٣). (١) (٢) في الدرر : طلب . (٣) ليست في ب . هو إبراهيم بن علي بن أحمد بن عبد الحق برهان الدين ، سيأتي في وفيات (٧٤٤هـ) . (٤) (٥) ترجمته في الدرر الكامنة (٢٥٩/١) والشذرات (٦/ ٨٧). قصيدة في القراءات مشهورة ، للشيخ أبي محمد القاسم بن فِيُّرة بن أبي القاسم خلف بن أحمد الرُّعيني الشاطبي (٦) الضرير المقرىء ، واسم القصيدة : حرز الأماني ووجه التهاني. وعدّة أبياتها (١١٧٣) بيتاً. غاية النهاية (٢/ ٢٠) الوفيات (٤/ ٧١) . في ط : الفزاري وهو تحريف . (٧) ترجمته في الدرر الكامنة (٢٩٩/٢) والشذرات (٦/ ٨٧). (٨) (٩) في ط : تائب وهو تحريف . ٢٢٠ أحداث سنة ٧٢٩هـ توفي ليلة الأربعاء رابع عشري شوال ، وقد جاوز التسعين سنة ، ودُفن بداره ، وكان قد وقفها على شيخ وعشرة صبيان يسمعون القرآن ويحفظونه ، ووقف عليها أملاكه كلَّها ، تقبّل الله منه ورحمه . ودرَّس بعده بالمستنصرية قاضي القضاة قُطْب الدِّين . الشَّيخ الصالح العالم التاجر البار : شمس الدين محمد(١) بن داود بن محمد بن يَسَاب(٢) ، السلامي البغدادي، أحد ذوي اليسار، وله برّ تام بأهل العلم ، [ ولاسيما أصحاب الشيخ تقي الدين (٣) ، وقد وقف كتباً كثيرة ، وحَّ مرات ، وتوفي ليلة الجمعة (٤) رابع عشري ذي القعدة بعد وفاة الشيخ تقي الدين بأربعة أيام ، وصلّي عليه بعد صلاة الجمعة ودفن بباب الصغير رحمه الله وأكرم مثواه . وفي هذه الليلة توفيت الوالدة مَرْيمُ(٥) بنت فرج بن مفرج علي من قرية كان الوالد خطيبها ، وهي مُجَيْدل القرية سنة ثلاث وسبعين وستمئة ، وصُلّي عليها بعد الجمعة ودُفنت بالصُّوفية شرقي قبر الشيخ تقي الدين بن تيمية رحمهما الله تعالى . ثم دخلت سنة تسع وعشرين وسبعمئة استهلت والخليفة والحكام هم المباشرون في التي قبلها ، غير أن قطب الدين ابن شيخ السلامية استقلّ(٦) بنظر الجيش(٧). وفي المحرم طلب القاضي محيي الدين بن فضل الله كاتب السر بدمشق وولده الصّدر(٨) شهاب الدين، وشرف الدين بن شمس الدين بن الشِّهاب محمود إلى مصرَ على البريد ، فباشر القاضي الصّدر الكبير محيي الدين المذكور كتابة السرِّ بها عوضاً عن علاء الدين بن الأثير لمرض اعتراه ، وأقام عنده ولده شهاب الدين ، وأقبل شرف الدين بن(٩) الشهاب محمود إلى دمشق على كتابة السرِّ عوضاً عن ابن فضل الله(١٠). ترجمته في الدرر الكامنة (٤٣٧/٣). (١) في ط : ساب وفي الدرر : منتاب فليحرر . (٢) (٣) ليست في ب . في أوط : الأحد وهو توهم . إذ كيف يموت ليلة الأحد ويُصلّى عليه بعد صلاة الجمعة . (٤) (٥) لم أقع لها على ترجمة . (٦) في ط : اشتغل . في ب : لطلب صاحبه إلى مصر . وهو معين الدين بن الحشيش . (٧) ليست في ط . (٨) (٩) ليست في ط . (١٠) في ب : وكانت غيبته عنها سبعة وعشرين يوماً .