النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ أحداث سنة ٧١٩هـ وفي عاشره باشر شدَّ الدواوين جمال الدين آقوش الرحبي عوضاً عن فخر الدين إِيَاس ، وكان آقوش متولّي دمشقَ من سنة سبع وسبعمئة ، وولِّي مكانه الأميرُ علم الدين طرقشي السّاكن بالعُقَيْية . وفي هذا اليوم نُودي بالبلد بصوم النَّاس لأجل الخروج إلى الاستسقاء ، وشُرع في قراءة ((البخاري))، وتهيّأ الناس ودَعَوْا عُقَيْب الصلوات وبعد الخطب، وابتهلوا إلى الله في الاستسقاء ، فلمَّا كان يومُ السبت منتصفُ صفر ، وكان سابعَ نيسان ، خرج أهل البلد برُمَّتهم إلى عند مسجد القدم ، وخرج نائبُ السَّلطنة والأمراءُ مشاةً يبكون ويتضرّعون ، واجتمع الناس هنالك وكان مشهداً عظيماً ، وخطب بالناس القاضي صدر الدين سليمان الجعفري (١) وأمَّن النَّاسُ على دعائه، فلمَّا أصبح النَّاسُ من اليوم الثاني جاءهم الغيثُ بإذن الله [ ورحمته ورأفته لا بحولهم ولا بقوتهم ]٢)، ففرحَ النَّاسُ فرحاً شديداً وعمَّ البلادَ كلَّها ولله الحمد والمنة ، [ وحده لا شريك له ]٣) . وفي أواخر الشهر شرعوا بإصلاح رُخام الجامع وترميمه وجَلْيُ(٤) أبوابه وتحسين ما فيه . وفي رابعَ عشرَ ربيع الآخر درَّس بالناصرية الجوانية ابن الشيرازي(٥) بتوقيع سلطاني ، وأخذها٦ً) من ابن صَصْرَى وباشرها إلى أن مات . وفي يوم الخميس سادسَ عشرَ جُمادى الأولى باشر(٧) ابن شيخ السَّلامية فخر الدين أخو ناظر الجيش الحِسْبة بدمشق عوضاً عن ابن الحداد ، وباشر ابن الحداد نظر الجامع بدلًا عن ابن شيخ السلامية ، وخلع على كل منهما . وفي بُكرة الثّلاثاء خامس جُمادى الآخرة قدم من مصر إلى دمشق قاضي القضاة شرف الدين أبو عبد الله محمّد ابن قاضي القضاة معين الدين أبي بكر بن الشيخ زكي الدين ظافر الهمداني المالكي ، على قضاء المالكيّة بالشَّام ، عوضاً عن ابن سلامة الذي توفي ، [ فكان بينهما ستة أشهر ]٨) ، ولكن تقليد هذا مؤرخ بآخر ربيع الأول، ولبس الخلعة وقُرىء تقليده بالجامعُ(٩) . سليمان بن هلال بن شبل . سيأتي في وفيات (٧٢٥هـ). والخبر في الدرر الكامنة (١٦٥/٢). (١) (٢) ليست في ب . (٣) ليست في ب . (٤) في ط : حلي . في ب : القاضي كمال الدين . وهو: أحمد بن محمد بن هبة الله . وسيأتي في وفيات سنة (٧٣٦هـ). (٥) (٦) في ب : وانتزعها من يد . في ب : القاضي فخر الدين . وهو : أخو قطب الدين مُوسى بن أحمد . (٧) ليست في ب ، والذي فيه : فكان بين وفاته ووصول هذا إلى دمشق ستة أشهر . (٨) الدارس (١٦/٢) . (٩) ١٤٢ أحداث سنة ٧١٩هـ وفي هذا الشهر درَّس بالخاتونية البرَّانية القاضي بدر الدين بن الفُوَيْرةُ(١) الحنفي، وعمره خمسٌ وعشرون سنة ، عوضاً عن القاضي شمس الدين محمد قاضي مَلَطْيَةَ الذي توفي(٢). وفي يوم السبت خامس رمضان وصل إلى دمشق سيلٌ عظيم أتلف شيئاً كثيراً ، وارتفع حتى دخل من باب الفرج ، ووصل إلى العُقَيْبة، وانزعج النَّاسُ له ، وانتقلوا من أماكنهم ، ولم تطل مدته لأنَّ أصلَه كان مطراً وقع بأرض آبل السوق(٣) والحُسَيْنيّةُ(٤). وفي هذا اليوم باشر طرقشي شدَّ الدواوين بعد موت جمال الدين الرحبي، وباشر ولاية المدينة صَارم الدين الجُوكَنْدَار(٥)، وخُلع عليهما. ولمّا كان يومُ الثُّلاثاء التاسع والعشرين من رمضانَ اجتمع القضاةُ وأعيان الفقهاء عند نائب السَّلطنة بدار السعادة وقُرىء عليهم كتابٌ من السلطان يتضمّن منعَ الشيخ تقي الدين بن تيمية من الفُتْيا بمسألة الطلاق ، وانفصل المجلس على تأكيد المنع من ذلك . وفي يوم الجمعة تاسع شوال خطب القاضي صدر الدين الدَّاراني(٦) عِوَضاً عن بدر الدين بن ناصر الدين بن عبد السلام(٧)، بجامع جَرَّاح، وكان فيه خطيباً قبله فتولَاه بدرُ الدين حسن العَقْرَباني واستمر ولدُه في خطابة داريا التي كانت بيد أبيه من بعده . وفي يوم السبت عاشره خرج الرَّكب وأميرُهم عز الدين أَيْبَكُ المنصوري أمير علم . وحجَّ فيها صدر الدين قاضي القضاة الحنفي ، وبرهانُ الدين بن عبد الحق ، وشرف الدين ابن تيمية ، ونجم الدين الدمشقي وهو قاضي الركب ، ورضي الدين المنطيقي ، وشمس الدين بن الزريز(٨) خطيب جامع القُبَيْبَات ، وعبد الله بن رشيق المالكي وغيرهم . وفيها حج سُلطان الإسلام الملك الناصر محمد بن قلاوون ومعه جمع کثیر من الأمراء ، وو کیلہ کریم الدين وفخر الدين كاتب المماليك(٩) ، وكاتب السر ابن الأثير ، وقاضي القضاة ابن جماعة ، وصاحب (١) في أوط : نويره وأثبتنا ما في ب وهو كذلك في الدارس (١/ ٥٠٦) وقيده ابن ناصر الدين في ترجمة والده من توضيح المشتبه ٧/ ١٣١ . توفي سنة (٧٣٥هـ). الدرر الكامنة (٢٨٣/٤). (٢) سقط من أوط وهو في ب قوله : وكان قد أخذت له من قاضي القضاة صدر الدين علي البصروي . في ط : وابل السوق وهو تحريف . وهو قرية ذكرها ياقوت أنها من قرى غوطة دمشق من ناحية الوادي . (٣) (٤) قرية معروفة في سوق وادي بردى . هو إبراهيم بن قراسنقر الجوكندار . توفي سنة (٧٢٣هـ) كما سيأتي. (٥) في ب : بجامع العقيبة . ويسمى جامع التوبة . (٦) في ب: وكان قبله يخطب بجامع جراح، وجامع جراح بمحلة سوق الغنم. الدارس (٢/ ٤٢٠) . (٧) في أ : الوزير وقد سبق الكلام فيه . (٨) ستأتي ترجمته في وفيات سنة ٦٣٢ من هذا الكتاب . (٩) ١٤٣ وفيات سنة ٧١٩هـ حماة الملك عماد الدين، والصاحب شمس الدين غبريال، في خدمة السُّلطان وكان في خدمته خلقٌ كثير من الأعيان . وفيها كانت وقعة عظيمةٌ بين التَّنَار بسبب أنّ ملكهم بُوسعيد(١) كان قد ضاق ذرعاً بجُوْبَان وعجز عن مسكه، فانتدب له جماعةً من الأمراء عن أمره ، منهم أبو يحيى خال أبيه ، ودُقْمَاق وقرمشي (٢) ، وغيرهم من أكابر الدولة ، وأرادوا كبسَ جُوْبان ، فهرب وجاء إلى السلطان فأنهى إليه ما كان منهم ، وفي صحبته الوزير علي شاه ، ولم يزل بالسُّلطان حتى رضي عن جُوْبان وأمدَّه بجيش كثيف ، وركب السلطان معه أيضاً والتقوا مع أولئك فكسروهم وأسروهم ، وتحكم فيهم جوبان فقتل منهم إلى آخر هذه السنة نحواً من أربعين أميرا٣ً) . الشيخ المقرىء شهاب الدين(٤): أبو عبد الله الحسين(٥) بن سليمان بن فزارة٦) بن بدر الكَفْري الحنفي ، ولد تقريباً في سنة سبع وثلاثين وستمئة. وسمع الحديث وقرأ بنفسه كتاب ((الترمذي))، وقرأ القراءات ، وتفرَّد بها مدَّةً يشتغل الناسُ عليه، وجمع عليه السَّبعَ أكثرُ من عشرين طالباً ، وكان يعرف النَّحو والأدبَ وفنوناً كثيرة وكانت مجالسته حسنة ، وله فوائد كثيرة، درَّس بالطَّرْخَانيَّةُ(٧) أكثر من أربعين سنة ، وناب في الحكم عن الأذرعي مدَّة ولايته ، وكان خيّراً مباركاً أضرّ في آخر عمره ، وانقطع في بيته ، مواظباً على التّلاوة والذّكر وإقراء القرآن إلى أن توفي ثالثَ عشَر جمادى الأولى، وصُلّي عليه بعد الظهر يومئذ بجامع دمشق ، ودفن بقاسيون(٨) رحمه الله . وفي هذا الشهر جاء الخبرُ بموت (٩) : الشيخ الإمام تاج الدّينُ(١٠) : عبد الرحمن بن محمد بن أبي حامد التبريزي الشّافعي المعروف بالأَفْضَلي ، بعد رجوعه من الحج ببغدادَ في العشر الأول من صفر ، وكان صالحاً فقيهاً مباركاً ، وكان في أ ، ط : أبا سعيد ، وقد صحح من قبل . (١) في أ، ط ، ب: قرشي. وهو تحريف. وأثبتنا ما في الدرر الكامنة (٢٤٨/٣). (٢) (٣) الدرر الكامنة (١/ ٥٤١) . ترجمته في معجم شيوخ الذهبي ١ / ٢١٥، والوافي ١٢ / ٣٧٧، الدرر الكامنة (٥٦/٢) والشذرات (٦/ ٥١). (٤) (٥) في ط : الحسن . في ط : خزارة وأ : قرارة . (٦) تعرف بدار طرخان وهي قبلي المدرسة الباذرائية . الدارس (١/ ٥٤٢). (٧) في ب : عند والده . (٨) في ب : بوفاة . (٩) (١٠) ترجمته في الدرر الكامنة (٣٤١/٢ -٣٤٢) والشذرات (٤٩/٦) وفيه: وفاته في شهر رمضان. ١٤٤ وفيات سنة ٧١٩هـ ينكر على رشيد الدولة (١) ويحطّ عليه، ولما قُتل قال: كان قَتْلُه أنفعَ من قتل مئة ألف نصراني ، وكان رشيد الدولة يريد أن يترضَّاه فلا يقبل ، وكان لا يقبل من أحد شيئاً ، ولما توفي دفن بتربة الشونيزية(٢)، وكان قد قارب الستّین رحمه الله . محيي الدّين محمد بن مفضّل بن فضل الله المصري(٣): كاتبُ ملك الأمراء(٤) ، ومستوفي الأوقاف ، كان مشكورَ السّيرة محبباً للعلماء والصلحاء ، فيه كرم وخدمة كثيرة للناس ، توفي في رابعٍ عِشْرين من جمادى الأولى ودفن بتربة بني هلال(٥) بسفح قاسيون وله ستٌّ وأربعونَ سنة ، وباشر بعده في وظيفته أمينُ الدِّين بن النحاس . الأمير الكبير غرلُو بن عبد الله العادلي(٦): كان من أكابر الدَّولة ومن الأمراء المقدَّمين الألوف ، وقد نابَ بدمشقَ عن أستاذه الملك العادل كَتْبُغَا نحواً من ثلاثة أشهر في سنة خمس وتسعين (٧) وستمئة ، وأول سنة ست وتسعين ، واستمر أميراً كبيراً إلى أن توفي في سابع جُمادى الأولى يوم الخميس ، ودفن بتربته(٨) بشمالي جامع المظفَّري بقاسيون ، وكان شهماً شجاعاً ناصحاً للإسلام وأهله ، مات في عَشْر الستين . الأمير جمال الدين أَقُوش (٩): الرحبيُ(١٠) المنصوريُ(١١)، والي دمشق مدة طويلة ، كان أصله من قرى إِزبل(١٢) ، وكان نصرانياً فسبي وبيع من نائب الرحبة ، ثم انتقل إلى الملك المنصور فأعتقه وأمَّره ، (١) وزير التتر . وقد سبق الكلام عليه. هي مقبرة ببغداد بالجانب الغربي . ياقوت . قلت : هي المعروفة اليوم بمقبرة الشيخ معروف نسبة إلى دفينها الشيخ (٢) معروف الكرخي . ترجمته في الدرر الكامنة (٤/ ٢٦١) . (٣) (٤) يعني : تنكز . (٥) في ط : ابن هلال .. ترجمته في الدرر الكامنة (٢١٨/٣) وفيه: غرلو، بالغين ثم الراء، والنجوم الزاهرة : (٢٤٥/٩) وفيه: إغزلو . (٦) والدارس (٢/ ٢٧٠) وفيه: غرلو. وشذرات الذهب (٥٢/٦) وفيه: عزلو بالعين ثم الزاي. (٧) في ط : سبعين . يعني : التربة الغرلية . الدارس (٢/ ٢٧٠) أما في منادمة الأطلال (ص ٣٤٤) و (ص٣٤٦) فقد وردت مرتين الأولى (٨) التربة العزلية ، والثانية التربة الغزلية . (٩) ترجمته في الدرر الكامنة (١/ ٤٠٠) وفيه: آقش المنصوري الرحبي. (١٠) الرحبي نسبة إلى الرَّحبة لأنه بيع لنائبها . (١١) المنصوري نسبة إلى الملك المنصور قلاوون لأنه كان من مماليكه . (١٢) في ب : من قرية من قرى إربل ، وهي المعروفة اليوم بأربيل في شمال العراق. ١٤٥ وفيات سنة ٧١٩هـ وتولَّى الولاية بدمشقَ نحواً من إحدى عَشْرَةَ سنةً ثم انتقل إلى شدّ الدواوين [ مدة }١) أربعة أشهر قبل وفاته ، وكانت وفاته ليلة الخميس حادي عِشْري جمادى الآخرة ودفن بمقابر الصوفية ٢) ، وكان محبوباً إلى العامة مدة ولايته . الخطيبُ صلاح الدين (٣) يوسف بن محمد بن عبد اللطيف بن المُغيزل(٤) الحموي : ، له تصانيفُ وفوائدُ ، وكان خطيب جامع الُّوق الأسفل بحماة ، وسمع من ابن طَبَرْزَد ، توفي في جمادى الآخرة . العلامة فخر الدين أبو عَمْرو: عثمانُ(٥) بن علي بن يحيى بن هبة الله بن إبراهيم بن المسلم بن علي الأنصاري الشافعي المعروف بابن بنت أبي سَعْد المصريّ ، سمع الحديثَ وكان من بقايا العلماء ، وناب في الحكم بالقاهرة ، وولَّ مكانَه في ميعاد جامع طولون الشيخ علاء الدين القُونوي شيخ الشيوخ ، وفي ميعاد الجامع الأزهر شمس الدين بن علاَّن . كانت وفاته ليلةَ الأحد الرابع والعشرين من جمادى الآخرة ، ودفن بمصر وله من العمر تسعون(٦) سنة . الشَّيخ الصّالح العابد(٧): أبو الفتح نصر بن سليمان بن عمر المنبجي(٨) له زاوية بالحُسَينيّةُ(٩) يزارُ فيها ، ولا يخرج منها إلا إلى الجمعة ، سمع الحديث(١٠) ، توفي يوم الثلاثاء بعد العصر السادس والعشرين من جمادى الآخرة ودفن من الغد بزاويته المذكورة رحمه الله . الشيخ الصّالح المعمَّر الرّحلة : عيسى بن عبد الرحمن بن معالي بن أحمد بن إسماعيل بن عطّاف بن مبارك بن علي بن أبي الجيش المقدسي الصالح المطعِّمُ(١١)، راوي (( صحيح البخاري)) (١) زيادة من ط . (٢) ليست في ط . ترجمته في الدرر الكامنة (٤ /٤٦٩ - ٤٧٠). (٣) (٤) في ط : المعتزل . ترجمته في الدرر الكامنة (٤٤٦/٢) وفيه وفاته سنة (٧١٧هـ) النجوم الزاهرة (٩/ ٢٤٧). (٥) (٦) في ط : سبعون . ترجمته في الدرر الكامنة (٣٩٢/٤) والنجوم الزاهرة (٢٤٤/٩) والدارس (٣٠٥/١) وشذرات الذهب (٥٢/٦). (٧) (٨) في ط : الكبجي . (٩) ذكرها المقريزي في الخطط (٤٣٢/٢) وقال: هي زاوية خارج باب النصر من القاهرة. (١٠) سمعه بحلب أولا على إبراهيم بن خليل، ثم في مصر على الكمال الضرير والكمال بن فارس . (١١) ترجمته في الدرر الكامنة (٢٠٤/٣) وفيه وفاته سنة (٧١٧هـ) والدارس (٥٤/١ _ ٥٥) وفيه: الدلال والشذرات (٥٢/٦). ((والمطعِّم)»: لأنه كان يطعِّمُ الأشجار، وذهب إلى بغداد وطعَّم بستان المستعصم، أمّا الدلال فلأنه كان يُسَمْسِرُ في الدُّور . ١٤٦ أحداث سنة ٧٢٠هـ وغيره، وقد سمع الكثير عن مشايخ عدَّة، وترجمه الشيخ علم الدين البِرْزالي في ((تاريخه)). توفي ليلة السبت رابعَ عَشَرَ ذي الحجّة ، وصُلّي عليه بعد الظهر من اليوم المذكور بالجامع المظفّري ، ودفن بالساحة بالقُرب من تربة المُوَلَّهين ، وله أربعٌ وتسعون١ٌ) سنةً . رحمه الله تعالى. ثم دخلت سنة عشرين وسبعمئة استهلّت [وحكام البلاد]٢) هم المذكورون في التي قبلها ، وكان السُّلطان في هذه السنة في الحجّ ، وعاد إلى القاهرة يوم السبت ثانيْ عَشَرَ المحرّم ، ودُقت البشائر . ورجع الصاحب شمس الدين(٣) على طريق الشام وصحبتُه الأمير ناصر الدين الخازِنْدار(٤). وعاد صاحبُ حماة مع السلطان إلى القاهرة ، وأنعم عليه السلطان ولُقِّب بالملك المُؤَيَّد ، ورُسم أن يُخطب له على منابرها وأعمالها ، وأن يخاطب(٥) بالمقام العالي المولوي السلطاني الملكي المؤيدي ، على ما كان عليه عمُّه المنصور(٦) . وفيها عمر ابن المرجاني شهاب الدين (٧) مسجدَ الخَيْف (٨)، وأنفقَ عليه نحواً من عشرين ألفاً. وفي المحرَّم استقال أمين الملك(٩) من نظر طرائُلُس وأقام بالقدس . وفي آخر صفر باشر نيابة الحكم المالكي القاضي شمس الدين محمد بن أحمد القَفْصيّ ، وكان قد قدم مع قاضي القضاة شرف الدينُ(١٠) من مصر . (١) في أ: أربع وستون. وفي ط: أربع وسبعون. وهو تحريف. وأثبتنا ما في ب ومصادر ترجمته. لأنّ ولادته في سنة (٦٢٦ هـ) . كما جاء فيها . (٢) ليست في ب والذي فيه : والخليفة المستكفي وسلطان الإسلام الملك الناصر بن المنصور قلاوون والنواب والقضاة والمباشرون . (٣) (٤) شمس الدين غبريال عبد الله بن صنيعة ناظر دواوين دمشق . في ب : وكان قد وصل المدينة النبويّة ليلقى السلطان . (٥) في ط : يخطب . وهو تحريف . (٦) الدرر الكامنة (١/ ٣٧١). (٧) محمد بن أحمد بن عمر المرجاني ، سيأتي في وفيات سنة (٧٥٩هـ) . (٨) الذي في منى، الدارس (٢/ ٤٤٢). (٩) في أوط : الدين . وأثبتنا ما في ب . وقد مضى الكلام فيه . (١٠) هو: محمد بن قاضي القضاة معين الدين أبي بكر بن ظاهر الهمذاني النويري ، وسيأتي في وفيات سنة (٧٤٨هـ) وقد قدم معه القفصي المذكور سنة (٧١٩هـ) نائباً له. الدارس (١٦/٢). ١٤٧ أحداث سنة ٧٢٠هـ وفي يوم الإثنين الخامس والعشرين من ربيع الأول ضُربت عنقُ شخص يقال له: عبد الله الرُّوميُ(١) وكان غلاماً لبعض التجّار ، وكان قد لزم الجامع ، ثم ادّعى النبوة واستُتيب فلم يرجع فضربت عنقه ، وكان أشقَر أزرقَ العينين جاهلاً ، وكان قد خالطه شيطانٌ حسّن له ذلك ، واضطرب عقله في نفس الأمر وهو في نفسه شيطان إنسي . وفي يوم الإثنين ثاني ربيع الآخر عُقِدَ عَقْدُ السلطان على المرأة التي قدمت من بلاد القبجاق ، وهي من بنات الملوك (٢) . وخلع على القاضي بدر الدين ابن جماعة وكاتب السر وكريم الدّين وجماعة الأمراء . ووصلت العساكر في هذا الشهر إلى بلاد سيس وغرق في نهر جاهات(٣) من عساكر طرابلس نحو من ألف فارس . وجاءت مراسيم السلطان في هذا الشهر(٤) إلى الشَّام في الاحتياط على أخبار آل مهنا وإخراجهم من بلاد الإسلام ، وذلك لغضب السلطان عليهم لعدم قدوم والدهم مهنًّا على السُّلطان . وفي يوم الأربعاء رابع عِشْري جمادى الأولى درَّس بالرُكنيةُ(٥) الشيخ محيي الدين الأسمر الحنفي(٦) وأُخذت منه الجَوْهريةُ(٧) لشمس الدين الرَّقِّي الأعرجُ(٨)، وتدريس جامع القلعة لعماد الدين بن محيي الدين الطرَسوسي(٩) ، الذي ولي قضاء الحنفية بعد هذا، وأخذ من الرَّقي إمامة مسجد نور الدين بحارة اليهود لعماد الدين بن الكيَّالُ(١٠)، وإمامة الربوة الشيخ محمد النَّصيبيّ(١١). وفي جمادى الآخرة اجتمعت الجيوش الإسلامية بأرض حلبَ نحواً من عشرين ألفاً ، عليهم كلهم ويقال له : الأزرق، وهو مولى التاجي. ذيول العبر: (ص١٠٩) ومرآة الجنان (٢٥٩/٤). (١) (٢) هي أخت أزبك . ذيول العبر (ص١٠٩) . هو نهر جيحان . تقویم البلدان (ص ٥٠) . (٣) (٤) في ط : اليوم . المدرسة الركنية الحنفية البرانية : بناها ركن الدين منكورس المتوفي سنة (٦٣١هـ). الدارس (٤٩٩/١، ٥٢٠). (٥) (٦) هو: يحيى بن سليمان الرومي. مات سنة (٧٢٨هـ). الدرر الكامنة (٤١٦/٤). والدارس (٤٩٩/١). (٧) شرقي تربة أم الصالح ، داخل دمشق بحارة بلاطة . الدارس (٤٩٨/١). في ط : البرقي. وهو تحريف . وهو محمد بن أحمد علي الرقي الأعرج. مات سنة (٧٤٢هـ). الدرر الكامنة (٨) (٣٤١/٣) والدارس (٥٢٠/١) و (٢٩٨/٢). (٩) هو: علي بن أحمد بن عبد الواحد بن عبد المنعم الطرسوسي. مات سنة (٧٤٨هـ). الدارس (١/ ٥٢١). (١٠) الدارس (١/ ٥٢١). (١١) في أوط : الصبيبي. وأثبتنا ما في الدارس. ١٤٨ أحداث سنة ٧٢٠هـ نائبُ حلب أَلْطَنْبُغَا وفيهم نائب طرابُلُس شهاب الدين قَرَطَايُ(١) فدخلوا بلاد الأزمن من إِسكندرية ففتحوا الثَّغْر ثم تل حمدان ثم خاضوا جاهان فغرق منهم جماعة ثمَّ سلَّم الله ، ثمَّ وصلوا إلى سيس فحاصروها وضيَّقوا على أهلها وأحرقوا دار المُلْك التي في البلد ، وقطعوا أشجار البساتين وساقوا الأبقار والجواميس والأغنام وكذلك فعلوا بطَرَسُوس ، وخرّبوا الضياع والأماكن وأحرقوا الزُّروع ثم رجعوا فخاضوا النهر المذكور فلم يغرق منهم أحد ، وأخرجوا بعد رجوعهم مهنًّا وأولاده من بلاده، وساقوا خلفه إلى عانة(٢) وحديثة(٣) ثم بلغ الجيشَ موتُ صاحب سيس وقيام ولده من بعده ، فشنُّوا الغارات على بلاده وتابعوها وغنموا وأسروا إلَّ في المرة الرابعة فإنه قُتِل منهم جماعة . وفي هذه٤) السنة كانت وقعة عظيمة ببلاد المغرب بين المسلمين والفرنج فنصر الله المسلمين على أعدائهم فقتلوا منهم خمسين ألفاً وأسروا خمسة آلاف ، وكان من جملة القتلى خمسة وعشرون ملكاً من ملوك الإفرنج ، وغنموا شيئاً كثيراً من الأموال ، يقال : كان من جملة ما غنموا سبعون قنطاراً من الذَّهب والفضة ، وإنما كان جيش الإسلام يومئذ ألفين وخمسمئة فارس غير الرُّماة ، ولم يُقْتل منهم سوى أحَدَ عشرَ قتيلاً ، وهذا من غريب ما وقع وعجيب ما سُمع(٥) وفي يوم الخميس ثاني عِشْري رجب عقد مجلس بدار السعادة للشيخ تقي الدين بن تيمية بحضرة نائب السلطنة، واجتمع(٦) فيه القضاة والمفتون من المذاهب ، وحضر الشيخ وعاتبوه على العَوْدِ إلى الإفتاء بمسألة الطَّلاق ، ثم حبس في القلعة [ فبقي فيها خمسة أشهر وثمانية عشر يوماً ، ثم ورد مرسوم من السلطان بإخراجه يوم الإثنين يوم عاشوراء من سنة إحدى وعشرين كما سيأتي إن شاء الله تعالى (٧) وبعد ذلك بأربعة أيام أضيف شدُّ الأوقاف إلى الأمير علاء الدين بن سعد(٨) إلى ما بيده من ولاية البر وعُزل بدر الدّين المنكورسي عن الشَّد(٩) (١) في أ: قرطية . وفي ط : قرطبة وأثبتنا ما في ب ، وكذلك هو في الدرر الكامنة (٢٤٨/٣) وهو قراطاي الأشرفي الجوكنداري ، عمل حاجباً في حلب ، ثم ناب في طرابلس وكان من الأبطال مات سنة (٧٣٧هـ). (٢) في ط: ((غانة)) بالنون، وهو : بلد مشهور بين الرَّقة وهيت قائمة إلى اليوم على الفرات غربي العراق. (٣) حديثة النورة وبها قلعة حصينة ، وهي قرب عانة . ياقوت . في ب : أوائل . وقد ذكر الذهبيُّ في الذيول (ص١٠٤) وتاريخ دول الإسلام: (١٧٣/٢) أنها وقعت في سنة (٤) (٧١٩هـ) . الإحاطة في أخبار غرناطة (١/ ٣٩٧) . (٥) في ط : حضر . (٦) (٧) ليست في ب . في أوط وب معبد. وهو تحريف . وهو علي بن محمود بن إسماعيل بن سعد البعلبكي . وقد مضى الكلام فيه في (٨) أحداث سنة (٧١٨هـ) . (٩) في ط : الشام . ١٤٩ أحداث سنة ٧٢٠هـ وفي آخر شعبان مسك الأمير علم الدّين الجَاؤْلي نائبُ غزّة وحُمل إلى الإسكندرية لأنه اتّهم أنه يريد الدخول إلى بلاد (١) اليمن، واحتيط على حواصله وأمواله ، وكان له بر وإحسان وأوقاف ، وقد بنى بغزَّة جامعاً حسناً مليحاً . وفي هذا الشهر أراق ملك التتر أبو سعيد الخُمورَ وأبطل الحانات ، وأظهر العدل والإحسان إلى الرعايا، وذلك أنّه أصابَهم بردٌ عظيم وجاءهم سيل هائل فلجؤوا إلى الله عزّ وجلّ، وابتهلوا إليه فسلِمُوا فتابوا وأنابوا وعملوا الخير عَقِيْب ذلك . وفي العشر الأول من شوال جرى الماء بالنَّهر الكريمي الذي اشتراه كريم الدّين بخمسة وأربعين ألفاً وأجراه في جدول إلى جامعه بالقُبَيْبَات فعاش به الناس ، وحصل به أُنسرٌ إلى أهل تلك الناحية ، ونصبت عليه الأشجار والبساتين ، وعمل حوضٌ كبير تجاه الجامع من الغرب يشربُ منه الناس والدواب ، وهو حوض كبير وعُمل مطهرة ، وحصل بذلك نفع كثير ، ورفق زائد أثابه الله . وخرج الرَّكب في حادي عشرَ شوال وأميره الملك صلاح الدين بن الأَوْحد ، وفيه زين الدين كَتْبُغَا الحاجب (٢)، وكمال الدين الزَّمْلَكاني والقاضي شمس الدين بن العز(٣)، وقاضي حماة شرف الدين البارزي (٤) ، وقطب الدين ابن شيخ السلامية ، وبدر الدين بن العطار ، وعلاء الدين بن غانم ، ونور الدين السَّخاوي ، وهو قاضي الرّكب . ومن المصريين قاضي الحنفية ابن الحريري ، وقاضي الحنابلة ومجد الدين حرمي والشرف عيسى المالكي ، وهو قاضي الركب . وفيه كَمُلَت عِمارة الحمَّام الذي عَمَرَهُ أَلْجِيْيُغَا٥) غربي دار المطعم ودخله النَّاس . وفي أواخر ذي الحِجَّة وصل إلى دمشقَ من عند ملك التتر الخواجه مجد الدين إسماعيل بن محمد بن ياقوت السلامي (٦)، وفي صحبته هدايا وتُحف لصاحب مصرَ من ملك التتر، وَاشْتُهِرَ أنّه إنّما جاء ليُصلح بين المسلمين والتتر ، فتلقاه الجند والدولة ، ونزل بدار السعادة يوماً واحداً ، ثم سار إلى مصر . وفيها وقف النَّاسُ بعرفات موقفاً عظيماً لم يعهد مثله، أتوه من جميع أقطار الأرض، وكان من العراقيين محامل كثيرة منها محملٌ قُوِّم ما عليه من الذّهب واللآلىء بألف ألف دينار مصرية ، وهذا أمر عجيب . (١) في ط : دار . (٢) سيأتي في وفيات (٧٢١هـ) . في ط : ابن المعز . وهو تحريف . وسيأتي في وفيات سنة (٧٢٢هـ) . (٣) في ط: ((البازري)) تصحيف، وما أثبتناه هو الصواب، وستأتي ترجمته في وفيات سنة ٧٣٨ من هذا الكتاب . (٤) سيأتي في وفيات سنة (٧٥٤هـ) . (٥) (٦) هو ابن تاجر الخاص في الرقيق مات سنة (٧٤٣هـ). الدرر الكامنة (١/ ٣٨١). ١٥٠ وفيات سنة ٧٢٠هـ - أحداث سنة ٧٢١هـ وممَّن توفي فيها من الأعيان : الشَّيخ إبراهيم الدِّهِستاني(١): وكان قد أسنَّ وعُمِّرَ ، وكان يذكر أن عمره حين أخذت التتر بغداد أربعين سنة ، وكان يحضر الجمعة هو وأصحابه تحت قبة النَّسر ، إلى أن توفي ليلة الجمعة السابع والعشرين من ربيع الآخر بزاويته (٢) التي عند سوق الخيل بدمشقَ ، ودفن بها وله من العمر مئة وأربع سنين ، كما قال ، فالله أعلم . الشيخ محمَّد بن محمود بن علي : الشخَّام المقرىء شيخ ميعاد ابن عامر (٣) ، كان شيخاً حسناً بهياً مواظباً على تلاوة القرآن إلى أن توفي في ليلة توفي الدهستاني المذكور أو قبله بليلة رحمهما الله . الشيخ شمس الدين ابن الصَّائغ اللُّغوي(٤): هو أبو عبد الله محمد بن حسن(٥) بن سِبَاع بن أبي بكر الجُذَامي المصري الأصل ، ثم انتقل إلى دمشق ، ولد تقريباً سنة خمس وأربعين وستمئة بمصرَ ، وسمع الحديث وكان أديباً فاضلاً بارعاً بالنظم والنثر ، وعلم العروض والبديع والنّحو واللغة ، وقد اختصر ((صحاح الجوهري))، وشرح ((مقصورة ابن دريد))، وله قصيدة تائية تشتمل على ألفي بيت فأكثر ، ذكر فيها العلوم والصنائع ، وكان حسنَ الأخلاق لطيفَ المحاورة والمحاضرة ، وكان يسكن بين درب الحبالين والفرَّاش عند بستان القط توفي بداره يوم الإثنين ثالث شعبان ودفن بباب الصغير . ثم دخلت سنة إحدى وعشرين وسبعمئة استهلَّت وحكام البلاد هم المذكورون في التي قبلها ، وفي أوّل يوم منها فُتْح حمَّامُ الزَّيت الذي في رأس درب الحجر ، جدَّد عمارته رجلٌ سامري(٦) بعد ما كان قد درس ودثر من زمان الخُوارزمية من نحو ثمانين سنة ، وهو حمام جيد متسع . وفي سادس المحرَّم وصلت هديّةٌ من ملك التتار أبي سعيد إلى السلطان ، صناديق وتُحف ورقيق (٧) . ترجمته في : الدارس (١/ ٢٠٠) . هو منسوب إلى دِهِسْتان . بلد معروف قرب خوارزم وجرجان ، ياقوت. (١) (٢) الزاوية الدَّهِسْتانية . الدارس (٢٠٠/٢) ومنادمة الأطلال (ص٣٠٤). (٣) هو عبد الله بن عامر أبو عمران ويقال أبو عامر اليحصبي، قارىء أهل الشام توفي سنة (١١٨ هـ) مختصر تاريخ دمشق لابن منظور (٢٩١/١٢). (٤) ترجمته في فوات الوفيات (٣٢٦/٣) وفيه وفاته سنة (٧٢٢هـ). والذيول (ص١١٤) وبغية الوعاه (١/ ٨٤) وفيه وفاته سنة (٧٢٥ هـ) في شهر شعبان وهو توهم . (٥) في ط : حسين . (٦) في ط : ساوي . (٧) في أ: (( دقيق )) ولا معنى لها ، وماهنا من ط . ١٥١ أحداث سنة ٧٢١هـ وفي يوم عاشوراء خرج الشيخ تقيُّ الدين بن تيمية من القلعة بمرسوم السُّلطان وتوجه إلى داره ، وكانت مدة إقامته خمسة أشهر وثمانية عشر يوماً رحمه الله . وفي رابع ربيع الآخر وصل إلى دمشق القاضي كريم الدين وكيل السلطان فنزل بدار السعادة ، وقدم قاضي القضاة تقيُّ الدين بنُ عوض الحاكم الحنبلي بمصرَ وهو ناظر الخزانة أيضاً، فنزل بالعادلية الكبيرة (١) التي للشافعية ، فأقام بها أياماً ، ثم توجه إلى مصر : جاء في بعض أشغال السلطان وزار القدس . وفي هذا الشهر كان السلطان قد حفر بركة قريباً من المَيْدان ، وكان في جوارها كنيسة فأمر الوالي بهدمها ، فلما هدمت تسلّط الحرافيشُ وغيرهم على الكنائس بمصرَ يهدمون ما قدروا عليه ، فانزعج السلطان من ذلك (٢) وسأل القضاةَ: ماذا يجب على من تعاطى ذلك منهم؟ فقالوا: يعزَّرُ ، فأخرج جماعة من السجون ممَّن وجبَ عليه قتل(٣) فقطع وصلب وحرم وخزم وعاقب ، موهماً أنه إنّما عاقب من تَعَاطى تخريب ذلك ، فسكن الناس وأمنت النصارى وظهروا بعد ما كانوا قد اختفوا أياماً . وفيه ثارت الحرامية ببغداد ونهبوا سوقَ الثُّلاثاء وقت الظهر ، فثار النَّاس وراءهم وقتلوا منهم قريباً من مئة وأسروا آخرين . قال الشيخ علَم الدين البِرْزالي ومن خطِّه نقلتُ : وفي يوم الأربعاء السادس من جمادى الأولى خرج القضاة والأعيان والمفتون إلى القابون ، ووقفوا على قِبلة الجامع الذي أمر ببنائه القاضي کریم الدين وكيل السلطان بالمكان المذكور ، وحرَّروا قبلَته ، واتّفقوا على أن تكون مثل قِبلة جامع دمشق . وفيه وقعت مراجعة بين(٤) الأمير جُوبال(٥) أحد المقدَّمين الكبار بدمشق ، وبين نائب السلطنة تَنْكِز ، فمسك جوبان ورفع إلى القلعة ليلتين ، ثم حُوّل إلى القاهرة فعوتب في ذلك ، ثم أعطي خبزاً يليق به . وذكر علم الدين أن في هذا اليوم وقع حريق عظيم في القاهرة في الدور الحسنة والأماكن المليحة المرتفعة ، وبعض المساجد ، وحصل للناس مشقة عظيمة من ذلك ، وقنتوا في الصلوات، ثم كشفوا عن القضية فإذا هو من قبل النصارى بسبب ما كان أُخرب (٦) من كنائسهم وهدم، فقتل السُّلطان بعضَهم وألزم النصارى أن يلبسوا الزُّرقة على رؤوسهم وثيابهم كلها ، وأن يحملوا الأجراس في (١) داخل دمشق، شمالي الجامع بغرب، وتجاه باب الظاهرية يفصل بينهما الطريق، الدارس (٣٥٩/١) قلت: وكانت تتخذ مبنى للمجمع العلمي العربي إلى عهد قريب . (٢) في ط : لذلك . (٣) في ط : قتله . (٤) في ط : من . هو : جوبان المنصوري . ومات سنة (٧٢٨هـ) . (٥) في ط : أحرق . وأثبتنا ما في ب لأنه الأصوب . (٦) ١٥٢ أحداث سنة ٧٢١هـ الحمامات ، وأن لا يُستخدموا في شيء من الجهات ، فسكن الأمر وبَطَل الحريق(١). وفي جمادى الآخرة خرَّب ملك التتار أبو سعيد البَازَار(٢) وزوَّج الخواطىء وأراق الخمور ، وعاقب في ذلك أشد العقوبة ، وفرح المسلمون بذلك ودعَوا له رحمه الله وسامحه . وفي الثالث عشر من جمادى الآخرة أُقيمت الجمعة بمسجد القصب(٣) وخطب به الشّيخ علي المناخي . وفي يوم الخميس تاسعَ عشرَ جمادى الآخرة فُتح الحمّام الذي أنشأه تَنْكِز تجاه جامعه ، وأُکري في كل يوم بأربعين درهماً لحسنه وكثرة ضوئه ورخامه . وفي يوم السبت تاسعَ عشرَ رجب خربت كنيسة القرائيين التي تجاه حارة اليهود بعد إثبات كونها محدثة [ عند الحكام (٤) وجاءت المراسيم السلطانية بذلك . وفي أواخر رجب نفذت الهدايا من السلطان إلى أبي سعيد ملك التتار ، صحبة الخواجا مجد الدين السلامي ، وفيها خمسون جملاً وخيول وحمار عتابي . وفي منتصف رمضانَ أُقيمت الجمعة بالجامع الكريمي بالقابون [ وخطب فيه الفقيه جمال الدين عبد الوهاب التركماني الحنفي إمام القابون }(٥) وشهدها يومئذ القُضَاة والصَّاحب وجماعةٌ من الأعيان . قال الشيخ علم الدين : وقدم دمشق الإمام قوام الدين كاتب ابن الأمير عمر بن العميد القازاني(٦) ، مدرّس مشهد الإمام أبي حنيفة ببغداد ، في أول رمضان وقد حج في هذه السنة وتوجه إلى مصر وأقام بها أشهراً ثم مر بدمشق متوجهاً إلى بغداد فنزل بالخاتونية الحنفية ، وهو ذو فنون وبحث وأدب وفقه . وخرج الرَّكب الشامي يوم الإثنين عاشر شوال وأميره شمس الدين حمزة التركماني (٧)، وقاضيه نجم الدين الدمشقي(٨). وفيها حجَّ تَنْكِزُ نائب الشام وفي صحبته جماعةٌ من أهله ، وقدم من مصر (١) الذيول (ص١١٦) والنجوم الزاهرة (٩/ ٦٣). يعني : بازار الفاحشة . . الذيول (ص١١٦). (٢) ويعرف بمسجد السادات . الدارس (٤٣٠/٢). (٣) (٤) زيادة من ب . (٥) زيادة من ب ، الدارس (٥٠٦/١) . في ط : الشيخ قوام الدين أمير كاتب ابن الأمير العميد عمر الأكفاني القازاني . (٦) والأتقاني : نسبة إلى بلدة اتقان. الدرر الكامنة (٤١٤/١). مات سنة (٧٥٨هـ) . (٧) هو حمزة بن شريك التركماني، مات سنة (٧٣٣هـ) الدرر الكامنة (٧٦/٢). (٨) هو: أحمد بن عبد المحسن بن حسن بن معالي. سيأتي في وفيات (٧٢٦هـ). ١٥٣ أحداث سنة ٧٢١ هـ الأمير ركن الدين بيبرس الحاجب لينوب عنه إلى أن يرجع، فنزل بالنَّجيبية البرَّانية (١). وممَّن حج فيها الخطيب جلال الدين القَزْويني ، وعز الدين حمزة بن القلانسي ، وابن العز شمس الدين الحنفي ، وجلال الدين بن حسام الدين الحنفي، وبهاء الدين بن عليمة (٢) ، وعلم الدين البِرْزالي . ودرَّس ابنُ جماعة بزاوية الشّافعي يوم الأربعاء ثامنَ عشرَ شوال عوضاً عن شهاب الدين أحمد بن محمد الأنصاري(٣) لسوء تصرفه ، وخُلع على ابن جماعة ، وحضر عنده من الأعيان والعامة ما يُشَابِهُ جميعُه الجُمُعة (٤) ، وأشعلت له شموع كثيرة وفرح الناس بزوال المعزول . قال البِرْزالي ومن خطَّه نقلت : وفي يوم الأحد سادسَ عشرَ شوال ذكر الدَّرس الإمامُ العلاَّمة تقي الدين السبكي المحدث بالمدرسة الهَكَّاريّةُ(٥) عوضاً عن ابن الأنصاري أيضاً ، وحضر عنده جماعة منهم القُونوي ، وروى في الدّرس حديث المتبايعين بالخِيَار(٦) ، عن قاضي القضاة ابن جماعة . وفي شوال عزل علاء الدين بن سعد عن ولاية البرّ، وشدّ الأوقاف ، وتولّى ولاية الولاة بالبلاد القِبلية بحوران عوضاً عن بَكْتَمُر لسفره إلى الحجاز ، وباشر أخوه بدر الدّين شدَّ الأوقاف ، والأمير علم الدين الطرقشي ولاية البر مع شد الدواوين ، وتوجَّه ابنُ الأنصاري إلى حلب متولياً وكالة بيت المال عوضاً عن تاج(١) الدين أخي شرف الدين يعقوب(٨) ناظر حلب، بحكم ولاية التَّاج المذكور نظر الكَرَك. وفي يوم عيد الفطر ركب الأمير تَمُرتاش بن جُوبالُ(٩) نائب أبي سعيد على بلاد الروم قيسارية في جيش كثيف من التَّار والتُّركمان والقرمان ، فدخل بلادَ سيس فقتل وسبى وحرق وخرب ، وكان قد أرسل لنائب حلب ألْطَنْبُغَا لِيجهّزَ ليكونَ عوناً له على ذلك، فلم يمْكِنْه [ أن يرسل إليه ١٦) ذلك بغير مرسوم السُّلطان . (١) لصيق المدرسة النورية وضريح نور الدين الشهيد من جهة الشمال. الدارس (١/ ٤٦٨). (٢) في ط : علية . سيأتي في وفيات سنة (٧٤٩هـ) . (٣) في ط : ما نشأ به جمعية الجمعة . وهو تحريف . (٤) (٥) بمصر . عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، عن رسول الله وَ لو أنه قال: ((إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ، (٦) ما لم يتفرّقا وكانا جميعاً ... )) الحديث. رواه البخاري رقم (٢١١٢) في البيوع، باب: إذا خَيّر أحدهما صاحبه بعد البيع فقد وجب البيع . ومسلم أيضاً رقم (١٥٣١) (٤٤) في البيوع ، باب : ثبوت خيار المجلس للمتبايعين . ورواه أيضاً ابن ماجه رقم (٢١٨١) في التجارات، باب : البيّعان بالخيار ما لم يتفرقا . (٧) في ط : ناصر . وهو توهم . (٨) يعقوب بن عبد الكريم ، سيأتي في وفيات سنة (٧٢٩هـ) . (٩) ناب عن أبي سعيد في الحكم في بلاد الروم . وقتل سنة (٧٢٨هـ) كما سيأتي . (١٠) زيادة من ب . ١٥٤ وفيات سنة ٧٢١هـ وممن توفي فيها من الأعيان : الشيخ الصالح المقرىء (١): بقية السّلف عفيفُ الدين أبو محمد عبد الله بن عبد الحق بن عبد الله بن عبد الأحد(٢) بن علي القرشي المخزومي الدِّلاصِيّ(٣) شيخُ الحرم بمكّة ، أقام فيه أزيد من ستِّين سنة ، يُقرىء النَّاسَ القرآن احتساباً ، وكانت وفاته ليلة الجمعة الرابع عشر من محرم بمكة ، وله أزيد من تسعين سنة رحمه الله . الشيخ الفاضل شمس الدين أبو عبد الله(٤) : محمد بن أبي بكر بن أبي القاسم الهمداني ، أبوه الصَّالحي المعروف بالسَّكاكيني ، ولد سنة خمس وثلاثين وستمئة بالصالحية ، وقرأ بالروايات ، واشتغل في مقدمة في النحو ، ونظم قوياً، وسمع الحديث، وخرّج له ابن الفخر(٥) البعلبكي جزءاً عن شيوخه ، ثم دخل في التشتُّع فقرأ على أبي صالح الحلبي (٦) شيخ الشيعة، وصحب [ ابن ]٧) عدنان وقرّاً عليه أولاده، وطلبه أمير المدينة النبوية الأمير منصور بن جماز(٨) فأقام عنده نحواً من سبع سنين ، ثم عاد إلى دمشق وقد ضَعُف وثقل سمعه ، وله سؤال في الخبر أجابه به الشيخ تقي الدين بن تيمية ، وكل فيه عنه غيره ، وظهر له بعد موته كتاب فيه انتصارٌ لليهود وأهل الأديان الفاسدة ٩) فغسله تقي الدين السُّبكي لما قدم دمشق قاضياً ، وكان بخطه ، ولمَّا مات لم يشهد جنازته القاضي شمس الدين بن مسلمٌ (١) . توفي يوم الجمعة سادس عشر صفر ، ودفن بسفح قاسيون ، وقُتل ابنه فيما بعد١١) على قذفه أمهات المؤمنين عائشة وغيرها رضي الله عنهنَّ وقبّح قاذفهُنّ . وفي يوم الجُمعة مستهل رمضان صلّي بدمشق على غائبين وهم : ترجمته في الدرر الكامنة (٢٦٥/٢ - ٥٦٦) والنجوم الزاهرة (٢٥١/٩) والدليل الشافي (٣٨٦/١). (١) (٢) في أوط : الواحد . وأثبتنا ما في ب والمصادر السابقة . ((الدِّلاصي)»: نسبة إلى دلاص وهي كورة بصعيد مصر على غربي النيل . ياقوت . (٣) ترجمته في الوافي بالوفيات (٢٦٥/٢) والذيل للذهبي (ص ١١٧) والدرر الكامنة (٣/ ٤١٠) والشذرات (٥٥/٦). (٤) (٥) في ط : الفخر ابن ، وهو توهم، وابن الفخر هو : محمد بن عبد الرحمن بن يوسف البعلبكي مات سنة (٦٩٩ هـ) . في أو ط: الحلي وهو تحريف، وينظر ذيل الذهبي ١١٧، والوافي ٢٦٦/٢ . (٦) (٧) زيادة في ب . في ط : حماد . (٨) (٩) هو: الطرائف في معرفة الطوائف. الدرر الكامنة (٤١٠/٣). (١٠) هو محمد بن مسلم بن مالك بن مزروع المِزّي قاضي الحنابلة ، سيأتي في وفيات سنة (٧٢٦هـ). (١١) في أ: ابنه فيها وفي ط: ابنه فيماز، وكلاهما توهم، وأثبتنا ما في ب. وسيأتي في سنة (٧٤٤هـ). ١٥٥ وفيات سنة ٧٢١هـ الشيخ نجم الدين عبد الله بن محمد الأصبهاني (١): توفي بمكة . وعلى جماعة توفوا بالمدينة النّبويّة ، منهم : أبو (٢) عبد الله بن أبي القاسم بن فرحون : مدرس المالكية بها . والشيخ يحيى الكردي (٣) والشيخ حُسَيْن المغربي السقا٤) الشيخ الإمام العالم علاء الدين(٥) : علي بن سعيد بن سالم الأنصاري ، إمام مشهد علي من جامع دمشق ، كان بشوشَ الوجه متواضعاً حسنَ الصَّوت بالقراءة ملازماً لإقراء الكتاب العزيز بالجامع ، وكان يَؤُمُّ نائبَ السَّلطنة، وهو والد العلامة بهاء الدين محمد بن علي (٦) مدرّس الأمينية، ومحتِسب دمشقَ. توفي لیلة الإثنین رابع رمضانَ ودفن بسفح قاسيون . الأميرُ حاجب الحجاب(٧) : زين الدين كَتْبُغَا المنصوريّ ، حاجبُ دمشق ، كان من خيار الأمراء وأكثرهم بِراً للفقراء والمساكينُ(٨) يحب الختم والمواعيد والموالد، وسماع الحديث ، ويلزم أهلَه ويُحسن إليهم ، [ وكان ملازماً لشيخنا أبي العباس بن تيمية كثيرًا﴾٩) ، وكان يحُ ويتصدَّق ، توفي يوم الجمعة آخر النهار ثامن عشريُ(١٠) شوال ، ودُفن من الغد بتربته قبلي القُبَيْبَات، وشهده خلقٌ كثير وأَثْنَوْا عليه . رحمه الله . (١) ترجمته في الذيل (ص١١٨ - ١١٩) والدرر الكامنة (٣٠٢/٢) والنجوم الزاهرة (٢٥١/٩) والشذرات (٥٥/٦) وفيها جميعاً ما معناه : تعانى التصوف ، وصحب المرسي تلميذ الشاذلي ، رحل إلى مكة فأقام بضعاً وعشرين سنة ولم يتفق له زيارة المدينة . (٢) ليست في ط. وهو والد الشيخ عبد الله بن أبي القاسم بن فرحون المتوفّى سنة (٧٦٩هـ) في المدينة المنورة. الدرر الكامنة (٣٠٠/٢) . لم أقع على ترجمة له . (٣) لم أقع على ترجمة له . (٤) ترجمته في الدرر الكامنة (٥١/٣) والدارس (٣٩٨/٢). (٥) (٦) المعروف بابن إمام المشهد . توفي سنة (٧٥٢هـ) الدرر الكامنة (٦٥/٤). ترجمته في الذيل: (ص ١٢٠) والدرر الكامنة (٢٦٤/٣) والدارس (٢٦١/٢) . (٧) (٨) ليست في ط . (٩) ليست في ب . (١٠) في ط : عشر. ١٥٦ أحداث سنة ٧٢٢هـ [ وفيها كانت وفاة ]١): الشيخ بهاء الدين بن المقدسي(٢) . الشيخ سعد الدّين أبو زكريا يحيى المقدسي(٣): والد الشيخ شمس الدين محمد بن سعد المحدِّث المشهور(٤) . وسيف الدّين النَّاسخ(٥) : المُنادي على الكتب . والشيخ أحمد الحَزام(٦): المقرىء على الجنائز، وكان يكرر على (( التنبيه))، ويسأل عن أشياء منها ما هو حسن ومنها ما ليس بحسن . ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين وسبعمئة استهلَّت وأرباب الولايات هم المذكورون في التي قبلها ، سوى والي البر بدمشقَ فإنه علم الدين طرقشي ، وقد صرف ابن سعد إلى ولاية حَوْران لشهامته وصرامته وديانته وأمانته . وفي المحرَّم حصلت زلزلة عظيمة بدمشق ، وقى اللّه شرَّها . وقدم تَنْكِزُ من الحجاز ليلة الثلاثاء حاديْ عَشَرَ المحرَّم ، وكانت مدة غيبته ثلاثة أشهر ، وقدم ليلاً لئلاً يتكلَّف أحدٌ لقدومه، وسافر نائبُ الغيبة (٧) عنه قبله بيومين لئلا يكلِّفه بهدية ولا غيرها . وقدم مُغْلَطَاي عبد الواحد الجمدار أحد الأمراء بمصرَ بخلعة سنّة من الشُّلطان لِتَنْكِزَ فلبسها وقبَلَ العتبة على العادة . وفي يوم الأربعاء سادس صفر درَّس الشيخ نجم الدين القَحْفازيُ(٨) بالظّاهرية للحنفية ٩) ، وهو (١) زيادة في ب . لم أقع على ترجمة له . (٢) ترجمته في الذيل (ص١٢١) وفيه: مات بالصالحية عن تسعين سنة وتسعة أشهر والدرر الكامنة (٤٢٦/٤). (٣) (٤) هو محمد بن يحيى بن سعد ، سيأتي في وفيات سنة (٧٥٩هـ) . (٥) لم أقع على ترجمة له . (٦) لم أقع على ترجمة له . (٧) هو ركن الدين بيبرس الحاجب . في ط : القفجازي . وهو تحريف سبق الكلام فيه . (٨) هي الظاهرية الجوانيّة البيبرسية . وهي نفسها التي للشافعية . منادمة الأطلال (ص ١٨١). (٩) ١٥٧ أحداث سنة ٧٢٢هـ خطيب جامع تَنْكِز، وحضر عنده القضاة والأعيان، ودرَّس في قوله تعالى: ﴿﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ اُلْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا ﴾ [النساء: ٥٨]. وذلك بعد وفاة القاضي شمس الدين بن العز الحنفي ، توفي مرجعَه من الحجاز ، وتولّى بعده نيابة القضاء عماد الدّين الطَّرَسُوسي (١)، وهو زوج ابنته، وكان ينوب عنه في حال غيبته ، فاستمرَّ بعده ، ثم ولّي الحكم بعده ، مستنيبه فيها . وفيه قدم الخُوارزمي حاجباً عوضاً عن كَتْبُغَا . وفي ربيع الأول قدم إلى دمشق الشيخ قوام الدين مسعود بن الشيخ برهان الدين محمد ابن الشيخ شرف الدين محمد الكرماني الحنفي، فنزل بالقصَّاعين، وتردّد إليه الطلبة ودخل إلى نائب السَّلطنة واجتمع به وهو شاب مولده سنة إحدى وسبعمئة(٢) وقد اجتمعت به ، وكان عنده مشاركة في الفروع والأصول ودعواه أوسع من محصوله، وكانت لأبيه وجدِّه مصنَّفات، ثم صار بعد مدة إلى مصر ومات بها كما سيأتي. وفي ربيع الأول تكامل فتحُ آياس(٣) ومعاملتها وانتزاعُها من أيدي الأرمن، وأخذ البرج الأطلس ، بينه وبينها في البحر رميةٌ ونصف ، فأخذه المسلمون بإذن الله وخَرَبوه ، [ وكانت أبوابه مطليَّةً بالحديد والرصاص (٤) ، وعرضُ سوره ثلاثةَ عشرَ ذراعاً بالنجار ، وغنم المسلمون غنائم كثيرة جداً ، وحاصروا كواره(٥) فقوي عليهم الحرُّ والذُّباب ، فرسم السُّلطان بعودهم ، فحرقوا ما كان معهم من المجانيق وأخذوا حديدَها وأقبلوا سالمين غانمين ، وكان معهم خلق كثير من المتطوّعين . وفي يوم الخميس الثالث والعشرين من جمادى الأولى كَمُل بسطُ داخل الجامع فاتَّسع على الناس ، ولكن حصل حرج بحمل الأمتعة على خلاف العادة ، فإن الناس كانوا يمرون وسط الرواقات ويخرجون من باب البرادة ، ومن شاء استمرّ يمشي إلى الباب الآخر بنعليه ، ولم يكن مَمْنوعاً سوى المقصورة لا يمكن أحد الدخول إليها بالمداسات ، بخلاف باقي الرواقات ، فأمر نائب السلطنة بتكميل بسطه بإشارة ناظره ابن مراجل(٦) . هو : علي بن أحمد بن عبد الواحد بن عبد المنعم. مات سنة (٧٤٨هـ). الدرر الكامنة (١٨/٣). (١) في ط : وسبعين. وهو توهم، وفي الدرر الكامنة (٣٥١/٤) مولده سنة (٦٦٤ هـ) وهذا بعيد. (٢) (٣) أياس وآياس . بلد للأرمن وهي فرضة تلك البلاد . التاج (أيس) . (٤) ليست في ب ، وفيه : فإذا حجارته مكلبة بالحديد والرصاص . وهو أنسب . (٥) لعلّه أراد سفن المُؤن. قال في التاج ( كور): الكار : سفن منحدرةٌ فيها طعام في موضع واحد . قال بشار: أوهو اسم موضع . (٦) جاء الخبر في الدارس (٣٩٦/٢) وفيه حدوثه سنة (٧٣٢هـ) وهو توهم . ١٥٨ وفيات سنة ٧٢٢هـ وفي جمادى الآخرة رجعت العساكر من بلاد سيس ومقدّمهم أقوش نائب الكَرَك . وفي آخر رجب باشر القاضي محيي الدين(١) إسماعيل بن جهبل نيابة الحكم عن ابن صَصْرَى عوضاً عن الداراني الجعفري ، واستغنى الداراني بخطبة جامع العُقَيبة عنها . وفي ثالث رجب ركب نائب السلطنة إلى خدمة السلطان فأكرمه وخلع عليه ، وعاد في أول شعبان ففرح به الناس . وفي رجب كمُلت عمارة الحمام الذي بناه الأمير علاء الدين بن صُبح جوار داره شمالي الشامية البرَّانية . وفي يوم الإثنين تاسع شعبانَ عقد الأمير سيف الدين أبو بكر بن أَرْغُون نائب السَّلطنة عقده على ابنة الناصر ، وختن في هذا اليوم جماعة من أولاد الأمراء بين يديه ، ومَدَّ سماطاً عظيماً، ونُثرت الفضةُ على رؤوس المطهّرين ، وكان يوماً مشهوداً ، ورسم السلطان في هذا اليوم وضع المَكْسَ عن المأكولات بمكة ، وعوَّض صاحبها عن ذلك بإقطاع في بلد الصعيد(٢). وفي أواخر رمضان كَمُلت عمارة الحمَّام الذي بناه بهاء الدين بن عليمة(٣) بزقاق الماضية(٤) من قاسيون بالقرب من سكنه ، وانتفع به أهل تلك الناحية ومن جاورهم . وخرج الركب الشامي يوم الخميس ثامن شوال وأميره سيف الدين بلبطي نائبُ الرَّحبة ، وكان سكنه داخل باب الجابية بدرب ابن صَبْرة ، وقاضيه شمس الدين بن النقيب(٥) قاضي حمص . وممّن توفي فيها من الأعيان : القاضي شمس الدين بن العز الحنفي(٦) : أبو عبد الله محمد بن الشيخ شرف الدين أبي البركات محمد بن الشيخ عز الدين أبي العز صالح بن أبي العز بن وهيب (٧) بن عطاء بن جبير بن كاين بن وهيب الأذرعي الحنفي ، أحد مشايخ الحنفية وأئمتهم وفضلائهم في فنون من العلوم متعددة . حكم نيابة نحواً من عشرين سنة ، وكان سديد الأحكام محمود السيرة جيد الطريقة كريم الأخلاق ، (١) في ط : محي الدين بن إسماعيل . وهو غلط. (٢) النجوم الزاهرة (٩/ ٧٤) . (٣) في ط : عليم . في ط : الماجية . وهو توهم . (٤) هو : محمد بن أبي بكر بن إبراهيم ولي قضاء حمص سنة (٧١٨هـ). مات سنة (٧٤٥هـ) . كما سيأتي . (٥) ترجمته في الدرر الكامنة (٢٤٦/٤) والنجوم الزاهرة (٢٥٤/٩) والدارس (٥٤٧/١) والشذرات (٥٨/٦). (٦) في الدرر : وهب . (٧) ١٥٩ وفيات سنة ٧٢٢هـ كثير البر والصلة والإحسان إلى أصحابه وغيرهم ، وخطب في جامع الأفْرم مدّةً ، وهو أول من خطب به ، ودرَّس بالمُعظّمية(١) واليَغْموريّةُ(٢) والقَلِيْجيّةُ(٣) والظاهرية ، وكان ناظر أوقافها ، وأذن للنّاس بالإفتاء ، وكان كبيراً معظّماً مهيباً . توفي بعد مرجعه من الحجِّ بأيام قلائل ، يوم الخميس سلخ المحرم ، وصُلّي عليه يومئذ بعد الظهر بجامع الأَفْرم ودُفن عند المُعَظّمية عند أقاربه ، وكانت جنازته حافلةً ، وشهد له النَّاسُ بالخير وغبطوه لهذه الموتة رحمه الله . ودرس بعده في الظاهرية نجم الدين القحفازي(٤) ، وفي المُعَظّمية والقَلِيْجية والخطابة بالأفرم ابنه علاء الدين(٥) ، وباشر بعده نيابةَ الحكم القاضي عماد الدين الطَّرَسُوسي ، مدرّسُ القلعة. الشيخ الامام(٦) العالم أبو إسحاق (٧) : بقية السَّلف رضي الدين أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن محمد بن إبراهيم الطََّري المكّيّ الشافعي ، إمام المقام أكثر من خمسين سنة ، سمع الحديث من شيوخ بلده والواردين إليها ولم يكن له رحلة ، وكان يفتي الناس من مدة طويلة ، ويذكر أنه اختصر (( شرح السنة )) للبغوي . توفي يوم السبت بعد الظهر ثامن ربيع الأول بمكَّة ، ودُفن من الغد ، وكان من أئمة المشايخ . شيخنا الزاهد الورع(٨): بقية السَّلف ركن الدين(٩) أبو يحيى زكريا بن يوسف بن سليمان بن حمَّاد البَجَليّ الشافعي، نائب الخطابة، ومدرّس الطَّيبيّة١٠ُ) والأَسَديّةُ(١١)، وله حلقة للإشغال (١٢) بالجامع ، يحضر بها عنده الطلبة ، كان يشغل في الفرائض وغيرها ، مواظباً على ذلك . الدارس (٥٧٩/١) وهي بالصالحية بسفح قاسيون الغربي . (١) المصدر السابق . (١/ ٦٥٠) وهي الحنفية بالصالحية . (٢) المصدر السابق (١ / ٥٧١) وهي قبلي الجامع الأموي . (٣) (٤) في ط : القفجازي . هو علي بن محمد ، مات سنة (٧٤٦هـ) . (٥) (٦) في ب : الزاهد الورع . ترجمته في الذيل (ص١٢٤) والدرر الكامنة (٥٤/١ - ٥٥) والعقد الثمين (٢٤٠/٣) والنجوم الزاهرة (٢٥٥/٩) (٧) والشذرات (٥٦/٦) . (٨) ترجمته في الدرر الكامنة (١١٥/٢) والدارس (١٥٤/١ و ٣٣٧). (٩) في ب ، والدرر : زكي الدين . (١٠) الدارس (٣٧٧/١) وهي مدرسة قبلي النورية الحنفية وشرقي تربة زوجة تنكز . (١١) المصدر السابق (١/ ١٥٢) وهي مدرسة بالشرف القبلي ظاهر دمشق مطلة على الميدان الأخضر. (١٢) وقع في بعض النسخ: ((الاشتغال)) وهو خطأ، فالإشغال هو التدريس ، والاشتغال : طلب العلم. ١٦٠ وفيات سنة ٧٢٢هـ توفي يوم الخميس الثالث والعشرين من جمادى الأولى عن سبع وستين سنة(١) ودفن قريباً من شيخه تاج الدّين الفزاري (٢) رحمهما الله. نصير الدّين (٣): أبو محمد عبد الله بن وجيه الدين أبي عبد الله محمد بن علي بن(٤) علي بن محمد بن علي بن أبي طالب بن سويد بن معالي بن محمد بن أبي بكر الربعي التغلبي التكريتي أحد صدور دمشق ، قدم أبو(٥) قبله إليها وعظُم في أيام الظّاهر وقبله ، وكان مولده في حدود خمسين وستمئة ، ولهم الأموال الكثيرة والنعمة الباذخة . توفي يوم الخميس عشرين رجب ، ودفن بتربتهم(٦) بسفح قاسيون رحمه الله . وفي يوم الأحد حادي عشر شوال توفي : شمس الدين محمد بن المغربي(٧) : التاجر السفَّار ، باني خان الصَّنَمَيْنُ(٨) الذي على جادة الطريق للسَّبيل - رحمه الله وتقبّل منه -، وهو في أحسن الأماكن وأنفعها . الشيخ الجليل الزاهد(٩) نجم الدينُ(١٠): أبو عبد الله الحسين بن محمد بن إسماعيل القرشي(١١) المعروف بابن عبو(١٢) المصري ، كانت له وجاهة وإقدام على الدولة . توفي بكْرة الجمعة ثالث عشري شوال ، ودفن بزاويته ، وقام بعده فيها ابن أخيه [ شمس الدين محمد بن الحسن ]١٣) . الشيخ الفقيه محيي الدين أبو الهدى (١٤) : أحمد بن الشيخ شهاب الدين أبي في ط : سبعين ، وفي الدرر : عن اثنتين وسبعين ، وهو الأرجح لأن ولادته كما جاء فيه سنة (٦٥٠هـ) . (١) هو : عبد الرحمن بن إبراهيم بن سباع الفركاح الفزاري. مات سنة (٦٩٠هـ). فوات الوفيات (٢٦٣/٢). (٢) (٣) ترجمته في الذيل (ص ١٢٥) والدرر الكامنة (٢/ ٣٠٠) والشذرات (٦/ ٥٧). (٤) ليست في ط . وجيه الدين محمد بن علي. ذكره ابن كثير في وفيات سنة (٦٧٠ هـ). والدارس (٢/ ١٩٣). (٥) في الرباط التكريتي بالقرب من الرباط الناصري بقاسيون. الدارس (١٩٣/٢). (٦) لم أقع على ترجمة له . (٧) بلد معروف من حوران . ياقوت . (٨) (٩) ليست في ط . (١٠) ترجمته في الدرر الكامنة (٦٥/٢ -٦٦). (١١) في ب : القدسي. (١٢) في ط : عنقود. وهو تحريف. (١٣) ليست في ط . (١٤) لم أقع على ترجمة له .