النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ وفيات سنة ٧١٦هـ الشيخة الصالحةُ(١) : ستُّ النِّعمُ(٢) بنت عبد الرحمن بن علي بن عبدوس الحرَّانية، والدة الشيخ تقي الدين بن تيمية عُمِّرت فوقَ السبعين(٣) سنة، (٤) ولم تُرزق بنتاً قط . توفيت يوم الأربعاء العشرين من شوال ودفنت بالصُّوفية وحضرَ جنازتها خلقٌ كثير وجَمٌّ غفير . رحمها الله . الشيخ نجم الدين موسى بن علي بن محمد(٥): الحَلَبي(٦) ثم الدمشقيّ، الكاتب الفاضل المعروف بالبُصْبُص ، شيخ صناعة الكتابة في زمانه لا سيما في المَزْوجِ والمَثْلث ، وقد أقام يكتبُ النَّاسَ خمسينَ سنةً . وأنا ممَّن كتب عليه أثابه الله . وكان شيخاً حسناً بهي المنظر يُشعر جيد٧ً) . توفي يوم الثلاثاء عاشر ذي القعدة ودفن بمقابر الباب الصَّغير وله خمسٌ وستُّون سنةً . الشيخ تقي الدين الموصلي (٨): أبو بكر بن محمد (٩) بن أبي بكر بن أبي الكرم شيخ القراءة عند محراب الصحابة ، وشيخ ميعاد ابن عامر مدّة طويلة ، وقد انتفع الناس به نحواً من خمسين سنةً في التَّقين والقراءات ، وختَّم خلقاً كثيراً ، وكان يقصد لذلك ويجمع تصديقات يقولُها الصبيان ليالي ختمهم ، وقد سمع الحديث وكان خيراً ديناً . توفي ليلة الثلاثاء سابعَ عشَر ذي القعدة ، ودفن بباب الصّغير رحمه الله . الشيخ الصالح الزاهد المقرىء١٢): أبو عبد الله محمّد بن الخطيب سلامة بن سالم بن الحسن بن يَنْبُوب الماليني ، أحدُ الصُّلحاء المشهورين بجامع دمشقَ . سمع الحديثَ ، وأقرأَ النَّاسَ نحواً من خمسين سنة ، وكان يفصِّح الأولاد في الحروف الصَّعبة ، وكان مبتلىّ في فمه يحمل طاسة تحت فمه من كثرة ما يسيل منه من الرِّيال وغيره وقد جاوزَ الثَّمانين بأربع سنينَ . (١) ترجمتها في : العقود اللؤلؤية . لابن عبد الهادي . (٢) في ط : المنعم . (٣) في ب : التسعين . (٤) في ب : ولدت تسع بنين . ترجمته في الدرر الكامنة (٣٧٦/٤) والنجوم الزاهرة (٢٣٣/٩). (٥) (٦) في ط : الجيلي وهو تحريف . قال في الدرر : كان ينظم نظماً سافلا عريّاً عن الإعراب على طريقة الصُّوفية ، وكان مأموناً عفيفاً . (٧) لم أقع على ترجمة له . (٨) (٩) ليست في ط . (١٠) ترجمته في الدراس (٣٣٠/١). ١٢٢ وفيات سنة ٧١٦هـ توفيّ بالمدرسة الصَّارميَّةُ(١) يوم الأحد ثانيْ عِشْري (٢) ذي القعدة ودفن بباب الصغير بالقرب من القَنْدَلاوي ، وحضر جنازته خلق كثير جداً نحواً من عشرة آلاف رحمه الله تعالى . الشيخ الصَّدر بن الوكيل(٣): هو العلاَّمة أبو عبد الله محمد بن الشيخ الإمام مفتي المسلمين زين الدين عمر بن مكّي بن عبد الصَّمد المعروف بابن المُرَخِّل وبابن الوكيل شيخ الشَّافعيَّة في زمانه ، وأشهرهم في وقته بالفضيلة وكثرة الاشتغال والمطالعة والتَّحصيل والافتنان بالعلوم العديدة ، وقد أجاد معرفة المذهب والأَصْلين ، ولم يكن بالنحو بذاك القويّ ، [ وكان يقع منه اللَّحنُ الكثيرُ (٤) ، مع أنه قرأ فيه ((المفصَّل)) للزَّمخشري ، وكانت له محفوظات كثيرة . ولد في شوال سنة خمس وستين وستمئة ، وسمع الحديث على المشايخ من ذلك (( مسند أحمد » علي ابن علاّن، والكتب السنَّة، وقُرىء عليه قطعة كبيرة من (( صحيح مسلم )) بدار الحديث عن الأمينُ(٥) الإِربلي والعامريّ والمِزِّي، وكان يتكلّم على الحديث بكلام مجموع من علوم كثيرة ، من الطب والفلسفة وعلم الكلام - [ وليس ذلك بعلم أ) - وعلوم الأوائل ، وكان يكثر من ذلك ، وكان يقول الشِّعر جيداً ، وله ديوان مجموع [ مشتمل على أشياء لطيفة (٧) ، وكان له أصحابٌ يحسدونه ويحُّونه ، وآخرون يحسُدونه ويبغضُونَه ، وكانوا يتكلَّمون فيه بأشياء ويرمونه بالعظائم ، [ وقد كان مسرفاً على نفسه قد ألقى جِلْبابَ الحياء فيما يتعاطاه من القاذورات والفواحش (12) ، وكان ينصب العداوة للشّيخ ابن تيمية ويناظره في كثير من المحافل والمجالس ، وكان يعترف للشّيخ تقي الدين بالعلوم الباهرة ويُثني عليه ، ولكنه كان يجاحف(٩) عن مذهبه وناحيته وهواه ، وينافحُ عن طائفته . وقد كان شيخ الإسلام ابن تيمية يُثني عليه وعلى علومه وفضائله، ويشهد له بالإسلام إذا قيل له عن أفعاله وأعماله القبيحة، وكان يقول: كان مخلِّطاً على نفسه [متَبعاً مُراد الشيطان منه]١)، يميل إلى الشُّهرًا١) هي : داخل باب النصر والجابية ، قبلي العذراوية ، بانيها هو صارم الدين أزبك. الدارس (٣٢٦/١). (١) (٢) في ط : عشر . ترجمته في: فوات الوفيات (١٣/٤) والدرر الكامنة (١١٥/٤ - ١٢٣) والنجوم الزاهرة (٢٣٣/٩) والدارس (٣) (٢٧/١) وشذرات الذهب (٤٠/٦). (٤) ليست في ب . في ط : الأمير . (٥) ليست في ب . (٦) ليست في ب . (٧) ليست في ب . (٨) (٩) ((يجاحف)): يدافع، من جحفه برجله: رفسه بها حتى يرميّ به . القاموس (جحف). (١٠) ليست في ب . (١١) في ط: ((الشهوة)). ١٢٣ أحداث سنة ٧١٧هـ والمحاضرة ، ولم يكن كما يقول فيه بعض أصحابه ممَّن يحسده ويتكلّم فيه هذا أو ما هو في معناه . وقد درَّس بعدَّة مدارس بمصر والشام ، ودرَّس بدمشق بالشَّاميتَيّن والعَذْراوية ودار الحديث الأشرفية ، وولّي في وقت الخطابة [ أياماً يسيرة كما تقدَّم ، ثم قام الخلق عليه وأخرجوها من يده ، ولم يرقَ منبرها(١)، ثمّ خالطَ نائب السلطنة الأَفْرم فجرت له أمورٌ لا يمكن ذكرها ولا يُحسبْنَ [من القبائح (٢) ثم آل به الحال على أن عزم على الانتقال من دمشق إلى حلبَ لاستحواذه على قلب نائبها ، فأقامَ بها ودرَّس ، ثم تردّد في الرسلية بين السُّلطان ومهنَّا صحبةَ أرْغُون وَأَلْطَنْبُغَا، ثم استقرَّ به المنزل بمصرَ ودرَّس فيها بمشهد الحُسَين إلى أن توفي بها بكرة نهار الأربعاء رابع عشري ذي الحجة بداره قريباً من جامع الحاكم ، ودفن من يومه قريباً من الشيخ محمد بن أبي حمزة بتربة القاضي ناظر الجيش بالقَرَافة ، ولما بلغت وفاتُه دمشقَ صُلِّي عليه بجامعها صلاة الغائب بعد الجمعة ثالث المحرَّم من السنة الآتية ، ورثاهُ جماعة ، منهم ابن غانم علاء الدين، والقَحْفازي(٣) والصَّفدي لأنَّهم كانوا من عُشَرائه . وفي يوم عرفة توفي : الشَّيخُ عماد الدين إسماعيل الفوغي(٤): وكيل قَجْليس، وهو الذي بنى له البَاشُورة على باب الصَّغير بالبرَّانية الغربيّة ، وكانت فيه نهضة وكفاية ، وكان من بيت الرَّفض ، اتفق أنَّه استحضره نائبُ السَّلطنة فضربَه بين يديه ، وقام النائبُ إليه بنفسه فجعل يضربه بالمهاميز في وجهه فرُفع من بين يديه وهو تالفٌ فمات في يوم عرفة ، ودفن من يومِهِ بسفح قاسيون وله دار ظاهرَ باب الفراديس . ثم دخلت سنة سبع عشرة وسبعمئة استهلَّت والحكام(٥) هم المذكورُون في التي قبلها . وفي صفر شُرع في عمارة الجامع الذي أنشأَهُ ملك الأمراء تَنْكِز نائبُ الشَّام ظاهرَ باب النّصر تجاه حِكْر السماق، على نهر بانياس بدمشقَ، وتردَّدَ القُضَاءُ والعلماء في تحرير قبلته ، فاستقرَّ الحال في أمرها على ما قاله الشَّيخ تقي الدين بن تيمية في يوم الأحد الخامس والعشرين منه ، وشرعوا في بنائه بأمر السُّلطان ، ومساعدته لنائبه في ذلك(٦) . (١) ليست في ب. (٢) ليست في ب . في ط : القجقازي . وهو تحريف . (٣) (٤) ترجمته في الدرر الكامنة (٣٨٢/١) . والفوعي بالعين في أو ط ، وأثبتنا ما في الدرر. ليست في ب. وفيه : والخليفة المستكفى بالله ، وسلطان البلاد الملك الناصر محمد بن قلاوون ونوابه وقضاته ... (٥) (٦) الدرر (٥٢٢/١) والنجوم الزاهرة (٥٧/٩) والدارس (٤٢٥/٢) ومنادمة الأطلال (ص٣٦٩) وما زال قائماً عامراً إلى= ١٢٤ أحداث سنة ٧١٧هـ وفي صفرٍ هذا جاء سيل عظيم بمدينة بَعْلَبَك أهلك خلقاً كثيراً من النَّاس ، وخرّب دوراً وعمائر كثيرة ، وذلك في يوم الثلاثاء سابع وعشرين صفر . وملخّص ذلك أنَّه قبل ذلك جاءَهم رعدٌ وبرقٌ عظيم معهما بَردٌ ومطَر ، فسالت الأودية ، ثم جاءهم بعده سيلٌ هائلٌ خسف من سور البلد من جهة الشّمال شرق مقدار أربعين ذراعاً ، مع أن سمك الحائط خمسةُ أذرع، وحمل برجاً صحيحاً ومعه من جانبيه بدنتين(١) ، فحمله كما هو حتى مزَّ وحفر في الأرض نحو خمسمئة ذراع سعةً ثلاثين ذراعاً، وحمل السَّيل ذلك إلى غربيّ البلد ، لا يمر على شيء إلا أتلفه ، ودخل المدينة على حين غَفْلةٍ من أهلها ، فأتلف ما يزيد على ثلثها ، ودخل الجامع فارتفع فيه على قامة ونصف ، ثم قوي على حائطه الغربي فأخربه وأتلف جميع ما فيه من(٢) الحواصل والكتب والمصاحف وأَتلف شيئاً كثيراً من رباع(٣) الجامع ، وهلك تحت الهدم خلق كثير من الرجال والنساء والأطفال ، فإنا لله وإنا إليه راجعون . وغرق في الجامع الشَّيخ علي بن محمد بن الشيخ علي الحريري(٤) هو وجماعة معه من الفقراء ، ويقال : كان من جملة من هلك في هذه الكائنة من أهل بعلبك مئة وأربعة وأربعون نفساً سوى الغرباء ، وجملة الدور التي خرَّبها والحوانيت التي أَتلفها نحوٌ من ستمئة دار وحانوت ، وجملة البساتين التي جرف أشجارها عشرون بستاناً ، ومن الطّواحين ثمانية سوى الجامع والأَمْينيّة (٥) وأَما الأماكن التي دخلها وأتلف ما فيها ولم تخرب فكثير جداً . وفي هذه السنة زادَ النِّيل زيادة عظيمة لم يسمع بمثلها من مُدَد ، وغرَّق بلاداً كثيرة ، وهلك فيها ناسٌ كثير أيضاً، وغَرَّق مُنْيَةَ الشِّيْرِجُ(٦) فهلك للناس فيها شيء كثير ، فإنّا لله وإنا إليه راجعون . وفي مستهلّ ربيع الآخر جلس السُّلطان بوسعيد بن خَرْبَنْدا على تخت الملك بالمدينة السلطانية (٧) . وفي ربيع الآخر منها أغار جيش حلب على مدينة آمد فنهبوا وسَبَوْا وعادوا سالمين . الآن ، وفيه الثانوية الشرعية التي تديرها وزارة الأوقاف . = (١) في ط : مدينتين. (٢) ليست في ط . في ط : رباغ بالغين المعجمة . والرباع : الدَّور . (٣) ترجمته في الدرر الكامنة (١١٤/٣) وفيه: كان هو وأخوه يدخلان في أذيَّة الناس سنة قازان. (٤) (٥) مدرسة بعلبك . في أوط : السيرج بالسين ، وأثبتنا ما في ياقوت ، وهي : بلدة كبيرة طويلة ذات سوق بينها وبين القاهرة فرسخ أو (٦) أكثر . على طريق القاصد إلى الإسكندرية . (٧) ليست في ط. البدائع (٤٤٨/١). ١٢٥ أحداث سنة ٧١٧ هـ وفي يوم السبت تاسع وعشرين منه قدم قاضي المالكيَّة إلى الشَّام من مصرَ وهو الإمام العلامة فخر الدين أبو العباس أحمد بن سلامة بن (١) أحمد بن سلامة الإسكندري المالكي ، على قضاء دمشقَ عوضاً عن قاضي القضاة جمال الدين الزَّواوي لضعفه واشتداد مرضه ، فالتقاه القُضاةُ والأعيان ، وقُرىء تقليده بالجامع ثاني يوم وصوله ، وهو مؤرخ بثانيْ عشرَ الشهر ، وقدم نائبه الفقيه نور الدين السخاوي ودرَّس بالجامع في مستهلٌ(٢) جمادى الأولى ، وحضر عنده الأعيان ، وشُكرت فضائله وعلومُه ونزاهته وصرامته وديانته ، وبعد ذلك بتسعة أيام توفي الزَّواوي المعزول ، وقد باشر القضاءَ بدمشق ثلاثين سنة . وفيها أفرج عن الأمير سيف الدين بَهَادُراص من سِجْن الكَرَك، وحُمل إلى القاهرة ، وأكرمه السلطان، وكان سَجْنُه بها مطاوعةً لإشارةِ نائب الشّام بسبب ما كان وقع بينهما بمَلَطْيَةَ . وخرج المَحْمَلُ في يوم الخميس تاسع شوال ، وأمير الحج سيف الدين كُجْكُن(٣) المنصوري . وممَّن حج٤ّ) قاضي القضاة نجم الدين بن صَصْرى وابن أخيه شرف الدين ، وكمال الدين بن الشِّيرازي ، والقاضي جلال الدين الحنفي ، والشيخ شرف الدين بن تيمية ، وخلق . وفي سادس هذا الشهر درَّس بالجَاروخيةُ(٥) القاضي جمال(٦) الدين محمد بن الشيخ كمال الدين بن الشُّريشي بعد وفاة الشَّيخ شرف الدين بن سلام(٧) وحضر عنده الأعيان . وفي التاسعَ عشرَ منه درَّس ابن الزَّمْلَكاني بالعَذْراويّة عوضاً عن ابن سَلَام . وفيه درّس الشيخ شرف الدّين بن تيمية بالحَنْبليةُ(٨) عن إذن أخيه له بذلك بعد وفاة أخيهما لأُمِّهما بدر الدِّين قاسم بن محمد بن خالد ، ثم سافر الشَّيخ شرفُ الدين إلى الحجّ ، وحضر الشيخ تقي الدّين الدَّرَس بنفسه ، وحضر عنده خلقٌ كثير من الأعيان وغيرهم حتى عاد أخوه ، وبعد عوده أيضاً . وجاءت الأخبارُ بأنّه قد أُبطلت الخمور والفواحش كلُّها من بلاد السَّواحل وطرائُلُس وغيرها ، ووضعت مُكُوسٌ كثيرةٌ عن النَّاس هنالك، وبنيت بقرى النُّصَيريّة في كل قرية مسجد ، ولله الحمد والمنة . (٢) (١) في ط : أحمد بن سلامة بن أحمد بن أحمد بن سلامة. بزيادة أحمد وسيأتي في وفيات سنة (٧١٨هـ). ليست في ط ، وهي كذلك في الدارس (٦٦/٢) نقلا عن ابن كثير . في ط : كجكني وهو تحريف . وهو أحد الأمراء الكبار بدمشق. مات سنة (٧٣٩هـ) الدرر الكامنة (٢٦٥/٣). (٣) في ب : في هذه السنة . (٤) في ط : الجاروضية بالضاد . وهي : مدرسة داخل باب الفرج والفراديس ، لصيقة الإقبالية الحنفية ، شمالي (٥) الأموي والظاهرية الجوانية . الدارس (٢٢٥/١) . (٦) في ط : جلال . في ط : ابن أبي سلام . وهو توهم ، وسيأتي صحيحاً في الوفيات . (٧) (٨) المدرسة الحنبلية الشريفية عند القباقبية العتيقة. الدارس (٦٤/٢). ١٢٦ أحداث سنة ٧١٧هـ وفي بُكْرة نهار الثُّلاثاء الثامن والعشرين من شوّال وصل الشّيخ الإمام العلاَّمة شيخ الكتَّاب شهابُ الدّين محمود بن سليمان الحلبي على البريد من مصرَ إلى دمشقَ متولَّياً كتابةَ السرِّ بها ، عوضاً عن شرف الدين عبد الوهّاب بن فضل الله توفي إلى رحمة الله(١). وفي ذي القعدة يوم الأحد دُرِّسَ بالصَّمْصاميّة (٢) التي جُددت للمالكية ، وقد وقف عليها الصاحب شمس الدين بن غبريال درساً ، ودرَّس بها فقها٣ً) ، وعيّن تدريسها لنائب الحكم الفقيه نور الدين عليّ بن عبد النَّصير(٤) المالكي ، وحضر عنده القضاة والأعيان، وممَّن حضَر عنده الشيخ تقي الدين بن تيمية ، و کان یعرفه من إسكندريَّة . وفيه درس بالدّخْواريّةُ(٥) الشيخ جمال الدين محمد بن الشيخ شهاب الدين أحمد الكحّال ، ورُبِّب في رياسة الطبّ عوضاً عن أَمين الدين سُليمان الطبيب ، بمرسوم نائب السَّلطنة تَنْكِز ، واختاره لذلك. واتّفق أنّه في هذا الشهر تجمّع جماعةٌ من التجار بماردين وانضاف إليهم خَلقٌ من الجُفَّال من الغَلاءِ قاصدين بلاد الشام ، حتى إذا كانوا بمرحلَتَيْن من رأس العين لحقهم ستون فارساً من التَّار فمالوا عليهم بالنَّشَاب وقتلوهم عن آخرهم ، ولم يبق منهم سوى صبيانهم نحو سبعين صبيّاً ، فقالوا من يقتل هؤلاء؟ فقال واحد منهم : أنا بشرط أن تنفِّلوني بمال من الغنيمة ، فقتلهم كلهم عن آخرهم ، وكان جملة من قتل من التُّجَّار ستمئة ، ومن الجفلان ثلثمئة من المسلمين ، فإنا لله وإنا إليه راجعون . وردموا بهم خمس صهاريج هناك حتى امتلأت بهم رحمهم الله ، ولم يسلم من الجميع سوى رجلٍ واحدٍ تُرْكُماني ، هرب وجاء إلى رأس العين فأخبر الناس بما رأى وشاهد من هذا الأمر الفظيع المؤلم الوجيع ، فاجتهد مُتَسَلِّمُ ديار بكر سُوتاي(٦) في طلب أولئك السَّتر حتى أهلكهم عن آخرهم، ولم يبق سوى رجلين، لا جمعَ الله بهم شملاً ، ولا لقَّاهم مرحباً وسهلا ، ولا ردَّ عليهم يوم القيامة مالاً ولا أهلاً(٧) . آمين يا رب العالمين. (١) الدرر الكامنة (٣٢٤/٤) وفوات الوفيات (٨٢/٤) وسيأتي في وفيات سنة (٧٢٥هـ) . (٢) بمحلة حجر الذهب ، شرقي دار القرآن الوجيهية وبالقرب من المارستان النوري . وقد درست وصارت دوراً مع غيرها . منادمة الأطلال (ص٢٢٦) . (٣) في ط : فقهاء . (٤) في ط : البصير . وهو تحريف . وهي مدرسة بالصاغة العتيقة بقرب الخضراء ، قبلي جامع الأموي ، أنشأها المهذب والنخوار ووقفها على الأطباء . (٥) انظر الدارس (١٢٧/٢) ومنادمة الأطلال (ص٢٥٢). (٦) في ط وأ: سوياي. وأثبتنا ما في الدرر الكامنة (٢/ ١٧٨) وفيه: سوتاي التتري النوين الحاكم على ديار بكر. مات سنة (٧٣٢هـ)، وكذلك في الدليل الشافي (٣٢٨/١). (٧) في ط وأ العبارة مضطربة: ولم يبق منهم سوى رجلين ، لا جمع الله بهم شملاً، ولا بهم مرحباً ولا أهلاً . وأثبتنا ما في ب . ١٢٧ صفة خروج المهدي الضال بأرض جبلة صفة خروج المهدي الضال بأرض جبلة (١) وفي هذه السنة خرجت النُّصيريّة عن الطّاعة فأقاموا٢) من بينهم رجلاً سَمَّوْهُ محمد بن الحسن المهدي القائم بأمر الله، [ وتارة يدَّعي أنه عليٌّ بنُ أبي طالب فاطر السموات والأرض، تعالى الله عمّا يقولُون علوّاً كبيراً ]٣) وتارةً يدّعي أنَّه محمدٌ بن عبد الله صاحب البلاد، وصرّح بكفْر(٤) المسلمين ، وأنَّ النُّصيريّة على الحقِّ، واحتوى هذا الرجلُ على عقول كثير من كبار النُّصيرية الصُّلاَّل، وعيَّن لكل إنسان منهم تقدمةَ ألف، وبلاداً كثيرة ونيابات ، وحَمَلوا على مدينة جَبَلة فدخلوها وقتلوا خلقاً من أهلها ، وخرَجُوا منها يقولون : لا إله إلّا علي، ولا حجاب إلّا محمد، ولا باب إلّ سلمان. وسَبُّوا الشَّيْخين، فصاح أهل البلد وا إسلاماه ، واسلطاناه ، وا أميراه ، فلم يكن لهم يومئذ ناصر ولا منجد ، وجعلوا يبكون ويتضرّعون إلى الله عز وجل ، فجمع هذا الضَّالُّ تلك الأموال فقسمها على أصحابه وأتباعه قبّحهم الله أجمعين . وقال لهم : لم يبق للمسلمين ذكر ولا دولة ، ولو لم يبق معي سوى عشرة نفر لملكنا البلاد كلَّها . ونادى في تلك البلاد: إنَّ المقاسمة (٥) بالعُشْر لا غير، ليرغِّب الفلاحينُ(٦) فيه ، وأمر أصحابه بخراب المساجد واتّخاذها خَمَّارات ، وكانوا يقولون لمن أسروه من المسلمين . قل لا إله إلا علي ، واسجد لإلّهك المهدي ، الذي يُحيي ويُميت حتَّى يُحقن دَمُك ، ويكتب لك فرمان ، وتجهّزوا وعملوا أمراً عظيماً جداً، فجُرّدت إليهم العساكر فهزموهم وقتلوا منهم خلقاً كثيراً، وجماً غفيراً، وقُتِلَ المهديُّ الذي أضلَّهم، وهو يكون يوم القيامة مقدَّمَهم إلى عذاب السَّعير، كما قال تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَدِلُ فِ اَللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ قَرِيِدٍ ﴿ كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ ﴾(٧) [ الحج : ٣ - ٤ ] . وفيها حجَّ الأمير حسام الدين مُهَنَّا وولده سليمان في ستة آلاف، وأخوه محمد بن عيسى في أربعة آلاف، ولم يجتمع مُهَنَّا بأحدٍ من المصريين ولا الشَّاميين(٨)، وقد كان في المصريين فَجْليس وغيره والله أعلم . (١) الشذرات (٤٣/٦) وجبلة مدينة مشهورة على الساحل السُّوري. ويقال: فيها قبر إبراهيم بن أدهم. (٢) في ط : وكان . (٣) ما بين الحاصرتين زيادة من ط وب . وليست في أ. (٤) في ط : وخرج يكفر وهو تحريف . (٥) في ط : بالمقاسمة . ليست في ط . (٦) وفي (أ، ط): ذلك بما قدَّمت يداك الآية، حيث جعل هذا الكلام جزءاً من الآيتين السابقتين . وهذا توهم . (٧) (٨) إذ كان مهنا لا يزال عند النتر. ١٢٨ وفيات سنة ٧١٧هـ وممّن توفى فيها من الأعيان : الشيخ الصالح(١): أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الله(٢) كان فاضلاً، وكتب حسناً، نسخ ((التنبيه)(٣) و((العمدة)(٤) وغير ذلك، وكان النّاس ينتفعون به ويقابلون عليه ذلك ويصحّحون عليه ، ويجلسون إليه عند صندوق كان له في الجامع ، توفّ ليلة الإثنين سادسِ محرّم ودُفن بالصُّوفية ، وقد صحّحْتُ عليه في (( العُمْدة)) وغيره . الشيخ شهاب الدين الرومي(٥): أحمد بن محمد بن إبراهيم بن المراغي، درَّس بالمُعِيْنيّة(٦)، وأمّ بمحراب الحنفيّة بمَقْصورتهم الغربية إذ كان محرابهم هناك ، وتولّى مشيخة الخاتُونيّة ، وكان يؤُمّ بنائب السلطان الأَفْرم ، وكان يقرأ حسناً بصوت مليح، وكانت له مكانةٌ عنده ، وربما راح إليه الأَفْرم ماشياً حتى يدخل عليه زاويته التي أنشأها بالشرف (٧) الشمالي على الميدان الكبير ، ولما توفي بالمحرم ودفن بالصّوفية قام ولداه عماد الدين وشرف الدين بوظائفه . الشيخ الصَّالحِ العَدْل(٨) : فخر الدين عثمان بن أبي الوفاء بن نعمة الله الأعزازي ، كان ذا ثروة من المال ، كثيرَ المروءة والتلاوة ، أدّى الأمانة في ستِين ألف دينار وجواهر لا يعلمُ بها إلا الله عزَّ وجَلَّ ، بعد ما مات صاحبُها مجرّداً في الغَزَاة وهو عز الدين الجرّاحي نائبُ غَزَّة ، أودعه إياها فأَدَّاها إلى أهلها أثابَهُ الله . ولهذا لما مات يوم الثلاثاء الثالث والعشرين من ربيع الآخر حضر جنازته خلقٌ لا يعلمهم إلا الله تعالى ، حتى قيل : إنَّهم لم يجتمعوا في مثلها قبل ذلك ، ودفن بباب الصغير رحمه الله . قاضي القضاة٩) : جمال الدين أبو عبد الله محمد بن سليمان بن يوسف الزَّواوي قاضي المالكية بدمشق ، من سنة سبع وثمانين وستمئة ، قدم مصر من المغرب واشتغل بها ، وأخذ عن مشايخها ، منهم (١) لم أقع على ترجمة له . (٢) في ط : المنتزه . (٣) التنبيه في معرفة الأحكام ، لشرف الدين بن أبي عصرون ، عبد الله بن محمد بن هبة الله بن علي بن أبي عصرون مات سنة (٥٨٥هـ). وفيات الأعيان (٥٣/٣ - ٥٧) الدارس (٣٩٩/١). (٤) العمدة في الفقه لوجيه الدين بن المنجا . ترجمته في الدرر الكامنة (٢٤٢/١) والدارس (٥٩٠/١) و(١٤٥/٢). (٥) (٦) في ط : العينية ، والمعينية مدرسة للأحناف مقابل باب الفرج في الطريق الاخذ إلى باب المدرسة العصرونية الشافعية . منادمة الأطلال (ص ٢٠٣) . (٧) في ط : الشرق . (٨) لم أقع على ترجمة له . (٩) ترجمته في الدرر الكامنة (٤٤٨/٣) وفيه محمد بن سليمان بن سومر. والنجوم الزاهرة (٢٣٩/٩) وفيه : ابن سويد ، ونقله عن عقد الجمان والسلوك ، والدارس (١٢/٢) وفيه : ابن سوير. ١٢٩ وفيات سنة ٧١٧هـ الشيخ عز الدين بن عبد السّلام ، ثم قدم دمشقَ قاضياً في سنة سبع وثمانين وستمئة ، وكان مولده تقريباً في سنة تسع وعشرين وستمئة . وأقام شعار مذهب مالك وعمر الصَّمْصَاميَّة في أيامه وجدَّد عمارة النُّورِيَّهُ(١)، وحدَّث ((بصحيح مسلم)) و ((موطأ مالك)) عن يَحْيَى بن يَحْيَى(٢) عن مالك، وكتاب ((الشِّفَا)(٣) للقاضي عِيَاض(٤) ، وعزل قبل وفاته بعشرين يوماً عن القضاء ، وهذا من خيره حيث لم يمُت قاضياً ، توفي بالمدرسة الصَّمْصَامية يوم الخميس التاسع من جمادى الآخرة . وصُلِّ عليه بعد الجمعة ودفن بمقابر باب الصغير تجاه مسجد النارنج(٥) ، وحضر الناس جنازته وأثنَوْا عليه خيراً ، وقد جاوز الثمانين كمالك رحمه الله. ولم يبلغُ(٦) إلى سبعةَ عشرَ من عمره على مقتضى مذهبه أيضاً . القاضي الصَّدر الرَّئيس (٧) : رئيسُ الكتَّاب شرف الدين أبو محمد عبد الوهاب بن جمال الدين فضل الله بن مُجَلِّي (٨) القرشي العدويّ العُمَرِيُّ(٩). ولد سنة تسعُ( ١٠) وعشرين وستمئة، وسمع الحديث وخدم وارتفعت منزلته حتى كتب الإنشاء بمصرَ، ثم نقل إلى كتابة السرّ بدمشق إلى أن توفي في ثامن رمضان، ودفن بقاسيون، وقد قارب التِّسعين ، وهو متمتع بحواسه وقواه ، وكانت له عقيدة حسنة في العلماء ولا سيّما في ابن تيمية وفي الصُّلحاء رحمه الله . وقد رثاه الشّهاب محمودُ كاتب السر بعده بدمشقُ(١١)، وعلاء الدين بن غانم ، وجمال الدين بن نباتة . (١) موضعها كان يسمى بالخواصين ، وكان موضعها قديماً داراً لمعاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنه - أنشأها نور الدين محمود بن زنكي . منادمة الأطلال (ص ٢١٢) . (٢) هو يحيى بن يحيى بن كثير بن دسلاس ، فقيه الأندلس ، أبو محمد الليثي، الأندلسي ، القرطبي ، راوي الموطأ ، توفي رحمه الله سنة (٢٣٤)هـ. (٣) (٤) الشّفا بتعريف حقوق المصطفى . مطبوع . عدة طبعات ، وهو كتاب عظيم . القاضي عياض بن موسى بن عياض بن عمرون اليحصبي السبتي أبو الفضل ، عالم المغرب وإمام أهل الحديث في وقته . توفي بمراكش مسموماً سنة (٥٤٤هـ). قيل: سمّه يهودي. الأعلام (٩٩/٥) وثمة مصادر ترجمته . (٥) في ط : التاريخ . وسبق الكلام عليه . (٦) أي لم يدخل في سن البلوغ . (٧) ترجمته فى فوات الوفيات (٤٢١/٢) والدرر الكامنة (٤٢٨/٢ - ٤٢٩) والنجوم الزاهرة (٩/ ٢٤٠) وشذرات الذهب (٤٦/٦) . (٨) في ط وأ : الحلي ، وأثبتنا ما في ب والمصادر السابقة . (٩) في ط : المعمري . وهو تحريف . (١٠) في المصادر السابقة : ثلاث وعشرون . (١١) القصيدة طويلة مطلعها: لتبكِ المعالي والُّهى الشرف الأعلى وتبكي الورى الإحسانَ والحلم والفضلا الفوات (٤٢٢/٢). ١٣٠ وفيات سنة ٧١٧هـ الفقيه الإمام العالم المُنَاظِر(١): شرف الدين أبو عبد الله الحُسين بن الإمام كمال الدين علي بن إسحاق بن سلام الدمشقي الشافعي ، ولد سنة ثلاث وسبعين وستمئة ، واشتغل وبرع وحصل ودرس بالجاروخية (٢) والعَذْراوية ، وأعاد بالظّاهرية وأفتى بدار العدل . وكان واسع الصّدر كثيرَ الهمة كريمَ النفس مشكوراً في فهمه وخطَّه (٣) وفصاحته ومناظرته . توفي في رابع عشرين رمضان وترك أولاداً ودَيْناً كثيراً ، فوفته عنه زوجته بنت زُوَيْزَان تقبّل الله منها وأحسن إليها . الصاحب أنيس الملوك٤) : بدر الدين عبد الرحمن بن إبراهيم الإربلي ، ولد سنة أربعين(٥) وستمئة ، واشتغل بالأدب فحصل على جانبٍ جيّد منه وارتزق عند الملوك به ، [ فمن رقيق شعره ما أورده الشيخ علم الدين في ترجمته قوله : ومدامةُ خمرٍ تشبهُ خذَّ منْ أَهوى ودمعي يسقي بها قمرا أعزّ عليَّ من سمعي ومن بصري ... ٠٠ ٠٠ ٤٠٠٠ .. . ] وقوله في مغنية : وعزيزةٍ هيفاءَ ناعمةِ الصّبا طوعَ العناقِ مريضةَ الأجفان(٦) ورقاءُ تسجعُ فوقَ غصنِ البانِ ] غنَّتْ وماسَ قوامُها فكأنّها الـ الصّدر الرئيس شرف الدين محمد بن جمال الدين إبراهيم(٧) : ابن شرف الدين عبد الرحمن ابن أمين الدين سالم بن الحافظ بهاء الدين الحسن بن هبة الله بن محفوظ بن صَصْرَى ، بَاشر عدة جهات ، وخرج مع خاله قاضي القضاة ابن صَصْرَى إلى الحج(٨)، فلمَّا كانوا بِبدٍ (٩) اعتراه مرض، ولم يزل به حتى مات ، توفي بمكة وهو محرمٌ مُلَبٍّ ، فشهد النَّاسُ جنازتَه وغَبطُوه بهذه الموتة ، وكانت وفاته يوم الجمعة (١) ترجمته في الدرر الكامنة (٥٩/٢) والدارس (٢٢٨/١ -٢٢٩) وشذرات الذهب (٤٤/٦). (٢) في ط : الجاروضية. (٣) في ب وط : وخطه وحفظه وفصاحته ... (٤) ترجمته في الدرر الكامنة (٢/ ٣٢١) ومجلة المجمع العلمي العربي (١٨/ ٥٥٠) والأعلام (٢٩٣/٣). (٥) في ط وأ: ثمان وثلاثون. وما أثبتناه الصّواب - إن شاء الله - لأن وفاته سنة (٧١٧هـ) وله من العمر سبع وسبعون سنة كما في الدُّرر . وهو المذكور أيضاً في الأعلام . (٦) ما بين الحاصرتين زيادة من ب وط . وهي في الدرر. (٧) ترجمته في الدرر الكامنة (٩/٤) وفيه: محمد بن عبد الرحيم بن سالم بن أبي المواهب بن صَصْرَى التغلبي الدمشقي. (٨) في ط : ذهب إلى الحجاز الشريف. (٩) في ط : ببردى وهو تحريف . ١٣١ أحداث سنة ٧١٨هـ آخر النهار سابع ذي الحجة ، ودفن ضحى يوم السبت بمقبرة الحجون(١) رحمه الله تعالى وأكرم مثواه . ثم دخلت سنة ثمان عشرة وسبعمئة [ الخليفة والسلطان هما هما، وكذلك النواب والقضاة سوى المالكي بدمشق فإنه العلامة فخر الدين بن سلامة بعد القاضي جمال الدين الزواوي رحمه الله (٢) . ووصلت(٣) الأخبار في المحرّم من بلاد الجزيرة وبلاد الشرق وسِنجار والمَوْصل ومارِدين وتلك النواحي بغلاءٍ عظيم وفناءٍ شديد ، وقلة الأمطار ، وجَوْر(٤) التتار ، وعدم الأقوات وغلاء الأسعار ، وقلة النفقات ، وزوال النّعم ، وحلول النّقم ، بحيث إنَّهم أكَلوا ما وجدوه من الجمادات والحيوانات والنباتات(٥) ، وياعُوا حتَّى أولادهم ، وأهاليهم ، فبيع الولد بخمسين درهماً وأقلَّ من ذلك ، حتى إن كثيراً من الناس(٦) كانوا لا يشترون من أولاد المسلمين تأثُّم٧ً) ، وكانت المرأة تصرِّحُ بأنَّها نصرانية ليُشْتَرى منها ولدُها لتنتفع بثمنه ويحصُلَ له من يطعمه فيعيش ، وتأمن عليه من الهلاك ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، ووقعت أحوال صعبة يطول ذكرها ، وتنُبو الأسماعُ عن وصفها ، وقد ترخَّلت منهم فرقة قريبَ الأربعمئة إلى ناحية مَرَاغة(٨) فسقط عليهم ثلجٌ أهلكهم عن آخرهم ، وصحبت طائفة منهم فرقة من التتار ، فلما انتهوا إلى عقبةٍ ، صعِدها الَّار ثم منعوهم أن يصعدوها لئلا يتكلَّفوا بهم فماتوا عن آخرهم . فلا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم . وفي بُكرة الإثنين السابع(٩) من صفر قدم القاضي كريمُ الدّين عبدُ الكريم بن العلَم هبة الله وكيل الخاص السلطاني بالبلاد جميعها ، قدم إلى دمشق فنزل بدار السعادة وأقام بها أربعة أيام ، وأمر ببناء جامع القُبَيْبَات(١٠) ، الذي يقال له: جامع كريم الدينُ(١١)، وراح لزيارة بيت المَقْدس، وتصدَّق بصدقات كثيرة وافرة ، وشرع ببناء جامعه بعد سفره . (١) في ط : باب الحجون وهو توهم. (٢) ما بين الحاصرتين زيادة من ب وط . (٣) من هنا أول أحداث السنة في أوفيه: وفيها وصلت الأخبار ... (٤) في ط : خوف . (٥) في ط : والميتات . (٦) ليست في ط . (٧) ليست في ط . (٨) هي بلدة عظيمة مشهورة ، أعظم بلاد أذربيجان . ياقوت. (٩) في الدارٍس (٤١٦/٢) في التاسع . (١٠) هي محلّة جليلة بظاهر دمشق. ياقوت. النجوم الزاهرة (٥٧/٩) الدارس (٤١٦/٢). (١١) ويقال له الآن: جامع الدقاق في الميدان. ١٣٢ أحداث سنة ٧١٨هـ وفي ثاني صفر جاءت ريحٌ شديدةٌ ببلاد طَرَابُلس على ذوق تركمان ، فأهلكت لهم كثيراً من الأَمتعة ، وقتلت أميراً منهم يقال له طرالي وزوجته وابنتيه وابني ابنيه وجاريته وأحدَ عشرَ نفساً ، وقتلت جمالاً كثيرة وغيرها ، وكسرت الأمتعة والأثاث وكانت ترفع البعير في الهواء مقدارَ عَشْرة أَرماح ثم تلقيه مقطعاً ، ثم سقط بعد ذلك مطر شديد وبرَدٌ عظيم بحيث أتلف زروعاً كثيرة في قرى عديدة نحواً من أربع وعشرين قرية ، حتى إنَّها لا ترد بدارها(١) . وفي صفر أخرج الأمير سيف الدين طُغَاي النَّاصري(٢) إلى نيابة صفد فأقام(٣) بها شهرين مسك. والصاحب أمين الدين إلى نظر الدواوين(٤) بطرابلس على معلوم وافر . قال الشيخ علم الدين : وفي يوم الخميس منتصف ربيع الأول اجتمع قاضي القضاة شمسُ الدين بن مسلمُ(٥) بالشيخ الإمام العلامة تقي الدين بن تيمية وأشار عليه في ترك الإفتاء في مسألة الحلف بالطَّلاق ، فقبل الشيخ نصيحته وأجاب إلى ما أشار به ، رعاية لخاطره وخواطر الجماعة المُفتين . ثم ورد البريد في مستهل جمادى الأولى بكتاب من السلطان فيه منع الشيخ تقي الدّين من الإفتاء في مسألة الحلف بالطلاق ، وانعقد بذلك مجلس ، وانفصل الحال على ما رسم به السلطان ، ونُودي به في البلد ، [ وكان قبل قدوم المرسوم قد اجتمع بالقاضي ابن مسلم الحنبلي جماعةٌ من المفتين الكبار ، وقالوا له : أن ينصح الشيخ في ترك الإفتاء في مسألة الطلاق ، فعلم الشيخ نصيحته ، وأنه إنّما قصد بذلك ترك ثوران فتنة وشر ]٦) . وفي عاشره جاء البريد إلى صفد(٧) بمسك سيف الدين طُغَايُ(٨) ، وتَوْلية بدر الدين القَرْمَانِيّ نيابةً حمصَ . وفي هذا الشهر وصل (٩) مقتل رشيد الدولة فضل الله بن أبي الخير بن علي(١٠) الهَمْداني، كان أصله (١) شذرات الذهب (٦/ ٤٧). في ط : الحاصلي وأ: الخاصلي. وأثبتنا ما في الدرر الكامنة (٢٢١/٢) والدليل الشافي (١/ ٣٦٤). (٢) (٣) في ط : فأقيم . (٤) في ط : الأوقاف . (٥) محمد بن مسلم بن مالك بن مزروع قاضي الحنابلة ، سيأتي في وفيات سنة (٧٢٦هـ). (٦) ليست في ب . (٧) في ط وأ : صفت . (٨) في ب : وحمله إلى الديار المصرية فَفُعل ذلك وحُوِّل أَرُقطاي من حمص إلى صفد . انتهى . وأرقطاي : هو القفجقي الحاج ، توفي سنة (٧٥٠هـ). الدرر الكامنة (٣٥٤/١). (٩) في ط: ((كان)) وما أثبتناه من ب، وهو الصواب، لأن مقتله كان في سنة (٧١٧هـ) كما في الشذرات (٤٦/٦) وقيل كان سنة (٧١٦هـ) كما في الدرر الكامنة (٢٣٢/٣). (١٠) في ط: عالي. وفي الدرر الكامنة (٢٣٢/٣) : غالي. ١٣٣ أحداث سنة ٧١٨هـ يهودياً عطَّاراً، فتقدَّم بالطب وشملته السعادة حتى كان عند خَرْبَنْدًا الجزءَ الذي لا يتجزأ ، وعلت رتبته وكلمتُهُ، وتولَّى مناصبَ الوزراء، وحَصَل له من الأموال والأملاك والسعادة مالا يُحدُّ ولا يُوصف ، وكان قد أظهر الإسلام ، وكانت لديه فضائل جمّة ، وقد فسر القرآن وصنّف كتباً كثيرة ، وكان له أولاد وثروة عظيمة ، وبلغ الثمانين(١) من العمر، وكانت له يد جيّدة يوم الرَّحْبَة(٢)، فإنه صانَع عن المسلمين [ وأتقن القضية في رجوع ملك التتار عن البلاد الشامية (٣) ، سنة ثنتي عشرة كما تقدَّم ، وكان يناصح الإسلام ، ولكن قد نال منه خلقٌ كثير من النَّاس واتَّهموه على الدِّين وتكلموا في تفسيره هذا ، ولا شكَّ أنه كان مخبِّطاً مخلِّطاً ، وليس لديه علم نافع، [ ولا عمل صالح (٤) . ولما تولى أبو سعيد المملكةَ عزله وبقي مدَّةٌ خاملاً، ثم استدعاه جُوْبَان وقال له : أنت سقيت السلطان خَرْبَنْدا سُمّاً؟ فقال له : أنا كنت(٥) في غاية العظمة والعزة ، فكيف أعمَد إلى سقيه والحالة هذه؟ فأحضرت الأطبّاء فذكروا صورة مرض خَرْبَنْدا وصفته ، وأن الرشيد أشار بإسهاله لما عنده في باطنه من الحواصل ، فانطلق باطنه نحواً من سبعين مجلساً ، فمات [فاعترف (٦) بذلك على وجه أنَّه أخطأ في الطب . فقال: فأنت إذاً قتلته ، فقتله وولده إبراهيمَ، واحتيط على حواصله وأمواله ، فبلغت شيئاً كثيراً ، وقُطعت أَعضاؤُه وحُمل كل جزء منها إلى بلدة ، ونودي على رأسه بتبريز : هذا رأسُ اليهودي الذي بدل كلام الله لعنه الله ، ثم أُحرقت جثته ، وكان القائم عليه علي شَاه(٧) . وفي هذا الشَّهر - أَعْني جُمادى الأولى - تولَّى قضاء المالكية بمصرَ تقي الدين الإخنائي(٨) عوضاً عن زين الدين بن مخلوف توفي عن أربع وثمانين سنة ، وله في الحكم ثلاث وثلاثون سنة . وفي يوم الخميس عاشر رجب لبس صلاح الدين يوسف بن الملك الأوحد خلعة الإمرة بمرسوم السلطان (٩) . وفي آخر رجب جاء سيلٌ عظيمٌ بظاهر حمصَ خرَّب شيئاً كثيراً ، وجاء إلى البلد ليدخلها فمنعه الخندق . (١) في الدرر والشذرات : عاش بضعاً وسبعين سنة . (٢) مرَّ ذكره . (٣) ليست في ب . (٤) ليست في ب . في ط : في غاية الحقارة والذِّلّة فصرت في أيامه وأيام أبيه . (٥) (٦) زيادة من ب . هو : علي شاه الوزير . الدرر الكامنة (٣/ ٢٣٢) وفيه الخبر. (٧) هو محمد بن أبي بكر الإخنائي بن بدران . مات سنة (٧٥٠هـ) . (٨) (٩) هو: يوسف بن شادي بن داود، مات سنة (٧٤١ هـ) الدرر الكامنة (٤٥٦/٤). ١٣٤ أحداث سنة ٧١٨هـ وفي شعبانَ تكامل بناءُ الجامع الذي عمره تَنْكِز ظاهرَ باب النَّصر ، وأقيمت الجمعة فيه يوم عاشر شعبان، وخطب فيه الشيخ نجم الدِّين علي بن داود بن يحيى الحنفي المعروف بالفَحْفازيُ(١) ، من مشاهير الفضلاء ذوي الفنون المتعدّدة ، وحضر نائبُ السَّلطنة والقضاة والأعيان والقراء والمنشدون ، وكان يوماً مشهوداً . وفي يوم الجمعة التي يليها خُطب بجامع القُبَيْبَات الذي أنشأه كريم الدين وكيل السلطان ، وحضر فيه القضاةُ والأعيان ، وخطب فيه الشيخ شمس الدين محمد بن عبد الواحد بن يوسف بن الرزين (٣) الحراني الآمدي(٣) الحنبلي، وهو من الصَّالحين الكبار، ذوي الزَّهادة والعبادة والنّسك والتوجُّه وطيب الصوت وحسن السَّمت . وفي حادي عشر رمضان خرج الشيخ شمس الدين ابن النقيب (٤) إلى حمص حاكماً بها مطلوباً مولّى مرغوباً فيه ، وخرج النَّاس لتوديعه . وفي هذا الشهر حصل سيل عظيم بسلميَّة ومثلُه بالشُّوبك ، وخرج المحمل في تاسع(٥) شوال وأمير الركب الأمير علاء الدين بن سعد(٦) والي البر ، وقاضيه زين الدين ابن قاضي الخليل الحاكم بحلب . وممَّن حج في هذه السنة من الأعيان : الشيخ برهان الدين الفزاري وكمال الدين بن الشريشي وولده وبدر الدين بن العطار . وفي الحادي والعشرين من ذي الحجة انتقل الأمير فخر الدين إِياس(٧) الأَعْسري من شد الدواوين بدمشق إلى طَرَابُلُس أميراً . وفي يوم الجمعة السابع عشر من (٨) ذي الحجة أقيمت الجمعة في الجامع الذي أنشأه الصاحب شمس الدين بن غِبْرِيال ناظرُ الدواوين بدمشقَ خارج باب شرقي(٩) ، إلى جانب ضرار بن الأزور [ رضي الله عنه }١) بالقرب من محلة القعاطلة ، وخطب فيه الشيخ شمس الدين محمد بن التَّدمري المعروف (١) في ط: الفقجازي. وسيأتي في وفيات سنة (٧٤٥هـ) . في الدرر الكامنة (٣٥/٤) الرزيز. وفي الدارس (٤١٨/٢) الوزير . (٢) (٣) في أوط : الأسدي وأثبتنا ما في الدرر . هو : محمد بن أبي بكر بن إبراهيم ... بن حمدان الدمشقي القاضي. مات سنة (٧٤٥هـ) الدرر (٣٩٩/٣). (٤) (٥) ليست في ط . في ط وأ: معبد. وأثبتنا ما في الدرر الكامنة (١٢٥/٣). (٦) (٧) ويقال له : إياز، قتل سنة (٧٥٠هـ) كما سيأتي. (٨) ليست في ط . (٩) ويعرف بجامع الملاح، الدارس (٤٢٠/٢ - ٤٢١). (١٠) زيادة في ب . ١٣٥ وفيات سنة ٧١٨هـ بالنَّيرباني ، وهو من كبار الصَّالحين ذوي العبادة والزهادة ، وهو من أصحاب شيخ الإسلام ابن تيمية ، وحضره الصَّاحبُ المذكور وجماعةٌ من القضاة والأعيان . وفي يوم الإثنين ، العشرين (١) من ذي الحجة باشر الشيخ شمس الدين محمد بن عُثْمان الذّهبي(٢) المحدِّث الحافظ بتربة أمّ الصالح(٣) عوضاً عن كمال الدين بن الشُّريشي، توفي بطريق الحج(٤) في شوّال ، وقد كان له في مشيختها ثلاثٌ وثلاثون سنة ، وحضر عند الذهبي جماعة من القضاة . وفي يوم الثلاثاء صبيحة هذا الدَّرس أُحضر الفقيه زين الدين بن عُبَيْدان الحنبلي من بعلبك وحوفق على منام رأه زعم أنه رآه بين النائم واليقظان ، وفيه تخليط وتخبيط وكلام كثير لا يصدر عن مستقيم المزاج ، كان كتبه بخطه وبعثه لي بعضُ أصحابه ، فاستسلمه القاضي الشّافعي وحقَنَ دمَهُ وعزَّرَه ، ونُودي عليه في البلد ومُنع من الفتوى وعقود الأنكحة ، ثم أُطلق . وفي يوم الأربعاء بُكْرةً باشر بدر الدين محمد بن بصخالٌ(٥) مشيخة الإقراء بتربة أم الصالح عوضاً عن الشيخ مجد الدين التونسي توفي ، وحضر عنده الأعيان الفضلاء ، قد حضرته يومئذ ، وقبل ذلك باشر مشيخة الإقراء بالأشرفية عوضاً عنه أيضاً الشيخ محمد بن خروف المَوصلي . وفي يوم الخميس ثالث عِشْري ذي الحجة باشر الشيخ الإمام العلامة الحافظ الحجّة شيخُنا ومفيدنا أبو الحَجَّاج يوسُف بن الزَّكي عبد الرحمن بن يوسف المِزِّي مشيخةَ دار الحديث الأشرفية عوضاً عن كمال الدين بن الشريشي ، ولم يحضُر عنده كبير أحد ، لما في نفوس بعض الناس من ولايته لذلك ، مع أنه لم يتولَّها أحدٌ قبله أحقُّ بها منه ، ولا أحفظ منه ، [ وما عليه منهم ؟ إذ لم يحضروا عنده فإنه لا يوحشه إلا حضورهم عنده ، وبعدهم عنه أنس ، والله أعلم ]٦) . وممّن توفي فيها من الأعيان : الشّيخ الصّالح العابد الناسك : الورع الزاهد القدوة بقية السَّلف وقدوةُ الخلف أبو عبد الله محمد بن الشّيخ الصالح عمر بن السيد القدوة الناسك الكبير العارف أبي بكر بن قوام بن علي بن قوام (١) في ط ، الاثنين والعشرين ، وهو توهم : لأن الحدث القادم يوم الخميس ثالث عشري . (٢) سيأتي في وفيات سنة (٧٤٨هـ) . هي المدرسة الصّالحية. الدارس (٣١٦/١). (٣) (٤) في ط : الحجاز . (٥) في ط : بضحان . (٦) ليست في ب ، وهي كذلك في الدارس (٣٢/١) نقلاً عن ابن كثير. ١٣٦ وفيات سنة ٧١٨هـ البالسي(١)، ولد سنة خمسين وستمئة ببَالِس (٢)، وسمع من أصحاب ابن طبرزد، وكان شيخاً جليلاً بشوش الوجه حسنَ السَّمت ، مقصداً لكل أحد ، كثير الوقار ، عليه سيما العبادة والخير ، [ وكان يوم قازان في جملة من كان مع الشيخ تقي الدين بن تيمية لما تكلم مع قازان ، فحكى عن كلام شيخ الإسلام تقي الدين لقازان وشجاعته وجرأته عليه ، وأنه قال لترجمانه قل للقان : أنت تزعم أنّك مسلم ومعك مؤذِّنون وقاضٍ وإمام وشيخ على ما بلغنا فغزوتنا وبلغت بلادنا على ماذا؟ وأبوك وجدك هولاكو كانا كافرين وما غَزَوا بلاد الإسلام ، بل عاهدوا قومنا ، وأنت عاهدت فغدرت وقلت فما وفيت! قال : وجرت له مع قازان وقُطْلوشاه وبُولاي أمورٌ ونُوَبٌ ، قام ابن تيمية فيها كلها لله ، وقال الحق ولم يخش إلا الله عز وجل . قال وقرّب إلى الجماعة طعاماً فأكلوا منه إلا ابن تيمية ، فقيل له ألا تأكل؟ فقال : كيف آكل من طعامكم وكله ممّا نهبتم من أغنام النَّاس وطبختموه بما قطعتم من أشجار الناس ، قال : ثم إن قازان طلب منه الدعاء فقال في دعائه: (( اللَّهم إن كان هذا عبدك محمود إنما يقاتل لتكون كلمتك هي العليا وليكون الدين كله لك فانصره وأيده وملِّكه البلاد والعباد ، وإن كان إنما قام رياءً وسمعةً وطلباً للدنيا ولتكون كلمته هي العليا وليذلَّ الإسلامَ وأهله فاخذُلْه وزلزله ودمِّرْه واقطع دابره )». قال : وقازان يؤمن على دعائه ، ويرفع يديه . قال : فجعلنا نجمع ثيابنا خوفاً من أن تتلوث بدمه إذا أمر بقتله . قال : فلما خرجنا من عنده قال له قاضي القضاة نجم الدين بن صَصْرَى وغيره : كدت أن تهلكَنا وتهلكَ نفسك ، والله لا نصحبُك من هنا ، فقال : وأنا والله لا أصحبكم . قال فانطلقنا عصبة وتأخر هو في خاصَّة نفسه ومعه جماعة من أصحابه ، فتسامعت به الخوَّاقين والأمراء من أصحاب قازان فأتوه يتبرّكون بدعائه ، وهو سائر إلى دمشق ، وينظرون إليه ، قال : والله ما وصل إلى دمشق إلا في نحو ثلثمئة فارس في ركابه ، وكنت أنا من جملة من كان معه ، وأما أولئك الذين أبَوْا أن يصحبوه فخرج عليهم جماعة من الشَّر فشلحوهم عن آخرهم ، هذا الكلام أو نحوه ، وقد سمعت هذه الحكاية من جماعة غيره، وقد تقدم ذلك ٣٤) . توفي الشيخ محمد بن قَوام ليلة الإثنين الثاني والعشرين من صفر بالزَّاوية(٤) المعروفة بهم غربيّ الصالحية والناصرية والعادلية ، وصُلّ عليه بها ودُفن بها ، وحضر جنازته ودفنه خلق كثير وجم غفير ، وكان في جملة الجمع الشيخ تقي الدين بن تيمية ، لأنه كان يحبه كثيراً ، ولم يكن للشيخ محمّد مرتب على (١) ترجمته في الدرر الكامنة (١٢٤/٤) والدارس (٢٠٨/٢ -٢٠٩) والشذرات (٤٩/٦). (٢) ((بالس)): بلدة بين حلب والرّقة، كانت على ضفة الفرات الغربية، فلم يزل الفرات يشرق عنها حتى صارت بينهما في أيامنا هذه أربعة أميال . ياقوت . (٣) ما بين الحاصرتين ليس في ب . (٤) القوامية البالسيّة، الدارس (٢٠٨/٢ - ٢٠٩) منادمة الأطلال (ص ٣١١). ١٣٧ وفيات سنة ٧١٨هـ الدولة ولا غيرهم ، ولا لزاويته مرتَّب ولا وقف ، وقد عرض عليه ذلك غير مرة فلم يقبل ، وكان يُزار ، وكان لديه علم وفضائل جمة ، وكان فهمه صحيحاً ، وكانت له معرفة تامة ، وكان حسنَ العقيدة وطويتُه صحيحة، محباً للحديث وآثار السلف ، كثير التلاوة [ والجمعية على الله عز وجل ﴾(١)، وقد صنف جزءاً فيه أخبار جَدِّه( ٢) ، رحمه الله وبلّ ثراه بوابل الرحمة آمين . الشيخ الصالح الأديب البارع الشاعر المجيد : تقي الدين أبو محمد عبد الله بن الشيخ أحمد بن تمام بن حسان التلي(٣) ثم الصالحي الحنبلي(٤) ، أخو الشيخ محمد بن تمّام ، ولد سنة خمس وثلاثين وستمئة ، وسمع الحديث، وصحبَ الفُضَلاء، وكان حسنَ الشَّكل والخُلُق ، طيِّب النفس مليح المجاورة والمجالسة، كثيرَ المفاكهة، أقام مدَّةً بالحجاز واجتمع بابن سبعين(٥) وبالتَّقي الحورانيّ، وأخذ النَّحوَ عن ابن مالك(٦) وابنه بدر الدين وصحبه مدَّة، وقد صحبه الشّهاب محمود مدَّةً خمسين سنةً ، وكان يثني عليه بالزهد والفراغ من الدنيا ، توفي ليلة السبت الثالث من ربيع الآخر ودفن بالسَّفح . وقد أورد الشيخ علم الدين البِزْزالي في ترجمته قطعة من شعره : فمن ذلك قوله : لكُم في خافقٍ منه(٧) سكونُ أَسُكَّانَ المعاهدِ من فُؤادي فيحلو والحديثُ له(٨) شجونُ أكرِّرُ فيكمُ أبداً حديثي فتنثرهُ المحاجرُ والجفونُ وأنظمهُ عقيقا٩ً) من دموعي وفيكُم كلّ قافيةٍ تهونُ وأبتكرُ المعاني في هواكُم وسرُّ هواكمُ س١١ُ) مصونٌ وأسألُ عنْكُمُ البَكَّاءُ(١٠) سرّاً (١) ليست في ب . والذي فيه : يحبُّ الخلوه . وليس ببعيد. (٢) في أ وط جيدة . وأثبتنا ما في ب وهو الصواب فقد ذكر صاحب منادمة الأطلال (ص٣١٢) نقلاً عن العدوي في الزيادات قوله : وألف حفيده الشيخ محمد بن عمر بن أبي بكر في مناقبه مؤلفاً حسناً . انتهى . (٣) في ط : البلي . ترجمته في فوات الوفيات (١٦١/٢) والدرر الكامنة (٢٤١/٢ -٢٤٣) والشذرات (٤٨/٦) والأعلام (٦٨/٤). (٤) (٥) هو عبد الحق بن إبراهيم بن محمد الشيخ الصوفي . من القائلين بوحدة الوجود توفي سنة ( ٦٦٩)هـ . (٦) هو محمد بن عبد الله بن عبد الله بن مالك. مات سنة (٦٧٢ هـ) بغية الوعاة (١٣٠/١). في فوات الوفيات (٢/ ١٦٤) في كل جارحة . (٧) (٨) فيه : بكم . (٩) فيه : عقوداً . (١٠) فيه : النكباء . (١١) فيه : عندي . ١٣٨ وفيات سنة ٧١٨هـ شمائلَ منْ معاطفكُمْ تبينُ وأغتبقُ(١) النسيم لأنَّ فيه فكمْ لي في محبَّتكمْ غرامٌ وكمْ لي في الغرامِ بكم فنونُ ؟ قاضي القضاة زين الدين: علي بن مخلوف بن ناهض بن مسلم بن منعم بن خلف النويري المالكي (٢) الحاكم بالديار المصرية ، ولد (٣) سنة أربع وثلاثين وستمئة ، وسمع الحديث واشتغل وحصل ، وولي الحكم بعد ابن شاس(٤) سنة خمس وثمانين، وطالت أتّامه إلى هذا العام ، وكان غزير المروءة والاحتمال والإحسان إلى الفقهاء والشُّهود ، ومن يقصِدُه . توفي ليلة الأربعاء حادي عشرَ جمادى الآخرة ودفن بسفح المقطَّم بمصرَ ، وتولّى الحكم بعده بمصر تقي الدين الأخنائى المالكي الشيخ(٥) إبراهيم بن أبي العلاء(٦) : المقرىء الصّت المشهور المعروف بابن شَعْلان، وكان رجلاً جيداً في شهود المسمارية(٧) ، ويقصد للختمات لطِيْبٍ(٨) صَوْته . توفي يوم الجمعة وهو كهل ثالثَ عشَر جمادى الآخرة ، ودفن بسفح قاسيون . الشيخ الإمام العالم الزاهد : أبو الوليد محمد بن أبي القاسم أحمد بن محمد بن عبد الله بن أبي جعفر أحمد بن خلف بن إبراهيم بن أبي عيسى بن الحاج التُّجيبي (٩) القرطبي ثم الإشبيليُ(١٠) ، ولد بإشبيلية سنة ثمان وثلاثين وستمئة ، وقد كان أهله بيت العلم والخطابة والقضاء بمدينة قُرطبة ، فلمّا أخذها الفرنج انتقلوا إلى إشبيلية وتمحقت أموالهم وكتبهم ، وصادر ابن الأحمر جده القاضي بعشرين ألف دينار ، ومات أبوه وجدُّه في سنة إحدى وأربعين وستمئة ، ونشأ يتيماً ثم حجَّ وأقبل إلى الشام ، فاستقام (١) فيه : وأعتنق ، والاغتباق : الشرب عند المساء. (٢) ترجمته في الدرر الكامنة (١٢٧/٣ - ١٢٨) والنجوم الزاهرة (٢٤٢/٩) وبدائع الزهور (٤٤٩/١) والشذرات (٦ /٤٩) . (٣) ليست في ط . في ط : شاش . (٤) في ب : برهان الدين . (٥) لم أقع على ترجمة له . (٦) هي قبلي القيمرية الكبرى داخل السور بالقرب من المئذنة الفيروزيّة . الدارس (١١٤/٢). (٧) (٨) في ط : لصيت . (٩) في ط : النجيبي، وهو تصحيف وما هنا، في الشذرات والدرر . نسبة إلى : تُجيب بنت ثوبان بن سليم بن مذحج وهي أم عدي وسعد ابني أشر بن شبب بن السكون نسب ولدها إليها . الوفيات (٤/ ٤٣١) . وهو مجود بخط الذهبي في ترجمة جده من تاريخ الإسلام (١٤ / ٣٩٤ من طبعة الدكتور بشار). (١٠) ترجمته في الدرر الكامنة (٣٥٠/٣ - ٣٥١) والشذرات (٥١/٦). ١٣٩ وفيات سنة ٧١٨هـ بدمشقَ من سنة أربع وثمانين ، وسمع من ابن البخاري وغيره ، وكتب بيده نحواً من مئة مجلد ، إعانةً لولديه أبي عَمْرو وأبي عبد الله على الاشتغال . ثم كانت وفاته بالمدرسة الصلاحية (١) يوم الجمعة وقت الأذان ثامنَ عشرَ رجب ، وصُلّي عليه بعد العصر ودفن عند الفندلاوي(٢) ، بباب الصغير بدمشق ، وحضر جنازته خلق كثير . الشيخ كمال الدين بن الشَّرَيشي : أحمد ابن الإمام العلامة جمال الدين أبي بكر محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن(٣) سُجْمان(٤) البكري الوائلي الشريشي(٥)، كان أبوه مالكياً كما تقدَّم ، واشتغل هو في مذهب الشافعي فبرع وحصل علوماً كثيرة ، وكان خبيراً بالكتابة (٦) مع ذلك ، وسمع الحديث وكتب الطّباق بنفسه ، وأفتی ودرس وناظَرَ وباشر بعدّة مدارس ومناصب كبار ، أول ما باشر مشيخة دار الحديث بتربة أم الصالح بعد والده من سنة خمس وثمانين وستمئة إلى أن توفي(٧) ، وناب في الحكم عن ابن جماعة ، ثم ترك ذلك وولي وكالة بيت المال وقضاء العسكر ونظر الجامع مرات، ودرَّس بالشَّامية البرَّانية ودرَّس بالناصرية عشرين سنة ، ثم انتزعها من يده ابنُ جماعة وزينُ الدين الفارقي ، فاستعادها منهما وباشر مشيخة الرّباط النّاصري بقاسيون مدَّةً ، ومشيخة دار الحديث الأشرفية ثمان سنين ، وكان مشكور السيرة فيما يولَّى من الجهات كلِّها، وقد عزم في هذه السنة على الحجّ فخرج بأهله فأدركته منيته بالحَسَ(٨) في سَلخ شوّال من هذه السنة ، ودفن هناك رحمه الله ، وتولى بعده الوكالة جمال الدين بن القلانسي ، ودرَّس بالناصرية كمال الدين بن الشيرازي ، وبدار الحديث الأشرفية الحافظ جمال الدين المِزِّي ، وبأم الصالح الشيخ شمس الدين الذهبي ، وبالرباط الناصري ولده جمال الدين . الشّهاب المقرىء: أحمد بن أبي بكر بن أحمد البغدادي (٩) نقيب (١٠) المتعمِّمين ، كان عنده فضائل جمة نثراً ونظماً ممّا يناسب الوقائع وما يحضر فيه من التّهاني والتَّعازي، ويعرفُ الموسيقى والشَّعْبَذَةَ ، (١) هى الصلاحية المالكية أنشأها الملك الناصر صلاح الدين أيوب. منادمة الأطلال (ص٢٢٦). (٢) في أوط: القندلاوي . بالقاف ، وأثبتنا ما في ب والدارس (٢/ ١٠ - ١١) وهو: الشيخ يوسف الفندلاوي شيخ المالكية قُتِل على يد الفرنجة شهيداً وقبره بباب الصغير . (٣) ليست في ط . في ط : سحمان ، وماهنا من أوهو الصواب ، كما في التاج وغيره . (٤) ترجمته في الفوات (١٢٠/١) والوافي بالوفيات (٣٣٧/٧) والدرر الكامنة (٢٥٢/١) والنجوم الزاهرة (٢٤٣/٩) (٥) والدارس (٣٣/١ - ٣٤) والشذرات (٦/ ٤٧). في ب : بالكتابة والنظم . وقد أورد له صاحب الفوات مقطوعات لطيفة . (٦) (٧) الدارس (٣٤). قال ياقوت : هو موضع . والذي في الوافي بالوفيات وفوات الوفيات : وتوفي بدرب الحجاز بالكرّك . (٨) (٩) ترجمته في الشذرات (٦/ ٤٧). (١٠) في ط : الأشراف والمتعممين وهو توقُّم . ١٤٠ أحداث سنة ٧١٩هـ وضَرْبَ الرَّمل ، ويحضر المجالس المشتملة على اللَّهو والمُسْكر واللَّعب والبسط ، ثم انقطع عن ذلك كله لكبر سنه [ وهو ممَّا يقال فيه وفي أمثاله : ذهبتُ عنْ توبتهِ سائلاً وجدتها توبة إفلاسٍ ﴾(١) وكان مولده بدمشق سنة ثلاث وثلاثين وستمئة ، وتوفي ليلة السبت خامس ذي القعدة ودفن بمقابر باب الصغير في قبر أعدَّه لنفسه عن خمس وثمانين سنة ، سامحه الله . قاضي القضاة فخر الدين : أبو العباس أحمد بن تاج الدين أبي الخير سلامة بن زين الدّين أبي العباس أحمد بن سلامة(٢) الإسكندري المالكيّ(٣)، ولد سنة إحدى وسبعين وستمئة ، وبرع في علوم كثيرة ، وولي نيابة الحكم في الإسكندرية فحُمدت سيرته وديانته وصرامته ، ثم قدم على قضاء الشام للمالكية في السنة الماضية فباشرها أحسن مباشرةٍ سنةً ونصفاً ، إلى أن توفي بالصَّمْصَاميّةُ(٤) بُكرة الأربعاء مستهل ذي الحجة ، ودفن إلى جانب الفَنْدَلا وي بباب الصغیر ، وحضر جنازته خلق کثیر ، وشكره الناس وأَثْنَوا عليه . رحمه الله تعالى . ثم دخلت سنة تسع عشرة وسبعمئة استهلَّت [ والحكام هم المذكورون في التي قبلها }(٥) . وفي ليلة مستهلّ محرَّم هبَّت ريحٌ شديدة بدمشقَ سقط بسببها شيء كثيرً(٦) من الجدران ، واقتلَعَتْ أشجاراً كثيرة . وفي يوم الثلاثاء سادس عِشْري المحرّم خُلع على جمال الدين بن القلانسي بوكالة بيت المال عوضاً عن ابن الشَّريشي . وفي يوم الأربعاء الخامس من صفر درَّس بالنَّاصرية الجوانية ابن صَضْرَى عوضاً عن ابن الشَّريشي(٧) أيضاً ، وحضر عنده النَّاس على العادة . (١) ليست في ب . (٢) في ط : سلام . ترجمته في الدرر الكامنة (١/ ١٤٠) والدارس (١٤/٢ _ ١٥) والشذرات (٤٧/٦). (٤) المدرسة الصمصامية. الدارس (١٤/٢). (٣) (٥) ليست في ب ، والذي فيه : والخليفة والسلطان والنواب والقضاة في البلاد المصرية والشامية هم هم ، غير أنّ القاضي المالكي في دمشق قد توفي إلى رحمة الله تعالى ، ولم يأت غيره بعده . (٦) ليست في ط . (٧) توفي في السنة الماضية .