النص المفهرس
صفحات 81-100
٨١ أحداث سنة ٧١٠هـ وفي محرَّم منها باشرَ الشَّيخ أمينُ الدين سالم بن أَبي الدَّر(١) وكيل بيت المال إمام مسجد ابن هشام(٢) تدريس الشّامية الجوَّانيّة ، والشيخ صدر الدين سليمان بن موسى الكردي تدريس العَذْراوية، كلاهما انتزعها من ابن الوكيل بسبب إقامته بمصرَ ، وكان قد وَفَدَ إلى المظفَّر فأكرمه ورتَّبَ له رواتب (٣) [ لانتمائه إلى نصرِ المَنْبِجِي (٤) ، ثم عاد بتوقيع سلطاني إلى مدرستيه، فأقام بهما شهراً أو سبعةً وعشرينَ يوماً، ثُمَّ استعاداهما منه، ورجعتا إلى المدرّسَين الأوّلين: الأمين سالم، والصَّدر الكردي(٥). ورجع الخطيب جلال الدين(٦) إلى الخطابة في ثاني(٧) عشرَ المحرم ، وعُزل عنها البدرُ بن الحداد . وباشر الصاحب شمس الدين(٨) نظر الجامع والأسرى والأوقاف قاطبةً يوم الإثنين، ثم خُلع عليه وأضيف إليه شرف الدين بن صَصْرَى في نظر الجامع ، وكان ناظره مستقلاً به قَبْلَهما . وفي يوم عاشوراء قدم أسَنْدَمُر إلى دمشق متولياً نيابة حما(٩) ، وسافر إليها بعد سبعة أيام . وفي المحرم باشر بدر الدّين بن الحدّاد نظر المارستان عوضاً عن شمس الدين بن الخطيري ووقعت منازعة بين صدر الدين بن الوكيل(١٠) وبين الصدر سليمان الكردي بسبب العذراوية ، [ وكتبوا في ابن الوكيل (١١) محضراً يتضمّن من القبائح والفضائح والكفريات على ابن الوكيل (١٢)، فبادر ابنُ الوكيل إلى القاضي تقي الدين بن سليمان الحنبلي ، فحكم بإسلامه وحَقَن دَمَه ، وحَكَم بإسقاط التَّعزير عنه والحكم بعدالته واستحقاقه للمناصب [وأشهد عليه بذلك في شهر المحرم المذكور (١٣) ، ولكن خرجت عنه (١) في أ: بن أبي الذرين وفي ط: الدرين. وأثبتنا في الدرر الكامنة (٢/ ١٣٢) والدارس (٣٧٧/١) وسيأتي في وفيات سنة ( ٧٢٦هـ ) . (٢) في ط : مسجد هشام . في ط : وألزمه رواتب . وهو تحريف . (٣) (٤) ليست في ب . الدارس (٣٠٥/١ و ٣٧٧) . (٥) يعني القزويني . (٦) في ط : سابع عشر . وفي أ: ثامن عشر، وأثبتنا ما في ب وهو الصواب ، وقد مر ذكره في آخر الأحداث السنة (٧) الماضية . في ب : شمس الدين غبريال . (٨) (٩) النجوم الزاهرة (٩/ ١١) وفيه : عوضاً عن قبجق حيث نقل إلى نيابة حلب . (١٠) في أوط: المرحل، وأثبتنا ما في ب والدارس (١/ ٣٧٧). (١١) في ط : إلى الوكيل. (١٢) ليست في ب والذي فيه: وهمُّوا بكتابة محضر يتضمّن أشياء على ابن الوكيل . وهو أشبه . (١٣) في ط : وكانت هذه هفوة من الحنبلي. ٨٢ أحداث سنة ٧١٠هـ المدرستان العَذْراوية لسليمان الكردي ، والشَّامية الجوانية للأمين سالم ، ولم يبق معه سوى دار الحديث الأشرفية . وفي ليلة الإثنين السابع من صفر وصل النَّجم محمد بن عثمان البصراوي من مصرَ متولَّياً الوزارة بالشَّام ، ومعه توقيع بالحِسْبة لأخيه فخر الدين سليمان ، فباشرا المنصبين بالجامع ، ونزلا بدرب سقُّون الذي يقال له : درب ابن أبي الهيجاء ، ثم انتقل الوزير إلى دار الأعسر عند باب البريد ، واستمر نظر الخزانة لعز الدين أحمد بن القلانسي أخي الشيخ جلال الدين . وفي مستهل ربيع الأول باشر القاضي جمال الدين الزُّرَعي(١) قضاءَ القضاة بمصرَ عوضاً عن ابن جماعة ، وكان قد أخذ منه قبل ذلك في ذي الحجة مشيخة الشيوخ ، وأُعيدت إلى الكريم الاملي ، وأُخذت منه الخطابة أيضاً . وجاء البريد إلى الشام بطلب القاضي شمس الدين بن الحريري(٢) لقضاء الدّيار المصرية، فسار في العشرين من ربيع الأول وخرج معه جماعة لتوديعه ، فلما قدم على السلطان أكرمه وعظّمه وولَّاه قضاء الحنفيّة وتدريس النّاصرية والصالحيّة ، وجامع الحاكم ، وعزل عن ذلك القاضي شمس الدين السروجي فمكث أياماً ثم مات . وفي نصف هذا الشهر مُسِكَ من دمشقَ سبعةُ أمراء ، ومن القاهرة أربعةَ عشر أميرً(٣) . وفي ربيع الآخر اهتَّم السلطان بطلب الأمير سيف الدين سَلاَّر فحضر هو بنفسه إليه فعاتبه، ثم استخلصت منه أموالُه وحواصلُه في مدَّة شهر، ثم قُتِلَ بعد ذلك، فوُجِدَ معه من الأموال والحيوانُ(٤) والأملاك والأسلحة والمماليك والبغال [والجمال]٥) والحمير أيضاً والزّباع شيئاً كثيراً، وأما الجواهر والذَّهب والفضَّة، فشيء لا يحدُّ ولا يوصف في كثرته، وحاصل الأمر أنه قد استأثر(٦) لنفسه طائفةً كبيرة من بيت المال وأموال المسلمين تجري إليه ، ويقال : إنه كان مع ذلك كثير العطاء كريماً محبباً إلى الدولة والرعية والله أعلم . وقد باشر نيابة السلطنة بمصر من سنة ثمانٍ وتسعينَ إلى أن قتل يوم الأربعاء رابع عشرين هذا الشهر ، ودُفن بتربته ليلةَ الخميس بالقَرَافةُ(٧) ، سامحه الله . (١) هو : سليمان بن عمر بن سالم الزرعي. سيأتي في وفيات سنة (٧٣٤هـ). هو : محمد بن عثمان بن عبد الوهاب الأنصاري . سيأتي في وفيات سنة ( ٧٢٨هـ). (٢) (٣) أيضاً النجوم الزاهرة (١٣/٩). ليست في ب ، وهو الأَشبه ، لأنَّ الحيوانات ذكرت مفصلة بعد قليل . (٤ ) (٥) سقطت من أوط وأثبتناها من ب . (٦) في ب : استاق . في النجوم الزاهرة (١٨/٩ - ١٩) : دفن في تربة علم الدين سنجر الجاولي بجانب مدرسته بالقرب من جامع ابن (٧) طولون . ٨٣ أحداث سنة ٧١٠هـ وفي ربيع الآخر درَّس القاضي شمس الدين ابن المعز الحنفي (١) بالظّاهريةِ عوضاً عن شمس الدين بن الحريري ، وحضر عنده خالَه الصَّدر علي قاضي قضاة الحنفية وبقيّة القُضاة والأعيان . وفي هذا الشهر كان الأمير سيف الدين أسَنْدَمُر قد قدم دمشق لبعض أشغاله ، وكان له حنوٌّ على الشيخ صدر الدين بن الوكيل ، فاستنجز له مرسوماً بنظر دار الحديث وتدريس العَذْراوية ، فلم يباشر ذلك حتى سافر أسَنْدَمُر ، فاتفق أنه وقعت له بعد يومين كائنة بدار ابن درباس بالصالحية ، وذكر أنّه وُجد عنده شيء من المنكرات واجتمع عليه جماعةٌ من أهل الصالحيّة مع الحنابلة وغيرهم ، وبلغ ذلك نائبَ السَّلطنة فكاتب فيه ، فورد الجوابُ بعزله عن المناصب الدِّينية ، فخرجت عنه دارُ الحديث الأشرفية وبقي بدمشقَ وليس بيده وظيفة لذلك . فلما كان في آخر رمضانَ سافر إلى حلب فقرّر له نائبُها أسَنْدَمُر شيئاً على الجامع ، ثم ولّه تدريساً هناك وأحسن إليه ، وكان الأمير أسَنْدَمُر قد انتقل إلى نيابة حلبَ في جُمادى الآخرة عوضاً عن سيف الدين قَبْجَق ، توفي ، وباشر مملكة حماة بعدَهُ الأميرُ عماد الدين إسماعيل بن الأفضل علي بن محمد بن تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أَيُّوب . وانتقل جمال الدين آقوش الأَفْرم من صَرْخَد إلى نيابة طرابُلُس عوضاً عن الحاج بَهَادُر . وفي يوم الخميس سادس عشر شعبان باشر الشيخ كمال الدين بن الزَّمْلَكاني مشيخة دار الحديث الأشرفية عوضاً عن ابن الوكيل (٢)، وأخذ في التَّفسير والحديث والفقه ، فذكر من ذلك دروساً حسنة ، ثم لم يستمرَّ بها سوى خمسةَ عشرَ يوماً حتى انتزعها منه كمال الدين بن الشُّرَيْشي ، فباشرها يوم الأحد ثالث شهر رمضانَ . وفي شعبان رسم قَرَاسُنْقُر نائب الشام بتوسعة المقصورة ، فأُخِّرت سدّةُ المؤذنين إلى الركنين المؤخرين تحت قبة النسر ، ومنعت الجنائز من دخول الجامع أياماً ثم أذن في دخولها . وفي خامس رمضان قدم فخر الدين إياس(٣) الذي كان نائباً في قلعة الرومُ(٤) إلى دمشق شاد الدواوين عوضاً عن زين الدين كَتْبُغَا المنصوري(٥) . وفي شوّال باشر الشيخ علاء الدين علي بن إسماعيل القونوي مشيخة الشيوخ بالديار المصرية عوضاً هو : محمد بن محمد بن الشيخ أبي العز الحنفي الأذرعي ، سيأتي في وفيات (٧٢٢هـ). (١) (٢) الدارس (٣١/١). ويقال له : إياز بالزاي . سيأتي في وفيات سنة ( ٧٥٠هـ ) . (٣) هي قلعة حصينة غربي الفرات ، مقابل البيرة ، بينها وبين سميساط . ياقوت . (٤) (٥) هذه الزيادة من ب : وولي وزارة مصر سيف الدين بكتمر الحاجب ، عوضاً عن فخر الدين بن الخليلي ، وخرج الركب الشامي في شوّال ، وأميرهم الأمير زين الدين كَتْبُغا المنصوري الذي كان شاد الدواوين . وهذا موافق لما في النجوم الزاهرة (٩/ ٣٤) . ٨٤ وفيات سنة ٧١٠هـ عن الشيخ كريم الدين عبد الكريم بن الحسين الآملي (١) الذي توفي، وكان له تجريدٌ وهمَّة، وخُلع على القونوي خِلعة سنّة ، وحضر سعيد السُّعَداء بها٢) . وفي يوم الخميس ثالث ذي القعدة خُلع على الصاحب عز الدين القلانسي (٣) خِلعة الوزراء بالشَّام عوضاً عن النجم البصراوي بحكم إقطاعه إمرة عشرة وإعراضه عن الوزارة . وفي يوم الأربعاء سادسَ عشَر ذي القعدة عاد الشيخ كمال الدين بن الزَّمْلَكاني إلى تدريس الشامية البرّانيةُ(٤) . وفي هذا اليوم لبس تقي الدين ابن الصاحب شمس الدين بن السلعوس(٥) خِلعة النّظر على الجامع الأموي . ومُسك الأميرُ سيف الدين أسَنْدَمُر نائب حلب في ثاني عشر ذي الحجة ودخل إلى مصر(٦) وكذلك مُسِك نائبُ البيرة(٧) سيف الدين طُوْغَال(٨) بعده بليال. وممّن توفي فيها من الأعيان : قاضي القضاة الإمام العلامة٩ُ) شمس الدين أبو العبّاس: أحمدُ بن إبراهيم بن عبد الغني السَّرُوجي الحنفي ، شارح ((الهداية (١٠) ، كان بارعاً في علوم شتى ، وولّي الحكم بمصرَ مدةً وعزل قبل موته بأيام ، توفي يوم الخميس ثاني عشر ربيع الآخر ، ودُفن بقرب الشافعي ، وله اعتراضات على الشيخ تقي الدين بن تيمية في علم الكلامُ(١١)، وقد رد عليه الشيخ تقي الدين في مجلدات ، وأبطل حجّته. (١) في ط : الأيكي . يعني : مشيخة الشيوخ . (٢) هو : حمزة بن أسعد وسيأتي في وفيات سنة ( ٧٢٩هـ). (٣) (٤) الدارس (١/ ٢٨٢) . هو : عمر بن محمد بن عثمان ، وسيأتي في وفيات سنة ( ٧٣١هـ ) . (٥) في ط : ثاني ذي الحجة. وفي النجوم الزاهرة (٩/ ٢٧): ثم حمل إلى السلطان صحبة الأمير بينجار وأيبك الرومي. (٦) (( البيرة)): هذه غير تلك القريبة من الفرات، وهي بين المقدس ونابلس، من أرض فلسطين العزيزة - أعادها الله (٧) للمسلمين سالمة - آمين . ياقوت . (٨) في ط : ضرغام. وهو تحريف . النجوم الزاهرة (٩/ ٣٤). (٩) ليست في ط . وترجمته في الدرر الكامنة (٩١/١ - ٩٢) والنجوم الزاهرة (٢١٢/٩) وفيه: وفاته في الثاني والعشرين وبدائع الزهور (٤٣٩/١) وشذرات الذهب (٢٣/٦). (١٠) شرح الهداية وسماه: الغاية، ولم يكمله. النجوم الزاهرة (٩/ ٢١٣). (١١) بعد هذا في ط: ((أضحك فيها على نفسه)) وليست في ب ، ولعلها من زيادات النساخ فليس هذا من أسلوب ابن كثير رحمه الله . ٨٥ وفيات سنة ٧١٠هـ وفيها توفّى سَلاَّر مقتولًا كما تقدَّمُ(١). الصَّاحب أمين الدِّين (٢): أبو بكر بن الوجيه عبد العظيم بن يوسف المعروف بابن الدقَّاقي(٣). والحاج بَهَادُر(٤) : نائب طَرابُلُس مات بها . والأمير سيف الدين قَبْجَقَ(٥): نائب حلبَ ، مات بها، ودفن بتربته بحماةً، ثاني جمادى الآخرة وكان شهماً شجاعاً ، وقد ولّي نيابة دمشق في أيّام لَاجِيْن(٦)، ثم قفز إلى التَّتر خوفاً من لاجين ، ثم جاء مع النَّتر . وكان على يديه فرج المسلمين كما ذكرنا عام قازان ، ثم تنقلت به الأحوال إلى أن مات بحلب ، ثم وليها بعده أسَنْدَمُر ، ومات أيضاً في آخر السنة (٧) . الشيخ كريم الدين [ أبو القاسم عبد الكريم ]٨) بن الحسين الآملي (٩) : شيخ الشيوخ بمصر(١٠)، كان له صلة بالأمراء ، وقد عُزل مرَّة عن المشيخة بابن جماعةٌ(١) . توفي ليلة السبت سابع شوال بخانقاه سعيد السعداء ، وتولاها بعده الشيخ علاء الدين القونوي كما تقدم . (١) هو: سَلاَّر البيرمي المنصوري ، نائب الجاشْنَكير بمصر . وترجمته في فوات الوفيات (٨٦/٢ - ٨٩) والدرر الكامنة (١٧٩/٢ - ١٨٢) والنجوم الزاهرة (١٧/٩ - ٢٣ و ٢١٧) وبدائع الزهور (٤٣٥/١ -٤٣٨). (٢) في ط : الدولة ، وهو توهم . وترجمته في : الدرر الكامنة ( ٤٤٦/١ - ٤٤٧) وفيه : ابن الدقاقي. في ط : الرقاقي ، بالراء ، وهو كذلك في الفوات فقد ذكره في معرض حديثه عن كمال الدين بن الشريشي ، وفيه : (٣) وكان ابن الرقاقي ناظر النظار بدمشق. الفوات (١٢١/١ - ١٢٢). ترجمته في الدرر الكامنة (١/ ٥٠٠) وفيه: بهادر المنصوري الحلبي، والنجوم الزاهرة (٢١٦/٩) وفيه: وفرح (٤) الناصر بموته ، لأنه أكبر أمراء المنصورية . ترجمته في الدرر الكامنة (٢٤١/٣ - ٢٤٣). وفيه وفاته في جمادى الأولى، والنجوم الزاهرة (٢١٦/٩) (٥) والدارس (٣٠٤/١) . (٦) في سنة (٦٩٦ هـ) . وهرب في العام نفسه ، وفي سنة ( ٦٩٩ هـ ) كان عام غازان . (٧) أسندمر ، وفاته في سنة ( ٧١١هـ ) كما سيذكر . (٨) ليست في ط . (٩) فى ط وأ : الأيكي وفي ب : الآملي . وهي نسبة لأمل أكبر مدن طبرستان السهل ياقوت. (١٠) ترجمته في الدرر الكامنة (٣٩٧/٢) والدليل الشافي (٤٢٤/١) وفيه: (( عبد الكريم بن حسن ، الشيخ كريم الدين الآملي » . (١١) في الدرر الكامنة (٢/ ٣٩٧) ثم أُعيد . ٨٦ أحداث سنة ٧١١هـ الفقيه الكبير عز الدّين عبد العزيز بن (١) عبد الجليل: النَّمراويُ(٢) الشافعيّ، كان فاضلاً بارعاً ، وقد صحب سلار نائبَ مصر ، وارتفع في الدنيا بسببه . ابن الرفعة (٣) : هو الإمام العلامة نجم الدين أحمد بن محمد [ شارح ( التنبيه )٤) ، وله غير ذلك(٥)، وكان فقيهاً فاضلاً وإماماً في علوم كثيرة رحمهم الله ]٦) . ثم دخلت سنة إحدى عشرة وسبعمئة استهلت ( والخليفة والسلطان والمباشرون)(٧) هم المذكورون في التي قبلها ، غيرَ الوزير(٨) بمصر فإنَّه عُزل ووُلّي سيف الدين بَكْتَمُر وزيراً . والنَّجم البصراوي عزل أيضاً بعز الدين بن القلانسي(٩) . وقد انتقل الأَفْرَم من صرخد ١٠) إلى نيابة طرابلس [ بإشارة ابن تيمية على السُّلطان بذلك ﴾(١) ومُلِّك(١٢) حماةَ الملك المؤيّد عماد الدين على قاعدة أسلافه . وقد مات نائب حلب أسَنْدَمُر وهي شاغرة عن نائب فيها ، وأَرْغُون الدَّوادار الناصري قد وصل إلى دمشق لتسفير قَرَاسُنْقُر منها إلى حلَبَ، وإحضار سيف الدين كَرَاي إلى نيابة دمشقٌ(١٣) ، وغالب العساكر في ط وأ : الفقيه عز الدين عبد الجليل . وأثبتنا ما في مصادر ترجمته . (١) وترجمته في الدرر الكامنة (٣٧١/٢) وشذرات الذهب (٢٥/٦ -٢٦). ((النَّمراوي)»: نسبة إلى (نَمْرى) من أعمال الغربية من نواحي مصر . هكذا في الشذرات ياقوت. (٢) ترجمته في الدرر الكامنة (٢٨٤/١) وفيه : أحمد بن علي بن مُرتفع بن حازم بن إبراهيم بن العباس . (٣) وطبقات الشافعية للسبكي (١٧٧/٥) والنجوم الزاهرة (٢١٣/٩) والبدائع (٤٤٠/١) وفيه: وفاته سنة (٧١١ هـ). وشذرات الذهب (٦/ ٢٢). (٤) هو : كفاية النبيه في شرح التنبيه في شرح فقه الشافعي . (٥) وذكر صاحب النجوم ، وكذلك صاحب الشذرات أيضاً : الطلب في شرح الوسيط وشرح الوسيط في الفقه أربعين مجلداً . (٦) ليست في ب . (٧) من ب . هو : فخر الدين الخليلي . (٨) بن ، ليست في ط . وهو حمزة بن أسعد بن المظفّر . (٩) (١٠) من صرخد ، ليست في ط ولا أ. (١١) ليست في ب . (١٢) في ط : ونائب حماة الملك المؤيّد وأثبتنا ما في ب . (١٣) النجوم الزاهرة (٩/ ٢٧). ٨٧ أحداث سنة ٧١١ هـ بحلبَ والأَعرابُ محدقةٌ بأطراف البلاد ، فخرج قَرَاسُنْقُر المنصوري من دمشقَ في ثالث المحرم في جميع حواصله وحاشيته وأتباعه ، وخرج الجيش لتوديعه ، وسار معه أَرْغون لتقريره بحلب ، وجاء المرسوم إلى نائب القلعة الأمير سيف الدين بهادر السّنْجري (١) أن يتكلم في أمور دمشق إلى أن يأتيه نائب ، فحضر عنده الوزير والموقعون وباشر النيابة ، [ وقويت شوكته}٢) وقويت شوكة الوزير إلى أن ولّى ولاياتٍ عديدة ، منها لابن أخيه عماد الدين نظر الأسرى (٣) ، واستمرّ في يده . وقَدِم نائبُ السَّلطنة سيف الدين كَرَاي المنصوري إلى دمشقَ نائباً عليها في يوم الخميس الحادي والعشرين من المحرّم وخرج الناس لتلقِّيه ، وأوقدوا الشموع . وأُعيدت مقصورة الخطابة إلى مكانها يوم الأحد٤) رابع عِشْري المحرم ، وانفرج الناس ، ولبس النجم البصراوي خِلعة الإمرة يوم الخميس ثالثَ عشرَ صفر على قاعدة الوزراء بالطرحة ، وركب مع المقدّمين الكبار وهو أمير عشرة بإقطاع يضاهي إقطاع كبار الطبلخانات . وفي يوم الأربعاء سابعَ عشرَ ربيع الأول جلس القضاة الأربعة بالجامع لإنفاذ أمر الشهود بسبب تزويرٍ وقع من بعضهم، فاطلع عليه نائبُ السلطنة فغضب وأمر بذلك ، فلم يكن منه كبير شيء ، ولم يتغير حال. وفي هذا اليوم ولّ الشريف نقيب الأشراف أمين الدين جعفر بن(٥) محيي الدين عدنان نظر الدواوين عوضاً عن شهاب الدين الواسطيّ ، وأعيد تقي الدّين بن الزَّكي(٦) إلى مشيخة الشُّيوخ. وفيه ولّي ابنُ جماعة تدريس الناصرية بالقاهرة ، وضياء الدين النشائي(٧) تدريس الشافعي ، والميعاد العام بجامع ابن طولون ، ونظرَ الأحباس أيضاً . وولي الوزارة بمصر أمين الملك أبو سعيد عوضاً عن الأمير سيف الدين بَكْتَمُر الحاجب في ربيع الآخر(٨). وفي هذا الشهر احتيط على الوزير عز الدين بن القلانسي بدمشق ، ورسم عليه مدة شهرين ، وكان نائب السلطنة كثير الحَنَق عليه ، ثم أُفرج عنه . وأُعيد بدر الدين بن جماعة إلى الحكم بديار مصر في حادي عشرَ ربيع الآخر ، مع تدريس دار في الدرر الكامنة (٤٩٨/١) ولّي نيابة القلعة، وسقطت من ط . وفيه: بهادر الشجري توفي في سنة ( ٧٣٣هـ). (١) (٢) ليست في ب . (٣) في ط : الأسرار . وهو تصحيف . (٤) ليست في ط . في ط : جعفر بن محمد بن محيي الدين، وكذلك هو في الدرر الكامنة (٥١٧/١) . وقد توفي سنة (٧١٤هـ). (٥) (٦) هو : عبد الكريم بن يحيى بن محمد بن الزكي . توفي سنة ( ٧٤٧هـ) . في آوط : النسائي . وأثبتنا ما في ب . (٧) في سابع عشر جمادى الأولى في النجوم الزاهرة (٢٨/٩). (٨) ٨٨ أحداث سنة ٧١١هـ الحديث الكاملية، وجامع ابن طولون والصَّالحية والناصرية ، وحصل(١) له إقبال كثير من السلطان. واستقرّ جمال الدين الزَّرعي على قضاء العسكر وتدريس جامع الحاكم ، ورسم له أن يجلس مع القضاة بين الحنفي والحنبلي بدار العدل عند السلطان (٢) . وفي مستهلّ جُمادى الأولى أشهد القاضي نجمُ الدّين الدمشقي(٣) نائب ابن صَصْرَى على نفسه بالحكم ببطلان البيع في الملك الذي اشتراه٤) ابن القلانسي من تَرِكَةِ المنصوري في الرَّمثلُ) والُوجَّةُ(٦) والفضالية(٧) لكونه بدون ثمن المثل ، ونفذه بقية الحكام ، وأحضر ابن القلانسي إلى دار السعادة وادَّعى عليه بريع ذلك ، ورُسم عليه بها ، ثم حكم قاضي القضاة تقي الدين الحنبلي بصحة هذا البيع وبنقض ما حكم به الدّمشقي ، ثم نَفَّذَ بقيةُ الحكام ما حكم به الحنبلي . وفي هذا الشهر قُرِّر على أهل دمشقَ ألف وخمسمئة فارس لكل فارس خمسمئة درهم ، وضربت على الأملاك والأوقاف، فتألَّم الناس من ذلك تألُّماً عظيماً ، وسُعِيَ إلى الخطيب جلال الدين فسعى إلى القضاة واجتمع النَّاس بكرةَ يوم الإثنين ثالث عشر الشهر واحتفلو(٨) بالاجتماع وأخرجوا معهم المصحف العثماني والأثرَ النبوي والسَّناجق الخليفية ، ووقفوا في الموكب ، فلما رآهم كَرَاي تغيَّظ عليهم ، وشتم القاضي(٩) والخطيبُ(١٠)، وضربَ مجد الدين التُّونسيُ(١١) ورسم عليهم ثم أطلقهم بضمانٍ وكفالة، فتألم الناس من ذلك كثيراً، فلم يمهله الله إلا عشرة أيام فجاءه الأمرُ فجأةً فعُزِلَ وحُبِس، ففرح النّاسُ بذلك فرحاً شديدا١٣ً)، [ ويقال: إن الشيخ تقي الدين بلغه ذلك الخبر عن أهل الشام فأخبر السلطان بذلك فبعثَ من فوره فمسكه شر مسكة (١٣) . وصفة مسكه أن تقدَّم الأمير سيف الدين أَرْغُون الدَّوادار فنزل في القصر ، فلما كان يوم الخميس الثالث والعشرين من جمادى الأولى خلع على الأمير سيف الدين كَرَاي خِلعة سنية ، فلبسها وقبَّل العتبة ، (١) في ط : جعل . وهو تحريف . (٢) الدرر الكامنة (٢ /١٦٠ ). هو : أحمد بن عبد المحسن بن معالي ، وسيأتي في وفيات سنة ( ٧٢٦هـ ). (٣) (٤) في ب : الرئيس عز الدين . بلدة معروفة ، على الحدود السورية الأردنية ، من بلاد الشام . (٥) (٦) الثُّوجة وتعرف اليوم بالصّوجة بالصّاد . وهي مزرعة تابعة لقطناً ، في سورية . في ط : الفصالية بالصاد ، وهي مزرعة معروفة في أول المرج. الدارس (٢/ ٣٦٧). (٧) (٨) في أ : اختلفوا . وأثبتنا ما في ب وط وهو الأشبه . (٩) يعني : ابن صَصْرَى . (١٠) يعني: جلال الدين القزويني. (١١) هو: أبو بكر بن محمد بن قاسم، ذكر من قبل، وسيأتي في وفيات سنة (٧١٨هـ). (١٢) الدارس (٢/ ٢٩٧). (١٣) ليست في ب . ٨٩ أحداث سنة ٧١١هـ وحضر الموكب ومدَّ السِّماط ، فقُيِّدَ بحضرة الأمراء وحُمِل على البريد إلى الكَرَك صُحْبَة غرلو العادليّ ، وبِيْبَرس المجنون(١) . وخرج عزّ الدِّين بن القلانسي من التَّرسيم من دار السعادة ، فصلى في الجامع الظهر ثم عاد إلى داره ، وقد أُوقدت له الشموع ، ودعا له الناس ، ثم رجع إلى دار الحديث الأشرفية فجلس فيها نحواً من عشرين يوماً ، حتى قدم الأمير جمال الدين نائبُ الكَرَك . . وفي هذا الشهر مسك نائب صفر(٢) الأمير سيف الدين قُطْلُوبَك وقُيّد وحمل إلى الكَرَك ، ومسك نائب مصر الأمير سيف الدين بكتمر أمير خازندار وعوض عنه بالأمير ركن الدين(٣) بَيْبَرْس الدَّوادار المنصوري . ومسك نائب غزة، وعوض عنه بالجاولي(٤)، فاجتمع في حبس الكَرَك أسَنْدَمُر نائبُ حلب ، وبَكْتَمُر نائب مصر ، وكَرَاي نائبُ دمشق، وقُطْلُوبك نائب صفد ، وقُلْطَتُمر(٥) نائب غزة وبَتْخَاص(٦) . وقدم جمال الدين آقوش المنصوري الذي كان نائب الكَرَك على نيابة دمشق إليها في يوم الأربعاء رابعَ عشرَ ربيع الآخر ، وتلقّاه الناسُ وأَشعلت له الشموع ، وفي صحبته الخطيري(٧) لتقريره في النّيابة ، وقد باشر الكرك من سنة تسعين وستمئة إلى سنة تسع وسبعمئة وله بها آثار حسنة ، وخرج عز الدين بن القلانسي لتلقّي النائب . وقُرىء يومَ الجمعة كتابُ السُّلطان على السدة بحضرة النائب والقضاة والأعيان ، وفيه الأمر بالإحسان إلى الرعية وإطلاق البواقي التي كانت قد فرضت عليهم أيام كَرَاي، فكثرت الأدعية للسلطان وفرح الناس . وفي يوم الإثنين التاسعَ عشرَ خلع على الأمير سيف الدين بَهَادُرآص بنيابة صفد(٨) فقبّل العتبَةَ، وسار إليها يوم الثلاثاء . وفيه لبس الصدر بدر الدين بن أبي الفوارس خِلعة نظر الدواوين بدمشقَ ، مشاركاً للشريف ابن عدنان (١) الدرر الكامنة (٢٦٧/٣) وبدائع الزهور (٤٤٠/١). وكان مسكه في الثالث والعشرين من جمادى الأولى . وغرلو : هو نائب دمشق لكتبغا كما سيأتي في وفيات سنة ( ٧١٩هـ). (٢) في ط : صفت وهو توقُّم. لأن صَفَت: هي قرية في جوف مصر قرب بلبيس يقال: بها بيعت البقرة التي أُمر بنو إسرائيل بذبحها . ياقوت . والأشبه ما أثبتناه . (٣) العبارة في ط مضطربة وهي فيها : الأمير سيف الدين بكتمر وعوض عنه بالكرك بيبرس الدوادار المنصوري . حيث سقط سطر كامل . وما أثبتناه موافق لما في : النجوم الزاهرة (٩/ ٣٠) وبدائع الزهور (٤٤٠/١). (٤) هو : علم الدين سنجر الجاولي . وسيأتي في وفيات سنة ( ٧٤٥هـ). (٥) في ط : قطلتمز بالزاي ، وهو تحريف . في ط : بنخاص. وما في الدرر الكامنة (١/ ٤٧٢) والنجوم الزاهرة (٢٥/٩) موافق لما أثبتناه . وقد توفي مع (٦) أسندمر في السجن سنة ( ٧١١هـ ). (٧) هو : الأميرِ أيِدَمُر الخطيري . عوضاً عن قُطْلُوبك . وسيأتي في وفيات سنة ( ٧٣٠هـ) . (٨) ٩٠ أحداث سنة ٧١١هـ وبعد ذلك بيومين قَدمَ تقليدُ عز الدين بن القلانسي وكالة السُّلطان على ما كان عليه ، وأنه أَعفيَ عن الوزارة لكراهته لذلك . وفي رجب باشر ابن السّلعُوس نظر الأوقاف عوضاً عن شمس الدين بن عدنان (١). وفي شعبانَ ركب نائبُ السَّلطنةُ(٢) بنفسه إلى أبواب السُّجون ، فأطلقَ المحبوسين بنفسه ، فتضاعَفَتْ له الأدعيةُ في الأسواق وغيرها . وفي هذا اليوم قدم الصّاحب عز الدين بن القلانسي من مصرَ فاجتمع بالنائب وخلع عليه ومعه كتاب يتضمَّن احترامه ، وإكرامه ، واستمرارَه على وكالة السُّلطان، ونظر الخاص، والإنكار لما ثَبَتَ عليه بدمشقَ ، وأنَّ السلطان لم يعلم بذلك ولا وَّل فيه ، وكان المساعد له على ذلك کریم الدّين ناظر الخاص السلطاني ، والأمير سيف الدين أَرْغُون الدَّوادار(٣). وفي شعبانَ منع ابن صَصْرَى الشهود والعقاد [ من جهته، وامتنع غيرهم أيضاً وردهم المالكي }(٤) . وفي رمضان جاء البريد بتوليه زين الدين كَتْبُغَا المنصوري حجوبيّة الحُجّاب، والأمير بدر الدين بَكْتُوت(٥) القَرَمانيّ شدَّ الدّواوين عوضاً عن طُؤْغَال(٦) ، وخلع عليهما معاً . وفيها ركب بهَادُر السَّنْجَري نائبُ قلعة دمشق على البريد إلى مصرَ وتولا ها سيفُ الدّين بَلَبَان البدري ، ثم عاد السِّنْجَري في آخر الشهر(٧) على نيابة البِيْرَة ، فسار إليها . وجاء الخبر في آخر رمضان(٨) بأنّه قد احتيط على جماعة من قُصَّاد المسلمين ببغدادَ ، فقتل منهم ابن العقاب وابن البدري(٩) ، وتخلّص عُبيدةُ وجاء سالماً . وخرج المحْمَلُ في شوال وأمير الحاج الأمير علاء الدين طَيْبُغَا أخو بَهَادُرَآص . وفي عاشر١٠) ذي القعدة جاء الخبر بأن الأمير قَرَاسُنْقُر رجع من طريق الحجاز بعد أن وصل إلى بركة (١) ليست في ط . في ب : جمال الدين الأفرم . (٢) الدرر الكامنة (٢ /٧٥ ) . (٣) (٤) ليست في ب . في ط : ملتوبات وهو تصحيف . (٥) (٦) هو : طوغان المنصوري ، وممَّن مسك هذا العام . الدرر الكامنة (٢٢٨/٢). في ط : النَّهار . (٧) (٨) سقط من ط . في ط : ابن البدر . (٩) (١٠) في أوط: آخر ، وفي ب: عاشر، وهو الصّواب، لأن التسلسل الزمني يقتضيه، وخروجه من حلبَ كان في منتصف شوّال متجهاً إلى مهنّا . ٩١ وفيات سنة ٧١١هـ زيزاء(١) ، وأنه لحق بمهَنَّا بن عيسى ، فاستجارَ به خائفاً على نفسه ومعه جماعةٌ من خواصه ، ثم سار من هناك إلى التَّتَر بعد ذلك كله، وصحبَهُ الأَفْرَمُ(٢) والزَّرَدْكَاشُ (٣). وفي العشرين من ذي القعدة وصل الأمير سيف الدين أَزْغُون في خمسة آلاف إلى دمشق وتوجّهوا إلى ناحية حمصَ ، وتلك النواحي . وفي سابع ذي الحجّة وصل الشيخ كمال الدين بن الشُّريشي من مصرَ مستمراً على وكالته(٤) ، ومعه توقيعٌ بقضاء العسكر الشامي ، وخُلِعَ عليه في يوم عَرَفَةٌ(٥) . وفي هذا اليوم وصلت ثلاثةُ آلاف عليهم سيف الدين ملِّي(٦) من الديار المصرية فتوجَّهوا وراء أصحابهم إلى البلاد الشمالية . وفي آخر الشهر وصل الشيخ(٧) شهاب الدين الكاشغري(٨) من القاهرة ومعه توقيعٌ بمشيخة الشُّيوخ ، فنزل في الخانْقَاه ، وباشرها بحضرة القُضاة والأعيان ، وانفصل ابنُ الزَّكي عنها . وفيه باشر الصَّدْرُ علاء الدين بن تاج الدين بن الأثير (٩) كتابةَ السرِّ بمصرَ ، وعزل عنها شرف الدين بن فضل الله إلى كتابة السرّ بدمشقَ ، عوضاً عن أخيه محيي الدّين ، واستمرَّ محيي الدين على كتابة الدست بمعلومه أيضاً . والله أعلم . وممّن توفي فيها من الأعيان : الشيخ الرئيس بدر الدين : محمد بن رئيس الأطباء أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن طرخان الأنصاريُ(١٠) - من سلالة سعد بن معاذ - السُّويدي، من سُوَيْداء حَوْران، سمعَ الحديثَ وبرع في الطبّ . (١) في ط : زيرا بالراء والقصر، وهي من قرى البلقاء ، يطؤها الحجاج ، ويقام لهم بها أسواق ، وفيها بركة عظيمة . ياقوت ، وكذلك في النجوم الزاهرة (٣١/٩). هو : جمال الدين أقوشٍ . (٢) هو : الأمير عز الدين أَزْدَمُر الزَّرَدْكاش. وسيأتي في أحداث سنة ( ٧١٢هـ). (٣) في ب : على وكالة بيت المال . (٤) (٥) في ب : بذلك وهنأه النّاس في خلعته . لم أهتد لمعرفته ، ولعلّه : سيف الدّين منكلي ، وكان أعظم خاصية الناصر محمد بن قلاوون توفي في القاهرة في (٦) حدود سنة ثلاثين وسبعمئة . الدرر الكامنة (١٣٦/٥) والدليل الشافي (٧٤٤/٢). (٧) ليست في ط . في ط : الكاشنغري ، وهو تحريف ، وسيأتي في وفيات سنة ( ٧١٦هـ). (٨) (٩) هو : علي بن أحمد بن سعيد . وسيأتي في وفيات سنة ( ٧٣٠هـ). قال ابن حجر في الدرر الكامنة ( ١٤/٣) : عن موعدة وعدها لابن الأثير عندما كان الناصر في الكرّك . (١٠) ترجمته في الدرر الكامنة (٢٩٤/٣) والدارس (١٣٢/٢). ٩٢ وفيات سنة ٧١١هـ توفي في ربيع الأول ببستانه بقرب الشِّبليّة (١)، ودفن في تربة له في قبة فيها عن سبعين (٢) سنة . الشَّيخ شعبانُ بن أبي بكر بن عمر الأربلي(٣) : شيخ الحلبيّة بجامع بني أمية ، كان صالحاً مباركاً فيه خيرٌ كثيرٌ ، كان كثير العبادة وإيجاد الراحة للفقراء ، وكانت جنازته حافلة جداً ، صلّي عليه بالجامع بعد ظهر يوم السبت تاسع عشرين رجب ودُفن بالصُّوفية ، وله سبع وثمانون سنة ، وروى شيئاً من الحديث وخرّجْتُ له مشيخةً حضرها الأكابر رحمه الله . [ وقبله بيوم واحدٍ توفي نائب الإسكندرية بَكْتُوت أمير شِكَار (٤). الشيخ ناصرُ الدِّينُ(٥) يحيى بن إبراهيم(٦): بن محمد بن عبد العزيز العُثْماني، خادم المُصحف العثماني نحواً من ثلاثين سنة ، وصُلِّي عليه بعد الجمعة سابع رمضانَ ودفن بالصوفية ، وكان لنائب السَّلطنة الأفرم فيه اعتقاد ووصله منه افتقاد ، وبلغ خمساً وستين سنة . الشَّيخ الصالح الجليل القدوة : أبو عبد الله محمد ابن الشيخ القدوة إبراهيم بن الشيخ عبد الله الأرموي (٧) ، توفي في العشرين من رمضان بسفح قاسيون ، وحضر الأمراء والقضاة والصدور جنازته وصلّي عليه بالجامع المظفَّري(٨)، ثم دفن عند والده، وغلق يومئذ سوق الصالحية له ، وكانت له وجاهة عند الناس وشفاعة مقبولة ، وكان عنده فضيلة وفيه تودد ، وجمع أجزاءً في أخبار جَدِّهه) ، وسمع الحديث وقارب السبعين رحمه الله . هي: المدرسة الشبلية الحسامية البرانية. الدارس (١٣٢/٢). (١) في ط : ستين ، وما أثبتناه الصّواب، وهو كذلك في الدرر والدارس. (٢) ترجمته في الدرر الكامنة (١٨٩/٢) وشذرات الذهب (٢٦/٦). (٣) (٤) ما بين الحاصرتين زيادة من ب . وترجمته في الدرر الكامنة (٤٨٩/١) والنجوم الزاهرة (٢١٧/٩) وفيها : كان خاز ندار ثم أمير شكار ، ثم نائب السلطنة بثغر الإسكندرية ، ومات بعد عزله عنها في ثامن رجب ، وفيه نظر . أقول : لعلَّه ثامن عشرين رجب ، لأنَّ الشَّيخ شعبان الذي مات بعده وسَبقت ترجمته مات في تاسع عشرين أو العكس ، أي : تكون وفاة الشيخ شعبان في تاسع رجب فقط . فليحرر . (٥) في ب : الشيخ ناصر الدين محمد بن يحيى بن إبراهيم . لم أقع على ترجمة له . (٦) (٧) في ط الأموي. وترجمته في الدرر الكامنة (٢٨٣/٣) والدارس (١٩٦/٢). (٨) ويعرف بجامع الحنابلة ، ويقع في سفح قاسيون. ويعرف كذلك بجامع الجبل. الدارس (٤٣٥/٢) . في ط : جيدة وهو تحريف . (٩) وجدُّه هو : عبد الله بن يونس الأموي، صاحب الزاوية الأرموية ، والمتوفّى سنة (٦٣١هـ) الدارس ( ١٩٦/٢) ومنادمة الأطلال ص (٢٩٩). ٩٣ وفيات سنة ٧١١هـ ابن الوحيد الكاتب(١): هو الصّدر شرفٌ الدّين أبو عبد الله محمد بن شريف بن يوسف الزُّرَعي المعروف بابن الوحيد ، كان موقّعاً بالقاهرة ، وله معرفة بالإنشاء ، وبلغ الغاية في الكتابة في زمانه ، وانتفع الناس به ، وكان فاضلاً مقداماً شجاعاً ، توفي بالمَارِسْتان المنصوري بمصر يوم الثلاثاء(٢) سادسَ عشرَ شعبانُ(٣). الأميرُ ناصر الدين(٤): محمد بن عماد الدين حسن بن النسابي(٥) أَحدُ أمراء الطَّبْلَخَانات، وهو حاكم البُنْدق ، ولّي ذلك بعد سيف الدِّين بَلَبَان . توفي في العشر(٦) الآخر من رمضان . التَّميمي الدَّاري(٧): توفي يوم عيد الفطر ودفن بالقرافة الصغرى ، وقد ولّي الوزارة بمصر ، وكان خبيراً كافياً ، مات معزولاً ، وقد سمع الحديث وسمع عليه بعض الطلبة . وفي ذي القعدة جاء الخبر إلى دمشق بوفاة الأمير الكبير أسَنْدَمُر(٨). وبَتْخَاصُ(٩) في السجن بقلعة الكَرَك . القاضي الإمام العلامة الحافظ: سعد الدين مسعود الحارثي(١٠) الحَنْلي الحاكم بمصرَ، سمعَ الحديثَ، وجمَع وخرّج وصنّ ، وكانت له يدٌ طُولَى في هذه الصِّناعة والأَسانيد والمُتُون ، وشرح قطعة من ((سنن أبي داود)) فأجاد وأفاد، وأحسن الانتقاد(١١)، رحمه الله تعالى، والله أعلم (١٢). (١) ترجمته في فوات الوفيات (٣٩٠/٣) والدرر الكامنة (٤٥٣/٣ - ٤٥٦) والنجوم الزاهرة (٢٢٠/٩) وشذرات الذهب (٦/ ٢٧). (٢) ليست في ط . في أوط : شوال ، والتصحيح من ب ومصادر ترجمته . (٣) ترجمته في الدرر الكامنة ( ٤٢٥/٣) . وفيه النسابي . (٤) (٥) في ط : النسائي . (٦) في ط : العشرين . في ب : الصاحب الكبير الوزير فخر الدين عمر بن الشيخ مجد الدين عبد العزيز بن الحسن الخليلي التميمي (٧) الداري ، وترجمته في الدرر الكامنة (١٧٠/٣) والنجوم الزاهرة (٢٢٠/٩) والدارس (٢٨١/١) وشذرات الذهب (٦/ ٢٨). ترجمته في الدرر الكامنة (٣٨٧/١) وفيها وفاته سنة (٧٢١هـ) وأشير في الحاشية إلى أنه سنة (٧١١هـ) والنجوم (٨) الزاهرة (٣٠/٩) وفيها: أسَنْدَمُر الكُرْجي والدارس (١/ ٣٠). وفيه: أُسَنْدمَر الكوفي، وهو تصحيف. (٩) ترجمته في الدرر الكامنة (٤٧٢/١) وفيها: بنخاص، والنجوم الزاهرة (٢٤/٩) وما فيها موافق لما في أ. (١٠) ترجمته في الدرر الكامنة (٣٤٧/٤) وفيه: منسوب إلى قرية الحارثيّة من قرى بغداد والنجوم الزاهرة (٢٢١/٩) وشذرات الذهب (٢٨/٦). (١١) في ط : وحسن الإسناد. وهو تصحيف . (١٢) ورد في أ هذه الزيادة : = ٩٤ وفيات سنة ٧١١هـ ۔ فصل ۔ قال الشيخ الإمام العلامة شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الهادي بن عبد الحميد بن عبد الهادي بن يوسف بن محمد بن قدامة المقدسي في كتابه الذي جمعه في ترجمة الشيخ تقي الدين بن تيمية . لمّا كان في شهر رجب من سنة إحدى عشرة وسبعمئة جاء رجل من أعيان أهل مصر إلى أخي الشيخ شرف الدّين ، وهو في مسكنه بالقاهرة فقال : إنّ جماعة بالجامع قد تعصّبوا على الشيخ وتفرّدوا به ، وضربوه . فقال : حسبنا الله ونعم الوكيل . وكان بعض أصحاب الشيخ حاضراً عنده ، فقام وأتى مصر . يقول : فوجدت خلقاً من أهل الحسينية ، وغيرها رجالاً وفرساناً يسألون عن الشيخ ، فجئت فوجدته بمسجد الفخر كاتب المماليك على البحر ، وقد اجتمع عنده جماعة كثيرة ، وتتابع الناس في المجيء إليه ، فقال له بعضهم : يا سيدي قد جاء خلق من الحسينية لو أمرتهم أن يهدموا مصر كلَّها لفعلوا ، فقال : لأي شيء ؟ قالوا : نصرة لك وقياماً لحقك . فقال لهم : هذا ما لا يجوز . قالوا : فنحن نذهب إلى بيوت هؤلاء الذين آذوك ، فنقتلهم ونخربُ بيوتهم . فقال : هذا لا يحل . قالوا : فهذا الذي فعلوه معك يحل ؟! هذا شيء لا نصبر عليه ، ولا بد أن نؤذي من آذاك . فجعل الشيخ ينهاهم ويسليهم ، وهم مصمّمون على ذلك . فقال لهم : إما أن يكون الحقُّ إليَّ أو إليكم ، أو لله ، فإن كان الحق لي فهم في حلِّ منه، وإن كان لكم فإن لم تسمعوا مني فلا تستفتوني وافعلوا ما شئتم ، وإن كان الحق لله ، فالله يأخذ حقه كما يشاء ، وكيف يشاء ممّن يشاء إن شاء . قالوا : فهذا الذي فعلوه معك هو حلال ؟ !. قال : فهذا الذي فعلوه معي قد يكونون مثابين عليه مأجورين فيه . قالوا : فتكون أنت على الباطل وهم على الحق إذا قلت : إنهم مأجورون فيه ، فاسمع منه وخذ بقولهم ، ووافقهم على قولهم . فقال لهم : ما الأمر على ما تزعمون ، فإنهم قد يكونون مجتهدين مخطئين ، ففعلوا ذلك الذي فعلوه باجتهادهم ، والمجتهد المخطىء له أجر اجتهاده ، فلما قال لهم ذلك ، قالوا له : اركب معنا حتى ندخل القاهرة ، فقال : لا ، ثم سأل عن وقت العصر ، فقيل له : إنه قريب . فقام قاصداً إلى الجامع لصلاة العصر ، فقيل له : إن أعداءك قد تواصَوْا عليك أن يقتلوك في الجامع ، فإنهم يتمكنون منك حينئذ ، فصلٌ حيث كان ، فأبى إلا الذهاب إلى الجامع والصلاة فيه . فخرج وتبعه خلق كثير من محبيه ، لا يرجعون عنه ، فأراد ردّهم عنه ، فأبوا ، فامتلأ الطريق بالناس ، فقال له من كان قريباً منه : ادخل إلى هذا المسجد ، وإذا مسجد في الطريق ، واقعد فيه حتى يخفّ عنك الناس لئلا يموت أحد من الزحام ، فدخل المسجد ولم يجلس فيه ، بل وقف وأنا معه ، فلمّا خف الناس خرج منه طالباً للجامع العتيق ، فمرّ على طريقه بقوم يلعبون بالشّطرنج على مصطبة بعض حوانيت الحدادين ، فقبض الرُّقعة ، وقلبها ، فبهت الذي يلعب بها والناس من فعله ذلك . ٩٥ أحداث سنة ٧١٢هـ ثم دخلت سنة اثنتي عشرة وسبعمئة استهلّت والذي فيه هو : الخليفة والسلطان هما هما ، ونائب مصر ركن الدين بيبرس ، والوزير أمين الملك والقضاة هم ، ونائب الشام جمال الدين آقوش نائب الكرك ، وليس به وزير ، والقضاة لم يتغيروا ، والخطيب جلال الدين القزويني ، ومحتسب البلد فخر الدين سليمان أخو الصاحب نجم الدين البصراوي ، وكاتب السرّ شرف الدين فضل الله ، وناظر الخزانة عز الدين بن القلانسي. وفي خامس المُحرّم توجَّه الأميرُ عز الدين أزْدَمُر الزَّرَدْكَاش وأميران معه إلى الأَفْرم ، وساروا ثم مضى إلى الجامع فلما دخله قيل : الآن يغلقون عليه وعلى أصحابه أبواب الجامع ويقتلونهم ، فصلّى ركعتين ، = فلمّا سلَّم منهما أذَن للعصر ، فصلى ، ثم افتتح كلامه بحمد الربّ تعالى ، ثم تكلم في المسألة التي كانت الفتنة بسببها إلى أذان المغرب ، فخرج أتباع خصومه وهم يقولون : والله لقد كنا غالطين في هذا الرجل ظالمين له بقيامنا عليه ، والله إن الذي يقوله هذا هو الحق ، ولو تكلم بغير الحق لم نمهله إلى أن يسكت ، بل كنا نبادر إلى الإنكار عليه ، وإلى قتله ، ولو كان هذا يبطن خلاف ما يظهر لم يخف علينا ، فإن لكلامه وقعاً في القلوب وحلاوة ، وعليه طلاوة ، وصاروا فريقين يخاصم بعضهم بعضاً . قال : ورحنا معه إلى بيت ابن عمه على البحر ، فبتنا عنده . وقال الشيخ علم الدين البرزالي : وفي العشر الأوسط من رجب سنة إحدى عشرة وقع أذى في حقّ الشيخ بمصر ، وذلك أنّه ظفر به بعض أعدائه ومبغضيه في مكان خالٍ فأساء عليه الأدب ، وحضر جماعة كثيرة من الجند وغيرهم إلى الشيخ لأجل الانتصار له ، فلم يجب إلى ذلك ، ولو علم السلطان بذلك لأهان من آذاء إهانة بالغة ، ولكن كتب إلى المقاتلين يذكر أن ذلك وقع من فقيه بمصر يعرف بالبكري حصل منه إساءة أدب وأمره أن لا يُعلم السلطان بذلك ، ثم إنّ البكري طَلبَ فهرب واختفى . ثم مضى إلى بعض الأمراء الكبار ، فشفع فيه مع جماعة آخرين من الأمراء ، مع أنّ الشيخ ما تكلم فيه ولا اشتكى ، ولو حصل منه شكوى لوقع لذلك المؤذي عظيم . بل قال الشيخ : أنا لا أنتصر لنفسي . قال : وقد توفي في غيبة الشيخ عن دمشق جماعة من أصحابه وساداتهم منهم : الشيخ الإمام القدوة العابد العارف المسلك عماد الدين أبو العباس أحمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن الواسطي المعروف بابن شيخ الحزاميّة . توفي يوم السبت سادسَ عشرَ شهر ربيع الآخر من سنة إحدى عشرة وسبعمئة ، وكان رجلاً صالحاً ورعاً كبير الشأن ، منقطعاً إلى الله، متوفراً على العبادة والسلوك، وله تصانيف كثيرة في أعمال القلوب وغيرها وقد شرح: ((منازل السائرين)) في ثلاث مجلدات شرحاً جيداً، وله رسائل وكتب إلى أصحابه تتضمّن علوماً وفوائد جمَّة ، وله رسالة إلى أصحاب الشيخ تقي الدين فيها الوصاة بملازمة الشيخ ، والحث على اتباع طريقة الشيخ ، وفيها الثناء على علوم الشيخ وأعماله ، وذكر فيها : أنَِّ قد خالط جميع الطرائق من الفقهاء والفقراء وغيرهم ، وسافرت بلاداً كثيرة غرباً وشرقاً ويمناً ومصر وشاماً ، فلم أرَ تَحْتَ أديم السّماء مثل شيخكم وشيخنا الشيخ الإمام العالم العلامة تقي الدين بن تيمية ، وسأذكر هذه الرسالة إن شاء الله تعالى عند وفاة الشيخ إذا انتهينا إلى ذلك في سنة ثمان وعشرين وسبعمئة - وهذا الفصل لم يذكره المؤلف رحمه الله تعالی . ٩٦ أحداث سنة ٧١٢ هـ بأجمعهم حتّى لحقوا بَقَراسُنْقُر وهو عند مهنًّا، وكاتبوا السُّلطان ثمّ ساروا نحو التتر(١) وكانوا كالمستجيرين من الرَّمضاء بالنَّار . وجاء البريد في صفر(٢) بالاحتياط على حواصل الأَفْرم وَقَارسُنْقُر والزَّرَدْكَاش وجميعِ ما يتعلّق بهم ، وقُطعَ خبرُ مهنّا، وجُعل مكانه في الإِمْرة أخوه فضلٌ(٣) ، وعادت العساكر صحبة أرغون من البلاد الشمالية ، وقد حصل عند الناس من قَرَاسُنْقُر وأصحابه هَمٌّ وَغَمٌّ وحُزْنٌ . وقدم سُودِي من مصرَ على نيابة حلبَ ، فاجتاز بدمشقَ [ فخرج الناس والجيش لتلقيه (٤) ، وحضر السماط ، وقرىء مرسوم السلطان(٥) بطلب جمال الدّين نائب دمشقَ إلى مصرَ ، فركب من ساعته على البريد إلى مصر وتكلّم في نيابته لغيبة قرالاجين (٦) . وطُلب في هذا اليوم قطب الدّين موسى بن شيخ السّلامية ناظر الجيش إلى مصر ، فركب في آخر النَّهار إليها فتولّى بها نظر الجيش عوضاً عن فخر الدين الكاتب كاتب المماليك بحكم عزله ومصادرته وأخذ أمواله الكثيرة منه في عاشر ربيع الأول . وفي الحادي عشر منه باشر الحكم للحنابلة بمصر القاضي تقي الدين أحمد بن العز(٧) عمر بن عبد الله بن عمر بن عوض المقدسي ، وهو ابن بنت الشيخ شمس الدّين بن العماد(٨) أول قضاة الحنابلة . وقدم الأميرُ سيف الدّين تَمُر(٩) على نيابة طرابلس عوضاً عن الأَقْرم بحكم هربه إلى الَّتر. وفي ربيع الآخر مُسك بيْبَرس العلائي نائبَ حمص وبِيْبَرس المجنون وطُوْغَان وجماعةٌ آخرون من الأمراء سنَّةٌ في نهار واحد١٠) ، وسُيِّرُوا إلى الكَرَك معتقلين بها . وفيه مُسك نائبُ مصرَ الأمير ركن الدين بِيْبَرس الدَّوادار المنصوريُ(١١)، وولي بعده أَزْغُون الدَّوادار. (١) ليست في ط . وهي في ب أيضاً . في ب : من مصر . بدلا من صفر . وهو غير بعيد أيضاً . (٢) في أوط : محمداً بالنصب وفي ب : محمدٌ بالرفع نائب فاعل لجُعلِ ، وأثبتنا ما في الدرر الكامنة (٢٣١/٣) وابن (٣) خلدون (٤٣٩/٥) والنجوم الزاهرة (٣٤/٩) فليحرَّر. (٤) ليست في ب والذي في ب : فركب الجيش صحبة القائد لتلقّيه . (٥) في ط : المنشور . (٦) في ط : لاجين . وهو : حسام الدين قرالاجين بن عبد الله المنصوري توفي في سنة (٧١٥هـ) ترجمته في الدرر الكامنة (٣٣٢/٣) وفيه: قراجين المنصوري. والدليل الشافي (٥٤٠/٢). (٧) في ط : المعز . (٨) هو: شمس الدين أبو بكر وأبو عبد الله محمد بن العماد إبراهيم. مات سنة (٦٧٦ هـ) النجوم الزاهرة (١٣٤/٧). (٩) هو: تُمُر السّاقي المنصوري مات سنة (١٤٣هـ). الدرر الكامنة (٥١٩/١). (١٠) ومنهم : سنجر البرداني، وبيبرس التاجي. النجوم الزاهرة (٩/ ٣٤). (١١) هو صاحب التاريخ المشهور . ٩٧ نيابة تنكز على الشام ومسك نائبُ الشام جمال الدين نائبُ الكَرَك ، وشمس الدين سُنْقُر الكمالي حاجب الحجَّاب بمصر ، وخمسةٌ أمراء آخرون (١) ، وحبسوا كلهم بقلعة الكَرَك ، في برج هناك . وفيه وقع حريقٌ داخل باب السَّلامةُ(٢) احترق فيه دورٌ كثيرة منها دار ابن أبي الفوارس ، ودار الشريف القباني . نيابةُ تَنْكِز على الشّامُ(٣) في يوم الخميس العشرين من ربيع الآخر دخل الأمير سيف الدين تَنْكِز بن عبد الله الحسامي الناصري نائباً على دمشق بعد مسك نائب الكرك(٤) ومعه جماعة من مماليك السلطان منهم الحاج أَرُقْطَاي(٥) على خبز بِيْبَرْس العلائي ، وخرجَ النَّاس لتلقيّه وفرحوا به كثيراً ، ونزل بدار السعادة ، ووقع عند قدومه مطرٍ(٦) عظيمٌ ، وكان ذلك اليوم يومَ الرابع والعشرين من آب ، وحضر يوم الجمعة الخطبة بالمَقْصورة وأُشعلت له الشُّموع في طريقه ، وجاء توقيع لابن صَصْرَى بإعادة قضاء العسكر إليه ، وأن يَنْظُر الأوقاف فلا يشاركه أحدٌ في الاستنابة في البلاد الشامية على عادة من تقدّمه من قضاة الشّافعية . وجاء مرسوم لشمس الدين أبي طالب بن حُمَيد(٧) بنظر الجيش عوضاً عن ابن شيخ السلامية بحكم إقامته بمصر . ثم بعد أيام وصل الصَّدر معين الدين(٨) هبة الله بن حشيش(٩) ناظر الجيش وجعل ابن حميد بوظيفة ابن البدر ، وسافر ابن البدر على نظر جيش طرابُلُس . [وتولى أَرْغُون نيابة مصر ]١٠) . (١) ومنهم : لاجين الجاشْتكير، بينجار، وألدُكُز الأشرفي، ومغلطاي. النجوم الزاهرة (٩/ ٣٤). (٢) في ط : السّلامية. وهو باب السّلام ، المعروف في دمشق. الخبر في : فوات الوفيات (٢٥١/١) والدرر الكامنة (٥٢٥/١) والنجوم الزاهرة (٣٤/٩) والبدائع (٤٤١/١). (٣) (٤) أي : جمال الدين آقوش . أرُقطاي القفجي المشهور بالحاج، ولي بعد ذلك نيابات عديدة إلى أن توفي سنة (٧٥٠هـ) الدرر الكامنة (٥) (١/ ٣٥٤) . في ط : من مصر فرح . (٦) (٧) هو: أبو طالب بن عباس بن أبي طالب بن أحمد بن حميد شمس الدين، توفي سنة (٧٤١هـ) الدرر الكامنة (٢١٥/٢) . (٨) في أ: شمس الدين. وأثبتنا ما في الدرر (٤٠٣/٤) وكذلك في الشذرات (٦/ ٩٢). (٩) في ط : خشيش بالخاء . (١٠) ليست في ب ، والذي فيها : في جمادى الأولى وصل البريد بمباشرة الأمير سيف الدين أرغون. ٩٨ نيابة تنكز على الشام وعاد فخر الدين كاتب المماليك إلى وظيفته مع استمرار قطب الدين ابن شيخ السلامية أيضاً مباشراً معه . وفي هذا الشَّهر قام الشَّيخ محمد بن قَوَّامُ(١) وجماعةٌ من الصَّالحين على ابن نهرةً(٢) المغربي الذي كان يتكلّم بالكلاَّسة ، وكتبوا عليه محضراً يتضمَّن استهانته بالمُضْحف ، [ وأنّه يتكلّم في أهل العلم ، فأُحضر إلى دار العدل فاستسلم وحُقِن دمه ]٣) وعُزِّر تعزيراً بليغاً عنيفاً وطِيفَ به في البلد باطنِهِ وظاهرِه ، وهو مكشوفُ الرأسِ ووجهُه مقلوبٌ وظهره مضروب ، يُنادى عليه : هذا جزاء من يتكلّم في العلم بغير معرفة ، ثم حُبس وأُطلق فهرب إلى القاهرة ، ثم عاد على البريد في شعبان ورجع إلى ما كان عليه . وفيه قدم بَهَادُرآص من نيابة صفد إلى دمشقَ وهنَّه الناس . وفيه قدمَ كتابٌ من السلطان إلى دمشق يتضمَّنُ(٤) أن لا يولّى أحدٌ بمال ولا برِشْوة ، فإِنَّ ذلك يُفْضي إلى ولاية من لا يستحق الولاية ، [ وإلى ولاية غير الأهل }٥) ، فقرأه ابن الزَّمْلَكاني على السُّدَّة وبلغه عنه ابن صَبِيحُ(٦) المؤذّن ، وكان سبب ذلك الشَّيخ تقي الدين بن تيمية رحمه الله . وفي رجبٍ وشعبانَ حصل للنّاس خوفٌ بدمشق (٧) بسبب أن التَّتَر قد تحرَّكوا [ للمجيء إلى الشام ٨) ، فانزعجَ النّاسُ من ذلك وخافوا ، وتحول كثير منهم إلى البلد ، وازدحموا في الأبواب ، وذلك في شهر رمضان، وكثُرت الأَراجيفُ بأنهم قد وصلوا إلى الرَّحْبَةُ(٩) ، وكذلك جرى واشتُهر بأنَّ ذلك بإشارة قَرَاسُنْقُر وذَويه فالله أعلم . وفي رمضانَ جاء كتابُ السلطان أنَّ من قَتَلَ لا يجني أحدٌ عليه ، بل يتبع القاتلُ حتى يقتصَّ منه بحكم الشرع الشريف، فقرأه ابن الزَّمْلكاني على السُّدَّة بحضرة نائب السَّلطنة١٠) تنكز [ وسببه ابن تيمية ، هو أمر بذلك وبالكتاب الأول قبله }(١). سيأتي في وفيات سنة (٧١٨هـ) . (١) (٢) في ط : ابن زهرة . (٣) ليست في ب . ليست في ط . (٤) (٥) ليست في ب . في ط : ابن حبيب. وهو توهُّم . وسيأتي في وفيات سنة (٧٢٥هـ) . (٦) ابن خلدون (٤٢٦/٥) والنجوم الزاهرة (٣٤/٩) وبدائع الزهور (٤٤٢/١). (٧) ليست في ب ، والذي فيها : یریدون قصد البلاد . (٨) (٩) ((الرَّحْبةَ)): قرية من قرى دمشق خربت الآن وهي على مسيرة يوم منها. ياقوت. (١٠) في ط : ابن . (١١) ليست في ب . ٩٩ نيابة تنكز على الشام وفي أوّل رمضانَ وصل التتر إلى الرَّحبَة فحاصروها عِشرينَ يوماً، وقاتلهم نائبُها الأميرُ بدر الدين موسى الأزدكشي(١) خمسة أيام قتالاً عظيماً، ومنعهم منها، فأَشار رشيدُ الدَّولة بأن ينزلوا إلى خدمة الشُّلطان خَرْبَتْدا ويهدوا له هدية ويطلبون منه العفو ، فنزل القاضي نجم الدِّين إسحاق ، وأدوا له خمسةَ رؤوس خیلٍ ، وعَشْرَةَ أبالیجَ سُگّرٍ ، فقبل ذلك ورجع إلى بلاده . وكانت بلاد حلب وحماة وحمص قد أُخْلُوْا منها وخرب أكثرها ، ثم رجعوا إليها لما تحقّقوا رجوع الشَّتر عن الرَّحبة ، وطابت الأخبار وسكنت النفوس ودقت البشائر وتركت الأئمة القُنُوتَ ، وخطب الخطيبُ يومَ العيد وذكّر الناس بهذه النعمة . وكان سبب رجوع التتر قلةُ العلف وغلاء الأسعار وموت كثير(٢)، وأشار على سُلطانهم بالرُّجوع الرَّشيدُ وجُوْبانٌ(٣) . وفي ثامن شوَّال دُقّت البشائر بدمشقَ [ بسبب خروج السُّلطان من مصرَ لأجل ملاقاة النَّتَر ]٤) ، وخرج الرَّكبُ في نصفِ شوَّال وأميرُهم حسام الدين لاجين الصَّغير ، الذي كان واليَ البر ، وقدمت العساكر المصرية أرسالَ(٥) ، وكان قدوم السُّلطان ودخوله دمشق يوم الثلاثاء(٦) ثالث عشرين شوال ، واحتفل الناس لدخوله ونزل القلعة وزُيّنت البلد ودُقَّت (٧) البشائر، ثم انتقل بعدَ لَيْلَتينِ(٨) إلى القصر وصلّى الجمعة بالجامع بالمقصورة وخَلع على الخطيب ، وجلس في دار العدل يوم الإثنين ، وقدم وزيره أَمينُ الملك يوم الثُّلاثاء عشرين الشهر . وقدم صحبةَ السُّلطان الشيخ الإمام العالم العلاَّمة تقيُّ الدين أبو العبَّاس أحمد بن تيميّة إلى دمشقَ يوم الأربعاء مُسْتهلّ ذي القعدة ، وكانت غيبتُه عنها سبعَ سنين ، ومعه أخواه وجماعةٌ من أصحابه ، وخرج خلقٌ كثير لتلقّيه وسُّوا بقدومه وعافيته ورؤيته ، [ واستبشروا به حتى خرج خلقٌ من النِّساء أيضاً لرؤيته (٩)، وقد كان السُّلطان صحبه معه من مصرَ ، فخرج معه بنيّة الغَزَاة، فلمَّا تحقَّق عدمُ الغزاة [ وأن التتر رجعوا إلى بلادهم١٣) فارق الجيشَ من غزَّة وزار القدس وأقام به أياماً ، ثم سافر على عَجْلُون (١) هو : موسى بن أبي بكر الأزدكشي: كانت له اليد البيضاء في قتال التتر ، مات سنة (٧١٥هـ) بدمشق. الدرر الكامنة (٣٨٤/٤) . في ط : منهم . وفي ب : من التتار ونزول القاضي ومن معه يطلبون العفو في شهر رمضان . (٢) (٣) هما من أعوان خَرْبَندا . ليست في ب ، والذي : لمجيء الخبر بخروج السلطان إلى الشام . (٤) (٥) ((الأرسال)): ج رَسَل ، وهو الجماعة والقطيع من كل شيء. (٦) ليست في ط . (٧) في ط : وضربت . في ط : ليلتئذٍ . (٨) (٩) ليست في ب . (١٠) ليست في ب. ١٠٠ نيابة تنكز على الشام وبلاد السَّواد وَزَرع ، ووصل دمشقَ في أول يوم من ذي القعدة ، فدخلَها فوجد السُّلطان قد توجّه إلى الحجاز الشريف في أربعين أميراً من خواصِّه يوم الخميس ثاني ذي القعدة ، [ ثم إنَّ الشيخ بعد وصوله إلى دمشق واستقراره بها لم يزل ملازماً لاشتغال النَّاس في سائر العلوم ، ونشر العلم ، وتصنيف الكتب ، وإفتاء الناس بالكلام والكتابة المطوّلة والاجتهاد في الأحكام الشرعية ، ففي بعض الأحكام يفتي بما أَدَّى إليه اجتهادُه من موافقة أئمة المذاهب الأربعة ، وفي بعضها يفتي بخلافهم وبخلاف المشهور في مذاهبهم. وله اختيارات كثيرة مجلدات عديدة أفتى فيها بما أدى إليه اجتهاده ، واستدل على ذلك من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والسلف }(١) . فلمَّا سارَ السُّلطان إلى الحجِّ فَرَّق العساكر والجيوش بالشَّام وترك أَرْغُون بدمشقَ . وفي يوم الجمعة لبس الشيخ كمال الدين بن الزملكاني خلعة وكالة بيت المال (٢) عوضاً عن ابن الشُّرَيْشي ، وحضر بها الشَُّّاكِ . وتكلّم وزيرُ السُّلطانُ(٣) في البَلَد ، وطلب من الناس(٤) أموالًا كثيرة وصادر وضرب بالمقارع ، وأهان جماعة من الرُّؤساء منهم ابن فضل الله محيي الدِّين . وفيه عُيِّن شهاب الدين بن جهبل(٥) لتدريس الصَّلاحية بالقُدس ، عوضاً عن نجم الدين داود الكردي توفي(٦) ، وقد كان مدرساً بها من نحو ثلاثين سنة ، فسافر ابنُ جهبل إلى القدس بعد عيد الأضحى . وفيها مات ملك القفجاق المسمى طُقْطَاي(٧) خان ، وكان له في الملك ثلاث وعشرون سنة ، وكان عمره يوم مات(٨) ثلاثين سنة ، وكان شهماً شجاعاً على دين الَّتَر في عبادة الأصنام والكواكب ، يعظِّم المجسِّمة والحكماء والأطباء ، ويكرِمُ المسلمين أكثر من جميع الطَّوائف، كان جيشه هائلاً لا يجسر أحد على قتاله لكثرة جيشه وقوتهم وعددهم وعُدَدهم ، ويقال : إنَّه جرَّد مرةً تجريدةً من كل عشرة من جيشه واحداً فبلغت التجريدةُ مائة ألفٍ وخمسين ألفاً . (١) ليست في ب . (٢) في ط : بيت الملك . يعني : أمين الملك . وهو أبو سعيد عبد الله بن تاج الرياسة بن الغنام. مات سنة (١٤١هـ) . (٣) (٤) ليست في ط . هو : أحمد بن يحيى بن إسماعيل . مات سنة (٧٣٣هـ) وسيأتي في الوفيات من تلك السنة . (٥) في ب : إلى رحمة الله . (٦) في ط : طغطاي ، وهو تحريف . (٧) ترجمته في الدرر الكامنة (٢٦٦/٢) والدليل الشافي (١/ ٣٦٧) وفيه: توفي سنة ست عشرة وسبعمئة ، وشذرات الذهب (٣١/٦) . (٨) في ط : ثمانياً وثلاثين . وهو توقُّم ، لقوله : له في الملك ثلاثٌ وعشرون سنة وجاء في الدليل الشافي : أنه تسلطن وعمره سبعُ سنين .