النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
وفيات سنة ٦١٤ هـ
فساداً يقتلون وينهبون ويأسرون (١) ما بين بيسان إِلى بانياس ، وخرجوا إِلى أراضي الجولان إِلى نوى
وخسفين [ وغير ذلك من الأراضي }٢) ، وسار الملك المعظم فنزل على عقبة اللبن بين القدس ونابلس
خوفاً على القدس [ الشريف ] منهم، فإِنه هو الأهم الأكبر، ثم حاصر(٣) الفرنج حصن الطور حصاراً
هائلاً ومانع عنه الذين به من الأبطال ممانعة هائله(٤) ، ثم كرَّ الفرنج راجعين إِلى عكا ومعهم الأسارى من
المسلمين ، وجاء الملك المعظّم إِلى الطور فخلع على الأمراء الذين به وَطَيَّب نفوسَهم ، ثم اتفق هو وأبوه
على هدمه كما سيأتي .
وممن توفي فيها من الأعيان(٥)
الشيخ(٦) العماد(٧)، أخو الحافظ عبد الغني ، أبو إسحاق إِبراهيم بن عبد الواحد بن علي بن سرور
الشيخ عماد الدين المقدسي (٨).
كان أصغرَ من أخيه الحافظ عبد الغني بسنتين ، وقدم معهم(٩) إِلى دمشق سنة إحدى وخمسين
وخمسمئة ، ورحل إلى (١٠) بغداد مرتين وسمع الحديث وكان عابداً زاهداً ورعاً كثيرَ الصيام ، يصومُ يوماً
ويفطر يوماً، وكان فقيهاً مفتياً، له (١١) كتاب ((الفروع)) وصنَّف ((أحكاماً)) ولم يُتِمَّهُ، وكان يَؤُمُ
بمحراب الحنابلة مع الشيخ الموفَّق ، وإِنَّما كانوا يُصَلُّون بغير محراب ، ثم وضع المحراب في سنة سبع
عشرة وستمئة ، وكان أيضاً يَؤُمُّ بالناس لقضاء الفوائت، وهو أولُ من فعل ذلك . صَلَّى المغربَ ذاتَ ليلةٍ
وكان صائماً ثم رجعَ إِلى بيته١٢ُ) بدمشق فأفطر ثم مات فجأةً، فصلَّى عليه بالجامع الأموي
(١) أ، ب: وقتلوا وأسروا شيئاً كثيراً وكذلك عاثوا في الأرض فساداً يقتلون وينهبون ويسبون .
(٢) مكان الحاصرتين في ط : وغيرها .
(٣) أ، ب : حاصرت .
(٤) أ، ب : ومانع به من الأبطال ممانعة عظيمة .
(٥) ط : وفيها توفي من الأعيان.
(٦) ط : الشيخ الإمام العلامة الشيخ العماد .
(٧) ترجمة - العماد المقدسى - فى مرآة الزمان (٣٨٥/٨ - ٣٨٧) وذيل الروضتين (١٠٤ - ١٠٥) والتكملة للمنذري
(٤١٣/٢ - ٤١٤) وتاريخ الإسلام (٣٩٥/١٣) وسير أعلام النبلاء (٤٧/٢٢) والمختصر المحتاج إليه
(٢٣١/١) وذيل طبقات الحنابلة (٩٣/٢ - ١٠٦) والنجوم الزاهرة (٢٢٠/٦) وشذرات الذهب (١٠٥/٧ -
١٠٨ ) .
(٨) ط : ابن سرور المقدسي الشيخ العمادي أصغر من أخيه.
(٩) ط : مع الجماعة .
(١٠) ط : دخل بغداد .
(١١) ط : وله .
(١٢) ط : منزله .

٨٢
وفيات سنة ٦١٤ هـ
الشيخُ(١) عند مُصَلاّهم، ثم صعِدوا به إِلى السفح، وكان [ يومُ موته (٢) يوماً مشهوداً من كثرة
الخَلق(٣).
قال سبط ابن الجوزي(٤) : كان الخلقُ من الكهفِ إِلى مغارةِ الدم إِلى الميطور(٥) ولو بُذِر السمسمُ ما
وقعَ إِلا على رؤوس الناس .
قال: ولما٦) رجعتُ تلك الليلة فكّرت فيه وفي جنازته وكثرة من شهدها وقلت : هذا كان رجلاً
صالحاً ، ولعله أن يكون نظر(٧) إِلى ربه حين وضع في لحده٨)، ومَّ بذهني أبيات الثوري التي أنشدها
بعد موته٩) في المنام ١) : [ من الطويل ]
هنيئاً رضائي عنكَ يابنَ سعيدٍ
نظرتُ إِلى ربّي كفاحاً فقالُ(١) لي
بعبرة مشتاقٍ وقلب عميد
فقد١٢) كنتَ قوَّاماً إِذا أظلم١٣ٌ) الدجى
وزرني فإِني منك(١٤) غيرُ بعيدٍ
فدونك فاختر أي قصرٍ أردتَهُ
ثم قلت : أرجو أن يكون العماد رأى ربَّه كما رآه الثوري ، فنمت فرأيت الشيخ العماد في المنام(١٥)
وعليه حلة خضراء ( وعمامة خضراء ) ، وهو في مكان متسع كأنه روضةٌ ، وهو يرقى في درج متسعة ،
فقلت : يا عماد الدين كيف بِتَّ فإني والله مُفَكِّر فيك؟ فنظر إليَّ وتبسَّم على عادته التي كنت أعرفه فيها في
الدنيا ثم قال١٦): [ من الطويل ]
(١) ط : فصلّي عليه بالجامع الأموي ، صلّى عليه الشيخ الموفق .
(٢) عن ط وحدها .
ط : كثرة الناس .
(٣)
يلاحظ أنه ينقل عن مرآة الزمان بالمعنى لا باللفظ ، والخبر فيه ٥٨٨/٨ - ٥٨٩.
(٤)
ط : إِلى المنظور ، وهو تحريف . والميطور في أرض الصالحية آخر حدودها تحت نهر يزيد .
(٥)
ط : فلما .
(٦)
أ ، ب : ربما أنه نظر .
(٧)
(٨) ط : قبره .
(٩) أ، ب : التي سمع ينشدها في المنام .
(١٠) البيت الأول في مرآة الزمان . والأبيات كاملة في ذيل الروضتين وذيل ابن رجب والشذرات.
(١١) في مرآة الزمان وذيل الروضتين: وقال لي .
(١٢) ط : لقد .
(١٣) في مصادر الأبيات : إِذا أقبل الدجى .
(١٤) ط : وزرني فإِني عنك غير بعيد.
(١٥) أ، ب: كما رآه سفيان الثوري ونمت فرأيت الشيخ العماد في النوم.
(١٦) الأبيات في مرآة الزمان وذيل الروضتين وذيل الطبقات والشذرات .

٨٣
وفيات سنة ٦١٤ هـ
وفارقتُ أصحابي وأهلي وجيرتي
رأيتُ إِلهي حينَ أُنزلتُ حفرتي
رضيتُ فها عفوي لديكَ ورحمتي
وقال(١) جُزيتَ الخيرَ عنّي فِإِنَّني
دَأَبْتَ(٢) زماناً تأمُلُ الفَوْز(٣) والرضا فوُقّيْتَ نيراني ولُقّيت جَنّتي
قال : فانتبهت وأنا مَذْعورٌ وكتبت (٤) الأبيات والله أعلم .
القاضي جمال الدين بن الحرستاني(٥) ، عبد الصمد بن محمد بن أبي الفضل ، أبو القاسم
الأنصاري ، ابن الحرستاني قاضي القضاة بدمشق .
ولد سنة عشرين وخمسمئة ، وكان أبوهُ من أهل حَرَستا٦) ، فنزل داخل باب تُوما وأمَّ بمسجد الزينبي
ونشأ ولدُه هذا نشأةً حسنةً سمع الحديثَ الكثيرَ وشاركَ الحافظُ ابنَ عساكر(٧) في كثيرٍ من شيوخه ، وكان
يجلسُ لإسماع الحديث(٨) بمقصورةِ الخضِر ، وعندها كان يُصَلِّي دائماً لا تفوته الجماعة بالجامع ، وكان
منزله بالحويرة (٩) ودرَّس بالمجاهدية وعُمّر دهراً طويلاً على هذا القدم الصالح والله أعلم . ونابَ في
الحكم عن ابن أبي عَصْرونُ ١٠) ، ثم ترك ذلك ولزم بيته وصلاته بالجامع ، ثم عَزَل العادل القاضي ابن
الزكي [ الطاهر بن محيي الدين محمدبن علي القرشي ] وألزم [ القاضي جمال الدين بن الحرستاني بولاية
القضاء }(١) وله ثنتان وتسعون سنة وأعطاه تدريس العزيزية ، وأخذ التقوية أيضاً من ابن الزكي وولاها
فخر الدين ابن عساكر(١٢).
(١) في المصادر : فقال.
(٢)
في مرآة الزمان : فأنت .
(٣) ط والمرأة : العفو .
(٤) أ، ب : فكتبت .
(٥) ترجمة - ابن الحرستاني - في معجم البلدان (٢٤١/٢) ومرآة الزمان (٨/ ٣٨٧) وفيه : الخرستاني ؛ وهو
تحريف ، والتكملة للمنذري (٤١٥/٢ - ٤١٦) وذيل الروضتين (١٠٥ - ١٠٦) وتاريخ الإسلام (٤١١/١٣)
والعبر (٥٠/٥ - ٥١) وسير أعلام النبلاء (٢٢/ ٨٠ - ٨٤) وطبقات الإسنوي (٤٤٥/١ - ٤٤٦) والنجوم الزاهرة
(٢٢٠/٦) والدارس (١١٠/١) وشذرات الذهب (١٠٨/٧ -١٠٩).
(٦) في ط : حرستان . وهي حرستا في كتب البلدانيات بالإضافة إِلى أ، ب ولذلك آثرتها . وتلفظ اليوم كما قيّدها
ياقوت بالتحريك وسكون السين وتاء فوقها نقطتان . معجم البلدان (٢/ ٢٤١) والقاموس المحيط ( حرس )
وغوطة دمشق ( ١٦ ) .
(٧) المقصود هنا الحافظ ابن عساكر صاحب تاريخ دمشق . تقدمت ترجمته في وفيات ٥٧١ من الجزء السابق .
(٨) ط : للإسماع .
(٩) ط بالحورية . وفي ذيل الروضتين (١٠٦): بالحويرة قبل الجامع.
(١٠) تقدمت ترجمة ابن أبي عصرون في وفيات ٥٨٥ .
(١١) مكان ما بين المعقوفتين في ط : هذا بالقضاء .
(١٢) سترد ترجمة فخر الدين ابن عساكر في وفيات ٦٢٠ .

٨٤
وفيات سنة ٦١٤ هـ
قال ابن عبد السلامُ(١) ما رأيتُ أحداً أفقه من ابن الحرستاني، كان يحفظُ ((الوسيط)) للغزالي. وذكر
غير واحد أَنَّه كان من أعدل القضاةِ وأقومهم بالحق ، لا تأخذه في الله لومة لائم ، وكان ابنه عماد الدين
يخطب بجامع دمشق ، وولي مشيَخَة الأشرفية ينوب عنه ، وكان القاضي جمال الدين يجلسُ للحكم
بمدرسته المجاهدية ، وأرسل إليه السلطان طراحة ومسندة٢) لأجل أنه شيخ كبير ، وكان ابنه يجلس بين
يديه ، فإِذا قام(٣) أبوه جلس في مكانه ، ثم إِنه عزل ابنه عن نيابته لشيء بلغه عنه ، واستناب شمس
الدين بن الشيرازي(٤) ، وكان يجلس تجاهه في شرقي الإيوان ، واستناب [ أيضاً ] معه شمس الدين بن
سنيّ(٥) الدولة، [ وثبّت له دكة في الزاوية الغربية القبلية من المدرسة ]٦) واستناب شرف الدين بن
الموصلي(٧) الحنفي ، فكان يجلس في محراب المدرسة ، واستمر حاكماً سنتين وسبعة أشهر ، ثم كانت
وفاته (٨) يوم السبت رابع [ ذي ] الحجة [ من هذه السنة ] وله [ من العمر ]٩) خمس وتسعون سنة ،
وصُلّي عليه بجامع دمشق ثم دفن بسفح قاسيون(١٠)
الأمير [الكبير] بدر الدينُ(١١) محمد بن أبي القاسم [ بن محمد ] الهكاري باني المدرسة التي بالقدس.
وكان من خيار الأمراء ، وكان محمد يتمنى الشهادة دائماً فقتله(١٢) الفرنج بحصن الطور [ هذه السنة
ونقل إلى القدس الشريف ] ، ودفن برتبة ماملا، وتربته تزار إلى الآلى(١٣) رحمه الله .
الشجاع محمود المعروف بابن الدِّماعُ ١٤)
(١) ترجمة ابن عبد السلام سترد في سنة ٦٦٠ .
(٢) أ، ب: وكان السلطان قد أرسل إليه طراحة ومشبكاً .
(٣) أ، ب : نهض .
سترد ترجمة الشيرازي في وفيات سنة ٦٣٧ .
(٤)
سترد ترجمة - ابن سني الدولة - في وفيات ٦٣٥ .
(٥)
أ : وثبت ذكره . وهو تحريف . ذيل الروضتين (١٠٧ ).
(٦)
سترد ترجمة - شرف الدين الموصلي - في وفيات سنة ٦٣٠ .
(٧)
ط : واستمر حاكماً سنتين وأربعة أشهر ثم مات .
(٨)
(٩)
عن ط وحدها .
(١٠) ط : قايسون .
(١١) ترجمة - الأمير بدر الدين الهكاري - في مرآة الزمان (٣٨٩/٨) وذيل الروضتين (١٨) وتاريخ الإسلام
( ١٣ /٤٢٣) .
(١٢) أ : فقتلته الفرنج .
(١٣) ط : ودفن بالقدس بتربة عاملها وهو يزار إِلى الآن رحمه الله .
(١٤) ترجمة - ابن الدماغ - في ذيل الروضتين (١٠٨) وتاريخ الإسلام (٤٢٣/١٣) والدارس (٢٣٦/١) وشذرات
الذهب (١١٠/٧) ومنادمة الأطلال (٩٨).

٨٥
أحداث سنة ٦١٥ هـ
كان من أصدقاء العادل يُضحكه ، فحصَّل أموالًا جزيلة منهم ، كانت داره داخل باب الفرجُ(١)
فجعلتها زوجته عائشة مدرسة للشافعية٢) والحنفية، ووقفت عليها أوقافاً دارَةً، رحمها الله .
الشيخة الصالحة العابدة ٣) الزاهدة ، شيخة العالمات بدمشق ، تلقب بدهن اللوز .
بنت نورنجان٤ُ) وهي آخر بناته وفاة وجعلت أموالها وقفاً على تربة أختها بنت العصيبة(٥)
المشهورة .
ثم دخلت سنة خمس عشرة وستمئة
استهلت والعادل [ نازل] بمرج الصفر لمناجزة الفرنج وأمر ولده المُعَّم بتخريب حصن الطور
فأخربه(٦) ونقل ما فيه من آلات الحرب وغيرها إِلى البلدان خوفاً من الفرنج .
وفي ربيع الأول نزلت الفرنج على دمياط وأخذوا برجَ السلسلة في [ آخر ] جمادى الأولى ، وكان
حصناً منيعاً ، وهو قفل بلاد مصر [ فإِنَّا لله وإنا إليه راجعون ] .
وفيها : التقى المُعظّم ، والفرنجُ على القَيْمُونُ(٧) فكسرهم وقتل منهم خلقاً [ كثيراً ] وأسر من الداوية
مئة فأدخلهم إلى القدس منكَّسة أعلامهم .
وفيها : جرت خطوب كثيرة ببلد الموصل بسبب موت ملوكها أولاد قرا أرسلان واحداً بعد واحد ،
وتغلب غلامُ(٨) أبيهم بدر الدين لؤلؤ(٩) على الأمور [ ويذكر أنه هو الذي كان يقتلهم في الباطن ليستحوذ
هو على الأمور ] والله أعلم .
وفيها أقبل ملك الروم كيكاوس بن كيخسرو(١٠) يريد أخذَ مملكة حلب، وساعده على ذلك
(١) ط : باب الفرنج؛ تحريف . ولا يزال هذا الباب قائماً إِلى اليوم الحاضر.
(٢) الأعلاق الخطيرة (٢٦١، ٢٦٢) والدارس (٢٣٨/١ و٥١٨) ومختصره (٣٩ و ٨٨) ومنادمة الأطلال ( ٩٧،
١٧١ ) .
(٣) ترجمة - دهن اللوز - في ذيل الروضتين (١٠٨)، وتاريخ الإسلام (١٣/ ٤٠٥).
(٤)
ترجمة - بنت نورنجان - في ذيل الروضتين ( ١٠٨ ) وفيه : بنت بوريحان .
(٥)
في ذيل الروضتين بنت صفية .
أ : فخرب . وليست اللفظة في ب .
(٦)
قيْمون : بالفتح ، ثم السكون ، وآخره نون : حصن قرب الرملة من أعمال فلسطين . معجم البلدان (٤/ ٤٢٤).
(٧)
(٨) ط : مملوك .
(٩) سترد ترجمة لؤلؤ في حوادث سنة ٦٥٦ .
(١٠) ط: كيكاريس سنجر . وهو عز الدين كيكاوس بن السلطان كيخسرو بن قليج رسلان السلجوقي التركماني صاحب=

٨٦
أحداث سنة ٦١٥ هـ
الأفضلُ(١) بن صلاح الدين صاحب سُمَيْساط(٢)، فصدَّه عن ذلك الملك الأشرف(٣) موسى بن العادل
وقهر ملك الروم وكسر جيشه ورده خائباً .
وفيها تملّك الأشرف مدينة سنجار مضافاً إِلى ما بيده من الممالك .
وفيها : توفي ( السلطان ) الملك العادل (٤) أبو بكر بن أيوب ، وأخذت(٥) الفرنج [ لعنهم الله
تغر(٦) ] دمياط [وقد تقدم أنه لمَّا أراد الفرنج مغافصته(٧) وهو جاءٍ من الديار المصرية عند بيسان فرَّ منهم
ونزل مرج الصفّر وأرسل إلى العساكر من الجزيرة وغيرها لتقدم عليه حتى يناجز بهم الفرنج وذلك عند
انقضاء الهدنة ، فركبت الفرنج من السواحل من عكا وانضاف إليهم من شاء الله من عساكرهم البحرية ]^)
وقصدوا بلاد مصر من ثغر دمياط [ فنزلوا عليه ] فحاصروه مدة أربعة أشهر(٩)، والملك(١٠) الكامل
[ مقابلهم يقاتلهم ويمانعهم ويصدهم عما يريدونه ]، فتملكو(١١) برج السلسلة وهو كالقفل على ديار
مصر ، وصفته في وسط جزيرة في النيل عند انتهائه إِلى البحر ، [ ومن هذا البرج ] إِلى دمياط، وهو ١٢)
على شاطىء البحر وحافة [ النيل ] سلسلة منه إلى الجانب الآخر ، وعليه الجسر وسلسلة أخرى لتمنع
دخول المراكب من البحر إِلى النيل ، فلا يمكن الدخول ، فلما ملكت الفرنج هذا البرج شَقَّ ذلك على
المسلمين [ بديار مصر وغيرها ] ، وحين وصل الخبر إِلى الملك العادل وهو بمرج الصُّفَّر تأؤَه لذلك تأؤُهاً
شديداً ودقَّ بيده على صدره أسفاً وحزناً على المسلمين وبلادها ، ومرض من ساعته مرض الموت لأمر
قونية وأقصرا وملطية ، وهو أخو السلطان كيقباذ مات بالخوانيق سنة ٦١٥هـ وقيل سنة ٦١٧هـ. كامل ابن الأثير
=
(٣٢٥/٩ و٣٢٧) ومرآة الزمان (٣٩٣/٨) وذيل الروضتين (١٠٩) وسير أعلام النبلاء (٢٢/ ١٣٧).
(١) سترد ترجمة - الأفضل - في وفيات سنة ٦٢٢ .
((سُمَيْساط)): بضم أوله، وفتح ثانيه ، ثم ياء مثناة من تحت ساكنة، وسين أخرى، ثم بعد الألف طاء مهملة:
(٢)
مدينة على شاطىء الفرات في طرف بلاد الروم على غربي الفرات ، ولها قلعة في شق منها يسكنها الأرمن ، ومالكها
في هذا الزمن - زمن ياقوت - الملك الأفضل علي بن الناصر يوسف بن أيوب صلاح الدين . معجم البلدان
(٢٥٨/٣) وبلدان الخلافة الشرقية (١٤٠).
(٣) سترد ترجمة الأشرف في وفيات سنة ٦٣٥ .
(٤)
ترجمة - العادل - في سير أعلام النبلاء (٢٢ / ١١٥) وفيه مصادر ترجمته .
(٥)
ط : فأخذت .
في بعض النسخ: (( كفر )» خطأ (بشار) .
(٦)
في بعض النسخ: ((معاقصته))، وهو تصحيف . والمغافصة : المباغتة .
(٧)
(٨) مكان ما بين الحاصرتين في ط : ثم ركبوا .
(٩) ط : أربعة شهور .
(١٠) عن ط وحدها .
(١١) أ، ب : على المسلمين.
(١٢) ب : وهي على شاطىء الفرات.

٨٧
أحداث سنة ٦١٥ هـ
يريده الله عز وجل، فلما كان يوم الجمعة سابع جمادى الآخرة توفي بقرية عالقين(١) ، فجاءه ولده المعظم
مسرعا٢) فجمع حواصلَه وأرسلَه في محفَّةٍ ومعه خادم بصفة (٣) أن السلطان مريض ، ( وكلما جاء أحد من
الأمراء ليسلِّم عليه ) بلَّغهم الطواشي عنه ، أي: أنه ضعيف ، عن الرد عليهم(٤) ، فلما انتهى به إِلى القلعة
دفن بها مدة ثم حول إِلى تربته بمدرسته العادلية(٥) الكبيرة .
وقد كان الملك سيف الدين أبوبكر بن أيوب بن شاذي من خيار الملوك وأجودهم سيرة وأحسنهم سريرة ] ، ديناً
عاقلاً صبوراً وقوراً، أبطل المحرمات والخمور والمعازف(٦) من مملكته (٧) كلها وقد كانت ممتدة من أقصى بلاد مصر
واليمن والشام والجزيرة إِلى همَذان كلها ، أخذها بعد أخيه صلاح الدين سوى حلب فإِنه أقرها بيد ابن أخيه الظاهر
غازي [ بن صلاح الدين لأنه كان ) زوج ابنته صفية الست خاتون . وكان العادل حليماً صفوحاً صبوراً على الأذى
كثير الجهاد حضر مع أخيه مواقفه (٩) كلها أو [ أكثرها في مقاتلة الفرنج، وكانت (١) له في ذلك اليد البيضاء ،
[ والراية العليا] وكان غير ماسك اليد وقد(١) أنفق في عام الغلاء بمصر [ أموالًا كثيرة على الفقراء وتصدق }(١)
على أهل الحاجة من أبناء الناس وغيرهم شيئاً [ كثيراً جداً، ثم إِنه كفن في العام الثاني من بعد عام الغلاء في الفناء
ثلاثمئة ألف إِنسان من الغرباء والفقراء، وكان كثير الصدقة في أيام مرضه حتى كان يخلع جميع ما عليه ويتصدق به
وبمركوبه (١٣) ، وكان كثير الأكل ممتعاً بصحته وعافيته(١٤) مع كثرة صيامه ، كان يأكل في اليوم الواحد أكلات
جيدة، ثم بعد هذا يأكل عند النوم(١٥) رطلاً بالدمشقي من الحلوى (١٦) السكرية اليابسة ، وكان
(١) ط: غالقين. تحريف، وذكر أبو الفداء أن عالقين تقع عند عقبة أفيق المختصر (١١٩/٣) وقد أخلَّ بها ياقوت.
(٢) أ، ب : فجاء ولده المعظم إِليه مسرعاً .
(٣) أ، ب : صفة .
(٤) أ، ب : بلغه عنهم الطواشي يعني لضعف السلطان عن الرد عليهم فلما انتهى إِلى القلعة المنصورة.
(٥) ط : بالعادلية .
(٦) ط : والمعارف . وهو تحريف يقلب المعنى.
(٧) أ، ب : ممالكه .
(٨) مكان الحاصرتين في ط : لأنه .
(٩) ط : كثير الجهاد بنفسه ومع أخيه حضر معه مواقفه كلها .
(١٠) مكانهما في أ ، ب : وأكثرها في تلك الأيام.
(١١) أ : ولكنه .
(١٢) مكانهما في أ، ب: أموالاً عظيمة جداً وتصدّق.
(١٣) مكانهما في أ ، ب: كثيراً ثم في العام بعده كفن ثلثمائة ألف إِنسان من الغرباء وكان كثير الصدقة وفي أيام مرضه
يخلع جميع ما عليه ويتصدق به وبمركوبه وما تحته من أمواله .
(١٤) ط : بصحة وعافية .
(١٥) أ، ب: ثم بعد كل حال يأكل وقت النوم رطلاً.
(١٦) أ، ب : من الحلواء .

٨٨
أحداث سنة ٦١٥ هـ
يعتريه مرض في أنفه في زمن(١) الورد، وكان لا يقدر على الإقامة بدمشق حتى يفرغ زمن الورد ، فكان(٢)
يُضْرَبُ له الوطاق بمرج الصُّفَّر ثم يدخل البلد بعد ذلك . توفي عن خمس وسبعين سنة رحمه الله .
وكان له من الأولاد جماعة : محمد الكامل(٣) صاحب مصر، وعيسى المعظم (٤) صاحب دمشق ،
وموسى الأشرف صاحب الجزيرة وخلاط وحران وغير ذلك ، والأوحد(٥) أيوب ومات قبله ، والفائز(٦)
إِبراهيم ، والمظفر(٧) غازي صاحب الرُّها، والعزيز(٨) عثمان والأمجد(٩) حسن وهما شقيقا المعظم ،
والمغيث(١٠) محمود، والحافظ أرسلان١١) صاحب جعبر، والصالحُ(١٢) إِسماعيل، والقاهر(١٣)
إِسحاق، ومجير الدين يعقوب(١٤)، وقطب الدين أحمد١٥)، وخليل(١٦) وكان أصغرهم ، وتقي الدين
عباس(١٧) وكان آخرهم وفاة، بقي إِلى سنة ستين (١٨) وستمئة، وكان له بنات أشهرهن الست صفية١٩ٌ)
خاتون زوجة الظاهر(٢٠) غازي صاحب حلب وأم الملك العزيز(٢١) والد الناصر(٢٢) يوسف الذي ملك
(١) أ، ب : زمان .
(٢)
عن ط وحدها .
سترد ترجمة الكامل في وفيات سنة ٦٣٥ هـ .
(٣)
سترد ترجمة المعظم في وفيات سنة ٦٢٦ هـ .
(٤)
تقدمت ترجمة الأوحدفي وفيات سنة ٦٠٩ هـ .
(٥)
ترجمة الفائز سترد في وفيات ٦١٧ هـ .
(٦)
ترجمة المظفر سترد في وفيات سنة ٦٤٥ هـ .
(٧)
(٨) ترجمة العزيز سترد في ٦٢٨ .
(٩) الأمجد سترد ترجمته في وفيات ٦٢٨ هـ .
(١٠) ط : المقيت؛ وهو تحريف. ترويح القلوب (٦١).
(١١) أ، ب: رسلان. ترويح القلوب (٦٠).
(١٢) ترجمة الصالح إسماعيل في وفيات ٦٤٨ .
(١٣) ترجمة (القاهر إسحاق) في ترويح القلوب (٦٢).
(١٤) الملك المعز يعقوب ترجمته في وفيات سنة ٦٥٤ هـ وفي ترويح القلوب (٥٩).
(١٥) الملك المفضل أحمد ترجمته في وفيات سنة ٦١٩ وترويح القلوب (٥٩).
(١٦) ترجمة خليل في ترويح القلوب (٦٣).
(١٧) تقي الدين عباس ترجمته في ترويح القلوب (٦٦٩).
(١٨) سيورد ابن كثير تقي الدين عباس في وفيات سنة ٦٦٩ هـ.
(١٩) كذا هي في مرآة الزمان (٣٩٢). وهي حنيفة في ترويح القلوب (١٠٨) مستدركاً عن شفاء القلوب (٩٠/ أ).
(٢٠) تقدمت ترجمة الظاهر غازي في وفيات سنة ٦١٣هـ .
(٢١) سترد ترجمة الملك العزيز في وفيات سنة ٦٣٤ هـ.
(٢٢) ترجمة الناصر يوسف ترويح القلوب (٩٢).

٨٩
أحداث سنة ٦١٥ هـ
دمشق ، وإليه تنسب الناصريتان إحداهما بدمشق والأخرى بالسفح ، وهو الذي قتله هولاكو كما
سيأتي(١)
صفة أخذ الفرنج دمياط
لما انتهى الخبر بموت العادل إِلى ابنه محمد الكامل (٢) وهو بثغر دمياط مرابط الفرنج(٣)، فَفَتَّ ذلك
من أعضاد المسلمين وضعفوا ، ثم بلغه(٤) خبر آخر أن الأمير ابن المشطوب(٥) وكان أكبر أمير بمصر ، قد
أراد أن يبايع للفائز عوضاً عن الكامل ، فساق وحده جريدة فدخل مصر ليستدرك هذا الخطب الجسيم ،
فلما فقده٦) الجيش من بينهم انحلَّ نظامُهم واعتقدوا أنه قد حدث أمر أكبر من موت العادل ، فركبوا وراءه
فدخلت الفرنج [ حينئذ ] بأمان إِلى الديار المصرية ، واستحوذوا على معسكر الكامل وأثقاله [ وحواصل
الجيش ] ، فوقع خبط عظيم جداً ، وذلك تقدير العزيز العليم ، فلما دخل الكامل مصر لم يقع(٧) مما ظنه
شيء ، وإِنما هي خديعة من الفرنج ، وهرب منه ابن المشطوب إِلى الشام ، ثم ركب من فوره في الجيش
إِلى الفرنج فإِذا الأمر قد تزايد، [ وقد ] تمكنوا من البلدان وقتلوا خلقاً وغنموا [ شيئاً ] كثيراً، وعائت
الأعراب التي هنالك على أموال الناس ، فكانوا أضر عليهم من الفرنج(٨)، [ فإِنَّالله وإِنَّا إِليه راجعون ]،
فنزل الكامل تجاههم(٩) يمانعهم عن دخولهم إلى القاهرة [ ومصر ] بعد أن كان يمانعهم عن دخول الثغر ،
وكتب إِلى إِخوانه يستحثهم ويستنجدهم ويقول الوحاءَ الوحاءٌ ١) العجلَ العجلَ ، أدركوا المسلمين قبل
تملك الفرنج جميع أرض مصر١١) فأقبلت العساكر الإسلامية [عند ذلك ] إِليه من كل مكان، وكان أول
(١) سيأتي ووفاته سنة ٦٦٤ هـ ، وثَمَّ ترجمته .
(٢) ط : لما اشتهر الخبربموت العادل إِلى ابنه الكامل .
(٣) أ، ب: وهو مما عر تجاه الفرنج بدمياط .
(٤) ط : أضعف ذلك أعضاء المسلمين وفشلوا ثم بلغ الكامل .
(٥) أ : أن الأمير أحمد بن علي المشطوب .
(٦) أ، ب : جريدة من دمياط قاصداً إِلى مصر لاستدراك هذا الخطب الجسيم ولما فقده .
(٧) أ، ب : فوقع أمر عظيم جداً وذلك بتقدير العزيز العليم ودخل الكامل إِلى مصر فلم يقع .
(٨) أ، ب: على أموال الناس ببلاد دمياط فكانوا أضرَّ على المسلمين من الفرنج.
(٩) ط : تجاه الفرنج .
(١٠) الوحى : العجلة، يقولون: الوحى الوحى، والوحاء الوحاء ، يعني: البدار البدار ، والوحاء الوحاء يعني
الإسراع . فيمدّونها ويقصرونها إذا جمعوا بينهما ، فإِذا أفردوا مدوه ولم يقصروه . وربما أدخلوا الكاف مع الألف
واللام فقالوا : الوحاك الوحاك ، والعرب تقول : النجاء النجاء ، والنجى النجى ، والنجاك النجاك ، والنجاءك
النجاءك . لسان العرب ( وحى ) .
(١١) أ، ب : قبل أن تملك الفرنج جميع الديار المصرية .

٩٠
أحداث سنة ٦١٥ هـ
من قدم عليه أخوه الأشرف [ موسى صاحب الجزيرة ] بَيَّضَ الله وَجْهَهُ، ثم المُعَظّم وكان من أمرهم مع
الفرنج ما سنذكره بعد هذه السنة .
وفيها : ولي حسبة بغداد الصاحب محيي الدين يوسف بن الشيخ أبي الفرج بن الجوزي(١)، وهو مع
ذلك يعمل ميعاد الوعظ على قاعدة أبيه ، وشكرت مباشرته للحسبة (٢).
وفيها : فوض إِليَّ(٣) المعظم النظر في التربة البدرية تجاه [ مدرسة ] الشبلية عند الجسر الذي على
ثورا ، ويقال له جسر كحيل ، وهي منسوبة إِلى [ بدر الدين ] حسن بن الداية (٤) ، كان هو وإخوته من
أكابر أمراء نور الدين محمود بن زنكي .
[ قلت: ] وقد جعلت في حدود الأربعين وستمئة جامعاً يخطب فيه يوم الجمعة ولله الحمد .
وفيها : أرسل السلطان علاء الدين محمدبن تكش إِلى الملك العادل وهو مخيم بمرج الصُّفَّر
رسولاً(٥) ، فرد إِليه مع الرسول خطيب دمشق(٦) جمال الدين محمد بن عبد الملك الدولعي(٧) ، واستنيب
عنه في الخطابة الشيخ الموفق عمر بن يوسف (٨) خطيب بيت الأبار ، فأقام بالعزيزية يباشر عنه ، حتى قدم
وقد مات العادل(٩)
(٩) رحمه الله .
وفيها : توفي الملك القاهر صاحب الموصل . فأقيم ابنه الصغير(١٠) مكانه. ثم قُتل وتَشَتَّتَ شملُ
البيت الأتابكي ، وتغلَّبَ على الأمور [ الأمير ] بدر الدين لؤلؤ(١١) غلام أبيهم [ نور الدين أرسلان ] ١٢).
وفيها : كان عود الوزير صفي الدين(١٣) عبد الله بن علي بن شكر من بلاد الشرق [ من آمد إِلى
(١) سترد ترجمة الصاحب محيي الدين ابن الجوزي في وفيات سنة ٦٥٦ .
(٢) أ، ب : يذكر ميعاد الوعظ على قاعدة أبيه وشكرت مباشرته للحسبة .
(٣) ط: ((إِلى)) ولا معنى لها، والقائل ذلك هو سبط ابن الجوزي، كما في ذيل الروضتين (١١٣) (بشار).
(٤)
ترجمة حسن بن الداية في ذيل الروضتين ( ١١٣ ).
(٥) عن ط وحدها .
(٦) أ، ب: فردّ إِليه مع الرسل خطيب دمشق .
(٧) خطيب دمشق جمال الدين محمد بن أبي الفضل بن زيد بن ياسين التغلبي الأرقمي الدولعي. ولد بالدولعية من قرى
الموصل وقدم دمشق تولى الخطابة في دمشق ، وكان فصيحاً مهيباً شديداً على الرافضة . ومنعه المعظم من الفتوى
مدة، مات سنة ٦٣٤ . ذيل الروضتين (١٦٦) وسير أعلام النبلاء (٢٤/٢٣ - ٢٥).
(٨) سترد ترجمة عمر بن يوسف في وفيات ( ٦١٨).
(٩) أ، ب: فأقام بيت (؟ ) في العزيزية فباشر عنه حتى موت العادل رحمه الله .
(١٠) فى مرآة الزمان (٣٩٥) اسمه محمود .
(١١) سترد ترجمة لؤلؤ في وفيات سنة ٦٥٦.
(١٢) مكانهما في ط : أبيه .
(١٣) أ : صفي الدين بن عبد الله ؛ تصحيف . وسترد ترجمة ابن شكر في وفيات سنة ٦٢٢ .

٩١
وفيات سنة ٦١٥ هـ
دمشق ] بعد موت العادل ، فعمل فيه [ الشيخ ] علم الدين [ السخاوي ] مقامة بالغ في مدحه فيها١) ،
وقد ذكروا أنه كان متواضعاً يحب الفقراء والفقهاء ، ويسلّم على الناس إِذا اجتاز بهم وهو راكب في أُبَّهة
وزارته ، ثم إِنه نكب في هذه السنة ، وذلك أن الكامل هو الذي كان سبب طرده وإبعاده كتب إلى أخيه
المعظم فيه ، فاحتاط على أمواله وحواصله ، وعزل ابنه عن النظر في الدواوين (٢) ، وقد كان ينوب عن
أبيه في مدة غيبته .
وفي رجب من هذه السنة (٣) أعاد المعظم ضمان القيان والخمور والمغنيات وغير ذلك من الفواحش
والمنكرات التي كان أبوه قد أبطلها ، بحيث إنه لم يكن أحد يتجاسر أن ينقل(٤) ملء كف خمر إِلى دمشق
إِلا بالحيلة الخفية ، فجزى الله العادل خيراً ، ولا جزى المعظم خيراً على ما فعل ، واعتذر المعظم في
ذلك بأنه إنما صنع هذا المنكر لقلة الأموال(٥) على الجند ، واحتياجهم إِلى النفقات في قتال الفرنج .
[ وهذا من جهله وقلة دينه وعدم معرفته بالأمور ، فإِن هذا الصنيع يديل عليهم الأعداء وينصرهم عليهم ،
ويتمكن منهم الداء ويثبط الجند عن القتال ، فيولون بسببه الأدبار ، وهذا مما يدمِّر ويخرِّب الديار ويديل
الدول ، كما في الأثر ((إِذا عصاني من يعرفني سلطت عليه من لا يعرفني)). وهذا ظاهر لا يخفى على
فطن ]٦)
وممن توفي فيها من [ المشاهير و] الأعيان :
السلطان الملك العادل أبو بكر بن أيوب كما تقدم ]٧)
القاضي شرف الدين(٨) أبو طالب عبد الله ابن زين القضاة عبد الرحمن بن سلطان بن يحيى بن علي
القرشي الدمشقي من بني عم ابن الزكي .
وكان أول من درس بالشامية البرانية وبالرواحية أيضاً وناب في الحكم عن ابن عمه محيي الدين بن
(١) أب : مقامه يمدحه فيها ويبالغ في شكره .
(٢) ط : من الدواوين .
(٣) ط : منها .
(٤) أ، ب : أن ينقل خمراً .
(٥) أ، ب: واعتذر المعظم من صنيعه هذا المنكر بقلّة الأموال.
(٦) أ، ب: وما استشعر أن هذا الصنيع يدل عليهم الأعداء ويمكن فيهم الداء، ولم أر هذا الأثر بهذا اللفظ وإِن كان
مشهوراً .
تقدم ذكر مصادر الملك العادل قبل صفحات .
(٧)
ترجمة - القاضي القرشي - في مرآة الزمان (٣٠٩/٨) وذيل الروضتين (١١٠) وتاريخ الإسلام (١٣/ ٤٣٧)
(٨)
وشذرات الذهب ( ٧ / ١١٤ ).

٩٢
وفيات سنة ٦١٥ هـ
الزكي(١). وتوفي في شعبان من هذه السنة ودفن عند مسجد القدم .
أبو سليمان داود٢) بن أبي الغنائم أحمد بن محيي المُلْهَمي ]٣) الضرير البغدادي .
كان ينسب إلى علم الأوائل ، ولكنه كان يَتَسَتَّر بمذهب الظاهرية ، [ ولهذا ] قال فيه ابن الساعي :
الداودي مذهبا٤)، المعري أدباً واعتقاداً، ومن شعره قوله(٥): [ من الوافر ]
إِلى الرحمنِ أَشْكُو ما أُلاقي غَدَاةَ غَدَوا٦) على هُوجِ النِّاقِ
أمرّ بكم أمرُّ من الفراقِ
سألتكمُ(٧) بمنْ زمَّ المطايا
وهلْ عَيْشٌ ألذُّ من التلاقي ؟
وهلْ دار(٨) أشدّ من التَّنائي
قاضي قضاة بغداد عماد الدين أبو القاسم(٩) عبد الله بن الحسين بن الدامغاني الحنفي .
سمع الحديث وتفقه على مذهب أبي حنيفة ، وولي القضاء ببغداد مرتين / نحواً من أربع عشرة سنة/
وكان مشكور السيرة عارفاً بالحساب والفرائض وقسمة التركات .
أبو اليمن نجاح بن عبد الله الحبشي (١٠) الشَّرابي(١١) نجم الدين مولى الخليفة الناصر.
(١) محيي الدين ابن الزكي له ترجمة في سير أعلام النبلاء (٣٥٨/٢١) ووفاته فيه سنة ٥٩٨هـ، وتقدمت ترجمته .
(٢) تختلط في ط الترجمتان ( ترجمة أبي طالب وترجمة أبي سليمان ) بحيث تبدوان ترجمة واحدة . وقد لاحظ الشيخ
محمد زاهد الكوثري رحمه الله ذلك فقال : وفي تاريخ ابن كثير المطبوع هنا تخليط حيث جعل هذه الترجمة لغير
صاحبها . ذيل الروضتين (١١٠).
وأما ترجمة أبي سليمان داود بن أحمد ففي مرآة الزمان (٨/ ٣٩٠) والتكملة للمنذري (٢/ ٤٢٠) وذيل الروضتين
(١١٠) والمختصر المحتاج إليه (٦٤/٢ - ٦٥) ونكت الهميان (١٥٠) وغاية النهاية (٢٧٨/١) ولسان الميزان
(٤٢٤/٢ ) .
(٣) ط : اللخمي ؛ تحريف .
(٤) ط : المذهب .
الأبيات في مرآة الزمان (٨/ ٣٩٠) وذيل الروضتين (١١٠) ونكت الهميان (١٥٠).
(٥)
في المرآة والنكت : غداة غد ، وفي ط : غداة عدوا ؛ تحريف .
(٦)
(٨)
(٧)
في المصادر السابقة : نشدنكم .
ط : وهل ذل أشدّ. وفي المرآة والذيل : وهل داء أضرّ. وفي النكت : وهل داء أمرّ .
(٩) ترجمة - ابن الدامغاني - في ذيل الروضتين (١١١ - ١١٢) والتكملة لوفيات النقلة (٤٤٨/٢) وتاريخ الإسلام
(٤٣٦/١٣) والمختصر المحتاج إليه (١٤٢/٢ - ١٤٣) والجواهر المضية (٣٠١/٢ - ٣٠٣) والنجوم الزاهرة
(٢٢٣/٦) والطبقات السنية (١٦٣/٤ - ١٦٤) وشذرات الذهب (١١٤/٧).
(١٠) ترجمة - نجاح الشرابي - في الكامل لابن الأثير (٣٢٧/٩) ومرآة الزمان (٣٩٤/٨) والتكملة لوفيات النقلة
(٤٤٠/٢) وذيل الروضتين (١١٣ - ١١٤) وتاريخ الإسلام (٤٥٢/١٣).
(١١) ط : السوداني؛ وهو تحريف.

٩٣
وفيات سنة ٦١٥ هـ
كان يسمى سلمان دار الخلافة ، وكان لا يفارق الخليفة ، فلما مات وجد عليه الخليفة(١) وجداً
كثيراً، وكان يوم جنازته يوماً مشهوداً، كان بين يدي نعشه مئة ٢) بقرة وألف شاة وأحمال من التمر والخبز
والماورد ، وقد صلَّى عليه الخليفة بنفسه تحت التاج ، وتصدق عنه بعشرة آلاف دينار على المشاهد ،
ومثلها على المجاورين بالحرمين ، وأعتق مماليكه ووقف عنه خمسمئة مجلد .
أبو المظفر محمد بن علوان(٣) بن مهاجر بن علي بن مهاجر الموصلي .
تفقه بالنظامية وسمع الحديث ، ثم عاد إلى الموصل فساد أهل زمانه بها٤) ، وتقدم في الفتوى
والتدريس بمدرسة بدر الدين لؤلؤ وغيرها ، وكان صالحاً ديِّناً ، رحمه الله .
أبو الطيب رزق الله بن يحيى بن رزق الله بن يحيى بن خليفة بن سليمان بن رزق الله بن غانم بن غنام
الماحوزي(٥) المحدث الجوال الرحال الثقة الحافظ .
الأديب الشاعر [ أبو العباس ]٦) أحمد بن يرنقش(٧) بن عبد الله العمادي .
كان من أمراء سنجار ، وكان أبوه من موالي الملك عماد الدين زنكي ( صاحبها ، وكان أحمد هذا
أديبا٨ً) شاعراً ذا مال جزيل، وأملاك كثيرة، وقد احتاط٩) على أمواله قطب الدين محمد(١٠) بن عماد
الدين زنكي ) وأودعه سجناً فنُسي فيه ومات كمداً ، ومن شعره : [ من الطويل ]
تقولُ و(قدْ) ودَّعتُها ودموعها على خده(١١) من خشية البينِ تلتقي (١٢)
(١) أ، ب: وكان لا يفارق الخليفة وكان يسمى سلمان دار الخلافة وقد وجد عليه الخليفة .
(٢) أ، ب : كان بين يدي النعش مئة .
(٣) ترجمة - ابن علوان - في الكامل (٣٢٧/٩) والتكملة لوفيات النقلة (٤١٩/٢) وتاريخ الإسلام (٤٤٩/١٣)
والمختصر المحتاج إليه (١٠٥/١) وطبقات الإسنوي (٤٤٥/٢) والوافي بالوفيات (٩٨/٤) وطبقات السبكي
(٣٢/٥ -٣٣).
(٤) أ، ب : أهل وقته بها .
(٥) ط : التأخدري ؛ وهو تحريف. وفي اللباب لابن الأثير ( ١٤١/٣) الماحوزي: بفتح الميم ، وبعد الألف حاء
مهملة مضمومة ، وواو ساكنة ، وزاي : هذه النسبة إِلى الماحوز ، وهي من قرى الشام .
(٦) لم يرد ما بينهما في أ.
(٧) ط : برتكش .
(٨) ط : ديناً ؛ تحريف .
(٩) أ : حاط .
(١٠) ذيل الروضتين (١٢٠) ووفيات الأعيان (٣٣١/٢).
(١١) أ، ب : على نحرها ..
(١٢) ب : يلتقي.

٩٤
أحداث سنة ٦١٦ هـ
مضى أكثرُ العُمْرِ الذي كانَ نافعاً رويدكَ فاعملْ صالحاً في الذي بقي
ثم دخلت سنة ست عشرة وستمئة
فيها أمر الشيخ محيي الدين بن الجوزي محتسب بغداد بإِزالة المنكر ، وكسر الملاهي عكس ما أمر به
المعظم ، وكان أمره في ذلك في أول هذه السنة (١) ولله الحمد والمنة .
جنكيز خان [ وعبور التتار ]٢) نهر جيحون .
وفيها عبرت التتار نهر جيحون صحبة ملكهم جنكيز خان من بلادهم ، وكانوا يسكنون جبال طمغاج
من أرض الصين ولغتهم مخالفة للغة سائر التتار ، وهم من أشجعهم وأصبرهم على القتال ، وسبب
دخولهم نهر [ جيحون }٣) أن جنكيز خان بعث تجاراً له ومعهم أموال كثيرة إلى بلاد خوارزم شاه
يتبضَّعون٤ُ) ثياباً للكسوة، فكتب نائبها إِلى خوارزمُ(٥) شاه يذكر له ما معهم من كثرة الأموال ، فأرسل إِليه
بأن يقتلهم ويأخذ٦) ما معهم ، ففعل ذلك ، فلما بلغ جنكيز خان خبرهم أرسل يتهدد خوارزم شاه ، ولم
يكن ما فعله خوارزم شاه فعلاً جيداً ، فلما تهدده أشار(٧) من أشار على خوارزم شاه بالمسير إِليهم ، فسار
إليهم [ فأقبل ] وهم في شغل شاغل بقتال كشلي خان ، فنهب خوارزم شاه أموالهم وسبى ذراريهم
وأطفالَهم ، فأقبلوا إِليه محروبين ، فاقتتلوا معه أربعةً أيام قتالًا لم يُسمع بمثله ، أولئك يقاتلون عن
حريمهم والمسلمون عن أنفسهم ، يعلمون أنهم متى وَلَّوا استأصلوهم ، فقُتل من الفريقين خلقٌ كثيرٌ ،
حتى إِن الخيول كانت تزلق في الدماء ، وكان جملة من قتل من المسلمين نحواً من عشرين ألفاً ، ومن
التتار أضعاف ذلك ، ثم تحاجز الفريقان وولَّى كل منهم إِلى بلاده ولجأ خوارزم شاه وأصحابه إلى بخارى
وسمرقند، فحصَّنَها وبالغ في كثرة مَنْ تركَ فيها من المقاتلة ، ورجع [ خوارزم شاه ] إِلى بلاده(٨) ليجهز
الجيوش الكثيرة ، فقصدتِ التتارُ بخارى وبها عشرون ألف مقاتل ، فحاصرها جنكيز خان ثلاثة أيام.،
فطلب منه أهلها الأمان ، فأمَّنهم ودخلها فأحسنَ السيرةَ فيهم مكراً وخديعة ، وامتنعت عليه القلعةُ
(١) أ، ب : بإزالة المنكرات وكسر الملاهي ففعل ذلك في مستهل هذه السنة .
(٢) أ، ب : وعبورهم .
عن ط وحدها .
(٣)
ط : يبتضعون .
(٤)
أ ، ب : السلطان خوارزم شاه .
(٥)
أ : فأرسل بقتلهم وبأخذ . وفي ب : فأرسل إليه بقتلهم ويأخذ .
(٦)
أ ، ب : ففعل ذلك فغضب عند ذلك جنكز خان وأرسل يتهدد خوارزم شاه فأشار .
(٧)
(٨) عن ط وحدها .

٩٥
أحداث سنة ٦١٦ هـ
فحاصرها وأشغل(١) أهل البلد في طم خندقها فكانت (٢) التتار يأتون بالمنابر والربعات فيطرحونها في
الخندق يطمُّونه بها ففتحوها قسراً في عشرة أيام ، فقتل من كان بها . ثم عاد إلى البلد فاصطفى أموال
تجارها وأباحها(٣) لجنده فقتلوا من أهلها خلقاً لا يعلمهم إِلا الله عز وجل ، وأسروا الذرية والنساء ،
وفعلوا بهنّ(٤) الفواحش بحضرة أهليهن ، فمن الناس من قاتل دون حريمه حتى قتل ، ومنهم من أُسر
فعذب بأنواع العذاب ، وكثر البكاء والضجيج بالبلد من النساء والأطفال والرجال ، ثم ألقت التتار النار في
دور بخارى ومدارسها ومساجدها فاحترقت حتى صارت بلاقع خاوية على عروشها ، ثم كرُّوا راجعين
عنها قاصدين سمرقند(٥) ، فكان من أمرهم فيها ما سيأتي ذكره في السنة الآتية(٦).
وفي مستهل هذه السنة خُرِّب سورُ بيتِ المقدس ، عمره الله بذكره ، وذلك عن أمر السلطان الملك
المعظم عيسى بن العادل(٧) خوفاً من استيلاء الفرنج عليه بعد مشورة من أشار عليه بذلك منهم : أخوه
العزيز عثمان بن العادل وأستاذ داره عز الدين أيبك أن يخرباه خوفاً من استيلاء الفرنج عليه في غيبته
فيتمكَّنون فيه ويستقرون ويجعلون ذلك(٨) وسيلة إِلى أخذ الشام جميعه، فشُرع في تخريب السور في أول
يوم من المحرم من هذه السنة(٩) فهرب منه أهله خوفاً من الفرنج أن يهجموا عليهم ليلاً أو نهاراً ، وتركوا
أموالهم وأثاثهم(١٠) وتمزَّقوا في البلاد كلَّ ممزق، حتى قيل إِنه أبيعُ(١١) القنطار [ من ] الزيت بعشرة
دراهم والرطل (١٢) النحاس بنصف درهم . وضج الناس وابتهلوا إِلى الله عند الصخرة وفي الأقصى ، وهي
أيضاً فعلة شنعاء من المعظم ، مع ما أظهر من الفواحش في العام الماضي ، وقال(١٣) بعضهم يهجو
المعظم في ذلك (١٤) : [ من الرجز ]
(١) ط : واستعمل .
(٢) ط : وكانت .
(٣) ط : وأحلها .
(٤) ط : معهن .
(٥) أ، ب : إِلى سمرقند .
(٦) ط : وكان من أمرهم ما سنذكره .
(٧) ط : أمر بذلك المعظم .
(٨) أشار بذلك فإِن الفرنج إِذا تمكنوا من ذلك جعلوه وسيلة إِلى أخذ الشام جميعه .
(٩) ط : أول يوم المحرم .
(١٠) أ، ب : وأثقالهم.
(١١) ط : بيع، وهو الصواب .
(١٢) ط : والرطل.
(١٣) فقال بعضهم يهجو المعظم بذلك.
(١٤) البيت في ذيل الروضتين (١١٦) ومرآة الزمان (٣٥٩) وبعده في ذيل الروضتين أبيات لمجد الدين محمد بن
عبد الله الحنفي بالمعنى ذاته .

٩٦
أحداث سنة ٦١٦ هـ
في رجبٍ حَلَّلَ المُحرَّمُ(١)
وخرَّب القُدْسَ في المُحَرَّم
وفيها : استحوذت الفرنج [ - لعنهم الله - ] على مدينة دمياط ودخلوها بالأمان فغدروا بأهلها وقتلوا
رجالها وسبوا نساءها وأطفالها ، وفجروا بالنساء ، وبعثوا بمنبر الجامع والربعات ورؤوس القَتْلى إِلى
الجزائر ، وجعلوا الجامعَ كنيسةً [ ولو شاء ربك ما فعلوه ] .
وفيها : غضب المُعَظِّمُ(٢) على القاضي زكي الدين بن [ محيي الدين بن ] [ قاضي البلد ] ، وسببه أن
عمته ست الشام بنت أيوب [ كانت قد ] مرضت في دارها التي جعلتها بعدها مدرسة فأرسلت إِلى القاضي
لتوصي إِليه ، فذهب إِليها بشهود معه فكتب الوصيةَ كما قالت، فقال المعظمُ(٣) يذهب إِلى عَمَّتي بغير(٤)
إِذني ، ويسمع هو والشهود كلامها ؟ واتفق أن القاضي طلب من جابي العزيزية حسابها وضربه بين يديه
بالمقارع ، وكان المعظم يبغض هذا القاضي من أيام أبيه [ العادل ] ، فعند ذلك أرسل المعظم إِلى القاضي
ببقجة فيها قباء وكلوتة ، القباء أبيض والكلوتة صفراء . وقيل بل كانا حمراوين مدرنين(٥) ، وحلف
الرسول عن السلطان ليلبسنهما ويحكم بين الخصوم فيهما ، وكان من لطف الله(٦) أن جاءته الرسالة بهذا
وهو في دهليز داره التي بباب البريد ، وهو منتصب للحكم ، فلم يستطع إلا أن يلبسهما(٧) وحكم فيهما ،
ثم دخل داره واستقبل مرض ( موته)، وكانت [ وفاته في صفر من السنة الآتية بعدها (٨) ، وكان
الشرف بن عنينُ(٩) الزرعي الشاعر قد أظهر النسك والتعبد ، ويقال : إِنه اعتكف بالجامع١٠) أيضاً فأرسل
إليه المعظم بخمر ونرد ليشتغل بهما. فكتب إليه ابن عُنَيْنُ (١): [ من الكامل ]
في ط ومرآة الزمان وذيل الروضتين : الحميا وأخرب ..
(١)
(٢) أ، ب : تغيظ السلطان .
(٣) أ، ب : فقال السلطان .
(٤) ط : بدون إِذني .
(٥) أ : مدرين، ب : بديرين: وفي ذيل الروضتين : أحمر ملطي. ومن وصف أبي شامة يبدو أن القباء ثوب يلبسه
المرء على جسمه ، وأن الكلوتة يلبسه على رأسه ، وهما لا يليقان بالقاضي لذلك أراده أن يلبسهما ويسير بهما في
السوق ليثير سخرية الناس عليه ، ، لكن الله لطف به فلم يلبسهما إلا في مجلس الحكم وهو في داره في باب البريد
ومع ذلك فقد أصاب منه مقتلا .
(٦)
(٧)
أ ، ب : فلم يقدر إلا أن لبسهما .
(٨) أ، ب : فكانت وفاته في صفر من السنة التي بعدها .
(٩) سترد ترجمة ابن عنين في وفيات سنة ٦٣٠، وقد طبع ديوانه في مجمع اللغة العربية بتحقيق خليل مردم بك، ثم
صورت نسخة المحقق من هذه الطبعة وعليها زيادات بخطه .
(١٠) أ، ب : التعبد والنسك ويقال إنه اعتكف في الجامع.
(١١) البيتان في ديوان ابن عنين (٩٣) وهما أيضاً في مرآة الزمان (٣٩٨) وذيل الروضتين (١١٨).
أ ، ب : وكان الألطاف به .

٩٧
وفيات سنة ٦١٦ هـ
يا أيُّها الملكُ المعظِّمُ سنة أَحْدَثْتَها تَبْقَى على الآبادِ
تجري الملوكُ على طريقِكَ بعدَها خلعُ القضاةِ وتحفةُ الزُّهادِ
[وهذا من أقبح ما يكون أيضاً (١)
وقد كان نواب ابن الزكي أربعة :
شمس الدين بن الشيرازي(٢) إِمام مشهد علي، كان يحكم به في الشباك(٣) ، وربما برز إِلى طرف
الرواق تجاه البلاطة السوداء .
وشمس الدين ابن سَنّ الدولة٤ُ) ، كان يحكم في الشباك الذي في الكلاسة تجاه تربة [ الملك ]
صلاح الدين عند الغزالية .
وجمال الدين المصري(٥) وكيل بيت المال كان يحكم في الشباك الكمالي بمشهد عثمان .
وشرف الدين الموصلي(٦) الحنفي كان يحكم بالمدرسة الطرخانية (٧) بجيرون والله تعالى أعلم .
وممن توفي فيها من الأعيان(٨) :
ستّ الشامُ(٩) واقفة المدرستين البرانية (١) والجوانية .
الست الجليلة المصونة خاتون ست الشام (١) بنت أيوب بن شاذي، أخت الملوك وعمة أولادهم ،
عن ط وحدها .
(١)
(٢) سترد ترجمة ابن الشيرازي في وفيات ٦٣٥ هـ .
ط : وكان يحكم بالمشهد بالشباك .
(٣)
سترد ترجمة ابن سني الدولة في وفيات سنة ٦٣٥ هـ .
(٤)
(٥) ط : كمال الدين؛ وهو تحريف ، وسترد ترجمته سنة ٦٢٣ هـ.
(٦) سترد ترجمة شرف الدين الموصلي في وفيات سنة ٦٣٠ هـ.
(٧) كانت المدرسة الطرخانية قبلي البادرائية ثم درست وخربت . منادمة الأطلال ( ١٧٩).
(٨) ط : وفيها توفي من الأعيان .
(٩) منادمة الأطلال ( ١٦٧).
(١٠) ترجمة - ست الشام - فى مرآة الزمان (٣٩٨/٨ -٣٩٩) والتكملة للمنذري (٢/ ٤٨٥) وذيل الروضتين (١١٩)
وتاريخ الإسلام (٤٦٩/١٣) وسير أعلام النبلاء (٧٨/٢٢) والعبر (٦١/٥) والنجوم الزاهرة (١٤٦/٦)
وشذرات الذهب (٧ /١٢٠ - ١٢١).
(١١) أ: ست الشام الخاتون الجليلة المصونة ست الشام.

٩٨
وفيات سنة ٦١٦ هـ
وأم الملوك ، كان لها١) من الملوك المحارم خمسة وثلاثون ملكاً ، منهم شقيقها [ الملك ] المعظم توران
شاه بن أيوب(٢) صاحب اليمن ، وهو مدفون عندها في [ تربتها في ] القبر القبلي من الثلاثة ، وفي
الأوسط منها زوجها وابن عمها ناصر الدين (٣) محمد بن أسد الدين شيركوه بن شاذي صاحب حمص ،
وكانت قد تزوجته بعد أبي ابنها حسام الدين عمر بن لاجين ، وهي وابنها حسام الدين [ محمد بن ]٤)
عمر في القبر الثالث ، وهو الذي يلي مكان الدرس ، ويقال للتربة والمدرسة الحسامية (٥) نسبة إلى ابنها
هذا حسام الدين [ محمد بن ] عمر بن لاجين ، وكان من أكابر العلماء عند خاله صلاح الدين ، وكانت
ست الشام [ رحمها الله ] من أكثر النساء صدقةً وإِحساناً إِلى الفقراء والمحاويج، و( كانت ) تعمل في كل
سنة في دارها بألوفٍ من الذهب أشربةً وأدويةً وعقاقيرَ وغير ذلك ، وتفرقه على الناس ، وكانت وفاتها يوم
الجمعة آخر النهار السادس عشر من ذي القعدة من هذه السنة في دارها التي جعلتها مدرسة ٦) ، وهي
[ عند المارستان وهي ]٧) الشامية الجوانية ، ونقلت منها إِلى تربتها بالشامية البرانية ، وكانت جنازتها
حافلة رحمها الله .
أبو البقاء(٨) صاحب ((الإعراب)) و((اللباب)) عبد الله بن الحسين بن عبد الله، الشيخ أبو البقاء
العُكْبَري(٩) الضَّرير النحوي الحنبلي .
صاحب ((إِعراب القرآن العزيز)) وكتاب ((اللباب)) في النحو ، وله (( حواشٍ )) على المقامات،
و((مفصّل)) الزَّمخشري، و((ديوان)) المتنبي، وغير ذلك، وله في الحساب وغيره ١٠) ، وكان صالحاً
(١) ب: أخت الملوك وأولادهم كلها .
توفي توران شاه بن أيوب سنة ٥٧٢ . ترويح القلوب ( ٤٨).
(٢)
توفي ناصر الدين في سنة ٥٨١ . ترويح القلوب (٣٩).
(٣)
ما بين المعقوفتين مستدرك عن ترجمته في هذا الجزء الدارس ( ٢/ ١٤٣ - ١٤٤).
(٤)
الدارس (٢ /١٤٣ - ١٤٤ ) .
(٥)
(٦)
ب : مدرستها .
(٧)
ما بينهما عن ط وحدها .
ترجمة - العكبري - في معجم البلدان (٤/ ١٤٢) والكامل في التاريخ (٣٢٨/٩) وإِنباه الرواة (١١٦/٢ - ١١٨)
(٨)
والتكملة للمنذري (٤٦١/٢) وذيل الروضتين (١١٩ - ١٢٠) ووفيات الأعيان (١٠٠/٣ -١٠١) والمستفاد من
ذيل تاريخ بغداد ( ٢٦٥) والمختصر من أخبار البشر لأبي الفداء (١٣١/٣) وسير أعلام النبلاء (٢٢ /٩١ -٩٣)
والإعلام بوفيات الأعلام ( ٢٥٣) والعبر (٦١/٥) والمختصر المحتاج إليه (٢/ ١٤٠) ونكت الهميان ( ١٧٨ -
١٨٠) ومرآة الجنان (٣٢/٤ - ٣٣) وذيل طبقات الحنابلة (١٠٩/٢ - ١٢٠) والنجوم الزاهرة (٢٤٦/٦)
وشذرات الذهب (١٢١/٧) ولصديقي الدكتور يحيى مير علم حفظه الله كتيب عن العكبري طبع حديثاً.
(٩) أ، ب : العكبراوي .
(١٠) ب : وغير ذلك .

٩٩
وفيات سنة ٦١٦ هـ
ديناً، مات وقد قارب الثمانين رحمه الله، وكان إِماماً في اللغة (١) [ والحساب والنحو ، ] فقيهاً مناظراً
عارفاً بالأصلين والفقه .
وحكى القاضي ابن خلكان(٢) عنه أنه ذكر في شرح(٣) المقامات أن عنقاء مغرب كانت تأتي إِلى جبل
شاهق عند أصحاب الرس(٤) ، فربما اختطفت بعض أولادهم ، فشكوها إِلى نبيهم حنظلة بن صفوان فدعا
عليها فهلكت .
قال : وكان وجهها كوجه الإنسان ، وفيها شبه من كل طائر .
وذكر الزمخشري في كتابه (« ربيع الأبرار)» أنها كانت في زمن(٥) موسى لها أربعة أجنحة من كل
جانب ، ووجه كوجه الإنسان ، وفيه شبه كثير من سائر الحيوانات(٦)، وأنها تأخرت إِلى زمن خالد بن
سنان العبسي الذي كان في الفترة ، فدعا عليها فهلكت والله أعلم .
وذكر ابن خلكان أن المعز الفاطمي جيء إِليه بطائر غريب الشكل من الصعيد(٧) يقال له عنقاء مغرب .
قلت : وكل واحد من خالد بن سنان وحنظلة بن صفوان كان في زمن الفترة ، وكان صالحاً ولم يكن
نبيّاً، لقول رسول الله وَالر (( أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم لأنه ليس بيني وبينه نبي)(٨) . وقد قدمنا
الكلام على ذلك هنالك(٩)
.
الحافظ عماد الدين أبو القاسمُ ١٣) علي بن الحافظ بهاء الدين أبي محمد القاسم بن الحافظ الكبير أبي
القاسم علي بن الحسن بن هبة الله بن عساكر الدمشقي .
(١) أ : اللغات.
(٢) وفيات الأعيان ( ٣/ ١٠١) برواية مختلفة .
ب : في ذكر المقامات .
(٣)
أ ، ب : تأتي إلى جبل بأرض الرسّ شاهق .
(٤)
(٥)
ب : في زمان .
(٦) ط : الحيوان.
أ ، ب : بطائر من الصعيد غريب الشكل .
(٧)
(٨) رواه البخاري في صحيحه رقم (٣٤٤٢) ومسلم رقم (٢٣٦٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، باب فضائل
عيسى عليه السلام .
(٩) ط: وقد تقدم ذلك الخبر في الجزء الأول (٢٣٧ - ٢٣٨) من كتاب ابن كثير هذا.
(١٠) ترجمة - العماد بن عساكر - في الكامل لابن الأثير (٣٢٨/٩) والتكملة للمنذري (٤٦٣/٢ - ٤٦٤) وذيل
الروضتين (١٢٠ و١٢١) والمختصر لأبي الفداء ( ١٣١/٣) وسير أعلام النبلاء (١٤٥/٢٢ - ١٤٦) وتاريخ
الإسلام (٤٨٠/١٣) والعبر (٦٢/٥ -٦٣) وطبقات السبكي (١٢٦/٥) والنجوم الزاهرة (٢٤٦/٦) وشذرات
الذهب ( ١٢٥/٧ ) .

١٠٠
وفيات سنة ٦١٦ هـ
سمع الكثير ورحل فمات ببغداد في هذه السنة ، ومن لطيف شعره قوله في المروحة (١) : [ من
الوافر ]
ثلاثةَ أشهرٍ لا بدّ منها
ومروحةٍ تروِّح کل هَمِّ
وفي أيلولَ يُغني الله عَنْها
حزيرانٍ وتموزٍ وَآبٍ
[ وفيها توفي ] ابن الدوامي(٢) الشاعر .
وقد أورد له ابن الساعي جملة ٣) صالحة من شعره .
ابن الرزاز(٤) وأبو [ منصور ] سعيد [محمد بن سعيد بن محمد بن عمر ] بن الرزاز(٥).
وكان أحد المعدلين ببغداد . وسمع البخاري من أبي الوقت(٦) .
أبو سعيد المروزي وأبو سعيد محمد بن محمود(٧) بن [ محمد بن محمد بن ] عبد الرحمن
المروزي(٨) الأصل الهمذاني المولد البغدادي المنشأ ( والوفاة ) .
وكان حسن الشكل ، كامل الأوصاف ، له خط حسن ، ويعرف فنوناً كثيرة من العلوم ، شافعي
المذهب ، ويتكلم في مسائل الخلاف ، حسن الأخلاق .
ومن شعره قوله (٩): [ من الطويل ]
أرى قسمة ١٠) الأرزاق أعجبَ قسمةٍ لذي دَعةٍ ومكديةٍ لذي كدٍ(١١)
(١) البيتان في ذيل الروضتين (١٢١).
(٢) ب : ابن الدوابني . وط : ابن الدواي.
(٣) ب : جملة صالحة.
فى الأصول جميعاً : أبو سعيد بن الرزاز واستكملت اسمه من مصادر ترجمته وهي : التكملة للمنذري ( ٢/ ٤٥٦)
(٤)
وتاريخ الإسلام (١٣/ ٤٧٠) والمختصر المحتاج إليه (٩٥/٢ - ٩٦) وسير أعلام النبلاء (٩٧/٢٢) والنجوم
الزاهرة (٢٤٦/٦) وشذرات الذهب (٧/ ١٢١).
ط : أبو سعيد بن الوزان .
(٥)
ترجمة أبي الوقت وردت في وفيات سنة ٥٥٣ من الجزء السابق .
(٦)
(٧) ط : محمد بن محمود بن عبد الرحمن .
(٨) ب : محمود بن محمد بن محمود بن محمد بن عبد الرحمن ، قال بشار: وترجمه المنذري في التكملة (٢/ ٤٧٥)
وأبو شامة في ذيل الروضتين ( ١٢٠) والذهبي في تاريخ الإسلام (١٣ / ٤٨٧) والصفدي في الوافي (٢١٢/١)
والعيني في عقد الجمان ( ١٧ / الورقة ٣٩٩).
(٩) عن ط وحدها .
(١٠) أ، ط : أرى قسم. ما هنا عن ب .
(١١) أ، ب : لذي دعة مترو مكذبة الكد.