النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
أحداث سنة ٥٨٦هـ
الميناء من ناحية المسلمين(١) فاعتذروا بأنهم [ مغلوبون معها والريح قوية لا يمكنهم أن يقفوا ولا
ينصرفوا ]٢) ، وما زالوا كذلك حتى ولجوا الميناء وأفرغو(٣) ما كان معهم من الميرة ، والحرب خدعة ،
فعبرت الميناء وعين الكفر عبرى ، وامتلأ الثغر بها خيراً، وسروراً وأثرى ، وكانت مؤونتهم إِلى (٤) أن
قدمت عليهم تلك البطس الثلاث المصرية(٥) .
وكان ميناء البلد يكتنفها٦) برجان، يقال لأحدهما برج الذبار(٧) ، فاتخذت الفرنج بطسة عظيمة لها خرطوم(٨)
وفيه حركات (٩) إِذا أرادوا أن يضعوه على شيء من الأسوار أو الأبرجة قلبوه ١) فوصل إِلى ما أرادوا(١١) ، فعظم
أمر هذه البطسة على المسلمين، ولم يزالوا في أمرها محتالين، حتى أرسل الله عليها شُواظاً من نار فأحرقها وغرَّقها،
وذلك أن الفرنج أعدُّوا فيها نفطاً كثيراً وحطباً جزلاً، وأخرى خلفها فيها حطب محض، [حتى إِذا(١٢) أراد المسلمون
المحاجفة(١٣) على الميناء بمراكبهم(١٤) أرسلوا النفط على بطسة الحطب فاحترقت(١٥) وهي سائرة بين بطس
المسلمين ، [واحترقت الأخرى، وكان ١٦٣) في بطسة أخرى لهم مقاتلة تحت قبو قد أحكموه فيها ، فلما أرسلوا
النفط على برج الذبان(١٧) انعكس الأمر عليهم بقدرة الله [الرحيم الرحمن ١٣) وذلك لشدة الهواء تلك الليلة، فما
تعدت النار بطستهم فاحترقت، وتعدى الحريق إِلى الأخرى فغرقت، ووصل إِلى بطسة المقاتلة فتلفت، وهلك(١٩)
(١) ط : البلد .
(٢) ط : مغلوبون عنها ولا يمكنهم حبسها من قوة الريح.
(٣) ط : فأفرغوا .
(٤) ب : برواتبهم ، فكفتهم إلى أن .
(٥) ب : المصونة .
(٦) ط : وكانت البلد ، ب : يكشفها.
(٧) ط: الديان، والخبر في الروضتين (٢/ ١٦٣).
(٨) ب : حزم .
(٩) ط : محركات.
(١٠) أ : كلبوه .
(١١) ط : ما أرادوا.
(١٢) ط : فلما .
(١٣) ط : المحافظة.
(١٤) ليس في ط .
(١٥) أ : على تلك البطسة الخطبة فأحرقت.
(١٦) عن ط وحدها .
(١٧) ط: الديان والخبر في الروضتين (٢/ ١٦٣).
(١٨) عن ب وحدها .
(١٩) أ، ب: وهلكت بمن فيها.

٣٨٢
أحداث سنة ٥٨٦هـ
من فيها ، فأشبهوا من سلف [ من أهل الكتاب من ١٢) الكافرين [ كما قال تعالى في كتابه المبين ]٢):
﴿يُخْرِبُونُ(٣) بُيُوتَهُمْ بِأَيَدِيهِمْ وَأَيَدِى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحشر: ٢].
فصل
وفي ثالث(٤) رمضان اشتدَّ حصار الفرنج للبلد(٥) حتى نزلوا إِلى الخندق ، فبرز إِليهم أهل البلد فقتلوا
منهم خلقاً كثيراً، وتمكَّنوا من حريق الكبش(٦) الذي اتخذوه(٧) لحصار الأسوار ، وسرى حريقه إِلى
السقوف(٨) وارتفعت له لهبة عظيمة(٩) في عنان السماء ، ثم اجتذبه المسلمون إليهم بكلاليب من حديد في
سلاسل، فحصلوه١) عندهم ، وألقوا عليه الماء البارد فبرد بعد أيام ، فكان فيه من الحديد مئة قنطار
بالدمشقي ، ولله الحمد والمنة .
وفي(١) الثامن والعشرين من رمضان توفي الملك زين الدين (١٢) صاحب إِربل في (١٣) حصار عكا مع
السلطان ، فتأسف الناس عليه لشبابه [وغربته وجودته(١٤)، وعُزِّي أخوه مظفر(١٥) الدِّين فيه ، وهو الذي
قام في الملك من بعده ، وسأل من السلطان صلاح الدين أن يضيف إِليه شهرزور(١٦) ويترك حرَّان والرُّها
(١) ليس في أ .
(٢) مكانهما في ط : في قوله تعالى.
(٣) ط : يخرّبون . وهو تصحيف شنيع.
ب : وفي ثالث شهر رمضان .
(٤)
(٥) ط : للمدينة.
(٦) ط: الكبس، أ: المكبس. وكلاهما تصحيف، والخبر في الروضتين (١٦٤/٢).
(٧) ب : أعدوه .
(٨) أ، ب : السفود .
(٩) أ : لهب عظيم، ب : فارتفعت إليه ، ط : وارتفعت.
(١٠) ط : فحصل .
(١١) أ : وكان مع السلطان في الثامن والعشرين من رمضان الملك زين الدين صاحب إِربل فتوفي على عكا .
(١٢) هو زين الدين يوسف بن زين الدين علي بن بُكْتكين بن محمد. ترجمته وأخباره في ابن الأثير (٢١٠/٩)
والروضتين (١٦٤/٢) والعبر (٢٦٠/٤).
(١٣) ب : وكان مع السلطان على عكا .
(١٤) ليس في ب .
(١٥) ط : وعزى أخاه مظفر الدين. وقد تقدمت ترجمة مظفر الدين في هوامش سنة ٥٨١ .
(١٦) شهرزور كورة واسعة وبلدة في الجبال بين إِربل وهمذان، وقد لاحظ كي لوسترنج أنها تقع على مسيرة أربع مراحل
شمالي غربي الدينور . ( معجم البلدان ) ، وبلدان الخلافة ( ٢٢٦).

٣٨٣
أحداث سنة ٥٨٦هـ
وسميساط وغيرها، وتحمل(١) مع ذلك خمسين ألف دينار نقداً، فأجيب إِلى ذلك، وكتب له تقليد٢) ،
وعُقد له لواءٌ، وأضيف ما تركه إِلى الملك المظفر تقي الدِّين عمر ابن أخي السلطان صلاح الدين [ والله
تعالى أعلم (٣) .
فصل
وكان القاضي الفاضل [ بالديار المصرية (٤) يدبِّر الممالك بها، ويجهز إِلى السلطان ما يحتاج إِليه
منها من الأقوات والأموال والنفقات ، وعمل الأسطول [ وما يحتاج إِليه فيه من محصول (٥) والكتب
السلطانية [ واردة إِليه في كل حين ، يستشيره فيما يصلح به أمر المسلمين ، وكذلك الكتب الفاضلة قادمة
على السلطان في كل أوان (٦) ، [ فمن ذلك (٧) كتاب يذكر فيه أن سبب هذا التطويل في الحصار إِنما هو
بسبب كثرة الذُّنوب، وارتكاب المحارم بين(٨) الناس، ويقول في بعضها: إِن الله لا يُنال ما عنده إِلَّ
بطاعته ، ولا يفرّج الشدائد إِلا بالرجوع إليه ، [ وامتثال أمر شريعته ، فكيف لا يطول الحصار (٩)
والمعاصي في كل مكان بادية ، والمظالم في كل موضع فاشية ، [ وقد طلع إِلى الله تعالى منها ما لا يتوقع
بعدها إِلَّ ما يستعاذ منه (١٠)، وفيه أنه قد بلغه أن بيت المقدس قد ظهر فيه من المنكرات والفواحش
والظلم في بلاده ما لا يمكن تلافيه إِلا بكلفة كبيرةً(١) .
[ ومن ذلك (١٢) كتاب يقول فيه: إِنما أتينا من قبل أنفسنا، ولو صدقناه لعجل(١٣) لنا عواقب
صدقنا ، ولو أطعناه لما عاقبنا بعدوِّنا ، ولو فعلنا ما نقدر عليه من أمره لفعل لنا ما لا نقدر عليه إِلا به ، فلا
(١) أ : ويحمل.
(٢) ط : تقليداً .
(٣) عن أ وحدها .
(٤) ط : بمصر .
لیس في ط .
(٥)
ليس في ط .
(٦)
(٧) ط : فمنها .
(٨) أ : من .
(٩) أ : والامتثال لشريعته، ب: والامتثال لا وشريعته.
(١٠) ط : وقد صدر إِلى الله منها ما يتوقع بعده الاستعاذة منه.
(١١) ط : كثيرة .
(١٢) ط : ومنها .
(١٣) ط: ولو صدقنا لعجل الله. والخبر في الروضتين (٢/ ١٦٧).

٣٨٤
أحداث سنة ٥٨٦هـ
يستخصم(١) أحد إِلا عمله، ولا يلم إِلا نفسه، ولا يرجُ إِلا ربّه(٢) ولا ننتظر العساكر أن تكثر، ولا الأعوان أن
تحضر(٣) ، ولا الأموال أن تحصر ، ولا يغتر بكثرة العساكر والأعوان ، ولا فلان الذي يعتمد أن يقاتل ، ولا فلان
الذي ينتظر أن يسير، فكل هذه مشاغل عن الله ليس النصر بها٤) ، ولا نأمن أن يكلنا الله إِليها ، والنصر به واللطف
منه ، والعادة(٥) الجميلة له ، ونستغفر الله تعالى من ذنوبنا ، فلولا أنها تسدُّ طريق دعائنا ، لكان جواب دعائنا قد
نزل ، وفيض دموع الخاشعين قد غسل ، ولكن في طريق عائق ، خار الله لمولانا في القضاء السابق واللاحق .
وفي (٦) كتاب آخر يتألم فيه لما عند السلطان من الضعف في جسمه بسبب ما حمل على قلبه مما هو فيه
من الشدائد ، أثابه الله تعالى يقول فيه(٧) : وما في نفس المملوك شائنة إِلا بقية هذا الضعف الذي في جسم
مولانا ، فإِنه بقلوبنا ، ونفديه بأسماعنا وأبصارنا ، ثم قال(٨): [ من الطويل ]
بِنَا مَعْشَرَ الخُدّامِ ما بِكَ مِنْ أذىّ وَإِنْ أَشْفَقُوا مِمَّا أَقُولُ فَبِي وَحْدِي
وقد أورد الشيخ شهاب الدين في(٩) ((الروضتين (١٠) في هذا المكان كتباً عدَّة من الفاضل إِلى
السلطان ، فيها فصاحة وموعظة وتحضيض على الجهاد ، [ يعجز عن مثلها سحبان ، وهي جديرة أن
تكتب بماء الذهب على قلائد العقيان }(١) ، فرحمه الله من إِنسان ما أفصحه ، ومن وزير ما كان أنصحه ،
ومن عقل ما كان أرجحه .
(١٢)
فصل (١٢)
وكتب القاضي الفاضل كتاباً بليغاً على لسان(١٣) السلطان إِلى ملك المغرب(١٤) أمير المسلمين ،
(١) ط: فلا يختصم . والخبر في الروضتين (٢/ ١٦٧).
(٢) ط : ولا يغتر بكثرة العساكر والأعوان .
(٣) عن ب وحدها .
بعده في ط : وإِنما النصر من عند الله .
(٤)
(٥) أ: والعبادة .
(٦) ط : ومن .
(٧) ط : بقوله .
(٨) البيت في الروضتين (٢/ ١٦٧).
(٩) ط : صاحب .
(١٠) الروضتين (١٦٥/٢ - ١٧٠).
(١١) ليس في ط .
(١٢) ليس في ب .
(١٣) أ : عن السلطان .
(١٤) ط : ملك الغرب .

٣٨٥
أحداث سنة ٥٨٦هـ
وسلطان جيش الموحِّدين ، يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن(١)، يستنجد(٢) به في إرسال مراكب في
البحر تكون عوناً له على المراكب الإفرنجية (٣) في عبارة طويلة [ فصيحة بليغة مليحة ]٤) ، حكاها
[ شهاب الدين }٥) بطولها وحسنها ، وبعث السلطان صلاح الدين [ مع ذلك بهديّة ]٦) سنية من التحف
والألطاف ، وذلك كله صحبة الأمير الكبير شمس الدين أبي الحزم عبد الرحمن بن منقذ [ وكان ابتداء
سير (٧) في البحر في ثامن ذي القعدة من هذه السنة ، فدخل على [ السلطان يعقوب ]٨) في العشرين من
ذي الحجة ، فأقام عنده إِلى عاشوراء من المحرم من سنة ثمان وثمانين ، ولم يفد ذلك(٩) الإِرسال شيئاً،
[ لأن السلطان }١٠) يغضب إِذ لم يلقَّب بأمير المؤمنين، وكانت إِشارة القاضي الفاضل إِلى عدم الإِرسال
إِليه ، والتعويل عليه ، ولكن وقع ما وقع بمشيئة الله تعالى .
فصل
[ وفي هذه السنة (١١) حصل [ للناصر صلاح (١٢) الدين سوء مزاج، من كثرة ما يكابده من الأمور
التي هي أمر من الأجاج ، فطمع العدو المخذول ، لعنهم الله ، في حوزة الإِسلام ، فتجرد جماعة منهم
للقتال ، وثبت آخرون على الحصار ، فأقبلوا في عَدَد كثير وعُدَد ، فرتب السلطان الجيوش ميمنة
وميسرة ١٣) ، وقلباً وجناحين ، [ فلما رأوا ما عاينوا من الجيش الكثيف فروا من موقف الحرب وحادوا
عن حومة الوغى فقتل منهم خلق كثير وجم غفير ولله الحمد ؟١٤) .
(١) سترد ترجمته في حوادث سنة ٥٩٥ من هذا الجزء .
(٢) ب ، ط : يستنجده .
(٣) ط : عوناً للمسلمين على المراكب الفرنجية.
(٤) عن ط وحدها .
(٥) ط : أبو شامة .
(٦) ط : الكتاب .
(٧) ط : وسار .
(٨) ط : سلطان المغرب.
(٩) ط : هذا .
(١٠) ط : لأنه .
(١١) ط : وفيها .
(١٢) أ، ب : للسلطان .
(١٣) ط : يمنة ويسرة.
(١٤) ط : فلما رأى العدو الكثيف فقتلوا منهم خلقاً كثيراً وجمعاً غفيراً .

٣٨٦
أحداث سنة ٥٨٦هـ
فصل
ولما دخل فصل الشتاء وانشمرت مراكب الفرنجُ(١) عن البلد خوفاً من الهلاك بسبب اغتلام(٢) البحر ،
سأل مَن في البلد من المسلمين من السلطان أن يريحهم مما هم فيه من الحصر العظيم ، والمقاتلة (٣) ليلاً
ونهاراً، وصباحاً ومساءً، سراً وجهاراً ، وأن يرسل إِلى البلد بدلهم ، فرقَّ لهم السلطان ، وعزم على
ذلك ، وكانوا قريباً من عشرين ألف مسلم ما بين أمير ومأمور ، فجهز جيشاً آخر غيرهم ، قالوا٤) : ولم
يكن ذالك٥) برأي جيد ، ولكن ما قصد السلطان إِلا خيراً ، وأن هؤلاء يدخلون البلد ، وهم جدد
الهمم(٦) ، ولهم عزم قوي، وهم في راحة بالنسبة إِلى (٧) أولئك ، ولكن [ أولئك الذين كانوا بالبلد
وخرجوا منه (٨) كانت لهم خبرة بالبلد وبالقتال [ وصبر عظيم، وقد تمرّنوا على ما هم فيه من المصابرة
للأعداء براً وبحراً، وجهزت لهؤلاء الداخلين سبع ٩) بطس من مصر فيها ١٠) ميرة تكفيُ(١١) أهل البلد
سنة كاملة ، فقدر الله تعالى (١٢) - وله الأمر من قبل ومن بعد - أنها لما توسطت البحر ، واقتربت من
الميناء ، هاجت عليها ريح عظيمة [ في البحر ١٣٣) فقلبت (١٤) تلك البطس على عظمها ، فاختبطت
واضطربت وتصادمت فتكسرت وغرقت ، وغرق ما كان فيها من الميرة ، وهلك من كان بها من البخَّارة ،
فدخل بسبب ذلك وهن عظيم على المسلمين ، واشتد الأمر جداً ، واحتد مرض السلطان ، وازداد مرضاً
إِلى مرضه، [عافاه الله ١٥٤)، وكان ذلك [ عوناً للعدو المخذول ١٤) على أخذ البلد ، ولا قوة إِلا
(١) أ : الإِفرنج .
(٢) غلم - كفرح ـ واغتلم هاج (القاموس) وأساس البلاغة (غلم).
(٣) ط : والقتال .
(٤) عن أوحدها .
(٥) ط : ذلك .
(٦) ط : بهمم حدة شديدة .
ط : إِلى ما أولئك .
(٧)
(٨) عن ط وحدها .
(٩) ط : وكان لهم صبر وجلد وقد تمونوا فيها مؤنة تكفيهم سنة فانمحقت بسبب ذلك وقدم بطش .
(١٠) ط : فيه .
(١١) أ، ب : تكفيهم سنة كاملة .
(١٢) ط : فقدر الله العظيم.
(١٣) ليس في ط.
(١٤) ط : فانقلبت تلك البطش وتغلبت على عظمها.
(١٥) ط : فإنا لله وإنا إليه راجعون.
(١٦) مكانهما في أ : عنواناً .

٣٨٧
أحداث سنة ٥٨٦هـ
بالله ، وذلك في ذي الحجة من هذه السنة ، وكان المقدم على الداخلين إِلى عكا الأمير سيف الدين علي
ابن أحمد بن المشطوب (١) .
وفي اليوم السابع من ذي الحجة سقطت ثلمة عظيمة من سور عكا ، فبادر الفرنج إِليها فسبقهم
المسلمون إِلى سدها بصدورهم، وقاتلوا دونها٢) بنحورهم ، ومازالوا يمانعون عنها حتى بَنَوْها أشدَّ مما
كانت ، وأقوى وأحسن وأبهى .
ووقع في هذه السنة وباءٌ عظيم في الجيشين(٣) المسلم والكافر ، فكان السلطان يقول في ذلك (٤):
[ من مجزوء الخفيف ]
اقتلوني ومالكاً
واقتلوا مالكاً معي
واتفق موت ابن ملك الألمان ، لعنه الله ، في ثاني ذي الحجة ، [ من هذه السنة }°) ، وجماعة من
كبراء الكندهرية ، وسادات الفرنج لعنهم الله ، فحزن الفرنج على ابن ملك الألمان حزناً عظيماً ، وأوقدوا
ناراً عظيمة في كل خيمة ، وصار في كل يوم يهلك من الفرنج المئة والمئتان ، واستأمن السلطان جماعة
منهم من شدة ما هم فيه من الجوع(٦) والضيق والحصر ، وأسلم خلق كثير منهم ولله الحمد والمنة .
[ وفي هذا الشهر]٧) قدم القاضي الفاضل [ من الديار المصرية ٨) على السلطان ، وكان قد
طال شوق كل واحد منهما إلى صاحبه ، فأفضى كل واحد منهما إِلى الآخر(٩) ما كان يسرّه ويكتمه من
الآراء التي فيها مصالح المسلمين ، وقدم وزير الصدق على السلطان الموفَّق والأمير المؤيد رحمهما الله
تعالى .
(١) بعده في ب: أيده الله. وسترد ترجمته في حوادث سنة ٥٨٨ من هذا الجزء .
(٢) أ، ب : عنها .
(٣) ط : في المسلمين والكافرين .
(٤) كان مالك بن الحارث المعروف بالأشتر النخعي من الشجعان والأبطال المشهورين ، وهو من خواص أصحاب
الإِمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه . وكان عبد الله بن الزبير أيضاً من الأبطال ، وقد خرجا جميعاً يوم الجمل ،
فلما تماسكا صار كل واحد منهما إِذا قوي على صاحبه جعله تحته وركب على صدره ، وفعلا ذلك مراراً ، وابن
الزبير ينشد هذا البيت . يريد بمالك الأشتر النخعي . قال ابن شداد : يريد بذلك أني قد رضيت بأن أتلف إِذا أتلف
أعداء الله. وفيات الأعيان (٧/ ١٩٥) والروضتين (٢/ ١٨٠).
(٥) عن أ وحدها .
(٦) ليس في ب .
(٧) ط : وفيها .
(٨) ط : من مصر.
(٩) ط : صاحبه .

٣٨٨
وفيات سنة ٥٨٦هـ
وممن توفي في هذه السنة من الأعيان :
[ ملك الألمان ]١): هلك فيها ملك الألمان الذي أقبل في مئتي ألف مقاتل ، ويقال : في ثلاثمئة
ألف مقاتل من أقصى بلاده ، فاجتاز بالقسطنطينية وما بعدها من البلدان ، يريد انتزاع بلاد الشام بكمالها
من أيدي المسلمين ، انتصاراً - في زعمه - لبيت المقدس الذي استنقذه الملك صلاح الدين - [ أيّده
الله (٢) - من أيدي المشركين، فلم يزل اللعين يتناقص جيشه، ويتفانَوا في كل موطن وموضع، وقدَّر الله
هلاكه(٣) بالغرق ، كما أهلك فرعون ، لعنهما [ الله تعالى (٤) ، وذلك أنه نزل يسبح في بعض الأنهار ،
فاحتمله الماء قسراً ، فألجأه إِلى جذم شجرة هناك ، فشدخت رأسه ، ومات من ساعته ، لعنه الله .
[ ابن ملك الألمان ]٥) : فملَّكَ الألمانُ عليهم ابنَه الأصغر ، وأقبل بمن بقي منهم وأمره قد تقهقر ،
والمقصود أنهم وصلوا إِلى إِخوانهم بعكا في خمسة آلاف ، وقيل : في ألف مقاتل ، وكان المسلمون قد
حملوا من قدومهم(٦) هماً عظيماً، وخافوا خوفاً شديداً، فكفى الله المؤمنين (٧) القتال ﴿ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا
عَزِيِزًا﴾ [الأحزاب : ٢٥].
محمد بن محمد بن عبد الله ، أبو حامد ، قاضي القضاة بالموصل (٨)، محيي الدين ابن قاضي
القضاء ٩) كمال الدين، الشهرزوري الشافعي(١٠): أثنى عليه العماد الكاتب(١١)، وأنشد له من شعره
قوله : [ من الكامل ]
قامَت بِإِثْباتِ الصّفاتِ أدِلَّةٌ قَصَمَتْ ظُهورَ أئِمَّةِ التَّعْطِيلِ
وطَلائعُ التَّنْزِيهِ لَمَّا أَقْبَلَتْ هَزَمَتْ ذَوي التَّشْبِيهِ وَالتَّمْثِيلِ
(١) رواية هذه الترجمة والتي تليها تختلف عما في ط اختلافاً كبيراً يتطلب إِيراد جميع الترجمة ، ولم أر فائدة من ذلك .
(٢) عن ب وحدها .
(٣) ب : إِهلاكه .
(٤)
ليس في ب .
(٥) أخباره عند ابن الأثير (٩/ ٢٠٧) والروضتين (١٧٩/٢ - ١٨٠).
(٦)
ب : منهم .
(٧) ب : من شرهم القتال .
(٨) عن أ وحدها .
(٩) ليس في أ .
(١٠) ترجمته في خريدة الشام (٣٢٩/٢) والروضتين (٢٦٢/١ -٢٦٣ و١٨٢/٢) ووفيات الأعيان (٢٤٦/٤) وتاريخ
الإسلام (٨٢٣/١٢-٨٢٤) والعبر (٢٥٩/٤) ومرآة الجنان (٤٣٢/٣).
(١١) الأبيات في الروضتين (٢/ ١٨٢).

٣٨٩
أحداث سنة ٥٨٧هـ
فالحُّ ما صِرْنا١ً) إِليهِ جَميعُنا بِأدلَّةِ الأخْبارِ والتَّنْزِيلِ
مَنْ لَمْ يَكُنْ بِالشَّرْعِ مُقْتِدِياً فَقَدْ أَلْقَاهُ فَرْطُ الجَهْلِ فِي التَّضْلِيلِ
ثم دخلت سنة سبع وثمانين وخمسمئة
فيها: قدم ملك الإِفرنسيس (٢) وملك إِنكلتر(٣) وغيرهما من ملوك البحر(٤)، على الفرنج وتمالؤوا
على أخذ(٥) عكا في هذه السنة كما سيأتي تفصيله .
وقد استهلت [ هذه السنة]٦) والحصار الشديد على عكا [ على حاله ]٧) من الجانبين ، وقد
استكمل دخول البدل(٨) إِلى البلد، والملك العادل مخيِّم إِلى جانب البحر ، ليتكامل دخولهم ودخول
مِيرتهم لطف الله بهم .
وفي ليلة مستهل ربيع الأول منها٩) خرج المسلمون من عكا فهجموا على مخيّم الفرنج فقتلوا منهم
خلقاً كثيراً، ونهبوا١٠) شيئاً كثيراً، وسبّوا اثنتي عشرةً(١) امرأة، وانكسر(١٢) مركب عظيم للفرنج فغرق
[ فيه خلق (١٣) وأُسر باقيهم ، وأغار صاحب حمص أسد الدين(١٤) شيركوه بن ناصر الدين محمد ابن
شيركوه على سرح الفرنج بأراضي طرابلس ، فاستاق منهم شيئاً كثيراً من الخيول والأبقار والأغنام ، وظفر
اليز ١٥) بخلق كثير من الفرنج فقتلوهم ، ولم يقتل من المسلمين سوى طواشي صغير عثر به فرسه .
(١) أ : الحق قاسرنا .
(٢) ط : الفرنسيس .
(٣) أ، ب: انكليه، وابن الأثير (٢١٣/٩): انكلتار، والروضتين (١٨٢/٢): انكلتيره .
ط : ملوك البحر الفرنج .
(٤)
ليس في أ . وأثبتنا لفظ ط حيثما ورد في الكتاب لأنه اللفظ الشائع .
(٥)
(٦) عن أ وحدها .
(٧) ليس في ط .
(٨) ب : البلد ، ط : العدو .
(٩) عن ط وحدها .
(١٠) ب، ط : وسبوا وغنموا شيئاً كثيراً.
(١١) ط : اثني عشر، امرأة وهو خطأ.
(١٢) ب : فانكسر .
(١٣) ط : ما فيه .
(١٤) في ب، ط: أسد الدين بن شيركوه وهو تصحيف . ترجمته في وفيات سنة ( ٦٣٧) من هذا الكتاب .
(١٥) ب، ط: الترك، والخبر في الروضتين (٢/ ١٨٣)، واليزك: مقدمة الجيش.

٣٩٠
أحداث سنة ٥٨٧هـ
وفي ثاني(١) عشر ربيع الأول وصل إِلى الفرنج ملك إِفرنسيس فليب(٢) في ست بطس ملعونة مشحونة
بعبدة الصليب ، وحين(٣) وصل إِليهم وقدم عليهم لم يبق لأحد معه من ملوكهم حكم ، وذلك لعظمته
عندهم ، وقدم معه باز عظيم أبيض وهو الباز الأشهب ، هائل ، [ فطار من يده فوقع (٤) على سور عكا ،
فأمسكه أهلها وبعثوا به إِلى (٥) السلطان صلاح الدين، فبذل الفرنج فيه ألف دينار فلم يُجابوا إِلى ذلك.
وقدم بعده كندفري(٦) وهو من أكابر ملوكهم أيضاً . ووصلت سفن ملك الإنكليز(٧) ولم يجىء
ملكهم(٨) لاشتغاله بجزيرة قبرص وأخذها من يد صاحبها .
وتواصلت ملوك الإِسلام أيضاً من بلدانها في أول فصل الربيع ، لخدمةُ(٩) السلطان الناصر صلاح
الدين ، أيده الله١٠) .
قال العمال(١) : وقد كان للمسلمين لصوص يدخلون إلى خيام الفرنج فيسرقون ، حتى أنهم كانوا
يسرقون الرجال ، فاتفق أن بعضهم أخذ صبياً رضيعاً من مهده ابن ثلاثة أشهر ، فوجدت عليه أمه وجداً
شديداً ، واشتكت إِلى ملوكهم ، فقالوا لها : إِن سلطان المسلمين رحيم القلب ، وقد أذنًّا لك أن تذهبي
إِليه فتشتكي أمرك إِليه ، قال العماد : فجاءت إِلى السلطان وأنا واقف معه فبكت بكاءً شديداً ، وجعلت
تمرّغ وجهها على الأرض ، فسألها عن أمرها ، فأنهت إِليه حالها ، فرقّ لها رقة شديدة حتى دمعت
عيناً(١) . ثم أمر(١٣) بإِحضار ولدها فإِذا هو قد١٤) بيع في السوق ، فرسم بدفع ثمنه إِلى المشتري ، ولم
يزل واقفاً حتى جيء بالغلام ، فأخذته أمه وأرضعته ساعة وهي تبكي من شدة فرحها وشوقها إِليه ، ثم أمر
(١) أ: ثامن وهو تصحيف والخبر في الروضتين (٢/ ١٨٣).
(٢) ط: في قريب من ستين بطش. وهو تصحيف والخبر في الروضتين (٢/ ١٨٣) وابن الأثير (٢١٣/٩) وتاريخ ابن
العبري ( ٣٨٦).
(٣) ط : فحين .
(٤)
أ : الهائل .. فسقط .
(٥) ط : فأخذه أهلها وبعثوه إِلى.
(٦) ب: كندفريز: ط: كيدفريز. والخبر في الروضتين (١٨٣/٢).
(٧) أ، ب: الإِنكليتر، وفي الروضتين (١٨٣/٢): الإنكليترة.
(٨) أ، ب : هو .
(٩) أ، ب: إِلى خدمة .
(١٠) ط : لخدمة الملك الناصر ، قال العماد .
(١١) الروضتين (١٨٣/٢).
(١٢) أ، ط : عينه .
(١٣) أ، ب : فأمر .
(١٤) ليس في أ .

٣٩١
فصل في كيفية أخذ العدو مدينة عكا من يدي السلطان قسراً
بحملها إلى خيمتها١) على فرس مكرّمةً، رحمه الله تعالى (٢) [وبلَّ بالرحمة ثراه ]٣).
فصل
في كيفية أخذ العدو(٤) [ المخذول مدينة عكا من يدي السلطان قسراً }(٥)
لما كان شهر جمادى الأولى اشتد حصار الفرنج ، لعنهم الله ، لمدينة عكا ، وتمالؤوا عليها من كل
فج عميق ، وقدم عليهم ملك الإِنكليز في جم غفير ، وجمع كثير ، في خمسة وعشرين قطعة مشحونة
بالمقاتلة ، وابتلي(٦) أهل الثغر منهم ببلاءٍ لا يشبه ما قبله ، فعند ذلك حُرِّكت الكوسات في البلد ، وكانت
علامة ما بينهم وبين السلطان ، فحرّك السلطان كوساته فاقترب من البلد وتحول إِلى قريب منه ،
ليشغلهم(٧) عن البلد، وقد أحاطوا به من كل مكان(٨)، ونصبوا عليه سبعة مجانيق(٩) ، وهي تضرب في
البلد ليلاً ونهاراً ، ولا سيما على برج عين البقر، حتى أثّرت فيه ١٠) أثراً بيِّناً ، وشرعوا في ردم الخندق
بما أمكنهم من دوابّ ميتة ، ومن قتل منهمُ(١١) ، أو مات أيضاً ، وقابلهم أهل البلد ينقلون ما ألقوه فيه إِلى
البحر . وظفر ملك الإنكليز(١٢) ببطسة عظيمة للمسلمين قد أقبلت من بيروت مشحونة بالأمتعة والأسلحة
فأخذها ، وكان واقفاً في البحر في أربعين مركباً لا يترك شيئاً يصل إِلى البلد بالكلية ، لعنه الله ، وكان
فيه(١٣) ستمئة من المقاتلة الصناديد الأبطال، فهلكوا عن آخرهم رحمهم الله أجمعين(١٤) . فإِنه لما أحيط
بهم من الجوانب كلِّها ، وتحققوا إِما الغرق أو القتل ، خرقوا من جوانبها كلها وغرقت ، ولم يقدر الفرنج
على أخذ شيء منها لا من الميرة ولا من الأسلحة ، وحزن المسلمون على هذا المصاب حزناً عظيماً ، فإِنا
(١) أ : فوقها .
(٢) عن ط وحدها .
مكانهما في ط : وعفا عنه .
(٣)
لیس في ب .
(٤)
(٥)
ليس في ط .
أ ، ب : وبلي.
(٦)
(٧) أ : يشغلهم ، ب : لشغلهم.
(٨) ط : جانب .
(٩) ط : منجانيق .
(١٠) ط : به .
(١١) ط: ومن مات أيضاً ردموا به وكان أهل البلد يلقون ما ألقوه فيه إلى البحر وتلقى ملك الإنكليز بطشة.
(١٢) أ، ب : الانكلتير .
(١٣) ط : وكان بالبطشة .
(١٤) عن أ وحدها .

٣٩٢
فصل في كيفية أخذ العدو مدينة عكا من يدي السلطان قسراً
لله وإنا إليه راجعون . ولكن جبر الله سبحانه هذا البلاء بأن أحرق المسلمون في هذا اليوم للفرنج دبابة
كانت أربع طبقات ، الأولى من خشب (١) ، والثانية من رصاص ، والثالثة من حديد ، والرابعة من
نحاس ، وهي مشرفة على السور والمقاتلة فيها ، وقد قلق أهل البلد منها بحيث حدَّثتهم أنفسهم من
خوفهم من شرها بأن يطلبوا الأمان من الفرنج ، ويسلموا البلد ، ففرّج الله عن المسلمين وأمكنهم من
حريقها ، واتفق ذلك في هذا اليوم الذي غرقت فيه البطسة المذكورة ، فأرسل أهل البلد (٢) إِلى السلطان
يشكون شدة ٣) الحصار وقوته(٤) عليهم منذ قام ملك الإنكليز(٥) لعنه الله، ومع هذا قد مرض هو (٦) وجرح
ملك الإِفرنسيس (٧) أيضاً ، ولا يزيدهم ذلك إِلا شدة وغلظة وعتواً، وفارقهم المركيس وسار إلى بلده
صور خوفاً منهم أن يُخرجوا مُلْگها من يده .
وبعث ملك الإِنكليز إِلى السلطان صلاح الدين يذكر له(٨) أن عنده جوارح قد جاء بها من البحر ، وهو
على نيّة إِرسالها إِليه ، ولكنها قد ضعفت وهو يطلب لها دجاجاً وطيْراً لتتقوى (٩) به ، فعرف أنه إِنما يطلب
ذلك لنفسه بتلطف(١٠)، فأرسل إليه بشيء(١١) من ذلك كرماً وسجية وحشمة١٢ً) ، ثم أرسل يطلب منه
فاكهة وثلجاً ، فأرسل إليه أيضاً ، فلم يفد معه الإِحسان ، بل لما عوفي عاد إِلى شرّ مما كان عليه ، واشتد
الحصار ليلاً ونهارا١٣) ، فأرسل أهل البلد يقولون للسلطان: إِماء١) أن تعملوا معنا شيئاً غداً وإِلا طلبنا
من الفرنج الصلح والأمان، [ فشق ذلك (١٥) على السلطان ، وذلك لأنه كان قد بعث (١٦) إِليها أسلحة
(١) ط : من الخشب .
(٢) ط : أهل البلد يشكون إِلى السلطان .
(٣) أ، ب : كثرة الحصار .
(٤)
أ : وقوتهم .
أ ، ب : الانكلتير .
(٥)
ليس في ط .
(٦)
ط : الإِفرنسيين.
(٧)
(٨) عن ط وحدها .
(٩) ط : لتقوى به .
(١٠) ط : يلطفها به.
(١١) أ، ب : بشيء من ذلك.
(١٢) عن أ وحدها .
(١٣) أ: وأرسل من في البلد.
(١٤) أ، ب : إِن لم .
(١٥) في أ: فشق ذلك على السلطان عظيماً، وفي ب: الأمان على السلطان أمراً عظيماً. وأثبتنا رواية ط .
(١٦) أ : قد سيَّر ، ب: قد صيّر .

٣٩٣
فصل في كيفية أخذ العدو مدينة عكا من يدي السلطان قسراً
الشام والديار المصرية وسائر السواحل ، وما كان غنمه من وقعة حطين ومن بيت المقدس(١) وهي ،
مشحونة بذلك ، فعزم السلطان على مهاجمة العدو (٢) ، فلما أصبح ركب في جيشه فرأى الفرنج قد ركبوا
من وراء خندقهم ، والرَّجَّالة منهم قد ضربوا سوراً حول الفرسان ، وهم قطعة من حديد صماء لا ينفذ
فيهم(٣) شيء ، فأحجم عنهم لما يعلم من نكول جيشه عما يريده ، وتحدوه على شجاعته رحمه الله تعالى.
هذا وقد اشتد الحصار على البلد جداً، ودخلت الرَّجَّالة منهم إِلى الخندق وعلّقوا بدنة في (٤) السور
وحشوها وأحرقوها ، فسقطت ، ودخلت الفرنج إِلى البلد ، فمانعهم المسلمون وقاتلوهم أشد القتال ،
وقتلوا من رؤوسهم ستة أنفس ، فاشتد حنق الفرنج على المسلمين(٥) جداً بسبب ذلك، وجاء الليل فحال
بين الفريقين ، فلما أصبح الصباح خرج أمير المسلمين بالبلد سيف الدين علي بن أحمد (٦) بن المشطوب ،
فاجتمع بملك الإِفرنسيس وطلب منه الأمان على أنفسهم ، ويتسلمون منه البلد ، فلم يجبه (٧) إِلى ذلك ،
وقال له : بعد ما سقط السور جئت تطلب الأمان ؟ فأغلظ له الأمير ابن المشطوب في الكلام ، ورجع
إِلى البلد في حالٍ(٨) الله بها عليم، فلما أخبر أهل البلد بما وقع خافوا خوفاً شديدا٩ً) ، وأرسلوا إِلى
السلطان يعلمونه بما وقع ، فأرسل إليهم أن يسرعوا الخروج من البلد في البحر ولا يتأخروا عن هذه
الليلة ، ولا يبقى بها مسلم ، فتشاغل كثير ممن كان بها في جمعُ "١) الأمتعة والأسلحة ، وتأخروا عن
المسير(١١) تلك الليلة ، فما أصبح الخبر إِلا عند الفرنج من مملوكَيْن صغيرَيْن سمعا بما رسم به السلطان ،
فهربا إِلى قومهما فأخبراهم(١٢) بذلك ، فاحتفظوا على البحر احتفاظاً عظيماً ، فلم يتمكن أحد من أهل
البلد أن يتحرك بحركة ، ولا خرج منها شيء بالكلية ، [ وهذان المملوكان كانا أسيرين قد أسرهما
السلطان من أولاد الفرنج (١٣) وعزم السلطان على كبس العدو في هذه الليلة ، فلم يوافقه الجيش على
(١) ط : ومن القدس فيه .
(٢) ط : فعند ذلك عزم السلطان على الهجوم على العدو .
(٣) أ، ب : لا ينفدها .
(٤) أ، ب : من .
(٥) أ، ب : عليهم جداً .
(٦) ليس في أ .
(٧) ط: وطلب منهم .. فلم يجبهم .
(٨) ط : حالة.
(٩) ط : خافوا خوفاً شديداً لما وقع .
(١٠) ب : يجمع ، ط : لجمع .
(١١) ط : عن الخروج .
(١٢) ب ، ط : فأخبروهم .
(١٣) عن ط وحدها .

٣٩٤
فصل في كيفية أخذ العدو مدينة عكا من يدي السلطان قسراً
ذلك، وقالوا: لا نخاطر بالإِسلام كله (١)، فلما أصبح بعث إِلى ملوك الفرنج يطلب منهم الأمان لأهل
البلد على أن يطلق عدتهم من الأسرى الذين تحت يده من النصارى (٢) ويزيدهم [ على ذلك (٣) صليب
الصلبوت ، فأبوا إلا أن يطلق لهم كل أسير تحت يده ، ويعيد إِليهم٤) جميع البلاد الساحلية التي أخذت
منهم ، وبيت المقدس ، فأبى(٥) ذلك، وترددت المراسلات في ذلك ، والحصار يتزايد على أسوار
البلد .
وقد تهدمت ثلم كثيرة منه (٦) ، وأعاد المسلمون كثيراً منها، وسدُّوا ثُغَر تلك الأماكن بنحورهم
رحمهم الله، وصبروا صبراً عظيماً، وصابروا العدو، ثم كان آخر أمرهم(٧) إِلى الشهادة ٨) ، وقد كتبوا
إِلى السلطان في آخر أمرهم يقولون له : يا مولانا لا تخضع لهؤلاء الملاعين ، الذين قد أبوا عليك الإِجابة
إِلى ما دعوتهم فينا ، فإِنا قد بايعنا الله تعالى على الجهاد حتى نقتل عن آخرنا ، وبالله المستعان .
فلما كان وقت الظهر في اليوم السابع عشر من جمادى الآخرة من هذه السنة ، ما شعر الناس إِلا وقد
ارتفعت أعلام الكفار(٩) وصلبانه وشعاره وناره على أسوار البلد ، وصاح الفرنج صيحة واحدة ، فعظمت
عند ذلك المصيبة على المسلمين ، واشتد حزن الموخِّدين ، وانحصر كلام العقلاء من الناس في : إِنا الله
وإنا إليه راجعون ، وغشي الناس بهتة عظيمة ، وحيرة شديدة ، ووقع في عسكر السلطان ، الصياح
والعويل [ والبكاء والنحيب (١) ، ودخل المركيس ، لعنه الله، وقد عاد إِليهم سريعاً بهدايا فأهداها إِلى
الملوك ، فدخل في هذا اليوم عكا بأربعة أعلام فنصبها في البلد ، واحداً على المئذنة يوم الجمعة ، وآخر
على القلعة ، وآخر على (١١) برج الداوية، وآخر على برج القتال، عوضاً عن أعلام السلطان، وتحيز(١٢)
المسلمون الذين بها إِلى ناحية من البلد معتقلين، محتاط بهم ، وضيّق عليهم ، وقد أُسرت(١٣) النساء
(١) ط : معسكر المسلمين.
(٢) ط : من الفرنج.
(٣) عن أ وحدها .
ط : ويطلق لهم .
(٤)
(٥) أ، ب : فأبا من .
(٦) ط : منه ثلم كبيرة .
(٧) ط : ثم كان آخر الأمر وصولهم إلى درجة الشهادة .
بعده في أ : عظيماً .
(٨)
(٩) ط : إِلا وأعلام الكفار قد ارتفعت وصلبانهم ونارهم على أسوار البلد.
(١٠) ليس في ط .
(١١) ليس في ب .
(١٢) أ، ب : حيّز .
(١٣) ط : وقد أسروا .

٣٩٥
فصل في كيفية أخذ العدو مدينة عكا من يدي السلطان قسراً
والأبناء ، وغُنمت منهم الأموال(١) ، وقُيّدت الأبطال، وأهين الرجال ، ولكن الحرب سجال ، والحمد
لله على كل حال .
[ فعند ذلك (٢) أمر السلطان [ أيده الله (٣) الجيش(٤) بالتأخر عن هذه المنزلة [ المضايقة إِلى التي
بعدها ]°)، وثبت هو مكانه(٦) لينظر ماذا يصنعون وما عليه يعوِّلون [ وهم - لعنهم الله - بالاستيلاء على
البلد مشغولون ، وبتحصيل الأموال جملة وتفصيلاً مدهوشون (٧)، ثم سار السلطان إِلى المعسكر(٨)
وعنده من الحزن(٩) والهم ما لا يعلمه إلا الله [عز وجل }١٠)، وجاءت الملوك الإِسلامية ، والأمراء
وكبراء الدولة يعزُّونه فيما وقع ، [ ويسألونه عما عنه الحال انقشع }(١)، ثم راسل ملوك الفرنج في
خلاص مَنْ بأيديهم من [ أسارى الإِسلام ١٢٤) فطلبوا منه عدتهم من أساراهم(١٣) ومئة ألف دينار ،
وصليب الصلبوت إِن كان باقياً ، فأرسل فأُحضر المال والصليب ، ولم يتهيأ له من الأسارى إِلا ستمئة
أسير ، فطلب الفرنج منه أن يريهم الصليب من بعيد ، فلما رُفع لهم ١٤) سجدوا له وألقوا أنفسهم إِلى
الأرض ، وبعثوا يطلبون منه ما أحضره من المال والأسارى والصليب ، فامتنع إِلا أن يرسلوا إِليه من
بأيديهم من الأسارى أو يبعثوا له برهائن عنه على ذلك ، فقالوا : لا ولكن أرسل لنا ذلك وارض(١٥)
بأمانتنا، [ ففهم منهم ]١٦) أنهم يريدون الغدر والمكر، فلم يرسل إِليهم شيئاً من ذلك (١٧)، وأمر بردٌ
(١) ط : وغنمت أموالهم .
(٢) عن ط وحدها .
(٣) ليس في أ .
(٤) ط : الناس .
(٥) ليس في أ.
(٦) أ: وتأخر هو جريدة لينظر، وفي الروضتين (١٨٨/٢): وأقام هو جريدة مكانه لينظر.
(٧) ط : والفرنج في البلد معولون مدهوشون .
(٨) ط : العسكر .
(٩) عن أ وحدها .
(١٠) ليس في ط .
(١١) ط : ويسلونه على ذلك.
(١٢) ط : الأسارى .
(١٣) ط : أسراهم .
(١٤) ليس في ط .
(١٥) أ، ب : ولكن يرسل ذلك ويرضى بأمانتنا.
(١٦) ط : فعرف أنهم .
(١٧) أ: فلم يرسل ذلك إِليهم .

٣٩٦
فصل فيما جرى من الحوادث بعد أخذ الفرنج عكا
الأسارى إِلى أهاليهم(١) بدمشق، وبعث (٢) بالصليب إِلى دمشق مهاناً، وأبرزت(٣) الفرنج خيامهم إِلى
ظاهر البلد ، وأحضروا ثلاثة آلاف من المسلمين في صعيد واحد رحمهم الله ، فأوقفوهم بعد العصر
وحملوا عليهم حملة رجل واحد فقتلوهم عن آخرهم في صعيد واحد رحمهم الله وأكرم مثواهم وجعل
الجنان منقلبهم ومثواهم . ولم يستبقوا بأيديهم من المسلمين إِلا أميراً أو سرية٤) ، أو من يرونه في عملهم
قوياً، أو امرأة [ أو صبياً، وكان ما كان (٥)، و﴿ قُضِىَ الْأَمْرُ الَّذِى فِيهِ تَسْئَفْتِيَانِ﴾ [ يوسف: ٤١] وكان مدة
[ مقام السلطان رحمه الله (٦) على عكا صابراً مرابطاً سبعة وثلاثين شهراً، وجملة من قتل من الفرنج
خمسين ألفاً .
فصل
فيما جرى من الحوادث بعد أخذ الفرنج عكا
ساروا برُمَّتهم قاصدين عسقلان ، والسلطان بجيشه يسايرهم ويعارضهم منزلة منزلة ، ومرحلة
مرحلة ، والمسلمون يتخطَّفونهم ، ويسلبونهم في كل مكان ، وكل أسير أتي به إِلى السلطان يأمر بقتله في
ذلك المكان والأوال(٧) ، وجرت بين الجيشين وقعات(٨) متعددات، ثم طلب ملك الإِنكليز(٩) أن يجتمع
بالملك العادل أخي السلطان يطلب منه الصلح والأمان. [ على أن تعاد إلى أهلها بلاد الساحل ١٢) فقال
له العادل : إِن دون ذلك قتل كل فارس منكم وراجل ، فغضب اللعين ونهض من عنده غضبان(١) ، ثم
اجتمعت الفرنج على حرب السلطان عند غابة أرسوف(١٢) ، [ فكانت النصرة للمسلمين ، فقتل من الفرنج
عند غابة أرسوف (١٣) ألوف بعد ألوف ، وقتل من المسلمين خلق كثير أيضاً ، وقد كان الجيش فرَّ عن
(١) أ : أماكنهم ، ط : أهليهم.
(٢) ط : وردّ الصليب .
(٣) أ، ب : وبرزت.
(٤) ط : أميراً أو صبياً .
(٥) ط : أو امرأة . وجرى الذي كان .
(٦) ط : وكان مدة إقامة صلاح الدين على عكا .
(٧) ط : بقتله في مكانه وجرت .
(٨) ط : وجرت خطوب بين الجيشين ووقعات.
(٩) أ، ب : الانكلتير .
(١٠) ط : على أن يعاد لأهلها بلاد السواحل .
(١١) أ، ب : وهو متغضب.
(١٢) أرسوف مدينة على ساحل بحر الشام بين قيسارية ويافا (معجم البلدان ).
(١٣) ليس في ب.

٣٩٧
فصل فيما جرى من الحوادث بعد أخذ الفرنج عكا
السلطان في أول الوقعة ، ولم يبق معه سوى سبعة عشر مقاتلاً ، وهو ثابت صابر ، [ والكوسات تدق لا
تفتر، والكوسات والأعلام ١٤) منشورة، ثم تراجع الناس ، فكانت النصرة للمسلمين ، [ والكرَّة على
الكافرين والحمد لله رب العالمين }٢) ، ثم تقدم السلطان بعساكره فنزل ظاهر عسقلان ، فأشار ذوو الرأي
على السلطان ، بتخريب عسقلان ، خشية أن يتملَّكها الكفار ، ويجعلونها وسيلة إِلى أخذ بيت المقدس
صانه الله تعالى ، أو يجري (٣) عندها من الحرب والقتال نظير ما كان عند عكا ، [ أو أشد ]٤) ، فبات
السلطان ليلته تلك(٥) مفكراً في ذلك، ولما٦) أصبح وقد أوقع الله في قلبه أن خرابها٧) هو المصلحة ،
قال(٨) لمن حضره : والله لموت جميع أولادي أهون عليَّ من تخريب حجر واحد منها ، ولكن إِذا كان
خرابها٩) فيه مصلحة للمسلمين ، فلا بأس به ، ثم طلب الولاة وأمرهم بتخريب البلد سريعاً ، قبل وصول
العدو المخذول إِليها ١) ، فشرع الناس في خرابه ، وأهله ومن حضره يتباكون على حسنه وطيب مقيله ،
وكثرة زروعة (١) وثماره، ونضاره وأنهاره وأزهاره، [ وكثرة رخامه وحسن بنائه }(١٢). وألقيت
[ النيران في أرجائه وجوانبه (١٣) وخربت قصوره ودوره وأسواقه ورحابه وأتلف ما فيه من الغلات التي
لا يمكن تحويلها ، ولا نقلها ، ولم يزل الخراب والحريق فيه من جمادى الآخرة إِلى سلخ شعبان من هذه
السنة .
ورحل عنها١٤) السلطان في ثاني رمضان، وقد تركها قاعاً صفصفاً ليس فيها معلمٌ(١٥) لأحد ، ثم
اجتاز بالرملة فهدُ(١٦) حصنها وخرّب كنيسة لدّ، وزار بيت المقدس وعاد إلى المخيَّم سريعاً، تقبّل الله
(١) ط : والكؤسات لا تفتر والأعلام .
(٢) ليس في ط .
(٣) أ، ب : ويجري عنده من القتال.
عن ط وحدها .
(٤)
عن ب وحدها .
(٥)
(٦) ط : فما .
(٧) أ، ب : ذلك .
(٨) ط : فذكر ذلك لمن حضره وقال لهم والله .
(٩) أ، ب : هذا .
(١٠) عن أ وحدها .
(١١) ط : زرعه .
(١٢) أ : وغزارة أنهاره .
(١٣) ط : وألقيت النار في سقوفه وأتلف .
(١٤) ط : ثم رحل السلطان منها .
(١٥) ط : معلمة .
(١٦) ط : فخرب .

٣٩٨
فصل فيما جرى من الحوادث بعد أخذ الفرنج عكا
منه ، ثم بعث(١) ملك الإنكليز(٢) إِلى السلطان يقول له: إِن الأمر قد طال وهلك الفرنج والمسلمون ،
وإِنما مقصودنا ثلاثة أشياء لا سواها ، رد الصليب وبلاد الساحل(٣) وبيت المقدس، لا نرجع عن هذه
الثلاثة وبنا عين تطرف (٤)، فأرسل إِليه السلطان [ جواب ذلك ٥) أشد جواب ، وأسوأ خطاب ، ثم
عزمت(٦) الفرنج لعنهم الله على قصد بيت المقدس، فتقدم السلطان بجيشه إِلى بيت المقدس(٧) فنزله ،
وسكن في دار القساوس قريباً من قمامة ، في ذي القعدة ، وشرع في تحصين البلد(٨) وتعميق خنادقه ،
وعمل فيه بنفسه وأولاده وأمرائه ، وعمل فيه القضاة والعلماء والصوفية بأنفسهم ، وكان (٩) وقتاً مشهوداً،
واليزك حول البلد من ناحية الفرنج ، وفي كل وقت يستظهرون على الفرنج فيقتلون (١٠) ويأسرون ويغنمون
منهم ، ولله الحمد والمنة . وانقضت هذه السنة والأمر على ذلك .
وفي هذه السنة فيما ذكره العماد الكاتب تولى القاضي (١١) محيي الدين محمد بن الزكي قضاء دمشق.
وفيها : عدى (١٢) أمير مكة داود بن عيسى بن فُلَيْتَة بن قاسم(١٣) بن محمد بن أبي هاشم الحسني(١٤) ،
فأخذ أموال الكعبة حتى انتزع طوقاً من فضة كان على دارة الحجر الأسود ، كان قد لمّ شعثه حین ضربه
ذلك القرمطي بالدبوس ، فلما بلغ السلطان خبره من الجميع عزله وولّى أخاه مكثر١٥٩) ، ونقض القلعة
التي كان بناها أخوه على جبل أبي قبيس ، فأقام(١٦) داود بنخلة حتى توفي بها في سنة تسع(١٧) وثمانين .
(١) ط : وبعث .
(٢) أ، ب : الانكلتير .
(٣) ب : السواحل الساحل .
(٤) ط : لا ترجع عن هذه الثلاثة ومنا عين تطرف .
(٥) ليس في ط .
(٦) ط : وأسد مقال، فعزمت.
(٧) ط : إِلى القدس .
(٨) عن ب وحدها .
(٩) ط : وعمل فيه الأمراء والقضاة والعلماء والصالحون وكان .
(١٠) ط : ويقتلون.
(١١) ط : وفيها على ما ذكره العماد تولى القضاء محيي الدين.
(١٢) الروضتين (١٩٥/٢ - ١٩٦).
(١٣) ط ، ب : هاشم.
(١٤) ترجمته في ابن الأثير (٢٢٩/٩) والروضتين (١٩٥/٢ - ١٩٦) وأبو الفداء (٨٩/٣) والعبر (٦٨/٤) ومرآة
الجنان ( ٤٣٨/٣) والشذرات (٤/ ٢٩٧).
(١٥) ب ، ط : بكيراً .
(١٦) ط : وأقام .
(١٧) أ، ط : سبع، وهو خطأ .

٣٩٩
وفيات سنة ٥٨٧هـ
وممن توفي في هذه السنة من الأعيان (١) :
الملك المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب (٢):
كان عزيزاً عند(٣) عمه السلطان الملك الناصر صلاح الدِّين ، استنابه بمصر وغيرها من البلاد ، ثم
أقطعه حماة ومدناً كثيرة معها حولها ، ومن(٤) بلاد الجزيرة ، وكان مع عمه السلطان(٥) على عكا ، ثم
استأذنه في الإشراف(٦) على بلاده المجاورة للجزيرة والفرات ، فلما صار إِليها اشتغل بها ، وامتدت عينه
إِلى أخذ غيرها من أيدي الملوك الذين يجاورونه(٧) ، فقاتلهم [ فاتفق موته وهو على ذلك ، والسلطان
صلاح الدين غضبان عليه بسبب ذلك من اشتغاله عنه (٨) ، وحملت جنازته حتى دفن(٩) بحماة ، وله
مدرسة هناك هائلة كبيرة ، وكذلك بدمشق له( ١٠) مدرسة(١١) مشهورة ، وعليها أوقاف كثيرة مبرورة .
وقام بالملك من بعده ولده المنصور ناصر الدين محمد، فأقره الملك(١٢) صلاح الدين على ذلك(١٣)
بعد جهد جهيد ، ووعد ووعيد ، ولولا السلطان الملك العادل أبو بكر شفع فيه لما استقر(١٤) في مكان
أبيه ، ولكن الله سلَّم ، وكانت وفاة تقي الدين يوم الجمعة تاسع عشر رمضان من هذه السنة ، وكان شجاعاً
باسلاً وهماماً فاتكاً كريماً كاملاً رحمه الله .
الأمير حسام الدين (١٥) محمد بن عمر بن لاجين (١٦) :
(١) ط : وفيها توفي من الأعيان ..
(٢) ترجمته في خريدة الشام - بداية قسم الشام (١/ ٨٠ - ١١٤) وابن الأثير (٢١٢/٩) والروضتين (١٩٤/٢ - ١٩٥)
ووفيات الأعيان (٤٥٦/٣ - ٤٥٨) وأبو الفداء (٨٠/٣) وتاريخ الإسلام (٨٣٦/١٢ -٨٣٧) والعبر (٢٦٢/٤).
(٣) ط : على .
(٤) ط : في .
(٥) عن ط وحدها .
(٦) ط : ثم استأذنه أن يذهب ليشرف على .
(٧) المجاورين له .
(٨) ط : فاتفق موته وهو كذلك والسلطان عمه غضبان عليه بسبب اشتغاله بذلك عنه .
(٩) ط : دفنت .
(١٠) ط : حا: وكذلك له بدمشق .
(١١) هي المدرسة التقوية. منادمة الأطلال (٩٠) والأعلاق الخطيرة (٢٣٥).
(١٢) ليس في ط .
(١٣) ليس في ب .
(١٤) ط : ولولا السلطان العادل أخو صلاح الدين تشفع فيه لما أقره في مكان أبيه ولكن سلم الله توفي ...
(١٥) ترجمته في ابن الأثير (٢١٨/٩) ومرآة الزمان (٤١٣/٨) والروضتين (١٩٥/٢) وأبو الفداء (٣/ ٨٠) وتاريخ
الإسلام (٨٤٠/١٢).
(١٦) ط : لاشين .

٤٠٠
وفيات سنة ٥٨٧هـ
وأمه (١) ست الشام بنت أيوب ، واقفة الشاميتين بدمشق ، توفي ليلة الجمعة تاسع عشر رمضان
أيضاً ، فتفجّعُ(٢) السلطان بابن أخيه وابن أخته في ليلة واحدة، وقد كانا له من أكبر الأعوان(٣) ، ودفن
حسام الدين في التربة الحسامية(٤) ، وهي التي أنشأتها أمه بمحلة العونية ، وهي الشامية البرانية .
[ الأمير علم الدِّين ]°) : وفيها : توفي الأمير علم الدين سليمان بن جَنْدر الحلبي ، وكان من أكابر
الأمراء في الدولة الصلاحية ، وفي خدمة السلطان حيث كان ، وهو الذي أشار على السلطان بتخريب
عسقلان ، واتفق مرضه بالقدس ، فاستأذن في أن يمرض بدمشق ، فأذن له ، فسار حتى (٦) وصل إِلى
غَباغِب مات بها في أواخر ذي الحجّة [ رحمه الله ]٧).
[ الصفي بن القابض (٨) ]٩): وفي رجب(١٠) توفي الأمير الكبير نائب دمشق حرسها الله تعالى ،
الصفي بن القابض ، وقد كان من أكبر أصحاب السلطان قبل الملك ، ثم استنابه على دمشق حتى توفي بها
في هذه السنة رحمه الله .
[ أسعد بن المطران ( ١١): وفي ربيع الأول توفي الطبيب الماهر الحاذق أسعد بن المطران وقد
شرف(١٢) بالإِسلام ، وشكره على طبّه الخاصُّ والعام ، رحمه الله .
[ الشيخ نجم الدين(١٣) الخبوشاني }١٤):
(١) ط : أمه .
(٢) ط : ففجع .
(٣) ط : أعوانه .
وهي المسماة بالشامية البرانية. الأعلاق الخطيرة (٢٤٩ - ٢٥٠) ومنادمة الأطلال (١٠٤).
(٤)
ترجمته في ابن الأثير (١٧٣/٩) والروضتين (١٩٥/٢) وتاريخ الإسلام (٨٣٢/١٢).
(٥)
ط : فساء منها فلما ، ب : فصار حتى .
(٦)
(٧)
عن ب وحدها .
(٨) ترجمته عن ابن الأثير (٢١٨/٩) والروضتين (١٩٥/٢).
(٩) ط : الفائض . تصحيف .
(١٠) ط : وفي رجب منها .
(١١) ترجمته في الروضتين (١٩٥/٢) وطبقات الأطباء (١٧٥/٢) وتاريخ الإسلام (٨٣١/١٢) واسمه فيها :
أسعد بن الياس بن جرجس المطران .
(١٢) ب : تشرّف .
(١٣) ترجمته في مرآة الزمان (٤١٤/٨) والروضتين (١٩٥/٢) ووفيات الأعيان (٢٣٩/٤ - ٢٤٠) وتاريخ الإسلام
(٨٤١/١٢ - ٨٤٣) والعبر (٢٦٢/٤) ومرآة الجنان (٤٣٣/٣) واسمه فيها : محمد بن الموفق بن سعيد بن
علي بن الحسن بن عبد الله الخبوشاني نجم الدين الفقيه الشافعي .
(١٤) ط : الجيوشاتي الشيخ نجم الدين ، ب : الخبوشاني الشيخ نجم الدين .