النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨١ أحداث سنة ٥٧٣هـ وأُسر للملك المُظفّر تقي الدين عمر(١) بن أخي السلطان ولده شاهنشاه، فبقي عندهم سبع سنين ، وقُتل ابنه الآخر ، وكان شاباً قد طرّ شاربه ، فحزن على المقتول والمفقود ، وصبر تأسيّاً بأيوب ، وناح كما ناح داود ، وأُسر الفقيهان الأخوان ، ضياء الدين عيسى (٢) وظهير الدين، فافتداهما السلطان بعد سنين(٣) بتسعین (٤) ألف دينار . وفيها : تخبَّطت الدولة بحلب ، وقبض السلطان الملك الصالح إسماعيل بن نور الدين على الخادم كمشتكين ، وألزمه بتسليم قلعة حارم ، وكانت له ، فأبى من ذلك ، فعلّقه منكوساً ، ودخن تحت أنفه حتى مات من ساعته . وقصدت الفرنج حارم ، فامتنعت عليهم ، ثم سلِّمت إِلى الملك الصالح . (٥) وفيها : جاء ملك كبير من ملوك الفرنج يروم أخذ الشام لغيبة السلطان ، واشتغال نوابه بلذاتهم" ٠ قال العماد الكاتب : ومن شرط هدنة الفرنج أنه متى جاء ملك كبير من ملوكهم ، لا يمكنهم دفعه فإِنهم يقاتلون معه ويؤازرونه وينصرونه ، فإِذا انصرف عنهم عادت الهدنة كما كانت . فقصد هذا الملك وجملة الفرنج معه (٦) مدينة حماة ، وصاحبها شهاب الدين محمود خال السلطان مريض ، ونائب دمشق ومَنْ معه من الأمراء مشغولون بلذاتهم(٧) ، فكادوا يأخذون البلد ، ولكن هزمهم الله بعد أربعة أيام ، فانصرفوا إِلى حارم ، فلم يتمكنوا من أخذها ، وكشفهم عنها الملك الصالح صاحب حلب ، وقد دفع إليهم من الأموال والأسارى ما طلبوه منه(٨) ، وتوفي صاحب حماة الأمير شهاب الدين محمود بن تتش خال السلطان [ الناصر، وتوفي }٩) قبله ولده تُتُش [بثلاثة أيام }١٠)، رحمه الله(١١) ولما سمع السلطان الملك الناصر بنزول الفرنج على حارم برز من الديار المصرية ١٢) قاصداً بلاد (١) سترد ترجمته في حوادث سنة ٥٨٧ من هذا الجزء. (٢) سترد ترجمته في حوادث سنة ٥٨٥ من هذا الجزء . (٣) ط : سنتين . (٤) أ : بسبعين . (٥) ط : ببلدانهم . وهو تصحيف . (٦) ليس في ط . (٧) ط : ببلدانهم . تصحيف . (٨) ب : ما طلبه الكفرة والنصارى ، وليست : منه ، في أ، ب . (٩) عن ط وحدها . (١٠) ليس في ب . (١١) عن ب وحدها . (١٢) ط : برز من معه . ٢٨٢ أحداث سنة ٥٧٣هـ الشام لغزو الفرنج ، لعنهم(١) الله تعالى، فكان دخوله إلى دمشق في الرابع والعشرين من شوال(٢)، وصحبته العماد الكاتب ، وتأخر القاضي الفاضل بمصر (٣) ناوياً الحج في هذا العام ، تقبل الله منه (٤). وفيها : جاء كتاب(٥) القاضي الفاضل إِلى الناصر يهنُّه بوجود(٦) مولود ، وهو أبو سليمان داود ، وهو موفٍ(٧) لاثني عشر ذكراً، وقد ولد له بعده عدة ذكور أيضاً ، فإِنه توفي عن سبعة عشر ولداً ذكراً ، وابنة صغيرة ، وهي(٨) مؤنسة التي تزوجها ابن عمها الكامل محمد بن العادل(٩) كما سيأتي بيان ذلك في موضعه إِن شاء الله تعالى(١٠) . وفي هذه السنة جرت فتنةٌ (١) عظيمة بين اليهود والعامة ببغداد، وكانت بسبب أن مؤذّناً أذَّن عند كنيسة اليهود ، فنال منه بعض اليهود بكلام أغلظ له فيه ، فشتمه ١٢) المسلم ، فاقتتلا ، فجاء المؤذِّن ، يشتكي منه إِلى الديوان ، وتفاقم الحال ، وكثرت العوام ، وأكثروا الضجيج، ولما كان يوم الجمعة ١٣) منعت العامة إِقامة الخطبة في بعض الجوامع ، وخرجوا من فورهم ، فنهبوا سوق العطّارين الذي فيه اليهود ، وذهبوا إلى كنيسة اليهود فنهبوها ، ولم يتمكن الشرط من ردهم ، فأمر الخليفة بصلب بعض العامة ، فأخرج في الليل جماعة من الشطار من الحبس (١٤) ، فصُلبوا ، فظن كثير من الناس أن هذا كان بسبب هذه الكائنة ، فسكنت(١٥) الفتنة ، ولله الحمد . (١) ب : عليهم لعائن الملك العلام. (٢) ط : فدخل دمشق في رابع عشر شوال . (٣) ب : بديار مصر . ط : بمصر لأجل الحج . (٤) ورد هذا الكتاب في الروضتين (٢٧٦/١ - ٢٧٧). (٥) (٦) ليس في أ . ط : وبه كمل له اثنى عشر ذكراً . (٧) (٨) ط : اسمها . هو أبو المعالي محمد ابن الملك العادل الملقب بالملك الكامل ناصر الدين . ولد سنة ٥٧٦هـ . وتملك الديار (٩) المصرية تحت جناح والده عشرين سنة ، وبعده عشرين سنة ، وتملك دمشق قبل موته بشهرين ، وتوفي سنة ٦٣٥ هـ. مرآة الزمان (٨/ ٧٠٥) وذيل الروضتين (١٦٦) ووفيات الأعيان (٧٩/٥ - ٨٩) والعبر - بيروت ( ٢٢٣/٣ - ٢٢٤) . (١٠) ب ، أ : كما سيأتي بيانه . (١١) الحادثة في المنتظم (٢٧٥/١٠) وابن الأثير (١٤٤/٩). (١٢) ب : بعض كلام فسبه . (١٣) ط : فلما حان وقت الجمعة . (١٤) ط : من الشطار الذين كانوا في الحبوس وقد وجب عليهم القتل . (١٥) ط : فسكن الناس. ٢٨٣ وفيات سنة ٥٧٣هـ وفيها : خرج وزير الخليفة عضد الدولة بن رئيس الرؤساء بن المسلمة قاصداً للحج ، وخرج الناس في خدمته ليودُّعوه ، فتقدم إِليه ثلاثة من الباطنية في صورة فقراء ومعهم قصص ، فتقدم أحدهم ليناوله قصته فاعتنقه(١) وضربه بالسكين ضربات ، وهجم الثاني، وكذا(٢) الثالث ، فهبَّروه ، وجرحوا جماعة من(٣) حوله ، وقتل الثلاثة من فورهم، وحرقو(٤) ، ورجع الوزير إلى منزله محمولاً، فمات من (٥) يومه ، سامحه الله ولطف به . وقد كان تبع ولدي(٦) الوزير ابن هبيرة ومازال حتى قتلهما وأعدمهما ، [ فسلط الله عليه من قتله ]٧)، وكما تدين تدان، جزاء وفاقاً، [وما ربك بظلام للعبيد ]^). وممن توفي في هذه السنة من الأعيان : صدقة بن الحسين ، أبو الفرج الحداد(٩) : قرأ القرآن، وسمع الحديث، وتفقّه وأفتى، وقال الشعر، ونظر(١٠) في الكلام، وناظر. وله تاريخ ذيَّل فيه على شيخه ابن الزاغوني(١١) ، وفيه غرائب وعجائب. وقال ابن الساعي : كان شيخاً عالماً فاضلاً ، وكان فقيراً يأكل من أجرة النسخ ، وكان يأوي إِلى مسجد ببغداد عند البدرية يؤمّ فيه ، وكان يتعتب على الزمان وبنيه . ورأيت ابن الجوزي في ((المنتظم (١٣) يذمّه ويرميه بالعظائم، وأورد له من أشعاره ما فيه مشابهة لابن الراوندي (١٣) في الزندقة ، (١) ليس في أ . (٢) ط : وكذلك الثالث عليه. (٣) عن ب وحدها . (٤) ب : وجرحوا . وليست اللفظة في ط. (٥) أ : في يومه . (٦) ط : وهذا الوزير هو الذي قتل ولدي الوزير ابن هبيرة وأعدمهما. (٧) عن ط وحدها . (٨) ليست في ط . (٩) ترجمته في المنتظم (٢٧٦/١٠) وابن الأثير (١٤٤/٩) وأبو الفداء (٦١/٣) وتاريخ الإسلام (٥٢٣/١٢ - ٥٢٤) وذيل ابن رجب (٣٣٩/١ -٣٤٢). (١٠) ط : وقال . (١١) سبقت ترجمته في حوادث سنة ٥٢٧. (١٢) المنتظم (١٠/ ٢٧٧ - ٢٧٨). (١٣) هو أبو الحسين أحمد بن يحيى بن إسحاق الراوندي ، له مقالة في علم الكلام ونحو من ١١٤ كتاباً ، وله مناظرات ومجالس مع جماعة من علماء الكلام ، وقد انفرد بمذاهب نقلها أهل الكلام عنه في كتبهم . توفي في سنة ٢٤٥ وقيل ٢٥٠ وقيل في حدود الثلاثمئة. قال ابن عقيل: عجبي كيف لم يقتل وقد صنف الدامغ يدمغ به القرآن ، والزمردة يزري بها على النبوات . الفهرست (١٠٨) والمنتظم (٩٩/٦) ووفيات الأعيان (٩٤/١) والعبر - بيروت (٤٣٩/١) وفيه: الريوندي. ٢٨٤ وفيات سنة ٥٧٣هـ فالله أعلم . وكانت وفاته(١) في ربيع الآخر عن خمس وسبعين سنة ، ودفن بباب حرب . ورؤيت له منامات غير صالحة ، نسأل الله العافية في الدنيا والآخرة . محمد(٢) بن أحمد بن عبد الجبار ، أبو المظفر الحنفي المعروف بالمُشَطَّب(٣): كان من الفضلاء المشاهير ، تفقّه ودرّس وأفتى وناظر(٤) . توفي في هذه السنة ، وقد جاوز الثمانين . محمد بن أسعد بن محمد ، أبو منصور العطار المعروف بحَفَدة(٥) : سمع الكثير ، وتفقه وناظر وأفتى ودرس . وقدم بغداد فمات بها في هذه السنة ، رحمه الله تعالى(٦) . محمود بن شهاب الدين الحارمي (٧) ، خال السلطان صلاح الدين : كان من خيار الأمراء وشجعانهم ، وقد أقطعه ابن أخته حماة حين فتحها ، وقد حاصره الفرنج هناك(٨) هذه السنة ، وهو مريض ، ففتحوها ، وقتلوا بعض أهلها ، ثم تناخى أهلها فردّوهم خائبين ، ولله الحمد . فاطمة بنت نصر بن العطار(٩): كانت من سادات النساء، فإِنها١٠) من سلالة أخت صاحب المخزن(١١) ، وكانت من العابدات (١) ط : توفي . (٢) سقطت هذه الترجمة من ط . (٣) ترجمته في المنتظم (٢٧٩/١٠) وابن الأثير (١٤٤/٩) وتاريخ الإسلام (١٢/ ٥٢٧). (٤) ب : تفقه وأفتى ودرس وناظر . (٥) ترجمته في المنتظم (٢٧٩/١٠) وتاريخ ابن الدبيشي (١٧٧/١) ووفيات الأعيان (٢٣٨/٤ - ٢٣٩) وتاريخ الإسلام (١٢/ ٥٢٨) والعبر - الكويت (٢١٣/٢) - بيروت (٦١/٣) ومرآة الجنان (٣٩١/٣) وقد تقدم ذكره في هوامش سنة ٥٧١هـ . (٦) ليست الجملة الدعائية في ط . وفي ب : والله أعلم . (٧) أخباره في ابن الأثير (١٣٤/٩، ١٣٩، ١٤٢) والروضتين (٢٧٥/١) وأبو الفداء (٦/٣) وتاريخ الإسلام ( ١٢/ ٥٣١ ) . (٨) ليس في ب . (٩) في ط: فاطمة بن نصر العطار، وترجمتها في المنتظم (٢٧٩/١٠) وتاريخ الإسلام (٥٢٦/١٢). (١٠) ط : وهي . (١١) هو منصور بن نصر المعروف بابن العطار. سترد ترجمته وأخباره في حوادث سنة ٥٧٥ من هذا الجزء. ٢٨٥ أحداث سنة ٥٧٤هـ المتورِّعات المخدَّرات(١) ، يقال: إِنها لم تخرج من منزلها سوى ثلاث مرات، وقد أثنى عليها الخليفة وغيره ، والله ٢) أعلم . ثم دخلت سنة أربع وسبعين وخمسمئة فيها : ورد كتاب من القاضي الفاضل ، وهو بمصر (٣)، إِلى السلطان، وهو بالشامُ(٤) ، يهنّه بسلامة أولاده الملوك الإثني عشر يقول [ في بعضه ٥٣): (( وهم بحمد الله بهجة الدنيا وزينتها٦)، وريحان(٧) الحياة وزهرتها ، وإِن فؤاداً وسع فراقهم الواسع، وإِن قلباً قنع بأخبارهم لقانع، وإِن طَرْفاً نام على البعد عنهمُ(٨) لهاجع، وإِنَّ ملكاً ملك تصبّره(٩) عنهم لحازم، وإِن نعمة الله فيهم لنعمةٌ (١) بها العيش ناعم، أما يشتاق جيد المولى أن يتطوّقُ(١١) بُدُررهم. أما تظمأ عينه أن تُروى بنظرهمُ(١٢)، أما يحنّ قلبه إِلى قلبه (١٣) ، أما يلتقط ذلك الطائر بتقبيلهمُ(١٤) ما خرج من حبه ، وللمولى أبقاه الله أن يقول: [ من الطويل ] وَلَكِنَّ قَلْبِي فِي الهَوَى يَتَقَلَّبُ(١٧) وَمَا مِثْلُ هَذ(١٥) الشَّوْقِ تَحْمِلُ مُضْفَة١ٌ) (١) ليس في ب . جملة : والله أعلم . عن ط وحدها . (٢) ب : وهو بالديار المصرية ، وفي ط : من مصر . (٣) ب : بالشام المحروس . (٤) (٥) ليس في ط . ط : بهجة الحياة وزينتها ، وريحانة القلوب والأرواح وزهرتها . (٦) (٧) في الروضتين (٢/ ٣): وريحانة . (٨) أ: منهم، والخبر في الروضتين (٣/٢). (٩) ط : صبره . (١٠) أ: وأما نعمة الله فيهم فنقمة بها العيش ناعم. وفي ط : نعمة الله بهم. (١١) ط : أن تطرّق. (١٢) أ : أما يحن صادي طرفه أن يروى بنظرهم. (١٣) ط : للقّهم. (١٤) ط : بفتيلهم وللمولى، وفي أ : من خرج. (١٥) ليس في ب. (١٦) ب، ط : يحمل بعضه . (١٧) أ : بقلوب، ب: مقلوب، وفي الروضتين : متقلّب. ٢٨٦ أحداث سنة ٥٧٤هـ وفيها : أسقط السلطان الناصر(١) صلاح الدين المكوس والضرائب عن الحجاج بمكة ، وقد كان يؤخذ من حجاج المغرب(٢) شيء كثير ، ومن عجز عن أدائه حبس ، فربما فاته الوقوف بعرفة ، وعوّض أميرها بمال يقطعه (٣) بديار مصر، وأن يحمل إِليه في كل سنة ثمانية آلاف أردبّ غلة إِلى مكة ، ليكون عوناً له ولأتباعه ورفقاً بما تيسر على المجاورين من ابتياعه ، وقرر(٤) للمجاورين أيضاً غلات ، تحمل إليهم وصلات ، رحمه الله في سائر الأوقات . وفيها : عصى الأمير شمس الدين بن مقدمُ(٥) ببعلبك، ولم يجيء إِلى خدمة السلطان ، وهو نازل على ظاهر حمص، وذلك أنه بلغه أن أخا٦) السلطان توران شاه(٧) طلب بعلبك من السلطان(٨) فأطلقها له، فامتنع من الخروج منها ابن مقدم٩) حتى جاء السلطان بنفسه، فحصرة١٠) فيها من غير قتال ، [ فجاءت الأمطار والبَرَد، فعاد إلى دمشق في رجب، ووكل بالبلد من يحصره من غير قتال }(١)، ثم عوّض ابن مقدم عنها بتعويض كثير خير مما كان بيده ، فخرج منها وتسلمها تورانشاه . قال ابن الأثير(١٢): وكان في هذه السنة غلاء شديد، بسبب قلة المطر ، وعمّ العراق والشام وديار مصر ، واستمر إِلى سنة خمس وسبعين، فجاء المطر، ورخصت الأسعار، ثم عقب ذلك(١٣) وباءٌ شديد، وعمّ البلاد مرضٌ واحد١٤) وهو البرسامُ(١٥) ، فما ارتفع إِلا في سنة ست وسبعين ، فمات في (١٦) ذلك الوباء خلق كثير ، وأمم لا يعلم عددهم إِلا الذي خلقهم(١٧). (١) ليس في أ. (٢) ط : الغرب . ط : بمال أقطعه إِياه بمصر . (٣) ط : وقررت . (٤) سترد ترجمته في حوادث سنة ٥٨٣ من هذا الجزء . (٥) (٦) أ : أخاه . (٧) سترد ترجمته في حوادث سنة ٥٧٦ من هذا الجزء . (٨) ط : منه . (٩) ط : فامتنع ابن المقدم من الخروج منها . (١٠) ب : فحصروه . (١١) عن أ وحدها . (١٢) ابن الأثير (١٤٥/٩). (١٣) أ، ب : ولكن تعقب ذلك. (١٤) ط : ومرض واحد وهو السرسام ، وهي رواية ابن الأثير. (١٥) هو ذات الجنب، وهو التهاب في الغشاء المحيط بالرئة. ( المعجم الوسيط). (١٦) ط : بسبب ذلك. (١٧) ط : إِلا الله . ٢٨٧ أحداث سنة ٥٧٤هـ وفي رمضان منها١) وصلت خِلع الخليفة إِلى الملك صلاح الدين ، وهو بدمشق ، [ وكانت سنية عظيمة جداً (٢) ، وزيد في ألقابه ( معزّ أمير المؤمنين )، وخلع أيضاً على أخيه تورانشاه(٣) ولُقُب ( بمصطفى أمير المؤمنين ) . وفيها : جهز [ الملك صلاح الدين (٤) ابن أخيه فروخشاه٥) بن شاهنشاه بن أيوب بين يديه لقتال الفرنج الذين قد عزموا على قتال المسلمين ، وعاثوا في نواحي دمشق [ وقراها ، ونهبوا ما حولها وأرجاءها، وأمره أن يداريهم حتى يتوسطوا البلاد، ولا يقاتلهم حتى يقدم (٦) عليه ، فلما التقوا عاجلوه بالقتال ، فكسرهم ، وقتل من ملوكهم صاحب الناصرة والهنفري ، وكان من أكابر ملوكهم وشجعانهم ، لا ينهنهه اللقاء ، فكبته الله في هذه الغزوة ، وركب السلطان صلاح الدين في إثر ابن أخيه فما وصل إِلى الكسوة حتى تلقته الرؤوس على الرماح، والغنائم والأسارى والأرماح(٧)، والجيش في سُمْره وبيضه من المشارف والصفاح . وفي هذه السنة بنت الفرنج ، لعنهم الله، قلعة عند بيت الأحزان للداوية(٨) فجعلوها مرصاداً لحرب المسلمين ، وقطع طرقاتهم عليهم(٩) ، ونقضت ملوكهم العهود التي كانت بينهم وبين صلاح الدين . وأغاروا على نواحي البلدان من كل جانب ، ليشغلوا المسلمين عنهم ، وتتفرقٌ(١٠) جيوشهم في بقعة واحدة ، فرتب السلطان ابن أخيه تقي الدين عمر(١) بثغر حماة، ومعه شمس الدين بن مقدم١٢) ، (١) عن ط وحدها . (٢) ليس في ط . سترد ترجمته في حوادث سنة ٥٧٦ من هذا الجزء . (٣) (٤) مكانهما في ط : الناصر . سترد ترجمته في حوادث سنة ٥٧٨ من هذا الجزء . (٥) (٦) ليس في ب . (٧) عن ب وحدها . الاستبار والداوية أو الديوية جماعتان من الفرنج كان لهما دور هام في الحروب الصليبية ، فهم يحبسون أنفسهم (٨) لجهاد المسلمين ويمنعون أنفسهم من النكاح وغيره ولهم أموال وسلاح ولا طاعة لأحد عليهم ، وكان المسلمون يحرصون على قتلهم لشدة عدائهم للمسلمين وشجاعتهم ، وإِذا تميز بينهم أحد أفرادهم بعقل أو شجاعة قدموه عليهم أميراً . وبنوا لأنفسهم قلاعاً وحصوناً في جميع المناطق التي احتلها الفرنج ، معجم البلدان ( الحصن ) وابن الأثير (١٧٦/٩، ١٧٩، ١٨٤، ١٨٨، ١٩٦) ووفيات الأعيان (٤١٨/٣). (٩) ط : فجعلوها مرصداً لحرب المسلمين وقطع طريقهم . (١٠) ط : وتفرقت. (١١) سترد ترجمته في حوادث سنة ٥٨٧ من هذا الجزء. (١٢) سترد ترجمته في حوادث سنة ٥٨٣ من هذا الجزء. ٢٨٨ أحداث سنة ٥٧٤هـ وسيف الدين علي بن أحمد المشطوب (١) . وبثغر حمص ابن عمه ناصر الدين بن أسد الدين شيركوه(٢) ، وبعث إِلى أخيه سيف الدين أبي بكر ، وهو الملك العادل(٣) نائب مصر يأمره أن يرسل إليه بألف وخمسمئة فارس(٤) يستعين بهم على قتال الفرنج . وكتب إِلى الفرنج يأمرهم بتخريب هذا الحصن الذي بنوه للداوية ، فامتنعوا إِلا أن يبذل لهم ما غرموه عليه ، فبذل لهم ستين ألف دينار ، فلم يقبلوا ، ثم أوصلهم(٥) إِلى مئة ألف دينار فأبوا ، فقال له ابن أخيه تقي الدين عمر : ابذل هذه في أجناء(٦) المسلمين ، وسر إِلى هذا الحصن فخرِّبه(٧)، ففعل ذلك، فكان كذلك(٨) في السنة الآتية كما٩) سنذكره بعدُ إِن شاء الله . وفيها : أمر الخليفة المستضي(١٠) بكتابة لوح على قبر الإمام أحمد (١١) بن حنبل (١٢) فيه آية الكرسي ، وبعدها : هذا قبر تاج السُّنَّة، وحيد الأمة١٣ُ) ، العالي الهمة ، العالم العابد ، الفقيه الزاهد ، وذكر(١٤) تاريخ وفاته رحمه الله تعالى(١٥) . وفيها : احتيط ببغداد على شاعر ينشد للروافض (١٦)، يقال له ابن قرايا١٧) يقف في الأسواق ويذكر أشعاراً يضمنها ذم الصحابة ، [ رضي الله عنهم }(١)، وسبّهم وتجويرهم ، وتهجين من أحبهم . فعُقد له (١) ط : بنواحي البقاع وغيرها، وسترد ترجمة المشطوب في حوادث سنة ٥٨٨ من هذا الجزء. (٢) سترد ترجمته في حوادث سنة ٥٨١ من هذا الجزء. (٣) تقدمت ترجمته في هوامش سنة ٥٧٢ . ط : وبعث إلى أخيه الملك أبي بكر العادل نائبه بمصر أن يبعث إليه ألفاً وخمسمئة فارس . (٤) (٥) أ : فوصلهم ، وفي ب : ووصلهم . (٦) ط : ابذل هذا . وفي أ : جنود. (٧) ليست في أ. (٨) ط : فأخذ بقوله في ذلك وضربه . (٩) ب : نذكره . (١٠) سترد ترجمته في حوادث سنة ٥٧٥ . (١١) عن ط وحدها . (١٢) سترد ترجمته في حوادث سنة ٥٨٣ من هذا الجزء. (١٣) ط: وحبر الأمة. والخبر في المنتظم (٢٨٣/١٠ - ٢٨٤). (١٤) ط : وذكروا . (١٥) ليس في ب . (١٦) ليس في ط . (١٧) المنتظم (١٠/ ٢٨٣): أبو السعادات ابن قرايا. (١٨) عن أ وحدها. ٢٨٩ وفيات سنة ٥٧٤هـ مجلس بأمر الخليفة المستضيء(١)، واستنطق (٢)، فإِذا هو رافضي خبيث داعيةً(٣)، جلدٌ، فأفتى الفقهاءُ بقطع لسانه ويده٤) ، ففعل به ذلك ، ثم اختطفته العامة ، فما زالوا يرمونه بالآجر ، حتى ألقى نفسه في دجلة ، فاستخرجوه منها ، وقتلوه حتى مات . فأخذوا شريطاً ، وربطوه في رجليهُ(٥) ، وطوَّفوا به في البلد يجرجرونه في أكنافها ، ثم ألقوه في بعض الأثونات (٦) مع الآجر والكلس ، وعجز الشرط عن تخليصه منهم . وممن توفي فيها من الأعيان : أسعد بن يَلْدرك أبو أحمد الجِبْريلي (٧): سمع الحديث ، وكان شيخاً ظريفاً ، حسن المذاكرة ، جيد النادرة ، سريع المبادرة (٨) . توفي في هذه السنة عن مئة سنة وأربع سنين ، رحمه الله تعالی . محمد بن نسيم بن عبد الله ، أبو عبد الله الخياط عتيق الرئيس أبي الفضل بن عَيْشولُ(٩) : سمع الحديث ، وقارب الثمانين ، سقط من درجة ، فمات . قال أنشدني مولى والدي يعني ابن أعلى الحكيم ، أبو الفضل بن(١٠) عيشون: [ من الكامل ] القَارِىءُ التَّشْرِيحُ(١) أَجْدَرُ بالتُّقَى مِنْ راهبٍ فِي دَيْرِهِ مُتَقَوِّسٍ بِعِبادَةِ الرَّحْمنِ أَخْرَى الأَنْفُسِ وَمُراقِبُ(١٢) الأَفْلاكِ كانَتْ نَفْسُهُ (١) عن ب وحدها . (٢) ب : فاستنطق ، وفي ط : ثم استنطق . (٣) ب : رافضي خبيث داعية جلد . وفي أ : رافضي جلد داهية . (٤) ط : يديه . (٥) ط : رجله . ط : وجروه على وجهه حتى طافوا به البلد وجميع الأسواق ثم ألقوه في بعض الأتونة . (٦) ترجمته في تاريخ ابن الدبيثي ، الورقة ٢١٢ ( مصورة الدكتور بشار عن نسخة الشهيد علي باشا ) وتاريخ الإِسلام (٧) (٥٣٥/١٢) والعبر (٢١٩/٤) - بيروت (٦٥/٣) والنجوم الزاهرة (٨٤/٦) والشذرات (٣٤٦/٤) ب : ظريفاً حسن المذاكرة جيد البادرة ، وفي ط : ظريف المذاكرة جيد المبادرة . (٨) (٩) جاءت هذه الترجمة في ب، ط بعد ترجمة الحيص بيص في آخر السنة وترجمته في تاريخ الإسلام (٥٤٤/١٢ - ٥٤٥) والعبر (٢٢١/٤) - بيروت (٦٦/٣) ونسبته فيهما : العيشوني . (١٠) ط : أنشدني مولى الدين يعني ابن علام الحكيم بن عبسون . (١١) ط : القارىء المخزون . (١٢) ب : ومراكب . ٢٩٠ وفيات سنة ٥٧٤هـ أَوْلَى بِمَسْحِ فِي أَكُفِّ اللُّمَّسِ(٢) والمَاسِحُ الأَرْضِينَ وَهِي رَحيبةٌ(١). أَوْلَى بِخِيفَةٍ(٣) رَبِّهِ مِنْ جَاهِلٍ بِمُثَلَّثٍ وَمُرَبَّعٍ وَمُخَمَّسٍ الحَيْصَ بَيْصَ(٤) سعد بن محمد بن سعد ، شهاب الدين ، أبو الفوارس الصَّيْفي الشاعر(٥) المعروف بـ ((خَيْصَ بَيْص)): له ديوان (٦) شعر مشهور . وكانت وفاته في يوم الثلاثاء خامس شعبان من هذه السنة ، وله ثنتان وثمانون سنة ، وصُلّي عليه بالنظامية ، ودفن بباب التبن(٧) ، ولم يعقب . ولم يكن له في المراسلات بديل ، كان يتقَّر فيها ، ويتفاصح جداً ، فلا تواتيه إِلا وهي مغربه(٨) ، وكان يزعم أنه من بني تميم(٩) ، فسئل أبوه عن ذلك، فقال : ما سمعته إِلَّ منه، فقال بعض الشعراء يهجوه فيما ادَّعاه من ذلك(١٠): [من الخفيف ] رَك١٣ْ) !! ما فِيكَ(١٤) شَعْرَةٌ مِنْ تَمِيمٍ كَمْ تَبَادَیُ(١١) وَكَمْ تُطَوّلُ(١٢) طرطو بِسَ وَاشْرَبْ مَا شِئْتَ بَوْلَ الظَّلِيمِ فَكُلِ الضَّبَّ وَابْلَعُ(١٥) الحَنْظَلَ الْيَا ـرِي وَلَا يَذْفَعُ الأَذَى عَن حَرِيمٍ لَيْسَ ذَا وَجْهُ مَنْ يُضِيفُ وَلاَ يُقْ (١) ط : فسيحة . (٢) ليس هذا البيت في ب . (٣) ط : أولى بخشية . (٤) ترجمته في المنتظم (٢٨٨/١٠) والخريدة - قسم العراق - (٢٠٢/١) ومعجم الأدباء (١٩٩/١١ - ٢٠٧) وابن الأثير (١٤٦/٩) وطبقات الأطباء (٢٨٣/١) ووفيات الأعيان (٣٦٢/٢ - ٣٦٥) وأبو الفداء (٦١/٣) والعبر (٢١٩/٤) - بيروت (٦٥/٣) ومرآة الجنان (٣٩٩/٣ -٤٠٠) وطبقات السبكي (٢٢١/٤). (٥) بعدها في ب : المعروف بالحيص بيص . طبع هذا الديوان في جزأين في بغداد سنة ١٩٧٤ م . (٧) باب التبن: محلة كانت ببغداد على الخندق بإِزاء قطيعة أم جعفر، وبها قبر الإِمام أحمد ، ولصقها مقابر قريش ، (٦) وبها قبر موسى الكاظم ويعرف قبره بمشهد باب التبن ، ويعتقد لستربخ أن مقبرة قريش ومقبرة باب التبن ومقبرة الشونيزي ومقبرة الكاظميين كلها كانت أقساماً من مدفن واحد يمتد مساحات واسعة وراء حدود المدينة . معجم البلدان ، خطط بغداد ( ٢٠٧) . (٨) أ، ط : معجرفة . (٩) ب: من تميم، وفي وفيات الأعيان (٢/ ٣٦٥): ويزعم أنه من ولد أكثم بن صيفي التميمي حكيم العرب. (١٠) الأبيات في وفيات الأعيان (٢/ ٣٦٤). (١١) ب : تنادا . (١٢) ب، ط : تطيل . (١٣) ب : الطيراطير . (١٤) ب، ط : وما فيك . ولا يستوي بها الوزن. (١٥) ط والوفيات : واقرط . ٢٩١ وفيات سنة ٥٧٤هـ ومن شعر الحيص بيص [المستجاد قوله(١): [من المسرح ] وَكُلُّ شَيْءٍ لِحَتْفِهِ سَبَبُ سَلامَةُ المَرْءِ سَاعَةٌ عَجَبُ يَفِرُ والحادِثاتُ تَطْلُبُهُ يَفِرُّ منها وَنَحْوَها الهَرَبُ مُسَلِّماً مِنْ حَياتِهِ العَطَبُ وَكَيْفَ يَبْقَى عَلَى تَقُلُّبِهِ ومن شعره أيضاً قوله(٢): [ من السريع ] فَمَا لِمَوْتِ الحيِّ مِنْ بُدٌّ ]٣) [ لا تَلْبَسِ الذَّهْرَ عَلَى غِرَّةٍ فَتَحْسِبَ الطُولَ مِنَ الخُلْدِ(٤) ولا يُخَادِعْكَ طَويلُ البَقًا ما أَقْرَبَ المَهْدَ مِنَ اللَّحْدِ يَقْرِبُ مَا كَانَ لَهُ آخِرٌ ويقرب من هذا قول صاحب العقد، وهو أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه الأندلسي(٥) في عقده(٦): إِذا اخْضَرَّ منها جَانِبٌ جَفَّ جَانِبُ ألا إِنَّما الذُّنْيا غِضَارَةُ أَنِكَةٍ عَلَيْهَا وَمَا اللَّذَّاتُ إِلَّ مَصَائِبُ وَمَا الدَّهْرُ والآمالُ إِلَّ فَجَائِعٌ عَلَى ذَاهِبٍ مِنْها فَإِنَّكَ ذَاهِبُ فَلاَ تَكْتَحِلْ عَيْنَاكَ فِيهَا بِعَبْرَةٍ وقد ذكر السمعاني(٧) أبو سعد حيص بيص هذا في ذيله(٨) ، وأثنى عليه ، وسمع عليه ديوانه ورسائله . وأثنى على رسائله القاضي ابن خلكان(٩)، وقال: كان فيه تِيه وكبر( ١٠) ، وكان لا يتكلم إِلا مغرباً ، (١) مكانهما في ط : الجيد . (٢) عن أ وحدها . (٣) ليس في ب . (٤) ط : فتحسب التطويل من خلد . (٥) هو أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه بن حبيب القرطبي الأندلسي الأموي ، مولى هشام بن عبد الرحمن بن هشام ابن عبد الملك بن مروان . ولد سنة ٢٤٦هـ . كان من العلماء المكثرين من المحفوظات والاطلاع على أخبار الناس . وصنف كتابه العقد الفريد ، وهو من الكتب الممتعة ، حوى من كل شيء . وله ديوان شعر . توفي سنة ٣٢٨هـ. ترجمته وأخباره في معجم الأدباء (٢١١/٤) ووفيات الأعيان (١١٠/١ - ١١٢). (٦) الأبيات في العقد الفريد (٣/ ١٧٥) مختلفة الرواية والعدد، فهي فيه أربعة بزيادة البيت التالي بعد الثاني: وقرّت عيون دمعها اليوم ساكبُ فكم سخنتْ بالأمس عينٌ قريرةٌ (٧) عن ب وحدها . (٨) من هذا الذيل قطعة صغيرة مختصرة لابن منظور في كلية ترينتي بجامعة كمبردج رقم: (R13,66). (٩) الوفيات (٣٦٣/٢). (١٠) ط ، والوفيات : تيه وتعاظم. ٢٩٢ أحداث سنة ٥٧٥هـ وكان فقيهاً ، شافعي المذهب ، واشتغل بالخلاف وعلم النظر ، ثم تشاغل عن ذلك كله بالشعر ، وكان من أخبر الناس بأشعار العرب واختلاف لغاتهم . قال(١): وإِنما قيل له : الحيص بيص ، لأنه رأى الناس في حركة واختلاط ، فقال : ما للناس في حيص بيص ، أي : في شدة وهرج ، فغلبت عليه هذه الكلمة ، وكان يزعم أنه من ولد أكثم بن صيفي طبيب العرب ، ولم يترك عقباً. كانت له حوالة بالحلة ، فذهب يتقاضاها٢) ، فتوفي ببغداد في هذه السنة ، رحمه الله تعالى . ثم دخلت سنة خمس وسبعين وخمسمئة وفيها : كانت وقعة مرج عيون . استهلّت هذه السنة ، والسلطان صلاح الدين الناصر(٣) نازل بجيشه على تلّ القاضي ببانياس ، ثم قصده الفرنج بقضِّهم وقضيضهم (٤) ، فنهض إليهم [ نهوض الأسد، فالتقاهم }°) ، فما هو إِلا أن تواجه (٦) الفريقان، واصطدم الجيشال (٧)، حتى أنزل الله نصره، وأعز جنده ، [ وهزم الأعداء وحده (٨)، ففرَّت (٩) ألوية الصلبان ذاهبة، وخيل الله لرقابهم"١) راكبة، فقتل منهم خلق كثير، [ وجم غفير (١١) ، وأسر من ملوكهم جماعة ، وأنابوا إِلى السمع والطاعة ، منهم مقدم الدَّاوية ، ومقدم الاستبارية ، وصاحب الرملة ، وصاحب طبرية ، وقسطلان يافا ، وآخرون من ملوكهم ، وخلق من شجعانهم وأبطالهم ، ومن فرسان القدس جماعة كثيرة ، قريبا١٢ً) من ثلاثمئة أسير ، من أشراف النصارى ، فصاروا يَتَهَادَوْنُ(١٣) في قيودهم كأنهم سُكارى ، وما هم بسُكارى . (١) وفيات الأعيان (٢/ ٣٦٥). (٢) ليس في ب . عن ط وحدها . (٣) (٤) مكانهما في ط : بجمعهم . ليس في ط . وفي ب : نهوض الروايا تحب ذات الصلاصل فالتقاهم . (٥) (٦) ط : التقى . (٧) ط : الجندان . (٨) ليس في ط . (٩) ب، ط : فولت . (١٠) ط : لركابهم . (١١) ليس في ط . (١٢) ب، ط : كثيرون تقريباً. (١٣) ط : من أشرافهم فصاروا يهانون . ٢٩٣ أحداث سنة ٥٧٥هـ قال العماد الكاتب : فاستعرضهم السلطان في الليل إِلى أن(١) أضاء الفجر عن الظلماء ، وصلّى يومئذ الصبح بوضوء العشاء ، وقد كان السلطان جالساً ليلتئذ في نحو العشرين ، [ وهم في هذه العدة ]٢) فسلمه الله تعالى منهم ، ولله الحمد رب العالمين . ثم أرسل بهم(٣) إِلى دمشق ليعتقلوا بقلعتها ، وليكونوا في كنف دولتها، فافتدى ابن البارزاني(٤) صاحب الرملة نفسه [ بعد سنة ]°) بمئة ألف دينار [ وخمسين ألف دينار ]٦) صورية ، وإِطلاق ألف أسير من بلاده ، فأجيب إِلى ذلك . وكذا افتدى جماعة منهم أنفسهم بأموال جزيلة ، وتحف جليلة ، ومنهم من مات في السجن ، فانتقل منه إِلى سِجِّين ، وهكذا يفعل الله(٧) بالكافرين . واتّفق أنه في اليوم الذي ظفر فيه السلطان على الفرنج بمرج عيون هذا ، ظهر الأسطول [ على ] بطسة٨) للفرنج في البحر ، وأخرى معها ، فغنموا منها ألف رأس من السبي ، وعاد إلى الساحل مؤيداً منصوراً . وقد امتدح الشعراء السلطان في هذه الغزوة بمدائح كثيرة ، وكتب بذلك إِلى بغداد ، فدقّت البشائر بها فرحاً وسروراً بظهور المسلمين على أعداء الله(٩) المجرمين . وكان الملك المظفر تقي الدين عمر( ١٠) غائباً عن هذه الوقعة مشتغلاً بما هو أعظمُ(١) منها . وذلك أن ملك الروم قرار سلال١٢) بعث يطلب حصن رَعْبَالُ(١٣) ، وزعم أن نور الدين اغتصبه منه ، وأن ولده قد (١) ب ، ط : حتى . (٢) ط : الفرنج كثير . (٣) ط : أرسلهم. هو بادين بن بارزان . (٤) (٥) ليس في ب . (٦) ليس في ب . (٧) ب : هكذا يفعل الله تعالى بكل من أخرج عن أمره من الكافرين . (٨) البطسة: نوع من السفن الحربية الكبيرة، وفي تاريخ الإِسلام: ((ظفر أسطول مصر ببطستين، وأسروا ألف نفس)) (١٢/ ٤٧٣) ( بشار ). (٩) أ : أعداء الله الملحدين . (١٠) سترد ترجمته في حوادث سنة ٥٨٧ من هذا الجزء . (١١) ط : أعظم منه . (١٢) كذا في الأصلين، وفي ط: فرار سلان، وفي الروضتين (٩/٢): قليج أرسلان، وفي ابن الأثير (١٤٨/٩): قلج أرسلان ، وسترد ترجمة قلج أرسلان في حوادث سنة ٥٨٨ من هذا الجزء . (١٣) ط : رعنان، وأ : رعيان، وكلاهما تصحيف، ورَعْبان: قلعة تحت جبلٍ في الثغور بين حلب وسميساط قرب الفرات . معجم البلدان . ٢٩٤ تخريب حصن بيت الأحزان قريب من صفد أغضى (١) له عنه، [ فلم يجبه السلطان تقي الدِّين عمر إِلى ذلك، فبعث صاحب الروم }٢) عشرين ألف مقاتل يحصرونه ، فأرسل السلطان تقيَّ الدين عمر في ثمانمئة فارس ، منهم سيف الدين علي بن أحمد المشطوب(٣)، فالتقوابهم ، فهزموهمُ(٤) بإِذن(٥) الله تعالى. واستقرت يد الملك(٦) صلاح الدين على حصن رعبان، وقد كان مما عُوض به ابن المقدم(٧) عن بعلبك . وكان تقي الدين عمر يفتخر بهذه الوقعة ، ويرى أنه قد هزم عشرين ألفاً ، وقيل : ثلاثين ألفاً ، بثمان مئة فارس . وكان السبب في ذلك أنه بيَّتَهم وأغار عليهم ، وهم غارون ، فما لبثوا أمامه ، بل فروا منهزمين عن آخرهم فأكثر فيهم القتل ، واستحوذ على جميع ما تركوه في خيامهم ، ويقال : إِنه أصابهمُ(٨) يوم كسر السلطان الفرنج بمرج عيون ، والله أعلم . تخريب حصن بيت(٩) الأحزان١٠) قريب من صفد ثم ركب السلطان في جحافله إِلى الحصن الذي كانت الفرنج قد بنوه في العام الماضي وحفروا فيه بئراً ، وجعلوه لهم عيناً ، وسلموه إِلى الداوية ، فقصده السلطان ، فحاصره ، ونقبه من جميع جهاته ، وألقى فيه النيران ، فجعله دكاً ، وخرّبه إِلى الأساس، وغنم ما فيه (١) من الحواصل ، فكان فيه مئة ألف قطعة من السلاح ، ومن المأكل شيء كثير ، وأخذ منه سبعمئة أسير ، فقتل بعضاً ، وأرسل إِلى دمشق الباقينُ(١٢) ، ثم عاد إلى دمشق مؤيداً منصوراً ، غير أنه مات من أمرائه عشرة ، بسبب ما نالهم من الحر والوجاء في مدة الحصار ، وكانت أربعة عشر(١٣) يوماً، وعاد الناس إلى زيارة مشهد يعقوب على العادة القديمة١٤) . (١) ط: عصى، وفي الروضتين (١٩/٢): وإِن الملك الصالح ولده قد أنعم عليه به ورضي بعوده إليه. (٢) لیس في ب . (٣) سترد ترجمته في حوادث سنة ٥٨٨ من هذا الجزء . (٤) أ : فهزمهم . (٥) لیس في أ . لیس في ط . (٦) سترد ترجمته في حوادث سنة ٥٨٣ من هذا الجزء . (٧) (٨) ط : كسرهم . (٩) عن ب وحدها . (١٠) بيت الأحزان : بلد بين دمشق والساحل ، سمي بذلك لأنهم زعموا أنه كان يسكنه يعقوب عليه السلام أيام فراقه ليوسف عليه السلام . وكان الافرنج عمّروه وبنوا به حصناً حصيناً ، ففتحه صلاح الدين وأخربه . معجم البلدان . (١١) ط : وغنم جميع ما فيه. (١٢) ط : الباقي . (١٣) أ: (وعشرين) وفوقها حرف طاء إِشارة إِلى خطأ الرواية . (١٤) ط : ثم إِن الناس زاروا مشهد يعقوب على عادتهم. ٢٩٥ تخريب حصن بيت الأحزان قريب من صفد (١): [من الطويل ] وقد امتدحه الشعراء فقال بعضهم بِجِدُكَ أَعْطَافُ القَنَا تَتَعَطَّفُ (٢). شِهَابُ هُدىّ فِي ظُلْمَةِ الشِّرْل٣ِ) ثاقِبٌ وَقَفْتَ عَلَى حِصْنِ المَخَاضِ وَإِنَّهُ فَلَمْ يَبْدُ وَجْهُ الأَرْضِ بَلْ حَالَ دُونَهُ وَجَرْدَاءُ سُلْهُوبٌ(٥) وَدِرْعٌ مُضَاعَفٌ وَمَا رَجَعَتْ أَعْلاَمُكَ الصُّفْر(٧) ساعَةً كَبا من أَعاليه (٨) صَلِيبٌ وبيعَةٌ صَلِيبَةُ عُبَّادِ الصَّلِيبِ وَمَنْزِلُ النِّ أَيَسْكُنُ(١٠) أَوْطَانَ النَّيِّينَ عُصْبَةٌ نَصَحْتُكُمْ والنُّصْحُ في الدِّينُ (١) واجبٌ وَطَرْفُ الأَعادِي دُونَ مَجْدِكَ يَطْرِفُ وَسَيْفٌ إِذا ما هَزَّهُ اللهُ مُرْهَفُ(٤) لَمَوْقِفُ حَقِّ لَا يُوازِيهِ مَوْقِفُ رِجَالٌ كآسادِ الشَّرَى وَهْيَ تَزْحَفُ وَأَبْيَضُ مِنْدِيٌّ وَلَدْنٌ مُثَقَّفُ(٦) إِلى أَنْ غَدَتْ أَكْبَادُها الشُودُ تَرْجُفُ وَشادَ بِهِ دِينٌّ حَنِيفٌ وَمُصْحَفُ ـزَالِ(٩) لَقَدْ غَادَرْتَهُ وَهُوَ صَفْصَفُ تَمِينُ لَدَى أَيْمَانِها وَهْيَ تَحْلِفُ ذَروا بَيْتَ يَعْقُوبٍ فَقَدْ جَاءَ يُوسُفُ وقال شاعر آخر وأجاد : [ من المتقارب ] هَلاكُ الفِرَنْجِ أَتَى عَاجِلاً وَقَدْ آنَ تَكْسِيرُ صُلْبَانِها لَمَا عَمَّرَتْ بَيْتَ أَحْزانِها١٢) وَلَوْ لَمْ يَكُنْ قَدْ دَنا حَتْفُهَا (١) الأبيات في الروضتين (١١/٢ - ١٢) منسوبة إلى ابن الساعاتي، والبيتان الأخيران منها في ابن الأثير (٩/ ١٤٧). وهو أبو الحسن علي بن رستم - وفي بعض المصادر : علي بن محمد بن رستم - المعروف بابن الساعاتي الملقب بهاء الدين الدمشقي الشاعر المشهور . له ديوان شعر مطبوع ، وله ديوان آخر سمّاه ( مقطعات النيل ) . توفي سنة ٦٠٤ والخبر مع الشعر في مرآة الزمان (٣٧٥/٨) ووفيات الأعيان (٣٩٥/٣) والعبر (١١/٥) - بيروت (١٣٧/٣). (٢) ط : قد تعطف. (٣) ط : ظلمة الليل، والروضتين : ظلمة الشك. (٤) رواية الروضتين : وسيف هدى في طاعة الله مرهف . ط : وجرد سلاهبة . (٥) (٦) ط : ولدن مهفهف . (٧) ط : البيض . (٨) ط : كنائس أغياد . تصحيف . (٩) ط : صليب وعباد الصليب ومنزل لمنوال . (١٠) ط : أتسكن . (١١) في الروضتين : والدين في النصح . (١٢) البيتان عند ابن الأثير منسوبين إِلى صديقه النشو بن نفادة، وفي الروضتين (٢/ ١١): منسوبين إلى نشو الدولة أحمد بن نفادة الدمشقي . ٢٩٦ تخريب حصن بيت الأحزان قريب من صفد من كتاب(١) فاضلي إِلى بغداد في وصف هذا الحصن الذي خرّبه صلاح الدين ، [ نصره الله (٢): ( وقد(٣) عُرِّضَ حائطه إِلى أن زاد على عشرة أذرع، وقطعت له عظام الحجارة ، كل فص منها من سبعة أذرع إِلى ما فوقها وما دونها ، وعدتها تزيد على عشرين ألف حجر ، لا يستقر الحجر في مكانه ، ولا يستقل في بنيانه إِلا بأربعة دنانير فما فوقها . وفيما بين الحائطين حشو من الحجارة الصمِّ ، المرغم بها أنوف الجبال الشم . وقد جعلت تسقيته بالكلس الذي إِذا أحاطت قبضته بالحجر مازجه بمثل جسمه ، وصاحبه بأوثق وأصلب من جرمه ، وأوعز إِلى خصمه من الحديد بألّا يتعرض لهدمه ) . وفي هذه السنة أقطع السلطان الناصر صلاح الدين لابن أخيه عز الدين فروخشاه [ بن شاهنشاه بن أيوب (٤) مدينة بعلبك، وأغار فيها على صفد(٥) وأعمالها، فقتل طائفة كبيرة(٦) من مقاتلتها٧) ورجالها . وكان فروخشاه من الصناديد الأبطال والشجعان المشهورين المشكورين في النِّزال . وفيها : حج القاضي الفاضل من دمشق وعاد إلى مصر فقاسى في الطريق أهوالً ، ولقي بَرحاً وتعباً وكلالًا، وكان في العام الماضي قد حج من مصر وعاد إلى الشام ، ولكن كان أمره فيه أسهل من هذا العام. وفيها : كانت زلزلة عظيمة انهدم بسببها قلاع وقرى ، وخلق كثير من الورى ، وسقط من رؤوس الجبال صخور كبار، فصادمت(٨) بين الجبال في البراري(٩) والقفار١٠ُ)، مع بُعد ما بين الجبال من الأقطارُ(١١) . وفيها: أصاب الناس غلاءٌ شديد، وفناءً(١) حصيد١٣)، وجهدٌ جهيدُ(١٤)، فمات (١) ب : ومن كتاب الفاضل إلى بغداد في فضل هذا الحصن ، وفي ط : من كتاب كتبه القاضي الفاضل إلى بغداد في خراب هذا الحصن وقد قيس عرض حائطه . (٢) عن ب وحدها . (٣) ثمة خلافات كثيرة في رواية كتاب الفاضل في ط أعرضت عنها . (٤) ليس في ط . ط : على صفت . (٥) ب : كثيرة . (٦) (٧) ط : مقاتليها . (٨) أ: وصارت، والخبر في الروضتين (١٦/٢). (٩) أ، ب : البرية . (١٠) عن ط وحدها . (١١) في هامش أ التعليقة التالية: إِنما كذب لأجل السجع فلا قوة إلا بالله. (١٢) ليس في أ. (١٣) ط : وفناء شريد . (١٤) بعدها في أ : أيضاً. ٢٩٧ ذكر وفاة الخليفة المستضيء بأمر الله وشيء من ترجمته كثير من الخلائق (١) بهذا وهذا، ولله الأمر من قبلُ ومن بعدُ، وإنا لله وإنا إليه راجعون . ذكر(٢) وفاة الخليفة (٣) المستضيء(٤) بأمر الله ( رحمه الله تعالى ]°) وذكر شيء من ترجمته : كان ابتداء(٦) مرضه في أواخر شوال من هذه السنة . فأردات زوجته أن تكتم ذلك ، فلم يمكنها ووقعت فتنة كبيرة(٧) ببغداد، ونهبت العامة (٨) دوراً كثيرة ، وأموالاً جزيلة . فلما كان يوم الجمعة الثاني والعشرين من شوال خُطب لولي العهد أبي العباس أحمد بن المستضيء وهو الخليفة الناصر لدين الله، وكان يوماً مشهوداً، نثر الذهب فيه(٩) على الخطباء والمؤذِّنين ومن حضر ذلك عند ذِكره على المنبر، والتنويه باسمه في العشر( ١١) . فلما كان يوم السبت سلخ شوال مات الخليفة المستضيء بأمر الله ، وكان مرضه بالحمى ، ابتدأ بها١١) في يوم عيد الفطر ، ولم يزل الأمر يتزايد به حتى استكمل في مرضه شهراً ، فمات رحمه الله سلخ شوال ، وله من العمر تسع وثلاثون سنة . وكانت مدة خلافته تسع سنين وثلاثة أشهر وسبعة عشر يوماً ، وغُسّل ، وصُلّي عليه من الغد ، ودفن بدار النصر التي بناها ، وذلك عن وصيته التي أوصاها . وترك من بعده ولدین : أحدهما : ولي العهد (١٢) وهو عدَّة الدين والدنيا١٣) أبو العباس أحمد الناصر لدين الله. (١٤) والآخر : أبو منصور هاشمٌ (١) ط : فمات خلق كثير . (٢) ليس في ط . (٣) ليس في ب . (٤) ترجمته وأخباره في ابن الأثير (١٤٨/٩ - ١٤٩) ومرآة الزمان (٣٥٦/٨) والروضتين (١٥/٢ - ١٦) ووفيات الأعيان (٤/ ٤٧٠) وأبو الفداء (٦٢/٣) والعبر (٢٢٣/٤) - بيروت (٦٨/٣) والفخري (٢٥٧) وفوات الوفيات (١/ ٣٧٠) ومرآة الجنان (٤٠١/٣) وتاريخ الخميس (٣٦٦/٢). (٥) جاءت في ب آخر العنوان ، وسقطت من ط . بعدها في أ : الجهد . (٦) (٧) ب : عظيمة . (٨) ط : العوام. (٩) عن ط وحدها . (١٠) ط : عند ذكر اسمه على المنبر. (١١) ط : فيها . (١٢) ط : ولي عهده . (١٣) ب، ط : عدة الدنيا والدين. (١٤) يذكر ابن الأثير في (٩/ ١٦٠) أنه توفي سنة ٥٧٨هـ. ٢٩٨ وفيات سنة ٥٧٥هـ وقد وزر له جماعة من الرؤساء، وكان من خيار الخلفاء، أمّاراً [بالمعروف، نهّاءً }١) عن المنكر ، وضع عن الناس المكوسات والضرائب ، ودرأ عنهم البدع والمصائب . وكان حليماً وقوراً كريماً . فرحمه الله تعالى وبلَّ بالرحمة (٢) ثراه ، وجعل الجنة مأواه . وبويع بالخلافة من بعده للخليفة الناصر ولده(٣) . وممن توفي(٤) فيها من الأعيان : إِبراهيم بن علي ، أبو إسحاق السلمي الفقيه الشافعي المعروف بابن الفراء الآمدي(٥) ثم البغدادي : كان فقيهاً بارعاً فاضلاً مناظراً فصيحاً بليغاً شاعراً مطبقاً . توفي عن أربع وسبعين سنة . وصلّى عليه أبو الحسن (٦) القزويني مدرس النظامية، [ رحمه الله تعالى]٧). إِسماعيل بن موهوب (٨) بن محمد بن أحمد بن الخضر، أبو محمد الجواليقي(٩) الملقب (١٠) حجة الإِسلام : أحد أئمة اللغة في زمانه ، والمشار إليه من بين أقرانه ، بحسن الدين ، وقوة اليقين ، وعلم اللغة والنحو ، وصدق اللهجة ، وخلوص النية ، وحسن السيرة في مرباه ومنشئه ومنتهاه. وقد١١) سمع الحديث ورواه(١٢)، وفهم(١٣) الأثر واتبع سبيله ومغزاه١٤) ، فرحمه الله ، وأكرم مثواه . (١) ط : آمراً .. ناهياً .. مزيلاً .. مبطلاً للبدع. (٢) ليس في أ . (٣) ط : من بعده لولده الناصر. (٤) ط : وفيها توفي من الأعيان . (٥) ط: ((الأموي)) محرف، وما هنا من أ، ويعضده قول المؤلف: ثم البغدادي، وترجمته في تاريخ ابن الدبيثي ( الورقة ٢١٩ شهيد علي )، وتاريخ الإسلام (٥٤٨/١٢ ) (بشار ). (٦) سيرد في حوادث سنة ٥٩٠ أحمد بن إسماعيل بن يوسف القزويني ، ولكن كنيته أبو الخير أبو الحسن ، فلعل ما هنا تصحيف . (٧) عن أ وحدها . (٨) ترجمته في معجم الأدباء (٧/ ٤٥ - ٤٧) وإِنباه الرواة (٢١٠/١) وتاريخ الإسلام (٥٤٩/١٢) وذيل ابن رجب (٣٤٦/١ -٣٤٧) . (٩) أ : بن الجواليقي. (١٠) عن أ وحدها . (١١) ليس في ط . (١٢) ليس في ط . (١٣) ط : وسمع . (١٤) ط ، ب : مرماه رحمه الله . ٢٩٩ وفيات سنة ٥٧٥هـ المبارك بن علي بن الحسين (١) بن عبد الله بن محمد ، أبو محمد بن الطباخ البغدادي : نزيل مكة ومجاورها ، وحافظ الحديث بها ، والمشار إِليه بالعلم فيها . كان (٢) يومُ جنازته يوماً مشهوداً ، [ رحمه الله تعالى ]٣) . خلافة الناصر لدين الله أبي العباس أحمد بن المستضيء بأمر(٤) الله، رحمه الله تعالى(٥) : لما توفي أبوه في سلخ شوال من سنة خمس وسبعين وخمسمئة بايعه الأمراء والكبراء والوزراء والخاصة والعامة ، وكان قد خُطب له على المنابر في حياة أبيه قبل موته بيسير ، فقيل : إِنه إِنما عهد إِليه قبل موته بيوم ، وقيل : بأسبوع ، ولكن قدَّر الله عز وجل أنه لم يختلف عليه اثنان بعد وفاة أبيه ، ولقب بالخليفة الناصر لدين الله ، ولم يل الخلافة قبله من بني العباس [ أطول مدة منه، فإِن خلافته امتدت ]٦) إِلى سنة [ وفاته في سنة ]٧) ثنتين(٨) وعشرين وستمئة. وكان ذكياً شجاعاً مهيباً وستأتي(٩) سيرته عند وفاته إِن شاء الله تعالى . وفي سابع ذي القعدة من هذه السنة عُزِلَ صاحب المخزن ظهير الدين أبو بكر بن العطار(١٠) ، وأُهين غاية الإهانة، هو وأصحابه، وقتل كثير(١١) منهم ، وشهِّروا في البلد، وتمكن أمر الخليفة الناصر وعظمت هيبته في البلاد ، وفي(١٢) قلوب العباد ، وقام بأعباء الخلافة على ما ينبغي في جميع أمره وشؤونه (١٣) . ولما حضر عيد الأضحى أقيم على ما جرت به العادة ، والله أعلم١٤) . (١) ترجمته في تاريخ الإسلام (٥٦٥/١٢)، والعبر (٤٢٦/٤) بيروت (٧٠/٣) وذيل ابن رجب (٣٤٦/١). (٢) ب : وكان . مكانهما في ب : والله أعلم ، وليست العبارة كلها في ط . (٣) (٤) عبارة بأمر الله . عن ب وحدها . ترجمته وأخباره عند ابن الأثير (٣٦٠/٩ - ٣٦١) وذيل الروضتين (١٤٥) وأبو الفداء (١٣٥/٣ - ١٣٦) والعبر - (٥) بيروت ( ٣/ ١٨٥) ومرآة الجنان (٤/ ٥٠) . ط : قبله أطول مدة منه فإِنه مكث خليفة إِلى سنة . (٦) (٧) ليس في ب . في ب ، ط : ثلاث وكذلك في مصادره السابقة الذكر . (٨) (٩) ب : وسيأتي ذكر سيرته . (١٠) هو منصور بن نصر، وسترد ترجمته في حوادث سنة ٥٧٥ من هذا الجزء. (١١) ط : خلق. (١٢) عن ب وحدها . (١٣) ط : وقام قائم الخلافة في جميع الأمور . (١٤) عبارة والله أعلم . عن ط وحدها . ٣٠٠ أحداث سنة ٥٧٦ هـ 361 ثم دخلت سنة ست وسبعين وخمسمئة فيها : هادن السلطان صلاح الدين الفرنج ، وسار إلى بلاد الروم فأصلح بين ملوكها من بني أرتق وكرّ على بلاد الأرمن ، فأهان ملكها(١)، وفتح بعض حصونها٢) ، وأخذ منها غنائم كثيرة جداً من أواني الذهب والفضة (٣) ، لأنه كان قد غدر بقوم من التركمان ، أوو(٤) إِلى بلاده ، ثم صالحه على مال يحمله إِليه، وأسارى يُطلقهم من أسره، وآخرين يستفكهم(٥) من أيدي الفرنج، ثم عاد السلطان(٦) مؤيّداً منصوراً ، فدخل حماة في أواخر جمادى الآخرة . وامتدحه الشعراء (٧) على ذلك . ومات صاحب الموصل سيف الدين غازي(٨) بن مودود ، وكان شاباً حسناً ، مليح الشكل ، تام القامة ، مدوّر اللحية . مكث في الملك عشر سنين ، ومات عن ثلاثين سنة . وكان عفيفاً في نفسه ، مهيباً وقوراً ، لا يلتفت إِذا ركب ، ولا إِذا جلس ، غيوراً لا يدع أحداً من الخدام(٩) الكبار(١٠) يدخلُ(١١) على النساء ، وكان لا يقدم على سفك الدماء. وكان ينسب إلى شيء من البخل سامحه الله(١٢) . وكانت وفاته في ثالث صفر ، وكان قد عزم على أن يجعل (١٣) الملك من بعده لولده عز الدين سنجر شاه(١٤) ، فلم يوافقه الأمراء خوفاً من صلاح الدين لصغر سن ولده ، فاتفقوا كلهم على أخيه ، فأُجلس (١) ط : فأقام عليها ، وفي ب : فأهان عليها. (٢) أ : حصونها .. وأخذ منها. (٣) ط : الفضة والذهب. (٤) ط : فرده . (٥) ط : يستنقذهم . (٧) الروضتين (١٦/٢ - ١٧ ). (٦) ليس في ط . (٨) ترجمته في ابن الأثير (٩/ ١٥٠) ومرآة الزمان (٣٦٣/٨) والروضتين (١٧/٢ - ١٨) ووفيات الأعيان (٤/ ٤) والعبر (٢٣٠/٤) - بيروت (٧٢/٣ - ٧٣). (٩) ط : الخدم . (١٠) ليس في أ. (١١) ب : يدخلون . (١٢) أ : رحمه الله تعالى. (١٣) ب : وكان في عزمه يجعل. (١٤) تولّى سنجر شاه بن غازي بن مودود جزيرة ابن عمر في سنة ٥٧٦هـ. وكان ظالماً غشوماً قبيح السيرة حتى مع أقرب الناس إليه ، فقد حبس ابنيه محموداً ومودوداً في قلعة . وحبس ابنه الثالث غازي في دار في المدينة ، وضيّق عليه ولكنه استطاع أن يهرب ويوحي لأبيه بأنه سافر إلى الموصل ، ودخل قصر أبيه خفية وقتله ، ووصل الخبر إلى أخيه=