النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ أحداث سنة ٤٨٦ هـ وبنى تربة الشيخ أبي إسحاق ، وقد كان السلطان ملك شاه أراد أن يستوزره بعد نظام المُلْك فمات سريعاً ، فاستوزر لولده محمود ، فلما قهره أخوه بركياروق ، قتله غلمان نظام المُلْك ، وقطّعوه إرباً إرباً في ذي الحجّة من هذه السنة . هبة الله بن عبد الوارث بن علي بن أحمد بن برزة (١) أبو القاسم الشيرازي . أحد الرحّالين الجوّالين في الآفاق ، وكان حافظاً ، ثقة ، ديناً ، ورعاً ، حسن الاعتقاد ، والسيرة ، له تاريخ حسن(٢) ، رحل إليه الطلبة من بغداد وغيرها ، والله أعلم ، رحمه الله . ثم دخلت سنة ست وثمانين وأربعمئة وفيها : قدم إلى بغداد رجل يقال له : أردشير(٣) بن منصور، أبو الحسين العَبّادي ، مرجعه من الحجّ ، فنزل النظاميّة ، فوعظ الناس ، وحضر مجلسه الغزالي ، وازدحم النّاس في مجلس وعظه [ وكثروا في المجالس بعد ذلك، وترك كثير من الناس من معايشهم ]٤) وكان يحضر المجلس في بعض الأحيان قريب من ثلاثين ألف من الرجال والنساء ، وتاب كثير من الناس ، ولزموا المساجد ، وأريقت الخمور ، وكُسِّرت الملاهي ، [ وكان الرجل في نفسه صالحاً ] له عبادات ، وفيه زهد وافرٌ [ وله أحوال صالحة ] وكان [ الناس ] يزدحمون على فضل وضوئه ، وربما أخذوا من البِرْكةِ التي يتوضأ بها للبركة . ونقل ابن الجوزي(٥) : أنّه اشتهى على بعض أصحابه توتاً شاميّاً وثلجاً ، فطاف البلد [ بكماله ] فلم يجده ، فرجع فوجد الشيخ في خلوته ؛ فسأل : هل جاء اليوم [ إلى الشيخ ] أحد ؟ فقيل له : جاءت امرأة ، فقالت : إني قد غزلت بيدي غزلاً وبعته ، وأنا أحبّ أن أشتري للشيخ به طرفة ، فامتنع من ذلك ، فبكت ، فرحمها ، وقال : اذهبي فاشتري ، فقالت : ماذا أشتري؟ فقال: ما شئت ، [ فذهبت ] فأتته بتوت شامي وثلج ، فأكله . [ وقال بعضهم : دخلتُ عليه وهو يشرب مرقاً، فقلت في نفسي: ليته أعطاني فضله لأشربه لحفظ (١) المنتظم (٧٤/٩)، الكامل في التاريخ (٢١٨/١٠)، سير أعلام النبلاء (١٧/١٩)، شذرات الذهب ( ٣٧٩/٣) . (٢) يريد : تاريخ شيراز . (٣) في (ب) و(ط): أردشير، وفي الكامل (٢٢٥/١٠) أردشيرين. (٤) زيادة من ( ب) و( ط ). (٥) المنتظم (٧٦/٩) . ٢٤٢ وفيات سنة ٤٨٦ هـ القرآن ، فناولني فضله فقال: اشربها على تلك النيّة، قال: فرزقني الله حفظ القرآن (١) . وكانت له عبادات ومجاهدات . ثمّ اتفق أنَّه تكلّم في بيع القراضة بالصحيح فمنع من الجلوس وأخرج من البلد . وفي هذه السنة : خطب تتش بن ألْب آرْسَلان صاحب دمشق لنفسه بالسلطنة ، وطلب من الخليفة أن يخطب له بالعراق ، فحصل التوقّف في ذلك بسبب ابن أخيه بركياروق بن ملك شاه ، فسار إلى الرحبة وفي صحبته وطاعته آقسنقر صاحب حلب ، وبوران صاحب الُّها ، ففتح الرحبة [ ثم سار إلى الموصل ، فأخذها من يد صاحبها إبراهيم بن قريش بن بدران ، وهزم جيوشه من بني عقيل ]٢) وقتل خلقاً من الأمراء [ صبراً] وكذلك أخذ ديار بكر [ واستوزر الكافي بن فخر الدولة بن جَهير ]٣) وكذلك أخذ هَمذان وخِلاط ، وفتح أذربيجان واستفحل أمره ، ثمّ فارقه الأميران آقسنقر وبوران فسار إلى الملك بركياروق [ وبقي تتش وحده فطمع فيه أخوه بركياروق ، فرجع تتش فلحقه قسيم الدولة آقسنقر وبوران بباب حلب فكسرهما (٤) وأسر بوران وآقسنقر فصلبهما [ وبعث برأس بوران فطيف به في حران والرُّها ، وملكها من بعده ]٥) . وفيها : وقعت الفتنة بين الروافض والسنّة وانتشرت بينهما شرور كثيرة . وفي [ ثاني ] شعبان ولد للخليفة ولده المسترشد بالله، أبو منصور ، الفضل بن أبي العباس أحمد المستظهر بالله بن المقتدي ، ففرح الخليفة وولي عهده بالولد السعيد . وفي ذي القعدة دخل السلطان بركياروق بغداد [ وخرج إليه الوزير أبو منصور بن جَهير ، وهنأه عن الخليفة بالقدوم ]٦) . وفيها : أخذ المستنصر العبيدي مدينة صور من أرض الشام ، ولم يحج أحد من أهل العراق في هذه السنة . وممن توفي فيها من الأعيان : جعفر بن المقتدي بالله(٧) من الخاتون بنت السلطان ، ملك شاه [ في جمادى الأولى ] وجلس الوزير للعزاء ثلاثة أيام . (١) زيادة من (ب) و(ط ). (٢) زيادة من ( ب) و( ط ). (٣) زيادة من ( ب) و( ط ). زيادة من ( ب ) و( ط ) . (٤) (٥) زيادة من ( ب) و( ط ). (٦) زيادة من ( ب) و( ط ). (٧) المنتظم (٧٧/٩)، الكامل في التاريخ (٢٢٧/١٠). ٢٤٣ وفيات سنة ٤٨٦ هـ سليمان بن إبراهيم بن محمد بن سليمان(١) أبو مسعود الأصبهاني . سمع الكثير ، وصنّف [وخرّج على الصحيحين، وكانت له معرفة جيدة بالحديث (٢)، وسمع ابن مردويه وأبا نعيم ، والبَرْقاني ، وكتب عنه الخطيب (٣) وغيره ، وكانت وفاته في ذي القعدة عن تسع وثمانين سنة . عبد الواحد بن أحمد بن المُحَسِّنُ(٤) الدَّسْكري(٥) أبو سعد الفقيه الشافعي. صحب أبا إسحاق الشيرازي ، وروى الحديث [ وكان مألف٦ً) لأهل العلم ] ، وكان يقول : ما عصا بدني هذا في لذة قط ، توفي في رجب من هذه السنة ، ودفن بباب حرب ، رحمه الله . علي بن أحمد بن يوسف بن جعفر(٧) أبو الحسن الهَكَّاري(٨). قدم بغداد ونزل برباط الزَّوزني(٩) وكانت له أربطة قد ابتناها ، سمع الحديث ، وروى عنه غير [واحد ] من الحفّاظ، وكان يقول: رأيت رسول الله وَّل في المنام في الروضة، فقلت : يا رسول الله ! أوصني ، فقال : عليك باعتقاد أحمد بن حنبل ، ومذهب الشافعي ، وإياك ومجالسة أهل البدع . وكانت وفاته في المحرم من هذه السنة . علي بن محمد بن محمدٌ( ١٠) أبو الحسن الخطيب الأنْباري ، المعروف بابن الأخضر . سمع أبا أحمد الفرضي(١١)، وهو آخر من حدّث عنه ، وكانت وفاته في شوال عن خمس وتسعين سنة ، رحمه الله . (١) المنتظم (٧٨/٩)، المغني في الضعفاء (٢٧٧/١)، وسير أعلام النبلاء (٢١/١٩)، شذرات الذهب (٣/ ٣٧٧) . (٢) زيادة من ( ب) و( ط ) . (٣) ينظر تاريخ مدينة السلام (٦/ ٥٦٠) (بشار). في بعض النسخ والمنتظم: ((الحُصين))، وما أثبتناه من ( ط) والكامل لابن الأثير. ( بشار). (٤) في (ط): ((الدشكري)) بالشين المعجمة، وهو تصحيف، والصواب ما أثبتناه ، وهو من دسكرة نهر الملك، أو (٥) دسكرة الملك ( بشار ) . (٦) في (ط): ((مؤلّفاً)) ولا معنى لها، والصواب ما أثبتناه ( بشار). (٧) المنتظم (٧٩/٩)، الكامل في التاريخ (٢٢٦/١٠)، وفيات الأعيان (٣٤٥/٣)، سير أعلام النبلاء (٦٧/١٩)، النجوم الزاهرة (١٣٨/٥)، شذرات الذهب (٣٧٨/٣). (٨) هذه النسبة إلى: الهكارية، بلدة وناحية وقرى فوق الموصل. معجم البلدان (٤٠٨/٥). (٩) في ( ط ) : الدوري . خطأ. (١٠) المنتظم (٧٩/٩). (١١) في ( ط ) : أبا محمد الرضي . خطأ. ٢٤٤ أحداث سنة ٤٨٧ هـ أبو نصر بن ماكُولا١ً) علي بن هبة الله بن علي(٢) بن جعفر بن علي(٣) بن محمد بن دُلف بن أبي دلف الأمير . ولد سنة ثنتين وأربعمئة، وسمع الكثير، وكان من الحفّاظ، وله كتاب (( الإكمال في المؤتلف والمختلف )(٤) ، جمع بين كتاب عبد الغني بن سعيد ، وكتاب الدارقطني وغيرهما ، وزاد عليهما أشياء كثيرة مهمّة حسنة ، نافعة ، وكان نحويّاً مبرّزاً، فصيح العبارة ، حسن الشعر ، قال ابن الجوزي(٥) : وسمعت شيخنا عبد الوهّاب يطعن في دينه ويقول : العلم يحتاج إلى دين(٦). وقُتل في خوزستان في هذه السنة [ أو التي بعدها ] ، وقد جاوز الثمانين ، كذا ذكر ابن الجوزي . ثم دخلت سنة سبع وثمانين وأربعمئة فيها : كانت وفاة الخليفة المقتدي ، وخلافة ولده المستظهر بالله . [ صفة موته : لما قدم السلطان بركياروق بغداد ، سأل من الخليفة أن يكتب له بالسلطنة كتاباً فيه العهد إليه ، فكتب ذلك، وهيئت الخلع، وعرضت على الخليفة، وكان الكتاب يوم الجمعة الرابع عشر من المحرم ثم قُدِّم إليه الطعام ، فتناول منه على العادة ، وهو في غاية الصحّة ، ثمّ غسل يديه ، وجلس ينظر في العهد بعدما وقّع عليه ، وعنده قهرمانة تسمى شمس النهار ، قالت : فنظر إليّ وقال : من هؤلاء الأشخاص الذين قد دخلوا علينا بغير إذن ؟ قالت : فالتفتُّ فلم أر أحداً ، ورأيته قد تغيّرت حالته ، واسترخت يداه ورجلاه ، وانحلَّت قواه ، وسقط إلى الأرض ، قالت : فظننت أنّه غُشي عليه ، فحللت (١) المنتظم (٧٩/٩)، الكامل في التاريخ (١٢٨/١٠)، وفيات الأعيان (٣٠٥/٣)، سير أعلام النبلاء (٥٦٩/١٨)، شذرات الذهب (٣٨١/٣)، النجوم الزاهرة (١١٥/٥). (٢) سقط هذا الاسم من بعض النسخ، ولا يصح إلا به. ( بشار). (٣) ويقال فيه ((عَلَّكان)) بدلًا من ((علي)). (بشار) . (٤) كتاب الإكمال في رفع عارض الارتياب عن المؤتلف والمختلف من الأسماء والكنى والأنساب ، جمع فيه ما في المؤتلف والمختلف للدار قطني وتكملته للخطيب البغدادي والمؤتلف والمختلف ومشتبه النسبة لعبد الغني الأزدي ، مع ما شذ عنها ، وأسقط ما لا يقع الإشكال فيه مما ذكروه ، وذكر ما وهم فيه أحدهم على الصحة ، وقد حقق الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني رحمه الله ستة أجزاء منه وطبعت بحيدر آباد الدكن في الهند ، ثم أكمل المجلد السابع في بيروت بتحقيق الشيخ نايف العباس رحمه الله ، ونشره السيد محمد أمين دمج . (٥) المنتظم (٧٩/٩). (٦) هذا كلام يحتاج إلى دليل ، تفرد به ابن الجوزي ، وقد أثنى كبار العلماء على ابن ماكولا ووثقوه منهم : الحميدي ، ومحمد بن طاهر ، وشيرويه ، وابن عساكر ، وأبو سعد السمعاني ، وشجاع الذهلي ، وابن النجار وغيرهم . ( بشار ) . ٢٤٥ ذكر ترجمة المقتدي بأمر الله - خلافة المستظهر بأمر الله أبي العباس أحمد أزرار ثيابه ، فإذا هو لا يجيب داعياً ، فأغْلقتُ عليه الباب ، وخرجتُ فأعلمت ولي العهد بذلك ، وجاء الأمراء ورؤوس الدولة يعزّونه بأبيه ويهنئونه بالخلافة ، فبايعوه . ذكر ترجمة المقتدي بأمر الله ، رحمه الله هو أمير المؤمنين ، المقتدي بأمر الله ، أبو القاسم عبد الله بن (١) الذخيرة ، الأمير ولي العهد ، أبو العباس محمد(٢) بن أمير المؤمنين القائم بأمر الله بن القادر بالله العباسي ، أمّه أم ولد ، اسمها أرجوان ، أرمنيّة أدركت خلافة ولدها، وخلافة ولده المستظهر ، وولد ولده المسترشد أيضاً (٣). وكان المقتدي أبيض حلو الشمائل ، تامّ القامة ؛ عمرت في أيامه محال كثيرة ببغداد ، ونفى عنها المغنِّيات وأرباب الملاهي [ والمعاصي ] ، وكان غيوراً على حريم الناس ، أمّاراً بالمعروف ، نهّاءً عن المنكر ، حسن السيرة والسريرة ، تغمده الله برحمته . وكانت وفاته يوم الجمعة منتصف المحرم من هذه السنة ، وله من العمر ثمان وثلاثون سنة [ وثماني شهور وتسعة أيام (٤) ، وخلافته من ذلك تسع عشرة سنة [ وثمان شهور إلا يومين ، وأخفي موته ثلاثة أيامُ(٥) ، حتى توطّدت البيعة لابنه المستظهر ، ثمّ صلي عليه ودفن في تربتهم . خلافة المستظهر بأمر الله أبي العباس أحمد ولما توفي أبوه [ يوم الجمعة ] أحضروه وله من العمر ست عشرة سنة وشهران ، فبويع له بالخلافة ، وكان أول من بايعه الوزير أبو منصور بن جَهير ، ثمّ أخذت البيعة له من الملك ركن الدولة بركياروق بن السلطان ملك شاه ، ثمّ من الأمراء والرؤساء ، [ وتمت البيعة تؤخذ له إلى ثلاثة أيام ، ثمّ أظهر التابوت يوم الثلاثاء الثامن عشر من المحرم ، وصلّى عليه ولده الخليفة ، وحضر الناس ، ولم يحضر السلطان بل كبراء أمرائه }٦) وصلى عليه الأمراء والوزراء ، ومن العلماء : الغزالي ، والشاشي ، وابن عقيل [ وبايعوه يوم ذلك ] . (١) في الأصل: أبو عبد الله. خطأ . فاسم الخليفة عبد الله، وكنيته أبو القاسم كما في مصادر ترجمته . المنتظم (٨٤/٩)، الكامل في التاريخ (٢٣١/١٠ وما قبلها)، سير أعلام النبلاء (٣١٨/١٨). (٢) في الأصل: أحمد . خطأ ، فذخيرة الدين اسمه : محمد بن أمير المؤمنين القائم بأمر الله الأمير ولي العهد ، توفي في خلافة أبيه سنة ٤٤٧ هـ . (٣) من قوله: صفة موته .. إلى هنا، زيادة من ( ب) و( ط ). (٤) زيادة من ( ب) و(ط ) وفي ( أ) : ثمان وثلاثون سنة ونصف . (٥) من قوله: وخلافته .. إلى هنا ساقط من ( ب). (٦) زيادة من ( ب) و( ط ) . ٢٤٦ وفيات سنة ٤٨٧ هـ وقد كان المستظهر بالله كريم الأخلاق ، حافظاً للقرآن الكريم ، فصيحاً ، بليغاً ، شاعراً [ منطقياً ]، ومن لطيف شعره قوله : يوماً مددتُ على رسمِ الوداعِ يد١ً) أذابَ حرُّ الجوى في القلب ما جَمَدا أرى طرائقَ من يهوى الهوى قِددَ(٢) فكيفَ أسلكُ نهجَ الاصطبارِ وقدْ من بعدِما قد وَفَى دهراً بما وعَد(٣) قد أخلفَ الوعدَ بدرٌ قد شُغِفتُ بِهِ من بعدِ هذا فلا عايشُهُ أبَدَا إن كنتُ أنقضُ عَهْدَ الحبِّ في خَلَدي وفوّض المستظهر أمور الخلافة إلى الوزير أبي منصور عميد الدولة بن جَهير ، فدبّرها له أحسن تدبير ، ومهّد له الأمور أتمّ تمهيد [ وساس الرعايا ، وكان من خيار الوزراء . وفي ثالث عشر (٤) شعبان عزل الخليفة أبا بكر الشاشي(٥) عن القضاء، وفوّضه إلى أبي الحسن بن الدّامغاني . وفيها : وقعت فتنة بين السنّة والروافض ، فأحرقت محال كثيرة ، وقُتل ناس كثيرون ، ولم يحج أحد في هذه السنة لاختلاف السلاطين . وكانت الخطبة للسلطان بركياروق [ ركن الدولة يوم الجمعة الرابع عشر من المحرم ، وهو اليوم الذي توفي فيه الخليفة المقتدي بعدما علّم على توقيعه ]٦) . وممن توفي فيها من الأعيان : آقسنقر الأتابك الملقب قَسِيْم الدولة السلجوقي(٧) ، ویعرف بالحاجب ، صاحب حلب وديار بكر والجزيرة . وهو جدّ الملك نور الدين الشهيد محمود بن زنكي بن آقسنقر . (١) في الكامل لابن الأثير (٥٣٥/١٠): لما مددت إلى رسم الوداع يدا. (٢) في الكامل : أرى طرائق في مهوى الهوى قِدَدا . في الكامل : من بعدما قد وفى دهري بما وَعَدا . (٣) زيادة من ( ب ) و( ط ) . (٤) في ( أ) : الشافعي ، وما أثبته من (ب) و(ط ) وقد اشتهر أبو بكر رحمه الله بهذه النسبة ، وهو أيضاً شيخ الشافعية (٥) في زمانه . (٦) زيادة من ( ب) و( ط ) . (٧) الكامل في التاريخ (٢٣٢/١٠)، وفيات الأعيان (٢٤١/١)، سير أعلام النبلاء (١٢٩/١٩)، النجوم الزاهرة (١٤١/٥)، شذرات الذهب (٣٨٠/٣). ٢٤٧ وفيات سنة ٤٨٧ هـ وكان أولًا من أخصّ أصحاب السلطان ملك شاه [ بن ألب آرْسَلان السلجوقي، ثمّ ترقّت منزلته عنده حتى أعطاه حلب وأعمالها بإشارة الوزير نظام الملك ، وكان من أحسن الملوك سيرة وأجودهم سريرة ، وكانت الرعيّة معه في أمن ورخص وعدل ، ثمّ كان موته على يد السلطان تاج الدولة تتش صاحب دمشق ، وذلك : أنّه استعان به ، وبصاحب حرّان والرّها على قتال ابن أخيه بركياروق بن ملكشاه ، ففرّا عنه وتركاه ، فهرب إلى دمشق ، فلما تمكن قاتلهما بباب حلب ، فقتلهما ، وأخذ بلادهما إلا حلب فإنها استقرت لولد آقسنقر زنكي فيما بعد ، وذلك في سنة ثلاث وعشرين وخمسمئة كما سيأتي بيانه . وذكر ابن خلِّكان أنّه كان مملوكاً للسلطان ملك شاه هو وبوزان(١) صاحب الرّها ، فلما ملك تتش حلب استنابه بها ، فعصا عليه ، فقصده ، وكان قد ملك دمشق أيضاً ، فقاتله ، فقتله في هذه السنة في جمادى الأولى منها ]٢) فلما قتل دفنه ولده عماد الدين زنكي بحلب ، أدخله إليها من فوق السور بالمدرسة الزجاجيّة . صاحب الجيوش بمصر ، ومدبّر الممالك الفاطميّة . (٣) بدر الجمالي (١) كان عاقلاً ، كريماً ، محبّاً للعلماء ، ولهم عليه رسوم دارّة ، تمكّنَ في أيام المستنصر تمكناً عظيماً [ ودارت أزِمَّةُ الأمور على آرائه ] وفتح بلاداً كثيرة ، وامتدت حياته وأيامه [ وبعد صيته ] وامتدحه الشعراء ، ثمّ كان موته [ في ذي القعدة منها ] وقام بالأمور من بعده ولده الأفضل . الخليفة المقتدي بأمر الله(٤) عبد الله ابن ولي العهد ، ذخيرة الدِّين أبي العباس ، أحمد ابن أمير المؤمنين الخليفة القائم بأمر الله بن القادر ، وقد ذكرنا شيئاً من ترجمته عند موت الخليفة(٥) . الخليفة المستنصر الفاطمي(٦) ، معدّ أبو تميم بن أبي الحسن علي بن الحاكم . استمرت أيامه ستين سنة ، ولم يتفق هذا لخليفة قبله ولا بعده ، وكان قد عهد [ بالأمر ] لولده نزار ، فخلعه الأفضل بن بدر الجمالي بعد موت أبيه [ وأمر الناس ] فبايعوا أبا القاسم أحمد بن المستنصر (١) ويقال فيه: ((بُزاف)). (٢) زيادة من (ب) و( ط ). (٣) الكامل في التاريخ (٢٣٥/١٠)، وفيات الأعيان (٤٤٨/٢) في ترجمة ولده. سير أعلام النبلاء (١٩ / ٨١)، الوافي بالوفيات (٩٥/١٠)، النجوم الزاهرة (١٤١/٥)، شذرات الذهب (٣٨٣/٣). (٤) المنتظم (٢٩١/٨، و٨٤/٩)، الكامل في التاريخ (٩٤/١٠ ٢٢٩)، سير أعلام النبلاء (٣١٨/١٨)، النجوم الزاهرة (١٣٩/٥)، شذرات الذهب (٣٨٠/٣). (٥) هذه الترجمة بعضها زيادة من ( ط)، وجميعها زيادة من (ب ) . وقد تقدم الكلام على الخليفة في أحداث سنة ٤٦٧ هـ . (٦) الكامل في التاريخ (١٠/ ٢٣٧). ٢٤٨ أحداث سنة ٤٨٨ هـ [ أخاه ] ولقّبه بالمستعلي ، فهرب نزار إلى الإسكندرية ، فجمع الناس عليه فبايعوه ، وتولّى جلال الدين ابن عمار ، فقصده الأفضل [ فحاصره ] فقاتله نزار فهزمهم الأفضل ، وأسر القاضي ونزاراً ، فقتل القاضي ، وحبس نزاراً [ بين حيطين ] حتى مات واستقرّ المستعلي في الخلافة وعمره إحدى وعشرون سنة . محمد بن أبي هاشم أمير مكة (١) كانت وفاته في هذه السنة عن نيّف وتسعين سنة . محمود بن السلطان ملك شاه٢) [ كانت أمه قد عقدت له الملك، وأنفقت بسببه الأموال الجزيلة ]٣) فنازعه أخوه بركياروق فقهره وكسره ، ولزم بلدة أصبهان ، فمات بها في هذه السنة ، وحمل إلى بغداد ، فدفن بالتربة النظاميّة ، وكان من أحسن الناس وجهاً ، وأظرفهم شكلاً [ توفي في شوال منها ] . وقد توفيت أمّه الخاتون تركان شاه في رمضان هذه السنة [ فانحلّ نظامه ، وكانت قد جمعت عليه العساكر ، وأسندت أزِمّة أمور المملكة إليه ، وملكت عشرة آلاف مملوك تركي ، وأنفقت في ذلك قريباً من ثلاثة آلاف ألف دينار ، فانحلّ النظام ، ولم تحصل على طائل ، والله سبحانه أعلم ٤٤) . ثم دخلت سنة ثمان وثمانين وأربعمئة فيها : ورد يوسف بن أبق(٥) التركماني من جهة تاج الدولة أبي سعيد تتش بن ألب آرْسَلان صاحب دمشق ، لإقامة الدعوة له ببغداد ، وكان تتش قد توجه لقتال ابن أخيه بناحية الريّ ، فلما دخل رسوله إلى بغداد هابوه ، وخافوه ، واستدعاه الخليفة فقرّبه ، وقبّل الأرض بين يدي الخليفة ، وتأهب أهل بغداد له ، وخافوا أن ينهبهم ، فبينما هو كذلك إذ قدم عليه [ رسول ابن ] أخيه فأخبره أن تتش [ قتل في أول من قتل في الوقعة ، وكانت وفاته في سابع عشر صفر من هذه السنة }٦) فاستفحل أمر بَرْكياروق ، واستقلّ (١) الكامل في التاريخ (٢٣٩/١٠)، سير أعلام النبلاء (٤٠٠/١٩). (٢) الكامل في التاريخ (١٠/ ٢٣٤). (٣) زيادة من ( ب) و( ط ). زيادة من (ب) و(ط )، ونهاية الفقرة في ( ب ) : فانحل النظام ولم يحصل لها ولا لولدها التئام. (٤) في بعض النسخ: ((أرتق)) خطأ، وما أثبتناه من (ط)، والكامل لابن الأثير (٢٤٤/١٠)، وتاريخ الإسلام (٥) (٤٨٢/١٠) (بشار). (٦) زيادة من ( ب ) و( ط ) . ٢٤٩ أحداث سنة ٤٨٨ هـ بالأمور ، وكان دقاق بن تتش مع أبيه حين قتل ، فسار إلى دمشق فتسلّمها من الأمير ساوتكينُ(١) الذي استنابه أبوه ، واستوزر أبا القاسم الخوارزمي ، وملك عبد الله بن تتش مدينة حلب ، ودبّر أمر مملكته جناح الدولة الحسين بن إيتكين ، ورضوان بن تتش صاحب مدينة حماة ، وإليه تنسب بنو رضوان بها . [ وفي يوم الجمعة التاسع عشر ] من ربيع الأول خطب لولي العهد أبي منصور الفضل بن المستظهر ، ولقب بذخيرة الدين . وفي ربيع الآخر خرج الوزير عميد المُلك بن جَهير ، فاختطّ سوراً على الحريم ، وأذن للعوام في العمل والتفرّج ، فأظهروا منكرات كثيرة ، وسخافات عقول ضعيفة ، وعملوا أشياء منكرة سخيفة ، وبعث إليه ابن عقيل رقعة فيها كلام غليظ ، وإنكار بغيض(٢). [ وفي رمضان خرج السلطان بَزكياروق فعدا عليه فداوي(٣) ، فلم يتمكن منه ، فمسك فعوقب فأقرّ على آخرين ، فلم يقرّا ، فقتل الثلاثة ، وجاء الطواشي من جهة الخليفة مهنئاً له بالسلامة ]٤) . وفي ذي القعدة خرج أبو حامد الغزالي [ من بغداد ] متوجهاً إلى بيت المقدس تاركاً التدريس في النظاميّة ، زاهداً [ في الدنيا ]، لابساً خشن الثياب [ بعد ناعمها ] ، وناب عنه أخوه في التدريس ، وعاد في السنة الثانية إلى الحج، ثمّ رجع إلى بلده، وقد صنّف كتاب ((الإحياء)) في هذه المدة ، وكان يجتمع إليه الخلق الكثير كلّ يوم في الرباط فيسمعونه . وفي يوم عرفة خُلع على القاضي أبي الفرج عبد الوهاب بن هبة الله السِّيبي(٥) ولقّب بشرف القضاة ، وردّ إلى ولاية القضاء بالحريم وغيره . وفي هذه السنة اصطلح أهل الكرخ (٦) مع بقيّة المحال، وتزاوروا [ وتواصلوا ] وتواكلوا ، وتشاربوا ، وكان هذا من العجائب . (١) في ( ب): سارتكين، وماهنا من (ط) والكامل (٢٤٨/١٠)، وتاريخ الإسلام (٤٨٣/١٠). (٢) نقل ابن الجوزي في المنتظم (٨٥/٩ ) نص هذه الرقعة بكاملها . (٣) الفداوي : هو الفدائي ، وهم غالباً ما يكونون من الباطنية . على أن ابن الجوزي وابن الأثير ذكرا أن الذي جرح السلطان كان من أهل سجستان يعمل سترياً عن السلطان ( بشار ) . (٤) زيادة من (ب) و( ط ) . (٥) في (ط): ((عبد الرحمن بن هبة الله البستي))، وهو تحريف عجيب، وما أثبتناه من المنتظم (٩/ ٨٧)، وقد عاش عبد الوهاب السيبي هذا إلى سنة ( ٥٠٤ ) وترجمه ابن النجار في التاريخ المجدد (١/ ٤٠٧ - ٤٠٩ من طبعة الهند ) والذهبي في وفيات سنة (٥٠٤ ) من تاريخ الإسلام (١١/ ٥١). (٦) في (ط) بعد هذا: ((من الرافضة والسنة)) ولا تصح، لأن أهل الكرخ كلهم شيعة في ذلك الوقت . والمراد أن أهل الكرخ الشيعة تصالحوا مع بقية المحال السنية ( بشار ) . ٢٥٠ وفيات سنة ٤٨٨ هـ وفيها : قتل أحمد بن خاقان صاحب سمرقند ، وسببه أنّه شُهد عليه بالزندقة فخنق وولّي مكانه ابن عمّه مسعود . وفيها : دخل الأتراك إفريقية وغدروا بيحيى بن تميم بن المعزّ بن باديس ، وقبضوا عليه ، وملكوا بلاده ، وقتلوا خلقاً ، بعدما جرت بينهم وبينه حروب شديدة ، وكان مقدمهم رجل يقال له : شاه ملك(١)، وكان من أولاد بعض أمراء المشرق ، فقدم مصر ، وخدم بها ، ثمّ هرب إلى المغرب [ ومعه جماعة ] ففعل ما ذكر . ولم يحج أحد من أهل العراق في هذه السنة . وممن توفي فيها من الأعيان : أحمد بن الحسن بن أحمد بن خَيرون(٢) أبو الفضل المعروف بابن الباقلاني . سمع الكثير ، وكتب عنه الخطيب [ وكانت له معرفة جيدة ] وهو من الثقات ، وشهد عند أبي عبد الله الدامغاني ، ثمّ صار أميناً له ، ثمّ ولّي بعده إشراف خزانة الغلاّت ، توفي في رجب عن ثنتين وثمانين سنة . تتش أبو المظفر(٣) تاج الدولة بن ألْب آرْسَلان، بن داود بن ميكال بن سُلجوق ، صاحب دمشق وغيرها من البلاد . وقد تزوّج امرأة علي بن أخيه بَزْكياروق بن ملكشاه بن ألْب آرْسَلان ولكن قدّر الله وما شاء فعل ، وقال المتنبي : واللهِ سِرٌّ في علاكَ وإنَّما كلامُ العِدا ضربٌ من الهذَيانِ قال ابن خلِّكان : كان صاحب البلاد [ الشرقية ] فاستنجده أتسز(٤) في محاربة أمير الجيوش(٥) [ من (١) في الكامل في التاريخ (٢٤١/١٠) : شاهملك. (٢) المنتظم (٨٧/٩)، الكامل في التاريخ (٢٥٣/١٠)، سير أعلام النبلاء (١٠٥/١٩)، الوافي بالوفيات (٣٢٠/٦)، شذرات الذهب (٣٨٣/٣)، قال بشار: ووقع في (ط): ((الحسن بن أحمد بن خيرون)) وهو خطأ . (٣) المنتظم (٨٧/٩)، تاريخ الدولة السلجوقية (٧٥)، الكامل في التاريخ (٢٤٤/١٠) ، وفيات الأعيان (٢٩٥/١)، سير أعلام النبلاء (٨٣/١٩)، الوافي بالوفيات (٣٧٨/١٠)، النجوم الزاهرة (١٥٥/٥)، شذرات الذهب ( ٣/ ٣٨٤)، تهذيب تاريخ دمشق (٣٤٣/٣). (٤) في الأصل: آقسنقر ، وما أثبت من ( ط ) والوفيات. (٥) في الوفيات : أمير الجيوش بدر الجمالي . ٢٥١ وفيات سنة ٤٨٨ هـ جهة ] صاحب مصر فلما قدم دمشق لنجدته ، وخرج إليه أتسز ، أمر بمسكه وقتله ، واستحوذ هو على دمشق وأعمالها في سنة إحدى وسبعين ، ثم تحارب هو وأخوه بزكياروق ببلاد الري ، فكسره أخوه وقتل هو في المعركة ، وتملك ابنه رضوان حلب ، [ وإليه تنسب بنو رضوان بها ، وكان ملكه عليها ] إلى سنة سبع وخمسمئة (١) ، سمّته أمّه في عنقود عنب، فقام بالأمر من بعده مملوك أبيه وزوج أمّه ، إلى سنة ثنتين وعشرين وخمسمئة ، فقام من بعده ولده تاج الملوك بوري أربع سنين ، ثم ابنه الآخر شمس الملوك إسماعيل ثلاث سنين فقتلته أمه أيضاً ، وهي زمرّد خاتون بنت جاولي(٢) ، ثم أجلست أخاه شهاب الدين محمود بن بوري ، فملك أربع سنين ، ثم ملك أخوه الآخر [ محمد بن بوري بن طغتكين(٣) ] سنة ، ثم ملك مجير الدين(٤) بن أبق(٥) من سنة أربع وثلاثين إلى أن انتزع الملك منه نور الدين محمود بن زنكي - كما سيأتي - وكان أتابك العسكر بدمشق أيام أبق(٦) معين الدين (٧) الذي تنسب إليه [ المعينية ] بالغور ، والمدرسة المعينيّة بدمشق . رزق الله بن عبد الوهاب بن عبد العزيز(٨) أبو محمد التميمي . أحد أئمة القراء والفقهاء ، على مذهب أحمد [ وأئمة ] الحديث ، وكان له مجلس للوعظ ، وحلقة للفتوى بجامع المنصور ، ثمّ بجامع القصر . وكان حسن الشكل محيَّباً إلى العامة ، له شعر حسن (٩) ، وكان كثير العبادة [ فصيح العبارة ] ، حسن المناظرة، وقد روى عن آبائه حديثاً مسلسلاً إلى علي بن أبي طالب ، كرّم الله وجهه ، أنّه قال : هتف العلم بالعمل ، فإن أجابه وإلا رحل . وقد كان ذا وجاهة عند الخليفة ، بعثه في مهام الرسل إلى السلطان ، وكانت وفاته في يوم الثلاثاء (١) في (ط): ((سنة سبع وخمسين وخمسمئة)) ولا تصح البتة، وقد توفي رضوان هذا في سنة (٥٠٧ ) فعُلم أن لفظة (( خمسين)) مقحمة لا معنى لها ، وسيأتي في السنة المذكورة من هذا الكتاب ذكر وفاة رضوان ( بشار). (٢) في الوفيات (٢٩٦/١) : خاتون زمرد بنت جاولي . (٣) في ( ط ): (( طغركين)) محرف (بشار) . (٤) في (ط): ((مخير الدين))، مصحف (بشار). في ( ط): ((أتق)) وفي بعض النسخ: ((أرتق)) وكله تحريف ( بشار). (٥) في (ط): (( أتق)) وفي بعض النسخ: ((أرتق)) وكله تحريف ( بشار) . (٦) (٧) في بعض النسخ: (( عز الدين))، وهو تحريف ظاهر ( بشار ) . (٨) الكامل في التاريخ (٢٥٣/١٠)، معرفة القراء الكبار (٣٥٦/١)، سير أعلام النبلاء (١٨ /٦٠٩)، ذيل طبقات الحنابلة (٧٧/١)، شذرات الذهب (٣٨٤/٣). (٩) نقل الذهبي في السير (١٨ / ٦١٤) من شعره قوله : لا تسألاني عن الحيّ الذي بانا يا صاحبيَّ على وجدي بنعمانا ما ضرّهم لو أقاموا يوم بينهمُ فإنني كنت يوم البين سكرانا هل راجعٌ وصل لیلی کالذي كانا بقدر ما يلبس المحزون أكفانا ٢٥٢ وفيات سنة ٤٨٨هـ النصف من جمادى الأولى من هذه السنة عن ثمان وثمانين سنة ، ودفن بداره بباب المراتب بإذن الخليفة ، وصلّى عليه ابنه أبو الفضل ، رحمه الله . أبو يوسف القَزويني(١) عبد السّلام بن محمد بن يوسف بن بُنْدار ، شيخ المعتزلة . قرأ على عبد الجبّار بن أحمد الهَمَذاني، ورحل إلى مصر ، فأقام بها أربعين سنة ، وحصّل كتباً كثيرة ، وصنّ تفسيراً في سبعمئة مجلّد . قال ابن الجوزي (٢): جمع فيه العجب، وتكلّم فيه على قوله تعالى: ﴿ وَأَتَّبَعُواْ مَا تَنْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَنَّ ﴾ [ البقرة: ١٠٢ ] في مجلد كامل . وقال ابن عقيل : كان طويل اللّسان بالعلم تارة ، وبالشعر أخرى ، وقد سمع الحديث من أبي عمر بن مهدي وغيره ، ومات ببغداد عن ست وتسعين سنة ، وما تزوج إلَّ في آخر عمره . أبو شجاع الوزير(٣) محمد بن الحسين بن عبد الله بن إبراهيم ، أبو شجاع، الملقب ظَهير الدّين [ الرُوذْرَاوَريّ(٤) الأصل ، الأهوازي المولد ] . كان من خيار الوزراء ، كثير الصدقة والإحسان إلى العلماء والفقهاء ، وسمع الحديث من الشيخ أبي إسحاق الشيرازي وغيره ، وصنف كتباً ، منها كتابه الذي ذيّله على (( تجارب الأمم))، ووزر للخليفة المقتدي بأمر الله ، وكان يملك ستمئة ألف دينار ، فأنفقها في سبيل الخيرات والصدقات ، ووقف الوقوف الحسنة ، وبنى المشاهد ، وأكثر الإنعام على الأرامل والأيتام . قال له رجل : إلى جانبنا امرأة لَها أربعة أيتام ، وهم عراة جياع ، فبعث إليهم مع واحد من خاصته نفقة ، وكسوة ، وطعاماً ، ونزع عنه ثيابه في البرد الشديد وقال : والله لا ألبسها حتى ترجع إليّ بخبرهم ، فذهب الرجل مسرعاً ، فقضى حاجته ، وأوصل لهم ذلك الإحسان ، ثمّ عاد - والوزير يرتعش من البرد - [ إليه فأخبره أنّهم فرحوا بذلك، ودعوا للوزير ] فلما أخبره بما سرّه لبس ثيابه . وجيء إليه مرة بقطائف سكرية فلما وضعت بين يديه تنغَّص عليه ذِكر من لا يقدر عليها ، فأرسلها كلّها إلى المساجد [ وكانت كثيرة جداً ] فأطعمها الفقراء والعميان ، ففرِّقت عليهم . (١) المنتظم (٨٩/٩)، الكامل في التاريخ (٢٥٣/١٠)، طبقات السبكي (١٢١/٥)، طبقات المفسرين للداوودي (٣٠١/١)، سير أعلام النبلاء (٦١٦/١٨)، النجوم الزاهرة (١٥٦/٥)، شذرات الذهب (٣٨٥/٣). (٢) المنتظم (٩/ ٩٠). (٣) المنتظم (٩٠/٩)، الكامل في التاريخ (١٠/ ٢٥٠)، وفيات الأعيان (١٣٤/٥)، طبقات السبكي (١٣٦/٤)، الوافي بالوفيات (٣/٣). (٤) الروذراوري : بضم الراء وسكون الواو والذال المعجمة وفتح الراء والواو بينهما ألف في آخرها راء أخرى ، نسبة إلى روذراور : كورة قرب نهاوند من أعمال الجبال . معجم البلدان ( ٧٨/٣ ) . ٢٥٣ وفيات سنة ٤٨٨هـ وكان لا يجلس في الديوان إلا وعنده الفقهاء ، فإذا وقع له أمر مشكل يسألهم فيه ، فحكم بما يفتونه به ، وكان كثير التواضع مع الناس ، خاصَّتِهم وعامَّتِهم . ثمّ إنّه عزل عن الوزارة فسار إلى الحج ، وجاور بالمدينة النبويّة [ ثمّ مرض ] فلما ثقل في المرض جاء إلى الحجرة النبويّة فقال: يا رسول الله، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذَظَلَمُوْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَأَسْتَغْفَرُواْ اللَّهَ وَأَسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤] وها أنا [قد جئتك ] أستغفر الله من ذنوبي ، وأرجو شفاعتك فيها يوم القيامة . ثمّ مات من يومه ذلك ، فدفن بالبقيع ، رحمه الله تعالى . القاضي أبو بكر الشاميُّ(١) محمد بن المظفر بن بكران الحَمَوي ، أبو بكر الشامي . ولد سنة أربعمئة ، وتفقّه ببلده(٢)، ثم حجّ في سنة سبع عشرة، وقدم بغداد فَتَفقه على الشيخ أبي الطيّب الطَّبَري، وسمع بها الحديث ، وشهد عند ابن الدّامغاني فقبله ، ولازم مسجده خمساً وخمسين سنة ، يُقرىء الناس ويُفَقُّههم، ولما مات أبو عبد الله الدّامغاني ، أشار به أبو شجاع الوزير ، فولاه الخليفة المقتدي القضاء ، وكان من أنزه الناس وأعفّهم ، فلم يقبل من سلطان عطيّة ، ولا من صاحب هديّة ، ولم يغيّر ملبسه ، ولا مأكله ، ولم يأخذ على القضاء أجراً ، ولم يستنب أحداً ، بل كان يباشر القضاء بنفسه ، ولم يحاب مخلوقاً ، وقد كان يضرب بعض المنكرين حيث لا بيّنة ، إذا قامت عنده قرائن التهمة ، حتى يقرّوا ، ويذكر أنّ في كلام الشافعي ما يدلّ على هذا ، وقد صنّف أبو بكر الشاشي كتاباً في الردّ عليه في ذلك(٣)، ونصره ابن عقيل فيما كان يتعاطاه من الحكم بالقرائن ، واستشهد له بقوله تعالى: ﴿إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّمِن قُبُلٍ﴾ [ يوسف: ٢٦]. وشهد عنده رجل من كبار الفقهاء والمناظرين ، يقال له : [ المشطب ]٤) بن محمد بن أسامة الفَرَغَاني ، فلم يقبله ، لما [ رأى ] عليه من الحرير، وخاتم الذَّهب، فقال له المدَّعي: إنّ السلطان ووزيره نظام المُلْك ، يلبسان الحرير والذهب! فقال القاضي الشامي : [ والله ] لو شهدا عندي على باقة بقل ما قبلت شهادتهما ، [ ولرددت شهادتهما . وشهد عنده مرّةً فقيه فاضل ، من أهل مذهبه فلم يقبله ، فقال : لأي شيءٍ تردّ شهادتي ، وهي جائزة (١) في (ط): ((الشاشي)) وهو تحريف قبيح ، فهو حموي شامي ( بشار). (٢) يعني : حماة . (٣) سماه: ((الرد على من حكم بالفراسة وحققها بالضرب والعقوبة)) (المنتظم ٩/ ٩٥)، وكان الشاشي هذا عدواً للشامي ( بشار ) . (٤) زيادة من ( ب) و( ط ) . ٢٥٤ أحداث سنة ٤٨٩ هـ عند كلّ حاكم إلا أنت؟ فقال له : لا أقبل لك شهادة ، فإني رأيتك تغتسل في الحمام عُريانا غير مستور العورة فلا أقبلك ] . توفي رحمه الله [ يوم الثلاثاء }(١) عاشر شعبان من هذه السنة عن ثمان وثمانين سنة ودفن بالقرب من ابن سُرَيْجُ(٢) . أبو عبد الله الحُمَيْدي(٣) محمد بن أبي نصر [ فتوح ] بن عبد الله بن فتوح بن حُميد ، الحُميدي ، الأندلسي ، من جزيرة يقال لها : مَيُورقة(٤) ، قريبة من الأندلس . قدم بغداد فسمع بها الحديث ، وكان حافظاً مُكثراً ، ديّناً ، ماهراً، عفيفاً نَزَهاً، وهو صاحب (( الجمع بين الصحيحين)) وغير ذلك من المصنّفات، [ وقد كتب مصنفات ابن حزم والخطيب ]°) وكانت وفاته [ ليلة الثلاثاء ] منتصف ذي الحجّة ، وقد جاوز السّبعين ، وقبره قريب من قبر بشر الحافي . هبة الله ابن الشيخ أبي الوفاء بن عقيل . كان قد حفظ القرآن ، وتفقّه ، وظهرت نجابته ، ثم مرض فأنفق عليه أبوه أموالاً جزيلة فلم يفد شيئاً ، فقال له ابنه ذات يوم: يا أبه ! إنّك قد أكثرت الأدوية والأدعية ، ولله فيَّ اختيار ، فدعني واختيار الله فيّ . [ فعلمت أنّه لم يوفق لهذا الكلام، إلا وقد اختير للحظوة ]٦)، رحمه الله . ثم دخلت سنة تسع وثمانين وأربعمئة قال ابن الجوزي في (( المنتظم)(٧): في هذه السّنة حكم جهلة المنجّمين ، بأنه سيكون فيها طوفان [ قريب من طوفان نوح ، وشاع الكلام بذلك بين العوام وخافوا ، فاستدعى الخليفة المستظهر ابن عيشون(٨) المنجم فسأله عن هذا الكلام }٩) فقال : إن طوفان نوح اجتمع في برج الحوت الطوالع (١) زيادة من ( ب) و(ط ). (٢) في (ط): ((شريح)) وهو تصحيف، وهو أبو العباس ابن سريج الفقيه المعروف (بشار). (٣) المنتظم (٩٦/٩)، الكامل في التاريخ (٢٥٤/١٠)، سير أعلام النبلاء (١٢٠/١٩)، الوافي بالوفيات (٣١٧/٤)، النجوم الزاهرة (١٥٦/٥)، شذرات الذهب (٣٩٢/٣). (٤) في (ب) و( ط ) تحرفت إلى : برقة . (٥) المنتظم (٩ / ٩٧ ) . (٦) زيادة من ( ب ) و( ط ) . المنتظم (٩ / ٩٧ ) . (٧) (٨) تحرفت في (ط) إلى: عشبون، والتصويب من ( ب)، والمنتظم (٩/ ٩٧)، وتوضيح المشتبه (٤٠١/٤). (٩) زيادة من (ب) و( ط ). ٢٥٥ أحداث سنة ٤٨٩ هـ السبعة ، والآن فقد اجتمع فيه ستة ، ولم يجتمع معها زحل ، فلابدّ من وقوع طوفان في بعض البلاد ، والأقرب أنها بغداد ، [ فتقدم الخليفة إلى وزيره بإصلاح المسيلات والمواضع التي يخشى انفجار الماء منها (١) وجعل النّاس ينتظرون ذلك، فجاء الخبر بأن الحُجّاج حُصِروا في وادي المناقب بعد نخلة ، فأتاهم سيل عظيم فنجا منهم من تعلّق برؤوس الجبال ، وأذهب الماء الرِّجال، والرِّحال(٢) ، فخلع الخليفة على ذلك المنجم ، وأجرى له جراية . وفيها : ملك الأمير قوام الدولة أبو سعد كربوقا مدينة الموصل ، وقتل شرف الدولة محمد بن مسلم بن قريش ، وغرَّقه بعد حصار سبعة أشهر . وفيها : ملك تميم بن المعزّ بن باديس مدينة قابس ، وأخرج منها أخاه عمراً ، فقال خطيب سوسة في ذلك : ضَحِكَ الزّمانُ وكَان يُلْفَى عَابِسا٣ً) لمّا فَتَحْتَ بِحَدِّ سَيْفِكَ قَابِسَا إلا قَناً وَصَوارِماً وفَوَارِسَا وَأَتَيْتَها بِكِراً وَمَا أَمْهَرْتَها إلا وَكَان أبوكُ قَبْلكَ غَارِسَ﴾(٥) الله يَعْلَم ما جَنَّتَ ثِمَارَها٤) كانتْ لهُ قُلَلُ البِلادِ عَرائِسَا مَنْ كان مِن زُرْقِ الأسنَّة حَاطِباً وفي صفر درّس الشيخ أبو عبد الله الطبري بالنّظاميّة ، ولاه إياها فخر المُلْك بن نظام المُلْك ، وزير بر کیاروق بن ملك شاه . وفيها : أغارت خفاجة على بلاد سيف الدَّولة صَدَقة بن مَزْيَد بن منصور بن دُبَيْس ، وقصدوا مشهد الحسين بالحائر ، وتظاهروا فيه بالمنكرات والفساد ، فكبسهم الأمير صدقة المذكور ، فقتل منهم خلقاً كثيراً ، حتى عند الضريح [ ومن العجائب ، أن أحدهم ألقى نفسه وفرسه من فوق السور فسلم وسلمت فرسه ]٦) . وحجّ بالناس في هذه السنة الأمير خمارتكين الجَسْتاني. (١) زيادة من ( ب) و(ط ) . (٢) في ( ط): ((الجمال والرجال والرحال))، وما هنا موافق لما في ( ب ) والمنتظم الذي ينقل منه المؤلف. (٣) في ( ب ) و( ط ) : يلقى عابساً. (٤) في الكامل : ما هويت ثمارها . في ( ب) و( ط ) والكامل : إلا وكان أبوك قبل الفارسا . (٥) (٦) زيادة من ( ب) و( ط ). ٢٥٦ وفيات سنة ٤٨٩ هـ وممن توفي في هذه السنة من الأعيان : عبد الله بن إبراهيم بن عبد الله(١) أبو حكيم الخَبْريّ(٢)، وخَبْر : إحدى بلاد فارس . سمع الحديث ، وتفقّه على الشيخ أبي إسحاق الشيرازي ، وكانت له معرفة بالفرائض ، وله معرفة بالأدب واللّغة ، وكانت له مصنّفات ، وكان مرضيَّ الطّريقة ، وكان يكتب المصاحف بالأجرة ، فبينما هو يوماً يكتب ، وضع القلم من يده ، واستند وقال : والله لئن كان هذا موتاً إنَّه لطيّب ، ثمّ مات ، رحمه الله . عبد المحسن بن علي بن أحمد الشِّيْحي التاجر (٣) ويُعرف بابن شُهْد انْكة(٤) . بغدادي ، سمع الحديث الكثير ، ورحل ، وأكثر عن الخطيب وهو بصور ، وهو الذي حمله إلى العراق، فلهذا أهدى إليه ((تاريخ بغداد )) بخطّه ، وقد روى عنه في مصنّفاته ، وكان يسميه عبد الله ، وكان ثقة . عبد الملك بن إبراهيم بن أحمد(٥) أبو الفضل الهَمَذَاني . تفقّه على الماورديّ ، وكانت له يد طولى في العلوم الشرعيّة ، وفي الحساب ، وغير ذلك ، وكان يحفظ ((غريب الحديث)) لأبي عُيَيد، و((المجمل)) لابن فارس، وكان عفيفاً زاهداً، طَلَبه المقتدي ليولّيه قضاء القُضاة، فأبى أشدّ الإباء، واعتذر له بالعجز وعلوِّ السنِّ، وكان ظريفاً، لطيفاً. قال(٦): كان أبي إذا أراد أن يؤدِّبني أخذ العَصَا بيده ثمَّ يقول : نويت أن أضرب ولدي تأديباً ، كما أمر الله ، ثمّ (١) المنتظم (٩٩/٩)، طبقات السبكي (٦٢٥)، تاريخ الإسلام (٣٩٢/١٠)، سير أعلام النبلاء (٥٥٨/١٨)، النجوم الزاهرة (١٥٩/٥)، توضيح المشتبه (٤٨٦/٢)، شذرات الذهب (٣٥٣/٣). (٢) ((الخبري))، بالباء، هذه النسبة إلى خبر كما أشار المصنف رحمه الله، وقال ياقوت في معجم البلدان (٣٤٤/٢): خبر، بليدة قرب شيراز من أرض فارس . وذكر نسبة المترجم إليها . وفي الأصل و( ط ) : أخو أبي حكيم . وهذا خطأ فالمترجم نفسه هو نفسه هو أبو حكيم الخبري . وثمة خلاف بين المصادر في سنة وفاته ، ففي كتب الذهبي أنه توفي سنة ست وسبعين ، وفي استدراك ابن نقطة أنه توفي في سنة ست وتسعين . وماهنا موافق لما في المنتظم والنجوم الزاهرة . (٣) المنتظم (١٠٠/٩)، سير أعلام النبلاء (١٥٢/١٩)، توضيح المشتبه (١/ ٥٥٠)، شذرات الذهب (٣٩٢/٣). ونسبته: الشيحي إلى الشيخة من قرى حلب. معجم البلدان (٣٧٩/٣) وقد تحرفت في ( ط ) إلى الشنجي . (٤) في (ط): ((شهداء مكة))، وهو تحريف بيِّن ( بشار). (٥) المنتظم (١٠٠/٩)، الكامل في التاريخ (٢٦١/١٠)، طبقات السبكي (١٦٢/٥)، سير أعلام النبلاء (١٩/ ٣١) . (٦) الكلام لولده المؤرخ محمد بن عبد الملك ، كما نص عليه ابن الجوزي في المنتظم . ٢٥٧ وفيات سنة ٤٨٩ هـ يضربني . قال : وإلى أن ينوي ويتمّ النّة ، كنت أهرب ، توفي في رجب من هذه السنة ، ودفن عند قبر (١) ابن سُرَيجُ(١) . محمد بن أحمد بن عبد الباقي بن مَنْصور(٢) أبو بكر الدَّقَّاق ، ويعرف بابن الخاضِبَةُ(٣). كان معروفاً بالإفادة ، وجودة القراءة ، وحسن الخطّ، وصحّة النقل ، وجمع بين علم القرآن والحديث ، وأكثر عن أبي بكر الخطيب ، وأصحاب المخلِّص . قال : لمّا غرقت بغداد غرقت داري وكتبي ، فلم يبق لي شيء، فاحتجت إلى النسخ، فكتبت ((صحيح مسلم)) في تلك السّنة سبع مرّات ، فنمت ذات ليلة فرأيت كأن القيامة قد قامت ، وقائل يقول لي : أين ابن الخاضِبَة ؟ فجئت ، فأدخلت الجنّة ، فلما دخلتها استلقيت على قَفاي ، ووضعت إحدى رجلي على الأخرى ، وقلت : استرحت من النسخ ، ثمّ استيقظت والقلم في يدي والنسخ بين يدي ، رحمه الله تعالى . أبو المظفر السَّمعاني (٤) منصور بن محمد بن عبد الجَبّار بن أحمد بن محمد ، أبو المظفّر السَّمعاني الحافظ ، من أهل مرو . تفقّه أولًا على أبيه في مذهب أبي حنيفة ، ثمّ انتقل إلى مذهب الشافعي ، وقد أخذ عن الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وابن الصّباغ، [ وكانت له يد طولى في فنون كثيرة }(٥) وصنّف (( التفسير)) وكتابه ((الانتصار في الحديث))، و((البرهان))، و((القواطع في أصول الفقه))، و((الاصطلام)(٦) وغير ذلك . ووعظ في مدينة نيسابور ، وكان يقول : ما حفظتُ شيئاً فنسيته ، وسُئِل عن أخبار الصفات فقال : عليكم بدين العجائز ، [ وصبيان الكتاتيب ] ، وسُئِلَ عن الاستواء فقال : جِئْتُما لتعلَما سِرَّ سُعدى تجداني بسرِّ سُعدى شَحِيحًا إِنَّ سُعدى لَمُنيَة المتمنّي جمعتْ عِفّةً وَوَجهاً صَبِيحًا توفي رحمه الله في هذه السنة ، ودفن في مقبرة باب حرب . (١) في (ط): ((شريح))، وهو تصحيف. (٢) المنتظم (١٠١/٩)، الكامل في التاريخ (٢٦٠/١٠)، دول الإسلام (١٨/٢)، سير أعلام النبلاء (١٠٩/١٩)، الوافي بالوفيات (٨٩/٢)، شذرات الذهب (٣٩٣/٣). (٣) تحرفت في ( ط ) إلى : الحاضنة . (٤) المنتظم (١٠٢/٩)، وفيات الأعيان (٢١١/٣)، طبقات السبكي (٣٣٥/٥)، طبقات المفسرين للداوودي (٣٣٩/٢)، سير أعلام النبلاء (١١٤/١٩)، النجوم الزاهرة (١٦٠/٥)، شذرات الذهب (٣٩٣/٣). قال ابن خلّكان : والسمعاني : بفتح السين المهملة وسكون الميم وفتح العين المهملة وبعد الألف نون ، هذه النسبة إلى سمعان ، وهو بطن من تميم . (٥) زيادة من ( ب) و( ط ) . (٦) كتاب الاصطلام في الرد على أبي زيد الدّبوسي الحنفي. الأنساب (١٣٩/٧). ٢٥٨ أحداث سنة ٤٩٠ هـ ووفياتها ثم استهلّت سنة تسعين وأربعمئة فيها : كان ابتداء ملك الخُوارزميّة ، وذلك أنّ السلطان برکیاروق ملك فيها بلاد خراسان بعد مقتل عمه آرسلان أرغون بن ألْب آرسلان ، وسلّمها إلى أخيه أحمد المعروف بالملك سنجر ، وجعل أتابكه الأمير قماج ، ووزيره [ أبو الفتح ] علي بن الحسين الطغرائي ، واستعمل على خراسان الأمير حبشي بن التونتاق(١) ، فولّى مدينة خُوارزم شاباً يقال له : محمد بن أنوشتكين وكان أبوه من مماليك أمراء السَّلاجقة، ونشأ هو في أدب وفضيلة ، وحسن سيرة ، ولمّا وُلّي خُوارزم ، لقِّب خُوارزم شاه ، فكان أوّل ملوكهم ، فأحسن السيرة وعامل النّاس بالجميل وحين مات قام من بعده على خوارزم ولده [ أتسزجرى ] على سنن أبيه ، وأظهر العدل ، فحظي عند السلطان سنجر ، وأحبّه الناس ، وارتفعت منزلته . وفيها : خطب الملك رضوان بن تاج الدولة تتش للخليفة المستعلي الفاطمي . [ وفي شوال قُتل رجل باطني عند باب النوبي كان قد شهد عليه عدلان أحدهما ابن عقيل: أنّه دعاهما إلى مذهبه ، فجعل يقول : أتقتلونني؟ وأنا أقول : لا إله إلا الله، فقال ابن عقيل : قال الله تعالى: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْ بَأْسَنَا قَالُوَاْءَامَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [ غافر: ٨٤ الآية وما بعدها ]. وفي رمضان قتل بُرْسُق أحد أكابر الأمراء ، وكان أوّل من تولّى شحنة بغداد . وحج بالناس في هذه السنة خمار تكين الجَسْتاني . وفي يوم عاشوراء كبست دار بهاء الدولة أبو نصر بن جلال الدولة أبي طاهر بن بُوَيْه لأمور ثبتَت عليه عند القاضي ، فأُريق دَمُهُ ، ونُقِضَتْ داره ، وعُمِلَ مكانها مسجدان للحنفيّة والشافعيّة . وكان [ السلطان ] ملك شاه قد أقطعه المدائن ودير عاقول وغيرهما . وممن توفي فيها من الأعيان : أحمد بن محمد بن الحسن بن علي بن زكريا بن دينار(٢) أبو يَعلى العَبْدي البصري ، ويعرف بابن الصوّاف . ولد سنة أربعمئة ، سمع الحديث ، وكان زاهداً متصوّفاً ، وفقيهاً مدرّساً ، ذا سمت ، ووقار ، وسكينة ، [ ودين ] ، وكان علامة في عشرة علوم ، توفي في رمضان من هذه السّنة عن تسعين [ سنة ] ، رحمه الله تعالى . (١) في (ط): ((البرشاق))، وهو تحريف، وما أثبتناه يعضده ما في الكامل لابن الأثير (٢٦٦/١٠ -٢٦٧). (٢) المنتظم (١٠٣/٩)، سير أعلام النبلاء (١٥٦/١٩)، شذرات الذهب (٣٩٤/٣). ٢٥٩ أحداث سنة ٤٩١ هـ المعمّر بن محمد بن المعمّر بن أحمد بن محمد(١) أبو الغنائم الحُسيني ، النقيب للطالبيين . سمع الحديث وكان حسن الصورة ، كريم الأخلاق ، كثير التعبّد ، لا يُعرف أنّه آذى مسلماً ، ولا شتم صاحباً ، توفي عن نيف وستين سنة ، كان منها نقيباً ثنتين وثلاثين سنة ، وكان من سادات قريش ، وتولّى بعده ولده أبو الفتوح حيدرة ، ولُقّب بالرضيّ ذي الفخرين ، وقد رثاه الشعراء بأبيات ذكرها ابن الجوزي(٢) . يحيى بن أحمد بن محمد بن علي السِّبي(٣) سمع الحديث ، ورحل إليه الطَّلبة، وكان ثقةً، صالحاً ، [صدوقاً أديباً ] عُمِّر مئة سنة وثنتي عشرة سنة ونصف ، وهو مع ذلك صحيح الحواس يُقْرأ عليه القرآن والحديث ، رحمه الله تعالى . ثم دخلت سنة إحدى وتسعين وأربعمئة في جمادى الأولى [ منها ] ملك الفرنج مدينة أنطاكية بعد حصار شديد ، بمواطأة من بعض المستحفظين على بعض الأبراج ، وهرب صاحبها ياغي سِيال(٤) في نفر يسير وترك [ بها ] أهله وماله ، ثمّ أخذه في أثناء الطريق نَدَمٌ شديد على ما فعل ، بحيث إنّه غُشي عليه ، وسقط عن فرسه ، فتركه أصحابه وذهبوا ، فجاء راعي غنم فقطع رأسه ، وذهب به إلى ملك الفرنج ، ولما بلغ الخبر إلى الأمير كربوقا صاحب الموصل ، جمع عساكر كثيرة ، واجتمع إليه دُقاق بن تتش صاحب دمشق [ وجناح الدولة ] صاحب حمص وغيرهما ، وساروا إلى الفرنج ، فالتقوا معهم بأرض أنطاكية فهزمهم الفرنج ، وقتلوا منهم خلقاً كثيراً ، وأخذوا منهم أموالاً كثيرة ، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون . ثمّ سارت الفرنج إلى معرّة النعمان فحاصروها وأخذوها أيضاً ، فلا حول ولا قوة إلا بالله . ولما بلغ هذا [ الأمر الفظيع إلى الملك برکیاروق ، شقّ عليه ذلك ، وكتب إلى الأمراء ببغداد أن يتجهزوا صحبة الوزير ابن جَهير لقتال الفرنج ، (١) المنتظم (١٠٤/٩)، تاريخ الإسلام (١٠/ ٦٥٤). (٢) المنتظم (١٠٤/٩ - ١٠٥). المنتظم (١٠٥/٩)، الكامل في التاريخ (٢٧١/١٠)، معرفة القراء الكبار (٣٥٧/١)، سير أعلام النبلاء (٣) (٩٨/١٩)، النجوم الزاهرة (١٦١/٥)، شذرات الذهب (٣٩٦/٣). و((السِّيبي)): بكسر المهملة، وسكون المثناة تحت، تليها موحدة، نسبة إلى بلد السِّيب، وهو على الفرات بقرب الحلة . توضيح المشتبه ( ٢١/٥ -٢٢). (٤) في (أ) و(ب): ((باغي سنان)) وهو تحريف، وما أثبتناه من ط والكامل (٢٧٤/١٠)، وتاريخ الإسلام (٦٦٦/١٠ ) . ٢٦٠ وفيات سنة ٤٩١ هـ ـ أحداث سنة ٤٩٢ هـ فبرز بعض الجيش إلى ظاهر البلد بالجانب الغربي ]١) ثمّ انفسخت هذه العزيمة لأنّه بلغهم : أن الفرنج في ألف ألف مقاتل ، فلا حول ولا قوة إلا بالله . وحجّ بالناس فيها خمارتكين . وممن توفي فيها من الأعيان : طِرَاد بن محمد بن علي(٢) بن الحسن بن محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم الإمام بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ، أبو الفوارس بن أبي الحسن بن أبي تمام . من ولد زينب بنت سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس ، [ وهي أم ولده عبد الله بن محمد بن إبراهيم الإمام بن محمد بن عبد الله بن عباس ]٣) . سمع الحديث الكثير والكتب الكبار ، وتفرّد [ بالرواية ] عن جماعة من المشايخ، ورُحِل إليه في الآفاق، وأملى الحديث في بلدان شتّى ، وكان يحضر مجلسه العلماء والسادات ، وحضر أبو عبد الله الدامغاني مجلسه ، وباشر نقابة العباسيين مدة طويلة ، توفي عن نيّف وتسعين سنة في هذه السنة ودفن في مقابر الشهداء(٤) ، رحمه الله تعالى . المظفّر بن رئيس الرُّؤساء(٥) أبي القاسم بن المُسْلِمة ، أبو الفتح . كانت داره مجمعاً لأهل العلم والدين والأدب ، وبها توفي الشيخ أبو إسحاق الشيرازي ، ولما توفي أبو الفتح دفن عند الشيخ أبي إسحاق في تربته ، رحمه الله تعالى . ثم دخلت سنة ثنتين وتسعين وأربعمئة فيها : أخذت الفرنج خذلهم الله تعالى بيت المقدس ، لما كان ضحى يوم الجمعة [ لسبع بقين ] من آخر شعبان سنة ثنتين وتسعين وأربعمئة ، استحوذ الفرنج لعنهم الله وهم في نحو ألف ألف مقاتل على بيت المقدس شرفه الله تعالى، فقتلوا في وسطه أزيد من سبعين(٦) ألف قتيل [ من المسلمين] ﴿فَجَاسُواْ خِلَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا﴾ [الإسراء: ٥]، ﴿ وَلِيُنَِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء: ٧]. قال ابن الجوزي (٧): (١) زيادة من ( ب ) و( ط ) . (٢) المنتظم (١٠٦/٩)، الكامل في التاريخ (٢٨٠/١٠)، سير أعلام النبلاء (٣٧/٩)، النجوم الزاهرة (١٦٢/٥)، شذرات الذهب (٣٩٦/٣). (٣) زيادة من ( ب) و( ط ) . (٤) دفن أولا بداره ، ثم نقل في السنة التي تليها إلى مقابر الشهداء بباب حرب (تاريخ الإسلام ٧٠٦/١٠) (بشار). (٥) المنتظم (١٠٧/٩)، الكامل في التاريخ (٢٨٠/١٠). (٦) كذا الأصل والكامل (٢٨٣/١٠)، وفي (ط ) : ستين. (٧) المنتظم (١٠٨/٩).