النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
وفيات سنة ٤٧٠ هـ
البلد، وجلس الوزير للهناء ، ثمّ في يوم الأحد السادس والعشرين من (١) هذا الشهر ولد للخليفة ولد آخر
أبو محمد هارون .
قال ابن الجوزي(٢): وفيها : وَلِيَ تاج الدولة آرْسَلان الشام، وحاصر حلب، وحجّ بالناس في هذه
السنة الأمير مقطع الكوفة ختلغ ، وذكر ابن الجوزي : أن ابن جَهير كان عمل منبراً هائلاً لتقام عليه الخطبة
بمكّة ، فحين وصل إليها إذ الخطبة قد أعيدت للمصريين ، فكُسر ذلك المنبر وحُرق .
وممن توفي فيها من الأعيان :
أحمد بن محمد بن أحمد بن يعقوب بن أحمد أبو بكر [ اليَربُوعي] الرزاز المقرىء(٣) .
آخر من حدَّث عن أبي الحسين بن سمعون ، وقد كان ثقة ، متعبّداً حسن الطريقة ، كتب عنه
الخطيب ، وقال : كان صدوقاً . توفي في هذه السنة عن تسع وثمانين سنة ، رحمه الله تعالى .
أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله(٤) أبو الحسين بن النَّقُّور البزاز .
أحد المسندين المُعَمَّرين ، تفرّد بنسخ كثيرة عن ابن حَبَابة ، عن البغوي ، عن أشياخه ، كنسخة
هُدبة ، وكامل بن طلحة ، وعمر بن زرارة ، وأبي محمد البكري(٥)، وكان مكثراً متحرّياً ، وكان يأخذ
على إسماع حديث طالوت [ بن عَبَّاد ]٦) ديناراً، وقد أفتاه الشيخ أبو إسحاق الشيرازي بجواز أخذ الأجرة
على إسماع الحديث ، لاشتغاله به عن الكسب ، توفي عن تسع وثمانين سنة ، رحمه الله تعالى .
أحمد بن عبد الملك [ بن علي ] بن أحمد بن صالح المؤذِّن النيسابوري الحافظ(٧) .
(١) من قوله: يوم الأحد .. إلى هنا زيادة من (ب) و( ط).
(٢) المنتظم (٣١٢/٨).
تاريخ بغداد (٣٨١/٤)، المنتظم (٣١٣/٨).
(٣)
تاريخ بغداد (٤ /٣٨١)، المنتظم (٣١٤/٨)، الكامل في التاريخ (١٠٧/١٠)، سير أعلام النبلاء
(٤)
(٣٧٢/١٨)، شذرات الذهب (٣٣٥/٣).
(٥) في ( ط ) : السكن البكري ، وفي (ب): السكين البكري ، ولعل الصواب ما أثبتنا ، وهو أبو محمد عبد الله بن
مطيع المتوفى سنة ٢٣٧ هـ ( تاريخ الإسلام ٨٥٨/٥)، فهو من شيوخ البغوي وذكر الذهبي أن حديثه يقع عالياً.
على أن الذهبي ذكر في ترجمة ابن النقور هذا النص وذكر إضافة لنسخة هدية وكامل وعمر : نسخة طالوت ونسخة
مصعب الزبيري ( تاريخ الإسلام ٢٨٨/١٠) وسير أعلام النبلاء ١٨/ ٣٧٢) (بشار ).
(٦) في (ط): ((عبادة)) محرف، والصواب ما أثبتنا، وترجمته في تاريخ الإسلام (٨٤٢/٥) وهو أبو عثمان
الصير في البصري ( بشار ) .
(٧) تاريخ بغداد (٢٦٧/٤)، المنتظم (٣١٤/٨)، الكامل في التاريخ (١٠٨/١٠)، سير أعلام النبلاء
(٤١٩/١٨)، وفيه اسمه: أحمد بن عبد الملك بن علي بن أحمد بن عبد الصمد بن بكر . الشذرات
(٣٣٥/٣).

٢٠٢
وفيات سنة ٤٧٠ هـ
كتب الكثير ، وجَمع ، وصنّف ، وكتب عن ألف شيخ ألف حديث ، كان يعظ ويؤذِّن [ مات وقد ]
جاوز الثمانين .
عبد الله بن الحسن بن علي بن القاسم بن أبي محمد الخَلال(١) آخر من حدّث عن أبي حفص
الكتّاني(٢) ، وقد سمع الكثير ، وروى عنه الخطيب ووثّقه .
توفي عن خمس وثمانين سنة ، ودفن بباب حرب ، رحمه الله .
عبد الرحمن بن محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن إبراهيم(٣) أبو القاسم بن أبي عبد الله بن مندة
الإمام ابن الإمام .
سمع أباه وابن مَردوَيه ، وخلقاً في أقاليم شتّى سافر إليها ، وجمع شيئاً كثيراً ، وكان ذا وقار وسمت
حسن ، واتّباع للسنّة ، وفهم جيّد ، كثير الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، لا يخاف في الله لومة
لائم .
وكان سعد بن محمد الزَّنْجَاني يقول : حفظ الله الإسلام به وبعبد الله الأنصاري الهروي(٤) .
توفي ابن مَنْده هذا بأصبهان عن سبع وثمانين سنة ، وحضر جنازته خلق لا يعلمه إلا الله عز وجل ،
رحمه الله تعالى .
عبد الملك بن عبد الغفار(٥) بن محمد بن المظفّر بن علي (٦) أبو القاسم الهَمَذاني.
أحد الحفاظ الأولياء الفقهاء وكان يلقب بُنْجِير(٧)، وقد سمع الكثير [ وكان يكثر للطلبة ويقرأ
لهم ] ، وكانت وفاته بالريّ في هذه السنة ، ودفن إلى جانب إبراهيم الخواص .
(١) تاريخ بغداد (٤٣٩/٩)، المنتظم (٣١٤/٨)، سير أعلام النبلاء (٣٦٨/١٨)، شذرات الذهب (٣٣٦/٣)
وقد تصحفت فيه نسبته الخلال : إلى : الحلال ، وفي ( ط ) إلى : الحلالي .
(٢) تصحفت في ( ط ) إلى : الكناني.
(٣) المنتظم (٣١٥/٨)، الكامل في التاريخ (١٠٨/١٠)، طبقات الحنابلة (٢٤٢/٢)، سير أعلام النبلاء
(٣٤٩/١٨)، شذرات الذهب (٣٣٧/٣).
(٤) هو شيخ الإسلام ، أبو إسماعيل عبد الله بن محمد بن علي بن علي الهروي ، المتوفى سنة ٤٨١ هـ، وسترد ترجمته
في هذا الجزء .
(٥) في (ط): ((عبد الملك بن محمد بن عبد الغفار))، ولا يصح ، وما هنا من النسخ الخطية ، وهو الموافق لما في
مصادر ترجمته ، وينظر تاريخ الإسلام (٢٩٧/١٠) (بشار ).
(٦) المنتظم (٣٦٥/٨)، واسمه فيه: عبد الملك بن محمد بن عبد العزيز.
(٧) قيَّده الحافظ ابن حجر في الألقاب (١٣٣/١) فقال: بضم أوله وسكون النون وكسر الجيم وسكون التحتانية ثم
راء))، وتصحف في ( ط) إلى: ((بجير)) ( بشار).

٢٠٣
وفيات سنة ٤٧٠ هـ
الشريف أبو جعفر الحنبلي(١) : عبد الخالق بن عيسى بن أحمد بن محمد بن عيسى بن أحمد بن
موسى بن محمد بن إبراهيم(٢) بن عبد الله بن مَعْبَد بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي ، [ ابن أبي موسى
الحنبلي العباسي ٣٤) .
كان أحد الفقهاء العبّاد العلماء [ الزهّاد ] المشهورين بالدّيانة والفضل، والعبادة ، والقيام في الأمر
بالمعروف ، والنهي عن المنكر [ لا تأخذه في الله لومة لائم ] .
ولد سنة إحدى عشرة وأربعمئة ، واشتغل على القاضي أبي يعلى بن الفَرَّاء ، وزكّاه شيخه عند ابن
الدامغاني فقبله ثمّ ترك الشهادة بعد ذلك . وكان مشهوراً بالصلاح والديانة ، وحين احتضر الخليفة ،
القائم بأمر الله ، أوصى أن يغسّله الشريف أبو جعفر، وأوصى له بشيء [ كثير ومال ] جزيل فلم يقبل من
ذلك شيئاً ، [ وحين وقعت الفتنة بين الحنابلة والأشعرية بسبب ابن القشيري اعتقل هو في دار الخلافة
مكرَّماً معظّماً يدخل عليه الفقهاء وغيرهم ، ويقبّلون يده ورأسه ، ولم يزل هناك حتى اشتكى فأذن له في
المسير إلى أهله (٤) .
توفي في [ النصف من ] صفر(٥) هذه السنة، ودفن إلى جانب الإمام أحمد ، وقرىء عنده عشرة آلاف
ختمة من كثرة القراءة عليه ، رحمه الله تعالى .
محمد بن محمد(٦) بن عبد الله أبو الحسن البيضاوي .
أحد الفقهاء الشافعيين ، وتولى القضاء بربع الكرخ ، ودفن عند والده ، رحمه الله تعالى .
(١) المنتظم (٣١٥/٨)، ذيل طبقات الحنابلة (١٥/١)، سير أعلام النبلاء (٥٤٦/١٨)، شذرات الذهب
(٣٣٦/٣) .
(٢) اضطرب النسب في (ط) والنسخ، ففي (ط): ((عبد الخالق بن عيسى بن أحمد بن محمد بن إبراهيم))، وفي
النسخ ((عبد الخالق بن عيسى بن أحمد بن محمد بن عيسى بن محمد بن إبراهيم )) وكله غلط ، والصواب ما أثبتناه
من تاريخ الإسلام (٢٩٢/١٠) وسير أعلام النبلاء (٥٤٦/١٨) وغيرهما (بشار).
زيادة من ( ب ) و( ط ) .
(٣)
زيادة من ( ب ) و( ط ) .
(٤)
في ( ب ) : فتوفي عندهم ليلة الخميس النصف من صفر من هذه السنة ، ودفن .. ، وثمة اختلاف يسير في العبارة
(٥)
بين الأصل و( ب ) و( ط ) .
في بعض النسخ: (( محمد بن محمد بن محمد))، وهو خطأ . وقد تقدمت ترجمته في وفيات سنة ٤٦٨ من هذا
(٦)
الكتاب بأوسع مما هنا. وانظر تاريخ الخطيب (٤/ ٣٩٠ بتحقيقنا) والكامل في التاريخ (١٠٧/١٠)، وتاريخ
الإسلام (٢٦٩/١٠) (بشار).

٢٠٤
أحداث سنة ٤٧١ هـ ووفياتها
ثم دخلت سنة إحدى وسبعين وأربعمئة
فيها : ملك السلطان [ الملك المظفر تاج الملوك]١) تتش بن ألْب آرسَلان [ السلجوقي ]٢)
دمشق ، وقتل ملكها إقسيس [ وذلك أن إقسيس بعث إليه يستنجده على المصريين ، فلما وصل إليه لم
يركب لتلقّيه ، فأمر بقتله ، فقتل لساعته ، ووجد في خزائنه حجر ياقوت أحمر وزنه سبعة عشر مثقالاً ،
وستين حبة لؤلؤ ، كلّ حبة منها أزيد من مثقال ، وعشرة آلاف دينار ، ومئتي سرج ذهب وغير ذلك ، وقد
كان إقسيس هذا هو أتسز بن أوق (٣) الخُوارزمي، وكان يلقب بالملك المعظّم ، وكان من خيار الملوك
وأجودهم سيرة ، وأصحّهم سريرة ، أزال الرفض عن أهل الشام ، وأبطل الأذان بحيّ على خير العمل ،
وأمر بالترضّي عن الصحابة أجمعين . وعمر بدمشق القلعة التي هي معقل الإسلام بالشام المحروس ،
فرحمه الله ، وبلّ بالرحمة ثراه ، وجعل جنة الفردوس مأواه .
وفيها : عزل الوزير ابن جَهير بإشارة نظام الملك بسبب ممالاته على الشافعيّة ، ثمّ كاتب المقتدي
نظام الملك في إعادته ، [ فأعيد ولده ، وأطلق هو ]٤) .
وفيها : قَدِمَ سعد الدولة [ جوهر(٥) أميراً إلى بغداد ، وضرب الطبول على بابه في أوقات الصلوات ،
وأساء الأدب على الخليفة ، وضرب طوالات الخيل على باب الفردوس ؛ فكوتب السلطان بأمره ، فجاء
الكتاب من السلطان بالإنكار عليه ] . وحجّ بالناس في هذه السنة ختلغ التركي مقطع الكوفة .
وممن توفي فيها من الأعيان :
سعد بن علي بن محمد بن عليّ بن الحسين أبو القاسم الزَّنْجاني (٦) .
رحل إلى الآفاق ، وسمع الكثير ، وكان إماماً حافظاً ، متعبّداً ، ورعاً ، انقطع آخر عمره بمكّة ،
فكان الناس يتبرّكون بتقبيل يده . [ قال ابن الجوزي : ويقبّلون يده أكثر مما يقبّلون الحجر الأسود ]٧) .
(١) زيادة من (ب) و(ط). وفي نسخة ((تاج الدولة)).
(٢) زيادة من ( ب) و(ط ) .
(٣) في (ط): ((أوف))، محرف، وتكلمنا عليه فيما مضى (بشار).
(٤)
زيادة من ( ب) و( ط ) .
(٥)
في ( ط): ((جوهراً)) ولا يستقيم.
(٦) أنساب السمعاني في ((الزنجاني))، المنتظم (٣٢٠/٨)، تاريخ دمشق (٢٧٣/٢٠)، تاريخ الإسلام
(٣٢٧/١٠) (بشار).
(٧) زيادة من ( ب) و(ط ) .

٢٠٥
أحداث سنة ٤٧٢ هـ ووفياتها
سليم الحَوْريّ(١) [ نسبة إلى قرية ] ، من قرى دجيل.
كان عابداً ، زاهداً ، يقال : مكث مدّة يتقوّت كلّ يوم بزبيبة ، وقد سمع الحديث ، وقُرىء عليه ،
رحمه الله تعالى .
عبد الله بن سَبْعون (٢) أبو محمد(٣) الفقيه المالكي القيرواني ، توفي ببغداد ، ودفن بباب حرب .
ثم دخلت سنة ثنتين وسبعين وأربعمئة
فيها : ملك إبراهيم بن محمود بن مسعود بن [ محمود بن ] سُبُكْتِكين صاحب غزنة قلاعاً كثيرة
حصينة ، ثم عاد إلى بلاده سالماً غانماً .
وفيها : ولد الأمير أبو جعفر بن المقتدي بأمر الله ، وزُيَّنت له بغداد .
وفيها : ملك الموصل سيف الدولة مسلم بن قريش بن بدران [ العقيلي ] بعد وفاة أبيه .
وفيها : ملك منصور بن مروان بلاد ديار بكر بعد أبيه .
وفيها : أمر السلطان بتغريق ابن علان اليهودي ضامن البصرة ، وأخذ من ذخائره أربعمئة ألف دينار ،
وضمن خمارتكين البصرة بمئة ألف دينار ومئة فرس في كلّ سنة ، وقطعت خطبة المصريين بمكّة ،
وخطب فيها للمقتدي ، والسلطان ملك شاه السلجوقي .
[ وفيها : فتح عبيد الله بن نظام الملك تكريت .
وحجّ بالناس ختلغ التركي (٤) .
وممن توفي فيها من الأعيان :
عبد الملك بن الحسين(٥) بن أحمد بن خيران(٦) أبو نصر ، سمع الكثير ، وكان زاهداً عابداً يسرد
الصوم ، ويختم في كلّ ليلة ختمة ، رحمه الله .
(١) المنتظم (٣٢٠/٨)، الكامل في التاريخ (١١٢/١٠)، معجم البلدان (٣١٨/٢)، توضيح المشتبه (٥٣٣/٢)
ونسبته إلی حوری : من قری دُجیل ببغداد .
(٢) المنتظم (٣٢١/٨)، تاريخ الإسلام (٣٣٠/١٠)، وفي ( ط ): ابن شمعون: بالشين.
في (ط): ((أبو أحمد)) خطأ، وما هنا يعضده ما في المنتظم وتاريخ الإسلام (بشار).
(٣)
زيادة من ( ب ) و( ط ) .
(٤)
في (ط): ((الحسن))، محرف، وفي المنتظم: ((أحمد)) محرف أيضاً، وما أثبتناه يعضده ما في تاريخ الإسلام
(٥)
( بشار ) .
(٦) في (ط) والمنتظم: ((خيرون)) وهو تحريف، وهو مجود في تاريخ الإسلام للذهبي (٣٤٢/١٠). وقد اشتبه
عليهم بأبي القاسم عبد الملك بن الحسن بن خيرون الدباس أخي الحافظ أبي الفضل أحمد ، وأبو القاسم توفي في =

٢٠٦
أحداث سنة ٤٧٣ هـ
محمّد بن محمّد بن أحمد بن الحسين بن عبد العزيز بن مهران المُكْبَريّ(١).
سمع هلالا الحفار ، وابن رزقويه ، والحمامي(٢) وغيرهم ، وكان فاضلاً جيّد الشعر ، فمن شعره
قوله :
مضوا قُدُما٣ً) وفيمن خَلَّفونا
أطيل تفكّري في أيّ ناسٍ
ونحنُ من الخمولِ الميّتُونا
همُ الأحياءُ بعد الموت ذِكرا٤)
توفي في رمضان من هذه السنة ، وله تسعون(٥) سنة ، رحمه الله تعالى .
هَيَّاجِ بن عُبيد (٦) الحِطِّيني الشامي(٧)
سمع الحديث ، وكان أوحد زمانه زهداً وفقهاً واجتهاداً في العبادة ، أقام بمكّة مدّة يفتي أهلها ،
ويعتمر في كلّ يوم ثلاث مرات على قدميه ، ولم يلبس نعلاً مذ أقام بمكّة ، ويزور قبر رسول الله يَآلات مع
أهل مكّة ماشياً حافياً ، وكذلك يزور قبر ابن عباس بالطائف وكان لا يدّخر شيئاً ، ولا يلبس إلا قميصاً
واحداً ، ضربه بعض أمراء مكّة في بعض فتن الروافض ، فتشكّى أياماً ، ومات رحمه الله تعالى ، وقد نيف
على الثمانين سنة .
ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين وأربعمئة
وفيها : استولى تكش أخو السلطان ملك شاه على بعض خراسان .
وفيها : أذن للوعاظ في الجلوس ، وكانوا قد منعوا من وقت فتنة ابن القشيري .
ذي الحجة من سنة ٤٨٠، وترجمته في المنتظم (٣٩/٩ - ٤٠)، وإكمال ابن نقطة (٤٥٤/٢) وتاريخ الإسلام
=
للذهبي (١٠ / ٤٥٥)، وتوضيح المشتبه لابن ناصر الدين (٤٨٧/٣) وغيرها. (بشار).
(١) تاريخ بغداد (٢٣٩/٣)، المنتظم (٣٢٥/٨)، الكامل في التاريخ (١١٧/١٠)، سير أعلام النبلاء
(٣٩٢/١٨)، شذرات الذهب (٣٤٢/٣).
((والعكبري)): نسبة إلى عكبرا ، بضم العين المهملة، وفتح الباء الموحدة ، وقيل: بضمها، وهي بلدة على
دجلة فوق بغداد بعشرة فراسخ من الجانب الشرقي ، والنسبة إليها : عكبري ، عكبراوي . معجم البلدان
( ٤ / ١٤٢ ) .
(٢) ((الحمامي)): ساقط من (أ).
في المنتظم : عنا .
(٣)
في المنتظم : حقاً .
(٤)
في ( ب) و( ط ) : سبعون.
(٥)
(٦)
في (ط): ((عبد الله))، محرف، وما أثبتناه يعضده ما في مصادر ترجمته.
(٧) المنتظم (٣٢٦/٨)، معجم البلدان (٢/ ٢٧٣)، سير أعلام النبلاء (٣٩٣/١٨)، الشذرات (٣٤٢/٣).

٢٠٧
وفيات سنة ٤٧٣ هـ
وفيها : قبض على جماعة من الفتيان كانوا قد جعلوا عليهم رئيساً يقال له : عبد القادر الهاشمي ،
وقد كاتبوه من الأقطار ، كان الساعي له رجلاً يقال له : ابن رسول ، وكانوا يجتمعون عند جامع براثا ؛
فخيف من أمرهم أن يكونوا ممالئين للمصريين ، فأمر بالقبض عليهم (١).
وحجّ بالناس ختلغ في هذه السنة أيضاً .
وممن توفي فيها من الأعيان :
أحمد بن محمد بن عمر بن محمد بن إسماعيل (٢) أبو عبد الله بن الأخضر ، المحدّث .
سمع [ أبا ] علي بن شاذان ، وكان على مذهب الظاهريّة ، وكان كثير التلاوة حسن السيرة ، متقللاً
من الدنيا ، قنوعاً ، رحمه الله .
الصُّلَيْحِيّ(٣) المتغلّب على اليمن ، أبو الحسن ، علي بن محمد بن علي الملقّب بالصُّلَيْحيّ ، كان
أبوه قاضياً باليمن ، وكان سنّاً ، فنشأ هذا ، فتعلّم العلم ، وبرع في أشياء كثيرة ، وكان شيعيّاً على مذهب
القرامطة ، ثمّ كان يُدِلّ بالحجيج مدّة خمس عشرة سنة ، وكان قد اشتهر أمره وذِكره بين الناس أنّه سيملك
اليمن ، فنجم ببلاد اليمن بعد قتله نجاحاً صاحب تهامة ، واستحوذ على بلاد اليمن بكمالها في أقصر
مُدّة ، واستوثق له الملك بها في سنة خمس وخمسين ، وخطب للمستنصر العُبَيدي صاحب مصر ، فلما
كان في هذا العام خرج للحجّ في ألفي فارس ، فاعترضه سعيد بن نجاح بالمهجم في نفر يسير ، فقاتلهم
فقتل هو وأخوه ، واستحوذ سعيد بن نجاح على مملكته وحواصله ، ومن شعر الصُّلَيْحي هذا قوله :
أنْكَحتُ بيضَ الهندِ سُمْرَ رماحِهِمْ فَرؤوسُهُمْ عِوَض النَِّارِ نِثارُ
وكذا العُلا لا يُستباحِ نِكاحُها إلا بحيثُ تُطلَّقُ الأعمارُ
محمد بن الحسين(٤) بن عبد الله بن أحمد بن يوسف بن الشبل(٥) أبو علي الشاعر البغدادي .
أسند الحديث ، وله الشعر الرائق ، فمن ذلك قوله :
(١) من قوله: وفيها قبض .. إلى هنا ساقط من ( أ).
(٢) المنتظم (٣٢٧/٨).
(٣) المنتظم (١٦٥/٨)، الكامل في التاريخ (٣٠/١٠ و٥٥ - ٥٦)، وفيات الأعيان (٤١١/٣)، تاريخ اليمن
(٤٧)، سير أعلام النبلاء (٣٥٩/١٨)، النجوم الزاهرة (٥٨/٥، ٧٢)، شذرات الذهب (٣٤٦/٣).
قال ابن خلكان : الصليحي : بضم الصاد المهملة ، وفتح اللام ، وسكون الياء المثناة من تحتها ، وبعدها حاء
مهملة ، لا أعرف هذه النسبة إلى أي شيء هي ، والظاهر أنه رجل ، فقد جاء في الأسماء والأعلام : صُليح ،
ونسبوا إليه أيضاً .
(٤) المنتظم (٣٢٨/٨)، المستفاد من ذيل تاريخ بغداد (٥)، وتاريخ الإسلام (١٠/ ٣٥٧).
(٥) في ( ط ) : الشبلي.

٢٠٨
أحداث سنة ٤٧٤ هـ ووفياتها
لا تُظْهِرنّ لعَاذِلٍ أو عاذِرٍ حَالَيْكَ في السَّرَّاءِ والضّراءِ
في القلبِ مثلُ شماتَةِ الأعداءِ
فَلرحْمةِ المتَوجّعينَ مرارةٌ
وله أيضاً :
وَلِلحوادِثِ والأيّامِ ما يدعُ
يَفْنَى البخيلُ بِجَمْعِ المالِ مُدّتَه
وغيرها بالذي تبنيه ينتفع
كَدُودِ القَزِّ ما تبنيه يهدمها (١)
يوسف بن الحسن بن محمد بن الحسن (٢) أبو القاسم التَّفكّريّ(٣) ، من أهل زِنجان .
ولد سنة خمس وتسعين وثلاثمئة ، وتفقّه على مذهب الشافعيّ ، ودرس الفقه على الشيخ أبي إسحاق
الشيرازي ، وكان من أكبر تلامذته ، وكان عابداً ورعاً، خاشعاً كثير البكاء عند الذِّكر ، مقبلاً على
العبادة ، وكانت وفاته في هذه السنة وقد قارب الثمانين .
ثم دخلت سنة أربع وسبعين وأربعمئة
فيها : ولي أبو كامل منصور بن نور الدولة دُبيس ما كان يليه أبوه من الأعمال ، وخلع عليه السلطان
والخليفة .
وفيها : ملك شرف الدولة مسلم بن قريش حرّان ، وصالح صاحب الرُّها .
وفيها : فتح تتش بن ألب آرْسَلان صاحب دمشق مدينة أنطرطوس .
[ وفيها : أرسل الخليفة ابن جَهير إلى السلطان ملك شاه يتزوج ابنته فأجابت أمها بذلك ، بشرط أن
لا يكون له زوجة ، ولا سرية سواها ، وأن يكون سبعة أيام عندها ، فوقع الشرط على ذلك ]٤) .
وممن توفي فيها من الأعيان :
داود بن السلطان ملك شاه(٥)
وجد عليه أبوه وجداً عظيماً بحيث إنّه كاد أوْ هَمّ أن يقتل نفسه فمنعه الأمراء من ذلك ، وانتقل إلى غير
ذلك البلد ، وأمر النساء بالنوح عليه [ ولما وصل الخبر إلى بغداد ، جلس وزير الخليفة للعزاء ] .
(١) في ( ط ) : يخنقها .
(٢) المنتظم (٣٢٩/٨)، الكامل في التاريخ (١١٩/١٠)، توضيح المشتبه (٢٢٩/٤) وفيه سنة وفاته خمسمئة.
(٣)
تصحفت في ( ط ) إلى : العسكري .
(٤) زيادة من (ب) و(ط)، والخبر في الكامل في التاريخ (١٢٠/١٠).
(٥) المنتظم (٣٣٣/٨)، الكامل في التاريخ (١٢٢/١٠).

٢٠٩
وفيات سنة ٤٧٤ هـ
القاضي أبو الوليد الباجي (١) سليمان بن خلف بن سَعد بن أيوب التُّجيبيّ ، الأندلسي ، الباجي،
الفقيه المالكي .
أحد الحفاظ المكثرين في الفقه والحديث . سمع الحديث ، ورحل إلى بلاد الشرق سنة ست
وعشرين وأربعمئة ، فسمع هناك كثيراً ، واجتمع بأئمة ذلك الوقت ، كالقاضي أبي الطيّب الطبري ،
والشيخ أبي إسحاق الشيرازي ، وجاور بمكّة ثلاث سنين مع الشيخ أبي ذرّ الهرويّ ، وأقام ببغداد ثلاث
سنين أيضاً ، وبالموصل سنة عند أبي جعفر السّمناني قاضيها يأخذ عنه الفقه والأصول ، وسمع الخطيب
البغدادي ، وسمع منه الخطيب أيضاً ، وروى عنه هذين البيتين الحسنين :
إذا كنتُ أعلمُ علماً يقيناً بأنّ جميعَ حياتي كساعةً(٢)
وأجعلها في صلاحٍ وطاعَةْ
فَلِمْ لا أكونُ ضَنِيْنا٣ً) بِهَا
ثمّ عاد إلى بلدهِ بعد ثلاث عشرة سنة ، وتولّى القضاء هناك، ويقال : إنّه تولّى قضاء حلب أيضاً .
قاله ابن خلِّكان. قال: وله مصنفات عديدة، منها: (( المنتقى في شرح الموطأ))، و(( إحكام الفصول
في أحكام الأصول)) و(( الجرح والتعديل)) وغير ذلك . وكان مولده في سنة ثلاث وأربعمئة ، وتوفي
بالمَريَّة٤ُ) [ ليلة الخميس بين العشاءين ] التاسع والعشرين من رجب من هذه السنة .
أبو الأغرّ دُبَيْس بن علي بن مَزْيد(٥) ، الملقب نور الدين ، توفي في هذه السنة عن ثمانين سنة مكث
فيها أميراً نّفاً وستين سنة ، وقام بالأمر من بعده ولده أبو كامل : ولقّب : بهاء الدولة .
عبد الله بن أحمد بن رضوانٌ(٦) أبو القاسم البغدادي ، كان من الرؤساء ، ومرض بالشقيقة ثلاث
سنين ، فمكث في بيت مظلم لا يرى ضوءاً ، ولا يسمع صوتاً .
(١) ترتيب المدارك (٨٠٢/٤)، الصلة لابن بشكوال (٢٠٠/١)، المغرب (٤٠٤/١)، وفيات الأعيان
(٤٠٨/٢)، سير أعلام النبلاء (٥٣٥/١٨)، الوافي بالوفيات (١٢٩/١٣)، النجوم الزاهرة (١١٤/٥)،
نفح الطيب (١٧٣/٦)، شذرات الذهب (٣٤٤/٣).
(٢) في ( أ) : ساعة .
(٤) سقط اسم المدينة من (ط)، وفي (ب): الرقة. خطأ، و((المرية)): مدينة كبيرة من كورة إلبيرة من أعمال
(٣)
في ( ط ) : كضيف .
الأندلس . معجم البلدان ( ١١٩/٥).
(٥) المنتظم (٣٣٣/٨)، الكامل في التاريخ (١٢١/١٠)، وفيات الأعيان (٤٩١/٢)، سير أعلام النبلاء
(١٨ / ٥٥٧)، النجوم الزاهرة (١١٤/٥).
(٦) المنتظم (٣٣٣/٨)، الكامل في التاريخ (١٢٢/١٠) .

٢١٠
أحداث سنة ٤٧٥ هـ ووفياتها
ثم دخلت سنة خمس وسبعين وأربعمئة
فيها : قدم مؤيد الملك بن نظام الملك ، فنزل في مدرسة أبيه ، وضربت الطبول على بابه في أوقات
الصلوات الثلاث .
وفيها : نُفِّذَ الشيخ أبو إسحاق الشيرازي رسولًا إلى السلطان ملك شاه ، والوزير نظام الملك ، فكان
[ أبو إسحاق ] كلّما مرّ على بلدة خرج إليه أهلها يتلقَّونه بأولادهم ونسائهم، يتبرّكون به ، ويتمسَّحون
بركابه ، وربّما أخذوا من تراب حافر بغلته، ولما وصل إلى ساوَةُ(١) خرج إليه أهلها ، ومامرّ بسوق فيها
إلا نثروا عليه من لطيف ما عندهم ، حتى اجتاز بسوق الأساقفة ، فلم يكن عندهم إلا مداسات الصغار
فنثروها عليه ، فجعل الشيخ يتعجّب من ذلك .
وفيها : جددت الخطبة [ من جهة الخليفة ]٢) لبنت السلطان ملك شاه ، فطلبت أمها أربعمئة ألف
دينار ، ثمّ اتفق الحال على أن يكون خمسين ألف دينار للرضاع ، وأن يكون الصداق مئة ألف دينار .
[ وفيه: حارب السلطان أخاه تتش فأسره، ثمّ أطلقه، واستقرت يده على دمشق وأعمالها ]٣) وحج
بالناس ختلغ .
وممن توفي فيها من الأعيان :
عبد الوهاب بن محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن مَنْدَ(٤) أبو عمرو(٥) الحافظ .
من بيت الحديث ، رحل إلى الآفاق ، وسمع الحديث الكثير ، وتوفي بأصبهان في هذه السنة ،
رحمه الله تعالى .
ابن ماكولا٦) الأمير أبو نصر ، علي ابن الوزير أبي القاسم هِبَة الله بن علي بن جعفر بن علكان بن
(١) مدينة حسنة بين الري وهمذان في وسط ، بينها وبين كل واحد من همذان والري ثلاثون فرسخاً . معجم البلدان
( ١٧٩/٣) .
(٢) زيادة من ( ب ) و( ط ).
(٣) مدينة حسنة بين الري وهمذان في وسط ، بينها وبين كل واحد من همذان والري ثلاثون فرسخاً . معجم البلدان
( ١٧٩/٣ ) .
(٤) المنتظم (٣٠٩/٨)، الكامل في التاريخ (١٢٨/١٠)، سير أعلام النبلاء (١٨/ ٤٤٠)، شذرات الذهب
(٣٤٨/٣). وقد ورد اسمه في الأصل : عبد الوهاب بن محمد بن الحسين . ولم يتوافق ذلك مع مصادر ترجمته.
(٥) تحرفت في ( ط ) : إلى : عمر .
(٦) المنتظم (٥/٩)، الكامل في التاريخ (١٢٨/١٠)، وفيات الأعيان (٣٠٥/٣)، سير أعلام النبلاء
(٥٦٩/١٨)، النجوم الزاهرة (١١٥/٥)، شذرات الذهب (٣٨١/٣)، مقدمة كتاب الإكمال (٧/١ -٨).

٢١١
أحداث سنة ٤٧٦ هـ
محمد بن دُلف بن أبي دلف التميمي الأمير ، سعد الملك ، أبو نصر ، ابن ماكولا .
أحد أئمة الحديث وسادة الأمراء ، رحل وطوّف، وسمع الكثير، وصَنّف. له: (( الإكمال في
المشتبه من أسماء الرجال)) وهو كتاب جليل لم يُسبق إليه ، ولم يلحق فيه إلا ما استدركه عليه ابن نقطة في
كتاب سماه ((الاستدراك)).
قتله مماليكه بكرمان في هذه السنة ، وكان مولده في سنة عشرين وأربعمئة ، فعاش خمساً وخمسين
سنة .
قال ابن خلِّكان : وقيل : إنّه قتل في سنة تسع وسبعين ، وقيل : سنة خمس وثمانين ، وقيل : سنة
ستّ وثمانين(١) قال: وقد كان أبوه وزيراً للقادر بالله (٢) ، وعمّه عبد الله بن الحسين ولي قضاء بغداد ،
قال : ولا أدري لم سمي الأمير؟ إلا أن يكون منسوباً إلى جدّه الأمير أبي دلف ، وأصله من
جرباذقال(٣) ، وولد في عَكْبُرا في شعبان سنة إحدى وعشرين وأربعمئة ، قال : وقد كان الخطيب
البغدادي صنّف كتاب ((المؤتنف)) جمع فيه بين كتابي الدارقطني وعبد الغني بن سعيد في المؤتلف
والمختلف ، فجاء ابن ماكولا وزاد على كتاب الخطيب وسمّاه ((الإكمال))، وهو في غاية الإفادة [ ورفع
الالتباس والضبط ]، ولم يوضع مثله ، ولا يحتاج بعده إلى ذِكر فضيلة أخرى ، ففيه دلالةٌ على كَثْرةٍ
اطلاعه ، وضبطه وتحريره ، وإتقانه . ومن شعره قوله :
قَوِّضْ خِيامَكَ عن أرضٍ تُهانُ بها وجانبِ الذُّلَّ إن الذُّلَّ يُجتَنَبُ
وارحلْ إذا كانَ في الأوطانِ منقصةٌ فالمَنْدِلُ(٤) الرَّطْبُ في أوطانِهِ حَطَبُ(٥)
ثم دخلت سنة ست وسبعين وأربعمئة
فيها : عزل عميد الدولة بن جَهير عن وزارة الخلافة ، فسار بأهله وأولاده إلى السلطان ، وقصدوا
نظام الملك الوزير ، فعقد لولده فخر الدولة على بلاد ديار بكر ، فسار إليها بالخلع
(١) وترجمه الذهبي في وفيات سنة ٤٨٧ من تاريخه (١٠ / ٥٨١).
(٢) في ( ط ) : للقائم بأمر الله ، وكذلك في الوفيات .
في ( أ): باذقان. وجرباذقان، بالفتح ، والعجم يقولون : كرباذكان: بلدة قريبة من همذان بينها وبين الكرج
(٣)
وأصبهان ، كبيرة ومشهورة .
وجرباذقان أيضاً : بلدة بين استراباذ ، وجرجان من نواحي طبرستان. معجم البلدان ( ١١٨/٢).
(٤) ((المندل)): كمقعد: العود الرطب يتبخّر به. أو أجوده.
(٥) البيتان فى وفيات الأعيان (٣٠٦/٣)، سير أعلام النبلاء (١٨ / ٥٧٧) مع خلاف يسير .

٢١٢
وفيات سنة ٤٧٦ هـ
والكوسات(١) والعساكر، وأمر أن ينتزعها من يزيد بن مروان ، وأن يخطب لنفسه ، وأن يكتب اسمه على
السكّة ، فما زال حتى انتزعها من أيديهم ، وباد ملكهم على يديه كما سيأتي بيانه ، وسدّ وزارة الخلافة
أبو الفتح المظفّر ابن رئيس الرؤساء ، ثمّ عزل في شعبان ، واستوزر أبا شجاع محمد بن الحسين ،
ولقب : ظهير الدين .
وفي جمادى الأولى (٢) وَلَّى مؤيد الملك أبا سعيد عبد الرحمن بن المأمون المتولّي تدريس النظامية ،
بعد وفاة الشيخ أبي إسحاق الشيرازي ، رحمه الله .
وفيها : عصا أهل حرَّالُ(٣) على شرف الدولة مسلم بن قريش ، فحاصرها ففتحها وهدم سورها ،
وصلب قاضيها ابن جَلَبةُ(٤) ، وأثبته على السور .
وفي شوال قُتل أبو المحاسن بن أبي الرضا ، وذلك لأنّه وشى إلى السلطان في نظام الملك ، وقال :
سلِّمهم إليّ حتى أخلّص لك منهم ألف ألف دينار ، فعمل نظام الملك سماطاً هائلاً ، واستحضر غلمانه ،
وكانوا ألوفاً وشرع يقول للسلطان : هذا كلّه من أموالك، وما أوقفته من المدارس والربط فكلُّه شكره لك
في الدنيا ، وأجره لك في الآخرة [ وأموالي وجميع ما أملكه بين يديك، وأنا أقنع بمرقَّعة وزاوية ] ، فعند
ذلك أمر السلطان بقتل أبي المحاسن ، وكان حضيّاً عنده ، وخصّيصاً به ، وجيهاً لديه (٥) . وعزل أباه عن
كتابة الطغراء ، وولاها مؤيد الملك بن نظام الملك .
وحجّ بالناس في هذه السنة الأمير ختلغ التركي ، مُقطع الكوفة .
وممن توفي فيها من الأعيان :
الشيخ أبو إسحاق الشيرازي (٦) إبراهيم بن علي الشيرازي الفيروزآبادي ، وهي قرية من قرى فارس ،
وقيل : هي مدينة جور(٧) .
(١) ((الكوسات)): قطعتان من المعدن تمسك كل واحدة بيد وتضرب الواحدة بالأخرى.
(٢) في ( ط ) : الآخرة .
(٤) مفتي حران وقاضيها ، أبو الفتح، عبد الوهاب بن أحمد بن جَلَبة الحراني. ترجمته في الكامل في التاريخ
(٣)
في الأصل : خراسان . خطأ .
(١٢٩/١٠)، سير أعلام النبلاء (١٨/ ٥٦٠)، شذرات الذهب (٣٥٢/٣).
(٥) الخبر في المنتظم (٦/٩)، الكامل في التاريخ (١٣١/١٠).
(٦) المنتظم (٧/٩)، معجم البلدان (٣٨١/٣)، الكامل في التاريخ (١٣٢/١٠)، وفيات الأعيان (٢٩/١)،
طبقات السبكي (٢١٥/٤)، سير أعلام النبلاء (١٨/ ٤٥٣)، النجوم الزاهرة (١١٧/٥)، شذرات الذهب
(٣٤٩/٣) .
(٧) في ( ط ): خوارزم. خطأ . قال ياقوت في معجمه (٤/ ٢٨٣): فيروزآباذ : بالكسر ثم السكون وبعد الراء واو
ساكنة ثم زاي وألف وباء موحدة وآخره ذال معجمة ، بلدة بفارس قرب شيراز ، كان اسمها جور فغيّرها عضد =

٢١٣
وفيات سنة ٤٧٦ هـ
شيخ الشافعيّة ، ومدرّس النظامية ، ولد سنة ثلاث وتسعين وثلاثمئة وتفقّه بفارس على أبي عبد الله
البيضاوي ، ثمّ قدم بغداد سنة خمس عشرة وأربعمئة ، فتفقّه على القاضي أبي الطيّب الطبري ، وسمع
الحديث من ابن شاذان ، والبَرْقاني . وكان زاهداً ، عابداً ، ورعاً ، كبير القدر ، معظّماً ، محترماً ، إماماً
في الفقه ، والأصول والحديث ، وفنون كثيرة، وله المصنّفات الكثيرة النافعة. كـ((المهذّب)) [ في
المذهب]، و((التنبيه))، و((النكت))، و((الخلاف))، و((اللمع في أصول الفقه))، و(( التبصرة))،
و((المعونة))، و((طبقات الفقهاء)) وغير ذلك.
قلت: وقد ذكرت ترجمته مستقصاة في أول (( شرح التنبيه))، وقد كانت وفاته في جمادى الآخرة في
دار أبي المظفّر ابن رئيس الرؤساء ، وغسّله أبو الوفاء بن عقيل الحنبلي ، وصُلِّيَ عليه بباب الفردوس من
دار الخلافة ، وشهد الصلاة عليه المقتدي بأمر الله ، وتقدّم للصلاة عليه أبو الفتح المظفّر بن رئيس
الرؤساء - وكان نائب الوزارة - ثم صُلّي عليه مرة ثانية بجامع القصر ، ودفن بباب أبرز ، في تربة مجاورة
للتاجيّة ، رحمه الله . وقد امتدحه الشعراء في حياته وبعد وفاته ، وكان هو في نفسه له شعر رائق ، فمما
أنشده ابن خلِّكان من شعره قوله :
سألتُ الناسَ عن خِلِّ وفيٍّ فَقالُوا : ما إلى هذا سبيلُ
فإنّ الحرَّ في الدنيا قليلٌ
تمسَّكْ إِنْ ظَفِرتَ بودًا) حرِّ
قال ابن خلِّكان : ولمّا مات عمل الفقهاء عزاءه بالمدرسة النظاميّة ، وعين مؤيد الملك أبا سعد
المتولّي مكانه ، فلمّا بلغ الخبر إلى نظام الملك كتب يقول : كان من الواجب أن تغلق المدرسة سنة
لأجله ، وأمر أن يدرس الشيخ أبو نصر بن الصبّاغ .
طاهر بن الحسين بن أحمد بن عبد الله القَوَّاس (٢)
قرأ القرآن وسمع الحديث ، وتفقّه على القاضي أبي الطيّب الطبري ، وأفتى ودرّس ، وكانت له حلقة
بجامع المنصور للمناظرة والفتوى ، وكان ثقة ، ورعاً ، زاهداً ، لازم مسجده خمسين سنة ، وكانت وفاته
في هذه السنة عن ستّ وثمانين سنة ، ودُفن قريباً من الإمام أحمد ، رحمه الله .
محمّد بن أحمد بن محمّد بن إسماعيل (٣) أبو طاهر الأنْبَاري، الخطيب ، وكان يعرف بابن أبي الصقر.
الدولة ، وسمى مواضع أخرى بفيروزآباد .
=
(١) في (ط ) والوفيات : بذيل .
المنتظم (٨/٩)، سير أعلام النبلاء (٤٥٢/١٨)، شذرات الذهب (٣٥١/٣).
(٣) المنتظم (٩/٩) وذكر اسمه: ابن أبي السقر، والصحيح بالصاد. سير أعلام النبلاء (١٨ /٥٧٨)، الوافي
بالوفيات (٨٦/٢)، النجوم الزاهرة (١١٨/٥)، شذرات الذهب (٤٥٣/٣).
(٢)

٢١٤
أحداث سنة ٤٧٧ هـ
طاف البلاد ، وسمع الكثير ، وكان ثقةً ، صالحاً ، فاضلاً ، عابداً ، وقد سمع منه الخطيب
البغدادي ، وروى عنه مصنّفاته ، وتوفي بالأنبار في جمادى الآخرة عن نحو من مئة سنة .
محمد بن أحمد بن الحسين بن جَرْدة (١) أحد كبار الرؤساء ببغداد من ذوي الثروة والمروءة ، وكان ماله
يحزر بثلاثمئة ألف دينار ، وكان أصله من عكبرا ، فسكن بغداد [ وكانت له بها ] دار عظيمة [ تشتمل على
ثلاثين مسكناً مستقلاً (٢) فيها حمام وبستان ، ولها بابان ، وفي كلّ باب مسجد ، إذا أذن في أحدهما
لا يسمع من في الآخر لاتساعها [ وقد كانت زوجة الخليفة القائم حين وقعت فتنة البساسيري في سنة
خمسين وأربعمئة ، نزلت عنده في جواره ، فبعث إلى الأمير قريش بن بدران أمير العرب بعشرة آلاف
دينار ، ليحمي له داره جزاه الله خيراً ، وهو الذي بنى المسجد المعروف به ببغداد ] وقد ختم فيه القرآن
ألوف من الناس ، وكان لا يفارق زي التجّار ، وكانت وفاته في عاشر ذي القعدة من هذه السنة ودفن في
التربة المجاورة لتربة القزويني ، رحمه الله .
ثم دخلت سنة سبع وسبعين وأربعمئة
فيها : كانت الحرب بين فخر الدولة بن جَهير وبين ابن مروان صاحب ديار بكر ، فاستولى ابن جَهير
على ملك العرب ، وسبى حريمهم ، وأخذ البلاد ومعه سيف الدولة صَدقة بن منصور بن دُبَيْس بن
علي بن مَزْيَد الأسدي ، فافتدى خلقاً من العرب ، فشكره الناس على ذلك ، وامتدحه الشعراء عليه .
وفيها : بعث السلطان عميد الدولة بن جَهير في جيش كثيف ، معه قسيم الدولة آقسنقر جدّ بني أتابك
ملوك الشام والموصل ، [ فسارا ] إلى الموصل فملكوها .
وفي شعبان ملك سليمان بن قتلمش أنطاكية ، فأراد شرف الدولة مسلم بن قريش أن يستنقذها منه
فهزمه سليمان وقتله ، وكان مسلم هذا من خيار الملوك ، له سيرة حسنة ، وله في كلِّ قرية والٍ وقاض
وصاحب خبر [ وكان يملك من السِّنْديَّةُ(٣) إلى منبج ، وولي بعده أخوه إبراهيم بن قريش ، وكان مسجوناً
من سنين فأطلق ، ومَلَك }٤) .
وفيها : ولد السلطان سَنْجَر بن ملكشاه في العشرين من رجب بسنجار .
(١) وقع في بعض النسخ: ((جزرة))، وفي (ط): ((جرادة)) وكله تحريف؛ والصواب ما أثبتناه ، وترجمته في
المنتظم (٩/٩)، وتاريخ الإسلام للذهبي (٣٩٨/١٠) (بشار).
(٢) زيادة من ( ب) و( ط ).
((السِّندية)): قرية من قرى بغداد على نهر عيسى بين بغداد والأنبار. معجم البلدان ( ٢٦٨/٣).
(٣)
(٤) زيادة من (ب) و( ط ) .

٢١٥
وفيات سنة ٤٧٧ هـ
[ وفيها: عصا تكش أخو السلطان فأخذه السلطان فسمله وسجنه }(١).
وحجّ بالناس في هذه السنة الأمير خمارتكين الجستاني(٢) وذلك لشكوى الناس من شدّة سير ختلغ
التركي بهم ، وأخذ المكوسات منهم ، سار مرة من الكوفة إلى مكة في تسعة عشر يوماً .
وممن توفي فيها من الأعيان :
أحمد بن محمد بن دُوست
أبو سعد النيسابوري شيخ الصوفية .
له رباط بمدينة نيسابور يدخل من بابه الجمل براكبه ، وحجّ مرات على التجريد ، وحين انقطعت
طريق مكّة كان يأخذ جماعة من الفقراء ، ويتوصّل من قبائل العرب حتى يصل إلى مكة ، [ توفي في هذه
السنة وقد جاوز التسعين ] رحمه الله [ وأوصى أن يخلفه ولده إسماعيل ، فأجلس في مشيخة الرباط ]٤).
ابن الصَّبَّاغُ(٥) صاحب (( الشامل))، عبد السيّد بن محمّد بن عبد الواحد بن أحمد بن جعفر ، الإمام
أبو نصر بن الصَّبَّاغ .
ولد سنة أربعمئة وتفقّه ببغداد على أبي الطيِّب الطبري ، حتى فاق الشافعية بالعراق ، وصنّف
المصنفات المفيدة، منها كتابه (( الشامل في المذهب)) [ وهو أول من درّس بالنظامية ] ، وكانت وفاته في
هذه السنة ، ودفن بداره في الكرخ ، ثمّ نقل إلى باب حرب .
قال ابن خلِّكان : كان فقيه العراقيين ، وكان يقاس بالشيخ أبي إسحاق ، وكان ابن الصَّبَّاغ أعلم منه
بالمذهب، وإليه الرحلة، وقد صنّف ((الشامل في الفقه))، و((العدة في أصول الفقه))، وتولّى تدريس
النظامية أولًا، ثمّ عزل بعد عشرين يوماً، [ واستبدل ] بالشيخ أبي إسحاق ، فلما مات الشيخ
أبو إسحاق تولاها أبو سعد المتولّي ، ثم عزل بابن الصبّاغ ، وكان ثقةً حجةً صالحاً ، وأضرّ في آخر
عمره رحمه الله .
(١) زيادة من ( ب) و( ط).
(٢) في (ط): ((جماز بكر الحسنائي)) وفي (ب): ((الحذائي)) وكله تحريف ، وما أثبتناه يعضده ما في معجم
السفر للحافظ السلفي ، فقد ذكر أنه قرأ عليه بالمدينة النبوية ( الترجمة ١٢٢) ، ونقل الترجمة عنه الذهبي في تاريخ
الإسلام حيث ذكره في وفيات سنة ٤٩٩ منه (١/ ٨١٣) ( بشار ).
(٣) المنتظم (١١/٩)، الكامل في التاريخ (١٥٩/١٠)، تاريخ الإسلام (٤٣٧/١٠)، سير أعلام النبلاء
(١٨/ ٤٩١)، النجوم الزاهرة (١٢٤/٥)، شذرات الذهب (٣٦٣/٣)، وقد تحرفت دوست في (ط ) إلى:
دوبست . وقد ترجمه الذهبي ومن نقل منه في وفيات سنة ٤٧٩هـ .
(٤) زيادة من ( ب) و( ط ) .
(٥) المنتظم (١٢/٩)، الكامل في التاريخ (١٤١/١٠)، وفيات الأعيان (٢١٧/٣)، طبقات السبكي
(١٢٢/٥)، سير أعلام النبلاء (٤٦٤/١٨)، النجوم الزاهرة (١٩٩/٥)، شذرات الذهب (٣٥٥/٣).

٢١٦
أحداث سنة ٤٧٨ هـ
مسعود بن ناصر بن عبد الله بن أحمد بن إسماعيل (١) أبو سعد السِّجْزِيُ(٢) ، الحافظ .
رحل في الحديث ، وسمع الكثير ، وجمع الكتب النفيسة ، وكان حسن الخطّ صحيح النقل ،
حافظاً ، ضابطاً ، رحمه الله تعالى .
ثم دخلت سنة ثمان وسبعين وأربعمئة
في المحرم منها زلزلت أرَّجان ؛ فهلك خلق كثير من الناس ومواشيهم .
وفيها : كَثُرت الأمراض بالحمّى والطاعون بالعراق والحجاز والشام ، وتعقّب ذلك موت الفجأة ، ثمّ
ماتت الوحوش في البريّة ، ثمّ تلاهاموت البهائم ، حتّى عزّت الألبان واللّحمان، ومع هذا كلّه وقعت فتنة
عظيمة بين الروافض والسنة ، فقتل خلق كثير .
وفي ربيع الأول هاجت ريح سوداء ، وسفت رملاً ، وتساقطت أشجار كثيرة من النخيل وغيرها ،
ووقعت صواعق في البلاد حتى ظن الناس أن القيامة قد قامت ، ثمّ انجلى ذلك ، ولله الحمد .
وفيها : ولد للخليفة ولده أبو عبد الله الحسين ، وزُيِّنت بغداد ، وضُربت الطبول والبوقات وكثرت
الصدقات .
وفيها : استولى فخر الدولة بن جَهير على بلاد كثيرة منها : آمد وميَّافارقين ، وجزيرة ابن عمر ،
وانقرضت دولة بني مروان على يده في هذه السنة .
[ وفي ثاني عشر ] رمضان منها: قلّد أبو بكر محمد بن المظفّر الشامي(٣) قضاء القضاة ببغداد بعد
وفاة أبي عبد الله الدامغاني [ وخلع عليه في الديوان ] .
وحجّ بالناس الأمير ختلغ التركي [ وزار النبي وسخر ذاهباً وآيباً، قال: أظن أنّها آخر حجّتي ، وكان
كذلك .
وفيها: خرج توقيع الخليفة المقتدي بأمر الله بتجديد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كلّ محلّة،
وإلزام أهل الذمّة بلبس الغيار ، وكسر آلات الملاهي ، وإراقة الخمور ، وإخراج أهل الفساد من البلاد .
(١) المنتظم (١٣/٩) سير أعلام النبلاء (٥٣٢/١٨)، شذرات الذهب (٣٥٧/٣).
(٢) ((السجزي)): بكسر السين المهملة وسكون الجيم وفي آخرها زاي، هذه النسبة إلى سجستان - إحدى بلاد كابل -
على غير قياس ، والقياس : السجستاني . الأنساب (٧/ ٤٧) وقد تصحفت هذه النسبة في المنتظم إلى :
الشجري ، وفي (ط ) إلى : السجري .
(٣) ستأتي ترجمته في وفيات سنة ( ٤٨٨هـ) من هذا الكتاب . ( بشار ) .

٢١٧
وفيات سنة ٤٧٨ هـ
وممن توفي فيها من الأعيان :
أحمد بن محمد بن الحسن بن محمد بن إبراهيم(١) [ بن أبي أيوب ] ، أبو بكر الفَوْرَكي ، سبط
[ الأستاذ ] أبي بكر بن فُورَك .
استوطن بغداد ، وكان متكلُّماً يعظ الناس في النظامية ، فوقعت بسببه فتنة بين أهل المذاهب .
قال ابن الجوزي : وكان مؤثراً للدنيا على الآخرة ، لا يتحاشى من لبس الحرير ، وذكر أنّه كان يأخذ
مكس الفحم [ ويوقع العداوة بين الحنابلة والأشاعرة ] وكانت وفاته في هذه السنة ، وله نيف وستون
سنة ، ودفن إلى جانب قبر الأشعري بمشرعة الروايا٢) .
الحُسين(٣) بن علي(٤) أبو عبد الله المَرْدُوسي .
كان رئيس أهل زمانه ، وأكملهم مروءة ، وكان قد خدم في أيام بني بُوَيه ، وتأخّر إلى هذا الحين ،
وكانت الملوك تكاتبه وتعظّمه بعبده وخادمه(٥) وكان كثير الصدقة والصِّلات والبِرِّ ، وبلغ من العمر خمساً
وتسعين سنة [ وأعد لنفسه قبراً وكَفَناً قبل موته بخمس سنين ] ، رحمه الله .
أبو سعد المتولِّي(٦) عبد الرحمن بن المأمون بن علي ، أبو سعد المتولِّي .
مصنّف (( التتمة (٧) ، ومدرّس النظاميّة ، بعد الشيخ أبي إسحاق الشِّيرازي . وكان فصيحاً بليغاً ،
ماهراً بعلوم كثيرة . كانت وفاته في شوال من هذه السنة عن ثنتين وخمسين سنة ، رحمه الله ، وصلّى عليه
القاضي أبو بكر الشاشي ودفن بباب أبرز .
[ إمام الحرمين ]٨) عبد الملك ابن [ الشيخ أبي محمد عبد الله بن يوسف بن عبد الله بن يوسف بن
(١) المنتظم (١٧/٩)، تاريخ الإسلام (٤١٩/١٠).
(٢) في ( ط): ((الزوايا )) بالزاي، خطأ ( بشار).
في (ط): ((الحسن))، محرف، وما أثبتناه يعضده ما في المنتظم وتاريخ الإسلام (بشار).
(٣)
(٤)
المنتظم (١٧/٩)، تاريخ الإسلام (٤٢٠/١٠).
أي تكتب إليه : عبده وخادمه ، كما في المنتظم .
(٥)
(٦)
المنتظم (١٨/٩)، الكامل في التاريخ (١٤٦/١٠)، وفيات الأعيان (١٣٣/٣)، طبقات السبكي
(١٠٦/٥)، سير أعلام النبلاء (٥٨٥/١٨)، شذرات الذهب (٣٥٨/٣).
(٧) بهذا الكتاب تمم الإبانة لشيخه أبي القاسم الفوراني ، وقد تقدمت ترجمته مع وفيات سنة ٤٦١ من هذا الجزء .
(٨)
المنتظم (١٨/٩)، معجم البلدان (٩٣/٢)، الكامل في التاريخ (١٤٥/١٠)، وفيات الأعيان (١٦٧/٣)، طبقات
السبكي (١٦٥/٥)، سير أعلام النبلاء (٤٦٨/١٨)، النجوم الزاهرة (١٢١/٥)، شذرات الذهب (٣٥٨/٣).
(( والجويني)): بضم الجيم وفتح الواو وسكون الياء وفي آخرها النون ، نسبة إلى جوين ، وهي ناحية كبيرة من
نواحي نيسابور تشتمل على قرى كثيرة .

٢١٨
وفيات سنة ٤٧٨هـ
محمد ] بن حَيّويه ، أبو المعالي الجُويْني ، وجُوين : من قرى نَيْسابور ، الملقّب بإمام الحرمين لمجاورته
مگّة أربع سنين .
كان مولده في سنة تسع عشرة وأربعمئة . سمع الحديث وتفقّه على والده الشيخ أبي محمد الجويني ،
ودرّس بعده في حلقته ، وتفقّه على القاضي حسين ، ودخل [ بغداد وتفقّه ] بها ، وروى بها الحديث ،
وخرج إلى مكّة فجاور فيها [ أربع سنين ] ، ثمّ عاد إلى نيسابور فسُلِّم إليه التدريس والخطابة والوعظ ،
وصنّف (( نهاية المطلب في دراية المذهب))، و(( البرهان في أصول الفقه)) وغير ذلك في علوم شتّى،
واشتغل عليه الطَّلبة، ورحلوا إليه في الأمصار ، وكان يحضر مجلسه ثلاثمئة متفقّه ، وقد استقصيت
ترجمته في (( الطبقات)).
وكانت وفاته في الخامس والعشرين من ربيع الأول من هذه السنة عن سبع وخمسين سنة ، ودفن بداره
ثمّ نقل إلى جانب والده ، رحمه الله تعالى .
قال ابن خلِّكان : كانت أمُّه جارية اشتراها أبوه من كسب يده من النسخ وأمرها أن [ لا تدع أحداً ]
يرضعه غيرها ، واتفق أن امرأة دخلت عليهم فأرضعته مرة ، فأخذه الشيخ أبو محمّد [ فنكسه ] فوضع يده
على بطنه ، [ ووضع أصبعه في حلقه ] ولم يزل به حتى استقاء كلّ ما كان في بطنه من لبنها . قال : ربّما
حصل لإمام الحرمين في بعض مجالس المناظرة فتور [ ووقفة ] فيقول : هذا من آثار تلك الرضعة . قال :
ولما عاد من الحجاز إلى بلده نيسابور سلّم إليه المحراب والمنبر والخطابة والتدريس ، ومجلس التذكير
يوم الجمعة، وبقي ثلاثين سنة غير مزاحم ولا مدافع، وصنّف في كلّ فن، من ذلك (( النهاية)) التي
ما صنّ في الإسلام مثلها .
قال أبو جعفر الحافظ (١) : سمعت الشيخ أبا إسحاق الفيروزآبادي يقول لإمام الحرمين : يا مفيد
[ أهل ] المشرق والمغرب، أنت اليوم إمام الأئمّةِ. ومن تصانيفه: ((الشامل في أصول الدين))،
و((تلخيص التقريب))، و((الإرشاد)) و((العقيدة النظامية))، و((غياث الأمم))، و((غياث الخلق)) وغير
ذلك مما أتمّه ، ومما سمّاه ولم يتمّه ، قال: ولما مات في ربيع الآخر سنة ثمان وسبعين وأربعمئة صلّى
عليه ولده أبو القاسم ، وغلقت الأسواق ؛ وكسّر تلاميذه أقلامهم ومحابرهم - وكانوا أربعمئة - ومكثوا
کذلك سنة . وقد رثي بمراثٍ كثيرة ، فمن ذلك قول بعضهم :
قلوبُ العالمينَ على المقَالي وأيامُ الورى مثلُ(٢) الليالي
(١) هو أبو جعفر محمد بن أبي علي الهمذاني .
(٢) في ( ط ) : شبه .

٢١٩
وفيات سنة ٤٧٨ هـ
أيثمر غصنُ أهل العلم يوماً
وقد ماتَ الإمامُ أبو المعالي
محمد بن أحمد بن عبد الله بن أحمد(١) [ أبو علي ] ابن الوليد .
شيخ المعتزلة ، كان يدرّس لهم ، فأنكر ذلك أهل السنَّة عليهم ، فلزم بيته خمسين سنة ، إلى أن
توفي في ذي الحجة من هذه السنة ، ودفن في مقبرة الشونيزية ، وهذا هو الذي تناظر هو والشيخ
أبو يوسف القزويني المعتزلي المفسّر في إباحة الولدان في الجنّة ، [ وأن يباح لأهل الجنة وطء الولدان في
أدبارهم ] ، كما حكى ذلك ابن عقيل عنهما ، وكان حاضرهما . فمال هذا إلى إباحة ذلك لكونه مأمون
المفسدة هنالك ، وقال أبو يوسف : إن هذا لا يكون لهم [ لا في الدنيا ولا في الآخرة ] ومن أين لك أن
يكون لهم أدبار ؟ وهذا العضو إنما خلق في الدنيا مخرجاً للأذى [ لحاجة العباد إليه ] وليس في الجنة شيء
من ذلك [ وإنما فضلات أكلهم عرق يفيض من جلودهم ، فإذا هم ضمر فلا يحتاجون أن يكون لهم أدبار ]
فلا يكون لهذه المسألة صورة بالكلّية ، وقد روى هذا الرجل حديثاً واحداً عن شيخه أبي الحسين البصري
بسنده المتقدم ، من طريق شعبة ، عن منصور ، عن رِبْعي بن حِراش ، عن أبي مسعود البدري : أن
رسول الله وَ لي قال: ((إذا لم تستح فاصنع ما شئت)(٢). وقدرواه القَعْنبي، عن شعبة ، ولم يرو عنه
سواه . فقيل : لأنّه لما رحل إليه دخل عليه ، وهو يبول على البالوعة ، فسأله أن يحدِّثه ، فروى له هذا
الحديث كالواعظ له ، والتزم أن [ لا ] يحدثه بغيره ، وقيل : لأن شعبة مرّ على القَعْنبي قبل أن يشتغل
بعلم الحديث ، وكان إذ ذاك يعاني الشراب ، فسأله أن يحدثه فامتنع ، فسلّ سكِّينا ، وقال : إن لم
تحدثني ، وإلا قتلتك ، فحدّثه ، فتاب وأناب ولزم مالكاً ، ثم فاته السماع من شعبة ، فلم يتفق له غير هذا
الحديث .
أبو عبد الله الدّامَغَاني(٣) [ القاضي ]، محمد بن علي ( بن محمد (٤) بن الحسين بن عبد الملك بن
(١) المنتظم (٩/ ٢٠)، الكامل في التاريخ (١٤٥/١٠)، المغني في الضعفاء (٥٤٨/٢) ، سير أعلام النبلاء
(٤٨٩/١٨)، الوافي بالوفيات (٨٤/٢٠)، النجوم الزاهرة (١٢١/٥)، شذرات الذهب (٣٦٢/٣).
(٢) في سند هذا الحديث ثلاثة ضعفاء : أبو علي ابن الوليد المترجم ، وشيخه أبو الحسين البصري ، وشيخ شيخه هلال
الرأي ، أما متن الحديث فصحيح من طريق آخر ، فهو عند البخاري ( ٦١٢٠)، وأبي داود ( ٤٧٩٧) وابن ماجه
( ٤١٨٣) .
(٣) تاريخ بغداد (١٠٩/٣)، المنتظم (٢٢/٩)، الكامل في التاريخ (١٤٦/١٠)، سير أعلام النبلاء
(٤٨٥/١٨)، الفوائد البهية (١٨٢)، الوافي بالوفيات (٣٩/٤)، النجوم الزاهرة (١٢١/٥)، شذرات
الذهب (٣٦٢/٣).
ونسبته إلى دامغان : بفتح الدال وسكون الألف ، وفتح الميم والغين المعجمة وسكون الألف وبعدها نون ، وهي
بلدة كبيرة بين الري ونيسابور . معجم البلدان ( ٢/ ٤٣٣ ) .
(٤) ما بين الحاصرتين لابد منه اتفقت عليه جميع المصادر ( بشار) .

٢٢٠
وفيات سنة ٤٧٨ هـ
عبد الوهاب بن حموية (١) الدّامغاني ، الحنفي ، قاضي القضاة ببغداد .
مولده في سنة ثمان وتسعين وثلاثمئة ، وتفقّه ببلده ، ثمّ قدم بغداد في سنة ثماني عشرة وأربعمئة ،
فتفقّه بها على أبي عبد الله الصَّيمَري ، وأبي الحسن القُدوري ، وسمع الحديث منهما ومن ابن النقور
والخطيب وغيرهم . وبرع في الفقه ، وكان له عقل وافر ، وتواضع زائد ، وانتهت إليه رئاسة الفقهاء ،
وكان فَصيح العبارة ، وكان فقيراً في ابتداء طلبه [ عليه أطمار رثَّة ] ثمّ صارت إليه الرئاسة والقضاء بعد ابن
ماكولا في سنة تسع وأربعين ، وكان القائم بأمر الله يكرمه ، والسلطان طُغْرُلْبَك يعظّمه ، وباشر الحكم
ثلاثين سنة في غاية السيرة الحسنة ، والأمانة والديانة ومرض أياماً يسيرة ، ثمّ توفي في الرابع والعشرين
، ثمّ نقل إلى مشهد أبى حنيفة ،
(٢)
من رجب من هذه السنة وقد ناهز الثمانين ، ودفن بداره بدرب القلایین
رحمه الله تعالى .
محمد بن علي بن المطّلب(٣) أبو سعد الأديب.
كان قد قرأ النحو واللّغة والأدب والسير وأخبار النّاس، ثمّ أقلع عن ذلك كلّه، وأقبل على كثرة
الصَّلاة والصَّدقة والصوم إلى أن توفي في هذه السنة عن ست وثمانين سنة ، رحمه الله تعالى .
محمد بن أبي طاهر العبّاسي(٤) يعرف بابن الرجيحي(٥) ، تفقه على ابن الصبّاغ ، وناب في الحكم ،
وكان محمود الطريقة ، شهد أولاً عند ابن الدامغاني فقبله .
مَنْصور بن دُبَيْس بن علي بن مَزْيَد٦) أبو كامل ، الأمير بعد سيف الدولة صدقة .
[ كان كثير الصلاة والصدقة ] ، توفي في رجب هذه السنة ، وقد كان له شعر وأدب وفضيلة ، فمن
شعره قوله :
إذا(٧) أنا لم أحْمل عظيماً ولم أَقُدْ لُهاماً ولم أصبر على كلِّ معظَمٍ
(١) في السير : حَسّوية ، وفي الوافي : حسنوية ، وثمة اختلاف يسير في أسماء آبائه في المصادر ، وما هنا موافق لما
في النجوم الزاهرة .
(٢)
في ( ط ) : العلايين ، خطأ.
(٣)
المنتظم (٢٤/٩)، سير أعلام النبلاء ( ١٨ / ٤٩٠).
(٤)
المنتظم (٢٤/٩).
هكذا في النسخ، وفي المنتظم: ((المرجي))، ولعل الصواب: ((الرخجي)).
(٥)
المنتظم (٢٥/٩)، الكامل في التاريخ (١٥٠/١٠)، تاريخ الإسلام (٤٥٠/١٠). وقد ذكره المؤلف في
(٦)
وفيات هذه السنة متابعة منه لابن الجوزي في المنتظم . أما ابن الأثير والذهبي فذكرا وفاته في التي بعدها ( بشار ) .
(٧) في ( ط ) والكامل : فإن .