النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ أحداث سنة ٤٦٤ هـ سرّ إذا ذاعتِ الأسرارُ لم يُذَعِ بيني وبينَكَ ما لو شئتَ لم يضِعِ ليَ الحياةُ بحظّي منه لم أبِعِ يا بائعاً حظّه مني ولو بُذِلتْ وولِّ أقبلْ، وقُلْ أسمخ ، ومُر أطِعٍ تِهْ أحتملْ ، واستطلْ أصبرْ ، وِزَّ أهُنْ توفي في رجب من هذه السنة ، واستمرّ ولده أبو بكر وزيراً للمعتمد بن عبّاد ، حتى أخذ ابن تاشفين قرطبة من يده في سنة أربع وثمانين فقتل يومئذ ، قاله ابن خلّكان في ((الوفيات (١) . كريمة بنت أحمد بن محمد بن أبي حاتم المَرْوَزِيَّةُ(٢) كانت عالمة صالحة، سمعت (( صحيح البخاري)) على الكُشْمِيهَني، وقرأ عليها الأئمة : كالخطيب ، وأبي المظفّر السَّمعاني وغيرهما . ثم دخلت سنة أربع وستين وأربعمئة فيها : قام الشيخ أبو إسحاق الشيرازي مع الحنابلة في الإنكار على المفسدين ، والذين يبيعون الخمور ، وفي إبطال المواخير(٣) [ وفي إبطال المؤَاجرات ] ، وهنّ البغايا ، وكوتب السلطان في ذلك فجاءت کتبه بالإنكار . وفيها : كانت زلزلة عظيمة ببغداد ، ارتجّت لها الأرض ستّ مرات . وفيها : كان غلاء شديد ، ومُوتان ذريع [ في الحيوانات ] ، بحيث إن بعض الرعاة بخراسان قام وقت الصباح ليسرح بغنمه فإذا هنّ قد متن كلّهنّ ، وجاء سيل عظيم ، وبَرَد كبار . فأتلف شيئاً كثيراً من الزروع والثمار بخراسان . وفيها : تزوج الأمير عُدَّة الدين ، ولي العهد المقتدي بالله ، حفيد القائم بأمر الله بابنة السلطان ألْب آرْسلان سفري خاتون ، وذلك بنيسابور وكان وكيل السلطان نظام الملك ، ووكيل الزوج عميد الدولة ابن جَهير ، وحين عقد العقد نثر على الناس جواهر نفيسة ، وكان يوماً مشهوداً ، زُيِّنت الأفيلة والخيول ، وضُربت الدبادب ، والبوقات . (١) وفيات الأعيان (١٣٩/١). (٢) المنتظم (٢٧٠/٨)، الكامل في التاريخ (٦٩/١٠)، سير أعلام النبلاء (٢٣٣/١٨)، شذرات الذهب (٣١٤/٣) ونسبتها إلى مرو الشاهجان ، وهي مرو العظمى ، أشهر مدن خراسان، والنسبة إليها مروزي على غير قیاس . معجم البلدان ( ١١٢/٥ ). (٣) ((المواخير)): جمع ماخور: بيت الريبة والخمر ، ومجمع أهل الفسق والفساد . ١٨٢ وفيات سنة ٤٦٤ هـ ـ أحداث سنة ٤٦٥ هـ وممن توفي فيها من الأعيان : بكر بن محمد بن حِيْد(١) أبو منصور النيسابوري . كان يزعم أنَّه من سلالة عثمان بن عفان ، وروى الحديث عن أبي بكر بن المُذْهب ، وكان ثقة ، توفي في المحرّمُ(٢) من هذه السنة [وقد قارب الثمانين ] . محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن عبد الصمد بن المهتدي بالله أبو الحسن الهاشمي(٣) خطيب جامع المنصور . وكان ممن يلبس القلانس الطوال ، حدّث عن ابن زرقويه وغيره ، وروى عنه الخطيب . وكان عدلاً ثقة ، شهد عند ابن ماكولا . وابن الدامغاني فقبلاه ، وتوفي في هذه السنة عن ثمانين سنة ، ودفن بقرب قبر بشر الحافي ، رحمه الله تعالى . محمد بن أحمد بن شَاده بن جعفر(٤) أبو عبد الله الأصفهاني ، القاضي بدُجيل . كان شافعيّ المذهب ، وروى المذهب عن أبي عمر(٥) بن مهدي ، وكانت وفاته ببغداد ، ونقل إلى دُجيل [ من عمل واسط ] . ثم دخلت سنة خمس وستين وأربعمئة في يوم الخميس حادي عشر المحرّم ، حضر إلى الديوان أبو الوفاء علي بن محمد بن عقيل [ العقيلي ] الحنبلي، وقد كتب على نفسه كتاباً يتضمّن توبته من الاعتزال، ومخالطة أهله، وأنّه رجع عن اعتقاد كون الحلاج من أهل [ الحق و] الخير، وقد رجع عن الجزء الذي عمله في ذلك ، وأنَّه قد قتل بإجماع علماء عصره [ على زندقته ]، وقد كانوا مصيبين [ في قتله وما رمَوه به ] وهو مخطىء ، وشهد عليه جماعة من الكُتَّاب ، ورجع من الديوان إلى دار الشريف أبي جعفر ، فسلّم عليه ، وصالحه ، واعتذر إليه وعظّمه ، ولله الحمد والمنّة . (١) تاريخ بغداد (٩٧/٧)، والمنتظم (٢٧٤/٨)، سير أعلام النبلاء (٢٥٢/١٨) وحيد ، تحرف في المنتظم إلى : حيدر ، وفي ( ط ) إلى : حيده . (٢) في السير : في صفر . تاريخ بغداد (٣٥٦/٧)، المنتظم (٢٧٤/٨)، الكامل في التاريخ (٧٢/١٠)، سير أعلام النبلاء (٢٣٨/١٨)، (٣) وكنيته في الكامل : أبو الحسين . (٤) المنتظم (٢٧٥/٨)، تاريخ الإسلام (٢١٠/١٠)، وقد تحرفت كلمة شاذة في ( ط ) إلى شارة ، بالراء. (٥) في ( ط ) : عمرو ، خطأ. ١٨٣ وفاة السلطان ألب آرسلان وملك ولده ملك شاه وفاة السلطان ألب آرْسَلان وملك ولده ملك شاه من بعده كان السلطان قد سار في أول هذه السنة في مئتي ألف مقاتل يريد غزاة بلاد ما وراء النهر ، فاتفق في بعض المنازل أنّه تغضَّب على رجل يقال له : يوسف الخُوارزمي ، فأوقف بين يديه ، فشرع يعاتبه في أشياء صدرت منه ، ثمّ أمر بأن يضرب له أربعة أوتاد ، ويُصْلب بينها ، فقال للسطان : يا مخنّث أمثلي يقتل هكذا ؟ فاحتدّ السلطان ، وأمر بإرساله ، وأخذ القوس فرماه بسهم فأخطأه ، وأقبل يوسف نحو السلطان ، فنهض عن السرير [ خوفاً منه ] ، فنزل فعثر فوقع ، وأدركه يوسف فضربه بخنجر كان في يده في خاصرة الملك ، وأدركه الجيش فقتلوه ، وقد جرح السلطان جرحاً منكراً ، فتوفي يوم السبت عاشر ربيع الأول من هذه السنة . ويقال : إن أهل بخاري لما اجتاز بهم ، ونهب عامةُ عسكره أشياء كثيرة لهم ، دعَوا عليه فهلك . ولما توفي أجلس ولده ملكشاه على سرير الملك ، وقام الأمراء بين يديه ، فقال له الوزير نظام الملك : تكلّم أيّها السلطان ، فقال : الأكبر منكم أبي ، والأوسط أخي ، والأصغر ابني ، وسأفعل معكم ما لم أسبق إليه . فأمسكوا ، فأعاد القول ، فأجابوه بالسمع والطاعة ، وقام بأعباء أمره الوزير لأبيه نظام الملك ، فزاد في أرزاق الجند سبعمئة ألف دينار ، وساروا إلى مرو فدفنوا بها السلطان ألب آرْسَلان ، وسيأتي ذكر شيء من ترجمته في الوفيات . ولمّا بلغ خبر وفاته بغداد ، أقام الناس له العزاء ، وغُلِّقت الأسواق ، وأظهر الخليفة الجزع عليه ، وتسلّبت ابنته الخاتون زوجة الخليفة (١) ، وجلست على التراب . وجاءت الكتب من السلطان ملك شاه في رجب إلى الخليفة ، يتأسّف فيها على والده ، ويسأل أن تقام له الخطبة [بالعراق ] ففعل ذلك، وخلع ملك شاه على الوزير نظام الملك خلعاً سنّة وأعطاه تحفاً كثيرة ، من جملة ذلك عشرون ألف دينار ، ولقّبه أتابك [ الجيوش ] ، ومعناه : الأمير الكبير الوالد ، فسار سيرة حسنة ، ولمّا بلغ قارون (٢) بيك موت أخيه ألب آرسلان ، ركب في جيوش كثيرة قاصداً قتال ابن أخيه ملك شاه ، فالتقيا فاقتتلا ، فانهزم أصحاب قارون ، وأسر هوَ ، فأنَبه ابن أخيه ، ثمّ اعتقله [ ثمَّ أرسل إليه من قتله ] . وفيها : جرت فتنةٌ عظيمة بين أهل الكرخ وباب البصرة والقلائين ، فاقتتلوا ، فقتل منهم خلق كثير (١) في (ب) و( ط ): وخلعت ابنة السلطان زوجة الخليفة ثيابها. والصحيح أنها أخت السلطان وليست ابنته. (٢) كذا الأصل، وفي ( ط) والوفيات (٢٨٤/٥): قاروت، وفي الكامل (٧٨/١٠) والمنتظم (٢٧٧/٨): قاورت بتقديم الواو على الراء . ١٨٤ وفيات سنة ٤٦٥ هـ واحترق جانب كبير من الكرخ ، فانتقم المتولّي لأهل الكرخ من أهل باب البصرة والآخرين ، فأخذ من أموالهم شيئاً كثيراً جناية لهم على ما صنعوا . وفيها : أقيمت الدعوة العباسية ببيت المقدس . وفيها : ملك صاحب سمرقند وهو [ محمد ] ألتكين مدينة ترمز ، وفيها : حجّ بالناس أبو الغنائم العلوي ، والله أعلم . وممن توفي فيها من الأعيان : السلطان ألب آرْسَلانُ(١) الملقب بسلطان العالم ، ابن جغْري بك (٢) داود بن ميكائيل بن سُلْجوق بن تُقاق (٣) التركيّ ، صاحب الممالك المتَّسعة . وقد ملك بعد عمّه طُغْرُلْبَك سبع سنين وستة أشهر وأياماً . وكان عادلاً يسير في الناس سيرة حسنة ، كريماً رحيماً ، شفوقاً على الرعيّة ، رفيقاً على الفقراء ، باّاً بأهله وأصحابه ومماليكه ، كثير الدعاء بدوام ما أُنعم به عليه ، كثير الصدقات ، يتصدّق في كلّ رمضان بخمسة عشر ألف دينار ، ولا يُعرف في زمانه جناية ، ولا مصادرة ، بل يقنع من الرعايا بالخراج في قسطين ، رفقاً بهم ، كتب إليه بعض السُّعاة في نظام الملك [ وزيره ، وذكر ما له في ممالكه]، فاستدعاه ، وقال له : إنْ كان هذا صحيحاً ؛ فهذّب أخلاقك ، وأصلح أحوالك ، وإن لم يكن صحيحاً ؛ فاغفر لهم زلّتهم بمهمٍّ يَشغلهم عن السعايات بالناس . وكان شديد الحرص على حفظ مال الرعايا ، بلغه أن غلاماً من غلمانه أخذ إزاراً لبعض التجار فصلبه ، فارتدع سائر المماليك به خوفاً من سطوته . وترك من الأولاد : ملك شاه الذي قام بالأمر من بعده ، وإياز ، وتكش(٤) ، وبوري برس ، وآرسلان ، وآرغو ، وسارة ، وعائشة ، وبنتاً أخرى . وكانت وفاته في هذه السنة عن إحدى وأربعين سنة ، ودفن عند والده بالريّ ، رحمه الله تعالى . (١) المنتظم (٢٧٦/٨)، الكامل في التاريخ (٦٣/١٠ - ٧٥)، وفيات الأعيان (٦٩/٥)، سير أعلام النبلاء (٤١٤/١٨)، الوافي بالوفيات (٣٠٨/٢)، النجوم الزاهرة (٩٢/٥)، شذرات الذهب (٣١٨/٣). قال ابن خلّكان : وألب آرسلان ، بفتح الهمزة وسكون اللام وبعدها باء موحدة وبقية الاسم معروفة ، وهو اسم تركي معناه شجاع أسد ، فألب : شجاع ، وآرسلان : أسد . (٢) في ( أ) : ابن جفري بك بن داود . خطأ . (٣) قال الذهبي في السير (٢٤٣/١٨): وجدهم تقاق ، تفسيره : قوس حديد ، فكان أول من أسلم من الترك من السلجوقية . (٤) في ( ط ) : تكشر . ١٨٥ وفيات سنة ٤٦٥ هـ أبو القاسم القُشَيريّ(١) [ صاحب ((الرسالة)) ] عبد الكريم بن هَوازِن بن عبد الملك(٢) بن طلحة. وأمّه من بني سليم ، توفي أبوه ، وهو طفل ، فقرأ الأدب والعربيّة ، وصحب الشيخ أبا علي الدّقاق ، وأخذ الفقه عن أبي بكر بن محمد الطُّوسي ، والكلام عن أبي بكر بن فُورَك ، وصنّف الكثير ، فله : ((التفسير الكبير))، و((الرسالة)) التي ترجم فيها جماعة من المشايخ والصالحين، وحجّ صحبة إمام الحرمين وأبي بكر البَيْهَقي الحافظ ، وكان يعظ النّاس ، وتوفي بنيسابور في هذه السنة عن سبعين سنة ، ودفن إلى جانب شيخه أبي علي الدّقاق ، ولم يدخل أحد من أهل بيته بيت كتبه ، إلا بعد سنين احتراماً له ، وكانت له فرس يركبها ، وقد أهديت إليه ، فلمّا توفي لم تأكل علفاً حتى نفقت بعده بيسير ، فماتت ، ذكره ابن الجوزي . وقد أثنى عليه القاضي ابن خلِّكان في (( الوفيات)) [ ثناءً ] كثيراً، وذكر شيئاً من شعره الرّائق ، فمن ذلك قوله : وثَغْرُ الهوى في رَوضَةِ الأنْسِ ضاحِكُ سَقَى اللهُ وقتاً كنتُ أخلُو بِوَجْهِكُمْ وأصْبَحْتُ يوماً والجُفُونُ سَوافِكُ أقمنَ(٣) زَماناً والعيونُ قريرةٌ وقوله أيضاً ، رحمه الله تعالى : وشهدتَ حينَ فِراقنا٤) التوديعا لو كنتَ ساعةً بيننا ما بينا أيقنتَ أنَّ من الدموع محدِّثاً وعلمتَ أنَّ من الحديثِ دُمُوعا ومن ذلك قوله أيضاً : ومنْ كانَ في طولِ الهوى ذاقَ سَلْوةً فإنّيَ من ليلى بها٥) غير ذائقٍ أمانيَ لم تصدق كخطفةٍ بارِقٍ وأكبر(٦) شيءٍ نلتُه من وِصالِها (١) تاريخ بغداد (٨٣/١١)، الأنساب (١٥٦/١٠)، المنتظم (٢٨٠/٨)، الكامل في التاريخ (٨٨/١٠)، وفيات الأعيان ( ٢٠٥/٣)، سير أعلام النبلاء (٢٢٧/١٨)، النجوم الزاهرة (٩١/٥)، طبقات السبكي (١٥٣/٥)، طبقات المفسرين للداوودي (٣٣٨/١)، شذرات الذهب (٣١٩/٣). والقشيري ، بضم القاف وفتح الشين وسكون الياء وفي آخرها راء ، هذه النسبة إلى قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة ، قبيلة كبيرة . (٢) في بعض النسخ: (( عبد المطلب)) وهو خطأ بيّن. (٣) في الوفيات والسير : أقمت . في بعض النسخ : تكرر . (٤) في ( ط ) : لها . (٥) (٦) في ( ط) : وأكثر . ١٨٦ و فیات سنة ٤٦٥ هـ ابن صُرّبَعْر الشاعر(١) اسمه عليّ بن الحسن (٢) بن علي بن الفضل، أبو منصور الكاتب المعروف: بابن صُرّبَعْر . وكان نظام الملك يقول له : أنت صُرَّدُرّ ، لا صُرّبَعْر . وهجاه بعضهم فقال : فسمّوهُ من شحّه صُرَّبَعْر(٣) لئن نَبَذ الناسُ قِدماً أباكَ عُقوقاً له ، وتسمّيه شِعرا فإنّك تنشر(٤) ما صَرَّهُ قال ابن الجوزي : وهذا ظلم فاحش ، فإن شعره في غاية الحسن ، ثمّ أورد له قِطَعاً حساناً من شعره فمن ذلك قوله : إيهِ أحاديثَ نُعمانَ وسَاكنَهُ إِنَّ الحديثَ عن الأحبابِ مختارُ(٥) أفتِّش الريحُ(٦) عنكم كلَّما نَغَمت من نحو أرضكمُ مِسْكٌ(٧) ومعطار(٨) قال: وقد حفظ القرآن، وسمع الحديث من ابن بشرال(٩) وغيرهما، وحدّث كثيراً ، وركب يوماً دابة فتردّى عنها هو ووالدته [ فسقطا بالشُّونيزيّة (١٠) في بئر فماتا، ودفنا في باب أبرز(١)، وذلك في صفر من هذه السنة . [ قال ابن الجوزي (١٢): قرأت بخط ابن عقيل، صُرَّبَعْر: جارنا١٣) بالرصافة ، وكان ينبذ الإلحاد . (١) المنتظم (٨/ ٢٨٠)، الكامل في التاريخ (٨٨/١٠)، وفيات الأعيان (٣٨٥/٣)، سير أعلام النبلاء (٣٠٣/١٨)، النجوم الزاهرة (٩٤/٥)، شذرات الذهب (٣٢٢/٣). (٢) في بعض النسخ: ((الحسين))، محرف. (٣) في الكامل : فسمّوه من شعر صرّبعرا. في المنتظم : تنبذ بالصبر بعرا . وفي الكامل : تنظم اصره . (٤) (٥) في ( ط ) والمنتظم : أسمار . (٦) في المنتظم : الركب . (٧) في الأصل : مسكاً . في ( ط ) مسكاً فأرضكم مسك أو إعطار . (٩) تحرفت في (ط ) إلى : شيران . (٨) (١٠) الشونيزية : مقبرة ببغداد بالجانب الغربي دفن فيها جماعة من الصالحين ، وهناك خانقاه للصوفية . وفي السير: وقع به الفرس في زُبية للأسد ، فهلكا معاً . (١١) في (ط): ((بيرر)) وفي (ب): ((تبريز)) وكله تحريف ، وما أثبتناه هو الصواب ، ومقبرة باب أبرز من مقابر الجانب الشرقي من بغداد ، وطبيعي أن يدفن فيها ، فهو من أهل الرصافة التي تقع في الجانب الشرقي ( بشار ) . (١٢) المنتظم (٢٨٢/٨). (١٣) كذا الأصل ، وفي المنتظم : خازناً. ١٨٧ أحداث سنة ٤٦٦ هـ ــ صفة غرق بغداد وقد أورد له ابن خلِّكان (١) شيئاً من أشعاره ، وأثنى عليه في فنّه ، والله أعلم بحاله ] . محمد بن علي بن محمد بن عُبيد الله(٢) بن عبد الصمد بن المهتدي بالله(٣) أبو الحسين ، ويعرف بابن الغريق (٤) . ولد سنة سبعين وثلاثمئة ، وسمع الدّار قطني ، وهو آخر من حدّث عنه في الدنيا ، وابن شاهين ، وتفرّد عنه وسمع خلقاً آخرين . وكان ثقة ديِّناً كثير الصلاة والصيام ، فكان يقال له : راهب بني هاشم . وكان غزير العلم والعقل ، كثير التِّلاوة ، رقيق القلب ، رحل إليه الطلبة من الآفاق ، ثمّ ثَقُل سمعه ، فكان يقرأ على الناس ، وذهبت إحدى عينيه ، خطب وله ست عشرة سنة ، وشهد عند الحكام [ سنة ست وأربعمئة ، وولي الحكم سنة تسع وأربعمئة ، وأقام خطيباً بجامع المنصور وجامع الرصافة ستاً وسبعين سنة وحكم ] ستاً وخمسين سنة ، وتوفي سلخ ذي القعدة من هذه السنة ، وقد جاوز تسعين سنة ، وكان يوم جنازته يوماً مشهوداً ، ورؤيت له منامات صالحة . ثم دخلت سنة ست وستين وأربعمئة في صفر ، جلس الخليفة جلوساً عاماً [وعلى رأسه حفيده الأمير عدة الدّين، أبو القاسم عبد الله(٥)] وعمره يومئذ ثماني عشرة سنة [ وهو في غاية الحسن، وحضر الأمراء والكبراء ] ، فعقد الخليفة بيده لواء السلطان ملك شاه [وكثر الزحام يومها، وهنَّ الناس بعضهم بعضاً بالسلامة ] ، وكان يوماً مشهوداً . صفة غرق بغداد في هذه السنة وفي جمادى الآخرة ، جاء مطر عظيم ، وسيلٌ قوي كثير ، وزادت دجلة حتى غرَّقت جانباً كبيراً من بغداد ، وحتى خلص ذلك إلى دار الخلافة ، فخرجت الجواري حاسرات [ عن وجوههن ] حتى صرن إلى الجانب الغربي ، وهرب الخليفة من مجلسه ، فلم يجد طريقاً يسلكه ، فحمله بعض الخدم إلى التاج ، (١) وفيات الأعيان (٣٨٥/٣ -٣٨٦). (٢) في (ط): ((عبد الله)) خطأ بيّن، وما أثبتناه هو الموافق لما في مصادر ترجمته ( بشار). (٣) تاريخ بغداد (١٠٨/٣)، المنتظم (٢٨٣/٨)، الكامل في التاريخ (٨٨/١٠)، سير أعلام النبلاء (١٨ /٢٤١)، الوافي بالوفيات (١٣٧/٤)، شذرات الذهب (٣٢٤/٣). (٤) تصحفت في ( ط) إلى : العريف. (٥) في (ط) بعد هذا: (( ابن المهتدي بالله)) وهو غلط محض فهو عبد الله بن محمد ابن الخليفة القائم ، وهو المقتدي بأمر الله فيما بعد ( بشار ) . ١٨٨ وفيات سنة ٤٦٦ هـ وكان ذلك يوماً عظيماً، [ وأمراً هائلاً ]، وهلك للناس أموال عظيمة جداً ، ومات خلق كثير تحت الردم ، من أهل بغداد والقرايا ، وجاء على وجه السيل من الأخشاب والوحوش والحيّات شيء كثير جداً ، وسقطت دور كثيرة من الجانبين ، وغرقت قبور كثيرة ، من ذلك مقبرة الخيزران ، ومقبرة الإمام أحمد بن حنبل ، ودخل الماء من شبابيك البيمارستان العَضُدي ، وأتلف السيل من الموصل شيئاً كثيراً ، وصدم .(١) سور سنجار ، فهدمه وأخذ بابه من موضعه إلى مسيرة أربعة فراسخ . وفي ذي الحجَّة جاءت ريح شديدة بالبصرة ، فاجْتُثَّ منها نحو من خمسة (٢) آلاف نخلة . وممن توفي فيها من الأعيان : أحمد بن محمد بن أحمد (٣) أبو الحسين السّمْنانيّ ، الأشعري الحنفي ، قال ابن الجوزي : وهذا من الغريب . تزوّج قاضي القضاة ، أبو عبد الله الدامغاني ابنته ، وولاء نيابة القضاء ، وكان ثقة نبيلاً ، من ذوي الهيئات ، جاوز الثمانين . عبد العزيز بن أحمد بن علي بن سليمان أبو محمد الكتّاني (٤) الحافظ الدمشقي . سمع الكثير ، وكتب كثيراً ، وصنّف ، فأجاد وأفاد ، وله في الفضائل أشياء كثيرة غريبة ، وبعض ما يرويه موضوع ، ولا ينبّه عليه ، مع أنّه كان ثقة ضابطاً ، حافظاً ، صدوقاً ، مستقيم الطريقة والاعتقاد ، سلفي المذهب [ وقد كان يملي من حفظه ] ، وقد كتب عنه الحافظ أبو بكر الخطيب . محمد بن إبراهيم بن علي بن إبراهيم بن جعفر(٥) أبو بكر العطّار ، الأصبهاني الحافظ ، مستملي أبي نعيم . سمع الكثير ، وكان يملي من حفظه ، كتب عنه الخطيب حديثاً واحداً ، وكان عظيماً في بلده ثقة نبيلاً جليلاً ، وكانت وفاته في هذه السنة ، رحمه الله تعالى . (١) المنتظم (٢٨٤/٨)، الكامل في التاريخ (٩٠/١٠). (٢) في ( ط ) : عشرة. (٣) تاريخ بغداد (٣٨٢/٤)، المنتظم (٢٨٧/٨)، الكامل في التاريخ (٩٣/١٠) ، سير أعلام النبلاء (٣٠٤/١٨)، الجواهر المضية (٢٥٤/١). والسمناني : بكسر السين أو فتحها ، نسبة إلى سمنان ، قرية بالعراق. معجم البلدان ( ٢٥١/٣). (٤) الإكمال (١٨٧/٧)، المنتظم (٢٨٨/٨)، الكامل في التاريخ (٩٣/١٠)، تاريخ الإسلام (٢٣٤/١٠)، سير أعلام النبلاء ( ٢٤٨/١٨)، شذرات الذهب (٣٢٥/٣). (٥) تاريخ بغداد (٤١٧/١)، المنتظم (٢٨٨/٨)، سير أعلام النبلاء (٣٨٨/١٨)، الوافي بالوفيات (٣٥٥/١)، النجوم الزاهرة (٩٧/٥)، شذرات الذهب (٣٢٥/٣) ولم ترد هذه الترجمة في ( ط ). ١٨٩ أحداث سنة ٤٦٧ هـ ـ صفة موت الخليفة القائم بأمر الله الماورديّة: ذكر ابن الجوزي (١) أنّها كانت عجوزاً صالحة ، من أهل البصرة ، تعظ النساء بها ، وكانت تكتب وتقرأ ، ومكثت خمسين سنة من عمرها لا تفطر نهاراً ، ولا تنام ليلاً ، وتقتات بخبز الباقلاء ، وتأكل التين اليابس لا الرطب ، وشيئاً يسيراً من العنب والزبيب ، وربّما أكلت من اللحم اليسير ، وحين توفيت تبع كلّ البلد جنازتها ، ودفنت في مقابر الصالحين . ثم دخلت سنة سبع وستين وأربعمئة في صفر منها مرض الخليفة القائم بأمر الله مرضاً شديداً [ انتفخ منها حلقه، وامتنع من الفصد ، فلم يزل الوزير فخر الدولة عليه حتى ] افتصد ، فصلح الحال [ وكان الناس قد انزعجوا ] ، وفرح الناس بعافيته . وجاء في هذا الشهر سيل عظيم ، [ قاسى الناس منه شدة عظيمة ، ولم تكن أكثر أبنية بغداد تكاملت من الغرق الأول ، فخرج الناس إلى الصحراء ، فجلسوا على رؤوس التلال تحت المطر . ووقع وباءٌ عظيم بالرحبة ] ، فمات من أهلها قريب من عشرة آلاف ، وكذلك وقع بواسط ، والبصرة ، وخوزستان ، وأرض خراسان ، وغيرها . صفة موت الخليفة القائم بأمر الله افتصد في آخر يوم من رجب من بواسير كانت تعتاده من عام الغرق ، ثمّ نام بعد ذلك فانفجر فصاده فاستيقظ ، وقد سقطت قوّته ، وحصل الإياس منه ، فاستدعى بحفيده ، ووليّ عهده من بعده عدّة الدين أبي القاسم عبد الله بن محمد بن القائم ، وأحضر إليه القاضي والنقباء ، وأشهدهم عليه ثانياً بولاية العهد له من بعده فشهدوا . ثمّ كانت وفاته في منتصف شعبان عن أربع وسبعين(٢) سنة ونصف ، وكانت مدة خلافته أربعاً وأربعين سنة ونصف (٣) ، فلم يبلغ أحد من العباسيين قبله هذه المدة ، وقد جاوزت خلافة أبيه قبله أربعين سنة، فكان مجموع أيامهما خمساً وثمانين سنة ونصف، وذلك مقارباً لدولة بني أميّة كلّها . وقد كان القائم بأمر الله جميلاً مليح الوجه ، أبيض ، مشرباً [ بحمرة ] فصيحاً ، ورعاً، زاهداً، أديباً ، كاتباً ، بليغاً ، كما تقدّم [ شيء من ] شعره بحديثةٍ عانة سنة خمسين ، وكان عادلاً كثير الإحسان إلى الناس ، رحمه الله تعالى . (١) المنتظم (٢٨٩/٨). (٢) كذا الأصل، والكامل في التاريخ (٩٤/١٠) وفي ( ط): وتسعين. (٣) كذا الأصل، وفي ( ط ): وثمانية أشهر. وفي الكامل : وثمانية أشهر وأياماً . ١٩٠ خلافة المقتدي بأمر الله وغسّله الشريف أبو جعفر بن موسى الحنبلي ، عن وصيّة الخليفة بذلك . فعُرض على الشريف أبي جعفر ما هنالك من الأثاث والأموال فلم يقبل منه شيئاً ، وصُلِّي على الخليفة ، ودفن عند أجداده ، ثمّ نقل إلى الرَّصافة ، فقبره يزار إلى الآن. [ وغُلِّقت الأسواق لموته ، وعلِّقت المسوح ، وناحت عليه نساء الهاشميين وغيرهم ، وجلس الوزير ابن جَهِير وابنه للعزاء على الأرض وخرق الناس ثيابهم ، وكان يوماً عصيباً ، واستمرّ الحال كذلك ثلاثة أيام ] . وقد كان من خيار بني العبّاس ، ديناً ، واعتقاداً ، ودَولةً ، وقد امتحن من بينهم بفتنة البساسيري التي اقتضت إخراجه من داره ، ومفارقة أهله وأولاده ، فأقام بحديثة عانة سنة كاملة ، ثمَّ أعاد الله نعمته عليه ، وخلافته إليه ، كما قال الشاعر : فأصبحوا قد أعاد الله نعمتَهم إذ هم قريش ، وإذْ ما مثلهم بشر [ وقد تقدم له في ذلك سلف صالح كما قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَمَنَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِّهِ، جَسَدًّا ثُمَّ أَنَبَ ﴾ [ص : ٣٤] وقد ذكرنا ملخّص ما ذكره المفسّرون في سورة (( صّ))، وبسطنا الكلام عليه في هذه القصّة العباسيّة ، والفتنة البساسيرية ، في سنة خمسين ، وإحدى وخمسين وأربعمئة ] . خلافة المقتدي بأمر الله وهو أبو القاسم عدّة الدين عبد الله ابن الأمير ذخيرة الدّين محمد ابن الخليفة القائم بأمر الله عبد الله بن القادر العباسي ، وأمّه أرمنّة ، واسمها أرجوان ، وتدعى قرّة العين ، أدركت خلافة ولدها هذا ، وخلافة ولديه من بعده ، المستظهر ، والمسترشد ، [ وقد كان أبوه توفي وهو في الحمل ، فحين ولد ذكراً ، فرح به جدُّه والمسلمون فرحاً شديداً ، إذ حفظ الله على المسلمين بقاء الخلافة في البيت القادري ، لأن من عداهم كانوا يتبذّلون في الأسواق ، ويختلطون مع العوام ، وكانت القلوب تنفر من تولية أولئك الخلافة على الناس ، ونشأ هذا في حجر جدّه القائم بأمر الله ، يربِيه بما يليق بأمثاله ، ويدرّبه على أحسن السجايا ، ولله الحمد ] . وكان عمر المقتدي حين ولي الخلافة عشرين سنة ، وهو في غاية الجمال خَلقاً وخُلُقاً ، وكانت بيعته يوم الجمعة الثالث عشر من شعبان من هذه السنة ، جلس في دار الشجرة بقميص أبيض ، وعمامة بيضاء [ لطيفة، وطرحة قصب أدرية ] وجاء الوزراء والأمراء ، والأشراف ووجوه الناس ، فبايعوه ، فكان أول من بايعه الشريف (١) أبو جعفر بن أبي موسى الحنبلي ، وأنشده قول الشاعر : (١) في بعض النسخ: ((بعد الشريف))، ولا يصح، ومن هنا من (ط). ١٩١ خلافة المقتدي بأمر الله إذا سَيِّدٌ مِنَّا مضَى قَامَ سَيِّدٌ ثم أرتِجَ عليه ، فلم يدر ما بعده ؛ فقال الخليفة : قَؤُول بما قالَ الكِرَامُ فَعُولُ وبايعه من شيوخ العلم : الشيخ أبو إسحاق الشيرازي ، والشيخ أبو نصر الصّاغ الشافعيان ، والشيخ أبو محمد التميمي الحنبلي ، وبرز فصلّى بالناس العصر ، ثمّ بعد ساعة أخرج تابوت جده ، بسكون ووقار ، من غير صراخ ، ولا نوح ، فصلّى عليه ، وحُمل إلى المقبرة . وقد كان المقتدي بالله شهماً ، شجاعاً ، أيامُه كلُّها مباركة ، والرزق دارٌّ، والخلافة معظّمة جداً ، وتصاغرت الملوك له [ وتضاءلوا بين يديه ]، وخُطِبَ له بالحرمين ، وبيت المقدس ، والشاميّات كلّها ، واسترجع المسلمون الرُّها ، وأنطاكية [ من أيدي العدوّ ] ، وعمّرت بغداد ، وغيرها من البلاد ، واستوزر ابن جَهير [ ثمّ أبا شجاع، ثم أعاد ابن جَهير ] ، وقاضيه ابن الدامغاني، ثمّ أبو بكر الشاشيّ ، وهؤلاء [ مِنْ ] خيار القضاة والوزراء ، ولله الحمد. وفي شعبان أخرج المفسدات من الخواطىء وغيرها من بغداد على حُمُراتٍ [ وأمرهن أن ] ، ينادين على أنفسهنّ بالعار والفضيحة ، وخرّب [ الخمَّارات، ودور الزواني ، والمغاني ، وأسكنهن الجانب الغربي مع الذلّ والصغار ] ، وخرّب أبرجة الحمام [ ومنع اللعب بها ، وأمر الناس باحتراز عوراتهم في الحمّامات ، ومنع أصحاب الحمامات ] أن يصرفوا فضلاتها إلى دِجلة ، وألزمهم بحفر آبار لتلك المياه القذرة ، صيانة لماء الشرب . وفي شوّال ، وقعت نار في أماكن متعدّدة ببغداد حتى في دار الخلافة ، فأحرقت شيئاً كثيراً من الدور والدكاكين ، ووقع في واسط حريق في تسعة أماكن ، واحترق فيها أربعة وثمانون داراً ، وستة خانات [ وأشياء كثيرة ] . وفيها : عمل الرصد للسلطان ملك شاه ، اجتمع عليه جماعة من أعيان المنجّمين ، وأنفق عليه أموالٌ كثيرة ، وبقي الرّصد دائراً حتى مات السلطان ، فبطل(١). وفي ذي الحجّة أعيدت الخطبة بمكة للمصريين ، وقُطعت خطبة العباسيين ، وذلك لمّا قوي أمر صاحب مصر بعدما كان ضعيفاً بسبب غلاء بلده ، فلما رخصت تراجع الناس إليها ، وطاب العيش بها ، وقد كانت الخطبة العباسيّة بمكّة أربع(٢) سنين وخمسة أشهر ، وستعود على ما كانت على ما سيأتي بيانه في موضعه . (١) الكامل في التاريخ (٩٨/١٠ ). (٢) في ( ط): أربعين سنة، وهذا خطأ. الكامل في التاريخ (٩٨/١٠). ١٩٢ وفيات سنة ٤٦٧ هـ وفي هذا الشهر انجفل أهل السواد من شدّة الوباء ، وقلّة ماء دجلة ونقصها . وحجّ بالناس الشريف أبو طالب الحسين بن محمد الزَّينبي ، وأخذ البيعة للخليفة المقتدي [ بالحرمين ] . وممن توفي فيها من الأعيان : الخليفة القائم بأمر الله(١) وقد ذكرنا شيئاً من ترجمته عند وفاته . الدَّاوودي (٢) راوي (( صحيح البخاري))، عبد الرحمن بن محمد بن المظفَّر بن محمد بن داود ، أبو الحَسَن(٣) بن أبي طلحة الدّاوودي. ولد سنة أربع وسبعين وثلاثمئة ، سمع الكثير ، وتفقّه على الشيخ أبي حامد الإسفراييني وأبي بكر القفّال، وصحب أبا علي الدّقاق، وأبا عبد الرحمن السُّلَمي، وكتب الكثير ، ودرّس وأفتى وصنّف ، ووعظ الناس ، وكانت له يد طولى في النظم والنثر ، وكان مع ذلك كثير الذّكر ، لا يفتر لسانه عن ذكر الله تعالى ، دخل عليه الوزير نظام الملك وجلس بين يديه ، فقال له الشيخ: إنّ الله قد سلّطك على عباده ، فانظر كيف تجيبه إذا سألك عنهم ، وكانت وفاته ببوشنج(٤) من هذه السنة ، وقد جاوز التسعين ، ومن شعره الجيد قوله : كانَ في الاجتماعِ بالناسِ نورٌ ذهبَ النّور وادْلَهَمَّ الظَّلامُ فَسَدَ الناسُ والزمانُ جميعاً فعَلَى النّاسِ والزَّمانِ السَّلامُ أبو الحسن ، علي بن الحسن بن علي بن أبي الطيّب البَاخَرْزِيُ(٥) الشاعر المشهور . اشتغل بالعلم أولًا على أبي محمد الجُويني ، ثمّ عدل إلى الكتابة والشعر ففاق أقرانه ، وله ديوان شعر في غاية الجودة والصنعة ، فمن شعره قوله : (١) وللاستزادة فترجمته في: تاريخ بغداد (٢٩٩/٩)، المنتظم (٨/ ٥٧ و٢٩٥)، الكامل في التاريخ (٤١٧/٩) و(١٠ /٩٤)، سير أعلام النبلاء (٣٠٧/١٨)، فوات الوفيات (٢/ ١٥٧)، النجوم الزاهرة (٤/٥ -١١ و ٩٧ - ٩٨)، تاريخ الخلفاء (٤١٧)، معجم الأسرات الحاكمة (٤). (٢) المنتظم (٢٩٦/٨)، الكامل في التاريخ (١٠/ ١٠١) وقد جعل وفاته سنة ثمان وستين وأربعمئة ، فوات الوفيات (٢٩٥/٢)، سير أعلام النبلاء (٢٢٢/١٨)، شذرات الذهب (٣٢٧/٣). (٣) في بعض النسخ: (( الحسين)) خطأ، وما هنا يعضده ما في مصادر ترجمته. ((بوشنج))، بالشين المعجمة، بليدة نزهة خصبة في واد مشجر من نواحي هراة. معجم البلدان (١/ ٥٠٨) وقد (٤) ذكر ياقوت المترجم وأورد له شعراً يخاطب فيه أبا حامد الإسفراييني ببغداد . (٥) معجم البلدان ٣١٦/١، معجم الأدباء (٣٣/١٣ - ٤٨، وفيات الأعيان ٣٨٧/٣ - ٣٨٩، تاريخ الإسلام (٢٥٢/١٠)، سير أعلام النبلاء ٣٦٣/١٨، وهو صاحب ((دمية القصر)) المطبوع عدة طبعات. ١٩٣ أحداث سنة ٤٦٨ هـ عقاربُها في وَجْتَيك نجومُ وإني لأشكو لَسْعَ أصداغك التي فكيف يُديمُ الضحكَ وهو يتيمُ وأبكي لدرِّ الثّغرِ منكَ ولي أبٌ ثم دخلت سنة ثمان وستين وأربعمئة قال ابن الجوزي (١) : جاء جراد في شعبان بعدد الرّمل والحصا ، فأكل الغلات ، وآذى أكثر الناس ، وجاعوا فطحن الناس الخرّوب(٢) بدقيق الدخن فأكلوه ، فوقع الوَباء ، ثمّ منع الله تعالى الجراد من الفساد ، فكان يمرّ ولا يضرّ ، فرخصت الأسعار . قال : ووقع غلاء شديد بدمشق ، واستمرّ ثلاث سنين . وفيها : ملك نصر بن محمود بن صالح بن مرداس مدينة منبج ، وأجلى عنها الروم . وفي هذه السنة : ملك الأقسيس مدينة دمشق ، وهزم عنها المعلَّى بن حيدرة نائب المستنصر العُبيدي إلى مدينة نابلس ، وخطب فيها للمقتدي ، وقطعت خطبة المصريين عنها إلى الآن ، وذلك في ذي القعدة في هذه السنة ، فاستدعى المستنصر نائبه فحبسه عنده إلى أن مات في السجن ، ولله الحمد . قلت : الإقسيس هذا هو أتسز بن أوف الخوارزمي ، ويلقّب بالملك المعظم ، وهو أول من استعاد بلاد الشام من أيدي الفاطميين ، وأزال الأذان منها بحيّ على خير العمل ، بعد أن كان يؤذَّن به على منابر دمشق ، وسائر الشام مئة وست سنين ، كان على أبواب الجوامع والمساجد مكتوب لعنة الصحابة رضي الله عنهم ، فأمر المؤذِّنين والخطباء أن يترضّوا عن الصحابة أجمعين ، ونشر العدل وأظهر السنة وهو أول من أسس القلعة بدمشق ، ولم يكن فيها قبل ذلك معقل يلتجىء إليه المسلمون من العدوّ ، فبناها في محلتها هذه التي هي فيها اليوم ، وكان موضعها بباب البلد ، يقال له : باب الحديد ، وهو تجاه دار رضوان منها ، وكان ابتداء ذلك في السنة الآتية ، وإنّما أكملها بعده الملك المظفر تتش بن ألْب آرسلان السلجوقي كما سيأتي بيانه (٣) . وحجّ بالناس في هذه السنة مُقْطَع الكوفة ، وهو الأمير السكيني ختلغ(٤) التفكين التركي ، ويعرف بالطويل ، وكان قد شرّد خفاجة في البلاد وقهرهم ، ولم يصحب معه سوى ستة عشر تركيّاً ، فوصل سالماً إلى مكّة ، ولمّا نزل ببعض دورها كبسه بعض العبيد ، فقتل فيهم مقتلة عظيمة ، وهزمهم هزيمة شنيعة ، (١) المنتظم (٢٩٧/٨). (٢) ((الخَرّوب)): شجر مثمر من الفصيلة القرنية، ثماره قرون سكرية تؤكل وتعلفها الماشية، ويتخذ منها دبس . (٣) من قوله: قلت الإقسيس هذا .. إلى هنا ساقط من ( أ). (٤) تحرف في ( ط) إلى : جنفل. وسترد ترجمته في هذا الجزء . ١٩٤ وفيات سنة ٤٦٨ هـ ثمّ أعيدت الخطبة في ذي الحجّة هذه بمكّة للعباسيين ، وقُطعت خطبة المصريين ، ولله الحمد . وكان ختلغ بعد الوقعة المتقدمة لا ينزل إلا بالزاهر . قاله ابن الساعي في ((تاريخه)). وممن توفي فيها من الأعيان : محمد بن علي [ بن أحمد بن محمد }١) بن عيسى بن أحمد بن أبي موسى(٢) أبو تمام(٣) بن أبي القاسم ابن القاضي أبي علي الهاشمي نقيب الهاشميين . وهو ابن عم الشريف أبي جعفر بن أبي موسى الفقيه الحنبلي ، وروى الحديث ، وسمع منه أبو بكر بن عبد الباقي ، ودفن بباب حرب ، رحمه الله تعالى . محمد بن القاسم بن حبيب بن عَبدوس(٤) أبو بكر الصفّار من أهل نيسابور . سمع الحاكم ، وأبا عبد الرحمن السُّلَمي وخلقاً ، وتفقَّه على الشيخ أبي محمد الجُويني ، وكان يخلفه في حلقته . محمد بن محمد بن عبد الله(٥) أبو الحَسن(٦) البيضاوي الشافعي ، ختن أبي الطيب الطبري على ابنته. سمع الحديث ، وكان ثقة خيّراً ، توفي في شعبان ، وتقدّم للصلاة عليه الشيخ أبو نصر بن الصّاغ ، وحضر جنازته أبو عبد الله الدامغاني مأموماً ، ودفن بداره في قطيعة الكرخ . محمد بن نصر بن صالح أمير حلب(٧) وكان قد ملكها في سنة تسع وخمسين ، وكان من أحسن الناس شكلاً وفعلاً . مسعود بن المُحَسِّن(٨) بن الحسن بن عبد الرزاق أبو جعفر البَياضي الشاعر . (١) في (ب): ((محمد بن علي بن عيسى)). وفي (ط): ((محمد بن علي بن أحمد بن عيسى)) وكله لا يصح به النسب، والصواب ما أثبتناه ، وينظر تاريخ الإسلام للذهبي (٢٦٩/١٠) (بشار). (٢) في (ط): ((أبي موسى)) خطأ، فهو عيسى بن أحمد بن موسى بن محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن معبد بن العباس بن عبد المطلب . (٣) المنتظم (٢٩٩/٨). (٤) المنتظم (٢٩٩/٨) وفيه: الصفاري، الكامل في التاريخ (١٠١/١٠)، طبقات السبكي (١٩٤/٤)، سير أعلام النبلاء ( ١٨/ ٤٣٧)، شذرات الذهب (٣٣١/٣). (٥) المنتظم (٣٠٠/٨)، الكامل في التاريخ (١٠١/١٠). (٦) في (ط): ((الحسين))، محرف، وما أثبتناه يعضده ما في مصادر ترجمته ومنها تاريخ الخطيب (٤/ ٣٩٠ بتحقيقنا )، وتاريخ الإسلام (٢٦٩/١٠) (بشار). (٧) في ( ط): (١٠١/١). (٨) المنتظم (٣٠٠/٨). ١٩٥ وفيات سنة ٤٦٨ هـ ومن شعره قوله : ليسَ لي صاحبٌ مُعِينٌ سوى الل ـيْلِ إذا تم١ٌ) بالصدودِ عَلَيًّا وهوَ يشكُو بُعْدَ الصباحِ إليّا أنا أشكُو بُعْدَ الحبيبِ إليه ومن شعره الجيد قوله : حتى خفيت بها٢) عن العُوّادِ يا من لبستُ لهجرِهِ ثوبَ الضّنا أجفانُ عيني كيفَ كانَ رُقادي وأنِستُ بالسَّهَرِ(٣) الطويل فأنسيتْ أيدي ، فأنتَ مفتِّتُ الأكبادِ إنْ كانَ يوسُف بالجمالِ مُقطِّع الـ الواحدي المفسّر(٤) أبو الحسن ، علي بن أحمد بن متّويه الواحِدي . قال ابن خلِّكان: لا أدري هذه النسبة إلى ماذا٥)، وهو صاحب التفاسير الثلاثة: ((البسيط))، و ((الوسيط))، و((الوجيز)). قال: ومنه أخذ الغزالي أسماء كتبه، قال: وله: ((أسباب النزول))، و(( التحبير في شرح أسماء الله الحسنى))، وقد شرح (( ديوان)) المتنبي ، وليس في شروحه مع كثرتها مثله . قال : وقد رُزق السّعادة في تصانيفه ، وأجمع الناس على حسنها ، وذكرها المدرّسون في دروسهم ، وقد أخذ التفسير عن الثَّعالبي(٦) ، وقد مرض الواحدي مدَّة ، ثمّ كانت وفاته بنيسابور في جمادى الآخرة من هذه السنة ، رحمه الله تعالى . ناصر بن محمّد بن عليّ(٧) أبو منصور التركيّ المضافريّ(٨)، وهو والد الحافظ محمد بن ناصر ، قرأ القراءات ، وسمع الكثير ، وهو الذي تولّى قراءة التاريخ على الخطيب بجامع المنصور ، وكان ظريفاً ، صبيحاً ، مات شاباً دون الثلاثين سنة ، في ذي القعدة من هذه السنة ، وقد رثاه بعضهم بقصيدة طويلة أوردها كلّها ابن الجوزي في (( المنتظم)). (١) في ( ط ) : طال . (٢) في ( ط ) : إذاً ، وفي المنتظم : به . (٤) الكامل في التاريخ (١٠١/١٠)، وفيات الأعيان (٣٠٣/٣)، سير أعلام النبلاء (٣٣٩/١٨)، طبقات السبكي (٣) في المنتظم : بالسحر . وتمام قول ابن خلكان : لم أعرف هذه النسبة إلى أي شيء هي ، ولا ذكرها السمعاني ، ثم وجدت هذه النسبة إلى (٢٤٠/٥)، النجوم الزاهرة (١٠٤/٥)، طبقات المفسرين للداوودي (٣٨٧/١)، شذرات الذهب (٣٣٠/٣). (٥) الواحد بن الدين بن مهرة ، ذكره أبو أحمد العسكري . (٦) هو المفسر أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم النيسابوري البغدادي الثعالبي ، أو الثعلبي ، توفي سنة ٤٢٧ هـ، وقد مرت ترجمته في هذا الجزء . (٧) المنتظم (٣٣٠/٣). (٨) هكذا في النسخ ، ولم أقف على هذه النسبة ، ولا أعرفها وهو في موارد ترجمته بغدادي سلامي ( بشار). ١٩٦ أحداث سنة ٤٦٩ هـ يوسف بن محمد بن يوسف بن الحسن (١) أبو القاسم الهَمَذاني ، سمع وجمع وصنّف ، وانتشرت عنه الرواية وكان موته في هذه السنة ، وقد قارب التسعين ، رحمه الله تعالى . ثم دخلت سنة تسع وستين وأربعمئة فيها : كان ابتداء عمارة قلعة دمشق ، وذلك أن الملك المعظم أتسِز بن أوق(٢) الخُوارزمي ، لما انتزع دمشق من أيدي العُبَيديين في السنة الماضية، شرع في بناء هذا الحصن المنيع بدمشق في هذه السنة ، وكان مكان القلعة اليوم أحد أبواب البلد ، باب يعرف بباب الحديد ، وهو الباب المقابل لدار رضوان منها اليوم ، داخل البركة البرانيّة منها ، وقد أسسها وارتفع بعض أبرجتها فلم تتكامل حتى انتزع مُلْك البلد منه الملك المظفّر تاج الملوك تتش بن ألْب آرسلان السلجوقي فأكملها وأحسن عمارتها ، وابتنى بها دار رضوان للملك ، واستمرت على ذلك البناء في أيام نور الدين محمود بن زنكي ، فلما كان الملك صلاح الدين يوسف بن أيوب جدّد فيها شيئاً ، وابتنى له نائبه ابن مقدم فيها داراً هائلة للمملكة ، ثم إن الملك العادل أخا صلاح الدين ، اقتسم هو وأولاده أبرجتها ، فبنى كل ملك منهم برجاً منها جدده وعلاَّه ، ووطده ، وأكده . ثمّ جدّد الملك الظاهر بيبرس منها البرج الغربيّ القبلي، ثمّ ابتنى بعده في دولة الملك الأشرف خليل بن المنصور ، نائبه الشجاعي ، الطارقة الشمالية الغربية ، والقبّة الزرقاء وما حولها٣) . وفي المحرم ، مرض الخليفة مرضاً شديداً ، فأرجف الناس بموته ، فركب حتى رآه الناس جهرة فسكنوا . وفي جمادى الآخرة زادت دجلة زيادة كثيرة جدّاً ، إحدى وعشرين ذراعاً ونصفاً ، فنقل الناس أموالهم ، وخيف على دار الخلافة ، فنُقُل تابوت القائم بأمر الله، ليلاً إلى التربة بالرُصافة . وفي شوّال وقعت الفتنة بين الحنابلة والأشعريّة ، وذلك أنَّ ابن القشيري(٤) قدم بغداد ، فجلس يتكلّم (١) المنتظم (٣٠٤/٨)، سير أعلام النبلاء (٣٤٨/١٨)، شذرات الذهب (٣٣١/٣). وتصحفت في ( ط) الهمذاني إلى الهمداني ، بالدال المهملة . (٢) في (ط): ((أوف)) وهو تحريف، وما هنا من ( ب) وتاريخ ابن الأثير وتاريخ الإسلام ، والوافي وغيرها ويقال فيه: (( أبق )) أيضاً ( بشار). (٣) من قوله : فيها كان ابتداء عمارة قلعة دمشق .. إلى هنا زيادة من ( ب) و( ط). (٤) هو الإمام أبو نصر عبد الرحيم بن الإمام عبد الكريم بن هوازن القشيري ، النحوي ، المتكلّم ، وهو الولد الرابع من أولاد الشيخ ، مبالغ في التعصب للأشاعرة ، وقد أورد له السبكي في طبقاته (٧/ ١٦٣ ) شعراً يقول فيه : فهو على التحقيق مني بري شيئان مَن يعذُلُني فيهما حبُّ أبي بكر إمام التقى ثمّ اعتقادي مذهب الأشعري توفي سنة ٥١٤هـ وستأتي ترجمته في وفيات السنة المذكورة من هذا الكتاب . ١٩٧ أحداث سنة ٤٦٩ هـ في المدرسة النظاميّة وأخذ يذُّ الحنابلة ، وينسبهم إلى التجسيم ، وساعده أبو سعد الصّوفي ، ومال معه الشيخ أبو إسحاق الشيرازي ، وكتب إلى نظام الملك يشكو إليه الحنابلة ، ويسأله المعونة ، وذهب جماعة إلى الشريف أبي جعفر بن أبي موسى شيخ الحنابلة وهو في مسجده ، فدافع عنه آخرون ، وثارت الفتنة ، [ واقتتل الناس بسبب ذلك وقُتِل رجلٌ خياط من سوق التبن وجُرح آخرون ] ، وكتب الشيخ أبو إسحاق وأبو بكر الشاشي إلى نظام الملك ، فجاء كتابه إلى فخر الدولة ، به يُنكر ما وقع ، ويكره [ أن ينسب ] إلى المدرسة التي بناها شيءٌ من ذلك ، وعزم الشيخ أبو إسحاق على الرحلة من بغداد غضباً مما وقع من الشرّ ، فأرسل إليه الخليفة [ يُسَكِّنه ] ثمّ جمع بينه وبين الشريف أبي جعفر ، وأبي سعد الصوفي ، وأبي نصر ابن القشيري عند الوزير ، فأقبل الوزير على أبي جعفر يعظّمه في الفِعال والمقال ، وقام إليه الشيخ أبو إسحاق وقال : أنا ذلك الذي كنت تعرفه وأنا شاب ، وهذه كتبي في الأصول ، أقول فيها خلافاً للأشعريّة ، ثم قبّل رأسه ، فقال له : صدقت ، إلا أنك لما كنت فقيراً لم يظهر لنا ما في نفسك ، فلما جاء الأعوان والسلطان ، وخواجا بُزْرك، يعني نظام المُلك، [ وشبعت ]، أبديت ما كان مخفيّاً [ في نفسك ] ، وقام الشيخ أبو سعد الصوفي فقبّل رأس الشريف أبي جعفر ، وتلطّف به ، فالتفت إليه مغضباً وقال : أيّها الشيخ ! أمّا الفقهاء إذا تكلموا في [ مسائل ] الأصول فلهم فيها مدخل ، أمّا أنت فصاحب لهو وسماع، وتعبير ، فمن زاحمك [ منا ] على [ باطلك ]؟ ثم قال: أيّها الوزير! أنَّى تُصلح بيننا [ وكيف يقع بيننا صلح ] ، ونحن نوجب ما نعتقده ، وهم يُحرّمون ، [و يكفِّرون ] وهذا جَدُّ الخليفة القائم بالله ، والقادر قد أظهرا اعتقادهما للناس [على رؤوس الأشهاد ] على مذهب أهل السنّة والجماعة، والسَّلف، ونحن على ذلك ، كما وافق عليه الخراسانيّون ، والعراقيّون ، وقرىء على الناس في الدواوين كلّها ، فأرسل الوزير إلى الخليفة يعلمه بما جرى ، فجاء الجواب بشكر الجماعة ، وخصوصاً الشريف أبي جعفر ثمّ استدعى [ الخليفةُ أبا جعفر ] إلى دار الخلافة للسلام عليه ، والتبرّك بدعائه . قال ابن الجوزي : وفي ذي القعدة [ منها ] كثرت الأمراض في الناس ببغداد ، وواسط [ والسواد ] ، وورد الخبر بأن الشام كذلك . وفي هذا الشهر ، أزيلت المنكرات والبغايا ببغداد ، وهرب الفساق منها . وفيها : ملك حلب نصر بن محمود بن مرداس بعد وفاة أبيه . وفيها : تزوج الأمير علي بن أبي منصور بن فرامرز(١) بن علاء الدولة بن كاكونة الست أرسلان خاتون بنت داود عمّة السلطان ألب آرسلان ، وكانت زوجة القائم بأمر الله . (١) في ( ط ) : قرامز. ١٩٨ وفيات سنة ٤٦٩ هـ وفيها : حاصر الأقسيس صاحب دمشق مصر ، وضيّق على صاحبها المستنصر بالله ثمّ كرّ راجعاً إلى دمشق ، وحجّ بالناس في هذه السنة ختلغ التركي مقطع الكوفة . وممن توفي فيها من الأعيان : اسبهدوست بن محمد بن الحسن (١) أبو منصور الدّيلميّ الشاعر . لقي أبا عبد الله بن الحجاج ، وعبد العزيز بن نباتة وغيرهما من الشعراء . وكان شيعيّاً فتاب ، وقال قصيدة في ذلك ، منها : وإذا سئلتُ عن اعتقادي قلتُ ما كانتْ عليه مذاهبُ الأبرارِ صدِّيقُهُ وأنيسُهُ في الغارِ وأقولُ خيرُ النّاسِ بعدَ محمّدٍ أكرم بهمْ من سادةِ أطْهارِ ثمّ الثلاثةُ بعدَهُ خيرُ الوَرَى فوزي وعتقِي من عذابِ النّارِ هذا اعتقادي والذي أرجُو بِهِ طاهر بن أحمد بن بابِشاء٢) أبو الحسن البَصرِي النَّحوي ، سقط من سطح جامع عمرو بن العاص ، الذي بمصر ، فمات من ساعته ، وذلك في رجب من هذه السنة . قال القاضي ابن خلِّكان : لم يوجد مثله ، كان بمصر إمام عصره في النحو ، وله المصنفات المفيدة من ذلك ((مقدمته)) وشرحها و((شرح الجمل)) [ للزجاجي ] . قال : وكانت وظيفته بمصر أنَّه لا تكتب الرسائل في ديوان الإنشاء إلا عُرضت عليه ، فيُصْلح منها ما فيه خلل ، ثمّ تنفَّذ إلى الجهة التي عيِّنت لها ، وكان له على ذلك معلوم ، وراتب جيّد ، قال : فاتفق أنّه كان يأكل يوماً مع بعض أصحابه طعاماً ، فجاءه قطّ ، فرموا له شيئاً ، فأخذه وذهب سريعاً ، ثمّ أقبل فرموا له شيئاً أيضاً ، فانطلق به سريعاً ، ثمّ جاء ، فرموا له شيئاً أيضاً ، فعلموا أنّه لا يأكل هذا كلّه، فتتبعوه، فإذا هو يذهب به إلى قط آخر أعمى في سطح هناك ، فتعجّبوا من ذلك ، فقال الشيخ : يا سبحان الله! هذا حيوان بَهيم ، قد ساق الله إليه رزقه على يد غيره ، أفلا يرزقني وأنا عبده وأعبده ، ثمّ ترك ما كان له من الراتب ، وجمع حواشيه [ وأقبل على العبادة ] والاشتغال (١) المنتظم (٣٠٨/٨)، الكامل في التاريخ (١٠٦/١٠)، وفي (ط ) اسفهدوست. (٢) المنتظم (٣٠٩/٨)، الكامل في التاريخ (١٠٦/١٠)، وفيات الأعيان (٥١٥/٢)، سير أعلام النبلاء (٤٣٩/١٨)، الوافي بالوفيات (٣٩٠/١٦)، النجوم الزاهرة (١٠٥/٥)، شذرات الذهب (٣٣٣/٣). قال ابن خلّكان : وبابشاذ ، ببائين موحدتين بينهما ألف ثم شين معجمة ، وبعد الألف الثانية ذال معجمة ، وهي كلمة عجمية تتضمن الفرح والسرور . ١٩٩ وفيات سنة ٤٦٩هـ والملازمة في غرفة في جامع عمرو بن العاص ، إلى أن مات كما ذكرنا١) . وقد جمع (( تعليقه)) في النحو قريباً من خمسة [عشر ] مجلداً، [ فأصحابه: كابن برّي (٢) وغيره ، ينقلون منها، وينتفعون بها ] ويسمونها ((تعليقة الغرفة)). عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عمر بن أحمد بن المُجمِّع بن محمد بن بحر بن معبد بن هَزَازمرد(٣) . أبو محمد الصَّرِيفيني ، ويعرف بابن المعلّم . أحد مشايخ الحديث المسندين المشهورين ، تفرّد عن جماعة من المشايخ لطول عمره ، وهو آخر من حدث (( بالجعديّات )) عن ابن حَبَابة عن أبي القاسم البَغوي ، عن علي بن الجَعْد ، وهو سماعنا . ورحل إليه الناس بسببه ، وسمع عليه جماعة من الحفاظ منهم : الحافظ أبو بكر الخطيب . وكان ثقة محمود الطريقة ، توفي بصريفين(٤) في جمادى الأولى من هذه السنة عن خمس وثمانين سنة ، رحمه الله تعالى . حيّان بن خلف بن حسين بن حيّان بن وهب بن حيّانُ(٥) أبو مروان القُرْطبي [ مولى بني أميّة ] ، صاحب (( تاريخ المغرب)(٦) في ستين مجدّداً. أثنى عليه الحافظ أبو علي الغسّاني في فصاحته ، وصدقه ، وبلاغته ، وقال : [ وسمعته يقول ] : التهنئة بعد ثلاث ، استخفاف بالمودّة ، والتعزية بعدها إغراء بالمصيبة . قال ابن خلِّكان : توفي في ربيع الأول منها ، ورآه بعضهم في النوم [ فسأله عن حاله ] ، فقال : غفر الله لي ، وأمّا التاريخ فندمت عليه ، لكنّ الله بلطفه أقالني وعفا عني . (١) من قوله: قال: وكانت وظيفته .. إلى هنا زيادة من ( ب) و(ط ) وفي القصة مبالغة ، والتوكل ينبغي أن يكون مع العمل بالأسباب (ع ). (٢) من قوله : وقد جمع تعليقة . . إلى هنا ساقط من ( ب). تاريخ بغداد ( ١٤٦/١٠)، المنتظم (٣٠٩/٨)، الكامل في التاريخ (١٠٦/١٠)، معجم البلدان (٤٠٣/٣)، (٣) سير أعلام النبلاء ( ١٨/ ٣٧٠)، شذرات الذهب (٣٣٤/٣) وثمة خلاف بسيط في نسبه في مصادر ترجمته . (٤) قال ياقوت في معجم ( ٣/ ٤٠٣) : وصريفونٍ بلدة في سواد العراق في موضعين ، إحداهما قرية كبيرة غناء شجراء قرب عكبرا وأوانا على ضفة نهر دجيل ، إذا أُذَن فيها سمعوه في أوانا وعكبرا ، وإليها ينسب أبو محمد الخطيب الصريفيني المترجم . وصريفون الأخرى من قرى واسط ، ومواضع أخرى تسمى : صريفين . (٥) جذوة المقتبس (٢٠٠)، الصلة لابن بشكوال (١٥٣/١)، بغية الملتمس، (٢٧٥)، وفيات الأعيان (٢١٨/٢)، سير أعلام النبلاء (٣٠/١٨)، شذرات الذهب (٣٣٣/٣)، نفح الطيب (مواضع متعددة). (٦) ذكر في الوفيات والسير : أن من تصانيفه : المبين في تاريخ الأندلس ، في ستين مجلداً ، وأظنه الذي عناه المصنف . ٢٠٠ أحداث سنة ٤٧٠ هـ أبو نصر السّجزِيُّ(١) عُبَيْد الله بن سعيد بن حاتم ، أبو نصر السِّجْزي الوائلي ، نسبة إلى قرية يقال لها : وائل من قرى سجستان(٢) . سمع الكثير، وجَمَع وصنّف [وخرّج ]، وأقام بالحرم، وله كتاب (( الإبانة في الأصول)) وله في الفروع أيضاً ، ومن النّاس من كان يفضّله في الحفظ على الصوريّ ، رحمه الله . محمد بن علي بن الحسين أبو عبد الله الآنماطي (٣) ، المعروف بابن سِكِّيتة ، ولد سنة تسعين وثلاثمئة ، وكان كثير السماع ، وكانت وفاته في هذه السنة عن تسع وسبعين سنة . ثم استهلّت سنة سبعين وأربعمئة قال ابن الجوزي(٤): في ربيع الأول وقعت صاعقة بمحلّة التوثة(٥) من الجانب الغربي على نخلتين في مسجد فأحرقت أعاليهما ، وصعد الناس فأطفؤوا النار ، ونزلوا بالسعف وهو يشتعل ناراً . قال : وورد كتاب من نظام الملك إلى الشيخ أبي إسحاق الشيرازي في جوانب كتابه إليه في شأن الحنابلة ، ثمّ سرده ابن الجوزي ، ومضمونه : أنَّه لا يمكن تغيير المذاهب ، ولا نقلة أهله عنها ، والغالب على أهل تلك [ الناحية ] هو مذهب الإمام أحمد، ومحلّه معروف عند الأئمة، وقدره معلوم في السنّة ، في كلام طويل . قال : وفي شوال وقعت فتنة بين الحنابلة وبين بعض فقهاء النظاميّة ، وحمي لكل من الفريقين طائفة من العوام ، وقتل بينهم نحو من عشرين قتيلاً [وجرح آخرون ] ، ثمّ سكنت الفتنة . وفي تاسع عشر من شوال ولد للخليفة المقتدي ولده المستظهر بأمر الله ، أبو العباس أحمد ، وزيّن (١) المنتظم (٣١٠/٨)، الأنساب (الوائلي)، سير أعلام النبلاء (١٧ /٦٥٤)، توضيح المشتبة (١٦٩/٩)، شذرات الذهب ( ٢٧١/٣) وثمة اختلاف في نسبه وسنة وفاته ، ففي الأصل : عبد الله بن سعد ، وفي المنتظم : عبد الله بن سعيد ، وما أثبتناه من مصادر ترجمته الأخرى . وقد ذكر الذهبي سنة وفاته وقال : توفي أبو نصر بمكة ، في المحرم سنة أربع وأربعين وأربعمئة . في معجم البلدان ( ٣٥٦/٥) : قرية على ثلاثة فراسخ من سجستان ، وذكر نسبة المترجم إليها . (٢) المنتظم (٣١١/٨)، سير أعلام النبلاء (٣٤٦/١٨) والأنماطي: نسبة إلى بيع الأنماط ، وهي الفرش التي تُبسط . (٣) (٤) المنتظم ( ٣١١/٨). في (ب) و( ط ): النوبة، مصحف، ومحلة التوثة معروفة ببغداد، فانظر تاريخ الخطيب (٤/ ٣٧٣ و٦٢٩/٨ (٥) و٢٢٨/١١ بتحقيق الدكتور بشار ) .