النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
وفيات سنة ٤٥٦ هـ
قال ابن الجوزي(١) : في يوم الجمعة ثاني عشر شعبان هجم قوم من أصحاب عبد الصمد على
أبي علي [ بن الوليد ] المدرّس للمعتزلة ، فسبّوه ، وشتموه لامتناعه من الصلاة في الجامع ، وتدريسه
لهذا المذهب، وأهانوه ، وجرّوه ، ولُعنت المعتزلة بجامع المنصور، وجلس أبو سعد بن أبي عمامة(٢)
فلعن المعتزلة قبّحهم الله تعالى .
وفي شوال ورد الخبر بأن السلطان غزا بلداً عظيماً فيه سبعمئة ألف دار ، وألف بيعة [ ودير ] وقتل
منهم خلقاً كثيراً ، وأسر خمسمئة [ ألف ] إنسان .
وفي ذي القعدة حدث وباء عظيم ببغداد وغيرها من بلاد العراق ، وغلت أسعار الأدوية التي يُتداوى
بها ، وعدم الشير خشك(٣) ، وقلّ التمر هندي ، وزاد الحرّ في تشارين ، وفسد الهواء .
وفي هذا الشهر خلع على أبي الغنائم المعمّر بن محمد بن عبيد الله العلوي في بيت النوبة بنقابة
الطالبيين و[ ولاية ] الحجّ والمظالم، ولقّب بالطاهر ذي المناقب ، وقرىء تقليده بالموكب ، وحجّ
بالناس في هذه السنة .
وممن توفي في هذه السنة من الأعيان :
الإمام الحافظ العلامة أبو محمّد(٤) علي بن أحمد بن سعيد بن حَزْم بن غالب بن صالح بن خلف بن
مَعْدالُ(٥) بن سفيان بن يزيد مولى يزيد بن أبي سفيان صخر بن حرب الأموي .
أصل جدّه يزيد هذا فارسيّ أسلم . وخلفٌ المذكور أول من دخل منهم بلاد المغرب ، وكانت بلدتهم
قرطبة ، فولد ابن حَزْم هذا بها في سلخ رمضان من سنة أربع وثمانين وثلاثمئة ، فقرأ القرآن ، واشتغل
بالعلوم [ النافعة ] الشرعيّة ، فبرّز فيها، وفاق أهل زمانه ، وصنّف الكتب المفيدة الشهيرة ، فيقال : إنّه
صنّف أربعمئة مجلّد من تصنيفه في قريب من ثمانين ألف ورقة .
(١) المنتظم (٢٣٥/٨ -٢٣٦).
في (أ) و(ب): ((عماية)) محرف، وما هنا من (ط) والمنتظم وخط الذهبي في تاريخ الإسلام (٨٣/١١)،
(٢)
وأبو سعد من أبي عمامة هذا هو الذي صلى على الخطيب البغدادي ثانية بأهل النصرية والحربية ، وستأتي ترجمته في
وفيات سنة ٥٠٧ من هذا الكتاب واسمه : المعمر بن علي بن المعمر ( بشار ) .
(٣) الشيرخشك: لعلَّه نوع من الطعام أو الشراب .
(٤) جذوة المقتبس (٣٠٨)، الصلة لابن بشكوال (٤٠٨)، وفيات الأعيان (٣٢٥/٣)، تاريخ الإسلام (٧٤/١٠ -
٨٢)، سير أعلام النبلاء (١٨٤/١٨)، نفح الطيب (٧٧/٢). وللشيخ محمد أبو زهرة : ابن حزم وآراؤه
وفقهه . وللدكتور عبد الحليم عويس دراسة قيمة بعنوان : ابن حزم الأندلسي وجهوده في البحث التاريخي
والحضاري . نشر دار الاعتصام القاهرة .
(٥) في ( ط ) : معد . خطأ.

١٦٢
أحداث سنة ٤٥٧ هـ
وكان أديباً ، طبيباً ، شاعراً ، فصيحاً ، له في الطب والمنطق اليد العالية . وكان من بيت وزارة
ورياسة ، ووجاهة ومال وثروة ، وكان مصاحباً للشيخ أبي عمرو بن عبد البَرّ النمري ، ومناوئاً للشيخ
أبي الوليد سُليمان بن خَلَف الباجي ، وقد جرت بينهما مناظرات يطول شرحها . وكان أبو محمد بن حزم
كثير الوقيعة في العلماء الذين يخالفون الأحاديث الصحيحة بلسانه وقلمه أيضاً ، فأورثه ذلك حقداً في
قلوب أهل زمانه ، فمازالوا به حتى بغّضوه إلى ملوكهم ، فطردوه عن بلاده ، حتى كانت وفاته في قرية له
في ثاني شعبان من هذه السنة ، وقد جاوز السبعين(١)، والعجب كلّ العجب أنّه كان ظاهرياً [حائراً ] في
الفروع ، لا يقول بشيء من الأقيسة لا الجليّة ولا غيرها، [ وهذا الذي وضعه عند العلماء ، وأدخل عليه
خطأ كبيراً في نظره وتصرّفه ]، وكان مع هذا من أشدّ الناس تأويلاً في باب الأصول [ وآيات الصفات ،
وأحاديث الصفات ] ، لأنّه كان قد تضلّع أولًا من علم المنطق ، أخذه عن محمد بن الحسن المَذْحِجي
الكتاني القرطبي ، ذكره ابن ماكولا وابن خلِّكان [ففسد بذلك حاله في باب الصفات ] ، رحمه الله تعالى.
عبد الواحد بن علي بن بَرْهان [ بن ] علي بن هانىء أبو القاسم النحويّ(٢)
كان شرس الأخلاق جداً ، ولم يلبس سراويل قط ، ولا غطّ رأسه ، ولم يقبل عطاءً لأحد ، وذُكر
عنه : أنَّه كان يقبّل المرد في غير ريبة .
قال ابن عقيل : وكان يختار مذهب مرجئة المعتزلة ، وينفي خلود الكفار [ في النار ] ويقول : دوام
العقاب في حقّ من لا يجوز عليه التشفي لا وجه له مع ما وصف الله به نفسه من الرحمة ، ويتأوّل قوله
تعالى: ﴿ خَلِدِينَ فِهَا أَبَدًا﴾ [النساء: ١٦٩] أيّ أبداً من الآباد .
قال ابن الجوزي(٣): وقد كان ابن برهان يقدح في أصحاب أحمد ، ويخالف اعتقاده اعتقاد
المسلمين ، لأنّه قد خالف الإجماع في عدم خلود الكفار ، فكيف يُقبل كلامه ، توفي هذا العام وقد نيف
على الثمانين .
ثم دخلت سنة سبع وخمسين وأربعمئة
فيها : سار جماعة [ من العراق ] للحج بخفارة ، فلم يمكنهم المسير ، فعدلوا إلى الكوفة ،
ورجعوا .
(١) في ( ط) : التسعين . خطأ.
(٢) تاريخ بغداد (١٧/١١)، المنتظم (٢٣٦/٨)، الكامل في التاريخ (٤٢/١٠)، سير أعلام النبلاء (١٨ / ١٢٤)،
الجواهر المضية (٤٨١/٢)، النجوم الزاهرة (٧٥/٥)، شذرات الذهب (٢٩٧/٣).
(٣) المنتظم (٨/ ٢٣٧).

١٦٣
وفيات سنة ٤٥٧ هـ
وفي ذي الحجة فيها : شرع في بناء المدرسة النظامية ببغداد ، ونقض لأجلها دور كثيرة بين مشرعة
الزوايا وباب البصرة .
وفيها : كانت حروب كثيرة بين تميم بن المعز بن باديس وأولاد حمّاد ، والعرب ، والمغاربة ،
بصنهاجة وزناتة .
وحجّ بالناس من بغداد النقيب أبو الغنائم .
وفيها : كان مقتل عميد الملك الكُنْدريّ(١)، وهو منصور بن محمد (٢) أبو نصر وزير طُغْرُلْبَك، وقد
كان مسجوناً سنة تامة ، ولمّا قُتِلِ حُمِل فدفن عند أبيه بقرية كُنْدُر من عمل طُرَيْثيث ، وليست بكندر التي
بالقرب من قزوين(٣) ، واستحوذ السلطان على أمواله وحواصله ، وقد كان ذكيّاً فصيحاً شاعراً ، لديه
فضائل جمّة ، حاضر الجواب ، سريعه ، ولما أرسل الملك طُغْرُلْبَك إلى الخليفة يخطب إليه ابنته ، امتنع
الخليفة من ذلك أشدّ الامتناع ، وأنشد متمثلاً بقول المتنبي :
ما كل ما يتمنى المرءُ يُدركه
فتمَّمه الوزير :
تجري الرياح بما لا تشتهي السفن
فسكت الخليفة وأطرق . وكان عمر الكُنْدُري حين قُتل نيّفاً وأربعين سنة . ومن شعره الجيّد قوله :
إنْ كان بالناس ضِيقٌ عن مُنَافَستي فالموتُ قد وسَّعَ الدُّنيا على النَّاسِ
كُلٌّ لكاسِ المَنَايا شاربٌ حاسِي
مضيتُ والشَّامتُ المغبونُ يَتْبَعُني
وقد كان الملك ◌ُغْرُلْبَك بعثه مرة ليخطب له امرأة خوارزم شاه ، فتزوّجها هو ؛ فخصاه وأقرّه على
عمله ، فدفن ذكره بخوارزم ، وتسفّح دمه حین قتل بمرو الرّود ، ودفن جسده بگنْدُر ، وحمل رأسه فدفن
بنيسابور ، ونقل قحف رأسه إلى كرمان . [ وأنا أشهد أن الله جامع الخلائق إلى ميقات يوم معلوم ، أين
كانوا وحيث كانوا ، وعلى أيّ صفة كانوا ، سبحانه وتعالى ] .
(١) قصة قتله وترجمته في المنتظم (٢٣٨/٨)، الكامل في التاريخ (٣١/١٠)، وفيات الأعيان (١٣٨/٥)، سير
أعلام النبلاء ( ١١٣/١٨)، النجوم الزاهرة (١٧٦/٥)، شذرات الذهب (٣٠١/٣).
(٢) هكذا سماه أبو الحسن محمد بن الصابىء في تاريخه والباخرزي في دمية القصر (٧٩٦/٢) . أما المصادر
الأخرى ، ومنها المنتظم وكتب الذهبي ففيها : (( محمد بن منصور بن محمد)) وذكر الذهبي في تاريخ الإسلام
والسير (١١٣/١٨) أن محمد بن عبد الملك الهمذاني سماه: محمد بن محمد بن منصور (بشار).
(٣) معجم البلدان (٤/ ٤٨٢).

١٦٤
أحداث سنة ٤٥٨ هـ
ثم دخلت سنة ثمان وخمسين وأربعمئة
في يوم عاشوراء أغلق أهل الكرخ دكاكينهم ، وأحضروا نساءً فَنُحنَ على الحسين كما جرت به سالف
عادات بدعهم المتقدمة [ المخالفة ] ، فحين وقع ذلك أنكرته العامة ، وطلب الخليفة أبا الغنائم نقيب
الطالبيين ، وأنكر ذلك عليه ، فاعتذر بأنّه لم يعلم بذلك ، وأنّه حين علم به أزاله ، وتردد أهل الكرخ إلى
الديوان يعتذرون من ذلك ، ويتنصَّلون منه ، وخرج التوقيع بكفر من يسبّ الصحابة ، ويظهر البدع .
قال ابن الجوزي(١) : وفي ربيع الأول ولد بباب الأزَجّ صبيّة لها رأسان ووجهان ورقبتان وأربع أيدي
على بدن كامل ثمّ ماتت .
قال : وفي جمادى الآخرة كانت زلزلة بخراسان لبثت أياماً ثم تصدّعت منها الجبال ، وأهلكت
جماعة ، وخسفت بِعدَّة قرى ، وخرج الناس إلى الصحراء ، وأقاموا هنالك .
ووقع حريق بنهر مُعَلّى من بغداد ، فأحرق مئة دكان وثلاث دور ، وذهب للنّاس شيء كثير ، ونهب
الناس بعضهم بعضاً .
قال ابن الجوزي : وفي شعبان وقع قتال في دمشق ، فضربوا داراً كانت مجاورة للجامع بالنار ،
فاحترق جامع دمشق . كذا قال ابن الجوزي . والمشهور أنّ حريق جامع دمشق ، إنّما كان [ في ليلة
النصف من شعبان ] في سنة إحدى وستين وأربعمئة بعد ثلاث سنين . وأن غلمان الفاطميين اقتتلوا مع
غلمان العباسيين فألقيت نار بدار الإمارة - وهي الخضراء - فاحترقت وتعدّى حريقها إلى أن وصل إلى:
الجامع فسقطت سقوفه و[ بادت ] زخرفته و[ تلف ] رخامه ، وبقي كأنّه خرابة ، وبادت الخضراء فصارت
كوماً من تراب بعدما كانت في غاية الإحكام والإتقان ، وطيب الغناء و[ نزهة المجالس ] وحسن البناء
[ والمنظر ]، فهي إلى يومنا هذا لا يسكنها لرداءة مكانها إلا سفلة الناس وسُقَّاطهم بعدما كانت دار
[ الخلافة و] الملك والإمارة منذ أسسها معاوية بن أبي سفيان رحمه الله تعالى، وأمّا الجامع [ الأموي ]
فإنّه لم يكن على وجه الأرض بناءٌ أحسن منه إلى أن احترق فبقي خراباً مدة طويلة ، ثمّ شرع الملوك في
تجديده وترميمه ، حتى بُلِّط في زمان العادل أبي بكر [ بن أيوب ] ، ولم يزالوا في تحسين معالمه إلى
زماننا هذا ، فتماثل حاله وهو بالنسبة إلى حاله الأول [ كلا شيء ] ولا زال التحسين فيه إلى هذه الأيام التي
وليها الأمير سيف الدين تنكُز عبد الله النّاصري ، في حدود سنة ثلاثين وسبعمئة وما قبلها وما بعدها
بيسير ، رحمه الله .
(١) المنتظم (٢٤٠/٨).

١٦٥
وفيات سنة ٤٥٨ هـ
وفيها : رخصت الأسعار ببغداد رخصاً بيِّناً ، ونقصت دجلة نقصاناً ظاهراً .
وفيها : أخذ الملك ألْب آرسلان العهد من بعده لولده ، ومشى بين يديه بالغاشية ، والأمراء بين يديه
يتماشون بالخلع ، وكان يوماً مشهوداً . وحجّ بالناس في هذه السنة نور الهدى أبو طالب الحسين بن نظام
الحضرتين أبي الحسن محمد بن الزَّيْنَبي ، وجاور بمكة هذه السنة .
وممن توفي فيها من الأعيان :
الحافظ الكبير أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي بن عبد الله بن موسى البَيْهقيّ(١).
أحد الحفاظ الكبار ، ومن له التصانيف التي سارت بها الركبان في سائر الأمصار والأقطار . ولد سنة
أربع وثمانين وثلاثمئة . وكان واحد زمانه في الإتقان والحفظ والتصنيف ، فقيهاً ، محدِّثاً ، أصولياً ،
أخذ العلم عن الحاكم أبي عبد الله النيسابوري ، وسمع على غيره شيئاً كثيراً ، وجمع أشياء كثيرة نافعة
جداً، لم يُسبَق إلى مثلها، ولا يدرك فيها، من ذلك كتاب ((السنن الكبير))، و((نصوص الشافعي)) كلٌّ
في عشرة مجلدات. و((السنن والآثار)) و((المدخل)) و((الآداب))، و((شعب الإيمان))
و((الخلافيات))، و((دلائل النبوة)) [ و ((البعث والنشور))] وغير ذلك من المصنّفات الكبار والصغار
المفيدة التي لا تسامى ولا تدانى ، وكان زاهداً متقللاً ، كثير العبادة والورع ، رحمه الله تعالى ، وكانت
وفاته بنيسابور ، ونقل تابوته إلى بَيْهق في جمادى الأولى من هذه السنة .
الحسن بن غالب (٢) بن علي بن غالب بن منصور بن صعلوك أبو علي التميمي ، ويعرف بابن المبارك
المقرىء .
صحب ابن سمعون ، وأقرأ القرآن على حروف أنكرت عليه ، وجُرّب عليه الكذب إمّا عمداً أو خطأً ،
واتّهم في روايات كثيرة ، وكان أبو الحسن (٣) القزويني ممن ينكر عليه ، وكتب عليه محضر ، وألزم بعدم
الإقراء بالحروف المنكرة .
قال أبو محمد بن السمرقندي : كان كذاباً ، وكانت وفاته في هذه السنة عن اثنتين وثمانين سنة ،
ودفن عند إبراهيم الحربي .
(١) الأنساب (٢/ ٣٨١)، المنتظم (٢٤٢/٨)، الكامل في التاريخ (٥٢/١٠)، وفيات الأعيان (٧٥/١)، سير
أعلام النبلاء ( ١٨/ ١٦٣)، الوافي بالوفيات (٣٥٤/٦)، طبقات السبكي (٨/٤)، النجوم الزاهرة (٧٧/٥)،
شذرات الذهب ( ٣٠٤/٣) .
والبيهقي: نسبة إلى بَيْهق ، وهي ناحية كبيرة وكورة واسعة من نواحي نيسابور. معجم البلدان (١/ ٥٣٧).
(٢) تاريخ بغداد (٧/ ٤٠٠)، والمنتظم (٢٤٢/٨)، تاريخ الإسلام (١٠ / ٩٧).
(٣) في ( ط ) : أبو بكر .

١٦٦
وفيات سنة ٤٥٨ هـ
قال ابن خلكان : وأخذ الفقه عن أبي الفتح ناصر(١) بن محمد العمري المروزي ، ثمّ غلب عليه
الحديث ، واشتهر به ، ورحل في طلبه .
محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن أحمد بن الفرّاء(٢) القاضي أبو يعلى ، شيخ الحنابلة ،
ومُمهّد مذهبهم في الفروع .
ولد في محرم سنة ثمانين وثلاثمئة ، وسمع الحديث الكثير ، وحدّث عن ابن حَبَابة .
قال ابن الجوزي : وكان من سادات [ العلماء ] الثقات، وشهد عند ابن ماكولا وابن الدّامغاني
فقبلاه ، وتولّى النظر في الحكم بحريم دار الخلافة ، وكان إماماً في الفقه ، له التصانيف الحسان الكثيرة
في مذهب أحمد ، ودرّس وأفتى سنين ، وانتهى إليه المذهب ، وانتشرت تصانيفه وأصحابه ، وجمع
الأمانة ، والصدق ، والعفّة ، وحسن الخلق ، والتعبّد ، والتقشف ، والخشوع ، وحسن السّمت ،
والصّمت عمّا لا يعنيه ، وكانت وفاته في العشرين من رمضان هذه السنة عن ثمان وسبعين سنة ، واجتمع
في جنازته القضاة والأعيان من الفقهاء والشهود ، وكان يوماً حارّاً ، فأفطر بعض من اتّبع جنازته ذلك
اليوم ، وترك من البنين عبيد الله أبا القاسم ، وأبا حازم ، وأبا الحسين .
ورآه بعضهم في المنام ، فقال له : ما فعل الله بك؟ فقال : رحمني ، وعزّني ، ورفع منزلتي ،
وأكرمني . وجعل يعدّد ذلك بأصابعه فقال : أَبِالعلم ؟ قال : بالصدق ، رحمه الله تعالى .
ابن سِيْدَه اللُّغوي(٣) هو أبو الحسن ، علي بن إسماعيل المُرسي.
كان إماماً حافظاً للّغة ، وكان ضرير البصر ، أخذ علم اللغة والعربيّة عن أبيه ، وكان ضريراً أيضاً ، ثمّ
اشتغل على أبي العلاء صاعد البغدادي، وله: (( المحكم)) في مجلدات عديدة ، وله (( شرح الحماسة ))
في ست مجلدات ، وغير ذلك. وقرأ على الشيخ أبي عمر المالكي [ الطَّلَمَنْكي] كتاب ((الغريب
المصنّف)) لأبي عُبَيد سرداً من حفظه ، والشيخ يقابل نسخته بما يقرأ، فسمع الناس قراءته من حفظه ،
وتعجّبوا لذلك ، وكانت وفاته في ربيع الآخر من هذه السنة وله ستون سنة ، وقيل : إنّه توفي في سنة ثمان
وأربعين ، والأوّل أصحّ ، والله أعلم .
(١) في ( ط ) : نصر .
(٢) تاريخ بغداد (٢٥٦/٢)، المنتظم (٢٤٣/٨)، طبقات الحنابلة (١٩٣/٢)، الكامل في التاريخ (١٠/ ٥٢)،
سير أعلام النبلاء ( ٨٩/١٨)، الوافي بالوفيات (٧/٣)، شذرات الذهب (٣٠٦/٣).
(٣) جذوة المقتبس (٣١١)، الصلة لابن بشكوال (٤١٧/٢)، وفيات الأعيان (٣٣٠/٣)، المغرب في حلي
المغرب (٣٥٩/٢)، سير أعلام النبلاء (١٤٤/١٨)، نفح الطيب (٢٧/٤)، شذرات الذهب (٣٠٥/٣).

١٦٧
أحداث سنة ٤٥٩ هـ
ثم دخلت سنة تسع وخمسين وأربعمئة
فيها : بنى أبو سعد المستوفي الملقب بشرف الملك مشهد الإمام أبي حنيفة النعمان ببغداد ، وعقد
عليه قبَّةً ، وعمل بإزائها مدرسة ، وأنزلها المدرسين والفقهاء ، فدخل أبو جعفر بن البياضي زائراً
[ لأبي حنيفة ] فأنشد ارتجالاً :
فجمّعَهُ هذا المُغَيَّبُ في اللَّحدِ
ألمْ ترَ أنّ العلمَ كان مُضيَّعاً
فأنشرَها جودُ العميدِ أبي السَّعدِ
كذلكَ كانتْ هذه الأرضُ ميْتَةً
وفي شعبان هبّت ريح حارّة فمات بسببها خلق كثير ، ودواب ببغداد ، وأتلفت شجراً من الليمون
والأترجّ ببغداد .
وفيها : احترق قبر معروف الكرخي ، وكان سبب ذلك : أنّ القيّم طبخ له ماء الشعير لمرضه ،
فتعدّت النار إلى الأخشاب ، فاحترق المشهد بكماله .
وفيها : وقع غلاءٌ وفناءٌ كثير بدمشق ، وحلب ، وحرَّان ، و[ أعمال ] خراسان بكمالها، ووقع الفناء
في الدوابّ تنتفخ رؤوسها وأعينها ، حتى كانوا يأخذون حمر الوحش بالأيدي ولكن يأنفون من أكلها .
قال ابن الجوزي في (( المنتظم)(١): وفي يوم السبت عاشر ذي القعدة جمع العميد أبو سَعْد(٢)
القاضي الناس لحضور الدرس بالنظاميّة ببغداد، وعُيِّن [ لتدريسها و] لمشيختها الشيخ أبو إسحاق
الشيرازي ، فلما تكامل اجتماع الناس ، وذهب [ أبو إسحاق ] إليهم ليدرّس ، فلقيه فقيه شاب ، فقال :
يا سيدي تدرّس في مكان مغصوب ، فامتنع [ أبو إسحاق ] من المسير(٣) ورجع إلى بيته ، فأقيم الشيخ
أبو نصر بن الصبَّاغْ فدرّس ، فلما بلغ نظام الملك ذلك تغيّظ على العميد ، وأرسل إلى الشيخ أبي إسحاق
فردّه إلى التدريس بالنظامية في ذي الحجة من هذه السنة ، وكان لا يصلّي فيها مكتوبة بل يخرج إلى بعض
المساجد فيؤدي المكتوبة ، لما ذكر من كونها في بعض أرضها غصب ، وكانت مدة تدريس ابن الصباغ
عشرين يوماً ، ثمّ عاد الشيخ أبو إسحاق إليها .
وفي ذي القعدة من هذه السنة قُتل الصُّلَيحي أمير اليمن وصاحب مكة ، قتله بعض أمراء اليمن ،
وخطب بها للقائم بأمر الله العباسي (٤) ، وحجّ بالناس في هذه السنة أبو الغنائم النقيب .
(١) المنتظم (٢٤٦/٨) .
(٢) في بعض النسخ: ((أبو سعيد)) محرف، وماهنا من ( ط) ويعضده ما في المنتظم وتاريخ الإسلام (١٠/ ١٣).
(٣) في ( ب) و( ط ) : الحضور .
(٤) هذا وهم من المصنف رحمه الله وتابع فيه ابن الأثير في الكامل ( ١٠ / ٥٥_٥٦)، والصحيح أن وفاة الصليحي كانت =

١٦٨
وفيات سنة ٤٥٩ هـ ـ أحداث سنة ٤٦٠ هـ
وممن توفي فيها من الأعيان :
محمد بن إسماعيل بن محمد أبو علي الطَّرَسُوسيّ(١)، ويقال له : العراقي لظرفه وطول مقامه بها .
سمع الحديث من أبي طاهر المخلّص ، وتفقّه على أبي محمد الباقي ، ثمّ على الشيخ أبي حامد
الإسفراييني ، وولي قضاء بلدة طَرَسُوس ، وكان من الفقهاء الفضلاء المبرِّزين ، رحمه الله تعالى .
ثم استهلّت سنة ستين وأربعمئة من الهجرة النبويَّة
قال ابن الجوزي(٢) : وفي جمادى الأولى كانت زلزلة شديدة بأرض فلسطين أهلكت بلد الرّملة ،
ورمت شُرافتين من مسجد رسول الله وَّة، ولحقت وادي الصفر وخيبر ، وانشقت الأرض عن كنوز كثيرة
من المال ، وبلغ حسّها الرحبة والكوفة ، وجاء كتاب بعض التجار في ذكر هذه الزلزلة ويقول : إنّها
خسفت الزّملة جميعاً حتى لم يسلم منها إلا داران فقط ، وهلك منها خمسة عشر ألف نسمة ، وانشقت
الصخرة التي ببيت المقدس ، ثمّ عادت فالتأمت بقدرة الله تعالى . وغار البحر مسيرة يوم وساح في البرّ ،
وخرّب الدنيا [ وظهر في مكان الماء أشياء من جواهر وغيرها ] ، ودخل الناس إلى أرضه يلتقطون ، فرجع
فأهلك خلقاً كثيراً منهم [ أو أكثرهم ] . هذا لفظه(٣).
وفي يوم السبت النصف من جمادى الآخرة قرىء الاعتقاد القادري الذي فيه مذاهب أهل السنّة
والجماعة ، والإنكار على أهل البدعة، وقرأ أبو مسلم الليثي البخاري المحدّث كتاب ((التوحيد)) لابن
خزيمة على الجماعة الحاضرين ، وذلك بمحضر الوزير ابن جَهِير ، وجماعة الأعيان من الفقهاء وأهل
الكلام ، واعترفوا بالموافقة ، ثمّ قرىء الاعتقاد القادري على الشريف أبي جعفر بن المقتدي بالله بباب
البصرة ، وذلك بسماعه له من الخليفة القادر بالله مصنّفه .
وفيها : عزل الخليفة وزيره أبا نصر محمد بن محمد بن جَهِير الملقب فخر الدولة ، وبعث إليه يعاتبه
في أشياء كثيرة ، فاعتذر منها ، وأخذ في الترقق والتذلّل ، فأجيب بأن يترحّل إلى أيّ الجهات شاء ،
فاختار حلّة ابن مَزْيَد ، فباع أصحابه أموالهم وأملاكهم ، وطلّقوا نساءهم ، وأخذ أولاده وأهله ، وجاء
ليركب في سميريّة٤) لينحدر منها إلى الحلّة، والناس حوله يتباكون لبكائه ، فلما اجتاز بدار الخلافة قبّل
سنة ثلاث وسبعين وأربعمئة ، وسترد ترجمته فيها .
=
المنتظم (٢٤٧/٨)، تاريخ الإسلام (١١٤/١٠).
(١)
(٢)
المنتظم (٢٤٧/٧) .
في هذه القصة التي ذكرها بعض التجار مبالغات لا دليل عليها (ع ) .
(٣)
(٤) في ( ط ) : سفينة ، وهما بمعنى.

١٦٩
وفيات سنة ٤٦٠ هـ
الأرض دفعات ، والخليفة في الشبّاك ، والوزير يقول : يا أمير المؤمنينّ ارحم شيبتي ، وغربتي ،
وأولادي ، وعيالي ، فأعيد إلى الوزارة بشفاعة دُبَيْس بن مَزْيَد في السنة الآتية ، وامتدحه الشعراء ، وفرح
الناس برجوعه إلى الوزارة ، كان يوم دخوله بغداد يوماً مشهوداً بكثرة الناس وتباكيهم فرحاً بقدومه .
وممن توفي فيها من الأعيان :
عبد الملك بن محمد بن يوسف (١) أبو منصور الملقب بالشيخ [ الأجلّ ] .
كان أوحد زمانه في القيام بالمعروف [ والنهي عن المنكر ] ، والمبادرة إلى فعل الخيرات ، واصطناع
الأيادي عند أهلها من أهل السنّة ، وفي شدّة القيام على أهل البدع وقمعهم ، وافتقاد المستورين بالبرّ ،
والصدقة على المحاويج ، وإخفاء ذلك جهده وطاقته ، ومن غريب ما وقع له أنّه كان يبرّ إنساناً في كلّ سنة
بعشرة دنانير ، يكتب له بها على رجل يقال له : ابن رضوان ، فلمّا توفي الشيخ جاء الرجل إلى ابن رضوان
يطلب منه ما كان يصرفه إليه ، فقال له ابن رضوان : إنّ الذي كان يكتب لك عليّ قد مات ، ولا أقدر أن
أصرف لك شيئاً ، فذهب الرجل إلى قبرِ الشيخ الأجلّ فقرأ شيئاً من القرآن ، وترخَّم عليه ، ثمّ التفت فإذا
هو بكاغد فيه عشرة دنانير(٢) ، فأخذَها وجاء بها إلى ابن رضوان ، فذكر له ذلك ، فقال له ابن رضوان :
هذه يا أخي سقطت مني اليوم فخذها ، ولك عليّ مثلها في كلّ عام ، وكانت وفاته في المنتصف من محرم
هذه السنة عن خمس وستين سنة ، وكان يوماً مشهوداً حضره خلق من الناس لا يعلم عددهم إلا الله
عزّ وجلّ ، فرحمه الله وأكرم مثواه .
أبو جعفر ، محمد بن الحسن الطوسيّ(٣) فقيه الشيعة.
توفي في هذه السنة ، ودفن بمشهد علي ، وقد كان مجاوراً به من حين احترقت داره بالكرخ ، وكتبه
في سنة ثمان وأربعين إلى المحرم من هذه السنة ، فتوفي ، ودفن هناك .
خديجة بنت محمد بن علي بن عبد الله(٤) الواعظة ، المعروف بالشَّاهجَانيّة .
ولدت سنة أربع وسبعين [ وثلاثمئة ] ، ودفنت إلى جانب ابن سمعون(٥) .
(١) تاريخ بغداد (٤٣٤/١٠)، المنتظم (٢٥٠/٨)، الكامل في التاريخ (٥٨/١٠)، سير أعلام النبلاء
(٣٣٣/١٨)، النجوم الزاهرة (٨٢/٥).
(٢) هذا أيضاً من المبالغات التي لا دليل عليها (ع ).
(٣) المنتظم (٢٥٠/٨)، الكامل في التاريخ (٥٨/١٠)، سير أعلام النبلاء (٣٣٤/١٨)، الوافي بالوفيات
(٣٤٩/٢)، أعيان الشيعة (٣٣/٤٤)، طبقات السبكي (١٢٦/٤)، طبقات المفسرين للداودي (١٢٦/٢)،
النجوم الزاهرة ( ٨٢/٥) .
(٤) تاريخ بغداد (٢٥٨/١٤)، المنتظم (٢٥٠/٨) .
(٥) تأتي بعد هذا في ( أ) ترجمة أبي القاسم عمر بن محمد بن أحمد البزري الجزري ، ووفاته سنة ٥٦٠ ، ولم ترد في =

١٧٠
أحداث سنة ٤٦١ هـ
ثم دخلت سنة إحدى وستين وأربعمئة
في ليلة النصف من شعبان كان حريق جامع دمشق ، وكان سببه : أنّ غلمان الفاطميين والعباسيين
اختصموا فيما بينهم ، فألقيت نار بدار الملك ، وهي الخضراء المتاخمة للجامع من جهة القبلة ،
فاحترقت ، وسرى حريقها إلى الجامع فسقطت سقوفه ، وتناثرت فصوصه المذهَّبة التى على جدرانه ،
وتقلّعت الفسيفساء التي كانت في أرضه [ وعلى جدرانه ] ، وتغيّرت معالمه ومحاسنه ، وتبدّلت بهجته
بضدّها ، وقد كانت سقوفه مذهّبة مبطّئة كلّها ، والجملونات من فوقها ، وجدرانه بالفصوص المذهبة
والملوّنة ، مصوّر فيه جميع بلاد الدنيا [ بحيث إن الإنسان إذا أراد أن يتفرج في إقليم أو بلد وجده في
الجامع مصوّراً كهيئته ، فلا يسافر إليه ، ولا يُعنَى في طلبه ] ، الكعبة ومكّة في المحراب ، والبلاد كلها
شرقاً وغرباً ، كلّ [ إقليم ] في مكانه اللائق به ، و[مصوّر ] فيه كلّ شجرة مثمرة وغير مثمرة ، مشكّل
مصوّر في بلدانه وأوطانه ، والستور مرخاة على أبوابه النافذة إلى الصحن ، وعلى أصول الحيطان إلى
مقدار الثلث منها ستور ، وباقي الجدران بالفصوص الملوّنة ، وأرضه كلّها بالفصوص والرُّخام والفسيفساء
[ ليس فيها بلاط ] ، ولم يكن في الدنيا بناءً أحسن منه، لا قصور الملك، ولا دور الخلفاء، فضلاً عن
غيرهم ، ثمّ لما وقع [ الحريق فيه ] تبدّل الحال الكامل بضده ، وصارت أرضه طيناً في زمن الشتاء ،
وغباراً في زمن الصيف ، محفّر ، مجوّر ، ولم يزل كذلك حتى بلط أرضه في زمن العادل أبي بكر بن
أيوب بعد الستمئة [ من الهجرة ]، وكان جميع ما سقط من الرخام وغيره من الأخشاب [ والفصوص ]
مودعة في المشاهد الأربعة شرقيّة وغربيّة ، حتى فرغها من ذلك القاضي كمال الدين بن الشهرزوري في
زمن الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي حين ولاه نظره مع القضاء ، ونظر الأوقاف كلّها ، ونظر دار
الضرب وغير ذلك ، ولم تزل الملوك تجدّد في محاسنه وإلى زماننا هذا ؛ فتقارب حاله في زمن الأمير
سيف الدين تنكز بن عبد الله الناصري نائب الشام ، أثابه الله تعالى .
وقد أرّخ الشيخ أبو الفرج بن الجوزي في (( المنتظم)(١) هذا الحريق في سنة ثمان وخمسين ، وتبعه
ابن السّاعي في (( تاريخه(٢) ، والصواب أنّه في هذه السنة كما ذكره ابن الساعي أيضاً في هذه السنة ،
وشيخنا الحافظ أبو عبد الله الذّهبي مؤرخ الإسلام في ((تاريخه)(٣) ، وغير واحد ، والله أعلم .
=
( ب) و(ط ) فوجودها هنا خطأ بيِّن.
(١) المنتظم (٢٤١/٨).
(٢) علي بن أنجب بن عثمان ، تاج الدين ابن الساعي، من كبار المصنفين في التاريخ ، مولده ووفاته ببغداد ت
(٦٧٤هـ) وكتابه: ((الجامع المختصر في عنوان التاريخ وعيون السير)) يقع في خمسة وعشرين مجلداً .
(٣) تاريخ الإسلام (١٣٩/١٠) تحقيق الدكتور بشار عواد معروف.

١٧١
وفيات سنة ٤٦١ هـ
وفيها : نقمت الحنابلة على الشيخ أبي الوفاء بن عَقيل ، وهو من كبرائهم بتردده على أبي علي بن
الوليد المتكلّم المعتزليّ ، واتّهموه بالاعتزال ، ولا شكّ أنّه لم يكن يتردد إليه إلا ليحيط علماً بمذهبه ،
ولكن شرقه الهوى [ شرقة كادت روحه تخرج معها ] ، وصارت فيه نزعة منه ، وجرت بينه وبينهم فتنة
طويلة ، وتأذّى بسببها جماعة منهم ، وما سكنت الفتنة بينهم إلى سنة خمس وستين ، ثمّ اصطلحوا فيما
بينهم بعد اختصام كبير .
وفيها : زادت دجلة على إحدى وعشرين ذراعاً ، حتى دخل [ الماء ] مشهد أبي حنيفة ، ومشهد
النذور(١).
وفيها : ورد الخبر بأن الأفشين دخل بلاد الروم حتى انتهى إلى عمّوريةُ(٢) ، فقتل خلقاً وغنم أموالاً
كثيرة .
وفيها : كان رخص عظيم بالكوفة ، حتى بيع السمك كلّ أربعين رطلاً بحبّة . وحجّ بالناس في هذه
السنة أبو الغنائم العلوي .
وممن توفي فيها من الأعيان :
أبو القاسم ، عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن فُوران ، الفُوراني(٣) ، المروزيّ .
أحد أئمة الشّافعيّة، مصنّف (( الإبانة)) التي فيها من النقول الغريبة والأقوال والأوجه التي لا توجد إلّ
فيها ، وكان بصيراً بالأصول والفروع ، أخذ الفقه عن أبي بكر القفّال ، وحضر إمام الحرمين عنده وهو
صغير فلم يلتفت إليه ، فصار في نفسه منه ، فهو يخطئه كثيراً في (( النهاية)).
قال القاضي ابن خلِّكان: فمتى قال في (( النهاية)): وقال بعض المصنفين : كذا، وشرع في
تخطئته ، فمراده الفُوراني .
وكانت وفاته فى رمضان من هذه السنة بمرو ، عن ثلاث وسبعين سنة ، وقد كتب تلميذه أبو سعد
عبد الرحمن بن محمد بن المأمون المقرىء ، مدرّس النظاميّة بعد الشيخ أبي إسحاق ، وقبل ابن الصبّاغ
وبعده أيضاً كتاباً على ((الإبانة)) سمّاه ((تتمة الإبانة)) انتهى إلى كتاب الحدود ، ومات قبل إتمامه ، فتمم
عليه أسعد العِجْلي وغيره، فلم يلحقوا شأوه، وسمّوه: (( تتمة التتمة)) رحمهم الله تعالى.
(١) كلاهما في الأعظمية اليوم ، وهي أرض مرتفعة قلما يصيبها الغرق ، وإنما دخل الماء إلى المشهدين المذكورين من
شدة ارتفاعه ( بشار ) .
(٢) تحرفت في ( ط ) إلى : غورية.
(٣) الكامل في التاريخ (٦٨/١٠)، وفاته فيه سنة ٤٦٣هـ. وفيات الأعيان (١٣٢/٣)، سير أعلام النبلاء
(٢٦٢/١٨)، طبقات السبكي (١٠٩/٥)، شذرات الذهب (٣٠٩/٣).

١٧٢
أحداث سنة ٤٦٢ هـ
ثم دخلت سنة ثنتين وستين وأربعمئة
قال ابن الجوزي(١) : فمن الحوادث فيها : أنّه كان على ثلاث ساعات من يوم الثلاثاء الحادي عشر
من جمادى الأولى ، وهو الثامن عشر من آذار ، كانت زلزلة عظيمة بالرّملة وأعمالها ، فذهب أكثرها ،
وانهدم سورها ، وعمّ ذلك بيت المقدس ، ونابلس ، وانخسفت إيلياء ، وانجفل البحر حتى انكشفت
أرضه ، ومشى ناس فيه ، ثمّ عاد ، وتغيّرت إحدى زوايا جامع مصر ، وتبعت هذه الزلزلة في ساعتها
زلزلتان أخريان .
وفيها : توجّه ملك الروم من قسطنطينيّة إلى الشام ، في ثلاثمئة ألف ، فنزل على منبج ، وأحرق
القرى ما بين منبج إلى أرض الروم ، وقتل رجالهم ، وسبى نساءهم ، وفزع المسلمون في حلب وغيرها
فزعاً عظيماً ، فأقام ستة عشر يوماً ، ثمّ ردّه الله خاسئاً وهو حسير ، ذلك لقلّة ما معهم من الميرة ، وهلاك
أكثر جيشه بالجوع ، ولله الحمد والمنّة .
وفيها : ضاقت يد أمير مكة ، فأخذ الذهب من أستار الكعبة ، والميزاب ، وباب الكعبة ، فضرب
كلّ ذلك دراهم ودنانير ، وكذلك فعل صاحب المدينة بالقناديل التي في المسجد النبوي ، على ساكنه
أفضل الصلاة والسلام .
وفي هذه السنة : كان غلاءٌ شديد وقحط عظيم بديار مصر ، بحيث إنَّهم أكلوا الجيف والميتات ،
فكان يباع الكلب بخمسة دنانير ، وماتت الفيلة فأكلت [ ميتاتها ] ، وأفنيت الدواب ، فلم يبق لصاحب
مصر سوى ثلاثة أفراس بعد [ أن كان له العدد ] الكثير منها . ونزل الوزير يوماً عن بغلته فغفل الغلام عنها
لضعفه من الجوع ، فأخذها ثلاثة نفر فذبحوها وأكلوها ، فأخذوا ، فصُلبوا ، فأصبحوا وإذا عظامهم بادية
قد أكل الناس لحومهم ، فقُتل [ وأكل لحمه ] . وكانت الأعراب يقدمون بالطعام فيبيعونه ظاهر البلد ،
لا يتجاسرون يدخلون لئلا يختطف [ وينهب ] من بين أيديهم ، [ وكان لا يجسر أحد أن يدفن ميته نهاراً ،
وإنما يدفنه ليلا خفية، لئلا يُنبش فيؤكل ] ، واحتاج صاحب مصر ، حتى باع أشياء كثيرة من نفائس
ما عنده ، من ذلك أحد عشر درعاً. وعشرون ألف سيف محلّى ، وثمانون ألف قطعة بّور كبار ، وخمسة
وسبعون ألف قطعة من الديباج القيّم ، وبيعت ثياب النساء والرجال ، وسجف المهود بأرخص الأثمان ،
وكذلك الأملاك وغيرها . وكان بعض هذه النفائس للخليفة مما نهب من بغداد أيام البساسيري .
وفيها : وردت الخلع والتحف والهدايا من الملك ألْب آرسلان إلى الخليفة القائم بأمر الله .
(١) المنتظم (٢٥٦/٨) .

١٧٣
وفيات سنة ٤٦٢ هـ
وفيها : ضُرب اسم وليّ العهد على الدنانير ، وسُمي [ المضروب عليه ] الأميري، ومنع التعامل
بغيرها .
وفيها : ورد كتاب صاحب مكّة إلى الملك ألب آرسلان ، وهو بخراسان يخبره بإقامة الخطبة للقائم
بأمر الله ، وللسلطان بمكّة ، وقُطعت الخطبة للمصريين ، فأرسل إليه بثلاثين ألف دينار ، وخلع سنّة ،
وأجرى له في كلِّ سنة عشرة آلاف دينار .
وفيها : تزوج عميد الدولة بن جَهِير بابنة نظام المُلْك بالريّ ثم عاد إلى بغداد ، وحجّ بالناس
أبو الغنائم العلوي .
وممن توفي فيها من الأعيان :
الحسن بن علي بن محمد بن باري(١) أبو الجوائز الواسطي .
سكن بغداد دهراً طويلاً ، وكان أديباً شاعراً ظريفاً ، ولد سنة ثنتين وخمسين وثلاثمئة ، وتوفي في
هذه السنة عن مئة وعشر سنين ، ومن مستجاد شعره قوله :
وَاحَسْرتي مِن قولِها قد خَانَ عَهْدِي وَلَهَا
وَقْفاً عَلَيْها ولَهَا
وحَقِّ منْ صَيَّرني
إلا كَشْي وَلَها
ما خَطَرتْ بخاطري
محمد بن أحمد بن سهل (٢) المعروف بابن بِشْران النَّحوي الواسِطيّ .
ولد سنة ثمانين وثلاثمئة ، وكان عالماً بالأدب ، وانتهت إليه الرحلة في اللّغة ، وله شعر حسن ،
فمنه قوله :
أقصِرْ فَقَصْرُ الفتَى المماتُ
يا شَائِداً للقصورِ مَهلا٣ً)
إلا وقصراهمُ(٤) الشّاتُ
لم يجتمعْ شَملُ أهلِ قَصْرٍ
مُنتقلٍ مالهُ ثَبَاتُ
وإنّما العيشُ مِثْلُ ظلِّ
(١) المنتظم (٢٥٨/٨)، الكامل في التاريخ (٦٢/١٠) وباري، بالراء ، كذا ضبطه ابن ناصر في توضيح المشتبه
(٣٢١/١) ويقال: بازي، بالزاي كما في تبصير المنتبه (١/ ٥٧).
(٢) المنتظم (٢٥٩/٨)، معجم الأدباء (٢١٤/١٧)، الكامل في التاريخ (٦٢/١٠)، سير أعلام النبلاء
(٢٣٥/١٨)، الوافي بالوفيات (٨٢/٢)، الجواهر المضية (١١/٢)، النجوم الزاهرة (٨٥/٥)، شذرات
الذهب (٣١٠/٣).
(٣) في المنتظم والكامل : كهلاً .
(٤) في ( ط ) : قصاراهم.

١٧٤
أحداث سنة ٤٦٣ هـ
ومن ذلك أيضاً قوله :
ودّعْتُهم ولي الدُّنيا مُودِّعةٌ
وقلتُ يا لذّتي بيني لبينهمُ
لولا تعلّلُ قلبي بالرجاءِ لهمْ
يا ليتَ عيسَهُمُ يومَ النَّوى نُحرثْ
يا ساعةَ البينِ أنتِ السّاعةُ اقتربتْ
ومن ذلك قوله أيضاً :
ورحتُ مالي سوى ذِكراهُم وطر(١)
فإن٢َّ) صفو حياتي بعدهُم كدَرُ
ألفيتُه إ(٣) حدَوا بالعيسِ ينفطرُ
أوليتَها للضواري بالفَلا جزرُ
يا لوعةَ البَيْنِ أنتِ النّارُ تستعرُ
طلبتُ صديقاً في البريّةِ كلِّها فأعيا طلابي أن أصيبَ صديقا
ولم يكُ في معنى الودادِ صَدُوقا
بلى من تسمّى بالصديق مجازة
وأصبحتُ من أسرِ الحفاظِ طليقا
فطلّقتُ ودَّ العالمينَ صريمةٌ(٤)
ثم دخلت سنة ثلاث وستين وأربعمئة
فيها : أقبل ملك الروم أرمانوس في جحافل أمثال الجبال من الروم ، والكرج ، والفرنج ، وعُدد
عظيمة ، وتجمُّل هائل ، معه خمسة وثلاثون ألفاً من البطارقة مع كلّ بطريق ما بين ألفي(٥) فارس إلى
خمسمئة فارس ، ومعه من الفرنج خمسة وثلاثون ألفاً ، ومن الغز الذين يسكنون(٦) وراء القسطنطينية
خمسة عشر ألفاً ، ومعه مئة ألف نقّاب وحفّار، وألف روزجاري (٧) ، ومعه أربعمئة عجلة تحمل النعال
والمسامير ، وألفا عجلة تحمل السلاح والسروج والعرّادات(٨) والمجانيق، منها منجنيق يمدّه ألف ومئتا
رجل ، ومن عزمه قبّحه الله تعالى أن يجتثّ الإسلام وأهله ، وقد أقطع بطارقته البلاد حتى بغداد .
(١) الوطر : الحاجة .
(٢)
في (ط): كأن. ((بان)): فارق.
(٣) في (ط): إن. ((حدوا)) ساروا. ((ينفطر)): يتشقق.
(٤)
في ( ط): ثلاثة. ((صريمةً)): قطيعة .
في ( ط ): مئتي ألف. وعدد في الأصل مبالغة في عدد عظيم غير معقول. انظر المنتظم (٨/ ٢٦١) والكامل في
(٥)
التاريخ (٦٥/١٠). وسير أعلام النبلاء (١٨ / ٤١٥)، ولعل الصواب ما ذكره ابن الأثير أن جيشه كان من مئتي
ألف مقاتل (٦٥/١٠)، وهو الذي نقله الذهبي في تاريخ الإسلام (١٠/ ١٤١).
(٦) في ( أ) : يكونون .
(٧) روز جاري: لعله يريد: بنَّاءَ (ع).
(٨) جمع عرادة : آلة حربية أصغر من المنجنيق ترمي الحجارة المرمى البعيد.

١٧٥
أحداث سنة ٤٦٣ هـ
واستوصى نائبها بالخليفة خيراً ، قال له : ارفق بذاك الشيخ فإنّه صاحبنا ، ثمّ إذا استوثقت ممالك العراق
وخراسان لهم مالوا على الشام [ وأهله ] ميلة واحدة ، فاستعادوه من أيدي المسلمين ، واستنقذوه فيما
يزعمون ، والقدر يقول : لعمرك إنَّهم لفي سكرتهم يعمهون . فالتقاه السلطان ألب آرسلان في جيشه ،
وهم قريب من عشرين ألفاً بمكان يقال له : الرَّهوة (١) ، في يوم الأربعاء لخمس بقين من ذي القعدة ،
وخاف [ السلطان ] من كثرة [ جند ] المشركين ، فأشار عليه الفقيه أبو نصر محمد بن عبد الملك البخاري
بأن يكون وقت الوقعة يوم الجمعة بعد الزوال ، حين يكون الخطباء يدعون للمجاهدين ، فلمّا [ كان ذلك
الوقت وتواقف الفريقان و] تواجه الفتيان ، نزل السلطان عن فرسه، وسجد [ لله عز وجل ] ، ومرّغ
وجهه في التراب ، ودعا الله تعالى واستنصره ، فأنزل الله نصره على المسلمين ، ومنحهم أكتاف
المشركين ، فقتلوا منهم خلقاً لا يُحصون كثرة ، وأسر ملكهم أرمانوس ، أسره غلام روميّ ، فأمَّره
السلطان وأعطاه شيئاً كثيراً ، وقد كان هذا الغلام عُرض على نظام الملك الوزير في جملة تقدمة فلم
يقبله ، فقال له سيّده : إنّه وإنّه .. - يثني عليه - فردّه وقال كهيئة المستهزىء به : لعلّه يجيئنا بملك الروم
أرمانوس أسيراً ؛ فوقع الأمر كما قال ، ولله الحمد والمنّة ، فلمّا وقف أرمانوس بين يدي الملك ألب
آرْسَلان ضربه بيده ثلاث مقارع ، وقال : لو كنت أنا الأسير بين يديك ، ماذا كنت تفعل ؟ قال : كلَّ
قبيح . قال : فما ظنّك بي؟ قال : [إمّا أن ] تقتلني، أو تشهرني في بلادك، وإمّا العفو وأخذ الفداء
فتعيدني . فقال : ما عزمت على غير العفو والفداء ، فافتدى نفسه منه بألف ألف دينار وخمسمئة دينار ،
وأن يطلق كلّ أسير في بلاد الروم وعلى هدنة خمسين سنة ، يحمل فيها عن كلّ يوم ألف دينار ، وقام بين
يدي الملك فسقاه شربة ، وقبّل الأرض بين يديه ، وإلى نحو جهة الخليفة إجلالاً وإكراماً ، فأطلق له
الملك عشرة آلاف دينار ليتجهّز بها ، وأطلق معه جماعة من البطارقة من أصحابه وشيّعه فرسخاً ، وأرسل
معه جيشاً يخدمونه ويحوطونه ويحفظونه إلى بلاده ، ومعهم راية مكتوب عليها : لا إله إلا الله محمد
رسول الله . فلمّا انتهى إلى بلاده وجد الروم قد ملَّكوا عليهم غيره ، فأرسل إلى السلطان يعتذر إليه وبعث
من الذهب والجوهر ما يقارب ثلاثمئة ألف دينار ، وتزهّد ولبس الصوف ، ثمّ استضاف ملك الأرمن
فأخذه فكحله ، وأرسل إلى السلطان فأعلمه بذلك ، يتقرّب إليه به .
وفيها : خطب صاحب حلب محمود بن صالح بن مِرداس للقائم بأمر الله وللسلطان ألب آرْسَلان
معه ، فبعث إليه الخليفة بالخلع [ والهدايا والتحف ] والعهد مع الشريف طِرادِ الزّينبي.
وفيها : حجّ بالناس نور الهدى أبو الغنائم العلوي ، وخُطِبَ بمكّة للخليفة القائم بأمر الله ، وقطعت
(١) في (ط): الزهوة. خطأ. و((رَهْوَة)): صحراء قرب خلاط، وقد ذكر معظم المؤرخين : أن الوقعة كانت في
منازجرد ، وهي بلد مشهور بين خلاط وبلاد الروم ، يعد في أرمينية ، وأهله يقولون منازكرد ، بالكاف . معجم
البلدان (٢٠٢/٥)، وقد تحرفت في الكامل (٥٦/١٠) إلى: ملازكرد.

١٧٦
وفيات سنة ٤٦٣ هـ
خطبة المصريين منها ، وقد كان يخطب لهم فيها مئة سنة ، فانقطع ذلك في هذه السنة ، ولله الحمد
والمنّة .
وممن توفي فيها من الأعيان :
الحافظ أبو بكر ، الخطيب البغدادي(١) أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي .
أحد مشاهير الحفّاظ، وصاحب ((تاريخ بغداد)) وغيره من المصنّفات العديدة المفيدة ، نحو من
ستين مصنّفاً ، ويقال : مئة مصنّف ، فالله أعلم .
ولد سنة إحدى وتسعين وثلاثمئة ، وقيل : سنة ثنتين وتسعين(٢)، وأول سماعه سنة ثلاث
وأربعمئة ، ونشأ ببغداد ، وتفقه على القاضي أبي الطيب الطبري(٣) وغيره من أصحاب الشيخ أبي حامد
[ الإسفراييني ]، وسمع الحديث الكثير، ورحل إلى البصرة ، ونَيَسابور، وأصبهان، وهمَذان ،
والشام، والحجاز، وسُمي الخطيب لأنَّه كان يخطب بدَرْزيجان(٤) ، وسمع بمكّة على القاضي
أبي عبد الله محمد بن سلامة القُضاعي، وقرأ ((صحيح البخاري)) على كريمة بنت أحمد في خمسة أيام ،
ورجع إلى بغداد فحظي عند الوزير أبي القاسم بن المَسْلَمة ، ولمّا ادّعى اليهود الخيابرة : أنّ معهم كتاباً
نبويّاً فيه إسقاط الجزية عنهم ، أوقف [ ابن مَسْلَمة ] الخطيب (على هذا الكتاب ] فقال : هذا كذب.
فقيل : ما الدليل على ذلك ؟ فقال : لأن فيه شهادة معاوية بن أبي سفيان ولم يكن أسلم يوم خيبر ، وقد
كانت خيبر في سنة سبع من الهجرة ، وإسلام معاوية يوم الفتح ، وفيه شهادة سعد بن معاذ ، وقد كان
توفي عام الخندق سنة خمس ، فأعجب الناس ذلك ، وقد سُبِقِ الخطيب إلى هذا النقد [ سبقه محمد بن
جرير ] كما ذكرت في مصنّف مفرد .
ولمّا وقعت فتنة البساسيري ببغداد سنة خمسين خرج منها إلى الشام ، فأقام بدمشق في المئذنة الشرقية
من جامعها ، يقرأ على الناس الحديث النبوي ، وكان جهوري الصوت يُسمع صوته من أرجاء الجامع
(١) الأنساب (٠١٥١/٥)، تاريخ دمشق (٢٢/٧)، المنتظم (٢٦٥/٨)، معجم الأدباء (١٣/٤)، الكامل في
التاريخ (٦٨/١٠)، وفيات الأعيان (٩٢/١)، سير أعلام النبلاء (١٨/ ٢٧٠) الخطيب البغدادي مؤرخ بغداد
ليوسف العش .
(٢) هذا هو الصواب الذي ليس فيه ارتياب ، فقد ذكر الخطيب في ترجمة أبي حفص عمر بن أحمد بن شاهين أنه ولد في
يوم الخميس لست بقين من جمادى الآخرة سنة ٣٩٢ ( تاريخ مدينة السلام ١٣/ ١٣٥ بتحقيقنا ) ، وكذلك أجاب
حين سأله غيث بن علي الصوري ( معجم الأدباء ١/ ٣٨٥ بتحقيق العلامة إحسان عباس ) . أما ما جاء في المنتظم
من أنه ولد في سنة ٣٩١ فغلط محض ( بشار) .
(٣) تحرفت في ( ط) إلى: أبي طالب الطبري ، وقد تقدمت ترجمة أبي الطيب في وفيات سنة ٤٥٠.
(٤) في الأصل و( ط): درب ريحان، وهو تحريف، فقد ذكر ياقوت في معجمه (٢/ ٤٥٠) أن درزيجان قرية كبيرة
تحت بغداد على دجلة بالجانب الغربي ، منها كان والد الخطيب البغدادي وكان يخطب بها .

١٧٧
وفيات سنة ٤٦٣ هـ
كلّها ، فاتفق أنّه قرأ يوماً فضائل العبّاس فثار عليه الروافض ، وأتباع الفاطميين ، وأرادوا قتله ، فتشفَّع
بالشريف الزَّينبي(١) فأجاره ، وكان مسكنه بدار العقيقي .
ثم خرج من دمشق فأقام بمدينة صور فكتب شيئاً كثيراً من مصنّفات أبي عبد الله الصوريّ بخطّه ، كان
يستعيرها من زوجته ، فلما يزل مقيماً بالشام إلى سنة ثنتين وستين ، ثمّ عاد إلى بغداد ، فحدّث بأشياء من
مسموعاته ، وقد كان سأل الله تعالى بمكّة أن يملك ألف دينار ، وأن يحدّث بالتاريخ بجامع المنصور ،
وأن يموت ببغداد فيدفن إلى جانب بشر الحافي ، فيقال : إنه حدَّث بالتاريخ بجامع المنصور ، وإنه ملك
ذهباً يقارب ألف دينار ، وحين احتضر كان عنده قريب من مئتي دينار ، فأوصى بها لأهل الحديث ، وسأل
السلطان أن يمضي له ذلك ، فإنّه لم يترك وارثاً ، فأجيب إلى ذلك .
وله مصنفات كثيرة مفيدة منها: ((التاريخ)) وكتاب ((الكفاية))، و((الجامع))، و(( شرف أصحاب
الحديث))، و((المتفق والمفترق))، و((السابق واللاحق))، و((تلخيص المتشابه في الرسم))، و((فصل
الوصل))، و((رواية الآباء عن الأبناء))، و((رواية الصّحابة عن التابعين))، و((اقتضاء العلم العمل))،
وغير ذلك . وقد سردها الشيخ أبو الفرج بن الجوزي في ((المنتظم)(٢) قال: ويقال: إنَّ هذه المصنفات
أكثرها [ لأبي عبد الله الصُّوري أو ] ابتدأها أبو عبد الله الصُّوري فتمّمها الخطيب [ وجعلها لنفسه ](٣) .
وقد كان حسن القراءة ، فصيح اللَّفظ ، عارفاً بالأدب ، يقول الشعر ، وقد كان أولاً على مذهب
الإمام أحمد بن حنبل ، فانتقل إلى مذهب الشافعي ، ثمّ صار يتكلّم في أصحاب أحمد ، ويقدح فيهم
ما أمكنه ، وله دسائس عجيبة في ذمّهم ، ثمّ شرع ابن الجوزي ينتصر لأصحابه [ ويذكر مثالب الخطيب ،
ودسائسه ، وما كان عليه من محبّة الدنيا والميل إلى أهلها ] ، بما يطول ذكره ، وقد أورد من شعر
الخطيب قصيدة نقلها من خطّه ، جيّدة المطلع ، حسنة المنزع ، أولها :
(١) هذا غلط محض من المؤلف إن صح عنه ، فآل الزينبي بغداديون ، وإنما تشفع بصديقه الحميم الشريف أبي القاسم
علي بن إبراهيم بن أبي الجن العلوي وكان ابن أبي الجن هذا يتظاهر بالتشيع مداراةً للدولة العبيدية لكنه كان سنياً ،
قال الذهبي: (( كان صدراً نبيلاً مرضياً ثقة محدثاً مهيباً سنياً ممدوحاً بكل لسان)) ( تاريخه ١١٥/١١)، وقد حذّر
ابن أبي الجن الوالي من قتله بأن قال له : هذا الرجل مشهور بالعراق وإن قتلته قُتل به جماعة من الشيعة بالعراق
وخُربت المشاهد ( معجم الأدباء ١/ ٣٩٣) وتنظر مقدمتي لتاريخ الخطيب (٣٤/١ - ٣٥) (بشار).
(٢) المنتظم (٢٦٦/٨)، وذكر ابن خلّكان في الوفيات (١/ ٩٢): أنه صنف قريباً من مئة مصنف ، قد أحصى
المرحوم يوسف العش مؤلفاته ، فبلغت واحداً وسبعين مؤلفاً وذكر أماكن وجودها ، وأشار إلى المطبوع منها
والمخطوط ، وذلك في كتابه : الخطيب البغدادي ص (١٢٠ - ١٣٤) وللدكتور أكرم العمري كتاب قيم سماه :
موارد الخطيب ، وقد أحصى فيه ستة وثمانين مصنفاً للخطيب ، رحمه الله .
(٣) قال الذهبي في السير (١٨/ ٢٨٣): ما الخطيب بمفتقر إلى الصوري، هو أحفظ، وأوسع رحلة ، وحديثاً،
ومعرفة .

١٧٨
وفيات سنة ٤٦٣ هـ
لعمركَ ما شجاني رسمُ دارٍ
ولا أثَرُ الخيامِ أراقَ دمْعي
ولا مَلَكَ الهوى يوماً قيادي
عرفتُ فعالَهُ بذوي التّصابي
فلم أطمعْهُ فيّ وكمْ قتيلٍ
طلبتُ أخاً صحيحَ الودِّ مخصَأْ ٢)
فلم أعرفْ مِنَ الإخوانِ إلا
وعالَمُ دهرِنا لا خير فيهِ
ووصفُ جميعهمْ هذا فما أن
ولمّا لم أجدْ حرّاً يواتي
صبرتُ تكرّماً لقراعٍ دهري
ولم أكُ في الشدائدِ مُستكيناً
ولكنّي صليبُ العُودِ عودٌ
أبيّ النّفسِ لا أختار رِزقاً
فعزٌّ في لظى باغيه يثوي(٥)
وقفتُ بهِ ولا ذِكر(١) المغاني
لأجلٍ تَذكّري عهدَ الغواني
ولا عاصيتُهُ فثنَى عِنَاني
وما يلقونَ من ذلّ الهوانِ
لهُ فِي النّاسِ ما يحصى دعاني
سليمَ الغيبِ محفوظ(٣) اللِّسانِ
نِفاقاً في التَّباعدِ والتداني
ترى صُوراً تروقُ بلا مَعاني
أقولَ سوى فلانٍ أو فلانٍ
على ما نابَ من صرفِ الزمانِ
ولم أجزغ لما منه دهاني
أقولُ له ألا كُفّي كَفانِي
ربيطُ الجأش مجتمعُ الجنان
يجيء بغير سيفي أو لساني (٤)
ألذُّ من المذلَّةِ في الجِنانِ
وقد ترجمه الحافظ ابن عساكر في (( تاريخه)) ترجمة حسنة كعادته ، وأورد من شعره قوله :
ولا لِلذَّةِ وقتٍ عَجَّلتْ فَرَحا
لا تغبطنَّ أخا الدنيا لعيشته(٦)
وفِعْلُهُ بَيّنٌّ للخَلق قد وَضَحا
فالدّهرُ أسرعُ شيءٍ في تقُبهِ
وكم تقلَّد سيفاً مَنْ به ذُبح(٧)
كمْ شاربٍ عَسلاً فيه منيْتُه
وقد كانت وفاته يوم الإثنين ضحى السابع من ذي الحجة من هذه السنة ، وله ثنتان وسبعون سنة في
حجرة كان يسكنها بدرب السلسلة ، جوار المدرسة النظاميّة ، واحتفل الناس بجنازته ، وحمل [ نعشه ]
(١) في ( ط ) : رسم .
(٢)
في ( ط ) : محظى.
(٣)
في المنتظم : مأمون .
في ( ب) و(ط ) والمنتظم : سنأتي.
(٤)
(٥)
في ( ط ) : يهوى ، وفي المنتظم : يشوى .
في ( ب ) وتاريخ دمشق : لزخرفها .
(٦)
(٧) تحرف الشطر الثاني في ( ط ) إلى : وكم مقلّد سيفاً من قربه ذبحا.

١٧٩
وفيات سنة ٤٦٣ هـ
فيمن حمل الشيخ أبو إسحاق الشيرازي ، ودفن إلى جانب بشر الحافي ، في قبر رجل كان قد أعدَّه
لنفسه، فسئل أن يتركه للخطيب ، فشحّت به نفسه ، حتى قال له بعض الناس : بالله عليك لو قُدّمت أنت
والخطيب إلى بشر ، أيُّكما كان يجلس إلى جانبه؟ فقال : الخطيب ، فقيل : فاسمح له به . فوهبه له ،
فدفن فيه رحمه الله وأكرم مثواه ، وهو ممن ينشد له قول الشاعر :
ما زلتَ تدأبُ في التاريخ مجتهداً حتى رأيتُك في التاريخِ مكتُوبا
وحكى ابن خلِّكان عن السّمعاني : أنّه توفّي في شوال(١) ، وأنّه تصدّق بجميع ماله ، وأوقف كتبه ،
رحمه الله(٢) .
حسّان بن سعيد بن حسّان بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن مَنِيع بن خالد بن عبد الرحمن بن
خالد بن الوليد المخزومي المَنِيعي(٣).
كان في شبابه يجمع بين الزهد والتجارة ، حتى ساد أهلَ زمانه ، ثمّ ترك ذلك ، وأقبل على العبادة ،
والزهد ، والبرّ ، والصّلة ، والصدقة ، والإحسان إلى الخلق ، وبناء المساجد والرباطات ، وكان
السلطان يأتي إليه ، ويتبرّك به ، ولما وقع الغلاء كان يعمل كل يوم شيئاً كثيراً من الخبز والطعام فيتصدّق
به ، وكان يكسو في كلِّ سنة قريباً من ألف نفس ثياباً وجباباً وفِراءً ، وكذلك [ كان يكسو الأرامل وغيرهن
من ] النساء ، ويجهّز بنات الفقراء الأيتام ، وأسقط أشياء كثيرة من المكوس والوظائف السلطانيّة عن
نيسابور وقراها ، وهو في غاية التبذّل والثياب الأطمار(٤)، ولم يزل كذلك حتى كانت وفاته ببلدة مَرو
الرُّوذ في هذه السنة ، تغمّده الله برحمته ، آمين .
محمد بن الحسن بن حمزة٥) أبو علي الجعفري ، فقيه الشّيعة في زمانه .
محمد بن وشاح بن عبد الله(٦) أبو علي، مولى أبي تمّام محمد بن علي بن الحسن الزَّيْنَبِي.
سمع الحديث ، وكان أديباً شاعراً ، وكتب لنقيب النقباء الكامل ، وكان ينسب إلى الاعتزال
والرَّفض ، ومن شعره :
(١) لا يصح هذا .
(٢) من قوله: وحكى ابن خلكان .. إلى هنا ساقط من ( ط ).
(٣) الأنساب (المنيعي)، المنتظم (٢٧٠/٨)، الكامل في التاريخ (٦٩/١٠)، سير أعلام النبلاء (١٨ / ٢٦٥)،
شذرات الذهب ( ٣/ ٣١٣).
(٤)
((الثوب الطَمر)»: الخَلق البالي.
(٥) المنتظم (٨/ ٢٧١)، الكامل في التاريخ (٦٨/١٠) واسمه فيهما : محمد بن الحسين .
(٦) تاريخ بغداد (٣٣٦/٣)، المنتظم (٢٧١/٨)، سير أعلام النبلاء ( ٢٩٦/١٨) عرضاً .

١٨٠
وفيات سنة ٤٦٣ هـ
حملتُ العصا، لا الضعفُ أوجبَ حملَها عليّ ولا أني تحنَّت(١) من كِبَر
ولكنني ألزمتُ نفسي بحملها لأعْلِمَها أنَّ المقيمَ على سفرٍ
وممن توفي في هذه السنة :
الشيخ أبو عمر بن عبد البَرِّ النَّمَريّ(٢) الحافظ .
صاحب التَّصانيف [ المليحة الهائلة]، منها: ((التمهيد)) و((الاستذكار)) و((الاستيعاب )) وغيرها
رضي الله عنه ، ورحمه بمنه وكرمه .
ابن زَيْدُون الشاعر(٣) أحمد بن عبد الله بن أحمد بن غالب بن زيدون ، أبو الوليد الشاعر الماهر ،
الأندلسيّ ، القرطبي .
اتصل بالأمير المعتمد بن عبّاد صاحب إشبيليّة ، فحظي عنده ، وصار عنده مشاوراً في منزلة الوزير ،
ووزر له ولده أبو بكر بن أبي وليد ، وهو صاحب القصيدة الفراقيّة المشهورة التي يقول فيها٤):
شَوْقاً إليكُم ولا جَفَّتْ مَآَقِينا
بِنْتُمْ وَبِّ فما ابتلّتْ جَوانِهُنا
يَقْضِي عَلَيْنا الأسَى لَوْلا تَأَسِّينا
نَكَادُ حِینَ تُنَاجِيكُمْ ضمائِرُنا
سُوداً ، وكانتْ بِكُم بيضاً لَيالينا
حَالَتْ لبعدِكُمُ أيامُنا فَغَدَتْ
واليومَ نحنُ ولا يُرجی تلاقينا
بالأمسِ كنّا ولا يُخشى تفرُّقنا
وهي قصيدة طويلة ، فيها صنعة قويّة ، مهيِّجة للبكاء لكلّ من قرأها أو سمعها ، لأنّه ما من أحد من
أبناء الدنيا إلا وقد فقد خِلاً ، أو حبيباً ، أو قريباً ، أو نسيباً .
ومن شعر٥) :
(١) في ( ط ) : نهلت ، وفي المنتظم : وانحنيت.
(٢) جذوة المقتبس (٣٦٧)، مطمح الأنفس (٦١)، الصلة لابن بشكوال (٢/ ٦٧٧)، وفيات الأعيان (٦٦/٧)،
سير أعلام النبلاء (١٥٣/١٨)، شذرات الذهب (٣١٤/٣) وتمام اسمه: يوسف بن عبد الله بن محمد بن
عبد البر بن عاصم النمري .
قال ابن خلكان : النّمري ، بفتح النون والميم وبعدها راء ، هذه النسبة إلى النَّمر بن قاسط ، بفتح النون وكسر
الميم ، وإنما تفتح الميم في النسبة خاصة ، وهي قبيلة كبيرة مشهورة .
(٣) جذوة المقتبس (١٣٠)، وفيات الأعيان (١٣٩/١)، سير أعلام النبلاء (٢٤٠/١٨)، نفح الطيب (١/ ٦٢٧
وغيرها)، النجوم الزاهرة (٨٨/٥)، شذرات الذهب (٣١٢/٣).
(٤)
ديوانه ( ٢٩٨ - ٢٩٩).
(٥) ديوانه ( ١٦٣).