النص المفهرس
صفحات 81-100
٨١ أحداث سنة ٤٢٨ هـ ووفياتها ثم دخلت سنة ثمان وعشرين وأربعمئة وفيها : خلع الخليفة على أبي تمام محمد بن محمد بن علي الزَّينبي ، وقلّده ما كان إلى أبيه من نقابة العباسيين ، والصلاة . وفيها : وقعت الفرقة بين الجند وبين جلال الدولة ، وقطعوا خطبته ، وخطبة الملك أبي كاليجار ، ثمّ أعادوا الخطبة لهما ، وصلحت حال جلال الدولة ، وحلف الخليفة له ، وعزل وزيره ابن ماكولا ، واستوزر أبا المعالي بن عبد الرحيم ، وكان جلال الدولة قد جمع خلقاً كثيراً معه ، منهم البساسيري ، ودبيس بن علي بن مَزيد ، وقرواش بن مقّد العقيلي ، ونازل بغداد من جانبها الغربي حتى أخذها قهراً ، واصطلح هو وأبو كاليجار على يدي قاضي القضاة الماوردي ، وتزوّج أبو منصور بن أبي كاليجار بابنة جلال الدولة على صداق خمسين ألف دينار ، واتفقت كلمتهما ، وحسن حال الدولة والرعية . وفيها : وقع مطر ببلاد فم الصلحُ(١)، معه سَمَك وزن السمكة رطل أو رطلان(٢). وفيها : بعث صاحب مصر بمال لينفق على نهر بالكوفة ، إن أذن الخليفة العباسي في ذلك ، فجمع القائم بالله الفقهاء ، وسألهم عن هذا المال ، فأفتوا بأنّ هذا فيء للمسلمين يصرف في مصالحهم ، فأذن في صرفه في مصالح المسلمين . وفيها : ثار العيّارون بالبلد ، وفتحوا السجن بالجانب الشرقيّ، وأخذوا منه رجالًا ، وقتلوا من رجال الشرطة سبعة عشر رجلاً ، وانتشرت الفتن والشرور في البلد جداً . وفيها : ولي عبد الله بن الحسين بن سلامة إمارة تهامة بعد أبيه . وفيها : ولي عمان ، القاسم بن علي بن الحسين بن مكرم بعد وفاة أبيه أيضاً . ولم يحجّ أحد من أهل العراق [ وخراسان ] في هذه السنة لفساد البلاد واختلاف الكلمة . وممن توفي فيها من الأعيان : القُدُوري الحنفي(٣) أحمد بن محمد بن أحمد بن جعفر ، أبو الحسن القُدُوري [ البغدادي ] . (١) فم الصلح : اسم نهر كبير بين واسط وجَبُّل، عليه عدّة قرى. معجم البلدان (٢٧٦/٤). (٢) هذا كلام لا يسوى سماعه ، فالسماء لا تمطر سمكاً ، فلعل النهر فاض بسبب كثرة المطر ، فخرج السمك (بشار). (٣) تاريخ بغداد (٣٧٧/٤)، المنتظم (٩١/٨)، وفيات الأعيان (٧٨/١)، سير أعلام النبلاء ( ١٧ / ٥٧٤)، الوافي بالوفيات (٣٢٠/٧)، الجواهر المضية (٢٤٧/١)، النجوم الزاهرة (٢٤/٥)، شذرات الذهب (٢٣٣/٣)، وقد تقدمت ترجمت في وفيات سنة ٤١٨. ٨٢ وفيات سنة ٤٢٨ هـ قال الخطيب(١) : سمع الحديث من عبيد الله بن محمد الحَوْشبي ، ولم يحدّث إلا بشيء يسير ، كتبت عنه ، وكان صدوقاً ، وكان ممن أنجب في الفقه لذكائه ، وانتهت إليه في العراق رئاسة أصحاب أبي حنيفة لذكائه وارتفاع جاهه ، وكان برز في القراءات ، توفي يوم الأحد الخامس عشر من رجب من هذه السنة عن ست وستين سنة ، ودفن بداره في درب خلف ، رحمه الله تعالى . الحسن بن شهاب بن الحسن بن علي بن شهاب(٢) أبو علي المُكْبَري ، الفقيه ، الحنبليّ ، الشاعر . ولد سنة خمس وثلاثين وثلاثمئة ، وسمع من أبي بكر بن مالك وغيره ، وكان ثقة أميناً كما قال البرقاني ، وكان يسترزق من الوراقة - وهو النسخ - يقال : إنّه كان يكتب ديوان المتنبي في ثلاثة ليال فيبيعه بمئتي درهم ، ولمّا توفي أخذ السلطان من تركته ألف دينار ، سوى الأملاك ، وكان قد أوصى بثلث ماله في متفقِّههُ(٣) الحنابلة ، فلم يصرف ذلك . لطف الله بن أحمد بن عيسى (٤) أبو الفضل الهاشميّ . ولي القضاء والخطابة بدرزيجان(٥) وكان ذا لسان ، وقد أضرّ في آخر عمره ، فكان يروي حكايات وأناشيد من حفظه . وتوفي في صفر منها . محمد بن أحمد بن علي بن أبي موسى عيسى (٦) بن أحمد بن موسى بن محمد بن موسى بن محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن معبد بن العباس بن عبد المطلب أبو علي الهاشمي القاضي . أحد أئمة الحنابلة وفضلائهم. محمد بن الحسن بن أحمد بن محمد (٧) بن موسى(٨) أبو الحُسين(٩) الأهْوازي ، ويعرف بابن أبي علي الأصْبهاني . قال ابن خلِّكان : ونسبته بضم القاف والدال المهملة وسكون الواو وبعدها راء مهملة إلى القدور التي هي جمع = قدرٍ ، ولا أعلم سبب نسبته إليها ، بل هكذا ذكره السمعاني في الأنساب ( ١٠ / ٧٦). (١) تاريخ بغداد (٤/ ٣٧٧). تاريخ بغداد (٣٢٩/٧)، طبقات الحنابلة (١٨٦/٢)، المنتظم (٩٢/٨)، الوافي بالوفيات (٥٥/١٢ )، سير (٢) أعلام النبلاء (١٧ / ٥٤٢)، شذرات الذهب ( ٢٤١/٣). (٣) كذا في ( ط ) : وفي بعض النسخ : نفقة . (٤) تاريخ بغداد (١٤ /٥٤٧ ط. د.بشار). المنتظم (٩٢/٨)، وفي (ط ) : لطف الله أحمد . في ( ط): (( بدرب ريحان)) وهو تحريف ، ودرزيجان قرية كبيرة تحت بغداد على دجلة بالجانب الغربي ( معجم (٥) البلدان ٢/ ٥٦٧ ) ( بشار ) . (٦) تاريخ مدينة السلام (٢١٥/٢ ط. د .بشار)، المنتظم (٨/ ٩٣). (٧) في (ط): ((محمد بن الحسن بن أحمد بن علي)) وما هنا من النسخ، وهو الذي في تاريخ الخطيب (٦٢٥/٢ ط . د . بشار) وتاريخ الإسلام (٤٥٢/٩) (بشار). (٨) المنتظم (٩٣/٨). (٩) في (ط): ((الحسن)) وهو تحريف، وما أثبتناه يوافق ما في تاريخ الخطيب وخط الذهبي في تاريخ الإسلام ( بشار). ٨٣ وفيات سنة ٤٢٨هـ ولد سنة خمس وأربعين وثلاثمئة ، وقدم بغداد ، وخرّج له أبو الحسن النعيمي أجزاء من حديثه ، فسمع منه البَرْقاني إلا أنَّه بان كذبه حتى كان بعضهم يسميه : جراب الكذب ، أقام ببغداد سبع سنين ، ثمّ عاد إلى الأهواز ، فمات بها في هذه السنة . [ مِهْيار الديلمي الشاعر] مهيار بن مَرْزَوَيْه (١)، أبو الحسن الفارسي [ الكاتب ] ، ويقال له : الدَّيلميّ . كان مجوسيّاً فأسلم ، إلا أنه سلك سبيل الرافضة ، فكان ينظم الشعر القويّ الفحل في شيء من مذاهبهم من سبِّ الصحابة ، وغير ذلك ، حتى قال له أبو القاسم بن برهان(٢) : يا مهيار! انتقلت من زاوية في النار إلى زاوية أخرى ، كنت مجوسيّاً فأسلمت ، وصرت تسبُّ الصحابة ، وقد كان منزله بدرب رباح من الكرخ ، وله ديوان شعر كبير مشهور ، فمن مستجاد شعره قوله : أسْتَنْجِدُ الصّبْرَ فِيكُمْ وَهُوَ مُغْلُوبُ وَأَسْألُ النّومَ عَنْكُمْ وَهُوَ مَسْلُوبُ(٣) وَكَيْفَ يَرجِعُ شَيءٌ وَهُوَ مَوْهُوبُ وَأَبْتَغِيْ عِنْدَكُمْ قَلْباً سَمَحْتُ(٤) بِهِ حَتّى هَجَرْتُمْ(٦) وَبَعْضُ الهَجْرِ تَأْدِيبُ ما كُنْتُ أعْرِفُ مَا مِقْدَارُ وَصْلِكُمُ(٥) وله أيضاً - رحمه الله وسامحه بمنّه و کرمه ـ : أيَعْلَمُ خَالٍ كَيْفَ بَاتَ المُتَيَّمُ أجَارَتَنَا(٧) بالغَوْرِ والرّكبُ مِنْهُمُ سَواءٌ وَلِكِنْ سَاهِرُونَ وَنُوَّمُ رَحَلْتُمْ وَعُمْرِ اللَّيْلِ(٨) فينا وَفِيكُمُ (١) تاريخ بغداد (٢٧٦/١٣)، المنتظم (٩٤/٨)، الكامل في التاريخ (٤٥٦/٩)، وفيات الأعيان (٣٥٩/٥). قال ابن خلكان : ومهيار : بكسر الميم وسكون الهاء وفتح الياء المثناة من تحتها وبعد الألف راء . ومرزويه : بفتح الميم وسكون الراء وفتح الزاي والواو وبعدها ياء مثناة من تحتها ثم هاء ساكنة ، وهما اسمان فارسيان لا أعرف معناهما . (٢) هو الشيخ الثقة الصالح الحسين بن عمرو بن برهان توفي سنة ٤١٢ ترجمته في: سير أعلام النبلاء ( ١٧ / ٢٦٥). (٣) كذا في ( ط ) : وفي بعض النسخ : مغلوب . (٤) في المنتظم : سمعت . في ( ط ) : حبكم . (٥) في ( ط ) : هجرت. (٦) في المنتظم : أجيراننا . (٧) في ( ط ) : وجمر القلب . (٨) ٨٤ وفيات سنة ٤٢٨هـ قُلُوباً أبَتْ أنْ تَعْرِفَ الصَّبْرَ عَنْهُمُ فَبِنْتُم [عَلينا (١) طَاعِنِين وَخَلّفُوا وَلَمْ يَبْقَ إلا نَظْرَةٌ تَتَغَنَّمُ(٣) ولمّا جالاً) التّوْدِيعَ عمّا حَذِرْتُهُ وكَيْفَ يَحِلُّ الماءُ أكْثَرُهُ دَمْ(٥) بَكَيْتُ عَلى الوَادِيْ فَحْرَّمْتُ(٤) مَاءَهُ قال ابن الجوزي : ولما كان شعره كلّه جيداً اقتصرت منه على هذا القدر . وكانت وفاته في جمادى الآخرة . هبة الله بن الحسن(٦) أبو الحسين ، المعروف بالحاجب . كان من أهل الفضل والأدب ، والتديّن ، وله شعر حسن ، فمنه قوله : يا لَيْلَةَ سَلَكَ الزَّمَا نُ بِطِهَا(٧) في كُلِّ مَسْلَكْ ة مُذْرِكاً ما لَيْسَ يُدْرَك إِذْ نَزْتَقِي رَوْضَ المَسَؤُ(٨) مَ وَسِتْرُهٌ(١) فيهِ مُهتّك والبَدْرُ قَدْ فَضَحَ الظَّا(٩) م بِلَمْعِهَا شُعَلٌ تَحَرَّكْ وكأنَّمَا زَهْرُ النُّجُوْ وَالغَيْمُ(١) أحياناً يلو وكأنّ تَجْعِيدَ الريّا وَكَأنَّ نَشْرَ المِسْكِ أثْـ وَكَأنَّما المنشورُ مُصْفَرُ حُ كَأنَّه ثَوْبٌ مُمسَّكْ حِ لِدِجْلةٍ ثَوْبٌ مُفرَّك ـثَر في النسيم إذا تَحَرّك١٢) الذُرَا ذَهَبٌ مَشَبّك(١٣) ضٍ فإنْ نَظَرتَ إليْهِ سرّك والنورُ يبسِمُ في الريا (١) في ( ط ) : فبنتم عنا، وفي المنتظم: وتناءيتم من. (٢) في ( ط ) : خلى. (٣) في ( ط ) : نظرة لي تغنم . (٤) في ( ط ) : وحرمت . في ( ط ) : وكيف به ماء وأكثره دم . (٥) (٦) المنتظم (٩٥/٨)، الكامل في التاريخ (٤٥٦/٩). (٧) في ( ط ) : في طيبها . (٨) في ( ط ) : إذ ترتقي روحي المسرة . (٩) في ( ط ) : الزمان. (١٠) في ( ط ) : وسره ، وفي المنتظم: فستره. (١١) في (ط) : والغيب. (١٢) في ( ط ) : وكأن نسر المسك ينفـ (١٣) في ( ط ) : مسبّك. ـخ في النسيم إذا تحرّك ٨٥ وفيات سنة ٤٢٨ هـ شَارَطْتُ نفسِي أنْ أقوْ مَ بِحَقِّها والشَّرْطُ أمْلَك ـهزِماً وجَاءَ الصّبْحُ يَضْحَكْ حتّى تَولَّى اللّيْلُ مُنْـ في ظلِّ طِيبِ العيش يُترك١) واه الفتى لو أنه فإذا أتاهُ الشّيْبُ فِذْلك والدهر(٢) يُحسَبُ عُمْرُهُ وكانت وفاته في رمضان من هذه السنة ، رحمه الله تعالى . أبو علي بن سينا٣ً) الطبيب الفيلسوف، الحسين(٤) بن عبد الله بن سينا ، الشيخ الرئيس الذي كان نادرة [ وبارعاً في الطب ] في زمانه . كان أبوه من أهل بلخ ، وانتقل إلى بخارى ، واشتغل بها ابن سينا فقرأ القرآن ، وأتقن علومه ، وهو ابن عشر سنين، وأتقن الحساب، والجبر، والمقابلة، وإقليدس(٥)، والمَجِسطِي(٦)، ثمّ اشتغل على أبي عبد الله الناتِلي الحكيم ، فبرع فيه وفاق أهل زمانه ، وتردّد الناس إليه ، واشتغلوا عليه وهو ابن ست عشرة سنة ، وقد عالج بعض ملوك السّامانيّة وهو الأمير نوح بن نصر ، فأعطاه جائزة سنّة ، وَحكَّمه في خزانة كتبه ، فرأى فيها من العجائب ، [ والمحاسن ما لا يوجد في غيرها ] ، ويقال: إنّه عزا بعضها إلى نفسه ، وله في الإلهيات ، والطبيعيات كتبٌ كثيرةٌ . قال ابن خلِّكان(٧): له نحو من مئة مصنّف صغار وكبار، منها: ((القانون)) و((الشفاء)) و((النجاة)) و((الإشارات))، و((سلامان)) و((أبسال)) و((حيّ بن يقظان)) وغير ذلك، قال : وكان من فلاسفة الإسلام ، ثمّ أورد له من الأشعار قصيدته التي يقول فيها(٨): (١) في ( ط ) : وذا الفتى لو أنه في طيب العيش يترك (٢) في المنتظم : والمرء . تاريخ حكماء الإسلام (٥٢ - ٧٢)، الكامل في التاريخ (٤٥٦/٩)، وفيات الأعيان (١٥٧/٢)، تاريخ الإسلام (٣) (٤٣٨/٩ - ٤٤٦)، سير أعلام النبلاء (٥٣١/١٧)، الوافي بالوفيات (٣٩١/١٢)، الجواهر المضية (٦٣/٢)، النجوم الزاهرة (٢٥/٥) شذرات الذهب (٢٣٤/٣). (٥) إقليدس : رياضي يوناني ، علم الهندسة في الإسكندرية أيام بطليموس ملكها ، ووضع مبادىء الهندسة المسطحة ، (٤) في ( ط ) : الحسن ، وهو تحريف . ( القرن الثالث ق . م ) . (٦) المَجِسطي: كتاب قديم في الفلك ، ألفه بطليموس اليوناني ( ١٤٨ ق . م ) ومعناه الأكبر ، دعي كذلك لأهميته ، عَرّبه عن اليونانية حنين بن إسحاق . (٧) وفيات الأعيان (١٦٠/٢). (٨) وهي التي تعرف بالقصيدة العينية . ٨٦ أحداث سنة ٤٢٩ هـ وَرْقَاءُ ذَاتُ تَعَزُّزٍ وَتَمنُّعِ هَبِطَتْ إِلَيْكَ مِنَ المَحل١ِّ) الأزْفَعِ وَهِيَ الّتِي سَفَرَتْ فَلَمْ تَتَزْفَعِ كَرِهَتْ فِرَاقَكَ وَهِيَ ذَاتٌ تَفَتُعٍ مَحْجُوبةٌ عَنْ كُلِّ مُقْلَةٍ عَارِفٍ وَصَلَتْ عَلى كُرْهِ إِلَيْكَ ورُبّما وهي قصيدة طويلة ، وقوله أيضاً : اجعلْ غِذاءكَ كُلَّ يوم مرَّةً وَاحْذَرْ طَعَاماً قَبْلَ هَضْمٍ طَعَامِ مَاءُ الحَياةِ يُصَبُّ في الأزْحَام وَاحْفَظْ مَنِيَّكَ مَا اسْتَطَعْتَ فإنَّهُ وذكر أنّه توفي بالقولنج في همذان ، وقيل : بأصبهان - والأول أصح - يوم الجمعة من شهر رمضان سنة ثمان وعشرين وأربعمئة عن ثمان وخمسين سنة ، وقد خصّ (٢) الغزالي كلامه في مقاصد الفلاسفة ، ثمّ ردّ عليه في ((تهافت الفلاسفة)) في عشرين مسألة(٣) وكفّره في ثلاث مسائل منهنّ ، وهي قوله : بقدم العالم ، وعدم المعاد الجثماني ، وأنّ الله لا يعلم الجزئيات ، وبدّعه في البواقي ، ويقال : إنّه تاب عند الموت ، فالله سبحانه وتعالى أعلم . ثم دخلت سنة تسع وعشرين وأربعمئة فيها : كان بدء ملك السلاجقة (٤) : وفيها : استولى ركن الدولة أبو طالب طُغْرُلْبَك محمد بن ميكائيل بن سُلجوق على نيسابور ، وجلس على سرير ملكها ، وبعث أخاه داود إلى سائر بلاد خراسان ، فملكها ، وانتزعها من نواب الملك مسعود بن محمود بن سُُكْتکین . وفيها : قتل جيش المصريين لصاحب حلب ، وهو شِبْل الدَّولة ، نصر بن صالح بن مِزْداس ، واستولوا على حلب وأعمالها . وفيها : سأل جلال الدولة من الخليفة أن يلقَّب بملك الدولة(٥) ، فأجابه إلى ذلك بعد تمنّع . وفيها : استدعى الخليفة القائم بأمر الله القضاة والفقهاء ، وأحضر جاثليق النصارى ، (١) في ( ط) : المقام. (٢) في ( ط ) : حصر. (٣) في ( ط ) : مجلساً . ساقطة من ( أ ) . (٤) (٥) كذا في (أ) و(ب) وفي الكامل في التاريخ (٤٥٩/٩)، والمنتظم (٩٧/٨): ملك الملوك. ٨٧ أحداث سنة ٤٢٩ هـ ورأس جالوت اليهود ، وألزموا بالغيار(١) . وفي رمضان لقّب جلال الدولة بشاهنشاه الأعظم ملك الملوك ، بأمر الخليفة ، وخطب بذلك على المنابر، فنفرت العامة من ذلك، ورموا الخطباء بالآجر ، ووقعت فتنة عظيمة ، واستُفْتِيَ الفقهاء في ذلك، فأفتى أبو عبد الله الصَّيمري: إن هذه الأسماء يعتبر فيها القصد والنّة وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ [البقرة: ٢٤٧] وقال: ﴿ وَكَانَ وَرَآءَ هُمْ مَلِكٌ﴾ [الكهف: ٧٩]. وإذا كان في الأرض ملوك جاز أن يكون بعضهم فوق بعض لتفاضلهم في القوّة والإمكان ، وجاز أن يكون بعضهم [ فوق بعض و] أعظمُ(٢) من بعض ، وليس في ذلك ما يوجب النكير ولا المماثلة بين الخالق والمخلوق ، وكتب القاضي أبو الطيِّب الطبري : إنَّ إطلاق ملك الملوك جائز ويكون معناه : ملك ملوك الأرض ، وإذا جاز أن يقال : كافي الكفاة ، وقاضي القضاة ، جاز ملك الملوك، وإذا كان في اللَّفظ ما يدلّ على أنَّ المراد به ملوك الأرض ، زالت الشبهة ، ومنه قولهم : اللهمّ أصلح الملك ، فينصرف الكلام إلى المخلوقين . وكتب التميمي الحنبلي نحو ذلك أيضاً، وأمّا القاضي الماوردي صاحب ((الحاوي الكبير)) فنقل عنه أنّه أجاز ذلك أيضاً، والمشهور عنه كما نقله ابن الجوزي(٣)، والشيخ أبو عمرو بن الصّلاح، في ((أدب المفتي )) أنّه منع من ذلك ، وأصرّ على المنع مع صحبته للملك جلال الدولة ، وكثرة ترداده إليه ، ووجاهته عنده ، وأنَّه امتنع من الحضور في مجلسه حتى استدعاه الملك جلال الدولة في يوم عيد ، فلمّا دخل عليه دخل وهو وَجِلٌ خائِفٌ أن يوقع به مكروهاً ، فلمّا واجهه قال له : قد علمت أنَّه إنّما منعك من موافقة الذين جوزوا ذلك مع صحبتك إياي ، ووجاهتك عندي ، دينك ، واتباع الحقّ ، [ وإن الحقّ آثر عندك من كلِّ أحد ] ، ولو حابيت أحداً من الناس لحابيتني ، وقد زادك ذلك عندي محبّةً ومكانةً . قلت : والذي صار إليه القاضي الماوردي من المنع من ذلك هو السنّة التي وردت بها الأحاديث الصحيحة من غير وجهٍ. قال الإمام أحمد بن حنبل في (( مسنده)(٤) : حدّثنا سفيان بن عيينة ، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي بَله أنه قال: ((أخنع اسم عند الله يوم القيامة، رجلٌ تسمَّى بملك الأملاك)) . قال أحمد : سألت أبا عمرو الشيباني عن أخنع اسم قال : أوضع . وقد رواه البخاري(٥) عن علي بن المديني ، عن سفيان بن عيينة . (١) إلزامهم بلباس يخالفون فيه لباس المسلمين . (٢) في ( ب ) : أمكن . (٣) المنتظم (٨/ ٩٧ ). مسند أحمد (٢/ ٢٤٢) رقم (٧٣٢٥) من حديث أبي هريرة . (٤) (٥) صحيح البخاري (٦٢٠٥) كتاب الآداب، باب أبغض الأسماء إلى الله ومسلم رقم (٢١٤٣) وأبو داود رقم (٤٩٦١) والترمذي رقم (٢٨٣٩) من حديث أبي هريرة (ع). ٨٨ وفيات سنة ٤٢٩ هـ وأخرجه مسلم (١) من طريق همام، عن أبي هريرة، عن النبيّ وَي أنه قال: ((أغيظ رجل على الله يوم القيامة وأخبثه رجل تسمّى ملك الأملاك، لا ملك إلا لله عز وجل )). وقال [الإمام ] أحمد(٢): حدّثني محمد بن جعفر ، ثنا عوف عن خلاس، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله سمية: (( اشتدّ غضب الله على من قتله نبيّ ، واشتدّ غضب الله على رجلٍ تسمّى بملك الأملاك، لا ملك إلا الله عزّ وجلّ)). والله تعالى أعلم بالصواب . وممن توفي فيها من الأعيان : أبو منصور(٣) عبد الملك بن محمد بن إسماعيل الثعالبي النيسابوري . كان إماماً في اللغة والأخبار وأيام الناس ، بارعاً مفيداً ، له التصانيف الكبار في النظم ، والنثر ، والبلاغة، والفصاحة ، وأكبر كتبه: (( يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر)(٤) وفيها يقول بعضهم : أبياتُ أشْعارِ اليَّتِيمَهْ أبكارُ أفْكارٍ قَدِيمَهْ ماتُوا وعَاشَتْ بَعْدَهم فَلِذَاكَ سُمّيت اليَتِيْمَهْ وإنما سُمي الثعالبي لأنّه كان فرّاءً يخيط جلود الثعالب ، وله أشعار كثيرة مليحة ، ولد سنة خمسين وثلاثمئة ، ومات في هذه السّنة(٥) . الأستاذ أبو منصور عبد القاهر بن طاهر بن محمد البغدادي(٦) ، الفقيه الشافعي . أحد الأئمة في الأصول والفروع ، وكان ماهراً في فنون كثيرة [ من العلوم ] منها : علم الحساب والفرائض ، وكان ذا مال وثروة ، أنفقه كلّه على أهل العلم ، وصنّف في العلوم ، ودرّس في سبعة عشر علماً ، وكان اشتغاله على الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني ، وأخذ عنه ناصر المروزي ، وغيره ، رحمه الله تعالى وإيانا بمنّه وكرمه ، وهو حسبي ونعم الوكيل(٧) . صحيح مسلم ( ٢١٤٣/ ٢١) كتاب الآداب ، تحريم التسمي بملك الأملاك . (١) (٢) مسند أحمد (٤٩٢/٢) رقم (١٠٣٣٣) وهو حديث صحيح (ع). (٣) وفيات الأعيان (١٧٨/٣)، سير أعلام النبلاء (١٧/ ٤٣٧)، شذرات الذهب (٢٤٦/٣). طبع في دمشق عام ١٣٠٤ هـ ، وفي القاهرة ١٩٤٣ م ، وفي بيروت ١٩٤٧ م ، ثم أعيد طبعه عام ١٩٧٣ م. (٤) (٥) صحح الذهبي وفاته في سنة ( ٤٣٠هـ) كما في تاريخ الإسلام (٤٧٨/٩) وسير أعلام النبلاء (٤٣٨/١٧) ( بشار ) . (٦) وفيات الأعيان (٢٠٣/٣)، طبقات السبكي (٢٣٨/٣). (٧) ورَّخه الذهبي في وفيات سنة (٤٢٧هـ) مختصراً (٤٢٥/٩) نقلاً من إنباه الرواة للقفطي (١٨٥/٢-١٨٦) ثم أعاده في هذه السنة (٩/ ٤٦٤) نقلا من السياق لعبد الغافر ( كما في المنتخب منه رقم ١١٩٠)، ووفيات الأعيان لابن خلكان ( ٣/ ٢٠٣ ) ( بشار ) . = ٨٩ أحداث سنة ٤٣٠ هـ ووفياتها ثم دخلت سنة ثلاثين وأربعمئة فيها التقى الملك مسعود بن محمود بن سُبُكْتِكين ، والملك طُغْرُلْبَك السلجوقي ومعه أخوه داود في شعبان ، فهزمهما مسعود وقتل من أصحابهما خلقاً كثيراً . وفي هذه السنة: خطب شبيب بن وَثّاب(١) للقائم بأمر الله بحرّان والرقّة (٢) ، وقطع خطبة المستنصر العبيدي . وفيها : خوطب أبو منصور بن جلال الدولة بالملك العزيز ، وهو مقيم بواسط ، وهذا العزيز هو الذي كان آخر من تملّك من بني بويه ببغداد ، لما طغوا وبغوا وتمرّدوا وتسمّوا بملك الأملاك - وهو اسم يبغضه الله تعالى - سلبهم ما كان أنعم به عليهم، وجعل الملك إلى غيرهم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِرُ مَا بِقَوْمٍ حَّى يُغَيِّرُ واْ مَا بِأَنْفُسِهِمٌ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّلَهُ وَمَالَهُم مِّن دُونِهِ، مِن وَالٍ﴾ [ الرعد: ١١]. وفيها : خلع الخليفة على قاضي القضاة [ أبي ] عبد الله بن ماكولا خلعة تشريف. وفيها : وقع ثلج عظيم ببغداد ، مقدار شبر على الأسطحة حتى جرفه الناس عنها . قال ابن الجوزي (٣) : وفي جمادى الآخرة تملّك بنو سلجوق بلاد خراسان والجبل ، وتقسّموا الأطراف ، وهو أول ملك السّلجوقيّة . ولم يحجّ أحد في هذه السنة من أهل العراق ، وخراسان ، ولا من [ أهل ] الشام ، ولا مصر ، إلا قليلاً . وممن توفي فيها من الأعيان : الحافظ أبو نعيم الأصبهاني (٤) أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مِهْران ، الحافظ الكبير، ذو التصانيف الكثيرة الشهيرة، من ذلك: (( حلية الأولياء)) في مجلدات كثيرة دلّت على اتساع روايته ، وكثرة مشايخه ، وقوّة اطّلاعه على مخارج الأحاديث، وتشعّب طرقها. وله: ((معجم (١) تحرفت في ( ط ) إلى : شبيب بن ريان . (٢) في ( ط ): والرحبة، وفي ( ب ) : الرقعة ، وكلاهما خطأ. (٣) المنتظم (٩٢/٨). المنتظم (٨/ ١٠٠)، الكامل في التاريخ (٤٦٦/٩)، وفيات الأعيان (١/ ٩١)، تاريخ الإسلام (٤٦٨/٩)، (٤) سير أعلام النبلاء (٤٥٣/١٧)، الوافي بالوفيات (٨١/٧)، طبقات السبكي (١٨/٤)، النجوم الزاهرة (٣٠/٥)، شذرات الذهب (٢٤٥/٣). ٩٠ وفيات سنة ٤٣٠ هـ الصحابة)) وهو عندي بخطّه، وله: ((صفة الجنة)) [ و((دلائل النبوة))]، وكتاب في الطبّ [ النبوي ] وغير ذلك من المصنّفات المفيدة . وقد قال الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي(١) : كان أبو نعيم يخلط المسموع له بالمجاز ، ولا يوضّح أحدهما من الآخر(٢) . وقال عبد العزيز النخشبي : لم يسمع أبو نعيم مسند الحارث بن أبي أسامة من أبي بكر بن خلاد بتمامه ، فحدّث به كلّه ٣) . وقال الشيخ أبو الفرج بن الجوزي : سمع الكثير ، وصنّف الكثير ، وكان يميل إلى مذهب الأشعري [ في الاعتقاد ] ميلاً كثيراً . وكانت وفاته في الثامن عشر من المحرّم من هذه السنة عن أربع وتسعين سنة ، لأنّه ولد فيما ذكره ابن خلِّكان في سنة ست وثلاثين وثلاثمئة . قال: وله: (( تاريخ أصبهان )) . وذكر [ أبو نعيم ] في ترجمة والده : أن مهران أسلم ، وأن ولاءهم لعبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ، وذكر أن معنى أصبهان ، وأصله بالفارسيّة - سباهال(٤) - أي مجمع العساكر ، وأن الإسكندر بناها ، قاله السمعاني . الحسن بن الحسين(٥) أبو علي البُرْجُمي(٦) وزر لشرف الدولة أبي علي بن بهاء الدولة سنتين ثمّ عزل ، وكان عظيم الجاه في زمان عطلته ، وهو الذي بنى المارستان بواسط ، ورتّب فيه الأشربة والأطباء والأدوية وغير ذلك مما يحتاج إليه ، ووقف عليه كفايته ، كانت وفاته في هذه السنة وقد قارب الثمانين ، رحمه الله تعالى . الحسن بن جعفر(٧) أبو الفتوح العلوي ، أمير مكّة شرّفها الله تعالى . (١) رواه أبو الفضل بن طاهر المقدسي ، عن عبد الوهاب الأنماطي، عن الخطيب ، كما في تاريخ الإسلام ( بشار). (٢) تعقب الذهبي قول الخطيب فقال: ((هذا يفعله نادراً، فإنه كثيراً ما يقول : كتب إليَّ جعفر الخلدي، كتب إليَّ أبو جعفر الأصم، أخبرنا ميمون بن راشد في كتابه )) ( تاريخ الإسلام ٩/ ٤٧١) (بشار). (٣) تعقب الحافظ ابن النجار قول عبد العزيز النخشبي هذا فقال: ((وهم في هذا ، فأنا رأيت نسخة الكتاب عتيقة ، وعليها خط أبي نعيم يقول : سمع مني فلان إلى آخر سماعي من هذا المسند من ابن خلاد ، فلعله روى الباقي بالإجازة، والله أعلم)) ( تاريخ الإسلام ٩/ ٤٧١) ( بشار). (٤) تحرفت في (ط): إلى: شاهان، أنساب السمعاني (٢٨٩/١). (٥) المنتظم (١٠٠/٨)، الكامل في التاريخ (٩/ ٤٦٦). (٦) كذا الأصل و( ط): البرجمي، وفي الكامل في التاريخ (٩/ ٤٦٦): الرَّخجي. (٧) المنتظم (١٠٠/٨)، الكامل في التاريخ (٤٦٦/٥)، ووقع في بعض النسخ: (( الحسن بن حفص)) وهو تحريف . ٩١ وفيات سنة ٤٣٠ هـ الحسين بن محمد بن الحسن بن علي بن عبد الله المؤدب(١) وهو أبو محمد الخلال . سمع ((صحيح البخاري)) من إسماعيل بن محمد الكُشْميهني ، وسمع غيره . كانت وفاته في جمادى الأولى ودفن بباب حرب . عبد الملك بن محمد بن عبد الله بن (بشران بن (٢) محمد بن بشر بن مهران(٣) أبو القاسم الواعظ . سمع النَّجَّاد ودَعْلَج بن أحمد والآجري وغيرهم ، وكان ثقة صدوقاً ، وكان يشهد عند الحكّام ، فترك ذلك رغبة عنها٤) ورهبة من الله، ومات في ربيع الآخر من هذه السنة ، وقد جاوز التسعين ، وصلّي عليه في جامع الرّصافة ، وكان الجمع حافلاً ، ودفن إلى جانب أبي طالب المكّي ، وكان أوصى بذلك . محمد بن الحسين بن خلف بن الفَرّاء(٥) أبو خازم ، أخو القاضي أبي يعلى الحنبلي . سمع الدارقطني ، وابن شاهين . قال الخطيب : كان لا بأس به . ورأيت له أصولاً بسماعه فيها ، ثمّ بلغنا أنّه خلّط في الحديث بمصر ، واشترى من الورّاقين صحفاً فروى منها ، وكان يذهب إلى الاعتزال . وكانت وفاته في المحرّم من هذه السنة بتِنِّيس من بلاد مصر . محمد بن عبيد الله (٦) أبو بكر الدِّينَوري الزاهد . وكان خشن العيش ، وكان ابن القَزْويني يُثني عليه ، وكان جلال الدولة صاحب بغداد يزوره ، وقد سأله مرة أن يطلق الناس مكس الملح ، وكان [ مبلغه ] في السنة ألفي دينار ، فتركه من أجله ، ولمّا توفي اجتمع أهل البلد لجنازته ، وصُلِّي عليه مرات ، ودفن بباب حرب . الفضل بن منصور(٧) أبو الرِّضا ، ويعرف بابن الظريف ، وكان شاعراً ظريفاً ، ومن شعره الفائق ، ونظمه الرائع قوله : تاريخ بغداد (١٠٨/٨)، المنتظم (١٠٢/٨)، سير أعلام النبلاء (١٧ / ٥٩٧). (١) (٢) ما بين الحاصرتين إضافة من مصادر ترجمته لا يستقيم النص من غيرها ( بشار). (٣) تاريخ بغداد (٤٣٢/١٠)، المنتظم (١٠٢/٨)، سير أعلام النبلاء (١٧ / ٤٥٠)، النجوم الزاهرة (٣٠/٥)، شذرات الذهب ( ٢٤٦/٣). في ( ط): ((عنه)) ولا يصح، إذ المقصود الشهادة ، وما أثبتناه موافق لما في تاريخ الخطيب ( بشار ). (٤) (٥) تاريخ بغداد (٢٥٢/٢)، المنتظم (١٠٢/٨). (٦) المنتظم ( ١٠٢/٨). المنتظم (١٠٣/٨)، الكامل في التاريخ (٤٦٦/٩). (٧) ٩٢ وفيات سنة ٤٣٠ هـ يا قَالَةَ الشِّعْرِ نَصَحْتُ لَكُمْ قَدْ ذَهَبَ الذَّهْرُ بالكِرَامِ وَتَطْلُونَ (١) النَّوَالَ مِن رَجُلٍ وَلَسْتُ أدْهى إلا من النُّصْحِ وَفِي ذَاك أُمُورٌ طَوِيلةُ الشَّرْحِ قَدْ طُبِعَتْ نَفْسُهُ على الشُّحِّ ـظرف وُجُوهاً في غَايَةِ القُّبْحِ وأَنْتُمْ(٢) تَمْدَحُونَ بِالحُسْنِ والـ لأَنَّكُم تَكْذِبُونَ في المَدْحِ من أجْلِ ذا تُحرَمُونَ رِزْقَكُم يَعْثُرُ فِيهِ الرَّجَاءُ بِالنُّجْحِ(٣) صُوْنُوا القوافي فَمَا أَرَى أَحَداً فَكَذِّبُوني بواحدٍ سَمْحٍ فَإِنْ شَكَكْتُمْ فيْما أقولُ لَكُمْ هِبَةُ الله بن علي بن جَعْفَر(٤) أبو القاسم بن ماكولا ، وزر لجلال الدولة مراراً ، وكان حافظاً للقرآن ، عارفاً بالشّعر والأخبار ، خُنِقِ بهيت في جمادى الأخرى من هذه السنة . أبو زيد الدَّبُوسيُّ(٥) عَبْدُ الله بن عُمر بن عيسى ، الفقيه الحنفي . أول من وضع علم الخلاف ، وأبرزه إلى الوجود ، قاله ابن خلِّكان(٦) . قال: وكان يُضرب به المثل. والدبوسيّ نسبة إلى قرية من أعمال بخارى، قال: وله كتاب ((الأسرار)) و((التقويم للأدلة)) وغير ذلك من التصانيف والتعاليق . قال : ورُوي أنّه ناظر الفقهاء فبقي بعضهم ، كلّما ألزمه أبو زيد إلزاماً تبسم أو ضحك ، فأنشد أبو زيد : ما لي إذا أُلْزَمْتُه حُجَّةً قَابَلَنِي بالضّحْكِ وَالقَهْتَهَه إنْ كانَ ضِحْكُ المزءِ مِنْ فِقِهِهِ(٧) فَالدُّبُّ في الصَّحْرَاءِ مَا أَفْقَهَه الحَوْفي صاحب (( إعراب القرآن)) أبو الحسن علي بن إبراهيم بن سعيد بن يوسف [الحَوْفي ] النَّحْوِيُ(٨) . (١) في ( ط ) : أتطلبون. (٢) في المنتظم : وأنتم تمدحون بالجود والعدل . (٣) في ( ط ) : أحداً يغترُّ فيه بالنجح . (٤) المنتظم (١٠٣/٨)، الكامل في التاريخ (٩/ ٤٦٦). (٥) وفيات الأعيان (٤٨/٣)، سير أعلام النبلاء (١٧ / ٥٢١)، النجوم الزاهرة (٧٦/٥)، شذرات الذهب (٢٤٥/٣). قال ابن خلِّكان: والدَّبُوسي : بفتح الدال المهملة ، وضم الباء الموحدة ، وبعدها واو ساكنة وسين مهملة ، هذه النسبة إلى دَبُوسة ، وهي بليدة بين بخارى وسمر قند نسب إليها جماعة من العلماء . (٦) وفيات الأعيان (٤٨/٣). (٧) في ( ط ) : إن ضحك المرء من فقهه . (٨) وفيات الأعيان (٣٠٠/٣)، سير أعلام النبلاء (٥٢١/١٧)، طبقات المفسرين للداوودي (١/ ٣٨١)، شذرات الذهب ( ٢٤٧/٣). ٩٣ أحداث سنة ٤٣١ هـ ووفياتها له كتاب في النحو كبير، و((إعراب القرآن)) في عشر مجلدات، وله ((تفسير القرآن)) أيضاً، وكان إماماً في العربيّة [ والنحو ] والآداب ، وله تصانيف كثيرة ، انتفع الناس بها . قال ابن خلِّكان(١) : والحوفي نسبة إلى ناحية بمصر يقال لها : الشرقيّة ، وقصبتها مدينة بَلْبيس، فجمع ريفها يسمون [ حَوْف واحدهم حَوْفي ]، وهو من قرية يقال لها: شبرا اللنجة(٢) من أعمال الشرقيّة المذكورة . ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين وأربعمئة فيها : زادت دجلة زيادةً عظيمة بحيث حملت الجسر ومَن عليها فألقتهم بأسفل البلد وسلموا . وفيها : وقع بين الجند وجلال الدولة شَغَبٌ ، وقُتِلَ من الفريقين خلق كثير ، وجرت شرور طويلة ، و[وقع ] فساد عريض ، واتّسع الخرق على الراقع ، ونهبت الأتراك دور الناس ، ولم يبق للملك عندهم حرمة ولا كلمة ، وغلت الأسعار ببغداد جدّاً . وفيها : بعث الملك أبو كاليجار وزيره العادل ابن مافّة إلى البصرة فملكها له . وفيها : زار الملك أبو طاهر مشهد عليّ ، ومشهد الحسين ، ومشى حافياً في بعض تلك الزيارات ، ولم يحجّ أحد من أهل العراق في هذه السنة . وممن توفي فيها من الأعيان : إسماعيل بن أحمد بن عبد الله أبو عبد الرحمن الضرير الحِيري(٣)، من أهل نيسابور. وكان من أعيان الفضلاء الأذكياء، والثقات الأمناء، قدم بغداد حاجّاً في سنة ثلاثة وعشرين وأربعمئة، فقرأ عليه الخطيب البغدادي جميع صحيح البخاري في ثلاثة مجالس بروايته له عن أبي الهيثم الكُشْمِيهني عن الفربري عن البخاري ، وكانت وفاته في هذه السنة (٤) وقد قاربَ السبعين سنة. رحمه الله تعالى. (١) وفيات الأعيان (٣/ ٣٠٠). (٢) تحرفت في (أ) وبعض النسخ إلى: الخيمة، وفي (ط): (( النخلة)) وما أثبتناه هو الذي في وفيات الأعيان لابن خلكان الذي ينقل منه المصنف ، وكذلك سماها القفطي في إنباه الرواة ( ٢١٩/٢) ، وينظر الاقتصار لابن دقماق (٦٢/٥) (بشار). (٣) المنتظم (١٠٥/٨). (٤) إنما ذكر المصنف وفاته في هذه السنة متابعة لابن الجوزي في المنتظم الذي استنتج هذا التاريخ من قول الخطيب في ترجمته: (( وحدثني مسعود بن ناصر السجزي أنه مات بعد سنة ثلاثين وأربعمئة بيسير)) (٣١٩/٧ بتحقيقنا)، = ٩٤ أحداث سنة ٤٣٢ هـ بُشْرَى الفَاتِنِيُ(١) وهو بُشْرَى بن مَسِيْس ، من سبي الروم . أهداه بعض أمراء بني حمدان لفاتن غلام المطيع فأدَّبه ، وسمع الحديث على جماعة من المشايخ ، وروى عنه الخطيب، وقال (٢): كان صدوقاً ، صالحاً ، ديّناً ، وكانت وفاته في يوم عيد الفطر ، رحمه الله تعالى . محمّد بن عليّ بن أحمد بن يعقوب بن مروان (٣) أبو العلاء الواسطي . وأصله من فم الصّلح . سمع الحديث ، وقرأ القراءات ، ورواها ، وقد تكلّموا في روايته في القراءات والحديث ، فالله أعلم ، توفي في جمادى الآخرة وقد جاوز الثمانين . ثم دخلت سنة ثنتين وثلاثين وأربعمئة فيها : عظم شأن السّلجوقيّة ، وارتفع شأن ملکهم ◌ُغرلبك محمد ، وأخيه جفري بك داود ، وهما ابنا ميكائيل بنِ سلجوق بن تُقاق (٤) . وقد كان جدّهم تُقاق هذا من مشايخ الترك القدماء ، الذين لهم الرأي والمكيدة والمكانة عند ملكهم الأعظم ، ونشأ ولده سلجوق نجيباً شهماً ، فقدّمه الملك ولقبه شَبَاشِي (٥) ، فأطاعته الجيوش ، وانقادت له الناس بحيث تخوّف منه الملك ، وأراد قتله ، فهرب منه إلى بلاد المسلمين فأسلم ، فازداد عزّاً وعلوّاً ، ثمَّ توفي عن مئة وسبع سنين ، وخلّف أرسلان ، وميكائيل ، وموسى ، فأما ميكائيل فإنّه اعتنى بقتال الكفار من الأتراك ، حتى قُتل شهيداً وخلّف ولديه طُغْرُلْبَك محمداً ، وجفري بك داود ، فعظم شأنهما في بني عمهما ، واجتمع عليهما الترك من المؤمنين ، وهم ترك الإيمان الذين يقال لهم اليوم : تُزكمان ، وهم السلاجقة بنو سلجوق جدّهم هذا ؛ ففتحوا بلاد خراسان بكمالها بعد موت محمود بن سُبُكْتكِين ، وقد كان يتخوّف منهم الملك محمود بعض التخوّف ، فلمّا توفي وقام ولده مسعود من بعده قاتلهم وقاتلوه مراراً ، [ فكانوا ] يهزمونه في أكثر المواقف ، واستكمل لهم ملك خراسان بأسرها ، ثمّ قصدهم مسعود في جنود يضيق بها الفضاء ، فكسروه فيها ، وهي رواية لا تفيد القطع . لكن الذهبي ترجمه في وفيات سنة ( ٤٣٠ هـ ) من تاريخ الإسلام ، وقال : ذكر ابن = خيرون وفاته في سنة ثلاثين)) ( ٩/ ٤٧٤ بتحقيقنا ) وهذا بلا شك أثبت وأدق ( بشار ) . (١) المنتظم (١٠٦/٨) وقد ورد اسمه في (ب): ((بشر)) وهو تحريف. (٢) تاريخه ٧/ ٦٤٥ ( ط.د . بشار) . (٣) المنتظم ( ١٠٧/٨). كذا في الأصل والكامل في التاريخ (٩/ ٤٧٣ ) وذكر معناه : القوس الجديد . (٤) وفي وفيات الأعيان ( ٥/ ٦٣): دقاق ، وقد ضبطها كذلك ، وفي (ط ) : يناق . (٥) كذا الأصل، وفي ( ط ): شباسي، وفي الكامل: ( سباشي ) ، وذكر أن معناه : قائد الجيش. ٩٥ وفيات سنة ٤٣٢ هـ وكبسه مرّة داود فانهزم منه مسعود ، فاستحوذ على حواصله وخيامه ، وجلس على سريره ، وفرّق الغنائم ، ومكث جيشه على خيولهم لا ينزلون عنها ثلاثة أيام ، خوفاً من دهمة العدوّ ، وبمثل هذا الاحتراس تمّ لهم ما راموه ، وكمل جميع ما أمّلوه ، ثم كان من سعادتهم أنّ الملك مسعود توجّه نحو بلاد الهند ليشتي بها ، وترك مع ولده مودود جيشاً كثيفاً بسبب قتال السّلاجقة ، فلمّا عبر الجسر الذي على سيحون ، نهبت جنوده حواصله ، واجتمعوا على أخيه محمّد ، وخلعوا مسعوداً ، فرجع إليهم مسعود فقاتلهم ، فهزموه ، وأسروه ، فقال له أخوه : والله لا أقابلنَّك على سوء صنيعك إليّ ، ولكن اختر لنفسك أيّ بلد تكون فيه أنت وعيالك ، فاختار قلعة كبرى ، فكان بها . ثمّ إن الملك محمداً [ أخا مسعود ] جعل لولده أحمد الأمر من بعده ، وبايع الجيش له ، وقد كان في أحمد هوج وقلّة عقل ، فاتفق هو وعمهم يوسف بن سُبُكْتِكين على قتل مسعود ليصفو لهم الأمر ، ويتمّ لهم المُلْك ، فسار إليه أحمد عن غير علم أبيه فقتله ، فلمّا علم أبوه غاظه ذلك ، وعتب على ابنه عتباً شديداً ، وبعث إلى ابن أخيه يعتذر إليه ويقسم أنّه لم يعلم بذلك ، حتى كان يكتب إليه مودود بن مسعود يقول : رزق الله ولدك المعتوه عقلاً يعيش به ، فقد ارتكب أمراً عظيماً ، وأقدم على إراقة دم ملك مثل والدي ، لقّبه أمير المؤمنين بسيد الملوك والسلاطين، وستعلمون أيّ حيف تورطتم ، وأيّ شرّ تأبطتم، ﴿ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنَّ مُنْقَبٍ يَنقَلِبُونَ ﴾ [ الشعراء: ٢٢٧]. ثم سار إليهم في جنود عظيمة ، فقاتلهم فقهرهم، وأسرهم ، فقتل عمّه محمداً وابنه أحمد ، وبني عمّه كلّهم إلا عبد الرحيم ، وخلقاً من رؤوس أمرائهم ، وابتنى قرية هنالك سمّاها : فتح آباذ ، ثمّ سار إلى غزنة فدخلها في شعبان ، وأظهر العدل ، وسلك سيرة جدّه محمود ؛ فأطاعه الناس ، وكتب إليه أصحاب الأطراف بالانقياد والاتِّباع ، غير أنَّه أهلك قومه بيده ، وكان هذا من جملة سعادة السّلاجقة . وفيها : خالف(١) أولاد حمّاد على العزيز باديس صاحب إفريقية ، فسار إليهم فحاصرهم قريباً من سنتين ، ووقع بإفريقية في هذه السنة غلاء شديد ، بسب تأخر الأمطار عنهم . ووقع ببغداد فتنة عظيمة بين الروافض والسنّة من أهل الكرخ ، وأهل باب البصرة ، فقتل خلق كثير من الفريقين . ولم يحجّ في هذه السنة أحد من أهل العراق وضواحيها ، وخراسان . وممن توفي فيها من الأعيان : محمد بن الحسين بن الفضل بن العباس(٢) أبو يعلى البصري الصوفي . (١) في ( ط) : اختلف . (٢) المنتظم (١٠٨/٨). ٩٦ أحداث سنة ٤٣٣ هـ ووفياتها أذهب عمره في السفر والتغرّب ، وقدم بغداد في سنة ثنتين وثلاثين(١) ، فحدّث بها عن أبي بكر بن أبي الحديد الدمشقيّ ، وأبي الحسين بن جُميع الغسّاني ، وكان ثقة ، صدوقاً ، أديباً ، حسن الشعر . ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين وأربعمئة فيها : ملك طُغْرُلْبَك جرجان ، وطبرستان ، ثمّ عاد إلى نيسابور مؤيَّداً منصوراً. وفيها : ولي ظهير الدولة ، أبو منصور بن علاء الدولة أبي جعفر بن كاكويه بعد وفاة أبيه ، فوقع الخلف بينه وبين أخويه أبي كاليجار وكرشاسف(٢). وفيها : دخل أبو كاليجار همذان ودفع الغزو عنها . وفيها : شغبت الأتراك ببغداد بسبب تأخّر العطاء عنهم ، وسقطت قنطرة زريق على نهر عيسى ، وكذا القنطرة العتيقة التي تقاربها . وفيها : دخل بغداد رجل من البلغار يريد الحج ، وذكر أنّه من كبارهم فأنزل بدار الخلافة ، وأجري عليه الأرزاق ، وذكر أنّهم مولَّدون من الترك والصقالبة ، وأنهم في أقصى بلاد الترك ، وأن النهار يقصر عندهم حتى يكون ست ساعات وكذلك الليل ، وعندهم عيون وزروع ، وثمار على المطر والسقي . وفي هذه السنة : قرىء الاعتقاد [ القادري ] الذي كان جمعه القادر بالله أمير المؤمنين ، وأخذت خطوط العلماء والزهاد [عليه ] بأنه اعتقاد المسلمين ، ومَنْ خالفه فقد كفر وفسق ، فكان أول من كتب عليه الشيخ أبو الحسن علي بن عمر القزويني ، ثمّ كتب بعده العلماء ، وقد سرده أبو الفرج بن الجوزي في ((منتظمه)(٣) بتمامه، وفيه جملة جيدة من اعتقاد السّلف(٤). وممن توفي فيها من الأعيان : بَهْرام بن مَافَتَهُ(٥) أبو منصور ، الوزير لأبي كاليجار ، وكان عفيفاً ، نزهاً ، صيناً ، عادلًا في سيرته ، وقد وقف خزانة كتب بمدينة فيروز أباذ ، وتشتمل على سبعة آلاف مجلّد ، من ذلك أربعة آلاف ورقة بخطّ أبي علي وأبي عبد الله ابني مقلة . (١) وانقطع خبره فيها (تاريخ مدينة السلام ٢/ ٦٣٠) وتاريخ الإسلام (٥٢٠/٩) (بشار). (٢) في ط: ((كرسانيف)) محرفة، والمثبت من خط الذهبي في تاريخ الإسلام (٥٢٩/٩) (بشار). (٣) المنتظم (١٠٩/٨). (٤) لكن قال الذهبي بعد أن ساق بعضه: (( وفي ذلك كما ترى بعض ما يُنكر وليس من السنة)) ( تاريخ الإسلام ٤٩٥/٩) (بشار ) . (٥) المنتظم (١١١/٨)، الكامل في التاريخ (٥٠٢/٩) وقد تحرف اسم أبيه في ( ط ) إلى: منافيه. ٩٧ أحداث سنة ٤٣٤ هـ محمد بن جعفر أبو الحَسَنُ(١) المعروف بالجهرميّ(٢) . قال الخطيب البغدادي : هو أحد الشعراء الذين لقيناهم ، وسمعنا منهم ، وكان يجيد القول ، فمن شعره : أبداً يَحِنُّ إلى مُعَذِّبه يا ويحَ قَلْبِي مِنْ تَقَلُّبِهِ لَوْ أنَّ لِي جَلَد(٣) لِبُحْتُ بِهِ قَالُوا: كَتَمْتَ هَوَاهُ عَنْ جَلَدٍ عَنِّي وَيُكْثِر من تع٤ٍُِّ) بِأبِي حَبِيبٌ غَيْرُ مُكْتَرِثٍ قَلَقِيُّ(٥) وَمَوْتِي مِنْ تَغَضُّبِه حَسْبي رِضَاهُ مِنَ الحیاةِ وَیَا مسعود الملك(٦) بن الملك محمود بن الملك سُبُكْتِكين صاحب غزنة ، وابن صاحبها . قتله ابن عمّه أحمد بن محمّد بن محمود ، فانتقم له ابنه مودود بن مسعود ، وقتل عمّه وابن عمّه ، وأهل بيته من أجل أبيه ، واستتبَّ له الأمر وحده من غير منازع من قومه ، كما تقدم . بنت أمير المؤمنين المتّقي لله(٧) تأخّرت مدّتها حتى كانت وفاتها في رجب من هذه السنة عن إحدى وتسعين سنة بالحرم الطاهري ، ودفنت بالرّصافة ، رحمها الله تعالى وإيّانا بمنّه وكرمه . ثم دخلت سنة أربع وثلاثين وأربعمئة فيها : أمر الملك جلال الدولة أبو طاهر بجباية أموال الجوالي ، ومنع أصحاب الخليفة من قبضها ، فانزعج القائم بأمر الله ، وعزم على الخروج من بغداد ، وأرسل إلى الفقهاء والقضاة والأعيان في التأهّب للخروج صحبته ، وارتجت بغداد بسبب ذلك . (١) في بعض النسخ: ((أبو الحسين)) وفي (ط): ((محمد بن جعفر بن الحسين))، وكله تحريف ، وما أثبتناه هو الذي في تاريخ الخطيب والكامل لابن الأثير وخط الذهبي في تاريخ الإسلام (بشار). تاريخ مدينة السلام (٥٤٥/٢)، المنتظم (١١٢/٨)، الكامل في التاريخ (٥٠٢/٩)، تاريخ الإسلام (٢) (٩/ ٥٣٣) . (٣) في الكامل : رمقاً . (٤) في ( ط ) : ما بين جننت غير مكترث عني ولكن من نعيبه (٥) في ( ط ) : وما يلقى . (٦) المنتظم (١١٣/٨)، الكامل في التاريخ (٣٩٥/٩ - ٤٨٨)، وفيات الأعيان (١٨١/٥)، سير أعلام النبلاء (٤٩٥/١٧)، شذرات الذهب (٢٥٣/٣). (٧) المنتظم (١١٣/٨). ٩٨ وفيات سنة ٤٣٤ هـ ـ أحداث سنة ٤٣٥ هـ وفيها : كانت زلزلة عظيمة بمدينة تبريز ، هُدّمت قلعتها وسورها وأسواقها ودورها حتى من دار الإمارة عامّة قصورها ، ومات تحت الهدم خمسون ألفاً ، ولبس أهلها المسوح لشدّة مصابهم . وفيها : استولى السلطان ◌ُغْرُلْتَك على أكثر البلاد الشرقيّة فمن ذلك : مدينة خوارزم ، ودهستالُ(١)، وطَبَس، والريّ، وبلاد الجبل، وكرمان وأعمالها، وقزوين. وخُطِبَ له في تلك النواحي كلّها ، وعظم شأنه جدّاً واتّسع صيته . وفيها : ملك ثِمال بن صالح بن مِزْداس حلب ، وأخذها من أيدي جيش الفاطميين ، فبعث إليه المصريون من حاربه . ولم يحجّ أحد [ من أهل العراق وغيرها ] من هذه السنة ولا فيما قبلها . وممن توفي فيها من الأعيان : أبو ذر الهَرَوِيّ(٢) عبد(٣) بن أحمد بن محمد الحافظ ، الفقيه المالكي . سمع الكثير ورحل إلى الأقاليم ، وخرج إلى مكّة فسكنها ، ثمّ تزوج في العرب ، وأقام بالسروات ، فكان يحجّ في كلّ سنة ، ويقيم بمكّة أيام الموسم ، ويسمع الناس عليه ، وأخذ عنه المغاربة مذهب مالك ، ومذهب الشيخ أبي الحسن الأشعريّ ، عن القاضي أبي بكر الباقلاني ، وكان يقول : إنّه أخذ مذهب مالك عن الباقلاني ، وقد كان ثقة حافظاً ضابطاً ، توفي في ذي القعدة من هذه السنة . محمد بن الحسين بن محمد بن جعفر(٤) أبو الفتح الشَّيْباني ، العطّار ، ويُعرف بقُطيط . سافر إلى البلاد الشاسعة ، وسمع الكثير ، وكان شيخاً ظريفاً يسلك طريق التصوّف ، وكان يقول : لمّا ؤُلْدتُ سُمِّيت قُطيط، على أسماء البادية ، ثم سمّاني بعض أهلي محمداً . ثم دخلت سنة خمس وثلاثين وأربعمئة فيها : رُدَّت الجوالي إلى نوّاب الخليفة . (١) في الأصل : دهشتان ، خطأ. (٢) تاريخ بغداد (١٤١/١١)، المنتظم (١١٥/٨)، الكامل في التاريخ (٥١٤/٩)، سير أعلام النبلاء (٥٥٤/١٧)، النجوم الزاهرة (٣٦/٥)، نفح الطيب (٢/ ٧٠)، شذرات الذهب (٢٥٤/٣)، شجرة النور الزكية ( ١٠٤ ). (٣) وقع اسمه في (ط): ((عبد الله))، وهو خطأ . (٤) المنتظم (١١٦/٨). ٩٩ وفيات سنة ٤٣٥ هـ وفيها : ورد كتاب من الملك طغرلبك إلى جلال الدولة يأمره بالإحسان إلى الرعايا والوصاة بهم . [ قبل أن يحلّ به ما يسوؤه ] . ذكر مُلك أبي كاليجار بغداد بعد وفاة أخيه جلال الدولة بن بهاء الدولة وفيها : توفي جلال الدولة ، أبو طاهر بن بهاء الدولة ، فملك بغداد بعده أخوه سلطان الدولة أبو كاليجار بن بهاء الدولة ، وخُطِبَ له بها عن ممالأة أُمرائها ، وأخرجوا الملك العزيز أبا منصور بن جلال الدولة ، فتنقل في البلاد ، وتشرّد من مملكته إلى غيرها ، حتى توفي في سنة إحدى وأربعين ، وحُمِل ودُفن عند أبيه بمقابر قريش . وفيها : أرسل الملك مودود بن مسعود عسكراً كثيراً إلى خراسان ، فبرز إليهم [ ألْب ] أرْسَلان بن داود بن ميكائيل بن سلجوق في عسكر آخر فاقتتلا قتالاً عظيماً . وفيها : في صفر منها أسلم من الترك الذين كانوا يؤذون المسلمين ، نحو من عشرة آلاف خركاه ، وضحوا في يوم عيد الأضحى بعشرين ألف رأس من الغنم ، وتفرّقوا في البلاد ، ولم يُسْلِم من الخَطا والشَّتَر أحد ، وهم في نواحي الصين . وفيها : نفى ملك الروم من قسطنطينية كلَّ غريب له دون العشرين سنة فيها . وفيها : خطب المعزّ أبو تميم بن باديس ، صاحب إفريقيّة ببلاده للخليفة العباسي ، وقطع خطبة الفاطميين ، وأحرق أعلامهم ، وأرسل إليه الخليفة القائم بأمر الله الخلع واللواء والمنشور ، وفيه تعظيم له ، وثناء عليه . وفيها : أرسل الخليفة القائم بأمر الله أقضى القضاة أبا الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي ، قبل وفاة جلال الدولة إلى الملك المظفّر طغرلبك ليصلح بينه وبين جلال الدولة ، وأبي كاليجار ، فسار إليه فالتقاه بجرجان فتلقّاه الملك على أربعة فراسخ إكراماً له ولمن أرسله ، وأقام عنده إلى السنة القابلة ، فلمّا قدم [ على الخليفة ] أخبر بطاعته وإكرامه له ، واحترامه من أجل الخليفة . وممن توفي فيها من الأعيان : الحسين بن عثمان بن سهل بن أحمد بن عبد العزيز بن أبي دُلَف العِجْلي (١) أبو سعد . أحد الرحالين في طلب الحديث إلى البلاد المتنائية ، ثمّ أقام ببغداد مدّة وحدّث بها ، روى عنه (١) تاريخ بغداد (٨٤/٨)، المنتظم (١١٧/٨). ١٠٠ أحداث سنة ٤٣٦ هـ الخطيب وقال : كان صدوقاً منتبهاً ، ثمّ انتقل في آخر عمره إلى مكّة فسكنها حتى مات بها في شوال من هذه السنة . عبيد الله بن أبي الفتح(١) أحمد بن عثمان بن الفرج بن الأزهر ، أبو القاسم الأزْهَري ، الحافظ المحدّث الشهير ، ويعرف بابن السَّوادي(٢). سمع من أبي بكر بن مالك ، وخلق يطول ذكرهم ، وكان ثقةً صدوقاً ، ديّناً صحيح الاعتقاد ، حسن السّيرة ، وكانت وفاته ليلة الثلاثاء التاسع عشر من صفر من هذه السنة عن ثمانين سنة وعشرة أيام. الملك جلال الدولة (٣) أبو طاهر بن بهاء الدولة بن عَضُدِ الدولة بن بُويه الدَّيْلمي ، صاحب بغداد وغيرها من البلاد . كانت فيه محبة عظيمة للعبّاد يزورهم ، ويلتمس دعاءهم ، وقد نكب مرات عديدة ، وخالفه الأتراك غير مرّة ، وأخرجوه من داره ، و[ تارة أخرج ] من بغداد بالكليّة ، ثمّ يعود إليهم ويرضون عنه ، حتى اعتراه وجع في كبده هذه السنة ، فمات من ذلك في ليلة الجمعة الخامس من شعبان هذه السنة وله من العمر إحدى وخمسون سنة وأشهر ، وولي بغداد من ذلك ست عشرة سنة وأحد عشر شهرا(٤) . ثم دخلت سنة ستّ وثلاثين وأربعمئة فيها : دخل الملك أبو كاليجار بغداد ، وأمر بضرب الطبل في أوقات الصلوات الخمس ، ولم تكن الملوك قبله تفعله ، إنما كان يضرب لعضد الدولة ثلاثة أوقات ، وما كان يضرب في الأوقات الخمسة إلا للخليفة ، وكان دخوله في رمضان ، وقد فرّق على الجند أموالاً جزيلة ، وبعث إلى الخليفة بعشرة آلاف دينار ، وخلع على مقدَّمي الجيوش ، وهم : البساسيري ، والنشاوري ، والهُمام أبو اللقاء ، ولقّبه الخليفة محيي الدولة ، وخُطب له في بلاد كثيرة بأمر ملوكها ، وخُطب له بهمذان ، ولم يبق لنواب طغرلبك فيها أمر . (١) تاريخ بغداد (٣٨٥/١٠)، المنتظم (١١٧/٨)، سير أعلام النبلاء (١٧ /٥٧٨)، النجوم الزاهرة (٣٧/٥)، شذرات الذهب ( ٢٥٥/٣) ، وقد تحرف اسمه في ( ط ) إلى : عبد . (٢) تحرف في (ط) : إلى: السواري ، والسوادي: نسبة إلى سواد العراق. (٣) المنتظم (١١٨/٨)، الكامل في التاريخ (٩/ ٣٦١ و٥١٦)، سير أعلام النبلاء (١٧ / ٥٧٧) ، النجوم الزاهرة (٣٧/٥)، شذرات الذهب (٥٥/٢). (٤) قال الذهبي: (( وقد ذكرنا من أخبار جلال الدولة .. ما يدل على ضعف دولته ووهن سلطنته . وكان شيعياً جباناً ، عاش نيفاً وخمسين سنة، وكان عسكره قليلاً، وحده كليلاً، وأيامه نكدة)) ( تاريخ الإسلام (٥٤٩/٩ - ٥٥٠) ( بشار ) .