النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
وفيات سنة ٤١٢ هـ
قال ابن الجوزي : كانت له عناية بأخبار الصوفيّة ، فصنّف لهم تفسيراً [على طريقتهم ] وسنناً ،
وتاريخاً ، وجمع شيوخاً وتراجم وأبواباً ، وله بنيسابور دار معروفة به ، وفيها صوفيّة ، وبها قبره . ثم ذكر
كلام الناس في تضعيفه في الرواية ، فحكى عن الخطيب ، عن محمد بن يوسف القطّان: أنَّه لم يكن
بثقة، ولم يكن سمع من الأصمّ [ شيئاً ] كثيراً، فلمّا مات الحاكم روى عنه أشياء كثيرة ، وكان يضع
للصوفية الأحاديث .
[ قال ابن الجوزي : وكانت وفاته في ثالث شعبان منها }(١) .
أبو علي الحسن بن علي الدقّاق النيسابوري(٢)، كان يعظ الناس ويتكلّم على الأحوال والمعرفة فمن
كلامه : من تواضع لأحد لأجل دنياه ، ذهب ثلثا دينه ، لأنّه خضع له بلسانه وأركانه ، فلو خضع له بقلبه
ذهب دينه كلُّه. وقال في قوله تعالى: ﴿فَأَذْكُرُونِيِّ أَذْكُرَّكُمْ﴾ [ البقرة: ١٥٢] اذكروني وأنتم أحياء ، أذكركم
وأنتم تحت التراب ، وقال : البلاء الأكبر أن تريد ولا تُراد ، وتدنو فتردّ إلى [ الطرد و] الإبعاد . وأنشد
عند قوله تعالى: ﴿ وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ [ يوسف: ٨٤] .
جُنِنَّا بِلَيْلَى وَهِيَ جُنَّتْ بِغَيْرِنا وَأُخْرَى بِنَا مَجْنُونَةٌ لا نُرِيْدُها
وقال في قوله مَّهَ: ((حُفَّتِ الجنَّةِ بِالمَكَارِهِ» (٣) إذا كان المخلوق لا يُوصل إليه إلا بتحمّل المشاق ،
فما ظنّك بالخلاق . رحمه الله تعالى .
صريع الدِّلاء(٤) [ الشاعر ] قتيل الغواشي(٥) ذو الرقاعتين [ أبو الحسن ]، علي (٦) بن عبد الواحد (٧)
الفقيه البغدادي ، الشاعر الماجن ، له قصيدة مقصورة في الهزل ، عارض بها قصيدة أبي بكر بن دريد ،
منها :
وَأَلْفُ حَمْلٍ مِنْ مَتَاعٍ تَسْتُرُ أَنْفَعُ لِلمِسْكِينِ مِن لَقْطِ النَّوَى
(١) زيادة من ( ب) و( ط ).
(٢) " المنتظم ٧/٨، الكامل (٣٢٦/٩)، الشذرات (١٨٠/٣).
(٣) الحديث أخرجه أحمد ( ٣/ ١٥٣)، ومسلم (٢٨٢٢) في الجنة وصفة نعيمها.
(٤) وفيات الأعيان (٣٨٣/٣)، سير أعلام النبلاء (٣٢٤/١٧)، الوافي بالوفيات (٦١/٤)، شذرات الذهب
(١٩٧/٣). ووقع في (ط): ((صريع الدلال)) وهو تحريف .
(٥) في ( ط): ((الغواني)) ولا يصح ، فذلك لقب عرف به مسلم بن الوليد الشاعر ، قال الصفدي بعد ذكر صريع
الغواني ، قتيل الغواشي: (( والثاني عندي أحسن لأمرين : لأنه في الغواشي ما في الدلاء من المعنى المراد ، ولأن
الغواشي أكثر شبهاً في اللفظ بالغواني من الدلاء . لأنهم قابلوا به صريع الغواني وهو مسلم بن الوليد الشاعر الفحل ))
( بشار ) .
(٦) سماه الذهبي محمداً ، كما وجدته بخطه في تاريخ الإسلام (٢١١/٩)، وهو كذلك في السير . ( بشار) .
(٧) في ( ط ) : عبيد الواحد .

٤٢
أحداث سنة ٤١٣ هـ
طارَ مِنَ القِدْرِ إلى حيْثُ انْتَهى
مِنْ طَبِخَ الدِّكَ وَلا يَذْبَحُه
فَسَلْهُ مِنْ سَاعَتِهِ كَيْفَ العَمَى
مِنْ أُدْخِلَتْ(١) في عَيْنِهِ مِسَلَّةٌ
وإنما٣) العَقْصَة٤ُ) مِنْ خَلْفِ القَفَاه)
والذَّقْنُ شَعْرٌ فِي الوُجُوهِ طَالِعٌ(٢)
سَالَ على لِحْيَتِهِ شِبْهُ الخَرَ(٦)
مَنْ أَكَلَ الكِرْشَ ولمَّا يَغْسِلُه
إلى أن قال فيها البيت الذي حُسِدَ عليه ، وهو قوله :
مَنْ فَاتَهُ العِلْمُ وأخْطَاهُ الغِنَى فَذَاكَ والكَلْبُ عَلَى حَدِّ سَوَا
قدم مصر في سنة ثنتي عشرة وأربعمئة ، وامتدح فيها خليفتها الظاهر لإعزاز دين الله ابن الحاكم ،
واتفقت وفاته بها في رجب هذه السنة ، سامحه الله تعالى .
ثم دخلت سنة ثلاث عشرة وأربعمئة
فيها جرت كائنةٌ غريبةٌ ، ومصيبةٌ عظيمةٌ [ عامة ] ، وهي أن رجلاً من المصريين من أصحاب الحاكم
اتفق مع جماعة من الحجاج المصريين على أمر فظيع ، [وذلك أنّه ] لمّا كان يوم الجمعة ، وهو يوم النَّفْر
الأول ، طاف هذا الرجل بالبيت ، فلما انتهى إلى الحجر الأسود ، جاء ليقبّله فضربه بدبوس كان معه
ثلاث ضربات متواليات ، وقال : إلى متى يُعْبَدُ هذا الحجر؟ ولا محمد ولا علي يمنعني عما أفعله ، فإني
أهدم اليوم هذا البيت وجعل يرتعد ، فاتّقاه أكثر الحاضرين ، وتأخَّروا عنه ، وذلك أنَّه كان رجلاً طوالاً
جسيماً أحمر اللَّون ، أشقر الشعر ، وعلى باب المسجد جماعة من الفرسان وقوف ليمنعوه [ ممن يريد
منعه من هذا الفعل ] وممن أراده بسوءٍ ، فتقدم إليه رجل من أهل اليمن معه خنجر فوجأه بها ، وتكاثر عليه
الناس فقتلوه وقطّعوه قطعاً وحرّقوه [ بالنار ] ، وتتبّعوا أصحابه ، فقتلوا منهم جماعة ، ونهبت أهل مكة
ركب المصريين ، وتعدّى النهب إلى غيرهم أيضاً ، وجرت خبطة عظيمة ، وفتنة كبيرة جداً ، ثمّ سكن
الحال بعد أن تتبّع أولئك النفر الذين تمالؤوا على الإلحاد في أشرف البلاد ، غير أنَّه سقط من الحجر ثلاث
(١) في ( ط ) والسير : دخلت.
(٢) في السير : نابت .
(٣) في ( ط ) : كذلك.
في ( ب ) : الصفعة .
(٤)
في السير : وإنما الدُّبْرُ الذي تحت الخُصَى .
(٥)
(٦) سقط هذا البيت من ( ط ).

٤٣
وفيات سنة ٤١٣ هـ
فلق مثل الأظفار ، وبدا ما تحتها أسمر(١) يضرب إلى صفرة محبَّا٢) مثل الخشخاش ، فأخذ بنو شيبةً تلك
الفلق فعجنوها بالمسك واللَّكِّ، وحشوا بها تلك الشقوق التي بدت ، فاستمسك الحجر واستمرّ على
ما هو عليه الآن ، وهو ظاهر لمن تأمّله(٣) .
وفي هذه السنة فتح المارستان (٤) الذي بناه الوزير مؤيّد المُلْك ، أبو علي الحسن الرُخَجِي وزير شرف
الملك بواسط ، ورتب له الخُزّان، والأشربة ، [ والأدوية ] ، والعقاقير وغير ذلك مما يحتاج إليه ،
والله تعالى أعلم . وهو حسبنا ونعم الوكيل .
وممن توفي فيها من الأعيان :
علي بن هلال(٥) أبو الحسن بن البوَّاب ، الكاتب ، صاحب الخطِّ المنسوب.
صحب أبا الحسين ابن سَمْعُون الواعظ ، وكان يقصّ بجامع المدينة . وقد أثنى على ابن البواب غير
واحد في دينه وأمانته ، وأمّا خطه وطريقته [ فيه ] فأشهر من أن يُنْبَّه عليها، وخطّه أوضح تقريباً من
أبي علي بن مُقْلةُ(٦) ، ولم يكن بعده أكتب منه ، وعلى طريقته الناس اليوم في سائر الأقاليم إلا القليل .
قال ابن الجوزي : وكانت وفاته يوم السبت ثاني جمادى الآخرة من هذه السنة ، ودفن بمقبرة باب
حرب ، وقد رثاه بعضهم بأبيات منها :
وَلِلْعُيُونِ الّتِي أَقْرَرْتَهَا سَهَرُ
فَلِلْقُلُوبِ الّتِي أَبْهَجْتَهَا حَزٌَّ(٧)
وَمَا لِلَيْلٍ وَقَدْ فَارَقْتَهُ سَحَرُ
فَمَا لِعَيْشٍ وَقَدْ وَذَّعْتَه أَرَجٌ
قال ابن خلِّكان : ويقال له : ابن الستري لأن أباه كان ملازماً لستر الباب ، ويقال له : ابن البوّاب ،
وقد كان أخذ الخطّ عن أبي عبد الله محمد بن أسد بن علي بن سعيد البزاز ، وقد سمع ابن أسد هذا على
النجَّاد وغيره ، وتوفي سنة عشر وأربعمئة ، وأما ابن البوّاب ، فإنّه توفي في جمادى الأولى من هذه
السنة ، وقيل : في سنة ثلاث وعشرين وأربعمئة ، وقد رثاه بعضهم فقال :
في ( ب ) : أضيفر .
(١)
(٢)
في ( ب ) : متجنباً .
ذكر ابن الأثير هذه الحادثة في أحداث سنة أربع عشرة وأربعمئة .
(٣)
(٤)
المارستان أو البيمارستان : لفظة فارسية تعني : بيت المرضى .
(٥) المنتظم (١٠/٨)، وفيات الأعيان (٣٤٢/٣)، سير أعلام النبلاء (٣١٥/١٧)، النجوم الزاهرة (٤/ ٢٥٧)،
شذرات الذهب ( ١٩٩/٣).
(٦) هو محمد بن علي بن حسن بن مقلة الكاتب ، توفي سنة ٣٢٨هـ .
(٧) في ( ط ) : حُرُق .

٤٤
وفيات سنة ٤١٣ هـ
وَقَضَتْ بِصِحّةِ ذلك الأيّامُ
اسْتَشْعَر(١) الكُتَّابُ فَقْدَكَ سَالِفاً
أسفاً عَلَيْكَ وشُقَّتِ الأقْلامُ
فَلِذَاكَ سُوَّدَتِ الدّويّ كآبةً
ثمّ ذكر ابن خلِّكان أول من كتب بالعربيّة ، فقيل : إسماعيل عليه السلام ، وقيل : أول من كتب
العربيّة من قريش حَرْبُ بن أميّة بن عبدٍ شَمْس ، أخذها من بلاد الحيرة عن رجل يقال له : أسلم بن
سِدْرة ، وسأله عمن اقتبسها فقال من واضعها ، رجل يقال له : مرامر بن مُرّة ، وهو رجل من أهل
الأنبار ، فأصل الكتابة في العرب من أهل الأنبار .
قال الهيثم بن عديّ : وقد كانت لحمير كتابة يسمُّونها المُسْنَد ، وهي متّصلة غير منفصلة ، وكانوا
يمنعون العامة من تعلُّمها ، وجميع كتابات الناس تنتهي إلى اثني عشر صنفاً وهي : العربيّة ، والحميّرية ،
واليونانيّة ، والفارسيّة ، والسريانيّة ، والعبرانيّة، والروميّة ، والقبطيّة، والبربريّة ، والهنديّة ،
والأندلسيّة ، والصينيّة . وقد اندرس كثير منها . فقلّ من يعرف كثيراً منها .
علي بن عيسى بن سليمان بن محمد بن أبّانُ(٢) أبو الحَسَنُ(٣) الفارسيّ ، المعروف بالسكريّ الشاعر .
كان يحفظ القرآن ، ويعرف القراءات ، وصحب القاضي أبا بكر الباقلاني ، وأكثر شعره في مديح
الصّحابة وذمّ الرّافضة(٤). كانت وفاته في شعبان(٥) من هذه السنة ، ودفن بالقرب من قبر معروف
الكرخي ، وقد أوصى أن يكتب على قبره هذه الأبيات [ التي عملها وهي قوله ] :
نَفْسُ يا نَفْسُ كَمْ تمادَینَ في أَلَفيِ(٦) وَتَأْتِينُ(٧) في الفِعالِ(٨) المعيّبِ
ضِ وخَافِيْ يَومَ الحِسابِ العَصِيْبِ
راقبي اللّهَ واحْذَري موقِفَ العَزْ
ـشِ فإنّ السَّلِيمَ رَهْنُ الخُطوبِ
لا تَغْرّنَّكِ السَّلامَةُ في العَيْـ
فَعُ كأسَ المنونِ كيدُ الأرِيبِ (٩)
كلٌّ حَيٍّ فَلِلْمَنُونِ ولا يَدْ
سوفَ يَأْتِي عجلانَ غيرَ هَيُّوبِ
واعْلَمِي أنَّ للمنيَّةِ وَقْتاً
(١) في ( ط ) : استشعرت.
تاريخ بغداد (١٧/١٢)، المنتظم (١٠/٨)، الكامل في التاريخ (٣٢٩/٩).
(٢)
في بعض النسخ: ((الحسين))، وما هنا من (ط ) ، وهو الصواب الموافق لما في مصادر ترجمته ومنها تاريخ
(٣)
الخطيب وخط الذهبي في تاريخ الإسلام (٢٢٢/٩) (بشار).
قال ابن الأثير : وإنما سمي شاعر السنّة لأنّه أكثر مدح الصحابة .
(٤)
(٥)
في ( ط ) : شوال .
في ( ط ) : تلغي .
(٦)
في ( ط ) : تمشين .
(٧)
في المنتظم : وبالفعال .
(٨)
(٩) في ( ب) و( ط ) : الأديب.

٤٥
أحداث سنة ٤١٤ هـ
إِنَّ حُبَّ الصَّدِيْقِ فِيْ موقِفِ الـ ـحشْرِ أمَانٌ للخَائِفِ المَطْلُوبِ
محمد بن أحمد بن محمد بن منصور(١) أبو جعفر البَيِّع ، ويعرف بالعتيقي ، ولد سنة إحدى وثلاثين
وثلاثمئة ، وأقام بطرَسوس مدّة وسمع بها وبغيرها ، وحدّث بشيء يسير ، رحمه الله تعالى.
محمد بن محمد بن النُّعمانُ(٢) أبو عبد الله المعروف بابن المُعلِّم، شيخ [ الإمامية ] الرافضة ،
والمصنَّف لهم ، والحامي عن حوزتهم ، سمع ، وكانت له وجاهة عند ملوك الأطراف ، لميل كثير [ من
أهل ذلك الزمان ] إلى التشيّع ، وكان مجلسه يحضره خلق كثير من العلماء من سائر الطوائف ، وكان من
جملة تلاميذه الشريف [ الرضي ] والمرتضى، وقد رثاه بقصيدة بعد وفاته في رمضان من هذه السنة(٣)
منها :
وَمَعَانٍ فَضَضْتُ عنها خِتاما
منْ لفضلٍ أخْرجتُ مِنه حُسَاما٤)
كُنَّ هُمُوداً ويَفْتَح الأفْهَاما
من يُثِيرُ العُقُولَ مِنْ بَعْدِمَا
سَلَّه٥ُ) في الخُطُوب [] حُسَامَا٦ً)
مَنْ يُعِيرُ الصَّدِيقَ رَأْياً إذَا مَا
ثم دخلت سنة أربع عشرة وأربعمئة
فيها : قدم الملك شرف الدولة إلى بغداد ، فخرج الخليفة في الطيار(٧) لتلقّيه ، وصحبته الأمراء ،
والقضاة والفقهاء ، والوزراء ، والرؤساء ، فلما واجهه شرف الدولة قبّل الأرض من بين يدي الخليفة
مرات ، والجيش واقف برمّته ، والعامة من الجانبين ، والخليفة يبعث الرسل إليه بالسلام عليه ، وكان
يوماً مشهوداً .
وفيها : ورد كتاب من يمين الدولة محمود [ بن سُبكْتِكين ] إلى الخليفة يذكر فيه أنَّه دخل بلاد الهند
أيضاً ، وأنَّه فتح بلاداً ، وقتل خلقاً منهم ، وأنّه صالحه بعض ملوكهم ، وبعث إليه بهدايا سنّة ، وتحف
(١)
تاريخ بغداد (٣٥٣/١)، المنتظم (٨/ ١١).
تاريخ بغداد (٢٣١/٣)، المنتظم (١١/٨)، الكامل في التاريخ (٣٢٩/٩)، وهو المعروف بالشيخ المفيد .
(٢)
(٣) هكذا ذكر وفاته في هذه السنة ، وذكر الخطيب أنه مات يوم الخميس ثاني شهر رمضان من سنة ٤١٣ هـ ، وهو الذي
بخط الذهبي في تاريخ الإسلام (٢٢٧/٩-٢٢٨)، ونقل ترجمته من تاريخ الخطيب ومن تاريخ ابن أبي طي الشيعي
المعروف . ( بشار ) .
(٤)
في ( ط ) : خبيئاً .
في ( ط ) : إذا ما سلّ .
(٥)
في المنتظم : سلَّ في الخطوب حساماً .
(٦)
الطيّار : نوع من السفن السريعة .
(٧)

٤٦
وفيات سنة ٤١٤ هـ
كثيرة ، فيها فيول عديدة ، منها طائر على هيئة القُمري ، إذا وضع عند الخوان وفيه سُمّ دمعت عيناه
وجرى منها ماءٌ ، ومنها حجر يحكّ ويؤخذ ما يحصل منه فيطلى به الجراحات ذوات الأفواه الواسعة
فيلحمها ، وغير ذلك . وحجّ أهل العراق في هذه السنة ، ولكن رجعوا على طريق الشام لاحتياجهم إلى
ذلك .
وممن توفي فيها من الأعيان :
الحَسَن بن الفضل بن سهلانٌ(١) أبو محمد الرّامَهرمُزي ، وزير سلطان الدولة ، وهو الذي بنى سور
الحائر عند مشهد الحسين ، قُتِلَ في شعبان من هذه السنة .
الحسن بن محمد [ بن عبد الله] أبو عبد الله الكَشْفَلي الطبري(٢) ، الفقيه الشافعي.
تفقّه على أبي القاسم الداركي ، وكان فهماً ، فاضلاً ، صالحاً زاهداً ، وهو الذي درّس بعد الشيخ
أبي حامد الإسفراييني في مسجده ، مسجد عبد الله بن المبارك في قطيعة الربيع ، وكانت الطَّلبة عنده
مكرَّمين ، اشتكى بعضهم إليه حاجة ، وأنّه قد تأخرت عنه نفقته التي ترد عليه من أبيه ، فأخذ بيده وذهب
إلى بعض التجار بقطيعة الربيع ، فاستقرض له منه خمسين ديناراً ، فقال [ التاجر ] : حتى تأكل شيئاً ،
ومدَّ سماطاً فأكلوا ، ثمّ قال : يا جارية هاتي المال ، فأحضرت شيئاً من المال ، فوزن منه خمسين
ديناراً ، ودفعها إلى الشيخ ، فلمّا قاما إذا بوجه الفقيه قد تغيّر ، فقال له الكشفَلي : ما لك ؟ فقال :
يا سيدي قد سكن في قلبي حبّ هذه الجارية ، فرجع به التاجر فقال : وقد وقعنا في فتنة أخرى ، قال :
وما هي ؟ قال : إنّ الفقيه قد هوي الجارية . فأمر التاجر أن تخرج ، فسلّمها إليه وقال : ربّما يكون قد
وقع في قلبها منه مثل الذي وقع في قلبه منها ، فلمّا كان من قريب قدمت على الفقيه نفقة من أبيه ستمئة
دينار فوفّى التاجر ما كان له عليه من ثمن الجارية والقرض ، وذلك بسفارة الشيخ أبي محمد الكَشْفَلي .
وكانت وفاته في ربيع الآخر من هذه السنة ، ودفن بمقبرة باب حرب ، رحمه الله تعالى .
علي بن عبد الله بن الحَسَن بن جَهْضَمُ(٣) أبو الحسن الصوفيّ المكّي صاحب ((بهجة الأسرار)(٤).
وكان شيخ الصوفيّة بمكّة ، وبها توفي في هذه السنة .
قال ابن الجوزي :
(١) في (ب): ((الحسين))، وهو تحريف، وما أثبتناه من (ط)، والمنتظم (١٣/٨)، وتاريخ الإسلام بخط
الذهبي (٢٣٣/٩) ( بشار ).
(٢) المنتظم (١٣/٨)، الكامل في التاريخ (٣٣٤/٩).
(٣) المنتظم (١٤/٨)، سير أعلام النبلاء (١٧/ ٢٧٥)، شذرات الذهب (٢٠٠/٣).
(٤) كتاب بهجة الأسرار ذكر فيه المؤلف أخبار الصوفية ، وقد ذكر أنه أتى بعجائب وقصص لا يشك في بطلانها .

٤٧
أحداث سنة ٤١٥ هـ
وقد ذكروا أنّه كان كذّاباً، ويقال: إنَّه الذي وضع حديث صلاة الرغائب(١).
القاسم بن جعفر بن عبد الواحد(٢) أبو عمر الهاشمي البصري ، قاضي البصرة .
سمع الكثير ، وكان ثقة أميناً، وهو راوي (( سنن)) أبي داود عن أبي علي اللؤلؤي ، توفي في هذه
السنة [ وقد جاوز التسعين ] .
محمد بن أحمد بن الحسن بن يحيى بن عبد الجبّار(٣) أبو الفرج، القاضي الشافعيّ ، ويعرف بابن
سُميكة .
وروى عن النجّاد وغيره ، وكان ثقة . توفي في ربيع الأول منها ، ودفن بمقبرة باب حرب .
محمد بن أحمد أبو جعفر النَّسفيّ(٤)
عالم الحنفية في زمانه ، وله طريقة في الخلاف والجدل ، وكان فقيراً متزهّداً ، بات ليلة قلقاً لما عنده
من الفقر والحاجة ، فعرض له فكر في فرع من الفروع كان يشكل عليه ، فاتّضح له ، فقام يرقص ويقول :
أين الملوك وأبناء الملوك ، فسألته امرأته عن خبره ، فأعلمها بما حصل له ، فتعجّبت من عقله . وكانت
وفاته في شعبان من هذه السنة .
هِلال بن محمد بن جعفر بن سَعْدان(٥) أبو الفتح الحفّار .
سمع إسماعيل الصفّار ، والنجّاد ، وابن السمّاك ، وابن الصواف ، وكان ثقة ، توفي في صفر من
هذه السنة عن ثنتين وتسعين سنة ، رحمه الله وإيّانا بمنه .
ثم دخلت سنة خمس عشرة وأربعمئة
فيها : ألزم الوزير المغربي جماعة من الأتراك ، والمولَّدين ، والشريف المرتضى ، ونظام
الحضرتين(٦) أبا الحسن الزَّيْنبي ، وقاضي القضاة أبا الحسن بن أبي الشوارب ، والشهود بالحضور
(١) صلاة الرغائب، هي صلاة في أول ليلة جمعة من شهر رجب، قال الحافظ ابن رجب الحنبلي في ((لطائف
المعارف)) وهي كذب وباطل لا تصح ، وهذه الصلاة بدعة عند جمهور العلماء ، وإنما لم يذكرها المتقدمون ، لأنها
أحدثت بعدهم ، وأول ما ظهرت بعد الأربعمئة (ع) .
تاريخ بغداد (١٢ /٤٥١)، المنتظم (١٤/٨)، سير أعلام النبلاء (٢٢٥/١٧)، شذرات الذهب (٢٠١/٣).
(٢)
المنتظم ( ١٥/٨).
(٣)
المنتظم ( ١٥/٨).
(٤)
(٥)
تاريخ بغداد (١٤ /٧٥)، المنتظم (١٥/٨)، سير أعلام النبلاء (٢٩٣/١٧)، شذرات الذهب (٢٠١/٣).
في ( ط ) : الحضرة .
(٦)

٤٨
وفيات سنة ٤١٥ هـ
لتجديد البيعة لشرف الدَّولة ، فلما بلغ ذلك الخليفة توهّم أن تكون هذه البيعة لنّة فاسدة من أجله ، فبعث
إلى القاضي والرؤساء ينهاهم عن الحضور إليهم ، فاختلفت الكلمة بين الخليفة وشرف الدَّولة ، ثمّ
اصطلحا وتصافيا ، وجُدِّدت البيعة لكلّ منهما من الآخر .
ولم يحجّ في هذه السنة من ركب [ العراق ولا ] خراسان أحد .
واتفق أن بعض الأمراء من جهة محمود بن سُبُكْتِكين شهد الموسم في هذه السنة ، فبعث إليه صاحب
مصر بخلعٍ عظيمةٍ ليحملها إلى محمود بن سُبُكْتِكين ، فلما رجع بها إلى أستاذه الملك محمود ، أرسل بها
إلى بغداد ، فحرِّقت على باب النوبي خدمة للخليفة القادر بالله العبّاسي ، رحمه الله تعالى ، وجزاه الله
خيراً عن قصده وسيرته الحسنة .
وممن توفي فيها من الأعيان :
أحمد بن محمود بن عمر (١) بن الحسن بن عُبيد بن عمرو بن خالد (٢) أبو الفرج المُعَدَّل ، المعروف
بابن المُسْلِمة .
ولد سنة سبع وثلاثين وثلاثمئة ، وسمع أباه ، وأحمد بن كامل ، والنجّاد ، والخُطَبي(٣)،
ودَعْلَج بن أحمد ، وغيرهم ، وكان ثقة ، يسكن الجانب الشرقي من بغداد ، ويملي في أول كلّ سنة
مجلساً في المحرّم ، وكان عاقلاً فاضلاً كثير المعروف ، داره مألف لأهل العلم ، وكان قد تفقّه بأبي بكر
الرازي ، وكان يصوم الدَّهر ، ويقرأ في كلِّ يوم سبعا٤ً) ، ويعيده بعينه في تهجّده . كانت وفاته في ذي
القعدة من هذه السنة . رحمه الله تعالى .
أحمد بن محمد(٥) بن أحمد بن القاسم بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن سعيد بن أبان الضَّبِّيُّ
أبو الحسن المَحَامليّ ، نسبة إلى بيع المحامل [ التي يحمل عليها الناس في السفر ] .
(١) وقع في بعض النسخ: ((أحمد بن محمد بن محمد بن عمر))، ولا يصح، وما أثبتناه من (ط ) ويعضده ما في
مصادر ترجمته ، منها تاريخ الإسلام بخط الذهبي ( ٩/ ٢٥٠) ( بشار).
(٢) تاريخ بغداد (٦٧/٥)، المنتظم (١٦/٨)، الكامل في التاريخ (٣٤١/٩)، سير أعلام النبلاء (١٧/ ٣٤١)،
النجوم الزاهرة (٤/ ٢٦٠) .
في ( ط): ((الجهضمي)) محرف، وهو إسماعيل بن علي الخطبي المؤرخ المحدث المعروف (بشار).
(٣)
أي : سبع القرآن .
(٤)
(٥)
تاريخ بغداد (٣٧٢/٤)، المنتظم (١٧/٨)، الكامل في التاريخ (٣٤١/٩)، وفيات الأعيان (١/ ٧٤)، سير
أعلام النبلاء (٤٠٣/١٧)، الوافي بالوفيات (٣٢١/٧)، طبقات السبكي (٤٨/٤)، النجوم الزاهرة
(٢٦٢/٤)، شذرات الذهب (٢٠٢/٣).
قال ابن خلِّكان : والضَّي ، بفتح الضاد المعجمة ، وتشديد الباء الموحدة : نسبة إلى قبيلة كبيرة مشهورة .

٤٩
وفيات سنة ٤١٥ هـ
تفقه على الشيخ أبي حامد الإسفراييني ، وبرع في الفقه ، حتى كان الشيخ أبو حامد يقول : هو أحفظ
للفقه منّ. وله المصنّفات المشهورة منها: ((اللباب الأوسط)) و((المُقْنع)) وله: ((الخِلاف)) وعلّق على
الشيخ أبي حامد تعليقة كبيرة .
قال ابن خلِّكان : ولد سنة ثمان وستين وثلاثمئة ، وتوفي يوم الأربعاء ، لتسع بقين من ربيع الآخر من
هذه السنة وقد شاب . رحمه الله تعالى .
سلطان الدولة (١) بن بهاء الدولة توفي بشيراز عن ثنتين وثلاثين سنة وخمسة أشهر .
عبيد الله بن عبد الله بن الحسين (٢) أبو القاسم الخَفّاف ، المعروف بابن النَّقيب.
وكان من أئمة السّنة ، وحين بلغه موت ابن المعلّم [ فقيه الشيعة سجد لله شكراً ] ، وجلس ابن النقيب
للتهنئة وقال : ما أبالي أيّ وقتٍ متّ بعد أن شاهدت موت ابن المعلِّم، ومكث دهراً طويلاً يصلّي الفجر
بوضوء العشاء .
قال الخطيب البغدادي : وسألته عن مولده فقال : في خمس وثلاثمئة ، وأذكر من الخلفاء
المقتدر ، والقاهر ، والراضي ، والمتّقي ، والمستكفي ، والمطيع ، والطائِع ، والقادر ، والغالب بالله
خُطب له بولاية العهد . وكانت وفاته في سلخ شعبان من هذه السنة عن مئة وعشر سنين ، رحمه
الله تعالى .
عمر بن عبد الله بن عمر بن تَعْوِيذُ(٣) أبو حفص الذَّلَّال ، قال : سمعت الشبليّ ينشد :
قَدِيْماً سَمِعْنا بِهِ ما فَعَلْ
وَقَدْ كَانَ شَيْءٌ يُسمَّى السُّروز
قَلِيْلاً عَلَى ما نَرَاهُ قَتَلْ
خَلِيْلِي إِنْ دَامَ هَمُّ التُّفُوسْ
فَمَاتَ المُؤَمِّلُ قَبْلَ الأمَلْ
يُؤَمِّلُ(٤) دُنْيا لتَبَّقَى لَهُ
محمد بن الحسن(٥) أبو الحسن الأقْسَاسي العَلَوي ، نائب الشريف المرتضى في إمرة الحجّ ، حجّ
بالناس في سنين متعدّدة ، وله فصاحةٌ وشعرٌ جيّدٌ ، وهو من سلالة زيد بن علي بن الحسين .
(١) المنتظم (١٧/٨)، الكامل في التاريخ (٣٣٧/٩)، سير أعلام النبلاء (٣٤٥/١٧)، النجوم الزاهرة
(٢٦١/٤) . وهذه الترجمة ساقطة من ( ط ).
(٢) تاريخ بغداد (٣٨٢/١٠)، المنتظم (١٨/٨).
(٣)
المنتظم ( ١٨/٨).
في المنتظم : مؤمل .
(٤)
(٥) المنتظم (١٩/٨).

٥٠
أحداث سنة ٤١٦ هـ ووفياتها
ثم دخلت سنة ست عشرة وأربعمئة
فيها : قوي أمر العيّارين ببغداد ، ونهبوا الدور جهرةً ، واستهانوا بأمر السلطان.
وفي ربيع الأول منها : توفي شَرَفُ الدَّولةِ بن بُوَيْه الدَّيْلَمي ، صاحب بغداد والعراق وغير ذلك ،
فكثُرت الشرور ببغداد ، ونُهبت الخزائن ، واستقرّ الأمر على تولية جلال الدولة أبي الطاهر ، وخُطب له
على المنابر ، وهو [ إذ ذاك ] على البصرة، وخلع على شرف الملك أبي سعيد بن ماكولا وزيره ، ولقَّبه
علم الدّين ، سعد الدَّولة ، أمين الملّة، شرف المُلْك، وهو أوّل من لُّقِّب بالألقاب الكثيرة ، ثمّ طلب من
الخليفة أن يبايع لأبي كاليجار ، إذ كان وليّ عهد أبيه سلطان الدولة الذي استخلفه بهاء الدولة عليهم ،
فتوقّف في الجواب ، ثمّ وافقهم على ما أرادوا من ذلك ، وأقيمت الخطبة للملك أبي كاليجار يوم الجمعة
سادس عشر شوال من هذه السنة .
ثمّ تفاقم أمر العيّارين ببغداد وكبسوا الدور ليلاً ونهاراً ، وضربوا أهلها كما يُضرب المصادَرون ،
ويستغيث أحدهم فلا يُغاث ، واشتدّ الحال ، وهربت الشُّرَط من بغداد، ولم تُغن الأتراك شيئاً ، وعُملت
السرايج على أفواه السكك فلم يفد شيئاً(١) ، وأحرقت دار الشريف المرتضى ، فانتقل منها إلى غيرها ،
وغلت الأسعار ببغداد أيضاً جداً ، ولم يحجّ أحد من أهل [ العراق ] وخراسان في هذه السنة ، والله أعلم
بالصواب .
وممن توفي فيها من الأعيان :
سَابور بن أرْدَشِير(٢)
وزر لبهاء الدولة أبي نصر بن عَضُدِ الدولة ثلاث مرات ، ووزر لشرف الدولة أيضاً ، وكان كاتباً
سديداً ، عفيفاً عن الأموال ، كثير الخير ، سليم الباطن ، فكان إذا سمع المؤذِّن لا يشغله شيءٌ عن
الصلاة ، وقد وقف داراً للعلم في سنة إحدى وثمانين وثلاثمئة ، وجعل فيها كتباً كثيرةً جداً ، ووقف
(١) في المنتظم (٢٢/٨): وعملت الأبواب ، وأوثقت على الدروب ولم يغن ذلك شيئاً .
(٢) المنتظم (٢٢/٨)، الكامل في التاريخ (٣٥٠/٩)، وفيات الأعيان (٣٥٤/٢)، سير أعلام النبلاء
( ٣٨٧/١٧) .
قال ابن خلِّكان : وسابور : بفتح السين المهملة وضم الباء الموحدة وبعد الواو راء ، والأصل فيه : شاه بور فعرب
لأن الشاه بالعجمي : الملك ، وبور : ابن ؛ فكأنه قال : ابن الملك ، وعادة العجم تقديم المضاف إليه على
المضاف . وأول من سمي بهذا الاسم سابور بن أردشير بن بابك بن ساسان أحد ملوك الفرس .
وأردشير : بفتح الهمزة ، وسكون الراء ، وفتح الدال المهملة ، وكسر الشين المعجمة ، وسكون الياء المثناة من
تحتها وبعدها راء ، قاله الدار قطني الحافظ ، وقال غيره : معناه دقيق حليب .

٥١
وفيات سنة ٤١٦ هـ
عليها غلّةً كثيرةً فبقيت سبعين سنة ، ثمَّ أحرقت عند مجيء الملك طُغْرُلْبَك في سنة خمسين وأربعمئة
وكانت محلتها بين السورين . وقد كان جيد المباشرة [ حسن المعاشرة ] إلا أنَّه كان يعزل عماله سريعاً
[ خوفاً عليهم من الأشر والبطر ] .
توفي في هذه السنة عن قرب تسعين سنة .
عثمان النيسابوري(١) الخَرْكوشي(٢) الواعظ .
قال ابن الجوزي : صنَّف كتاباً في الوعظ من أبرز الأشياء ، وفيه أحاديث كثيرة موضوعة ، وكلمات
مَرْذُولة ، إلا أنَّه كان خيِّراً صالحاً ، وكانت له وجاهةٌ عند الخلفاء والملوك ، وكان الملك محمود بن
سُبُكْتكين إذا رآه قام له ، وكانت محلّته حِمَى يُحتمى بها من الظّلَمَةِ ، وقد وقع في بلده نيسابور موت ،
فكان يغسل الموتى مؤتجراً ، فغسّل نحواً من عشرة آلاف ميت ، رحمه الله تعالى .
محمد بن الحسن بن صَالْحَان(٣) أبو منصور ، الوزير لشرف الدولة ، ولبهاء الدولة أيضاً .
وكان وزير [ صدق ] جيّد المباشرة ، حسن الصّلاة ، محافظاً على أوقاتها ، وكان محسناً للشعراء
والعلماء ، توفي ببغداد في هذه السنة عن ستّ وسبعين سنة .
الملك شرف الدولة٤ُ) أبو علي بن بهاء الدولة أبي نصر بن عَضُدِ الدولة بن بُويه الدَّيلمي ، صاحب
بغداد وغيرها من البلاد . أصابه مرض حادٌّ فتوفي منه لثمان بقين من ربيع الآخر عن ثلاث وعشرين سنة
وثلاثة أشهر وخمسة وعشرين يوماً .
علي بن محمد التّهامي(٥) أبو الحسن الشاعر ، له ديوان مشهور ، وله مرثاةٌ في ولدٍ له [ قد مات ]
صغيراً ، أولها :
(١) المنتظم (٢٣/٨).
في بعض النسخ: (( الخركوي)) وهو تحريف ، وخركوش محلة بنيسابور، كما في أنساب السمعاني ( بشار ) ،
(٢)
وجاءت نسبته على هذا الوجه في المنتظم .
(٣)
المنتظم (٢٣/٨).
المنتظم (٢٤/٨) وفيه اسمه : مشرف الدولة .
(٤)
(٥) وفيات الأعيان (٣٧٨/٣)، سير أعلام النبلاء (١٧/ ٣٨١)، النجوم الزاهرة (٢٦٣/٤) ، شذرات الذهب
(٢٠٤/٣) .
قال ابن خلِّكان : والتِّهامي : بكسر التاء المثناة من فوقها وفتح الهاء وبعد الألف ميم ، هذه النسبة إلى تهامة ، وهي
تنطلق على مكة ، حرسها الله تعالى، ولذلك قيل للنبي وَّر: تهامي لأنه منها ، وتنطلق أيضاً على جبال تهامة
وبلادها ، وهي خطة متسعة بين الحجاز وأطراف اليمن ، ولا أعلم هل نسبة هذا الشاعر إلى مكة أم إليها ، والله
أعلم .

٥٢
أحداث سنة ٤١٧ هـ
ما هذهِ الدُّنيا بدارٍ قَرَارِ
حكمُ المنيَّةِ في البرِيَّةِ جَارِي
ضمَّتْ صُدُورُهُم مِنَ الأوْغَارِ
إِنِّي لأرْحَمُ حَاسِديَّ لحرِّ ما
نظروا صَنِيعَ اللهِ بي فعيونُهم في جَنَّةٍ ، وقُلُوبُهم في نَارٍ
ومنها في ذمّ الدنيا ، وكلّ هذه القصيدة مليح مختار :
طبعتْ(١) على كدرٍ وأنتَ تريدُها٢) صَفْواً من الأقذار(٣) والأكْدَارِ
متطلِّبٌ في الماءِ جذوةَ نارٍ
ومکلّف الأیام ضدَّ طباعها
تَبني الرجاءَ على شفيرٍ هارٍ
وإذا رجوتَ المستحيلَ فإنَّما
ومنها قوله في ولده [ بعد موته ] :
جاورتُ أعدائي وجاورَ رَبَّهُ شَتَّان بينَ جِوارِهِ وجِوَارِي
وقد ذكر ابن خلِّكان٤) : أن بعضهم رآه في النوم بأبَّهٍ حسنةٍ فقال [ له بعض أصحابه ] : بِمَ نلت
ذلك ؟ فقال : بهذا البيت ، توفي بحبس خزانة البنود من القاهرة في هذه السنة ، رحمه الله تعالى .
ثم دخلت سنة سبع عشرة وأربعمئة
في العشرين من المحرّم ، وقعت فتنة عظيمة بين الأسفهسلاريّةُ(٥) وبين العيَّارين ، وركبت إليهم
الأتراك بالدَّبادب كما يُفعل في الحرب ، وأحرقت أبواب كثيرة من الدور التي احتمى فيها العيَّارون ،
وأحرق من الكرخ جانب كبير ، ونُهب أهله، وتعدَّى النهب إلى غيره أيضاً ، وكانت فتنةً هائلةً شنيعةً ، ثمّ
خمدت في اليوم الثاني ، وقُرّر على أهل الكرخ مئة ألف دينار [ مصادرة ] لإثارتهم الفتن والشرور .
وفي شهر ربيع الآخر منها شهد أبو عبد الله الحسين بن علي الصيمري عند قاضي القضاة ابن
أبي الشوارب بعدما كان استتابه عمّا ذُكر عنه من الاعتزال .
وفي رمضان انقضَّ كوكب سُمع له دويّ كدويّ الرَّعد ، ووقع في سلخ شوال بَرَدٌ لم يُعهد مثله ،
واستمر ذلك إلى العشرين من ذي الحجّة ، وجمد الماء طول هذه المدّة ، حتى حافات دجلة والأنهار
الكبار ، وقاسى الناس شدّة عظيمة، وتأخّر المطر ، وزيادة دجلة ، وقلّة الزراعة ، وامتنع كثير من
في ( ط ) : جبلت .
(١)
(٢)
في ( ط ) : ترومها .
في الوفيات : الأقذاء .
(٣)
وفيات الأعيان ( ٣٨١/٣).
(٤)
(٥) في المنتظم (٢٤/٨) : الإصفهسلارية.

٥٣
وفيات سنة ٤١٧ هـ
الناس عن التصرّف . ولم يحجّ أحد من العراق وخراسان لفساد البلاد والطرقات .
وممن توفي فيها من الأعيان :
قاضي القضاة ، ابن أبي الشوارب (١) أحمد بن محمد بن عبد الله بن العبّاس بن محمد بن عبد الملك بن
أبي الشوارب ، أبو الحسن القرشيُّ الأمويُّ .
قاضي قضاة بغداد بعد ابن الأكفاني بثنتي عشرة سنة ، وكان عفيفاً نَزِهاً ، وقد سمع الحديث من
أبي عمرو الزاهد ، وعبد الباقي بن قانع ، إلا أنّه لم يحدّث . قاله ابن الجوزي .
وحكى الخطيب البغدادي عن شيخه أبي العلاء الواسطي : إنّ أبا الحسن هذا كان آخر من ولي الحكم
ببغداد من سلالة محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب ، وقد ولي الحكم من سلالته أربعة وعشرُون ،
منهم ثمانية قضاء القضاة ببغداد .
قال أبو العلاء : وما رأينا مثل أبي الحسن هذا جلالةٌ ونزاهةً ، وصيانةً وشرفاً .
وقد ذكر القاضي الماوردي : أنَّه كان له صديقاً وصاحباً ، وأن رجلاً من خيار الناس أوصى له بمئتي
دينار ، فحملها إليه الماورديّ فأبى أن يقبلها ، فجهد عليه كلّ الجهد فلم يفعل ، وقال : أسألك الله
لا تذكر هذا لأحد ما دمتُ حيّاً ، ففعل [ الماوردي ] فلم يخبر عنه إلا بعد موته [وكان ابن أبي الشوارب
فقيراً إليها وإلى ما هو دونها فلم يقبلها ] ، وتوفي في شوال من هذه السَّنة .
جعفر بن باي(٢) أبو مسلم الجيلي ، سمع ابن بطّة ، ودرس فقه الشافعي على الشيخ أبي حامد
الإسفراييني ، وكان ثقة ديّناً فاضلاً ، توفي في رمضان من هذه السنة .
عمر بن أحمد بن عَبْدويه (٣) أبو حازم الهُذَليّ النيسابوري .
سمع ابن نجيد والإسماعيلي وخلقاً ، وسمع منه الخطيب وغيره ، وكان الناس ينتفعون بإفادته
وانتخابه ، توفي يوم عيد الفطر منها .
علي بن أحمد بن [ عمر بن ] حفص (٤) أبو الحسن [ المقرىء] ، المعروف بالحَمَّامي .
(١) تاريخ بغداد (٤٧/٥)، المنتظم (٢٥/٨)، سير أعلام النبلاء (٣٥٩/١٧)، الوافي بالوفيات (٣٥/٨)،
النجوم الزاهرة (٢٦٤/٤)، شذرات الذهب (٢٠٦/٣).
(٢) المنتظم (٢٧/٨)، وقد تحرف اسم أبيه إلى بابي. وتحرف في الأصل و( ط ) إلى : أبان . توضيح المشتبه
(٢٩٩/١). وكذلك تحرفت نسبته في المنتظم إلى : الختلي ، وفي الأصل إلى : الحليّ .
(٣) المنتظم (٢٧/٨).
(٤) تاريخ بغداد (٣٢٩/١١)، المنتظم (٢٨/٨)، الكامل في التاريخ (٣٥٦/٩)، معرفة القراء الكبار
(٣٠٢/١)، سير أعلام النبلاء (٤٠٢/١٧)، شذرات الذهب (٢٠٨/٣)، توضيح المشتبه (٢٩٧/٣).

٥٤
وفيات سنة ٤١٧ هـ
سمع النجَّاد ، والخُلْدي ، وابن السمّاك ، وغيرهم ، وكان صدوقاً فاضلاً ، حسن الاعتقاد ، وتفرّد
بأسانيد القِراءات وعلوِّها . توفي في شعبان من هذه السنة عن تسع وثمانين سنة .
صاعد بن الحسن بن عيسى الرَّبَعي البغدادي اللُّغوي(١)
صاحب كتاب (( الفصوص في اللغة)) على طريقة القالي في الأمالي ، صنّفه للمنصور بن أبي عامر ،
فأجازه عليه خمسة آلاف دينار ، ثمّ قيل له : إنّه كذابٌ متَّهم فيما ينقله ، فأمر بإلقاء الكتاب في نهرٍ ؛ فقال
له في ذلك بعض الشعراء :
قَدْ غَاصَ في البَحْرِ كِتَابُ الفُصُوص وَهَكَذا كُلُّ ثَقيلٍ يَغُوص
فلمّا بلغ صاعداً هذا البيت قال :
عادَ إلى عنصرِهِ ولهما يخرُجُ من قعرِ البحورِ الفصوص
قلتُ : كأنه سمى هذا الكتاب بهذا الاسم ليشاكل به (( الصحاح )) للجوهري ، لكنه كان مع فضيلته
وبلاغته ، وعلمه ، متَّهماً بالكذب فيما يرويه وينقله ، فلهذا رفض الناس كتابه ولم يشتهر بينهم ، وقد كان
ظريفاً ، ماجناً ، سريع الجواب ، سأله رجل أعمى على سبيل التهكُّم بحضرة جماعة فقال له :
ما الجرنفل؟ فأطرق ساعة ، وعرف أنَّه افتعل هذه اللَّفظة ، ثمّ رفع رأسه فقال : هو الذي يأتي نساء
العميان لا يتعداهنّ إلى غيرهنّ ؛ فاستحيا ذلك الأعمى ، وضحك الحاضرون ، وقد كانت وفاته في هذه
السنة .
القَفَّال المَرْوَزي(٢) هو أبو بكر عبد الله بن أحمد بن عبد الله القَفّال.
أحد أئمّة الشافعيّة الكبار علماً ، وزهداً، وحفظاً ، وتصنيفاً ، وورعاً، وإليه تُنْسَبُ الطريقة
الخُراسانيّة ، ومن أصحابه الشيخ أبو محمد الجويني ، والقاضي حسين ، وأبو علي السِّنْجِيّ .
قال ابن خلِّكان : وأخذ عنه إمام الحرمين ، وفيما قاله نظر ، لأنّ سِنّ إمام الحرمين لا يحتمل ذلك،
فإن هذا القفّال توفي في هذه السنة وله تسعون سنة ، ودفن بسجستان ، وإمامُ الحرمين وُلِدَ سنة تسع
عشرة وأربعمئة ، بعد وفاة القفال بسنتين ، ومات سنة ثمان وسبعين كما سيأتي ، وإنما قيل له : القفّال
لأنَّه كان يعمل الأقفال ، ولم يشتغل إلا وهو ابن ثلاثين سنة ، ثمّ أقبل على الاشتغال بعد ذلك ، رحمه
الله تعالى .
(١) وفيات الأعيان (٤٨٨/٣)، جذوة المقتبس (٢٢٣)، نفح الطيب (٧٥/٣).
(٢) وفيات الأعيان (٤٦/٣)، سير أعلام النبلاء (٤٠٥/١٧)، طبقات السبكي (٥٣/٥)، النجوم الزاهرة
(٢٦٥/٤)، شذرات الذهب ( ٢٠٧/٣).

٥٥
أحداث سنة ٤١٨ هـ
ثم دخلت سنة ثماني عشرة وأربعمئة
في ربيع الأوّل وقع بَرَدٌ أهلك شيئاً كثيراً من الزروع والثمار ، وقتل خلقاً كثيراً من الغَنم والوحوش .
قال ابن الجوزي(١) : وقد قيل : إنَّه كان في كلّ بردة رطلان وأكثر ، وفي واسط بلغت البردة
أرطالًا ، وفي بغداد [ بلغت ] بقدر البيض .
وفي ربيع الآخر سألت الإسفهسلارية والغلمان من الخليفة أن يعزل عنهم أبا كاليجار لتهاونه بأمرهم
[ وفساده ]، وفساد الأمور في أيامه ، ويولي عليهم جلال الدَّولة الذي كانوا قد عدلوا عنه أوّل مرة ،
فماطلهم الخليفة في ذلك ، وكتب إلى أبي كاليجار أن يتدارك أمره ، وأن يسرع الأوبة إلى بغداد ، قبل أن
يفوت الأمر ، وألحّ أولئك على الخليفة في جلال الدولة ، وأقاموا له الخطبة ببغداد ، وتفاقم الحال ،
وفسد النظام .
وفي هذه السنة ورد كتاب من يمين الدولة محمود بن سُبُكْتِكين ، أنَّه دخل بلاد الهند أيضاً ، وأنَّه كسر
الصنم الأعظم الذي لهم ، المسمّى بسومنات ، وقد كانوا يفدون إليه من كلِّ فجّ عميق ، ويُنْفِقُون عنده من
الأموال شيئاً كثيراً جداً ، وكان عليه من الأوقاف عشرة آلاف قرية مشهورة ، وقد امتلأت خزائنه أموالً ،
وعنده ألف رجل يخدمونه وثلاثمئة يحلقون [ رؤوس ] حجيجه ، وثلاثمئة وخمسون يغنُّون ويرقصون
على باب الصنم ، [ كما يُضرب على بابه الطبولُ والبوقات ، وكان عنده من المجاورين ألوف يأكلون من
أوقافه ، وكان البعيد من الهنود يتمنى لو بلغ هذا الصَّنم ] ، وقد كان العبد ، يعني الملك محمود بن
سُبُكْتكين ، يتمنى قلع هذا الصنم ، وكان يعوقه عنه طول المفاوز ، وكثرة الموانع ، ثمّ استخار
الله تعالى، وتجشّم بجيشه تلك الأهوال إليه في ثلاثين ألفاً ممن اختارهم سوى المُطَّوِّعة ، فسلّم
الله تعالى ، حتى انتهينا إلى بلد هذا الوثن ، [ ونزلنا بساحة عباده فإذا هو مكان قدر المدينة العظيمة ، فما
كان أسرع أن ] ملكناه ، وقتلنا من أهله خمسين ألفاً ، وقلعنا هذا الوثن ، وأوقدنا تحته النّار ، ولله
الحمد .
وقد ذكر غير واحد أنَّ الهنود بذلوا أموالً جزيلة للملك محمود بن سُبُكْتِكين ليترك لهم هذا الصَّنم
الأعظم ، فأشار من أشار من الأمراء بقبول تلك الأموال الجزيلة ، فقال : حتى أستخير الله تعالى ، فلمّا
أصبح قال : إني فكرت في هذا الأمر ، فرأيت أنّه إذا نوديت يوم القيامة فيقال : أين محمود الذي كسر
الصَّنم ، أحبُّ إليَّ من أن يقال : أين محمود الذي ترك الصنم [ لأجل ما يناله من الدنيا؟ ] ثمّ عزم فكسره
(١) المنتظم (٢٩/٨).

٥٦
وفيات سنة ٤١٨ هـ
فوجد عليه وفيه من الذهب واللآليء والجواهر النفيسة ما ينيف على ما بذلوه بأضعافٍ مضاعفةٍ ، مع
ما ادَّخر الله تعالى له من الأجر الجزيل في الآخرة ، والثناء الجميل في الأولى ، فرحمه الله وأكرم مثواه .
وفي يوم السبت ثالث رمضان دخل جلال الدولة إلى بغداد ، فتلقّاه الخليفة في الطيّار(١)، ومعه
الأكابر والأعيان ، فلمّا واجهه جلال الدولة قبَّل الأرض دفعاتٍ، ثمّ سار إلى دار المُلْك، وعاد الخليفة
إلى داره ، وأمر جلال الدولة أن يُضْرَبَ له الطبل في أوقات الصلوات الثلاث ، كما كان الأمر في زمن
عضد الدولة وصمصامها وشرفها وبهائها ، فكان الخليفة يُضْرَبُ له في أوقات الصلوات الخمس ، فأراد
جلال الدولة ذلك ، فقيل : لا يحسن مساواة الخليفة ، ثمّ صمم على ذلك في الأوقات الخمس .
قال ابن الجوزي(٢): وفيها : وقع بَرْد شديد حتى أجمد الخَلَّ ، والنبيذ ، وأبوال الدواب ، والمياه
الكبار ، وحافات دجلة ، ولم يحجّ في هذه السنة أحد من أهل المشرق .
وممن توفي فيها من الأعيان :
أحمد بن محمد بن عبد الله بن عبد الصمد بن المهتدي بالله (٣) أبو عبد الله الشاهد .
خطب في جامع المنصور من سنة ست وثمانين وثلاثمئة ، ولم يكن يخطب إلا بخطبة واحدة في كلِّ
جمعة ، وإذا سمعها الناس منه ضجّوا بالبكاء ، وخشعوا لصوته .
الحسين بن علي بن الحسين(٤) أبو القاسم المغربي [ الوزير ] .
ولد بمصر في ذي الحجّة سنة سبعين وثلاثمئة ، وهرب منها حين قَتَل صاحبُها [ الحاكم ] أباه وعمَّه
[ محمداً ]، وقصد مكّة، ثمَّ الشام ، ووزر في عدَّة أماكن ، وقد وزر لشرف الدولة بعد الرخجي ، وكان
يقول الشعر الحسن ، وقد تذاكر هو وبعض الصالحين فأنشده ذلك الرجل الصالح :
إذا شِئْتَ أنْ تَحيا سعيد٥ُ) فلا تكنْ عَلَى حَالَةٍ إلا رَضِيْتَ بِدُونِها
فاعتزل المناصب والسلطان ، فقال له بعض أصحابه : تركت المناصب في عنفوان شبابك ، فأنشأ
يقول :
(١) الطيار : نوع من السفن السريعة.
(٢)
المنتظم (٣١/٨).
(٣)
المنتظم (٣١/٨).
المنتظم (٣٢/٨)، الكامل في التاريخ (٣٢١/٩)، وفيات الأعيان (٢/ ١٧٢)، سير أعلام النبلاء (١٧/ ٣٩٤)،
(٤)
النجوم الزاهرة (٢٦٦/٤)، شذرات الذهب (٢١٠/٣).
(٥) في ( ط ) : غنياً .

٥٧
وفيات سنة ٤١٨ هـ
زماناً فحانَ مِنِّي القُدومُ(١)
كنتُ في سفرةِ البَطَالةِ والجهلِ
ـحِى بِهَذَا الحَدِيْثِ ذَاكَ القَدِيْمُ
تبتُ من كُلِّ مَأْثَمٍ فَعَسَى يُمْـ
ألا إن الإلّه القَدِيمَ كريمٌ(٢)
بعد خمسٍ وأربعينَ تعدَّتْ
وقد كانت وفاته بميّافارقين في رمضان هذه السنة عن خمس وأربعين سنة ، ودفن بمشهد علي بحيلة
احتالها قبل وفاته ، رحمه الله تعالى .
محمد بن الحسين بن إبراهيم(٣) أبو بكر الورّاق ، المعروف بابن الخَفّاف .
روى عن القَطِيعي وغيره ، وقد اتّهموه بوضع الأسانيد والأحاديث ، قاله الخطيب وغيره .
أبو القاسم اللالِكائي(٤) هبة الله بن الحسن بن منصور الرازي ، وهو طبريّ الأصل .
أحد تلامذة الشيخ أبي حامد الإسفراييني ، وكان يفهم ، ويحفظ ، وعني بالحديث ، فصنََّ فيه
أشياء كثيرة ، ولكن عاجلته المنّة قبل أن تنتشر أكثر كتبه ، وله كتاب في السنّة وشرفها ، وذكر طريقة
السَّلف الصالح في ذلك ، وقع لنا سماعه على الحجّار عالياً عنه ، وقد كانت وفاته بالدِّينَوَر في رمضان من
هذه السنة ، ورآه بعضهم في المنام فقال له : ما فعل بك ربّك ؟ قال : غفر لي . قال : بماذا ؟ قال
[ بشيء قليل من ] السنة [أحييته ] ، رحمه الله.
أبو القاسم بن أمير المؤمنين القادر بالله(٥) توفي ليلة الأحد الثاني من جمادى الآخرة ، وصلي عليه غير
مرّة ، ومشى الناس في جنازته ، وحزن عليه أبوه حزناً شديداً ، وقطع الطبل أياماً .
(١) في ( ط ) :
كنت في سفر الجهل والبط
سالة حيناً فحان مني القدوم
وفي الوفيات :
ـل مقيماً فحان مني القدوم
كنت في سفرة الغواية والجهـ
(٢) في الوفيات :
بعد خمس وأربعين ، لقد ما طلتُ ، إلا أن الغريم كريم
(٣) تاريخ بغداد (٢/ ٢٥٠)، المنتظم (٣٣/٨)، الشذرات (٢١٠/٣). وقد ورد اسمه في (ط ) : محمد بن
الحسن .
(٤) تاريخ بغداد (١٤ / ٧٠)، المنتظم (٣٤/٨)، الكامل في التاريخ (٣٦٤/٩)، سير أعلام النبلاء (٤١٩/١٧)،
شذرات الذهب ( ٢١١/٣).
واللالكائي : نسبة إلى بيع اللوالك التي تلبس في الأرجل ، أي: صانع النعال. اللباب (٣/ ٤٠١).
(٥) المنتظم (٣٤/٨).

٥٨
وفيات سنة ٤١٨ هـ
أبو الحُسين(١) بن طَبَاطِبًا الشريف(٢)
كان شاعراً مجيداً ، له شعر حسن .
الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني(٣): إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مهران ، الشيخ الإمام العلامة
ركن الدين الفقيه الشافعي ، المتكلّم الأصولي .
صاحب التصانيف في الأصلين منها: ((جامع الحلي)(٤) في خمسة مجلدات، و((التعليقة النافعة في
أصول الفقه)) وغير ذلك ، وقد سمع الحديث الكثير من أبي بكر الإسماعيلي ، ودعلج ، وغيرهما .
وأخذ عنه البيهقي ، والشيخ أبو الطيّب الطبري ، والحاكم النيسابوري ، وأثنى عليه ، وكانت وفاته
يوم عاشوراء من هذه السنة بنيسابور ، ثمّ نُقِل إلى بلده فدفن في مشهده ، رحمه الله تعالى .
[ القدوري صاحب الكتاب المشهور في مذهب أبي حنيفة }٥) أحمد بن محمد بن أحمد بن جعفر بن
حمدان، أبو الحسن القُدُوريّ الفقيه الحنفي، صاحب ((المصنف المختصر)(٦) الذي يُحفظ .
كان إماماً بارعاً ، عالماً ديّناً ، مناظراً ، وكان هو الذي يلي مناظرة الشيخ أبي حامد الإسفراييني [ من
الخليفة ] ، وكان القدوري يطريه ويقول : هو أعلم وأنظرمن الشافعي ، وكانت وفاته يوم الأحد الخامس
من رجب هذه السنة عن ست وخمسين سنة ، ودفن إلى جانب الفقيه أبي بكر الخُوارزمي الحنفي .
(١) في بعض النسخ: ((الحسن))، وما أثبتناه يعضده ما وجدناه بخط الذهبي في تاريخ الإسلام (٣٠٤/٩).
(٢) المنتظم (٣٤/٨) .
(٣) وفيات الأعيان (٢٨/١)، سير أعلام النبلاء (٣٥٣/١٧)، الوافي بالوفيات (١٠٤/٦)، طبقات السبكي
(٢٥٦/٤)، شذرات الذهب (٣٠٩/٣).
(٤) كذا الأصل بالحاء المهملة ، وكذلك في الوفيات ، وفي السير : الخلي ، بالخاء المعجمة .
(٥) تاريخ بغداد (٤/ ٣٧٧)، المنتظم (٩١/٨)، وفيات الأعيان (٧٨/١)، سير أعلام النبلاء (١٧ / ٥٧٤)،
الوافي بالوفيات (٧/ ٣٢٠)، الجواهر المضيئة (٣٤٧/١)، النجوم الزاهرة (٢٤/٥)، شذرات الذهب
(٢٣٣/٣).
قال ابن خلكان : ونسبته ، القدوري بضم القاف والدال المهملة وسكون الواو وبعدها راء مهملة ، إلى القدور التي
هي جمع قِدْرٍ ، ولا أعلم سبب نسبته إليها ، بل هكذا ذكره السمعاني في كتاب الأنساب .
قال بشار : وذكر وفاته في هذه السنة غلط بيّن من المؤلف رحمه الله ، فقد ذكر الخطيب - وهو ممن كتب عنه - أنه
توفي في التاريخ المذكور من سنة ثمان وعشرين وأربعمئة ، وبه أخذ الذهبي وغيره ، بل سيذكره المؤلف نفسه في
حوادث سنة ( ٤٢٧ هـ) حيث كان مشارفاً في الانفاق على سنة قنطرة عيسى . ثم ستأتي ترجمته في وفيات سنة
٤٢٨ هـ .
(٦) المختصر في فروع الحنفية : من الكتب المعتمدة في فقه الحنفية ، اشتهر باسم الكتاب ، له عدة طبعات ، وفي
تاريخ التراث العربي لسزكين (١٠٩/٢ ) ذكر لشروحه وأماكن وجود نسخها الخطية .

٥٩
أحداث سنة ٤١٩ هـ ووفياتها
ثم دخلت سنة تسع عشرة وأربعمئة
فيها : وقع بين الجيش وبين جلال الدولة ، ونهبوا دار وزيره ، وجرت أمورٌ طويلة ، آل الحال فيها
إلى أنَّهم اتفقوا على إخراجه من البلد، فهيىء له زبزب (١) رثّ فخرج وفي يده طَبَ(٢) نهاراً ، فجعلوا
لا يلتفتون إليه ، ولا يُفكِّرون فيه ، فلما عزم على الركوب في ذلك الزبزب الرثّ ، رثوا له ، ورقّوا عليه
[ ولهيبته ] ، فجاؤوا إليه وقبّلوا الأرض بين يديه ، وانصلحت قضيته بعد فسادها .
وفي هذه السنة قلَّ الرطب جدّاً بسبب هلاك النخل في هذه السنة الماضية بالبَرَد : فبيع الرطب كلُّ
ثلاثة أرطال بدينار جلالي ، ووقع بَرَدٌ شديد أيضاً ، فأهلك شيئاً كثيراً من النخيل أيضاً .
ولم يحجّ أحد من أهل المشرق ولا من الديار المصريّة في هذه السنة ، إلا أن قوماً من خراسان ركبوا
في البحر من مدينة مُكْرَانٌ(٣) فانتهوا إلى جدّة فحجّوا ، رضي الله عنهم ، ورحمهم بمنِّه وكرمه .
وممن توفي فيها من الأعيان :
حمزة بن إبراهيم [ بن عبد الله ] أبو الخطاب المنجّمُ(٤) .
حظي عند بهاء الدولة ، وعلّمه النجوم ، وكان ذا وجاهة عنده ، حتى إنّ الوزير والأمراء كانوا
[ يخافونه ] ويكارمونه، ويراسلونه، ويتوسّلون به إليه في أمورهم ثمّ صار أمره [ طريداً بعيداً ] حتى مات
يوم مات بالكرخ من سامراء غريباً فقيراً مفلوجاً ، قد ذهب ماله وجاهه [ وعقله ] ، لا إله إلا الله وحده .
محمد بن محمد بن محمد(٥) بن إبراهيم بن مَخْلَد أبو الحسن التاجر(٦) .
سمع الكثير على المشايخ المتقدِّمين وتفرّد بعلوّ الإسناد ، وكان ذا مالٍ جزيلٍ ، فخاف من المصادرة
ببغداد فانتقل إلى مصر فأقام بها سنة ثمّ عاد إلى بغداد ، فاتفق مصادرة أهل محلته . فقسّط عليه ما أفقره ،
ومات حين مات لم يوجد له كفن [ ولم يترك شيئاً ، فأرسل له القادر بالله ما كُفِّن به ] .
(١) الزبزب : ضرب من السفن .
(٢)
الطَّبَر : الفأس .
(٣) مكران : ولاية بين كرمان من غربيها وسجستان شماليها ، والبحر جنوبيها ، والهند في شرقيها . معجم البلدان
( ١٧٩/٥).
(٤) المنتظم (٣٦/٨)، الكامل في التاريخ (٣٦٣/٩).
(٥) سقط هذا الاسم من ( ط ) .
(٦) المنتظم (٣٧/٨)، تاريخ بغداد (٢٣١/٣)، الكامل في التاريخ (٣٧٠/٩)، سير أعلام النبلاء
( ١٧/ ٣٧٠) .

٦٠
وفيات سنة ٤١٩ هـ
مبارك الأنْماطي (١) كان ذا مالٍ جزيلٍ ، خلّف يوم توفي ثلاثمئة ألف دينار ولم يترك وارثاً سوى ابنةٍ
واحدةٍ ببغداد ، وكانت وفاته بمصر .
أبو الفوارس بن بهاء الدولة (٢) كان ظالماً مارداً ، إذا سكر يضرب الرجل من أصحابه أو وزيره مئتي
مقرعة ، بعدما يحلّفه بالطلاق أنّه لا يتأوّه ، ولا يخبر بذلك أحداً ، فيقال : إنّ حواشيه سمُّوه ، فلما مات
نادوا بشعار أخيه كاليجار .
أبو محمد بن بابشاذ ، وزير كاليجار(٣) لقَّبَهُ معزّ الدولة ، فلك الدولة ، سيد الأمّة ، وزير الوزراء ،
عماد الملك ، ثمّ سُلّم [ بعد ذلك ] إلى جلال الدولة ، فاعتقله ، ومات في هذه السنة .
أبو عبد الله المتكلِّمُ(٤) توفي في هذه السنة ، هكذا رأيت ابن الجوزي ، ترجمه مختصراً .
ابن غَلْبُونُ(٥) أبو محمد ، عبدُ المُحسن بن محمد بن أحمد بن غالب(٦) ، الشّاميُّ ثمّ الصّوريُّ ،
الشاعر المطبق ، له ديوان شعر مليح بليغ كان قد نظم قصيدة بليغة في بعض الرؤساء ثمّ أنشدها لرئيس آخر
اسمه : ذو المنقبتين ، وزاد فيها بيتاً واحداً فقال فيها :
ولكَ المناقِبُ كُلُّها فَلِمَ اقتصرْتَ على اثْنَتَيْنِ
فأجازه جائزة حسنة(٧) ، فقيل له : إنَّها ليست فيك، فقال : إن هذا البيت وحده بقصيدة ، وله
- رحمه الله تعالى - في بخيلٍ نَزَلَ عنده :
وَأَخْ مَسَّهُ نُزُولِي بِقَرْحِ مثل ما مسّني مِنْ(٨) الجوع قَرْحُ
(١) المنتظم (٣٧/٨).
(٢) المنتظم (٣٧/٨)، الكامل في التاريخ (٣٦٨/٨).
(٣) المنتظم (٣٧/٨) وفيه اسمه : أبو محمد بابشاذ .
(٤)
المنتظم (٣٨/٨).
(٥) وفيات الأعيان (٢٣٢/٣)، سير أعلام النبلاء (١٧/ ٤٠٠)، النجوم الزاهرة (٢٦٩/٤)، شذرات الذهب
( ٢١١/٣) .
(٦) وقع في بعض النسخ: ((بن غالب بن غلبون))، ولا يصح بهذه الصيغة إذا كتب في الأول عنوان الترجمة لأن غالباً
هو غلبون ، ولذلك كتب الإمام الذهبي في حاشية نسخته بعد أن كتب اسم غالب (( خ غلبون )) أي هو كذلك في
نسخة أخرى . والظاهر أن المصنف نقل هذه الترجمة من تاريخ دمشق لابن عساكر ( ٣٦/ ٤٨٢ - ٤٨٥) وأن النسخة
التي اعتمدها كتب فيها نسبه :... غالب بن غلبون)) وفي مثل هذه الحالة يتعين وضع فاصلة بين ((غالب)) و(( ابن
غلبون)) ليعرف أن المراد: المعروف بابن غلبون وينظر تاريخ الإسلام (٣٠٨/٩) (بشار).
(٧) في ( ب ) : سنية .
(٨) في ( ط ) : منه.