النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١ وفيات سنة ٤٠٥ هـ شديدةً . وأمر رجلين [ كانا ] معه أن يكونا معها حتى يبلّغاها إلى المنزل الذي تريده ، فأغلقت بابها ، وأعطت المفتاح جارتها ، وذهبت [ معهما ] حتى صارت إلى منزل [ معشوقها ] فطرقت [ الباب ] ودخلت ، وقالت لهما : اذهبا راشدينٍ [ هذا منزله]. فإذا هو منزل رجل تهواه ويهواها [ وتحبّه ويحبّها ، فقال لها : كيف قدرت على الوصول إليّ ] فأخبرته بما احتالت به من الحيلة على القاضي فأعجبه ذلك [ من مَكْرها وحيلتها ] . وجاء زوجها من آخر النهار فوجد بابه مغلقاً [ وليس في بيته أحد ] ، فسأل [ الجيران ] عن أمرها، فذكرت له [ جارتها ] ما صنعت ، فاستغاث على القاضي وذهب إليه وقال له : ما أريد امرأتي إلا منك [ الساعة، وإلا عرّفت الحاكم ] ، فإنها ليس لها أخ بالكليّة ، وإنما ذهبت إلى عشيقها ، فخاف القاضي من معرّة هذا الأمر فركب إلى الحاكم وبكى لديه ، فسأله عن شأنه فأخبره بما اتفق له من الأمر [ مع المرأة ] ، فأرسل الحاكم مع [ ذينك ] الرجلين اللذين سارا بها من جهة القاضي من يحضر الرجل والمرأة جميعاً ، على أيّ حال كانا عليه . فوجدوهما متعانقين سُكارى ، فسألهما الحاكم فأخذا يعتذران بما لا يجدي شيئاً ، فأمر بتحريق المرأة في بادية ، وضرب الرجل بالسياط ضرباً مبرّحاً [ حتى أتلفه ] وازداد احتياط الحاكم على النساء [ حتى جعلهن في أضيق من جحر ضب، ولا زال هذا دأبه] حتى مات. ذكره ابن الجوزي(١). وفي رجب منها ولي أبو الحسن أحمد بن محمد بن أبي الشوارب قضاء الحضرة بعد موت أبي محمد بن الأكفاني . وفيها : عمر فخر الملك (٢) مسجداً بالشرقيّة ، ونصب عليه الشبابيك من الحديد . وممن توفي فيها من الأعيان : بَكْرُ بن شَاذَان بن بكر (٣) : أبو القاسم المقرىء الواعظ ، سمع أبا بكر الشافعي وجعفر الخُلْدِيّ(٤). وعنه الأزهري والخلال ، وكان ثقةً ، أميناً [ صالحاً ]، عابداً، زاهداً ، له قيام ليلٍ ، وكرمُ أخلاقٍ. مات في هذه السنة ، وقد نيّف على الثمانين ، ودفن بباب حرب . بَدْرُ بن حَسْئُويه بن الحسين(٥) أبو النَّجم الكردي ، كان من خيار الملوك بناحية الدِّينور وهمَذان ، له سياسةٌ وصدقةٌ كثيرةٌ . كنّاه القادر بالله : أبا النجم ، ولقّبه ناصر الدولة ، وعقد له لواءً وأنفذه إليه ، (١) المنتظم (٢٦٨/٧) . في ( ط ) : الدولة ، وهو تحريف ، وستأتي ترجمته في سنة سبع وأربع مئة . (٢) تاريخ بغداد (٩٦/٧)، المنتظم (٢٦٨/٧)، معرفة القراء الكبار (٣٧١/١)، النجوم الزاهرة (٤/ ٢٣٧)، (٣) شذرات الذهب ( ١٧٤/٣ ). (٤) تحرفت في تاريخ بغداد إلى : الخالدي . (٥) المنتظم (٢٧١/٧) . ٢٢ وفيات سنة ٤٠٥ هـ وكانت أعماله [ وبلاده ] في غاية الأمن [ والطيبة ] بحيث إذا أعيى جملُ أحدٍ من المسافرين أو دابته عن حمله يتركها بما عليها في البريّة ، فَتُرَدُّ عليه ولو بعد حين لا ينقص منها شيء . ولمّا عائت أمراؤه في البلاد فساداً ، عمل لهم ضيافةً حسنةً فقدّمها إليهم ولم يأتهم بخبز ، فجلسوا ينتظرون الخبز ، فلمّا طال ذلك سألوا عنه فقال : إذا كنتم تهلكون الحرث [ وتظلمون الزرَّاع ] فمن أين تؤتون بالخبز ؟ ثم قال : لا أسمع بأحد أفسد في الأرض [ بعد اليوم ] إلا أرقت دمه . واجتاز مرّة في بعض أسفاره برجل قد حزم حطباً وهو يبكي ، فقال له : ما لك [ تبكي ]؟ فقال: إني كان معي رغيفان أريد أن أتقوَّت بهما، فأخذهما مني بعض الجند ، فقال له : أتعرفه إذا رأيته؟ قال : نعم . فوقف به في مضيق حتى مرّ عليه الجند ، فلما اجتاز به ذلك الرجل الذي أخذ منه الرغيفين ، قال : هذا هو ، فأمر به أن ينزل عن فرسه ، وأن يحمل هذه الحزمة عن الحطّاب حتى يبلغ بها إلى المدينة ، فأراد أن يفتدي من ذلك بمال جزيل ، فلم يقبل منه حتى تأدّب به الجيش كلّهم . وكان يصرف في كلِّ جمعة عشرة آلاف (١) درهم على الفقراء والأرامل والأيتام ، وفي كلّ شهر عشرين ألف درهم في تكفين الموتى ، ويصرف في كلِّ سنة ألف دينار إلى عشرين نفساً يحجّون عن والديه ، وعن عضد الدولة ، لأنّه كان السبب في تمليكه ، وثلاثة آلاف دينار في كلّ سنة إلى الحدَّادين والحذَّائين للمنقطعين بين هَمذان وبغداد يصلحون لهم الأحذية ونعال دوابهم ، ويصرف في كلّ سنة مئة ألف دينار إلى الحرمين صدقة على المجاورين وعمارة المصانع ، وإصلاح المياه في طريق الحجاز ، وإطلاقاً لأهل المنازل ، وحفر الآبار وإصلاحها ، وما اجتاز في طريقه [ وأسفاره ] بماءٍ جارٍ إلَّ بنى عنده قرية ، وعمر في أيامه من المساجد والخانات ما ينيف عن ألفي مسجد وخان . هذا كلّه خارجاً عما يصرف من ديوانه من الجرايات والنفقات والصدقات والبرّ والصلات على أصناف الناس من الفقهاء والقضاة ، والمؤذّنين ، والأشراف ، والشهود [ والفقراء والمساكين ] والأيتام ، والضعفاء [ والأرامل] . وكان [ مع هذا ] كثير الصلاة والذكر، وكان له من الدواب المرتبطة في سبيل الله ما ينيف عن عشرين ألفاً ، وكانت وفاته في هذه السنة [ عن نيِّف وثمانين سنة ] ، ومدة أمارته اثنتان وثلاثون سنة ، ودفن بمشهد علي ، وترك من الأموال أربعة عشر ألف بدرة ، ونيفاً وأربعين بدرة ، - البدرة عشرة آلاف - رحمه الله تعالى . الحسن بن الحسين بن حَمَكانُ(٢) أبو علي الهَمَذاني ، أحد الفقهاء الشافعيين ببغداد ، عُني أولاً بالحديث ، فسمع شيئاً كثيراً حتى قيل : إنّه كتب بالبصرة عن نحو من خمسمئة شيخ ، ثمّ اشتغل بالفقه على أبي حامد المروزي ، وروى عنه الأزهري ، وقال : كان ضعيفاً ، ليس بشيء في الحديث . (١) في ( ط) : عشرين ألف . (٢) المنتظم (٢٧٢/٧)، وفيات الأعيان (٧٥/٢)، طبقات السبكي (١٣٣/٣). ٢٣ وفيات سنة ٤٠٥هـ عبد الله بن محمد بن عبد الله بن إبراهيم (١) أبو محمد الأسديّ ، المعروف بابن الأكْفَاني ، قاضي قضاة بغداد . ولد سنة ست عشرة وثلاثمئة . روى عن القاضي المحاملي ، ومحمد بن مَخْلَد ، وابن عُقدة وغيرهم ، وعنه البَرْقاني والتنوخي . يقال : إنه أنفق [ على طلبة العلم ] مئة ألف دينار ، وكان عفيفاً نزيهاً، صيِّن العرض ، وكانت وفاته في هذه السنة عن خمس وثمانين سنة ، ولي الحكم فيها أربعين سنة نيابة واستقلالًا . رحمه الله تعالى . عبد الرحمن بن محمد(٢) بن محمد بن عبد الله بن إدريس أبو(٣) سعد الحافظ ، الإستراباذي ، المعروف بالإدريسي . رحل في طلب الحديث ، وعُني به ، وسمع الأصَمّ وغيرَهُ ، وسكن سمرقند ، وصنّف بها تاريخا٤)، وعرضه على الدار قطني فاستحسنه ، وحدّث ببغداد فسمع منه الأزهري ، والتنوخي ، وكان ثقة حافظاً . رحمه الله تعالى . أبو نصر عبد العزيز بن عمر بن أحمد بن نُباته السَّعْدي(٥) ، الشاعر المشهور . امتدح سيف الدولة بن حمدان وغيره من الأكابر والوزراء ، وشِعره الموصوف بالجودة والإحسان ، وهو القائل [ البيت المطروق المشهور ] : ومَنْ لم يَمُتْ بالسيفِ ماتَ بغيرهِ تعذَّدت(٦) الأسبابُ والدّاءُ(٧) واحد ومن شعره أيضاً قوله : وامزح له إنَّ المُزَاحَ وِفِاقُ وإذا عجزتَ عن العدوّ فدارِهِ تعطي النِّصاجَ وطَبْعُها الإحراقُ فالنّار بالماء(٨) الذي هو ضِدُّها (١) تاريخ بغداد (١٤١/١٠)، المنتظم (٣٧٣/٧)، سير أعلام النبلاء (١٥١/١٧)، شذرات الذهب ( ٣/ ١٧٤ ) . المنتظم (٧/ ٢٧٣)، الكامل في التاريخ (٩/ ٢٥٢) وفيه اسمه عبد الله. (٢) (٣) في ط: (( بن)) خطأ، وما أثبتناه من مصادر ترجمته ( بشار ) . (٤) صنف تاریخاً لسمرقند ، وآخر لإستراباذ . تاريخ بغداد (٤٦٦/١٠)، المنتظم (٢٧٤/٧)، وفيات الأعيان (١٩٠/٣)، شذرات الذهب (١٧٥/٣). (٥) (٦) في ( ط ) والوفيات : تنوعت . (٧) في ( ط ) : والموت . (٨) في ( ط ) : كالماء بالنار. ٢٤ وفيات سنة ٤٠٥هـ وكانت وفاته فى شوال من هذه السنة . رحمه الله تعالى . عبد الغفار بن عبد الرحمن (١) أبو بكر الدِّيْنَوَري الفقيه السُّفيانيّ، وهو آخر من كان يفتي على مذهب سفيان الثوري ببغداد في جامع المنصور ، وكان إليه النَّظرُ في الجامع ، والقيام بأمره ، وكانت وفاته في شوال من هذه السنة ، ودفن خلف الجامع . رحمه الله تعالى . الحاكم [ النيسابوري ]٢) محمد بن عبد الله بن محمد بن حَمْدُويه بن نعيم بن الحكم ، أبو عبد الله، الحاكم ، الضَّبِّي ، الحافظ ، ويعرف بابن البَيِّعُ(٣) ، من أهل نيسابور. وكان من أهل العلم والحفظ للحديث ، ولد سنة إحدى وعشرين وثلاثمئة ، وأول سماعه في سنة ثلاثين وثلاثمئة ، فسمع الكثير وطوّف في الآفاق ، وصنّف الكتب الكبار والصغار : فمن ذلك ((المستدرك على الصحيحين))، و((علوم الحديث))، و((الإكليل)) و((تاريخ نيسابور)) . وقد روى عن [ خلق ] . ومن مشايخه : الدّار قطني ، وابن أبي الفوارس، وغيرهما . وكان من أهل العلم ، والحفظ ، والأمانة ، والديانة ، والصيانة ، والضبط ، والثقة ، والتحرّز ، والورع. رحمه الله تعالى. لكن قال الخطيب البغدادي(٤) : كان ابن البيِّع يميل إلى التشيّع ، فحدّثني أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الأزْمَويّ قال : جمع الحاكم أبو عبد الله أحاديث زعم أنَّها صحاح على شرط البخاري ومسلم ، يلزمهما إخراجها في صحيحيهما . منها حديث الطير(٥)، و(( من كنت مولاه فعليّ مولاه)٦) (١) المنتظم (٧/ ٢٧٤) . تاريخ بغداد (٤٧٣/٥)، المنتظم (٢٧٤/٦)، الكامل في التاريخ (٩/ ٢٥٢)، سير أعلام النبلاء (١٧ / ١٦٢)، (٢) الوافي بالوفيات ( ٣٢٠/٣)، النجوم الزاهرة (٢٣٨/٤)، شذرات الذهب (١٧٦/٣). (٣) قال السمعاني في الأنساب (٢/ ٢٧٠): البَيّع : هذه اللفظة لمن يتولى البياعة والتوسط في الخانات بين البائع والمشتري من التجار للأمتعة . (٤) تاريخ بغداد ( ٤٧٣/٥ ). رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين (١٣٠/٣ - ١٣٢) من حديث أنس ، وقال : صحيح على شرط الشيخين (٥) ولم يخرجاه . أقول : وإسناده ضعيف، ورواه الترمذي رقم (٣٧٢١) من حديث أنس مختصراً بلفظ (( اللهم اتني بأحب خلقك إليك يأكل معي هذا الطير ، فجاء عليٌّ فأكل معه )) وقال الترمذي : هذا حديث غريب أي ضعيف ، وكل هذه الروايات فيها كلام، وقد ذكر حديث الطير هذا المؤلف ابن كثير رحمه الله بطرقه وشواهده في (( البداية والنهاية)) المطبوع (١١/ ٧٥ - ٨٣) وقال: وبالجملة ففي القلب من صحة هذا الحديث نظر وإن كثرت طرقه (ع ) . (٦) حديث ( من كنت مولاه فعلي مولاه ) . رواه أحمد في المسند رقم (١٨٤٧٩) من حديث البراء بن عازب، ورواه أيضاً أحمد (٣٦٨/٤) رقم (١٩٢٧٩) والترمذي رقم (٣٧١٣) والحاكم (١٠٩/٣ و١١٠) من حديث زيد بن أرقم ، وابن ماجه رقم (١٢١ ) من حديث سعد بن أبي وقاص ، وقد ورد الحديث أيضاً من حديث علي ، وعبد الله بن عباس ، وأنس بن مالك ، وأبي سعيد= ٢٥ أحداث سنة ٤٠٦ هـ فأنكر عليه أصحاب الحديث ذلك ولم يلتفتوا إلى قوله ، ولا صوّبوه(١) في فعله . وقال محمد بن طاهر المقدسي : قال الحاكم : حديث الطير لم يخرّج في الصحيح وهو صحيح . قال ابن طاهر : بل هو موضوع لا يروى إلا عن سُقّاط أهل الكوفة من المجاهيل عن أنس ، فإن كان الحاكم لا يعرف هذا فهو جاهل ، وإلا فهو معاند كذّاب . وقال أبو عبد الرحمن السّلمي (٢): دخلت على الحاكم وهو مختف من الكراميّة لا يستطيع أن يخرج منهم ، فقلت : لو خرجت فأمليت حديثاً في فضائل معاوية لاسترحت مما أنت فيه ، فقال : لا يجيء من قلبي ، لايجيء من قلبي . توفي في صفر من هذه السنة عن أربع وثمانين سنة . رحمه الله تعالى . يوسف بن أحمد بن كجٌ(٣) أبو القاسم القاضي ، أحد أئمَّة الشافعية ، وله وجوه غريبة يحكيها في المذهب ، وكانت له نعمة عظيمة جداً ، وولي القضاء بالدِّينور لبدر بن حسنويه ، فلما تغيرت البلاد بعد موت بدر ، وثبت عليه جماعة من العَيّارين فقتلوه ليلة سبع وعشرين من رمضان هذه السنة . رحمه الله تعالى(٤) . ثم دخلت سنة ست وأربعمئة في يوم الثلاثاء مستهلّ المحرم من هذه السنة وقعت فتنة بين أهل السّنة والروافض ، فسكّن الفتنة الوزير فخر المُلْك على أن تعمل الروافض بدعتهم يوم عاشوراء من تعليق المسوح والنَّوح . وفي هذا الشهر ورد الخبر بوقوع وباءٍ شديد بالبصرة أعجز الحقَّارين والناس عن دفن موتاهم ، وإنّه أظلّت [ البلد ] سحابة في حزيران فأمطرتهم مطراً شديداً كثيراً . وفي يوم السبت ثالث صفر قُلِّد الشريف المُرْتَضَى أبو القاسم نقابة الطالبيين والمظالم والحج ، وجميع ما كان يتولاه أخوه الرضيّ ، وقرىء تقليده بمحضر من الوزير فخر المُلْك والقضاة والأعيان وكان يوماً مشهوداً . الخدري ، وأبي هريرة ، وغيرهم ، وهو حديث صحيح بطرقه وشواهده . = وانظر ((مجمع الزوائد)) (١٠٣/٩ - ١٦٨) (ع). (١) في ( ط ) : لاموه. في الأصل : أبو عبد الله ، وما أثبت من ( ب ) و( ط ) والسير. (٢) (٣) المنتظم (٢٧٥/٧)، وفيات الأعيان (٦٥/٧)، سير أعلام النبلاء (١٨٣/١٧)، طبقات السبكي (٣٥٩/٥)، شذرات الذهب ( ٣/ ١٧٧ ) . (٤) إلى هنا ينتهي الجزء الحادي عشر من طبعة مكتبة المعارف البيروتية . ٢٦ وفيات سنة ٤٠٦ هـ وفيها : ورد الخبر عن الحجيج بأنَّه هلك بسبب العطش أربعة عشر ألفاً ، وسلم ستة آلاف ، وأنهم شربوا أبوال الجمال من العطش . وفي هذه السنة غزا محمود بن سُبُكْتِكِين بلاد الهند ، فسَلك به الأدلاء على بلاد غريبة ، فانتهوا إلى أرض قد غمرها الماء من البحر فخاض بنفسه الماء أياماً حتى خلصوا ، وغرق كثير من جيشه ، وعاد إلى خراسان بعد جهد جهيد ، ولم يذهب الركب في هذه السنة من العراق لفساد البلاد من الأعراب . وممن توفي فيها من الأعيان : [ الشيخ ] أبو حامد الإسفراييني (١) أحمد بن محمد بن أحمد ، إمام الشافعية في زمانه ، ومولده في سنة أربع وأربعين وثلاثمئة . قدم بغداد وهو صغير سنة ثلاث أو أربع وستين وثلاثمئة ، فدرس الفقه على أبي الحسن بن المرزبان ، ثمّ على أبي القاسم الدارَكي ، ولم يزل يترقّى به الحال حتى صارت إليه رياسة الشافعيّة ، وعظم [ جاهه ] عند السلطان والعوام، وكان ثقةً، إماماً، فقيهاً، جليلاً، نبيلاً، شرح ((المزني)) في تعليقة حافلة نحواً من خمسين مجدداً ، وله تعليقة أخرى في أصول الفقه . روى عن أبي بكر الإسماعيلي وغيره . قال الخطيب البغدادي(٢): ورأيته غير مرّة ، وحضرت تدريسه بمسجد عبد الله بن المبارك في قطيعة الربيع ، وحدّثنا عنه الأزجي والخلال ، وسمعت من يذكر أنّه كان يحضر تدريسه سبعمئة فقيه أو متفقٌّه ، وکان الناس يقولون : لو رآه الشافعي لفرح به . وقال أبو الحسين القدوري : ما رأيت في الشافعيين أفقه من أبي حامد . وقد ذكرت ترجمته مستقصاة في طبقات الشافعية(٣) . وذكر ابن خلِّكان في ((الوفيات)(٤) : أن القدوري كان يقول : هو أفقه من الشافعي وأنظر . (١) تاريخ بغداد (٣٦٨/٤)، المنتظم (٢٧٧/٧)، وفيات الأعيان (٧٢/١)، سير أعلام النبلاء (١٧ / ١٩٣)، طبقات السبكي (٤/ ٦١)، النجوم الزاهرة (٢٣٩/٤)، شذرات الذهب (١٧٨/٣). والإسفراييني ، بكسر الهمزة وسكون السين وفتح الفاء وكسر الياء المثناة التحتية : نسبة إلى إسفرايين البلد المشهور المعروف من نواحي نيسابور على منتصف الطريق من جرجان . كذا في الوفيات . (٢) تاريخ بغداد (٤ /٣٦٩). طبقات الشافعية لابن كثير ( ٣٠أ). (٣) (٤) وفيات الأعيان (١/ ٧٣). ٢٧ وفيات سنة ٤٠٦ هـ قال الشيخ أبو إسحاق(١) : وليس هذا بمسلَّم ، فإن أبا حامد وأمثاله بالنسبة إلى الشافعي كما قال الشاعر : نَزَلُوا بِمِكَّةَ في قبائلِ نَوْفَلِ وَنَزَلْتُ بالبيداءِ(٣) أبعد مَنْزِلٍ قال ابن خلّكان(٣)، وله من المصنفات: (( التعليقة الكبرى))، وله كتاب ((البستان )) وهو صغير فيه غرائب . قال : وقد اعتذر إليه بعض الفقهاء في بعض المناظرات ، فأنشأ الشيخ [ أبو حامد ] يقول : جَفَاءٌ جَرى جَهْراً لَدَى النَّاسِ وَانْبَسَطْ وَعُذْرٌ أتى سِرَّاً فأكَّدَ ما فَرَطْ وَمَنْ ظَنَّ أَنْ يَمْحُو جَلِيَّ جَفَائِهِ خَفِيُّ اعتذارٍ فَهُوَ في أَعْظَمِ الغَلَطْ وكانت وفاته ليلة السبت لإحدى عشرة ليلة بقيت من شوال من هذه السنة ، ودفن بداره بعدما صلّي عليه بالصحراء ، وكان الجمعُ كثيراً، والبكاء غزيراً ، ثمّ نقل إلى مقبرة باب حرب في سنة عشر وأربعمئة . قال ابن الجوزي : وبلغ من العمر إحدى وستين سنة وأشهراً . رحمه الله تعالى . عُبَيد الله بن محمد بن أحمد بن محمد بن علي بن مِهْرانُ(٤) أبو أحمد بن أبي مسلم الفرضي المقرىء . سمع المَحاملي ، ويوسف بن يعقوب ، وحضر مجلس أبي بكر بن الأنباري ، وكان إماماً ثقة ، ورعاً وقوراً، كثير الخير ، يقرأ القرآن [ كثيراً ]، ثمّ يسمع الحديث، وكان معظّماً جليلاً . إذا قدم على أبي حامد الإسفراييني نهض إليه حافياً فتلقّاه إلى باب المسجد [ توفي وقد ] جاوز الثمانين. الشريف الرضي(٥) محمد بن [ الطاهر أبو أحمد ] الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن إبراهيم ابن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، أبو الحسن العلوي ، لقّبه بهاءُ الدولة بالرضيّ ذي الحَسَبَيْن ، ولقّب أخاه المرتضى ذي المجدين ، وكان نقيب الطالبيين ببغداد بعد أبيه ، وكان فاضلاً ديّناً ، قرأ القرآن بعد ثلاثين سنة من عمره ، وحفظ طرفاً جيداً من الفقه وفنون العلم ، وكان (١) طبقات الفقهاء (١٠٣). (٢) في ( ب ) : في البيداء . (٣) وفيات الأعيان (١/ ٧٣). (٤) تاريخ بغداد (٣٨٠/١٠)، المنتظم (٢٧٨/٧)، معرفة القراء الكبار (٢٩٢/١)، سير أعلام النبلاء (٢١٢/١٧)، شذرات الذهب ( ١٨١/٣). وقد ورد اسمه في الأصلين و( ط ) : عبد الرحمن ، وهذا خطأ تابع به المؤلف رحمه الله ابن الجوزي في المنتظم . وما أثبت من مصادر الترجمة . (٥) تاريخ بغداد (٢٤٦/٢)، المنتظم (٢٧٩/٧)، الكامل في التاريخ (٢٦١/٩)، وفيات الأعيان (٤١٤/٤)، سير أعلام النبلاء ( ١٧ / ٢٨٥)، الوافي بالوفيات (٢٧٤/٢)، شذرات الذهب (١٨٢/٣). ٢٨ وفيات سنة ٤٠٦هـ شاعراً مطبقاً ، سخيّاً جواداً ورعاً ، قال بعضهم : كان الشريف الرضي أشعر قريش ، فمن شعره المستجاد قوله : ـتَ فما العِزُّ بغالٍ اشْتَرِ العزَّ بما شِئْ ـتَ وبالسُّمرِ الطُّوالِ(١) بالقِصَارِ الصُّفْرِ إن شئْـ مَنْ شَرَى العزَّ بمالٍ(٢) ليسَ بالمَغْبُونِ عَقْلاً لُ لحاجاتِ الرِّجالِ إنّما يُدّخَرُ الما والفتى مَنْ جَعَلَ الأموا لَ أَثْمَانَ المَعَالي ومن شعره رحمه الله : يا طائِرَ البانِ غِرّيداً على فَتَنٍ هلْ أنتَ مُبلغُ من هامَ الفؤادُ بِهِ جِنَايةٌ مَا جَنَاهَا غيرُ مُقْلَتِهُ(٣) لَوْلا تَذكّرُ أيّامِ بِذِي سَلَمٍ لَمَا قَدَحْتُ بِنَارِ الشَّوْقِ(٤) في کبدي مَا هَاجَ نَوْحِكَ لي يا طَائِرَ البانِ إنَّ الطليقَ يُؤدِّي حَاجَة العَاني يومَ الوداعِ فَوا شوقي إلى الجاني وعِنْدَ رَامَةَ أوْطارِي وَأوطَاني وَلا بَلَلْتُ بِمَاءِ الدَّمْعِ أجْفَانِي وقد نسب إلى الرضي قصيدة ترامى فيها على الحاكم العُبيدي ، ويودّ أن لو كان ببلده وفي حوزته ، وياليت أن ذلك كان حتى يرى كيف كان منزلته عنده ، ولو أنّ الخليفة العباسيّ أجاد السياسة لسيّره إليه ليقضي مراده ، ويعلم الناس كيف حاله ، ولكن حلم العباسيين غزير(٥) ، يقول في هذه القصيدة : وَبَمِصْرَ الخَلِيْفِةُ العَلَويّ ألْبِسُ الذُّلّ في بِلاد الأعادِي يَ ، إِذَا ضَامَنِي البَعيدُ القَصِيّ مَنْ أبوهُ أبي ومولاه مَوْلا سٍ جَمِيعاً محمَّد وَعَلِيّ إنَّ عِزْقي بِعِرقةٍ سيّد النّا وأوامي بِذَلِكَ الوزد رِيّ إنَّ خَوْفِي بِذَلِكَ الرّبْعِ أمنٌ فلما سمع الخليفة [ القادر ] بأمر هذه القصيدة انزعج وبعث إلى أبيه الشريف الطاهر أبي أحمد (١) في ( ط ) : بالقصار إن شئ ت أو بالسمر الطوال (٢) في ( ط ) : ـيس بالمغبون عقلاً من شرى عزاً بمال (٣) في ( ط ) : متلفنا . (٤) في ( ط ) : الوجد . (٥) ثمة اختلاف بسيط في العبارة بين (أ) و(ب) و( ط ) ، لكن مؤدّاها واحد . ٢٩ أحداث سنة ٤٠٧ هـ الموسوي يعاتبه ، فأرسل إلى ابنِه الرضيّ ، فأنكر أن يكون قال ذلك بالمرّة ، والروافض من شأنهم التقيّة(١) . فقال له أبوه : فإذا لم تكن قلتها فقل أبياتاً تذكر فيها أنّ الحاكم العبيدي دعيّ لا نسب له . فقال : إني أخاف من غائلة ذلك ، وأصرّ على ألا يقول ما أمره به أبوه ، وتردَّدت الرسل من الخليفة إليهم في ذلك ، وهم ينكرون ، حتى بعث الشيخ أبا حامد الإسفراييني والقاضي أبا بكر إليه فأحلفاه بالله وبالأيمان المؤكّدة أنّه ما قالها . والله أعلم بحقيقة الحال . وكانت وفاته في خامس المحرم هذه السنة عن سبع وأربعين سنة ، وحضر جنازته الوزير والقضاة والأعيان ، وصلّى عليه الوزير فخر المُلْك ، ودفن بداره بمسجد الأنباري ، وولي أخوه الشريف المرتضى ما كان يليه ، وزيد على ذلك [ أشياء ] ومناصب أخرى كما ذكرنا ، وقد رثاه أخوه [ بمرثاة قوية الوقع ، حسنة المطلع ]٢) . رحمه الله تعالى . باديس بن منصور بن بُلُكِّين(٣) بن زِيْري بن منادِ الحِمْيريّ(٤) ، أبو المعزّ - منَاد بن باديس - نائب الحاكم على بلاد إفريقية وابن نائبها ، ولقَّبه الحاكم نصير الدَّولة ، وكان ذا هيبةٍ وسطوةٍ وحرمةٍ وافرةٍ ، وشجاعةٍ وشهامةٍ وافرةٍ ، وكان إذا هزّ رمحاً كسره . وكانت وفاته بغتة فجأة ليلة الأربعاء سلخ ذي القعدة من هذه السنة ، ويقال : إنّ بعض الصالحين دعا عليه تلك اللَّيلة ، وقام بالأمر من بعده ولده المعزّ مَناد . والله أعلم . ثم دخلت سنة سبع وأربعمئة في ربيع الأول منها : احترق مشهد الحسين بن عليّ [ بكربلاء] وأروقته ، وكان سببه أنّ القومة أشعلوا شمعتين كبيرتين فمالتا في اللّيل على التأزير فاحترق ، ونفذت النار منه إلى غيره حتى كان منه ما كان . وفي هذا الشهر أيضاً احترقت دار القطن ببغداد وأماكن كثيرة بباب البصرة ، واحترق جامع سامراء . (١) في ( ط) : التزوير . (٢) زيادة من (ب) . يقول الشريف المرتضى في رثاء أخيه : يا للرجال لفجعة جذمَت یدي ووددتها ذهبتْ عليَّ براسي فالدمع خير مساعدٍ ومؤاسٍ لا تنكروا من فيض دمعي عَبرةً في قصيدة طويلة . (٣) قيده ابن خلكان في وفيات الأعيان (١/ ٢٨٧) فقال: بضم الباء الموحدة واللام وتشديد الكاف المكسورة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها نون . وجَوّد الذهبي تقييده كذلك بخطه في تاريخ الإسلام (٩/ ١٠٤) (بشار). (٤) وفيات الأعيان (٢٦٥/١)، الكامل في التاريخ (٢٥٦/٩). وورد اسم جدّه في (ب) والوفيات : بلتكين . ٣٠ وفيات سنة ٤٠٧ هـ وفي هذا الشهر ورد الخبر بتشعيث الركن اليمانيّ من المسجد الحرام ، وبسقوط جدار بين يدي قبر النبي وَله، وأنَّه سقطت القبّة الكبيرة على صخرة بيت المقدس، وهذا من أغرب الاتفاقات وأعجبها. وفي هذه السنة قُتلت الشيعة الذين ببلاد إفريقية ونُهبت أموالهم ، ولم يُترك منهم إلا من لا يُعرف . وفيها : كان ابتداء دولة العلويين بالأندلس ، وليها عليّ بن حمود بن أبي العيش(١) العلوي ، فدخل قرطبة في المحرم من هذه السنة ، وقتل سليمان بن الحكم الأموي ، وقتل أباه أيضاً ، وكان شيخاً صالحاً . وبايعه النّاس ، وتلقَّب بالمتوكل على الله . ثمّ قُتِل في الحمّام في ثامن عشر ذي القعدة من هذه السنة عن ثمان وأربعين سنة . وقام بالأمر من بعده أخوه القاسم بن حمود ، وتلقّب بالمأمون ، فأقام في الملك ست سنين ، ثمّ كان ابن أخيه يحيى ، ثمّ إدريس أخو يحيى ، ثمّ ملك الأمويون ، ثمّ أجانب ، حتى ملك أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين . وفي هذه السنة : ملك محمود بن سُبُكْتِكين يمين الدولة بلاد خوارزم ، بعد مَلِكها خوارزم شاه [ مأمون بن مأمون ] . وفيها : استوزر سلطان الدولة ابن شجاع أبا الحسن علي بن الفضل الرّامَهرمُزي عوضاً عن فخر المُلْك ، وخلع عليه خِلَعَ الوزارة . ولم يحجّ أحد هذه السنة من بلاد العراق لفساد البلاد والطرقات ، وعبث الأعراب . وممن توفي فيها من الأعيان : أحمد بن محمد بن يوسف بن دُوست (٢) أبو عبد الله البزّازُ، أحد حفاظ الحديث ، و[أحد ] الفقهاء على مذهب مالك ، وكان يذاكر بحضرة الدارقطني ، ويتكلّم في علم الحديث ، فيقال : إنّ الدار قطني تكلّم فيه لذلك السبب ، وقد تكلّم فيه غيره ، بما لا يقدح فيه کبير شيء . قال الأزهري : رأيت كتبه كلَّها طريّة ، وكان يذكر أن أصوله العتُق غرقت ، وقد أملى الحديث من حفظه ، والمخلِّص وابن شاهين حيّان موجودان . وكانت وفاته في رمضان عن أربع وثمانين سنة ، رحمه الله تعالى الوزير فخر المُلْك(٣) محمد بن علي بن خَلَف ، أبو غالب ، الوزير ، كان من أهل واسط ، وكان أبوه (١) كذا في (أ) و(ط) وهو موافق الكامل في التاريخ (٢٦٩/٩)، وفي ( ب): أبي العباس. (٢) تاريخ بغداد (١٢٤/٥)، المنتظم (٢٨٤/٧)، المغني في الضعفاء (٥٨/١ )، سير أعلام النبلاء (٣٢٢/١٧)، النجوم الزاهرة (٢٤١/٤). (٣) المنتظم (٢٨٦/٧)، الكامل (٩/ ٢٦٠)، وفيات الأعيان (١٢٤/٥)، سير أعلام النبلاء (١٧/ ٢٨٢)، = ٣١ أحداث سنة ٤٠٨ هـ صيرفيّاً ، فتقلَّبت به الأحوال إلى أن وزر لبهاء الدولة بن عضد الدولة ، واقتنى أموالًا جزيلة، وبنى داراً عظيمة تعرف بالفخريّة ، وكانت أولًا للخليفة المتّقي لله . فأنفق عليها أموالاً كثيرةً ونفقاتٍ غزيرةً ، وكان كريماً جواداً بذّالاً ، كثير الصدقات ، كسا في يوم ألف فقير ، وكان كثير الصلاة أيضاً ، وهو أول من فرّق الحلاوة ليلة النصف من شعبان ، وكان فيه ميل إلى التشيّع ، وقد قتله سلطان الدولة في هذه السنة بالأهواز ، وأخذ من أمواله شيئاً كثيراً ، من ذلك : أزيد من ستمئة ألف دينار ، خارجاً عن الأملاك [ والجواهر ] والأثاث والمتاع ، وكان عمره يوم قتل ثنتين وخمسين سنة وأشهراً . وقيل : إنّ سبب هلاكه ؛ أنّ رجلاً قتله بعض غلمانه فاستعدت امرأة الرجل عليه إلى الوزير . ورفعت إليه قصصاً ، فكلّ ذلك لا يلتفت إليها ، فقالت له ذات يوم : [ أيها الوزير ] ، أرأيت القصص التي رفعتها إليك ، ولا تلتفت إليها قد رفعتها إلى الله عز وجل ، وأنا أنتظر التوقيع عليها ، فلمّا مُسِكَ الوزير قال : قد والله خرج توقيع المرأة . فكان من أمره ما كان . ثم دخلت سنة ثمان وأربعمئة وفيها : وقعت فتنة عظيمة بين [ أهل ] السنّة والروافض ببغداد، وقتل [ فيها ] خلق كثير من الفريقين . وفيها : ملك أبو المظفر بن أرسلان خاقان بلاد ما وراء النهر وغيرها ، وتلقب بشرف الدولة ، وذلك بعد وفاة أخيه طَغَان خان ، وقد كان طَغَان خان هذا أديباً فاضلاً يحبّ أهل العلم والدين ، وقد غزا الترك مرّة ، فقتل منهم مئتي ألف مقاتل ، وأسر منهم مئة ألف ، وغنم من أواني الذهب والفضة وأواني الصيني شيئاً لم يعهد لأحد مثله ، فلما مات ظهرت ملوك الترك على البلاد الشرقيّة . وفي جمادى الأولى منها ولي أبو الحسين أحمد بن مهذّب الدولة أبي الحسن علي بن نصر بلاد البطائح بعد أبيه ، فقاتله ابن عمه فغلبه عليها ، وضربه حتى قتله ، ثمّ لم تطل مدته فيها حتى قُتل ، ثم آلت بعد ذلك إلى سلطان الدولة صاحب بغداد . وفي هذه السنة : ضعف أمر الدَّيلم ببغداد ، وطمع فيهم العامة ، فنزلوا إلى واسط ، فقاتلهم أهلها مع الترك أيضاً . وفيها : ولي نور الدولة ، أبو الأعز دُبَيْس بن أبي الحسن علي بن مَزْيَد بعد وفاة أبيه . الوافي بالوفيات (١١٨/٤)، النجوم الزاهرة (٢٤٢/٤)، شذرات الذهب (١٨٥/٣). = ٣٢ وفيات سنة ٤٠٨ هـ ـ أحداث سنة ٤٠٩ هـ وفيها : قدم سلطان الدولة بغداد وضرب الطبل أوقات الصلوات ، ولم تجر بذلك عادة ، وعقد عقده على بنت قرواش على صداق مبلغه خمسون ألف دينار . وقال أبو الفرج بن الجوزي، في كتابه ((المنتظم)(١) : أخبرنا سعد الله بن علي البزّاز ، أخبرنا أبو بكر الطُّرَيثيني ، أخبرنا هبة الله بن الحسن الطبري قال : وفي سنة ثمان وأربع مئة ، استتاب القادر بالله أمير المؤمنين فقهاء المعتزلة الحنفية ، فأظهروا الرجوع ، وتبرّؤوا من الاعتزال والرفض ، والمقالات المخالفة للإسلام ، وأخذ خطوطهم بذلك ، وأنَّهم متى خالفوه أحلَّ بهم من النكال والعقوبة ما يتَّعظ به أمثالهم ، وامتثل يمين الدولة أبو القاسم محمود بن سُبُكْتِكين أمر أمير المؤمنين ، واستنّ بسنته في أعماله التي استخلفه عليها من خراسان وغيرها ، في قتل المعتزلة ، والرافضة ، والإسماعيلية ، والقرامطة ، والجهميّة ، والمشبهة ، وصلبهم ، وحبسهم ، ونفاهم ، وأمر بلعنتهم على المنابر ، وإبعاد كلّ طائفة من أهل البدع ، وطردهم عن ديارهم ، وصار ذلك سُنّة في الإسلام . ولم يحجّ في هذه السنّة أحدٌ من أهل العراق لفساد البلاد ، وعبث الأعراب ، وضعف الدولة عنهم . وممن توفي فيها من الأعيان : الحاجب الكبير شباشي (٢) أبو نصر ، مولى شرف الدولة ، ولقّبه بهاء الدولة : بالسعيد ، وكان كثير الصدقات ، والأوقاف على وجوه القربات ، فمن ذلك أنه وقف دباها٣) على المارستان ، وكانت تغلّ شيئاً كثيراً من الزروع والثمار والخراج ، وبنى قنطرة الخندق [ والمارستان ] والياسريّة(٤) وغير ذلك ، ولما مات دفن بمقبرة الإمام أحمد ، وأوصى أن لا يُبنى على قبره ، فخالفوه فعقدوا على قبره قبّة فسقطت ، وبعد موته بنحو من سبعين سنة ، اجتمع نسوة عند قبره ينحن ويبكين فلما رجعن رأت عجوز منهن [ كانت ] هي المقدمة في تلك النياحة في المنام ، كأن تركياً خرج إليها من قبره ، ومعه دبوس فحمل عليها وزجرها ، فإذا هو الحاجب السعيد فانتبهت مذعورة . ثم دخلت سنة تسع وأربعمئة في يوم الخميس السابع عشر من المحرم قرىء كتاب في مذاهب أهل السنة بدار الخلافة في الموكب ، وفيه : أنَّ من قال : القرآن مخلوق فهو كافر ، حلال الدَّم . (١) المنتظم (٧/ ٢٨٧). (٣) قرية من نواحي بغداد. معجم البلدان (٢/ ٦٤). (٢) المنتظم (٢٨٧/٧)، الكامل في التاريخ (٣٠٤/٩). (٤) قرية كبيرة على ضفة نهر عيسى، بينها وبين بغداد ميلان. معجم البلدان (٤٢٥/٥). ٣٣ وفيات سنة ٤٠٩ هـ وفي النصف من جمادى الأولى من هذه السنة فاض ماء البحر المالح ووافى الأبلّة ، ودخل البصرة بعد يومين . وفيها : غزا محمود بن سُبُكْتِكين بلاد الهند أيضاً ، وتواقع هو وملك ملوك الهند ، فاقتتل الناس قتالًا عظيماً ، ثمّ انجلت عن هزيمة [ عظيمة على ] الهند، [ وأخذ المسلمون يقتلون فيها كيف شاؤوا ] وأخذوا منهم أموالًا عظيمةً من الجواهر والذهب والفضّة ، ومئتي فيل ، واقتصّوا آثار المنهزمين ، وهدموا معاقلَ كثيرةً جدّاً ، ثمّ عاد إلى غزنة مؤيّداً منصوراً . وفيها : استوزر سلطان الدولة ذا السعادتين أبا غالب الحسن بن منصور . ولم يحجّ في هذه السنة أحد من أهل العراق لفساد البلاد وعبث الأعراب . وممن توفي فيها من الأعيان : رَجاء بن عيسى بن محمد (١) أبو العباس [ الأنصناويُّ ] ، نسبة إلى قرية من قرى مصر يقال لها أنْصِنا٢ً) ، قدم بغداد فحدّث بها وسمع منه الحفاظ ، وكان ثقة ، فقيهاً ، مالكياً، عدلاً ، مقبولاً عند الحكام ، مرضياً ، فَرَضيّاً ، ثمّ عاد إلى بلده ، وتوفي بها في هذه السنة ، وقد جاوز الثمانين . رحمه الله تعالى . عبد الله بن محمد بن أبي علان(٣) أبو أحمد ، قاضي الأهواز ، كان ذا يسرة كثيرة ، وله مصنفات منها كتاب ((في معجزات النبي (وَّر)) جمع فيه ألف معجزة ، وكان من كبار شيوخ المعتزلة . توفي في هذه السنة عن تسع وثمانين سنة . علي بن نصر بن أبي الحسن(٤) مهذب الدَّولة، صاحب بلاد البطيحةُ(٥) ، كانت له مكارم كثيرة ، وكان الناس يلجؤون إليه في الشدائد فيُؤويهم ، ويحسن إليهم ، ومن أكبر مناقبه في ذلك إحسانه إلى أمير المؤمنين القادر بالله حين استجار به ، ونزل عنده بالبطايح فارّاً من الطائع لله ، فآواه ، وأحسن إليه ، وكان في خدمته حين ولي إمرة المؤمنين ، فكانت له بها عنده اليد البيضاء ، وقد ولي البطايح ثنتين وثلاثين سنة (١) المنتظم (٧/ ٢٩٠)، الكامل في التاريخ (٣١١/٩). أنْصِنا ، بالفتح ثم السكون ، وكسر الصاد المهملة والنون مقصور : مدينة أزلية من نواحي الصعيد على شرقي (٢) النيل . معجم البلدان (٢٦٥/١)، وقد تحرفت في (أ) و(ب) إلى أنصار. وقد ينسب إليها ((أنصناني)) كما بخط الذهبي في تاريخ الإسلام (١٣٩/٩)، لكن ما هنا هو المشهور، وهو الذي في تاريخ الخطيب (٤٠٢/٩ ط . د . بشار) وغيره . (٣) المنتظم (٢٩٠/٧)، الكامل في التاريخ (٩/ ٣١١). المنتظم (٧/ ٢٩٠)، الكامل في التاريخ (٣٠٢/٩). (٤) (٥) البطيحة : أرض واسعة بين واسط والبصرة . ٣٤ وفيات سنة ٤٠٩ هـ وشهوراً ، وتوفي في هذا العام عن ثنتين وسبعين سنة ، وكان سبب موته أنه افتصد فانتفخ ذراعه حتى مات ، رحمه الله تعالى . الحافظ عبد الغني بن سعيد بن علي بن سعيد بن بشر بن مروان بن عبد العزيز(١) أبو محمد الأزْدي ، المصري ، الحافظ ، كان عالماً بالحديث وفنونه ، وله فيه المصنفات الكثيرة الشهيرة . قال أبو عبد الله الصوريّ الحافظ : ما رأت عيناي مثله في معناه !. وقال الدّار قطني : ما رأيت بمصر مثل شاب يقال له : عبد الغني ، كأنه شعلة نار ، وجعل يفخّم أمره ، ويرفع ذكره . وقد صنّف الحافظ عبد الغني هذا كتاباً فيه أوهام الحاكم(٢) ، فلما وقف عليه الحاكم جعل يقرؤه على الناس ويعترف لعبد الغني بالفضل ، ويشكره على ذلك ، ويرجع إلى ما أصاب فيه من الردّ عليه . رحمهما الله . ولد الحافظ عبد الغني لليلتين بقيتا من ذي القعدة سنة ثنتين وثلاثين وثلاثمئة ، وتوفي في صفر من هذه السنة . رحمه الله تعالى . محمد بن أمير المؤمنين القادر بالله (٣) ويكنى بأبي الفضل ، كان أبوه قد جعله ولي عهده من بعده ، وضُربت السكّة باسمه ، وخَطب له الخطباء على المنابر ، ولُّقِّب بالغالب بالله ، فلم يُقدّر ذلك ، وتوفي في هذه السنة عن سبع وعشرين سنة . محمد بن إبراهيم بن محمد بن يزيد(٤) أبو الفتح البزّاز الطرسوسي ، ويعرف بابن البصري ، سمع الكثير من المشايخ ، وسمع منه الصّوري ببيت المقدس حين أقام به ، وكان ثقة مأموناً . رحمه الله تعالى ورحمنا أجمعين . (١) المنتظم (٢٩١/٧)، الكامل في التاريخ (٣١١/٩)، وفيات الأعيان (٢٢٣/٣)، سير أعلام النبلاء (٢٦٨/١٧)، النجوم الزاهرة (٢٤٤/٤)، شذرات الذهب (١٨٨/٣). (٢) وذلك في كتابه ((المدخل على الصحيح)) وسمّاه (( كشف الأوهام التي في كتاب المدخل)) وقال عبد الغني: لما رددت على أبي عبد الله الحاكم الأوهام التي في المدخل بعث إليّ يشكرني ، ويدعو لي ، فعلمت أنّه رجل عاقل . السير (١٧ / ٢٧٠). (٣) المنتظم (٢٩٢/٧)، الكامل في التاريخ (٣١١/٩). (٤) المنتظم (٢٩٢/٧) . ٣٥ أحداث سنة ٤١٠ هـ ووفياتها ثم دخلت سنة عشر وأربعمئة فيها : ورد كتاب من يمين الدولة محمود بن سُبُكْتِكِين يذكر فيه ما افتتحه من بلاد الهند في السنة الخالية ، وفيه : أنَّه دخل مدينة وجد بها زهاء ألف قصر مشيّد وألف بيت للأصنام ، [ وفيها من الأصنام شيء كثير ] ، ومبلغ ما في الصنم من الذهب يقارب مئة ألف دينار ، وبلغ من الأصنام الفضة زيادة على ألف صنم ، وفيهم صنم معظّم يؤرّخون مدّته لجهلهم بثلاثمئة ألف عام ، [ وقد سلبنا ذلك كلّه وغيره مما لا يحصى ولا يعدّ ، وقد غنم المجاهدون في هذه الغزوة شيئاً كثيراً ] وقد عمّ المجاهدون هذه المدينة بالإحراق ، فلم يبق منها إلا الرسوم ، وبلغ عدد الهالكين من الهند خمسين ألفاً ، وأسلم منهم نحو عشرين ألفاً ، وأفرد خمس الرقيق فبلغ ثلاثةً وخمسين ألفاً ، واستعرض من الأفيال ثلاثمئة وستة وخمسين فيلاً ، وحُصِّل من الأموال عشرون ألف ألف درهم [ ومن الذهب شيء كثير ] . وفي ربيع الآخر جلس القادر بالله ، وقُرىء عهد الملك أبي الفوارس ، ولُقِّب قوام الدولة ، وخلع عليه بخلع حُمِلت إليه بولاية كرمان(١) . ولم يحجّ أحد في هذه السنة من العراق لفساد الأعراب في الطرقات . وممن توفي فيها من الأعيان : الأصيفر المنتفقي (٢) الذي كان يخفر الحجّاج . أحمد بن موسى بن مَرْدويه بن فُوْرَك٣) أبو بكر الحافظ الأصبهاني ، توفي في رمضان هذه السنة . هبة الله بن سلامة٤) أبو القاسم ، الضرير ، المقرىء ، المفسّر ، كان من أعلم الناس ، وأحفظهم للتفسير ، وكانت له حلقة في جامع المنصور . روى ابن الجوزيّ بسنده إليه قال : كان لنا شيخ نقرأ عليه ، فمات بعض أصحابه فرآه في المنام فقال له : ما فعل الله بك؟ قال : غفر لي ، قال : فما حالك مع منكر ونكير؟ فقال : لما أجلساني وسألاني (١) انظر معجم البلدان (٤/ ٤٥٤). (٢) المنتظم (٢٩٣/٧)، الكامل في التاريخ (٣١٣/٩) وذكر أنه كان يؤذي الحاجّ في طريقهم . (٣) المنتظم (٢٩٤/٧)، تاريخ أصبهان (١٦٨/١)، الكامل في التاريخ (٣١٣/٩)، سير أعلام النبلاء (٣٠٨/١٧)، الوافي بالوفيات (٢٠١/٨)، النجوم الزاهرة (٢٤٥/٤)، طبقات المفسرين للداوودي (٩٣/١)، شذرات الذهب (١٩٠/٣). (٤) المنتظم (٢٩٦/٧)، سير أعلام النبلاء (١٧ / ٣١١) عرضاً. ٣٦ أحداث سنة ٤١١ هـ ألهمني الله تعالى، أن قلت: بحقّ أبي بكر وعمر(١) ، دعاني ، فقال أحدهما للآخر : وقد أقسم علينا بعظيمين فدعه ، فتركاني وذهبا عني ، فرضي الله عن أبي بكر وعمر وعن أصحاب رسول الله أجمعين . ثم دخلت سنة إحدى عشرة وأربعمئة فيها عُدم الحاكم العُبيدي (٢) صاحب مصر ، وذلك أنّه لما كان ليلة الثلاثاء لليلتين بقيتا من شوال، فقد الحاكم بن العزيز بن المعزّ صاحب مصر ، فاستبشر المؤمنون والمسلمون بذلك ، وذلك لأنه كان جبَّاراً عنيداً وشيطاناً مريداً. ولنذكر شيئاً من صفاته القبيحة وسيرته الملعونة . كان قبّحه الله كثير التلوّن في أفعاله[ وأحكامه ] وأقواله، جائراً في كيفيّة بلوغه ما يؤمله من ضميره الملعون، لأنّه كان يوم أنْ يَدَّعي الإلهيّة كما ادَّعاها فرعون في زمان موسى عليه السلام ، وكان قد أمر الرعيَّة إذا ذكره الخطيب على المنبر أن يقوم الناس على أقدامهم صفوفاً ، إعظاماً لذكره ، واحتراماً لاسمه ، فكان يفعل هذا في سائر ممالكه حتى في الحرمين الشريفين ، وكان [ قد أمر ] أهل مصر على الخصوص إذا قاموا [ عند ذكره ] خرّوا سجوداً له ، حتى إنّه ليسجد بسجودهم مَنْ في الأسواق من العامة من الرعاع (٣) وغيرهم [ ممن كان لا يصلّي الجمعة، وكانوا يتركون السجود لله في يوم الجمعة وغيره ويسجدون للحاكم ] ، وأمر في وقت أهل الكتابين بالدخول في دين الإسلام كُرْهاً ، ثمّ أذن لهم في العودة إلى أديانهم ، وخَرَّب كنائسهم ثمّ عمّرها ، وخرّب القمامة ثمّ أعادها ، وابتنى المدارس ، وجعل فيها الفقهاء والمشايخ ، ثمّ قتلهم وخرّبها ، وألزم الناس بإغلاق الأسواق نهاراً وفتحها ليلاً ، فامتثلوا ذلك دهراً طويلاً ، حتى اجتاز مرّة بشيخ يعمل النجارة في أثناء النهار فوقف عليه فقال : ألم ننهكم عن هذا؟ فقال : يا سيّدي ، لما كان الناس يسهرون [ بالليل ] كانوا يتعيشون بالنهار، [ ولما كانوا يتعيشون بالليل يسهرون بالنهار ] ، فهذا من جملة السهر ، فتبسّم وتركه ، وأعاد الناس إلى أمرهم الأول ، وكلّ هذا تغيير للرسوم ، واختبار لطاعة العامّة له ، ليترقّى إلى ما هو أهم [ وأمرّ وأعظم ] من ذلك، لعنه الله. وقد كان يعمل الحسبة بنفسه ، [ فكان ] يدور في الأسواق على حمارٍ له ، وكان لا يركب إلا حماراً ، فمن وجده قد غشّ في معيشته أمر عبداً أسود معه يقال له : مسعود أن يفعل به الفاحشة العظمى جهاراً ، وهذا أمر منكر ملعون لم يُسبق إليه . (١) لم يكن من عادة السلف الصالح ، الدعاء بحق أحد سوى الله تعالى، وإنما يكون الدعاء بأسماء الله تعالى وصفاته ، كما قال الله تعالى في كتابه: ﴿ وَلِلَّهِ آلْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَدْعُوهُ بِهِّ﴾ (ع ). (٢) المنتظم (٢٩٧/٧)، الكامل في التاريخ (٣١٤/٩)، وفيات الأعيان (٢٩٢/٥)، سير أعلام النبلاء (١٧٣/١٥)، النجوم الزاهرة (١٧٦/٤)، شذرات الذهب (١٩٢/٣). (٣) قوله : من الرعاع ، زيادة من ( ب ) . ٣٧ أحداث سنة ٤١١ هـ وكان قد منع النساء من الخروج من منازلهن ، وقطع الأعناب حتى لا يتخذ الناس منها خمراً ، ومنعهم من طبخ الملوخيّة ، وأشياء من الرعونات التي لا تنضبط ولا تنحصر [ التي من أحسنها منع النساء من الخروج ، وكراهة الخمر ] وكانت العامة موتورين منه ، يبغضونه كثيراً ، ويكتبون له الأوراق التي فيها الشتيمة البليغة له ولأسلافه وحريمه في صورة قصص ، فإذا قرأها ازداد غيظاً وحنقاً عليهم ، حتى إنّ أهل مصر عملوا صورة امرأة من ورق بخفّيها وإزارها وفي يدها قصّة ، فيها من الشتم [ واللعن والمخالفة ] له شيء كثير ، فلما رآها ظنّها امرأة فذهب من ناحيتها ، وأخذ القصّة من يدها ، فقرأها ورأى ما فيها فأغضبه ذلك ، وأمر بقتل تلك المرأة ، فلمّا تحققها من ورق ، ازداد أيضاً غضباً على غضبه ، ثمّ لمّا وصل إلى القاهرة ، أمر العبيد من السودان أنْ يذهبوا إلى مصر فيحرقوها ، وينهبوا ما فيها من الأموال [ والمتاع ] والحريم ، فذهبت العبيد فامتثلوا ما أمرهم به ، فقاتلهم أهل مصر قتالًاً عظيماً ثلاثة أيام ، والنار تعمل في الدور والحريم ، وفي كلِّ يوم يخرج هو بنفسه - قبَّحه الله - فيقف من بعيد ويبكي ويقول : من أمر هؤلاء العبيد بهذا؟ ثمّ اجتمع الناس في الجوامع ورفعوا المصاحف ، وجأروا إلى الله تعالى ، واستغاثوا به ، فرقّ لهم الترك والمشارقة ، وانحازوا إليهم ، فقاتلوا معهم عن حريمهم ودورهم ، وتفاقم الحال جداً ، ثمّ ركب الحاكم يفصل بين الفريقين ، فكفّ العبيد عنهم ، وقد كان يظهر التنصّل من القصّة ، وأن العبيد ارتكبوا ذلك من غير علمه ، وإذنه ، وكان ينفذ لهم السلاح ، ويحثّهم على ذلك في الباطن ، لعنه الله تعالى ، فما انجلى الحال حتى أحرق من مصر نحواً من ثلثها ، ونهب قريباً من نصفها ، وسُبيت حریمُ خلقٍ كثير [ وبنات كثيرة ] . ففعل بهن الفواحش والمنكرات ، حتى أن منهن من قتلت نفسها خوفاً من العار والفضيحة ، واشترى الرجال من سُبي لهم من النساء والحريم من أيدي العبيد . قال ابن الجوزي(١) : ثم زاد ظلم الحاكم ، وعنّ له أن يدّعي الربوبيّة ، فصار قوم من الجهّال إذا رأوه يقولون : يا واحد ، يا أحد ، يا محيي ، يا مميت [ قبحهم الله جميعاً ]. صفة مقتله لعنه الله كان قد تعدّى شره إلى الناس حتّى إلى أخته ، [وكان ] يتَّهمها بالفاحشة ، ويُسمعها أغلظ الكلام ، فتبرّمت منه ، وعملت على قتله، فراسلت فيه أكبر الأمراء [ أميراً ] يقال له: ابن دواس، فتوافقت هي وهو على قتله [ ودماره ] وتواطآً على ذلك ، وجهّز من عنده عبدين أسودين من عبيده شهمين ، فقالت لهما : إذا كان في الليلة الفلانيّة فكونا بجبل المقطّم . ففي تلك الليلة يكون الحاكم هناك في الليل لينظر في النجوم وليس معه إلا ركابي وصبيّ ، فاقتلاه واقتلاهما معه ، واتفق الحال على ذلك وتقدّر ، فلما كانت تلك الليلة قال الحاكم لأمّه : إنّ في هذه الليلة عليّ قطعاً عظيماً ، فإن نجوت منه عُمّرت نحواً من ثمانين (١) المنتظم (٢٩٨/٧). ٣٨ أحداث سنة ٤١٢ هـ سنة ، ومع هذا فانقلي حواصلي إليكِ ، فإني أخوف ما أخاف عليك من أختي ، [ وأخوف ما أخاف على نفسي منها ] ، فنقل حواصله إلى أمّه ، وكان له في صناديق قريب من ثلاثمئة ألف دينار وجواهر ، فقالت له أمّه : يا مولانا ، فإذا كان الأمر كما تقول : فارحمني ولا تركب في ليلتك هذه إلى موضع ، وكان من عادته أن يدور حول القصر كلّ ليلة ، فدار ثمّ عاد إلى القصر فنام إلى قريب من ثلث الّليل الأخير ، فاستيقظ ، وقال : إن لم أركب الليلة فاضت نفسي ، فركب فرساً ، وصحبه صبيّ [ وركابي ] ، وصعِد جبل المقطَّم ، فاستقبله ذانك العبدان فأنزلاه عن مركوبه ، وقطعا يديه ورجليه ، وبقرا جوفه ، وحملاه فأتيا به مولاهما ابن دواس ، فحمله إلى أخته فدفنته في مجلس دارها ، واستدعت الأمراء والكبار والوزير وقد أطلعته على الجليّة ، فبايعوا لولد الحاكم أبي الحسن علي ، ولقّب بالظاهر لإعزاز دين الله ، وكان بدمشق ، فاستدعت به وجعلت تقول للناس : إن الحاكم قال لي : إنه سيغيب سبعة أيام ثمّ يعود ، فاطمأن الناس بذلك ، وجعلت [ ترسل ] ركابيين يصعدون الجبل ويجيئون ويقولون : تركناه بالموضع الفلاني ، ويقول الذين من بعدهم [ لأمّه ] : تركناه في موضع كذا حتى اطمأن الناس ، وقدم ابن أخيها وقد استصحب من دمشق ألف ألف دينار ، وألفي ألف درهم . فحين وصل ألبسته تاج المعزّ جدّ أبيه ، وحلّة عظيمة ، وأجلسته على السرير ، وبايعه الأمراء والرؤساء ، وأطلق لهم الأموال الجزيلة ، وخلعت على ابن دواس خلعة سنّة هائلة ، وعملت عزاء أخيها الحاكم ثلاثة أيام ، ثمّ أرسلت إلى ابن دواس طائفة من الجند ليكونوا بين يديه بسيوفهم ، وقوفاً في خدمته ، ثمّ أمرتهم في بعض الأيام أن يقولوا له : أنت قاتل مولانا ، ثمّ يهبرونه بسيوفهم ، ففعلوا ذلك ، وقتلت كلّ من اطّلع على سرّها في قتل أخيها فَعَظُمتْ هيبتها ، وقَويت حرمتها ، وثَبتت دولتها . وقد كان عمر الحاكم حين قُتل سبعاً وثلاثين سنة ، وكانت مدة ملكه من ذلك خمساً وعشرين سنة [ لعنه الله ]١) . ثم دخلت سنة ثنتي عشرة وأربعمئة فيها : تولى القاضي أبو جعفر [ أحمد بن محمد ] السمنانيّ الحسبة والمواريث ببغداد، وخُلِعَ عليه بالسواد . وفيها : قال جماعة من [ العلماء و] المسلمين للملك الكبير يمين الدولة محمود بن سُبُكْتِكين : أنت [ أكبر ] ملوك الأرض ، وفي كلّ سنة تفتح طائفة من بلاد الكفر والعدوِّ ، وهذه طريق الحجّ قد تعطلت من مدة سنين ، وفتحك لها أوجب من غيرها ، فتقدّم إلى قاضي القضاة بعمله أبي محمد الناصحي أن يكون أمير الحجّ في هذه السنة ، وبعث معه بثلاثين ألف دينار للأعراب ، غير ما جهّز معه من الصدقات (١) زيادة من ب . ٣٩ وفيات سنة ٤١٢ هـ إلى الحرمين، فسار الناس صحبته فلما كانوا بفَيد(١) اعترضهم الأعراب ، فصالحهم القاضي أبو محمد الناصحي بخمسة آلاف دينار فامتنعوا ، وصمّم كبير الأعراب وهو جماز(٢) بن عُدَيّ على أخذ الحجيج ، وركب فرسه وجال جولة ، واستنهض من معه من شياطين العرب ، فتقدّم إليه غلام من أهل سمرقند [ يقال له : ابن عفان ] فرماه بسهم فوصل إلى قلبه ، فسقط ميتاً ، وانهزمت الأعراب ، وسلك الحجيج الطريق ، فحجّوا ، ورجعوا سالمين آمنين ، ولله الحمد . وممن توفي فيها من الأعيان : أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله(٣) بن حفص(٤) أبو سَعْد المالِيْنِي الصُّوفي ، ومالين قرية من قرى هَراة . كان من الحفّاظ المكثرين الرّحالين في طلب الحديث إلى الآفاق ، وكتب كثيراً ، وكان ثقةً صدوقاً صالحاً ، وكانت وفاته بمصر في شوال هذه السنة . الحسن بن الحسين بن محمد(٥) بن الحسين [ بن رامين ] القاضي ، أبو محمد الإستراباذي . نزل بغداد ، وحدّث بها عن الإسماعيلي وغيره ، وكان من كبار الشافعيّة فاضلاً صالحاً ، رحمه الله تعالى . الحسن بن منصور بن غالب(٦) الوزير ، الملقب ذا السعادتين . ولد بسيراف سنة ثنتين (٧) وخمسين وثلاثمئة ، وتنقلت به الأحوال حتى وَزَرَ ببغداد ، ثمّ قتل وصودر أبوه على ثمانين ألف دينار . الحسين بن عُمر(٨) أبو عبد الله الغَزَّال. سمع النّجاد والخُلْدي وابن السمّاك وغيرهم . قال الخطيب : كتبت عنه ، وكان شيخاً ثقة ، صالحاً ، كثير البكاء عند الذكر . رحمه الله تعالى . (١) فيد: منزل بطريق مكة. معجم البلدان (٤/ ٢٨٢). (٢) كذا في (ط)، وفي (أ) و(ب): حماد. خطأ. وينظر تاريخ الإسلام للذهبي (١٧٩/٩). في ( ط): ((إسماعيل)) وهو تحريف ظاهر، وما أثبتناه موافق لما في مصادر ترجمته ، ومنها خط الذهبي في (٣) تاريخ الإسلام (٢٠٠/٩) (بشار). تاريخ بغداد (٣٧١/٤)، المنتظم (٣/٨)، سير أعلام النبلاء (٣٠١/١٧)، الوافي بالوفيات (٧/ ٣٣٠)، (٤) طبقات السبكي (٥٩/٤)، النجوم الزاهرة (٢٥٦/٤)، شذرات الذهب (١٩٥/٣). (٥) المنتظم (٣/٨)، تاريخ بغداد (٧/ ٣٠٠). (٦) المنتظم (٣/٨)، الكامل في التاريخ (٣٢٣/٩). في ( ب) و(ط ): ثلاث. خطأ، وما هنا من (ح ) ويعضده ما في مصادر ترجمته . (٧) في (ط): ((عمرو)) خطأ، وما أثبتناه موافق لما في تاريخ الخطيب (٨/ ٨٢) وتاريخ الإسلام (٢٠٣/٩). (٨) ٤٠ وفيات سنة ٤١٢ هـ محمد بن عمر (١) أبو بكر العَنْبَري . كان أديباً ظريفاً حسن الشعر ، فمن ذلك قوله : نِ وَأهْلِهِ نَظَراً كَفَاني إِنِّي نَظَرْتُ إلى الزّمَا فَعَرَفْتُهُ وَعَرَفْتُهُمْ وعرفتُ عِزِّي من هَوَانِي يقَ فَلا أراهُ ولا يَراني فَلِذاكَ أَطَّرحُ الصَّد يْهِ ودونَهُ نيلُ الأماني فزهدْتُ فيما في يَدَ وَهَبَ الأَقَاصِي للأدَاني فَتَعَجّبُوا لِمُغَالِبٍ(٢) وانسلَّ مِن بينِ الزِّحا مٍ فَمَا له في الكونُ(٣) ثاني قال ابن الجوزيّ : وكان متصوّفاً ، ثم خرج عنهم، وذمّهم بقصائد ذكرتها في (( تلبيس إبليس )) وكانت وفاته يوم الخميس ثاني عشر جمادى الأولى من هذه السنة . محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رزق بن عبد الله بن يزيد بن خالد(٤) أبو الحسن البزّاز ، المعروف ابن رِزْقويه . قال الخطيب : وهو أول شيخ كتبت عنه في سنة ثلاث وأربعمئة ، وكان يذكر أنَّه درس الفقه على مذهب الشافعيّ ، وكان ثقة ، صدوقاً ، كثير السماع والكتابة ، حسن الاعتقاد ، جميل المذهب ، مديماً لتلاوة القرآن ، شديداً على أهل البدع ، ومكث دهراً على الحديث ، وكان يقول : لا أحب الدنيا إلا لذكر الله وتلاوة القرآن ، وقراءتي عليكم الحديث ، وقد بعث بعض الأمراء إلى العلماء بذهب ، فقبلوا كلُّهم غيره ، فإنَّه لم يقبل منه شيئاً . وكانت وفاته في يوم الإثنين السادس عشر من جمادى الأولى من هذه السنة ، عن سبع وثمانين سنة ، ودفن بالقرب من مقبرة معروف الكرخي ، رحمه الله تعالى . أبو عبد الرحمن السُّلَميُ(٥) محمد بن الحسين بن محمد بن موسى النَّيْسابوري . روى عن الأصَمّ وغيره ، وعنه مشايخ البغداديين كالأزهري والعُشَاري وغيرهما ، وروى عنه البيهقي وغيره . (١) تاريخ بغداد (٣٦/٣)، المنتظم (٤/٨) الكامل في التاريخ (١١١/٩). (٢) (٣) في المنتظم : لمقالة . في ( ب) و(ط ) : القلب ، وفي تاريخ الخطيب : الخَلْق . تاريخ بغداد (٣٥١/١)، المنتظم (٤/٨)، سير أعلام النبلاء (٢٥٨/١٧)، الوافي بالوفيات (٦٠/٢)، (٤) النجوم الزاهرة (٢٥٦/٤)، شذرات الذهب (١١٦/٣). ورزق قد تحرفت في ( ط ) إلى : روق. (٥) تاريخ بغداد (٢٤٨/٢)، المنتظم (٦/٨)، الكامل في التاريخ (٣٢٦/٩)، سير أعلام النبلاء (١٧ / ٢٤٧)، الوافي بالوفيات (٢٨٠/٢)، طبقات السبكي (١٤٣/٤)، النجوم الزاهرة (٢٥٦/٤)، شذرات الذهب (١٩٦/٣) .