النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨١ وفيات سنة ٣٦٥هـ إفريقية وما والاها من بلاد المغرب ، فلما كان سنة ثمانٍ وخمسين وثلاثمئة ، بعث بين يديه جوهراً القائد ، فأخذ له البلاد المصرية من كافور الإخشيدي بعد حروب تقدَّم ذكرها ١) ، واستقرَّت يد جوهر القائد عليها ، فبنى القاهرة المُعِزِّية وبنى منزل الملك وهما القصران (٢)، ثم أقيمت الخطبة للمعز في سنة ثنتين وستين وثلاثمئة، وقدم المعز - كما ذكرنا(٣) - في جحافل عظيمة ، ومعه الأمراء من المغاربة والأكابر والقواد ، وحين نزل الإسكندرية تلقَّاه وجوه الناس ، فخطبهم فيها خطبة بليغة ، افتخر فيها بنسبه وملكه ، وادّعى أنه يعدل وينصف المظلوم من ظالمه وأن الله قد رَحِمَ الأمة بهم ، واستنقذهم من أيدي الظلمة إلى عدلهم وإنصافهم، وهو مع ذلك يدَّعي ظاهر الرِّفْض ، ويبطن - كما قال القاضي الباقلاني(٤) - الكفر المحض ، وكذلك أهل طاعته ومن نصره ووالاه ، واتبعه في مذهبهم، قبحهم الله تعالى وإياه . أحضر إلى بين يديه الزاهد العابد [ الورع النَّاسك }°) التقي أبا بكر النَّابُلُسي(٦) ، فأوقف بين يديه فقال له المعز : بلغني أنك قلت : لو كان معي عشرة أسهم لرميت الرُّوم بسهم ورميت المصريين بتسعة . فقال : ما قلتُ هذا . فَظَنَّ أنه قد رجع [ عن قوله (٧) فقال : كيف قلت ؟ قال : قلتُ ينبغي أن نرميكم بتسعة ثم نرميهم بالعاشر . قال : ولم؟ قال: لأنكم غيَّرْتم [ دين (٨) الأمة ، وقتلتم الصَّالحين ، واذَّعيتم(٩) نور الإلهية، [ وادعيتم ما ليس لكم }١٠) فأمر بإشهاره في أول يوم ، ثم ضرب بالسياط في اليوم الثاني ضرباً شديداً مبرحاً ، ثم أمر به فسلخ في اليوم الثَّالث ، فجيء بيهودي ، فجعل يسلخه وهو يقرأ القرآن . قال اليهودي : فأخذتني رِقَّة عليه ، فلما بلغتُ تلقاء قلبه طعنته بالسكين فمات ، رحمه الله تعالى ، فقيل له الشهيد ، وإليه ينسب بنو الشهيد من أهل نابلس إلى اليوم ، [ ولم تزل فيهم بقايا خير ١١٣) . (١) انظر حوادث سنة (٣٥٨هـ). (٢) في (ح): ونزل الملك المكان المسمَّى بالقصرين، وفي ( ب) وبنى منزل الملك المكان الذي المسمى بالقصرين ، والمثبت من ( ط ) . (٣) انظر حوادث سنة (٣٦٢هـ) . وذلك في كتابه « كشف الأسرار الباطنية )» وهو من الكتب التي لما تصلنا بعد . (٤) ما بين حاصرتين من ( ط ) . (٥) (٦) انظر حاشيتنا على حوادث سنة (٣٦٣هـ). (٧) ما بين حاصرتين من ( ط) . (٨) ما بين حاصرتين من ( ط ). (٩) في (ط ): وأطفأتم. (١٠) ما بين حاصرتين من (ط). (١١) ما بين حاصرتين من (ط). ٢٨٢ أحداث سنة ٣٦٦ هـ وقد كان المعز الفاطمي ذا شهامةٍ وقوَّة [ حزم }١) وشدَّة عزم ، وله سياسة ، ويظهر أنه يعدل وينصر الحق ، ولكنه مع ذلك كان منجماً يعتمد [على ]٢) ما يرصد من حركات النجوم ، قال له منجمه: إن عليك قطعا٣ً) في هذه السنة، فتوارَ عن وجه الأرض حتى تنقضي هذه المُدَّةِ . فَعَمِلَ له سِزْداباً ، وأحضر الأمراء وأوصاهم بولده نزار ولقبه العزيز ، وفوَّض إليه الأمر حتى يعود إليهم ، فبايعوه على ذلك ، ودخل ذلك السِّزْداب ، فتوارى فيه سنة ، فكانت المغاربة إذا رأى الفارس منهم سحاباً ترجَّل عن فرسه وأومأ إليه بالسَّلام ظانين أن المُعزَّ في ذلك الغَمام، ﴿فَأَسْتَخَفَ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾(٤) [الزخرف: ٥٤]، ثم برز إلى ج الناس بعد مضي سنة ، وجلس في مقام الملك ، وحكم على عادته ، ولكنه لم تطل مدته بعد ذلك بل عاجله القضاء المحتوم والحَين المقسوم ، فكانت وفاته في هذه السنة [ ولله الحمد والمنة ]°) ، وكانت مدة أيامه في الملك(٦) ثلاثاً وعشرين سنة وخمسة أشهر وعشرة أيام ، منها بمصر سنتان وتسعة أشهر(٧) ، وجملة عمره كله خمس وأربعون سنة وستة أشهر ، لأنه ولد بإفريقية حادي عاشر رمضان سنة تسع عشرة وثلاثمئة ، وكانت وفاته بمصر في اليوم السَّابع عشر(٨) من ربيع الآخر سنة خمس وستين وثلاثمئة ، وهي هذه السنة المباركة . ثم دخلت سنة ست وستين وثلاثمئة فيها توفي ركن الدولة أبو علي بن بُوَيه (٩) وقد جاوز السبعينُ(١٠) [ سنة (١١) ، وكانت أيامه نيفاً وأربعين سنة، وقبل موته في السنة الماضية قَسَّم ممالكه [ بين أولاده (١٢) كما (١) ما بين حاصرتين من ( ب) و( ط ) . (٢) ما بين حاصرتين من ( ط ) . القطع: هو تأثير الكواكب أو النجوم على الأشخاص. انظر (( تكملة المعاجم العربية )) لدوزي (٣٧٥/٢) . (٣) (٤) في (ط) : زيادة ﴿ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمًا فَاسِقِينَ ﴾ [ الزخرف: ٥٤] . (٥) ما بين حاصرتين من ( ب ) . في ( ط ) : زيادة : قبل أن يملك مصر وبعدما ملكها . (٦) في ( ط ) زيادة : والباقي ببلاد المغرب. (٧) في (ح) : في سابع عشرين، والمثبت من (ب) و(ط)، وهو يوافق ما في الكامل (٨/ ٦٦٣). (٨) (٩) واسمه الحسين بن بويه . (١٠) في (ب) و(ط ) التسعين، وكانت ولادة ركن الدولة تقديراً في سنة (٢٨٤ هـ)، فيكون عمره حين توفي نحو ثمانين سنة ، انظر المنتظم (٧/ ٨٥) ووفيات الأعيان (١١٩/٢) وسير أعلام النبلاء (٢٠٣/١٦) وانظر ترجمته في وفيات سنة (٣٦٥هـ) . (١١) ما بين حاصرتين من ( ط). (١٢) ما بين حاصرتين من ( ب) و(ط ). ٢٨٣ أحداث سنة ٣٦٦ هـ ذكرنا(١) ، وقد عملت ضيافة في دار ابن العميد بأصفهان حافلة حضرها ركن الدولة وبنوه وأعيان دولته ، فعهد [ ركن الدولة ]٢) في هذا اليوم إلى ابنه عضد الدولة، وخلع عضد الدولة على أخويه (٣) وسائر الأمراء الأقبية والأكسية على عادة الدَّيلم، وحيوه(٤) بالريحان على عادتهم أيضاً ، وكان يوماً مشهوداً . ثم توفي ركن الدولة بعده(٥) بقليل في هذه السنة ، وقد كان سائساً حليماً ، وقوراً كثير الصَّدَقات ، محباً للعلماء فيه إيثار وكرم٦ٌ) ، وحُسْنُ عشرة ورياسة ، وحنو على أقاربه ودولته ورعيته. وحين تمكَّن ابن عضد الدولة قَصَدَ العراق ليأخذها من ابن عمه عز الدولة بختيار لسوء سيرته ورداءة سريرته ، فالتقوا في هذه السنة بأرض الأهواز ، فهزمه عضد الدولة وأخذ أثقاله وأمواله ، وبعث إلى البصرة فأخذها وأصلح بين أهلها حَيَّيْ ربيعة ومُضْر ، وقد كان بينهم خُلْف متقادم من نحو مئة وعشرين سنة ، وكانت مُضَر تميل إليه وربيعة عليه ، ثم اتفق الحَيَّن واجتمع عليه الفريقان ، وقويت شوكة عضد الدولة وعزل عز الدولة ، وقبض على وزيره ابن بقيّة لأنه استحوذ على الأمور دونه ، وجبى الأموال إلى خزائنه ، فاستظهر عضد الدولة (٧) بما وجده من الحواصل(٨) لابن بقية ولم يبق له منها بقية. وكذلك أمر عضد الدولة (٩) بالقبض على وزير أبيه أبي الفتح بن العميد لموجدة تقدَّمت منه إليه - أسلفنا ذكرها ١٠) - ولم يبق لبني العميد أيضاً في الأرض بقية، وقد كان الأكابر تتقي منهم التقية، وقد كان [ ابن العميد }(١) من الفسوق والعصيان بأوفر مكان ، فخانته المقادير ، وعاجله ١٢) غضب السلطان ، ونعوذ بالله من غضب الرحمن . وفي منتصف شؤَّال من هذه السنة توفي الأمير منصور بن نوح السَّاماني ، صاحب بلاد خُرَاسان ببخارى ، وكانت ولايته خمس عشرة سنة ، وقام بالأمر [ من ١٣٤) بعده ولده أبو القاسم نوح ، وعمره إذ : (١٤) ذاك ثلاث عشرة سنة ، ولقب بالمنصور . (١) انظر حوادث سنة (٣٦٥هـ). (٢) ما بين حاصرتين من ( ط). في (ب) و( ط ): إخوته، وانظر الكامل (٦٦٩/٨ - ٦٧٠). (٣) (٤) في ( ط ) : وحفوه . في ( ط ) : وقد كان ركن الدين قد أسن وكبر ، وتوفي بعد هذه الوليمة . (٥) (٦) في ( ط ) زيادة : وبر . في (ح) و( ب ): عز الدولة، وهو تحريف، والمثبت من ( ط). (٧) في ( ط ) : بما وجده في الخزائن والحواصل . (٨) (٩) في (ح) و(ب) و( ط): ركن الدولة، وهو تحريف، وانظر الكامل (٨/ ٦٧٥). (١٠) انظر حوادث سنة (٣٦٦هـ) . (١١) ما بين حاصرتين من ( ط ). (١٢) في ( ط ) : نزل به. (١٣) ما بين حاصرتين من (ب) و(ط ). (١٤) سترد ترجمته في وفيات سنة (٣٨٧هـ) . ٢٨٤ ابتداء ملك سُبُكْتكين وفيها توفي الحكم ، ولقبه المستنصر بالله بن النَّاصر لدين الله عبد الرحمن الأموي ، وقد كان هذا من خيار الملوك وعلمائهم، [ وكان}١) عالماً بالفِقْه والخلاف والتَّواريخ ، محباً للعلماء محسناً إليهم . وكانت وفاته وله من العمر ثلاثٌ وستون سنة وسبعة أشهر ، ومدة خلافته منها خمس عشرة سنة وخمسة أشهر ، وقام بالأمر من بعده ولده هشامٍ وله عشر سنين ولقب بالمؤَيَّد بالله ، وقد اختلف عليه في أيامه واضطربت الرعايا ، وحبس مُدَّة ، ثم أُخرج وأعيد إلى الخلافة ، وأقام بأعباء أمره حاجبه (٢) المنصور أبو عامر محمد بن أبي عامر المَعَافِيُ(٣)، وابناه المُظَفَّر والنَّاصر، فساس الرعايا جيداً، وعدل فيهم وغزا الأعداء ، واستمرَّ لهم الحال كذلك نحواً من ستٍّ وعشرين سنة . وقد ساق ابنُ الأثير هنا قطعة من أخبارهم ، وأطال شرحها٤). وفيها رجع مُلْكُ حلب إلى أبي المعالي شريف بن سيف الدولة بن حمدان ؛ وذلك أنه لما مات أبوه ، وقام من بعده تغلّب مولاهم قرغويه عليهم ، وأخرجه منها خائفاً يترقَّب ، فسار إلى أمه بميافارقين في سنة سبع وخمسين ، ثم جاء فنزل حماة ، وكانت الروم قد خربت حمص ، فسعى في عمارتها وترميمها وسكنها ، ثم إن قرغويه استخلف على حلب مولى يقال له بكجور ، فتغلب عليه وسجن مولاه قرغويه بقلعتها نحواً من ست سنين ، فكتب أهل حلب إلى أبي المعالي وهو بحمص يسألونه أن يأتي إليهم ، فسار ، فحاصر حلب أربعة أشهر ، ففتحها ، وامتنعت القلعة عليه ، وقد تحصَّن بها بكجور ، ثم اصطلح مع أبي المعالي على أن يؤمنه على نفسه ويستنيبه بحمص ، ففعل ، فتاب له بكجور بحمص ، ثم انتقل في وقت(٥) إلى نيابة دمشق ، وإليه تنسب هذه المزرعة ظاهر دمشق من غربيها التي تعرف بالقصر البكجوري . والله تعالى أعلم إبتداء ملك سُبُكْتِكِين والد محمود صاحب غزنة . وقد كان سُبُكْتِكِين هذا مولى الأمير أبي إسحاق بن ألبتكينُ(٦) صاحب جيش غَزْنة وأعمالها (١) ما بين حاصرتين من (ط). في (ح ) : وصاحبه، وهو تحريف، والمثبت من ( ب) و( ط). (٢). في (ح): العامري، وهو تحريف، والمثبت من (ب) و(ط ). وانظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (٩٧/ ١٥ - (٣) ١٦) . (٤) انظر الكامل (٨/ ٦٧٧ - ٦٨٢). انظر أخباره في الكامل (٥٨/٩، ٨٥- ٨٨) والوافي بالوفيات (١٠/ ٢٠٢). (٥) (٦) في الأصل و( ب): السكين، والمثبت من (ط )، ومثله في الكامل (٦٨٣/٨) ووفيات الأعيان (١٧٥/٥) وفي طبقات الشافعية للسبكي (٣١٦/٥) وانظر حاشية المحقق . ٢٨٥ ابتداء ملك سُبُكتكين للسَّامانية ، وليس هذا بحاجب معز الدولة ، ذاك توفي قبل هذه السنة كما قدَّمناه(١). وأما هذا فإنه لما مات مولاه لم يترك أحداً يصلح للملك [ من (٢) بعده [ لا ]٣) من ولده ولا من قومه ، فاصطلح الجيش على مبايعة سُبُكْتِكِين هذا خيره(٤) وحُسْنٍ سيرته ، وكمال عقله وشجاعته وديانته . فاستقرَّ الملك بيده ، واستمر من بعده في ولده السعید محمود بن سُبُكتِكين . وقد غزا سُبُكْتِكين هذا بلاد الهند ، ففتح شيئاً كثيراً من حُصُونهم ، وغَنمَ أشياء كثيرة من أموالهم ، وكسر من أصنامهم وبدودهم(٥) أمراً هائلاً ، وباشر بمن معه من الجيوش حروباً تشيب الولدان [ والمَفارق، وتسر الصديق وتغم المُفَارق]٦) وقد قصده جيبال(٧) ملك الهند [الأعظم (٨) بنفسه وجنوده التي تعمُّ السهول والجبال ، فكسرهم مرتين ، وَرَدَّهم إلى بلادهم في أسوأ حال وأردأ بال . وذكر ابن الأثير في ((كامله)) أن سبكتكين لما التقى مع جيبال ملك الهند في بعض الغَزَوات كان بالقُرب منهم عين في عقبة غورك ، وكان من عاداتهم أنه إذا وضعت فيها نجاسة أو قذَر اكفهرَّت السماء وأرعدت وأبرقت وأمطرت ، ولا تزال كذلك حتى تطهر تلك العين من ذلك الشيء الذي أُلقي فيها ، وأن سُبُكْتِكِين أمر بإلقاء نجاسة في تلك العين عند ذلك - وكانت قريباً من العدو - فلم يزالوا في رعود وبروقٍ وأمطار وصواعق حتى ألجأهم ذلك الحال إلى الهرب والرجوع إلى بلادهم خائبين هاربين ، وأرسل ملك الهند يطلب من سُبُكتكين الصُّلْح ، فأجابه بعد امتناعٍ من ولده محمود على مالٍ جزيل يحمله(٩) إليه ، وبلاد كثيرة يسلمها [ إليه ١٠٣) ، وخمسين فيلاً ورهائن من رؤوس قومه يتركها عنده حتى يقوم بما التزمُ (١١) له من ذلك. - (١) انظر حوادث سنة (٣٦٤هـ) . (٢) ما بين حاصرتين من (ب) و( ط ) . (٣) ما بين حاصرتين من ( ط ). في ( ط ) زيادة : لصلاحه فيهم وخيره . (٤) (٥) في (ط): ونذورهم، وهو تحريف، والبُدُّ: بيت فيه أصنام وتصاوير، وهي كلمة فارسية معربة . انظر اللسان ( بدد ) . (٦) ما بين حاصرتين من ( ب). في (ح): خيبال، والمثبت من (ب) و(ط)، ومثلهما في (( الكامل)) لابن الأثير. (٧) (٨) ما بين حاصرتين من (ط ). (٩) في (ح ): فحمله ، والمثبت من (ب) و( ط ). (١٠) ما بين حاصرتين من ( ط ). (١١) في (ح): التزمه، والمثبت من (ب). ٢٨٦ وفيات سنة ٣٦٦هـ وفيها توفي : أبو يعقوب يوسف بن الحسن الجَنَّبي: صاحب هَجَر ومقدَّم القرامطة، فقام [ بالأمر ]١) من بعده ستة من قومه ، وكانوا يسمون بالسَّادة ، وقد اتفقوا على تدبير الأمر من بعده [ولم يختلفوا]٢) ، فمشى حالهم (٣) . وفيها كانت وفاة : الحسن (٤) بن أحمد(٥) بن أبي سعيد الجَنَّابي: أبو محمد القِرْمطي. قال ابن عساكر : واسم أبي سعيد الحسن(٦) بن بَهْرَامُ(٧) ، ويقال الحسن بن أحمد بن الحسن بن يوسف بن كودزكار ، يقال : أصلهم من الفرس . قال : ويعرف أبو محمد هذا بالأعصم . قال : وولد بالأحساء في سنة ثمان وسبعين ومثتين . وقد تغلّب على دمشق والشَّام في سنة سبع وخمسين وثلاثمئة ، ثم عاد إلى الأحساء بعد سنة ، ثم عاد إلى دمشق في سنة ستين ، وكسر جيش جعفر بن فلاح ، أول من ناب بالشَّام عن المعز الفاطمي وقتله ، ثم توجَّه إلى مِصْر فحصرها في مستهل ربيع الأول سنة إحدى وستين ، واستمر محاصرها شهوراً ، وقد كان استخلف على دمشق ظالم بن مرهوب العُقيلي(٨) ثم عاد إلى الأحساء، ثم رجع إلى الرَّملة ، فتوفي بها في هذه السنة ، وقد قارب التسعين ، وهو يظهر طاعة عبد الكريم الطَّائع بن المطيع الخليفة . وقد أورد له الحافظ [ ابن عساكر (٩) أشعاراً حسنة رائقة فائقة ؛ فمن ذلك ما كتب به إلى جعفر بن فلاح قبل الحرب بينهما ١) : (١) ما بين حاصرتين من ( ط). (٢) ما بين حاصرتين من ( ب) و( ط ). في (ح ) : الحال، والمثبت من ( ب) و( ط ). (٣) في ( ط ) : الحسين ، وانظر حوادث سنة (٣٦٠هـ) . (٤) تاريخ أخبار القرامطة (٩٥) سير أعلام النبلاء (٢٧٤/١٦ - ٢٧٦) العبر (٣٤٠/٢) فوات الوفيات (٣١٨/١ -٣١٩) (٥) الوافي بالوفيات (١١/ ٣٧٣) مرآة الجنان (٣٨٥/٢) النجوم الزاهرة (١٢٨/٤) شذرات الذهب (٥٥/٣). (٦) سلفت ترجمته في وفيات سنة (٣٠١هـ) . (٧) انظر حوادث سنة (٣٦٠هـ) . مَرَّ في حوادث سنة (٣٦٣هـ) أن المُعزَّ أرسله أميراً إلى دمشق سنة (٣٦٣هـ): وفي سير أعلام النبلاء (١٦/ ٢٧٢) : (٨) أن ظالماً كان نائباً عن القرمطي في دمشق ، ثم استماله المعز . (٩) ما بين حاصرتين من ( ط). (١٠) في (ط ) زيادة: وهي من أفحل الشعر. ٢٨٧ وفيات سنة ٣٦٦هـ الكُتْبُ مُعْذرةٌ والرُّسْلُ مُخْبرةٌ والحَرْبُ سَاكِنَةٌ والخَيْلُ صافِنَةٌ(٢) فإنْ أنبتمْ فَمَقْبولٌ إنابَتُكُمْ على ظُهور المطايا٤) أو تَرِدْنَ بنا إني امرؤٌ ليس من شأني ولا أَرَبي ولا اعتكافٌ على خمرٍ ومجمرةٍ ولا أبيتُ بطينَ البَطْنِ من شِبَعٍ ولا تسامت بي الدُّنيا إلى طَمَعٍ ومن شعره أيضاً : يا ساكنَ البَلَدِ المُنِيفِ تَعَزُّزاً لا عِزَّ إلا للعزيزِ بنفسهِ وبقُبَّة بيضاء قد ضُربتْ على قومٌ إذا اشتدَّ الوغى أردَى الْعِدَى لم يَرْضُ(١١) بالشَّرَفِ التليدِ لنفسهِ والحقُّ مُتَبعٌ والخَيْرُ موجودٌ(١) والسِّلْمُ مُبْتذلٌ والظِّلُّ مَمْدودُ وإن أَبَيْتُمْ فهذا الكُورُ(٣) مشدودُ دمشقَ والبابُ مهدومٌ(٥) ومَزْدودُ طَبْلٌ يَرِنُ ولا نائيٌ ولا عُودُ وذاتِ دَلِّ لها غُنْجُ(٦) وتَفْنِيدُ ولي رفيقٌ خميصُ البطنِ(٧) مجهودُ يوماً ولا غَرَّني فيها المواغِيْدُ(٨) بقلاعِه وحُصُونهِ وكُهُوفهِ وبِخَيْلِهِ وبِرَجْلهِ وسُوفِهِ شَرَفِ الخيامِ لجاره وحليفه (٩) وشَفَى النُّفُوسَ بِضَرْبِهِ ووقوفهُ (١) حتى أشاد(١٢) تلِيْدُهُ بطريفٍِ(١٣) وفيها تملك قابوس بن وشمكير بلاد جُرْجان وطَبَرِسْتان وتلك النَّواحي . وفيها دخل الخليفة الطائع لله بشاه ناز بنت عز الدولة بن بُوَيْه ، وكان عرساً حافلاً . (١) في (ط ) : محمود ، وإخاله تصحيفاً . الصافن من الخيل القائم على ثلاث قوائم، وقد أقام الرابعة على طرف الحافر، انظر ((اللسان)) (صفن ). (٢) (٣) الكور : رحل الناقة بأداته ، وهو كالسرج وآلته للفرس ، اللسان ( كور ) . (٤) في ( ط ) : المنايا ، وهو تحريف . (٥) في ( ط ) : مسدود . في (ح) : دَلِّ، والأبيات ليست في ( ب )، والمثبت من ( ط ) . (٦) (٧) خميص البطن : جائع ، انظر اللسان ( خمص ) . (٨) انظر سير أعلام النبلاء (١٦/ ٢٧٦) . (٩) في (ط ) : وضيوفه . (١٠) في ( ط ) : وزحوفه . (١١) في (ط ): يجعل الشرف. (١٢) في ( ط ) : أفاد . (١٣) انظر مختصر تاريخ دمشق لابن منظور (٣١٢/٦). ٢٨٨ وفيات سنة ٣٦٦هـ وفي هذه السنة حَجَّت جميلة بنت ناصر الدولة بن حمدان في تجمُّلٍ عظيم ، [ حتى ١٩) كان يُضْرِبُ المثل بحَجِّها ؛ وذلك أنها عَمِلَتْ أربعمئة محمل فلا يُدْرى في أيها هي ، ولما وصلت إلى الكعبة المكرّمة نَثَرتْ عليها عشرة آلاف دينار(٢)، وكَسَتِ المجاورين بالحرمين كلَّهم ، وأنفقت أموالاً جزيلة في ذهابها وإيابها . وحَّ بالناس من العراق الشريف أبو عبد الله أحمد بن أبي الحسين محمد (٣) بن عبد الله(٤) العلوي ، وكذلك حج بالناس إلى سنة ثمانين وثلاثمئة ، وكانت الخطبة بالحَرَمين في هذه السَّنة للفاطميين أصحاب مصر دون العباسيين . وممن توفي فيها من الأعيان : إسماعيل (٥) بن نُجَيْد(٦) بن أحمد بن يوسف بن سالم : أبو عمرو السُّلَمي . صحب الجُنيد وغيره ، وروى الحديث ، وكان ثِقَةً ، ومن جيد كلامه قوله : من لم تهذبك رؤيته فليس بمهذَّب . وقد احتاج شيخه أبو عثمان(٧) مرَّةً إلى شيء ، فسأل أصحابه فيه ، فجاءه ابن نُجَيد بكيسٍ فيه ألفا دِرْهم ، فقبضه منه ، وجعل يشكره إلى أصحابه ، فقال له ابن نُجيد(٨): يا سيدي، إن المال الذي دفعتُهُ إليك كان من مال أُمي وهي كارهة ، فأحبُّ أن تردّه إليها . فأعطاه تلك الدَّراهم ، فلما كان الليل جاءه بها ، وقال : أحب أن تصرفها في أمرك من غير أن يعلم بذلك أحد . فكان أبو عثمان يقول : أنا أخشى(٩) من هِمَّة أبي عمرو بن نُجيد ، رحمهم الله تعالى . (١) ما بين حاصرتين من (ط). (٢) في ( ط ): ولما وصلت إلى الكعبة نثرت عشرة آلاف دينار على الفقراء والمجاورين. في (ح) و( ب): أحمد بن أبي الحسين بن محمد، والمثبت من المنتظم (٧/ ٨٤). (٣) (٤) في المنتظم (٧/ ٨٤): عبيد الله، وفي الكامل (٧٨/٩): عبد الله. هكذا ذكر وفاته في هذه السنة ، والمحفوظ أنه توفي في السنة الفائتة سنة ٣٦٥هـ، كما في تاريخ الإسلام (٢٣٩/٨) (٥) وسير أعلام النبلاء (١٤٨/١٦). (٦) طبقات الصوفية (٤٥٤ - ٤٥٧) الرسالة القشيرية (٢٨) المنتظم (٨٤/٧ - ٨٥) سير أعلام النبلاء (١٤٦/١٦ - ١٤٨) العبر (٣٣٦/٢) طبقات الشافعية للسبكي (٢٢٢/٣ -٢٢٤) النجوم الزاهرة (١٢٧/٤) شذرات الذهب (٥٠/٣). (٧) هو أبو عثمان الحيري سعيد بن إسماعيل، وسلفت ترجمته في وفيات سنة (٢٩٨ هـ) من هذا الكتاب. (٨) في (ط ) زيادة بين أصحابه. (٩) : في ( ط ) : أجتني، وهو تصحيف. ٢٨٩ وفيات سنة ٣٦٦هـ الحسن بن بُوَيْه (١) : أبو علي، ركن الدولة بن بويه عَرَضَ له قُولنج، فمات ليلةَ السبت الثَّامن والعشرين من المحرّم [ منها(٢)، فكانت مُدَّة إمارته أربعاً وأربعين سنة وشهراً وتسعة أيام ؛ ومدَّة عمره ثمانٍ وسبعون سنة ٣) ، وكان حليماً كريماً . محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن أفلح بن رافع بن إبراهيم بن أفلح بن عبد الرحمن بن عبيد بن رفاعة بن رافع ، أبو الحسن ، الأنْصاري الزُّرْقي (٤) ، كان نقيب الأنصار ببغداد ، وقد سمع الحديث من أبي القاسم البغوي وغيره ، وكان ثِقَةً يعرف أيام الأنصار ومناقبهم وأمورهم ، وكانت وفاته في جمادى الآخرة من هذه السنة . محمد بن الحسن(٥) بن أحمد بن إسماعيل : أبو الحسن السَّرَّاج . سمع يوسف بن يعقوب القاضي وغيره ، وكان شديد الاجتهاد في العبادة . صلى حتى أُقعد ، وبكى حتى عَمِيَ ، وكانت وفاته يوم عاشوراء من هذه السنة . القاضي منذر بن سعيد ، أبو الحكم البَلُّوطي(٦) : الظاهري مذهباً ، قاضي قضاة الأندلس ، وكان إماماً فقيهاً عالماً فصيحاً خطيباً شاعراً ديناً ، كثير الفَضْلِ ، [ جامعاً لصنوف من الخير والتقوى والزُّهد ]٧) ، وله مصنفات واختيارات ، منها أن الجنة التي أُدخلها آدم وأخرج منها كانت في الأرض ، [ وليست بالجنة التي أعدّها الله لعباده في الآخرة] (٧)، وله في ذلك مصنٌَّ مفرد، له وَقْعٌ في النُّفوس [ وعليه حلاوة وطلاوة](٧). وله تفسير القرآن ، وغير ذلك. دخل يوماً على النَّاصر لدين الله عبد الرحمن الأموي وقد فرغ من بناء المدينة الزهراء وقصورها ، وقد (١) المنتظم (٨٥/٧) وفيات الأعيان (١١٨/٢ - ١١٩) سير أعلام النبلاء (٢٠٣/١٦ - ٢٠٤) الوافي بالوفيات (٤١١/١١ - ٤١٢) مرآة الجنان (٩٣/٣) النجوم الزاهرة (١٢٧/٤) شذرات الذهب (٥٥/٣). (٢) ما بين حاصرتين من ( ب) و(ط ) . (٣) انظر حاشيتنا على حوادث سنة (٣٦٦هـ). هذه النسبة إلى بني زريق، بطن من الأنصار من الخزرج ، اللباب ( ٦٥/٢). (٤) (٥) المنتظم (٨٦/٧) سير أعلام النبلاء (١٦١/١٦) العبر (٣٤٢/٢) النجوم الزاهرة (١٢٨/٤) شذرات الذهب (٥٧/٣). (٦) طبقات النحويين واللغويين (٣١٩ - ٣٢٠) تاريخ علماء الأندلس (١٤٤/٢ - ١٤٥) جذوة المقتبس (٣٤٨ - ٣٤٩) بغية الملتمس (٤٦٥ - ٤٦٦) معجم الأدباء (١٧٤/١٩ - ١٨٥) معجم البلدان (٤٩٢/١) إنباه الرواة (٣٢٥/٣) الكامل لابن الأثير (٦٧٤/٨ - ٦٧٥) اللباب (١٧٦/١) سير أعلام النبلاء (١٧٣/١٦ - ١٧٨) تاريخ قضاة الأندلس (٦٦ - ٧٥) بغية الوعاة (٢/ ٣٠١) نفح الطيب (٣٧٢/١ -٣٧٦) شذرات الذهب (١٧/٣) وقد تابع ابنُ كثير ابنَ الأثير في ذكره في وفيات هذه السنة ، وقد ذكر الذهبي وفاته سنة (٣٥٥هـ). (٧) ما بين حاصرتين من ( ط ) . ٢٩٠ وفيات سنة ٣٦٦هـ بُي له فيها قصر عظيم منيف ، وزخرف بأنواع الدهانات والستور ، وجلس عنده رؤوس دولته وأمراؤه ، وجاء القاضي ، فجلس إلى جانبه ، وجعل الحاضرون يثنون على هذا البناء [ ويمدحونه }(١)، والقاضي ساكتٌ لا يتكلم، فالتفت إليه الملك وقال : ما تقول [ أنت ] (١) يا أبا الحَكم ؟ فبكى القاضي ، [وانحدرت دموعه على لحيته](١) وقال: ما كنتُ أظن أن الشيطان أخزاه الله تعالى يبلغ منك (٢) هذا المبلغ [ المفضح المهتك المهلك لصاحبه في الدنيا والآخرة (٣) ولا أنك تمكنه من قيادك(٤) هذا التمكين مع ما آثرك الله به وفضَّلك [ به على كثير من الناس }(٥) حين أنزلك منازل الكُفَّار، قال الله تعالى: ﴿ وَلَوْلًا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فِضَّدٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (ثُّ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَبًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٢) وَزُخْرُفًا وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَعُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَأْ وَالْآَخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [ الزخرف: ٣٣ - ٣٥ ] قال: فَوَجمَ الملك عند ذلك وبكى وقال : جَزَاك الله خيراً، وأكثر في المسلمين مثلك(٦). وقد قُحِطَ النَّاسُ في بعض السِّنين ، فأمر الملك القاضي منذر بن سعيد البلُّوطي أن يستسقي بالنَّاس ، فلما جاءته الرِّسالة بذلك ليخرج من الغد قال للرّسول : كيف تركت الملك ؟ وما حاله ؟ فقال : رأيته أخشع ما يكون وأكثره دعاءً [وتضرُّعاً (٧) فقال القاضي: رُحمتم وسُقيتم والله إذا خَشَعَ جَبَّار الأرض رَحِمَ جَبَّارُ السَّماء . ثم قال لغلامه: اخرج بالمِمْطَر معك(٨). فلما خرج النَّاس وجاء القاضي(٩) صَعِدَ المنبر والنَّاسُ ينظرون إليه يستمعون لما يقول ، فلما أقبل عليهم كان أول ما خاطبهم به أن قال : سَلَمُ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَلَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الأنعام: ٥٤] ثم أعادها [مراراً ﴾(١) فأخذ النَّاسُ في النحيب والبكاء [والتوبة } (١) والإنابة ، ولم يزالوا كذلك حتى سُقوا ، ورجعوا يخوضون الماء(١٢). (١) ما بين حاصرتين من (ب) و( ط ). (٢) في (ح) و(ب): بك، والمثبت من (ط ). (٣) ما بين حاصرتين من (ط). (٤) في ( ب ) فؤادك . با بين حاصرتين من ( ط ). (٥) (٦) انظر الكامل لابن الأثير (٦٧٤/٨). (٧) ما بين حاصرتين من ( ط ). (٨) في (ح ): بالمنبر، وفي (ب) بالمنظر، وكلاهما تصحيف، والمثبت من الكامل لابن الأثير (٨/ ٦٧٥) والممطر والممطرة : ثوب من الصوف يلبس في المطر يتوقى به منه . اللسان ( مطر ) . (٩) في (ط): ثم قال لغلامه: ناد في الناس الصلاة، فجاء الناس إلى محل الاستسقاء ، وجاء القاضي. (١٠) ما بين حاصرتين من (ب) و(ط ). (١١) ما بين حاصرتين من (ب) و(ط ). (١٢) الكامل (٨/ ٦٧٤ - ٦٧٥). ٢٩١ أحداث سنة ٣٦٧ هـ وقد صنَّف الحافظ أبو عمر بن عبد البَرّ مصنَّفاً في مناقبه ، رحمه الله تعالى . أبو الحسن علي بن أحمد(١) بن المَرْزُبان البغدادي الفقيه الشَّافعي: تفقه بأبي الحسين بن القَطَّان، وأخذ عنه الشيخ أبو حامد الإسْفراييني . قال ابن خلِّكان : وكان ورعاً زاهداً ليس لأحدٍ عنده مَظْلمة ، وله وجه في المذهب ، وكان له دَرْسٌ ببغداد ، وتوفي في رجب من هذه السنة (٢) . ثم دخلت سنة سبع وستين وثلاثمئة في هذه السنة دخل عضد الدولة إلى بغداد ، وخرج منها ◌ِزُّ الدولة بَخْتيار بن معز الدولة ، واتبعه عضد الدولة ليقاتله ، وأخذ معه الخليفة الطائع ، فاستعفاه الخليفة من الخروج فأعفاه ، وسار عضد الدولة وراءه ، فأخذه أسيراً ، ثم قتل سريعاً وتصرَّمت دولته . واستقرَّ أمر عضد الدولة ببغداد ، وخلع عليه الخليفة الخِلَع السَّنية والأسْوِرَة في يديه والطوق في عنقه ، وأعطاه لواءين أحدهما فضَّة والآخر من ذهب ، ولم يكن هذا الثاني يصنعه إلا لأولياء العهد ، وأرسل إليه الخليفة بتُحَفٍ سنية ، وبعث عضد الدولة [ إلى الخليفة (٣) بأموالٍ جزيلة من الذَّهب والفِضَّة ، واستقرت يده على بغداد وما والاها من البلاد . وزلزلت الأرض (٤) مراراً في هذه السنة . وزادت دِجْلة زيادةً كثيرة وانتقضت بيوت كثيرة في البلد ، وغرق خَلْقٌ كثير وجمٌّ غفير . وقيل لعضد الدولة : إن أهل بغداد قد قَلُّوا كثيراً بسبب الطَّاعون، وما وقع بينهم من الفِتَن بسبب الرَّفْض والسُّنَّة، وأصابهم حَريق [عظيم }°) وغَرَقٌ ، فقال: إنما يهيج [ الشر ](٥) بين النَّاس في السُّنَّة والرَّفض هؤلاء القُصَّاص والوعاظ . ثم رسم أن أحداً لا يقصُّ ولا يعظ في سائر بغداد ، ولا يسأل سائل باسم أحد من الصّحابة ، وإنما يقرأ السَّائل القرآن ، فمن أعطاه أخذ منه . فعمل بذلك في البلد ، ثم بلغه (١) تاريخ بغداد (٣٢٥/١١) وفيات الأعيان (٢٨١/٣) سير أعلام النبلاء (٢٤٦/١٦) طبقات الشافعية للسبكي (٣٤٦/٣) شذرات الذهب (٥٦/٣). (٢) وفيات الأعيان (٣/ ٢٨١). ما بين حاصرتين من ( ط ) . (٣) في ( ط ) : بغداد، وهو تحريف ، وقد ذكر ابن الجوزي في المنتظم (٧/ ٨٧) زلزلة بسيراف، وذكر ابن الأثير في (٤) الكامل (٨/ ٦٩٣ - ٦٩٤) زلزلة في إفريقية . (٥) ما بين حاصرتين من ( ب). ٢٩٢ أحداث سنة ٣٦٧هـ أن أبا الحسين بن سمعون الواعظ(١) - وكان من الصَّالحين - قد استمرّ يعظ الناس على عادته ، فأرسل إليه من جاءه به ، فأخذ من مجلسه وقيل له : إذا دخلت على الملك فقبِّل التراب وتواضع في الخطاب والجواب . فلما دخل دار الملك وجد السُّلْطان قد جلس في حجرة وحده لئلا يبدر من ابن سمعون في حَقِّه كلامٌ بحضرة الناس يؤثر عنه (٢) . فدخل الحاجب بين يديه ليستأذن له عليه ، فوجده قد دخل وراءه ، فإذا الملك جالس وحده ، فتنحا ابن سمعون بوجهه نحوٍ دار عز الدولة ثم استفتح القراءة [ بسم الله الرحمن الرحيم ] ﴿ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَيِّكَ إِذَا أَخَذَ اَلْقُرَى وَهِىَ ظَلِمَّةُ إِنَّ أَخْذَهُ، أَلِمٌ شَدِيدٌ﴾ [ هود: ١٠٢ ] ثم استدار نحو الملك ، فقال: ﴿ ثُمَّ جَعَلْنَكُمْ خَيِفَ فِ الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [ يونس: ١٤] ثم أخذ في مخاطبة الملك وَوَعْظِهِ ، فبكى عضد الدولة بكاء كثيراً، وجَزَّاه خيراً . فلما خرج من عنده قال للحاجب : اذهب فَخذْ ثلاثة آلاف دِرْهم وعشرة أثواب وادفعها إليه أو لفقراء أهله ، فإن قبلها جِئْني برأسه ، قال الحاجب : فجئته فقلتُ : هذه أثوابٌ أرسل بها إليك الملك لتلبسها . فقال : لا حاجة لي بها ، هذه ثيابي(٣) من عهد أبي منذ أربعين سنة كلما خرجتُ إلى النَّاس لَبِسْتُها، فإذا رجعت طَويْتُها . قلت : وهذه نفقة . فقال : لا حاجة لي فيها ، لي دارٌ آكل من أجرتها تَرَكها لي أبي ، فأنا في غُنْية عنها٤) . فقلت : لفقراء أهلك . فقال : أهله أحق بها من أهلي ، وأفقر إليها منهم . فرجعتُ إلى الملك لأشاوره ، وأخبر بما قال : فسكتَ ساعةً ثم قال : الحمد لله الذي سلَّمنا منه وسلّمه منا . [ ثم إن عضد الدولة أخذ ابن بَقِيَّة الوزير لعز الدولة ، فأمر به ، فوضع بين قوائم الفِيَلة ، فتخبطته بأرجلها حتى هَلَك ، ثم صُلِب على رأس الجسر في شَوَّال منها ، فرثاه أبو الحسين(٥) بن الأنباري بأبياتٍ يقول فيها : عُلُوُ في الحَيَاةِ وفي المماتِ " لحقٌ أنتَ إحدى المُعْجزاتِ وفودُ نَدَاكَ أيامَ الصِّلاتِ كأنَّ النَّاسَ حَوْلَكَ حينَ قاموا وكلُّهمُ وقوفٌ للصَّلاةِ كأنَّك واقفٌ فيهم خَطيباً مددتَ يديكَ نحوهُمُ احتفاءً كمدهما إليهم بالهِباتِ : (١) سترد ترجمته في وفيات سنة (٣٨٧هـ) . (٢) في (ط ) زيادة: وتحول عضد الدولة من مجلسه وجلس وحده لئلا يبدر من ابن سمعون إليه بين الدولة كلام يكرهه . في (ح ) : هذه ثياب أبي، والمثبت من ( ب) و(ط). (٣) (٤) في ( ط ) : زيادة ، فأنا في غنية عما أرسل به الملك. (٥) في وفيات الأعيان (٥/ ١٢٠): أبو الحسن محمد بن عمر بن يعقوب الأنباري . ٢٩٣ صفة مقتل عز الدولة بَخْتيار بن معز الدولة وهي قصيدة طويلة أورد كثيراً منها ابن الأثير في ((كامله )(١) ] . صفة مقتل عز الدولة بَخْتيار بن معز الدولة وأخذ عضد الدولة الموصل وأعمالها لما دخل عضد الدولة بغداد وتسلَّمها من عز الدولة وأخرجه منها ذليلاً طريداً في قُلِّ من النَّاس ، ومن عزم بختيار أن يمضي إلى الشَّام فيأخذها ، وقد حلفه عضد الدولة أن لا يتعرض لأبي تغلب صاحب الموصل وذلك لمودَّةٍ كانت بينهما ومراسلات منهما ، فحلف له على ذلك ، وحين خرج من بغداد كان معه حمدان بن ناصر الدولة بن حمدان ، فحسّن لعز الدولة أخذ بلاد المؤصل [ من أبي تغلب (٢) ، لأنها أطيبُ وأكثر مالاً [ من الشام] (٢) وأقرب إليه [الآن] (٢). وكان ◌ِزُّ الدولة ضعيفَ العقل قليلَ الدِّين ، فلما بلغ ذلك أبا تغلب أرسل إلى عز الدولة يقول له : لئن بعثت إليَّ بأخي (٣) حمدان بن ناصر الدولة أعنتك بجيشي وبنفسي حتى أردَّك إلى ملك بغداد وأقاتل معك عضد الدولة . فأمسك حمدانَ وأرسله إلى أخيه(٤) أبي تغلب ، فسجنه في بعض القلاع ، وبلغ ذلك عضد الدولة وأنهما قد اجتمعا على حربه ، فركب إليهما بجيشه ، وأراد إخراج الخليفة الطائع معه ، فاستعفاه فأعفاه ، واستمرّ هو ذاهباً إليهما ، فالتقى معهما ، فكسرهما وهزمهما ، وأخذ عز الدولة أسيراً ، فلما جيء به لم يأذن له بل أرسل إليه من قتله في الحال ، ثم سار من فوره ، فأخذ المَوْصل ومعاملتها ، وكان قد حمل معه ميرة كثيرة ، وتشرَّد أبو تغلب في البلاد ، وبعث وراءه السَّرايا في كلِّ جهة، وأقام عضد الدولة بالموصل ، وضيَّق على أبي تغلب تلك البلاد ، واستحوذ على أكثر تلك الناحية لصرامته وشجاعته وهمته وعزيمته ، وأقام بالموصل إلى أواخر سنة ثمانٍ [ وستين °) ، وفتح مَيَّافارقين وآمِد وغيرهما من بلاد بكر وربيعة ، وتسلّم بلاد مُضَر من أيدي نواب أبي تغلب ، فأخذ منها الرَّحبة ، ورَدَّ بقيتها على صاحب حلب(٦) سعد الدولة بن سيف الدولة بن حمدان ، وتسلَّط سعد الدولة على بلاد عمه أبي تغلب يتسلمها بلداً ، بلداً ، وحين رجع (١) ما بين حاصرتين من (ب) و(ط)، وأثبتنا ما في (ط) لحُسْنِ إيرادها، انظر الكامل (٦٨٩/٨ - ٦٩٠) وانظر القصيدة بتمامها في وفيات الأعيان (١٢٠/٥ - ١٢١) . (٣) (٢) ما بين حاصرتين من ( ط ). في ( ط ) : ابن أخي ، وهو وهم . في (ح) و(ط): عمه، وهو تحريف، انظر صدر الخبر، والكامل (٨/ ٦٩١) ومعجم الأنساب لزامباور (٤) (٥٠٢/١) . (٥) ما بين حاصرتين من (ب ). (٦) في (ح ) : الموصل ، والمثبت من (ب) و(ط ) . ٢٩٤ وفيات سنة ٣٦٧هـ عضد الدولة من الموصل استناب عليها أبا الوفا ، وعاد إلى بغداد ، فتلقّاه الخليفة الطائع الله ورؤوس الناس في ظاهر البلد ، وكان يوماً مشهوداً . ومما وقع من الحوادث في هذه السنة الوقعة التي كانت بين العزيز بن المعز الفاطمي وبين أفتكين غلام معز الدولة صاحب دمشق ، فهزمه العزيز وأخذه معه إلى الدِّيار المصرية مكرّماً [ معظماً (١) كما تقدم(٢) ، وتسلَّم العزيز الفاطمي دمشق وأعمالها، وقد تقدَّم في [ سنة (٣) أربع وستين بسط هذه الكائنة بما أغنى عن إعادته(٤) . وفيها خُلع على القاضي عبد الجبار بن أحمد المعتزلي بقضاء قضاة الرّي وما تحت حكم مُؤَيَّد الدولة بن ركن الدولة بن بويه، وله مصنَّفات حسنة، منها ( دلائل النبوة»°) و (( عُمُد الأدِلَّة)) وغيرها٦) . وحجَّ بالناس في هذه السنة نائب المِصْريين وهو الأمير باديس بن زيري أخو يوسف بلِّكين ، ولما دخل مكة اجتمع إليه اللصوص ، وسألوا منه أن يُضمِّنهم الموسم هذا العام بما شاء من الأموال . فأظهر لهم الإجابة [ إلى ما سألوا (٧) وقال [ لهم] (٧): اجتمعوا كلكم حتى أضمِّنكم كلكم. فاجتمع عنده بضع وثلاثون حرامياً ، فقال : هل بقي منكم أحد ؟ فحلفوا له إنه لم يبق منهم أحد . فعند ذلك أمر بقطع أيديهم كلهم ، ونعم ما فعل . وكانت الخطبة في هذه السنة للفاطميين بمكة والمدينة دون العباسيين . وممن توفي فيها من الأعيان : الملك عز الدولة بختيار بن معز الدولة أبي الحسين أحمد بن (٨) بويه الدَّيْلَميُ(٩) : ملك بعد أبيه (١) ما بين حاصرتين من (ب) و(ط ). (٢) انظر وفيات سنة (٣٦٤هـ) . ما بين حاصرتين من ( ب) و( ط ) . (٣) (٤) انظر حوادث سنة (٣٦٤هـ) . طبع باسم (( تثبيت دلائل النبوة )) وقد حققه الدكتور عبد الكريم عثمان . (٥) توفي سنة (٤١٥هـ)، وكان من أبناء التسعين ، انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (٢٤٤/١٧ - ٢٤٥) وللدكتور عبد (٦) الكريم عثمان كتاب فيه عنوانه « قاضي القضاة عبد الجبار بن أحمد )» طبع في بيروت سنة ١٩٦٧ . (٧) ما بين حاصرتين من ( ط ) . في (ح) : بن معز الدولة والحسن بن أحمد بن بويه ، وهو تحريف ، والصواب ما هو مثبت ، انظر المنتظم (٨) (٨٩/٧) . يتيمة الدهر (٢١٨/٢ - ٢١٩) المنتظم (٨١/٧ - ٨٢) الكامل لابن الأثير (٥٧٥/٨ - ٥٨٠) وغيرها ، وفيات الأعيان (٩) (٢٦٧/١ -٢٦٨) سير أعلام النبلاء (٢٣١/١٦ -٢٣٢) الوافي بالوفيات (٨٤/١٠ -٨٦) النجوم الزاهرة (١٢٩/٤) تاريخ الخلفاء (٦٤٩) شذرات الذهب (٥٩/٣). ٢٩٥ وفيات سنة ٣٦٧هـ وعمره فوق العشرين(١) سنة بقليل، وكان حَسَن الجسم، شديد البطش ، قوي القَلْب جداً، يقال : إنه كان يأخذ بقوائم الثور(٢) الشديد فيلقيه إلى الأرض من غير أعوان ، ويتقصد الأسود في أماكنها في متصيداته . ولكنه كان كثير اللهو واللَّعب والإقبال على اللَّذات، ولما كسره ابنُ عَمِّه ببلاد الأهواز كان فيما أُخذ من أمواله غلام له كان يحبه حباً شديداً [ لا يهنأ بالعيش إلا معه ]٣) ، فبعث يترفق لابن عمه فيه حتى يردّه، وأرسل إليه بتُحَفٍ عظيمة وأموالٍ جزيلة وجاريتين عوَّادتين لا قيمة لهما٤) . وبعث نقيب الأشراف في ذلك ، فرُدَّ عليه الغلام المذكور ، فكثُرَ تعنيف الناس لعز الدولة ، وسقط من أعين الملوك ، لأنه كان يقول : ذَهابُ هذا الغلام أشدُّ عليَّ مما جرى من أخذ بغداد وأرض العراق . ثم آل من أمره أنه أسره ابن عمه عضد الدولة كما ذكرنا٥) ، وأمر بقتله سريعاً ، فكانت مدّة حياته ستاً وثلاثين سنة ، ومدة دولته منها إحدى عشرة (٦) سنة وشهور (٧) . محمد بن عبد الرحمن (٨) : أبو بكر ، القاضي المعروف بابن قُرَيعة ، ولي قضاءَ السِّنْدية(٩) ، وكان فصيحاً يأتي بالكلام المسجوع من غير تكلُّف ولا تردُّد ، وكان جميلَ المعاشرة ظريف المحاضرة ، ومن شعره : لي حِيْلَةٌ فيمن يَنُمُّ (م) وليسَ في الكذَّبِ حِيْلَهْ مَنْ كان يَخْلُقُ ما يقو لُ فَحِيْلتي فيه قَلِيْلهْ ٠ وكان يقول للرجل من أصحابه إذا تماشياً ١٠): إن تقدَّمْتُ [ بين يديك}١١) فحاجب ، وإن تأخرتُ فواجب . وكانت وفاته يوم السبت لعشر بقين من جمادى الآخرة منها ، رحمه الله تعالى ، والله أعلم . (١) في (ح) و(ب): العشر، والمثبت من ( ط)، وكان عمره نحو الخامسة والعشرين. في (ح ) : بالفرس، والمثبت من ( ب) و( ط ). (٢) (٣) ما بين حاصرتين من ( ط). (٤) أي لا تقدر قيمتها . انظر حوادث سنة (٣٦٧هـ) . (٥) في (ح) و(ط ) و(ب): إحدى وعشرين، وهو تحريف، والصواب ما هو مثبت، إذ ولي بعد وفاة أبيه (٦) سنة (٣٥٦هـ)، وانظر المنتظم (٧/ ٩٠). في ( ط ) زيادة : وهو الذي أظهر الرفض في بغداد ، وجرى بسبب ذلك شرور كما تقدم. (٧) تاريخ بغداد (٣١٧/٢ _ ٣٢٠) الإكمال لابن ماكولا (١١٧/٧) المنتظم (٩١/٧ -٩٢) وفيات الأعيان (٣٨٢/٤ - (٨) ٣٨٤) العبر (٣٤٥/٢) سير أعلام النبلاء (٣٢٦/١٦) الوافي بالوفيات (٢٢٧/٣ -٢٢٩) شذرات الذهب (٦٠/٣. ٦٢) . (٩) السندية: قرية من قرى بغداد، على نهر عيسى، بين بغداد وبين الأنبار. معجم البلدان (٢٦٨/٣). (١٠) في (ح): وكان يقول لمماشيه، والمثبت من ( ب) و(ط ). (١١) ما بين حاصرتين من ( ب) و( ط ). ٢٩٦ أحداث سنة ٣٦٨هـ ــ ذكر ملك قَسَّام التََّّاب لدمشق ثم دخلت سنة ثمان وستين وثلاثمئة في شعبان منها أمر الخليفة الطائع لله أن يُدْعى لعضد الدولة بعد الخليفة على المنابر ببغداد ، وأن تضرب الدبادب على بابه وقت الفجر وبعد المغرب والعشاء . قال ابنُ الجَوْزي : وهذا شيء لم يتفق لغيره من بني بُوَيْه ، وقد كان مُعِزُّ الدولة سأل من المطيع لله أن تضرب الدَّبادب على بابه ببغداد ، فلم يأذن له في ذلك(١). وقد افتتح عضد الدولة(٢) في هذه السنة وهو مقيم بالمَوْصل أكثر ما كان لأبي تغلب بن حمدان ، كامِد وميافارقين والرَّحبة وغير ذلك من المدن الكبار والصغار . وحين عزم على العود إلى بغداد استناب على الموصل أبا الوفا الحاجب ، ورجع إلى بغداد ، فدخلها في سَلْخ ذي القعدة من هذه السنة ، وتلقّاه الخليفة والأعيان في أثناء الطريق ، وكان يوماً مشهوداً ، والله أعلم بالصواب . ذكر ملك قَسَام التَّرَّاب لدمشق في هذه السنة لما اتَّقع(٣) أفتِكين مع العزيز بأرض الرملة، وانهزم أفتكين والحسن القرمطي معه، وأسر أفتكين ، فذهب العزيز إلى ديار مصر ، نهض رجلٌ من أهل دمشق يقال له قَسَّام التََّاب ، كان أفتكين يقربه ويدنيه ، ويأتمنه على أسراره ، فاستحوذ على دمشق ، وطاوعه أهلُها ، وقصدته عساكر العزيز من مصر ، فحاصروه بها ، فلم يتمكنوا منه بشيء ، وجاء أبو تغلب بن ناصر الدولة بن حمدان فحاصره ، فلم يمكنه أن يدخل دمشق ، فانصرف عنه خائباً إلى طبرية ، فوقع بينه وبين بني عقيل وغيرهم من العرب حروبٌ طويلة ، آل به الحال إلى أن قُتل أبو تغلب ، وكانت معه أُخته جميلة وامرأته بنت عمه سيف الدولة ، فَرُدَّتا إلى سعد الدولة بن سيف الدولة بحلب ، فأخذ أخته ، وبعث بجميلة إلى بغداد ، فَحُبِسَتْ في دارٍ ، وأخذ منها أموالٌ جزيلة . وأما قسَّام وهو الحارثي ، وأصله من بني الحارث بن كعب من اليمن - فأقام بالشَّام ، يسُدُّ خللها ، ويقوم بمصالحها مُدَّة سنين عديدة ، وكان مجلِسُه بالجامع ، ويجتمع النَّاس عنده ، فيأمرهم وينهاهم فيمتثلون ما يرسم به . (١) المنتظم (٩٢/٧). (٢) في (ط ) : عز الدولة، وهو تحريف. (٣) في ( ط) . ذهب. ٢٩٧ وفيات سنة ٣٦٨هـ قال ابنُ عساكر : إن أصله من قرية تَلْفِيت١ُ)، وكان تَرَاباً . قلت : والعامة يقولون اسمه قسيم الزبال ، وإنما هو قَسَّام ، ولم يكن زبالاً بل تَرَّاباً من قرية تلفيتا بالقُرْب من قرية مَنِين ، وكان بدؤُ أمره أنه انتمى إلى رجلٍ من أحداث دمشق يقال له أحمد بن الجسطارة (٢) ، فكان من حِزْبه ، ثم استحوذ على الأمور ، وغلب الولاة والأمراء وصارت إليه أَزِمَّة الأحكام إلى أن قدم يَلْتِكِينُ(٣) التُّركي من مِصْر في يوم الخميس السَّابع عشر من المحرَّم سنة ستٍّ وسبعين وثلاثمئة ، فأخذها منه ودخلها ، فاختفى قَسَّام مدة، ثم ظهر ، فأخذه أسيراً ، ثم أرسله [ مقيداً }(٤) إلى الديار المصْرية ، فأطلق وأحسن إليه ، وأقام بها أيضاً مكرماً ، والله أعلم . وممن توفي فيها من الأعيان : أحمد بن جعفر بن حمدان(٥) بن مالك بن شبيب بن عبد الله : أبو بكر بن مالك القَطِيعي - من قطيعة الدَّقيق ببغداد - راوي (( مسْند)) أحمد عن ابنه عبد الله، وقد روى عنه غير ذلك من مصنََّات أحمد ، وحدَّث عن غيره من المشايخ أيضاً ، وكان ثِقَةً كثير الحديث . وقد حدّث عنه الدَّارَقُطْني وابن شاهين والبَرْقاني وأبو نُعيم والحاكم ، ولم يمتنع أحدٌ من الرواية عنه ولا التفتوا إلى ما شغب به بعضهم من الكلام فيه ، بسبب غرق بعض كتبه حين غرقت القطيعة بالماء الأسود ، فاستحدث بعضها من نسخ أُخَر ، وهذا ليس بشيء ، لأنها قد تكون معارضة على كتبه التي غرقت ، والله أعلم . ويقال : إنه تَغَيَّر في آخر عمره فكان لا يدري ما يقرأ عليه ، وقد جاوز التسعين ، رحمه الله . تميم بن المعز الفاطمي(٦) : وبه كان يكنى ، وقد كان من أكابر أمراء دولة أبيه وأخيه العزيز ، وفيه (١) من قرى جبال القلمون، انظر معجم البلدان (٤٢/٢ - ٤٣). (٢) لم تضبط المصادر اسمه: ففي معجم البلدان (٤٢/٢) الحطار، وفي (ط ) المسطان، وفي (( سير أعلام النبلاء)): الجصطر، وفي تاريخ الإسلام: ((الجصطار)) مجود بخط الذهبي ، كما بينه الدكتور بشار في التعليق عليه (٨/ ٤٣٠) . أوله ياء آخر الحروف ؛ ترجمه الذهبي في حرف الياء من وفيات سنة (٣٧٣ هـ) من تاريخ الإسلام (٣٩٦/٨). (٣) ما بين حاصرتين من ( ب ) و( ط ) . (٤) تاريخ بغداد (٧٣/٤ - ٧٤) الأنساب (٢٠٣/١٠) طبقات الحنابلة (٦/٢ -٧) المنتظم (٩٢/٧ - ٩٣) اللباب (٤٨/٣) (٥) سير أعلام النبلاء (٢١٠/١٦ - ٢١٣) الوافي بالوفيات (٢٩٠/٦ - ٢٩١) النجوم الزاهرة (١٣٢/٤) شذرات الذهب (٦٥/٣) . (٦) الحلة السيراء (٢٩١/١) وفيات الأعيان (٣٠١/١ - ٣٠٣) وقد ذكره ابن كثير في وفيات هذه السنة متابعة لابن الجوزي في ((منتظمه))، وفي وفيات الأعيان (١/ ٣٠٣): وتاريخ الإسلام (٣٩٨/٨) وكانت وفاته سنة (٣٧٤هـ) ، ونقل ابن خلكان عن محمد بن عبد الملك الهمذاني أنه توفي سنة (٣٧٥هـ). ٢٩٨ وفيات سنة ٣٦٨هـ كرم وله فضيلة ، وقد اتفقت له كائنة غريبة ، وهي أنه أرسل إلى بغداد ، فاشتريت له جارية مغنية بمبلغ جزیل ، فلما حضرت عنده أضاف أصحابه ثم أمرها فغنت ۔ و كانت تحبُّ شخصاً ببغداد - : بَرْقٌ تألَّقَ مُوهِناً لمعانُهُ وبدا له من بعدٍ ما اندمل الهَوى صَعْبُ الذُّرى مُتَمِنِّعٌ أزكانُهُ يبدو كحاشيةِ الرِّداء ودونه نظراً إليه وصدَّه أشجانهُ فبدا لينظر كيفَ لاح فلم يُطِقْ والماء ما سَمَحتْ بهِ أجفانهُ فالنارُ ما اشْتَمَلَت عليهِ ضلُوعهُ ثم غنته بأبيات أُخَر، فاشتدَّ طرب تميم وقال لها : لابد أن تسأليني حاجةً ، فقالت : عافيتك . فقال : ومع هذا . وألغَّ عليها فقالت: تردُّني إلى بغداد حتى أغني بهذه الأبيات. فوجم [ لذلك (١) ، ثم لم يجدُ بُداً من الوفاء [ لها بما سألتْ (٢) ، فأرسلها مع بعض أصحابه ، فأحَجَّها ، ثم سار بها إلى بغداد على طريق العراق ، فلما أمسوا الليلة التي يدخلون من صبيحتها بغداد ذهبت في الليل فلم يدرِ أين ذهبت ، فلما راح الخبر إلى مولاها تألم ألماً شديداً ، وندِمَ ندماً [ شديداً (٣) حيث لا ينفعه النَّدَم. [ وقد ذكر ابن خلكان أنه لما توفي أدرج في ثمانين ثوباً من ديباج ، وأن قاضيهم هو الذي تولى ذلك منه . قلت : وهذا من الإسراف الذي سببه الجهل بالشرع (٤) . العقيقي(٥) : صاحب الحَمَّام والدَّار المنسوبتين إليه بمحلة باب البريد بدمشق أحمد بن الحسين بن أحمد بن علي بن محمد العقيقي بن جعفر بن عبد الله بن الحسين الأصغر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، الشريف أبو القاسم الحسيني . قال ابن عساكر : كان من وجوه أشراف دمشق، وإليه تنسب الدَّار والحَمَّام [ بمحلة باب البريد (٦) . وذكر أنه توفي يوم الثلاثاء لأربع خلون من جمادى الأولى من هذه السنة(٧) ، وأنه دفن من الغد ، وأغلق البلد بسبب جنازته ، وحضرها بکجور وأصحابه ۔ یعني نائب البلد - ودفن خارج باب الصغير . (١) ما بين حاصرتين من (ب) و( ط ). (٢) ما بين حاصرتين من ( ط). ما بين حاصرتين من ( ط ) وفي ( ب ) : كثيراً . (٣) ما بين حاصرتين من ( ب ) . (٤) تاريخ ابن عساكر (خ) س، ومختصره لابن منظور (٤٦/٣). (٥) ما بين حاصرتين من ( ب) و( ط ) . (٦) توفي على الصحيح سنة (٣٧٨هـ) انظر مختصر تاريخ دمشق (٤٦/٣)، وتاريخ الإسلام للذهبي (٨/ ٤٤٧). (٧) ٢٩٩ وفيات سنة ٣٦٨هـ قلت : وقد اشترى الملك الظاهر بيبرس داره وبناها مدرسة ودار حديث وتربة وبها قبره(١) ، وذلك في حدود سنة سبعين وستمئة كما سيأتي بيانه . أبو سعيد السَّيْرَافي(٢) : النحوي ، الحسن بن عبد الله بن المَرْزُبان أبو سعيد القاضي . سكن بغداد، وولي القضاء بها نيابةً، وله ((شرح كتاب سيبويه))، و((طبقات النحاة)). وروى عن أبي بكر بن دُرَيد وغيره ، وكان أبوه مجوسية٣ً) ، وكان أبو سعيد هذا عالماً باللغة والقراءات والنحو والعَروض والفرائض والحساب وغير ذلك من فنون العلم ، وكان زاهداً لا يأكل إلا من عمل يده ، كان ينسخ كل يوم عشر ورقات بعشرة دراهم ، تكون منها نفقته ، وكان من أعلم النَّاس بنحو البصريين ، وينتحل مذهب أهل العراق في الفقه (٤)، وقرأ على ابن مجاهد القراءات ، واللغة على ابن دريد، والنحو على ابن السَّرَّاج والمَبْرَمانُ(٥)، ونسبه بعضهم إلى الاعتزال ، وأنكره آخرون ، وكانت وفاته في رجب من هذه السنة عن أربعٍ وثمانين سنة ، ودفن بمقبرة الخيزران . عبد الله بن إبراهيم بن يوسف (٦): أبو القاسم الجُرْجاني(٧)، ويعرف بالآبندُوني(٨). رحل في طلب العلم والحديث إلى الآفاق ، ورافق ابن عدي في بعض ذلك ، ثم سكن بغداد ، وحدَّث بها عن أبي يعلى ، والحسن بن سفيان وابن خُزَيمة وغيرهم ، وكان ثِقَةً ثبتاً مصنفاً زاهداً . روى عنه البَرْقاني وأثنى عليه خيراً ، وذكر أن أكثر أكله الخبز المأدوم بمرق الباقلاء ، وذكر (١) هي المدرسة الظاهرية ، وهي مقر دار الكتب الظاهرية بدمشق. (٢) طبقات النحويين واللغويين (١٢٩ - ١٣٠) تاريخ بغداد (٣٤١/٧ - ٣٤٢) الأنساب (٢١٨/٧ - ٢١٩) نزهة الألباء (٣٠٧ - ٣٠٨) المنتظم (٩٥/٧) معجم الأدباء (١٤٥/٨ -٢٣٢) إنباه الرواة (٣١٣/١ - ٣١٥) اللباب (١٦٥/٢) وفيات الأعيان (٧٨/٢ - ٧٩) سير أعلام النبلاء (٢٤٧/١٦ - ٢٤٩) الوافي بالوفيات (٧٤/٢) بغية الوعاة (٥٠٧/١ - ٥٠٩) شذرات الذهب (٦٥/٢ -٦٦). (٣) في سير أعلام النبلاء (١٦ / ٢٤٨): وكان أبوه مجوسياً فأسلم. (٤) في (ح): وقراءاتهم ، وكأنها مقحمة، انظر تاريخ بغداد (٧/ ٣٤١) والمراد بمذهب أهل العراق مذهب أبي حنيفة النعمان ، رحمه الله . (٥) في (ح) و(ط) و(ب) ابن المرزبان، وهو تحريف، والمثبت من تاريخ بغداد (٧/ ٣٤٢) والمنتظم (٩٥/٧) والمبرمان هو لقب أبي بكر محمد بن علي بن اسماعيل النحوي العسكري ، أخذ النحو عن المبرد ، وهو الذي لقبه به ، لكثرة ملازمته له وسؤاله إياه ، توفي سنة (٣٢٦ هـ)، انظر ترجمته في إنباه الرواة (١٨٩/٣ - ١٩٠). تاريخ بغداد (٤٠٧/٩ - ٤٠٨) الأنساب (٩١/١ - ٩٢) المنتظم (٩٥/٧ - ٩٦) سير أعلام النبلاء (٢٦١/١٦ - ٢٦٣) (٦) النجوم الزاهرة (١٣٣/٤) طبقات الحفاظ (٣٨٠ - ٣٨١) شذرات الذهب (٦٦/٣). (٧) في (ح) و(ب) و(ط ): الزنجاني، وفي ( ط ) الريحاني ، وكلاهما تحريف ، وفيه متابعة لابن الجوزي في المنتظم (٩٥/٧) والمثبت من سير أعلام النبلاء (١٦ / ٢٦١). (٨) في (ح) و(ب) و( ط): الابندري، وهو تصحيف، والمثبت من سير أعلام النبلاء (١٦ / ٢٦١). ٣٠٠ أحداث سنة ٣٦٩ هـ أشياء من تقلُّله وزهده وورعه ، توفي عن خمسٍ وتسعين سنة ، رحمه الله تعالى . عبد الله بن محمد بن وَزْقاء : الأمير أبو أحمد الشَّيباني ، من أهل البيوتات والحشمة ، بلغ التسعين [ سنة}(١) روى عن ثعلب عن ابن الأعرابي أنه أنشد في صفة النِّساء: ألا إنَّ تَقْويمَ الضُّلوعِ انكسارُها هي الصِّلَعُ العَوْجاء لستَ تقيمها أليس عجيباً ضَعْفُها واقتدارُها أيجمعنَ ضعفاً واقتداراً على الفتى قلت: وهذا الشاعر أخذ المعنى من الحديث الصَّحيح: ((إن المرأة خلقت من ضِلَع أعوج وإن أعوج شيء في الصِّلع أعلاه، فإنْ ذَهَبْتَ تقيمه كَسَرْتَهُ، وإن استمتعتَ بها استمتعت وفيها ◌ِوَج)) . محمد بن عيسى(٢) بن عمرويه، الجُلُوديّ(٣): راوي ((صحيح مسلم)) عن إبراهيم بن محمد بن سفيان الفقيه(٤) عن مسلم بن الحَجَّاج ، وكان من الزُّهَّاد ، يأكل من كَسْب يده من النَّسْخ ، وبلغ ثمانين سنة ، رحمه الله تعالى بمنه وكرمه . ثم دخلت سنة تسع وستين وثلاثمئة في المحرّم منها توفي الأمير عمر بن شاهين ، صاحب بلاد البطيحة منذ أربعين سنة ، تغلَّب عليها ، وعَجَزَ عنه الأمراء والملوك والخلفاء ، وبعثت إليه الجنود والسَّرايا والجيوش غَيْرَ مرة ، فكل ذلك يغلبها٥) ويكسرها ، وكل ما له في تمكُّنٍ وقُوَّة ، ومكث كذلك هذه المدة كلها ، ومع هذا كله مات على فراشه [ حتف أنفه]٦)، فلا نامت أعْيُنُ الجبناء . وقام بالأمر من بعده ولده الحسن ، فرام عضد الدولة أن ينتزع الملك من يده ، فأرسل إليه سريةً فيها خلق من الجنود ، فكسرهم الحسن بن عمر بن شاهين ، وردّهم خائبين ، وكاد أن يتلفَهُمْ بالكلِّية ، حتى أرسل إليه عضد الدولة ، فصالحه على مالٍ یرسله إليه كل سنة وأخذ رهائن من عضد الدولة على ذلك ، وهذا من العجائب الغريبة . وفي صَفَر منها قبض على الشَّريف أبي أحمد الحسين بن موسى الموسوي ؛ نقيب الطَّالبيين ، [ وقد (١) ما بين حاصرتين من ( ط). (٢) الأنساب (٢٨٣/٣ - ٢٨٥) المنتظم (٩٧/٧) اللباب (٢٨٨/١) سير أعلام النبلاء (٣٠١/١٦ - ٣٠٣) الوافي بالوفيات (٢٩٧/٤) النجوم الزاهرة (١٣٣/٤) شذرات الذهب (٨٧/٣). (٣) بضم الجيم، وهو الأصح، ووهم ابن الأثير في ((اللباب)) حين قال: إنه بفتح الجيم لا بضمها ، انظر حاشية الأنساب (٢٨٣/٣) وتبصير المنتبه (٣٤٤/١ _ ٣٤٥). (٤) سلفت ترجمته في وفيات سنة (٣٠٨هـ) . (٥) في ( ب ) و( ط ) ، يغلها .. (٦) ما بين حاصرتين من ( ب) و( ط ).