النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١ أحداث سنة ٣٦٢هـ وفيها سارتِ الرُّوم مع الدُّمَسْتق - لعنه الله - إلى حصار آمد ، وعليها مرد غلام أبي الهيجاء بن حَمْدان ، فكتب إلى أبي تغلب يستصرخه ، فبعث إليه أخاه أبا القاسم هبة الله بن ناصر الدولة بن حمدان ، فاجتمعا لقتاله ، ولقياه في [ يوم من (١) رمضان في مكانٍ ضيق لا مجال للخيل فيه ، فاقتتلوا مع الرُّوم قتالاً شديداً ، وعزمت الرُّوم على الفِرار فلم يقدروا ، فاستحرَّ فيهم القتل ، وأُخذ الدُّمَسْتق أسيراً ، فأودع في السجن ، فلم يزل فيه حتى مَرضَ ، ومات في السنة القابلة ، وقد جمع له أبو تغلب الأطباء فلم ينفعه شيء . وفيه احترق الكرخ ببغداد ، وكان سببه أن صاحب المعونة ضرب رجلاً من العامة فمات ، فثار به العامة وجماعة من الأتراك ، فهرب منهم ، فدخل داراً ، فأخرجوه مسحوباً وقتلوه وحرقوه ، فركب الوزير أبو الفَضْل الشِّيرازي - وكان شديد التعصب للسُّنَّة - وبعث حاجبه إلى أهل الكرخ ، فألقى في دورهم النار ، فاحترقت طائفة كثيرة من الدور والأموال ، من ذلك ثلاثمئة دكان وثلاثة وثلاثون مسجداً ، وسبعة عشر ألف إنسان ، فعند ذلك عَزَلَ عز الدولة بختيار بن معز الدولة وزيره هذا عن الوزارة ، وولَّها محمد بن بقية ، فتعجب النَّاس من ذلك ؛ وذلك أن هذا الرجل كان وضيعاً عند الناس ، لا حرمة له ، كان أبوه فلاحاً بقرية أوَانا ، وكان هو ممن يخدم عز الدولة ، يقدِّم له الطعام ويحمل منديل الزفر على كتفه ، إلى أن ولي الوزارة ، ومع هذا كان أشد ظلماً للرعية من الذي قبله ، وكَثُرَ في زمانه العيّارون ببغداد ، وفسدت الأمور. ووقع [ الخلاف (٢) بين عز الدولة وبين حاجبه سُبُكْتِكين ، ثم اصطلحا على دَخَن. وفيها كان دخول المعز الفاطمي إلى الديار المصرية وصحبته توابيت آبائه ، فوصل إلى الإسكندرية في شعبان منها ، وقد تلقاه أعيان مصر إليها ، فخطب الناسَ هنالك خطبةً بليغة ارتجالاً ، ذكر فيها فضلهم وشرفهم ، وقد كذب ، وقال فيها : إن الله أغاث الرعايا بهم وبدولتهم . حكى ذلك عنه قاضي مصر ، وكان جالساً إلى جَنْبه فسأله : هل رأيتَ خليفةً أفضلَ مني ؟ فقال: لم ارَ أحداً من الخلائف سوى أمير المؤمنين . فقال له: أحججت؟ قال: نعم. قال: وزرت قبر رسول الله بَّه؟ قال: نعم. قال: وقبر أبي بكر وعمر ؟ قال : فتحيرت ماذا أقول ، ثم نظرت فإذا ابنه [ العزيز قائم ١) مع كبار الأمراء فقلت : شغلني عنهما رسول الله بيّيقر كما شغلني أمير المؤمنين عن السلام على ولي العهد . ونهضت إليه ، فسَّمت عليه ورجعت ، فانفسح المجلس إلى غيري . ثم سار من الإسكندرية إلى مصر ، فدخلها في الخامس من رمضان هذه السنة ، فنزل بالقصرين ، (١) ما بين حاصرتين من ( ب ). (٢) ما بين حاصرتين من (ط). (٣) ما بين حاصرتين من ( ب ) . ٢٦٢ وفيات سنة ٣٦٢هـ فيقال : إنه أول ما دخل إلى مَحَلِّ ملكه خَرَّ ساجداً [شكراً ]١) لله عزَّ وجلَّ، ثم كان أول حكومةٍ أنهيت إليه أن امرأة كافور الإخشيدي تقدمت إليه ، فذكرت له أنها كانت أودعت رجلاً من اليهود الصواغ قَبَاء من لؤلؤ منسوج بالذهب ، وأنه جَحَد ذلك . فاستحضره وقرره ، فجحد اليهودي ذلك وأنكره ، فأمر عند ذلك المعز بأن تحفر داره ويستخرج ما فيها ، فوجد القَبَاء قد جعله في جَرَّة ودفنها فيها ، فَسَلَّمه المعز إليها [ووفره عليها ]٢)، فقدَّمته إليه، وعرضته عليه، فأبى أن يقبله منها، وردّه عليها ، فاستحسن منه ذلك الحاضرون. وقد ثبت في الحديث: ((إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر)(٣) . وفيها توفي من الأعيان : الشَّري الرَّفَّاء الشّاعر بن أحمد بن السَّري(٤): أبو الحسن ، الكِنْدي ، المَوْصلي ، الشاعر المطبق ، في جملة مُدَّاح سيف الدولة بن حمدان وغيره ، وقد قدم بغداد ، فاتفق موته بها في هذه السنة ، قال ابن خلِّكان : وقيل : في سنةٍ أربع وقيل خمس ، وقيل : أربعٍ وأربعين ، قال : وقد كانت بينه وبين محمد وسعيد ابْنَيْ هاشم الخالديين الموصليين معاداة ، وادَّعى عليهما سرقة شعره(٥) ، وكان معتنياً بنسخ ديوان كُشَاجم ، وربما زاد فيه من شعر الخالديين ليكثر حجمه ويزينهما بالكذب ، وكان قد امتدح سيف الدولة ، فأحبى له رزقاً ، فلم يزل به الخالديان حتى قطعا رسمه من عنده ، فدخل بغداد ، وامتدح الوزير المهلبي فدخلا وراءه ، فلم يزالا في ثلبه عنده حتى هجره وقلاه ، فركبه الدين ، ومات في هذه السنة ، وله دیوان شعر کبیر جيد ، فمن شعره قوله : فإذا التقى الجمعانِ عادَ صفيقا يَلْقِى النَّدى برقيقِ وجهٍ مُسْفٍ في جَحْفلٍ تركَ الفَضاءَ مَضِيْقا٦) رَحْبُ المَنَازِلِ ما أقام فإنْ سرَى وله : صُبْحاً وكنتُ أرى الصَّباحَ بهيما ألبستني نعماً رأيتُ بها الدُّجى فغدوتُ يحسدني الصديقُ وقبلها قد كان يَلْقَاني العدو رحيما٧ً) (١) ما بين حاصرتين من ( ب). (٢) ما بين حاصرتين من ( ب ) . الحديث في صحيح البخاري (٢٨٩٧) في الجهاد والسير، وصحيح مسلم (١١١) في الإيمان . (٣) (٤) سلفت ترجمته ، وذكرت مظانها في وفيات سنة (٣٦٠هـ) . وفيات الأعيان (٣٦٢/٢). (٥) ديوانه (١٨٥) . (٦) ديوانه (٢٥١) . (٧) ٢٦٣ وفيات سنة ٣٦٢هـ وله : ويَبْخِلُ بالتحيَّةِ والسَّلامِ بنفسي منْ أجودُ له بنفسي كمُّونَ الموتِ في حد الحُسامُ(١) وحتفي كامنٌ في مُقْلتيه محمد بن هانى(٢): الأندلسي، الشّاعر ، كان قد استصحبه المعزُّ الفاطمي من بلاد القيروان حين توجَّه إلى مصر ، فلما كان ببعض الطَّريق ، وجد محمد بن هانىء مقتولًا مجدلاً على حافة البحر ، وذلك في رجب من هذه السنة ، وقد كان شاعراً مطبقاً ، قوي النظم إلا أنه قد كفَّره غير واحد من العلماء في مبالغاته في مدائحه ، فمن ذلك قوله يمدح المعز ، قبحهما الله تعالى : ما شئتَ لا ما شاءتِ الأقدارُ فاحْكُمْ فأنتَ الواحدُ القَهَّارُ وهذا خطأ كبير ، وكفر كثير . وقال أيضاً : ولطالما زاحمت تحت ركابه جبريلا ومن ذلك قوله : - قال ابن الأثير: ولم أجد ذلك في (( ديوانه )): حَلَّ برَقَّادة (٣) المَسِيْحُ حَلَّ بها آدمٌ ونُوْحُ حلَّ بها الله ذو المعالي فكلُّ شيءٍ سواءُ ریحُ . قال ابن الأثير : وقد شرع بعض المتعصبين له في الاعتذار عنه ، فالله أعلم(٤) . قلت : وهذا الشعر إن صح عنه ، فليس عنه اعتذار ، لا في الدار الآخرة ولا في هذه الدار . وممن توفي بها : إبراهيم بن محمد(٥) بن سختويه بن عبد الله المُزَكِّي : أحد الحفاظ المبرِّزين ، أنفق على الحديث (١) ديوانه (٢٦٠)، وقد طبع له كذلك كتاب (( المحب والمحبوب والمشروب والمشموم)) وصدر ضمن مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق بتحقيق الأستاذين مصباح غلاونجي ، وماجد الذهبي . (٢) جذوة المقبس (٩٦) بغية الملتمس (١٤٠ - ١٤١) معجم الأدباء (١٩ / ٩٢ - ١٠٥) المطرب من أشعار أهل المغرب (١٩٢) التكملة لابن الأبار (١٠٣/١) وفيات الأعيان (٤٢١/٤ - ٤٢٤) سير أعلام النبلاء (١٣١/١٦ - ١٣٢) الإحاطة في أخبار غرناطة (٢٨٨/٢ - ٢٩٣) شذرات الذهب (٤١/٣ - ٤٤). (٣) رقادة: بلدة كانت بإفريقية، بينها وبين القيروان أربعة أيام، انظر معجم البلدان (٥٥/٣ - ٥٦). (٤) انظر الكامل لابن الأثير (٦٢١/٨ - ٦٢٢). (٥) تاريخ بغداد (١٦٨/٦ - ١٦٩) المنتظم (٦١/٧ - ٦٢) سير أعلام النبلاء (١٦٣/١٦) العبر (٣٢٧/٢) الوافي بالوفيات (١٢٣/٦) النجوم الزاهرة (٦٩/٤) شذرات الذهب (٤٠/٣ - ٤١). ٢٦٤ وفيات سنة ٣٦٢هـ وأهله أموالاً جزيلة ، وسمع النَّاس بتخريجه ، وعقد له مجلس الإملاء بنيسابور ، ورحل وسمع من المشايخ شرقاً وغرباً ، ومن مشايخه ابن جرير(١) وابن أبي حاتم ، وكان يحضر مجلِسَه خَلْقٌ كثير من كبار المحدِّثين ، منهم أبو العباس الأصَم وأضرابه ، وكانت وفاته في هذه السنة عن سبعٍ وستين سنة . سعيد (٢) بن القاسم بن العلاء بن خالد (٣): أبو عمرو(٤)، البَرْذعي(٥)، أحد الحُفَّاظ، روى عنه الدَّارَ قُطني وغيره . محمد(٦) بن الحسن (٧) بن كَوْثَ(٨) بن علي (٩): أبو بَحْر ، البَرْبهاري(١٠) . روى عن إبراهيم الحَرْبي، [ وتمتام }(١١) والباغَنْدي والكُدَيمي [ وغيرهم ]١٢). وعنه ابن رِزْقويه وأبو نُعيم ، وانتخب عليه الدَّارَ قُطْني، وقال : اقتصروا على [ ما ] خرَّجته له ، فقد اختلط صحيح سماعه بفاسده . وقد تكلّم فيه غيرُ واحدٍ من حُفَّاظ زمانه بسبب تخليطه وغفلته، واتهمه بعضُهم بالكذب أيضا١٣ً). (١) لم أر أحداً ذكر سماعه من ابن جرير غير ابن كثير، فإن صَحَّ يكون قد سمع منه وهو في الخامسة من عمره ، إذ ولد المزكي سنة (٣٠٥هـ)، وتوفي ابن جرير سنة (٣١٠هـ). في (ح ) سعد ، وهو تصحيف ، والمثبت من ( ب ). (٢) (٣) ذكر أخبار أصبهان (٣٣٠/١) تاريخ بغداد (١١٠/٩ -١١١) الأنساب (١٤٣/٢) المنتظم (٦٢/٧) سير أعلام النبلاء (١٦/ ٧٢ - ٧٣) تذكرة الحفاظ (٩٣٦/٣ - ٩٣٧) طبقات الحفاظ (٣٧٨) شذرات الذهب (٤١/٣). (٤) في المنتظم : أبو عمر ، وهو تصحيف . نسبة إلى برذعة، بلدة أقصى أذربيجان، ويصحُّ فيها إهمال الدال، انظر الأنساب (١٤٣/٢). (٥) (٦) ترجمة محمد بن الحسن ساقطة من (ب ). (٧) في المنتظم (٧/ ٦٣) : بن أبي الحسن ، بزيادة : أبي ، وهو وهم . في (ح ) : كريز، وهو تصحيف، والمثبت من تاريخ بغداد (٢٠٩/٢) وباقي المصادر. (٨) تاريخ بغداد (٢٠٩/٢ -٢١١) الأنساب (١٢٥/٢ -١٢٧) المنتظم (٦٣/٧ - ٦٤) اللباب (١٣٣/١) سير أعلام النبلاء (٩) (١٤١/١٦ - ١٤٣) العبر (٣٢٧/٢ - ٣٢٨) ميزان الاعتدال (٥١٩/٣) الوافي بالوفيات (٣٣٨/٢) لسان الميزان (١٣١/٥ -١٣٢) شذرات الذهب (٤١/٣). (١٠) هذه النسبة إلى بربهار، وهي الأدوية التي تجلب من الهند، ومن يجلبها يقال له البربهاري ، انظر الأنساب (١٢٥/٢) واللباب (١٠٧/١). (١١) ما بين حاصرتين من (ط)، وفيه: تمام، وهو تصحيف، والمثبت من تاريخ بغداد (٢٠٩/٢) والمنتظم (٦٣/٧) وانظر سير أعلام النبلاء (١٣/ ٣٩١/٣٩٠). (١٢) ما بين حاصرتين من (ط). (١٣) في (ح ): أقحمت ترجمة القاضي أبي علي المروزي في وفيات هذه السنة ، فقد جاء فيها : القاضي الحسين بن محمد بن أحمد ، أبو علي المَرْوَرُذي ، أحد مشايخ المذهب في زمانه، وله ((التعليقة)) المشهورة. تفقه بأبي بكر القفال المروزي، وأخذ عنه جماعة منهم البغوي صاحب ((التهذيب)) و((التفسير)) و((شرح السنة))= ٢٦٥ أحداث سنة ٣٦٣ هـ ثم دخلت سنة ثلاث وستين وثلاثمئة فيها [ في عاشوراء (١) عُملت البِدْعة الشَّنْعاء على عادة الرَّوافض، ووقعت فتنةٌ عظيمة ببغداد بين السُّنَّة والرَّوافض، وكلا الفريقين قليل عقل [أو عديمه (٢) بعيد عن السَّداد؛ وذلك أن جماعةً من السنة أركبوا امرأةً جملاً وسموها عائشة ، وتسمى بعضهم بطلحة ، وبعضهم الزبير ، وقالوا : نقاتل أصحابَ علي بن أبي طالب ، فقتل [ بسبب ذلك (٣) من الفريقين خَلْقٌ كثير ، وعاث العَيَّرون في البلد بالفساد ، ونهبت الأموال وقتل الرجال ، ثم أخذ جماعة منهم ، فقتلوا وصلبوا ، فلذلك سكنت الفتنة(1) . وفيها أخذ عز الدولة بَخْتِيار [ بن معز الدولة (٥) الموصل ، وزوَّج ابنته(٦) من أبي تغلب بن حمدان . وفيها وقعت الفتنة بالبَصْرة، بين الدَّيالم والأتراك ، فقويتِ الديلمُ على التُّرك بسبب أن الملك فيهم ، فقتلوا [ منهم (٧) خلقاً كثيراً، وحبسوا رؤوسهم ، ونهبوا كثيراً من أموالهم ، وكتب عزّ الدولة إلى أهله : إني سأكتب إليكم أني قد مُتُّ ، فإذا جاءكم الكتاب ، فأظهروا النوح واجلسوا للعزاء ، فإذا جاء سُبُكْتِكين للتعزية فاقبضوا عليه ، فإنه ركن الأتراك ورأسهم . فلما جاء البريد إلى بغداد بذلك أظهروا [ النَّوح والصراخ (٨) وجلسوا للعزاء ففهم سُبُكْتكين أن هذه مكيدة ، فلم يقربهم ، وتحقق العداوة بينه وبين عز الدولة ، وركب من فوره في الأتراك ، فحاصروا دار عز الدولة ببغداد يومين ، ثم أنزل أهله منها ، ونهب ما فيها ، وأحدرهم في دِجْلة إلى واسط منفيين ، وكان قد عزم على بعث الخليفة المطيع معهم ، فتوسل الخليفة إليه ، فعفا عنه وأقرّه بداره ، وقويت شوكة سُبُكتكين والأتراك ببغداد ، ونهبت و ((المصابيح))، وغير ذلك. = وقد ذكرته في (( الطبقات)) بما فيه الكفاية قال ابن خلكان : وإذا قال الإمام الغزالي : قال القاضي ، فهو هذا ، والله أعلم . قلت : وليس مكان هذه الترجمة في وفيات هذه السنة ، بل صوابها في وفيات سنة (٤٦٢هـ)، وهي سنة وفاة المترجم . (١) ما بين حاصرتين من ( ط). ما بين حاصرتين من ( ط ) . (٢) ما بين حاصرتين من ( ط ) . (٣) (٤) في ( ب ) : فسكنت النفوس . (٥) ما بين حاصرتين من ( ب ) . في (ح ): بابن أبي تغلب، وهو وهم، والمثبت من (ب)، وانظر الكامل لابن الأثير (٦٣٣/٨ - ٦٣٤). (٦) ما بين حاصرتين من ( ب ). (٧) (٨) ما بين حاصرتين من (ب ). ٢٦٦ خلافة الطَّائع وخلع أبيه المطيع لله الأتراك دورَ الدَّئْلَم ، وخَلَع سُبُكْتكين على رؤساء العامة ، لأنهم كانوا معهم على الدَّيْلم ، وقويت السنة على الشيعة، وأحرق الكَرْخ(١) حريقاً ثانياً، وظهرت السُّنَّة على يدي الأتراك، وخلع المطيع ، وولي ولده الطائع لله ، على ما سنذكره إن شاء الله سبحانه وتعالى . خلافة الطَّائع وخلع أبيه المطيع لله ذكر ابنُ الأثير أنه لما كان [ اليوم ] الثالث عشر [ من ] ذي القعدة ٢)، وقال ابن الجوزي في ((منتظمه)): كان ذلك يوم الثلاثاء التاسع عشر من ذي القعدة (٣) من هذه السّنة، خُلِع المطيع الله ، وذلك لفالج أصابه فَقُلَ لسانه، فسأله سُيُكْتِكين أن يخلع نفسه ، ويولي [ من ]٤) بعده ولدَه الطَّائع، فأجاب(٥) ، فعقدت البيعة للطّائع بدار الخلافة على يدي الحاجب سُبُكْتكين ، وخُلع أبوه المطيع بعد تسع وعشرين سنة كانت له في الخلافة ، ولكن تعوَّض عنها٦) بولاية ولده . واسم الطائع أبو بكر عبد الكريم(٧) بن المطيع الله أبي القاسم الفضل بن المقتدر بالله جعفر بن المعتضد أبي العباس أحمد بن الأمير أبي أحمد الموفق المتوكل بن المعتصم بن هارون الرشيد ، ولم يَلِ الخلافة من اسمه عبد الكريم سواه، ولا من أبوه حي سواه(٨)، وسوى أبي بكر الصِّدِّيق(٩) . ولم يل الخلافة من بني العبَّاس أسن منه حال الولاية ، كان عمره ثمانياً وأربعين سنة يوم بويع ، وكانت أمه أم ولد اسمها عُتب ، كانت تعيش أيضاً يوم بويع بالخلافة ، ولما بويع الطائع ركب وعليه البُرْدة ، وبين يديه سُبُكْتكين والجيش ، ثم خَلَعَ من الغد على سُبُكْتِكِين خِلَع الملوك ولقَّبه ناصر الدولة ، وعقد له لواء الإمارة . ولما حضر الأضحى ركب الطَّائع وعليه السواد، فخطب بالناس بعد الصَّلاة خطبة خفيفة حسنة، وحكى ابن الجوزي في ((المنتظم)١٠) أن المطيع الله كان يُسمَّى بعد خلعه بالشيخ الفاضل ، والله أعلم . (١) في ( ط ) : لأنه محل الرافضة . انظر الكامل (٨/ ٦٣٧) وما بين حاصرتين من (ب). (٢) في مطبوع المنتظم (٦٦/٧): وعقد له الأمر - أي للطائع - في يوم الأربعاء لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي القعدة . (٣) (٤) ما بين حاصرتين من ( ب ) . (٥) في ( ط ) : فأجاب إلى ذلك . في (ح ) : منها ، والمثبت من ( ب). (٦) في (ح) : أبو بكر بن عبد الكريم ، وهو وهم ، والمثبت من ( ب ) . (٧) (٨) في ( ط ) زيادة ولا من كنيته أبو بكر سواه . (٩) في ( ط ) : رضي الله عنه. (١٠) انظر المنتظم (٦٦/٧ - ٦٧). = ٢٦٧ ذكر الحرب بين المعِز الفاطمي والحسن القرمطي - ملك المعز الفاطمي دمشق ذكر الحرب بين المُعِز الفاطمي وبين الحسن(١) بن أحمد القِرْمِطِي لما استقرَّ المعز الفاطمي بالدِّيار المصرية ، وابتنى فيها القاهرة والقَصْرين وتأكَّد ملكه ، سار إليه الحسن بن أحمد القِرْمطي من الأحساء في جمع كثيف من أصحابه ، والتفَّ معه أميرُ العرب ببلاد الشام وهو حَسَّان بن الجَرَّاحِ الطَّائي في عرب الشَّام بكمالهم ، فلما سمع بهم المعز الفاطمي أَسقط في يديه لكثرتهم ، وكتب إلى القِرْمطي يستميله ويقول له : إنما دعوة آبائك إنما كانت إلى آبائي قديماً ، فدعوتنا واحدة . ويذكر فيه فَضْله وفضل آبائه ، فَرَدَّ [عليه ]٢) الجواب : وصل كتابك الذي كَثُرَ تفضيله وقلَّ تحصيله ، ونحن سائرون(٣) على إثره والسَّلام . فلما انتهوا إلى ديار مصر عاثوا فيها قتلاً ونهباً وإفساداً ، وحار المعز ماذا يصنع لكثرة من مع القرمطي ، وضعف جيشه عن مقاومتهم ، فعدل إلى المكيدة والخديعة ، فراسل حَسَّان بن الجَرَّاح أمير العرب ، ووعده بمئة ألف دينار إن هو خذل بين النَّاس ، فأرسل إليه(٤) أن ابعث إليَّ بما التزمت وتعال بمن معك، فإذا التقينا انهزمتُ بمن معي [ فلا يبقى للقِرْ مطي قوة ؛ فتأخذه كيف شئتَ ]°). فأرسل إليه المعز بمئة ألف دينار في أكياسٍ، ولكن زَغَلِ (٦) أكثرها؛ ضَرَبَ النُّحاسَ ولَّسه الذهب ، وجعله في أسفل الأكياس ، ووضع في رؤوس الأكياس الدَّنانير الخالصة ، ولما بعثها إليه ركب في إثرها بجيشه ، فالتقى الناس ، ولما تواجه الفريقان ونشبت الحرب بينهم ، انهزم حسَّان بن جراح بالعرب، فَضَعُفَ جانب القِرْمطي ، وقوي عليه المعز الفاطمي فكسره ، وانهزمت القرامطة بين يديه فرجعوا إلى أذْرِعات في أذلِّ حالٍ(٧) ، وأرسل المعز في آثارهم القائد أبا المحمود بن إبراهيم بن جعفر في عشرة آلاف فارس ، ليحسم ماذَّتهم(٨) . ملك المعز الفاطمي دمشق وانتزاعه إياها من يد القرامطة لما انهزم القِرْمطي وأصحابه بعث المعز سريّة عليهم ظالم بن مرهوب العُقيلي أميراً على دمشق ، (١) انظر أول حوادث سنة (٣٦٠هـ). (٢) ما بين حاصرتين من ( ط ). (٣) في ( ط ) : إليك، وانظر تاريخ أخبار القرامطة (١٠٦). (٤) في ( ط ) : فبعث إليه حسان يقول . (٥) ما بين حاصرتين من ( ط ) . الزَّغَل - محركة - الغش. تاج العروس (زغل ). (٦) في ( ط ) : في أذل حالٍ وأرذله . (٧) (٨) في ( ط ): ويطفىء نارهم عنه. ٢٦٨ ملك المعز الفاطمي دمشق فتسلَّمها من القرامطة بعد حصارٍ شديد، واعتقل متوليها أبا الهيجاء(١) القِرْمِطي وابنه ، واعتقل رجلاً يقال له أبو بكر من أهل نابلس(٢) ، كان يتكلّم في الفاطميين ويقول : لو كان معي عشرة أسهم لرميتُ الرُّوم بسهم ، ورميت المغاربة - يعني الفاطميين - بما بقي. فسلخ (٣) بين يدي [ الخليفة ]٤) المعز ، وحشي جلده تبناً ، وصُلبَ بعد ذلك . ولما تفرّغ أبو محمود القائد من قتال القرامطة أقبل نحو دمشق ، فخرج إليهم ظالم بن مرهوب ، فتلقَّاه إلى ظاهر البلد وأكرمه ، وأنزله ظاهر دمشق ، فأفسد أصحابه في الغوطة والمرج ، ونهبوا . الفلاحين ، وقطعوا الطرقات على الناس ، وتحول أهل الغوطة إلى البلد من كثرة النهب ، وجيء بجماعةٍ من القتلى فألقوا في الجامع ، فكثر الضجيج ، وغلقت الأسواق ، واجتمعت العامة للقتال ، والتقوا مع المغاربة ، فقتل من الفريقين جماعةٌ ، وانهزمت العامة غير مَرَّة ، وأحرقت المغاربة ناحية باب الفراديس ، فاحترق شيء كثير من الأموال والدُّور ، ولبثت الحرب بينهم إلى سنة أربع وستين ، وأحرق البلد مرّة أخرى بعد عزل ظالم بن مرهوب ، وتولية جيش بن صمصامة ابن أخت أبي المحمود ، قبَّحه الله ، وقطعت القنوات وسائر المياه عن البلد ، ومات كثيرٌ من الفقراء في الطُّرقات من كثرة الجوع والعطش ، ولم يزل الحال كذلك حتى ولي عليهم الطَّواشي رَيَّان الخادم من جهة المعز(٥)، فسكنت الأمور (٦)، [ ولله الحمد ]٧) . [ فصل ]٨) ولما قويت الأتراك ببغداد تحَيَّر عز الدولة بختيار [ بن معز الدولة (٩) في أمره وما يصنع ، وهو مقيم بالأهواز(١٠) ، فأرسل إلى عمه ركن الدولة يستنجده ، فأرسل إليه بعسكرٍ مع وزيره أبي الفتح بن (١) في إحدى نسخ الكامل (٨/ ٦٤٠) وذيل تاريخ دمشق لابن القلانسي. (٤) أبا المنجا . (٢) هو محمد بن أحمد بن سهل الرملي، ويعرف بابن النابلسي ، انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٦ / ١٤٨ - ١٥٠) واتعاظ الحنفا (٢١٠ - ٢١١). (٣) في ( ط ) : فأمر به فسلخ . ما بين حاصرتين من ( ب ) . (٤) في ( ط ) : المعز الفاطمي . (٥) (٦) في ( ط ) : النفوس . (٧) ما بين حاصرتين من ( ب) . (٨) ما بين حاصرتين من (ط). (٩) ما بين حاصرتين من (ب ). (١٠) في (ط ) زيادة: لا يستطيع الدخول إلى بغداد. ٢٦٩ وفيات سنة ٣٦٣هـ العميد(١) ، وأرسل إلى ابن عمه عضد الدولة بن ركن الدولة ، فتباطأ عليه ، وأرسل إلى عمران بن شاهين فلم يجبه ، وأرسل إلى أبي تغلب بن حمدان ، فأظهر نصره ، وإنما يريد في الباطن أخْذَ بغداد ، وخرجت الأتراك من بغداد في جَحْفلٍ كثير ، ومعهم الخليفة الطائع وأبوه المطيع ، فلما انتهوا إلى واسط توفي المطيع لله ، وبعد أيام توفي سُبُكْتِكين أيضاً ، فحملا إلى بغداد ، والتفَّ الأتراك على أميرٍ يقال له أفتكين ، واجتمع شملهم والتقوا مع بختيار ، فَضَعُفَ أمره جداً ، وقوي عليه ابنُ عمه عضد الدولة ، فأخذ منه ملك العراق وتمزَّق شمله ، وتفرّق أمره . وفيها خطب للمعز الفاطمي بالحرمين مكة والمدينة [ النبوية }٢). وفيها خرج جمعٌ من بني هلال وطائفة من العرب على الحُجَّاج ، فقتلوا منهم خلقاً كثيراً ، وعَطّلوا على من بقي منهم الحج في هذا العام ، فلا جزاهم الله خيراً . وفي هذا العام انتهى تاريخ ثابت بن سنان بن ثابت بن قُرَّة ، وأوله من أول دولة المقتدر سنة خمس وتسعين ومئتين . وفيها كانت زلزلة شديدة بواسط . وحجّ بالناس في هذه السنة الشريف أبو أحمد الموسوي ، ولم يحصل لأحدٍ حٌَّ في هذه السنة سوى من كان معه على درب العراق، وقد أخذ بالناس على طريق المدينة ، فتمَّ حَجُّهم . ولله الحمد والمنة . وممن توفي فيها من الأعيان : العَبَّاس بن الحسين(٣): أبو الفَضْل، الشيرازي، الوزير لعِزِّ الدولة بَخْتِيار بن معز الدولة بن بُوَيه ، وكان من المتعصبين للسنة (٤)، عاكس مخدومَه، فعزله، وولى محمد بن بقيّة الباب(٥) كما تقدَّمُ(٦) ، وحُبس هذا، فقتل في محبسه في ربيع الآخر منها عن تسع وخمسين سنة ، وكان فيه ظُلْمٌ وحَيْف ، والله أعلم . (١) هو ابن أبي الفضل بن العميد، الوزير المشهور، الذي أدار التوحيدي كتابه (( مثالب الوزيرين )) عليه ، وقد توفي سنة (٣٦٠ هـ) ، فرتب ركن الدين بن بويه ولده أبا الفتح هذا مكانه ، فبقي في الوزارة حتى قتل سنة (٣٦٦هـ)، انظر معجم الأدباء (١٩١ - ٢٤٠) ووفيات الأعيان (١١٠/٥ - ١١١). (٢) ما بين حاصرتين من (ب). (٣) تجارب الأمم (٢٦٩/٦ و٣١٣) المنتظم (٧/ ٧٣ - ٧٤) الكامل لابن الأثير (٥٤٨/٨، ٥٧٣) وغيرها ، سير أعلام النبلاء (٢٢٢/١٦، ٣٠٩) النجوم الزاهرة (٦٨/٤ -٦٩). (٤) في ( ط ) : وكان من الناصرين السنة ، المتعصبين لها . لم أهتد إلى وجه تلقيبه بالبابا فيما بين يدي من المصادر . (٥) (٦) انظر حوادث سنة (٣٦٢هـ)، وسيرد خبر مقتله في حوادث سنة (٣٦٧هـ). ٢٧٠ وفيات سنة ٣٦٣هـ أبو بكر عبد العزيز بن أحمد(١) بن جعفر: الفقيه الحنبلي، المعروف بغلام الخلاَّل(٢)، أحد مشاهير الحنابلة الأعيان ، ممن صنف وجمع وناظر ، وسمع الحديث من أبي القاسم البغوي وطبقته ، وكان عمره يوم توفي فوق الثمانين(٣). قال ابن الجَوْزي: وله ((المقنع)) في مئة جزء(٤)، و((الشَّافي)) في ثمانين جزءاً، و ((زاد المسافر)) و ((الخلاف مع الشَّافعي)) و((كتاب القولين)) و ((مختصر السُّنَّة))، وغير ذلك في التفسير والأصول(٥)، رحمه الله . علي بن محمد(٦): أبو الفتح البُسْتي، الشّاعر المشهور، له ديوان شعر جيد [قوي ]٧)، وله في المطابقة والمجانسة يد طولى ، ومبتكرات أولى . وقد ذكر ابن الجوزي له في (( المنتظم)) من ذلك قطعة كبيرة مرتبة على حروف المعجم ، فمن ذلك قوله : بقيتُ فِي النَّاسِ حُرّاً غيرَ ممقوتٍ إذا رضيتُ(٨) بميسورٍ من القُوتِ فلستُ آسى على دُرِّ وياقوتٍ (١٠) ياقوتَ يومي إذا ما درَّ خِلْفُك(٩) لي وله : ليقتدي فيهِ بمنهاجي يا أيها السّائلُ عن مذهبي فهل لمنهاجيَ من هَاجي مِنْهاجي العَدْلُ وقمعُ الهوى (١) كذا في (ح) و(ب)، ومثله في المنتظم (٧/ ٧١) والذي في مصادر ترجمته : عبد العزيز بن جعفر بن أحمد ، وهو الصواب وترجمته في تاريخ بغداد (٤٥٩/١٠ - ٤٦٠) طبقات الفقهاء للشيرازي (١٧٢) طبقات الحنابلة (١١٩/٢ - ١٢٧) المنتظم (٧١/٧ - ٧٢) تاريخ الإسلام (٢١٤/٨) سير أعلام النبلاء (١٤٣/١٦ - ١٤٥) النجوم الزاهرة (١٠٥/٤ -١٠٦) طبقات المفسرين للداودي (٣٠٦/١ -٣٠٨) شذرات الذهب (٤٥/٣ - ٤٦). (٢) سلفت ترجمته في وفيات سنة (٣١١هـ) . توفي وله من العمر ثمان وسبعون سنة ، فقد ولد سنة (٢٨٥ هـ) كما في مصادر ترجمته . (٣) (٤) في (ح ) : ثمانية أجزاء، والمثبت من ( ب). (٥) المنتظم (٧٢/٧) . توفي البستي سنة (٤٠١ هـ) ، وسترد ترجمته في وفياتها ، ويتابع ابن كثير في ذكر ترجمته في وفيات هذه السنة ابن (٦) الجوزي في المنتظم . ما بين حاصرتين من ( ب ) . (٧) في (ط ) : قنعت . (٨) (٩) الخِلَف: بكسر الخاء : الضرع . اللسان ( خلف). (١٠) المنتظم (٧٢/٧) . ٢٧١ وفيات سنة ٣٦٣هـ وله : يجُّ وعلِّلْهُ بشيءٍ من المَزْحِ أفِذْ طبعكَ المكدودَ بالجدِّ راحةً بمقدارِ ما تعطي الطَّعامَ منَ المِلْحِ ولكن إذا أعطيتَ ذلكَ فليكنْ وله : إذا خدمتَ الملوكَ فالبسْ من التوقِّي أعزَّ ملبن واخرجْ إذا ما خرجت أخرسْ وادخُلْ عليهم وأنت أعمى وله : وتقتلَه هَمّاً وتحرِقَهُ غَمَّا إذا شئتَ أن تلقى عدوَك راغماً من ازداد فضلاً زاد حاسِدَه غما فسَامِ العُلا وازدَدْ من الفَضْلِ إنه وله : صِيَّرَتْ مُلْكنا طويل الدَّوام إن أسيافَنا القِصار الدَّوامي واصطلام الأعداء من وسْطِ لام لم نزل نحن في سدَاد ◌ُفُورٍ واقتسام الأموال من وقت سام واقتحام الأهوال(١) من وقت حامٍ وله : أتطلب الرِّبح مما فيه خُسرانٌ یا خادم الجسم كم٢) تشقی بخدمته فأنت بالنَّفْسِ لا بالجسم إنسانُ أقبل على النفس واستكمل فضائلها أبو فراس بن حمدان(٣) الشّاعر : له ديوان مشهور(٤) . استنابه أخوه(٥) سيف الدولة على حَرَّان ومنبج ، فقاتل مرة الرُّوم فأُسرَ ، ثم استنقذه سيفُ الدولة ، واتفق موته في هذه السَّنة عن ثمان وأربعين سنة ٦) ، وله شعر رائق ومعانٍ حسنة . (١) في (ب) الأعداء . (٢) في (ح) و(ب): كي، والمثبت من المنتظم (٧/ ٧٣) . (٣) هو الحارث بن أبي العلاء سعيد بن حمدان، انظر وفيات الأعيان (٥٨/٢) وترجمته في يتيمة الدهر (٣٥/١ -٨٨) المنتظم (٦٨/٧ - ٧١) زبدة الحلب (١٥٧/١) وفيات الأعيان (٥٨/٢ - ٦٤) سير أعلام النبلاء (١٦ / ١٩٦ - ١٩٧) الوافي بالوفيات (٢٦١/١١ -٢٦٥) النجوم الزاهرة (١٩/٤ -٢٠) شذرات الذهب (٢٤/٣ -٢٥). (٤) طبع غير مرة ، إحداها صدرت عن دار صادر ، وعليها أحلت في تخريج الأبيات . كذا في ( ح) و(ب) و(ط ) ، والصواب : ابن عمه ، ويتابع ابن كثير في ذلك ابن الساعي كما سيأتي. (٥) مرَّ في أحداث سنة (٣٥٧هـ) أنه قتل فيها ، وهو الصحيح ، وقد تابع ابنُ كثير هنا ابن الجوزي فيما ذهب إليه في (٦) المنتظم (٦٨/٧ - ٧١) ومن ثمَّ يكون عمره يوم قتل سبعاً وثلاثين سنة، انظر (( سير أعلام النبلاء)) (١٦ / ١٩٧). ٢٧٢ وفيات سنة ٣٦٣هـ وقد رثاه أخوه سيف الدولة (١) فقال : حتى يُوارى جِسْمُه في رَمْسِه المَرْءُ نَصْبُ(٢) مَصَائبٍ لا تنقضي ومُعَجَّلٌ يَلْقِى الرَّدى في نَّفْسِهِ فَمُؤْجَّلٌ يَلْقَى الرَّدى في غير(٣) واتفق أن كان عند سيف الدولة رجلٌ من العرب ، فقال له : قل في معناهما . فقال : من يتمنى العُمْرَ فَلْيَتَّخِذْ صَبْراً على فَقْدِ أحِبَّائِهِ ومن يُعَمَّرْ يَلْقَ في نَفْسِهِ ما يتمنَّاه لأعدائهِ كذا ذكر ابن السَّاعي(٤) هذين البيتين من شعر سيف الدولة في أخيه أبي فراس ، وإنما ذكرها ابن الجوزي في ((المنتظم )) من شعر أبي فراس نفسه ، وأن الأعرابي أجازهما بالبيتين المذكورين بعدهما٥ً) . وذكر من شعر أبي فراس أشياء حسنة ، فمن ذلك قوله في قصيدة : سيفقدني(٦) قومي إذا جَدَّ جدُّهم وفي اللَّيلةِ الظَّلْماءِ يُفْتقدُ البَدْرُ وما [ كان ] يغلو التِّبْرُ لو نَفَقَ الصُّفْ (٧) ولو سَدَّ غيري ما سَدَدْتُ اکتفوا به ومن ذلك قوله من قصيدةٍ : تحكّم في آسادهِنَّ كلابُ إلى الله أشكو أننا في منازلٍ وليتكَ ترضى والأنامُ غِضَابُ فليتكَ تحلو والحياةُ مَرِيرةٌ وبيني وبين العالمينَ خَرَابٌ(٨) وليتَ الذي بيني وبينكَ عامرٌ (١) هذه رواية ابن الساعي كما سيمر، وفي المنتظم (٦٨/٧) ورثه سيف الدولة. قلت: والمعروف أن سيف الدولة توفي قبله بعام ، يعني سنة (٣٥٦هـ) كما سلف في وفيات ذلك العام ، والعبارة على الصواب : ورثى ابنَ عمه سيف الدولة فقال ... والبيتان في ديوان أبي فراس (١٧٥). في ((الديوان)» : رهن . (٢) في ((الديوان)): في أهله . (٣) تاريخه (( الجامع المختصر في عنوان التاريخ وعيون السير))، كان يقع في خمسة وعشرين مجلداً ، لم يصل إلينا منه (٤) سوى المجلد التاسع الذي طبع في بغداد سنة ١٩٣٤ بتحقيق العلامة مصطفى جواد ، وتاريخه من موارد ابن كثير الرئيسة ، ووصفه بأنه لم يكن بالحافظ ولا الضابط المتقن ، انظر ترجمة ابن الساعي في هذا الكتاب في وفيات سنة (٦٧٤ هـ) . المنتظم (٦٨/٧ - ٦٩). (٥) في الديوان (١٦١) والمنتظم (٧/ ٧٠): سيذكرني . (٦) في (ط): وما فعل النسر الرفيق مع الصقر، وهو تحريف، وما بين حاصرتين من ((الديوان)) و((المنتظم)). (٧) المنتظم (٧١/٧) وديوان (٢٥) . (٨) ٠ ٢٧٣ أحداث سنة ٣٦٤ هـ ثم دخلت سنة أربع وستين وثلاثمئة فيها جاء عضد الدولة بن ركن الدولة بن بُوَيه إلى واسط ، ومعه وزير أبيه أبو الفتح بن العميد ، فهرب منه أفتكين في جماعة الأتراك إلى بغداد ، فسار وراءه إليها ، فنزل في الجانب الشَّرْقي [ منها (١)، وأمر بَخْتيار أن ينزل على الجانب الغربي ، وحصر الترك حصراً شديداً ، وأمر أمراء الأعراب أن يغيروا على الأطراف ، ويقطعوا الميرة الواصلة إلى بغداد ، فَغَلَتِ الأسعار ، وامتنع الناس من المعاش من كثرة العَيَّارين والنهب ، وكبس أفتكين البيوت لطلب الطعام ، واشتدَّ الحال جداً، ثم التقت الأتراك وعضد الدولة فكسرهم وهربوا إلى تكريت ، واستحوذ عضد الدولة على بغداد وما والاها من البلاد . وكانت الترك قد أخرجوا معهم الخليفة ، فردّه عضد الدولة وأعاده إلى دار الخلافة مكرماً ، ونزل هو بدار الملك ، وضَعُفَ أمر بختيار عز الدولة جداً ، ولم يبق معه شيء بالكلية ، فأغلق بابه ، وطرد الحَجَبة والكتبة عن بابه، واستعفى من الإمارة، [ وكان (٢) ذلك بمشورة عضد الدولة ، فاستعطفه عضد الدولة في الظّاهر ، وقد أشار عليه في الباطن أن لا يقبل ، فلم يقبل . وتردّدت الرسائل(٣) بينهما ، فصمَّم بختيار على الامتناع ظاهراً، فألزمه عضد الدولة بذلك ، وأظهر للنَّاس أنه إنما يفعل هذا عجزاً منه(٤) عن القيام بأعباء الملك ، فأمر بالقبض على بَخْتيار وعلى أهله وإخوته ، ففرح بذلك الخليفة الطائع الله وسرَّ به ، وأظهر عضد الدولة من تعظيم الخلافة ما كان دارساً ، وجدَّد دار الخلافة حتى صار كل محل منها آنساً ، وأرسل إلى الخليفة بالأموال الكثيرة والأمتعة الحسنة [ العزيزة (٥) ، وقتل جماعةً من المفسدين من مردة الترك وشُطَّار العَيَّارين . قال ابن الجوزي : وفي هذه السنة عَظُمَ البلاء بالعَيارين ببغداد ، وأحرقوا سوق باب الشعير ، وأخذوا أموالاً كثيرة، وركبوا الخيول وتلقبوا بالقواد، وأخذوا الخُفَر(٦) من الأسواق والدُّروب، وعظمت المحنة بهم جداً، واستفحل أمرهم كثيراً، حتى إن رجلاً منهم أسود كان مستضعفاً [ نَجَمَ فيهم (٧) فكثر ماله (١) ما بين حاصرتين من ( ط). (٢) ما بين حاصرتين من (ب ). (٣) في ( ط ) : الرسل . في (ح ) : فصمم بختيار على هذا عجزاً منه، والمثبت من ( ب) و( ط ). (٤) (٥) ما بين حاصرتين من ( ب ) و( ط ). (٦) مفردها: الخفرة، وهي الذمة والأمانة. معجم متن اللغة (٣٠٥/٢). (٧) ما بين حاصرتين من ( ط). ٢٧٤ أحداث سنة ٣٦٤هـ حتى اشترى جاريةً بألف دينار ، فلما حصلت عنده حاولها عن نفسها ، فأبت عليه فقال [ لها ]١): ماذا تكرهين [ مني؟]٢) قالت: [ أكرهك ]٣) كلك . فقال : فما تحبين ؟ قالت : تبيعني ، فقال : أو خير من ذلك ؟ فحملها إلى القاضي ، فأعتقها ، وأعطاها ألف دينار ، وأطلقها ، فتعجَّب الناس من حلمه و کرمه مع فسقه وتمر د،(٤) قال : وورد الخبر في المحرّم بأنه خطب للمعز الفاطمي بمكة والمدينة في الموسم ، ولم يخطب للطائع(٥) . قال : وفي رجب منها غلت الأسعار ببغداد جداً حتى أبيع [ الكر ]٦) الدقيق الحواري بمئة ونيف وسبعين دينار(٧) . قال : وفيها اضمحلّ أمرُ عضد الدولة بن رکن الدولة بن بُوَيه ، وتفرّق جُنْدُه عنه ، ولم يبق معه سوى بغداد وحدها ، فبعث إلى أبيه يشكو [ له ]٨) ذلك ، فأرسل يلومه على الغدر بابن عمه عز الدولة ، فلما بلغه ذلك خرج من بغداد إلى فارس بعدما أخرج ابن عمه بختيار من السجن ، وخلع عليه ، وأعاده إلى ما كان عليه ، وشرط عليه أن يكون نائباً له بالعراق يخطب له بها ، وجعل معه أخاه أبا إسحاق أمير الجيوش لاستضعافه عز الدولة عن تدبير الأمور ، واستمرَّ ذاهباً إلى بلاد فارس ، وذلك كله عن أمر أبيه له بذلك ، وغضبه عليه بسبب غدره بابن عمه ، وتكرار مكاتباته له في ذلك(٩) . ولما سار عضد الدولة ترك بعده وزير أبيه أبا الفتح بن العميد ليلحقه بعد ثلاث ، فتشاغل بالقصف مع عز الدولة واللعب واللهو ، فأوجب ذلك وحشة بين عضد الدولة وبين ابن العميد ، فكان ذلك سبب هلاك ابن العميد . ولما استقرّ أمر عز الدولة ببغداد ، ومَلَكَ العراق لم يف لابن عمه عضد الدولة بشيء مما كان عاهده عليه ولا ما كان التزم له به بين يديه ، بل تمادى على ضلاله القديم، واستمر على سَننه ١٠) (١) ما بين حاصرتين من ( ط ). (٢) ما بين حاصرتين من (ب) و(ط ). ما بين حاصرتين من ( ب ) و( ط ) . (٣) في ( ب) و( ط ) : قوته ، وانظر المنتظم (٧٤/٧ - ٧٥). (٤) (٥) المنتظم (٧٥/٧) . ما بين حاصرتين من ( ب )، وفي ( ط ) السكر ، وهو تحريف . (٦) المنتظم (٧/ ٧٥) . (٧) ما بين حاصرتين من ( ط ) . (٨) (٩) المنتظم (٧٥/٧ - ٧٦). (١٠) في (ب و( ط ) : مشيه، وهو تحريف. ٢٧٥ ذكر أخذ دمشق من أيدي الفاطميين الذي هو غير مستقيم [ من الرفض وغيره }(١). قال : وفي يوم الخميس لعشر خلون من ذي القعدة تزوَّج الخليفة الطائع لله شاه ناز بنت عز الدولة على صَدَاق مئة ألف دينار(٢) . وفي سَلْخ ذي القعدة عُزل القاضي أبو الحسن محمد بن صالح بن أم شيبان ، وقلده أبا محمد بن معروف (٣ وأقام(٤) الحج في هذه السنة أصحاب المعز الفاطمي ، وخُطب له بالحرمين الشريفين دون الخليفة الطائعُ(٥) . [ والله سبحانه أعلم ]٦) . ذكر أَخْذِ دمشق من أيدي الفاطميين ذكر ابنُ الأثير في (( كامله)) أن أفتِكين غلام معز الدولة الذي كان قد خرج عن طاعته كما تقدَّم(٧) ، والتفَّ عليه عساكر وجيوش من الدَّيْلم والتُّرْك والأعراب ، نزل في هذه السنة على دمشق ليأخذها من أيدي الفاطميين ، وكان عليها ريان الخادم من جهة المعز الفاطمي ، فلما نزل بظاهرها خرج إليه كبراؤها وشيوخها وذكروا [ له (٨) ما هم فيه من الظُّلم والغَشْم، ومخالفة الاعتقاد بسبب ملك الفاطميين عليهم ، وسألوه أن يصمِّم على أخذها ليستنقذها منهم ، فعند ذلك صمّم على البلد ، ولم يزل حتى أخذها وأخرج ريان الخادم منها ، واستقلَّ بأمرها ، وكسر أهل الشر [ بها }٩) ورفع أهل الخير ، ووضع العدل فيهم ، وقمع أهل اللعب واللهو ، وكفَّ أيدي الأعراب الذين قد عاثوا في الأرض فساداً ، وأخذوا عامة المرج والغوطة ، ونهبوا أهلها . ولما استقامت الأمور على يديه، وصَلُحَ أمر أهل الشَّام عليه ، كتب إليه المعز الفاطمي من مصر يشكر سعيه ، ويطلبه إليه ليخلع عليه ، ويجعله نائباً من جهته . فلم يجبه إلى ذلك ، وخاف غائلته ، وقطع خطبته من الشَّام ، وخطب للطائع العباسي ، وقصد صيدا وبها خَلْقٌ من المغاربة عليهم ابن الشيخ ، وفيهم ظالم بن مرهوب العُقَيلي - الذي كان نائباً على دمشق للمعز الفاطمي كما (١) ما بين حاصرتين من ( ط). (٢) المنتظم (٧٦/٧) . (٣) المنتظم (٧٦/٧). في ( ط ) : وأمام ، وهو تصحيف . (٤) (٥) المنتظم (٧٦/٧) . ما بين حاصرتين من ( ط ) . (٦) انظر حوادث سنة (٣٦٣هـ) . (٧) (٨) ما بين حاصرتين من ( ط) . (٩) ما بين حاصرتين من ( ط) . ٢٧٦ ذكر أخذ دمشق من أيدي الفاطميين تقدَّمُ(١) ، فأساء بها السيرة - فحاصرهم، ولم يزل حتى أخذ البلد منهم، وقتل منهم نحواً من أربعة آلاف [ من سراتهم ]٢)، ثم قصد طبرية، ففعل كذلك ، فعند ذلك عَزَمَ المعز الفاطمي على المسير إليه ، فبينما هو يجمع له ويرتب الجيوش إذ توفي المعز بمصر في سنة خمسٍ وستين كما سيأتي(٣) ، وقام بعده ولده العزيز ، فاطمأن عند ذلك أفتكين بالشام ، واستفحل أمره ، وقويت شوكته ، فتشاور المصريون في أمره ، فاتفق رأيهم على أن يبعثوا القائد جوهراً إليه ، وذلك عن رأي الوزير يعقوب بن كِلِّس(٤)، فلما تجهّز جوهر القائد لقصد الشام ، حلَّف أفتكين أهل دمشق على مناصرته ومناصحته ، فحلفوا له بذلك(٥). وجاء جوهر فحصر دمشق سبعة أشهر حصراً شديداً ، ورأى من شجاعة أفتكين أمراً هائلاً ، وحين طال الحال أشار من أشار من الدماشقة على أفتكين بأن يكتب إلى الحسن (٦) بن أحمد القِرْمِطِي وهو بالأحساء ليجيء إليه ، فلما كتب إليه أقبل لنصره ، فحین سمع جوهر بقدومه لم يمكنه أن یبقی بین عدوین من داخل البلد ومن خارجها ، فانقشع عن دمشق وقصد الرملة ، فتبعه أفتكين والقِرْمطي في نحوٍ من خمسين ألفاً ، فتواقعو(٧) عند نهر الطواحين على ثلاثة فراسخ من الرَّمْلة ، وحصروا جوهراً بالرملة ، فضاق حاله جداً من [ قلة (٨) الطعام والشراب ، حتى أشرف هو ومن معه على الهلاك [ سريعاً }٩)، فسأل أن يجتمع هو وأفتكين على ظهور الخيل، [ فأجابه إلى ذلك }١٠) ، فلم يزل يترقق (١١) له أن يطلقه ليرجع بمن معه من أصحابه إلى أستاذه شاكراً له ، مثنياً عليه الخير ، ولا يسمع من القِرْمطِي رأيه فيه - وكان جوهر داهية - فأجابه إلى ذلك، فندَّمه القِرْمطي وقال : الرأي أنا كنا نحصرهم حتى يموتوا عن آخرهم ، فإنه الآن يذهب إلى سيده ، فيخبره ، ثم يخرجه إلينا ، ولا طاقة لنا به . فكان الأمر كما قال لما أطلقه ، لم يكن له دأبٌ إلا أنه حثَّ العزيز على الخروج بنفسه وجيوشه ، فأقبل في جحافل أمثال الجبال ، وكثرة من الرِّجال والعُدَد والأثقال والأموال، وعلى مقدِّمته جوهر القائد . وجمع أفتكين والقِرْمطي (١) انظر حوادث سنة (٣٦٣ هـ). ما بين حاصرتين من ( ب ) و( ط ). (٢) (٣) انظر وفيات سنة (٣٦٥هـ) . سترد ترجمته في وفيات سنة (٣٨١هـ) . (٤) في ( ط ) : ثم اتفق أمر المصريين على أن يبعثوا جوهراً القائد لقتاله، وأخذ الشام من يده ، فعند ذلك حلف أهل (٥) الشام لأفتكين أنهم معه على الفاطميين ، وأنهم ناصحون له غير تاركيه . (٦) انظر حوادث سنة (٣٦٠هـ) . في (ح ) : فتواقفوا، والمثبت من ( ب) و( ط ). (٧) (٨) ما بين حاصرتين من ( ط). (٩) ما بين حاصرتين من ( ب). (١٠) ما بين حاصرتين من ( ط). (١١) في ( ط ) : يترفق. ٢٧٧ ذكر أخذ دمشق من أيدي الفاطميين الجيوش والأعراب وسارا إلى الرَّمْلة ، فالتقوا١) في محرَّم سنة سبع وستين ، ولما تواجهوا رأى العزيز من شجاعة أفتكِين أمراً عظيما٢ً) ، فأرسل إليه يعرض عليه إن أطاعه ورجع إليه أن يجعله مقدَّم عساكره ، وأن يحسن إليه غاية الإحسان . فترجَّل أفتكين عن فرسه بين الصفين ، وقبَل الأرض نحو العزيز ، وأرسل [ إليه ]٣) يقول: لو كان هذا [القول سبق]٤) قبل هذا [ الحال ]°) لأمكنني(٦) [ وسارعت وأطعت (٧)، وأما الآن فلا. ثم ركب فرسه، وحمل على الميسرة ، ففرَّق شَمْلَها وبذَّد خيلها ورَجْلها ، فبرز عند ذلك [ العزيز ]٨) من القلب ، وأمر الميمنة فحملت حملة صادقة ، فانهزم القِرْمطي ، وتبعه بقية الشَّاميين ، وركبت المغاربة أقفاءهم يقتلون ويأسرون من شاؤوا ، وتحوَّل العزيز ، فنزل خيام الشاميين بمن معه من الجيوش ، وأرسل السرايا وراءهم ، وجعل العزيز لا يؤتى بأسيرٍ إلا خَلَعَ على من جاءه به ، وجعل لمن جاءه بأفتكين مئة ألف دينار ، فاتفق أن أفتكين عَطِش وهو منهزم عطشاً شديداً ، فاجتاز بمفرج بن دغفل - وكان صاحبه - فاستسقاه ، فسقاه ماء ، وأنزله عنده في بيوته ، وأرسل إلى العزيز يخبره بأن الذي يطلب عنده ، فليحمل إليه الذهب . فأرسل إليه بمئة ألف دينار ، وجاء من يسلمه إليه ، فلما أحيط بأفتكين لم يشك أنه مقتول ، فما هو إلا أن حضر عبد العزيز [ حتى (٩) أكرمه غاية الإكرام واحترمه غاية الاحترام ، وَرَدَّ إليه حواصله وأمواله فلم يفقد [ منها }١٠) شيئاً ، وجعله من أخَصِّ أصحابه وأمرائه ، وأنزله إلى جانب منزله ، ورجع به إلى الديار المصرية مكرماً معظماً ، وأقطعه هنالك إقطاعات جزيلة . وأرسل إلى القِرْمطي يعرض عليه أن يقدم عليه ، ويكرمه كما أكرم أفتكين . فامتنع ، وخاف على نفسه ، فأرسل إليه بعشرين ألف دينار ، وجعلها له في كلِّ سنة ، يكف بها شَرَّه بذلك . ولم يزل أفتكين مكرّماً [عند العزيز (١١) حتى وقع بينه وبين الوزير يعقوب بن كِلِّس، فعمل عليه حتى سقاه سُماً فمات ، وحين علم الخليفة بذلك غضب على الوزير وحبسه بضعاً وأربعين ليلة ، وأخذمنه خمسمئة ألف دينار ، ثم (١) في ( ط ) : فاقتتلوا . (٢) في ( ط ) : مابهره . (٣) ما بين حاصرتين من (ب) و( ط ). (٤) ما بين حاصرتين من ( ط ). (٥) ما بين حاصرتين من ( ط ). في (ح) و(ب ) : أمكنني والمثبت من ( ط). (٦) (٧) ما بين حاصرتين من ( ط ) . (٨) ما بين حاصرتين من (ب) و( ط ) . (٩) ما بين حاصرتين زيادة من عندنا يقتضيها السياق. (١٠) ما بين حاصرتين من ( ط ). (١١) ما بين حاصرتين من (ط). ٢٧٨ وفيات سنة ٣٦٤ هـ ـ أحداث سنة ٣٦٥هـ إنه رأى أنه لا غنى به عن الوزير ، فأخرجه من السجن ، وأعاده إلى الوزارة ، وذهب أفتكين في حال سبيله . وهذا ملخص ما ذكره ابن الأثير(١) . وممن توفي في هذه السنة من الأعيان : سُبُكْتِكِين الحاجب التُّركي : مولى المعز الدَّيْلمي وحاجبه ، وقد ترقّى في المراتب حتى آل به الحال أن قلَّده الطَّائع الإمارة، وخلع عليه وأعطاه اللِّواء، ولقّبه بنور الدولة (٢) ، فكانت مدة دولته في هذا المقام شهرين وثلاثة عشر يوماً ، ودفن ببغداد ، وداره هي دار الملك ببغداد ، وهي دارٌ عظيمة جداً . وقد اتفق له أنه سقط يوماً عن فرسه ، فانكسر ضلعه (٣) ، فداواه الطبيب حتى استقام ظهره ، وقدر على الصَّلاة إلا أنه لم يستطع الركوع ، فأعطاه شيئاً كثيراً من الأموال ، وكان يقول له : إذا ذكرتُ مرضي ومداواتك لي لا أقدر على مجازاتك ، ولكن إذا تذكرتُ وَضْعَ قدميك على ظهري اشتد(٤) غيظي منك . وكانت وفاته ليلة الثلاثاء لسبع بقين من المحرَّم [ منها ]°) ، وقد ترك من الأموال شيئاً كثيراً [ جداً (٦)؛ من ذلك ألف ألف دينار وعشرة آلاف ألف دِرْهم، وصندوقان من جوهر ، وخمسة عشر صندوقاً من البلور ، وخمسة وأربعون صندوقاً من آنية الذهب ، ومئة وثلاثون مركباً من ذهب ، فيها خمسون درجاً في كل واحدٍ ألف دينار ، وستمئة مركب فِضَّة، وأربعة آلاف ثوب دِيباج ، وعشرة آلاف دبيقي(٧) وَعتَّابي(٨)، وثلاثمئة ◌ِدْل معكومة من الفُرُش، وثلاثة آلاف فرس ويغل وألف جمل وثلاثمئة غلام ، وأربعون خادماً ، وذلك غير ما أودع عند أبي بكر البزاز صاحبه . والله تعالى أعلم . ثم دخلت سنة خمس وستين وثلاثمئة فيها قسم ركن الدولة بن بُوَيه ممالكه بين أولاده عندما كَبِرَتْ ستُّه ، فجعل لولده عضد الدولة بلاد فارس وكرمان وأرجان ، ولولده مُؤَيَّد الدولة الري وأصبهان ، ولفخر الدولة همذان ودِینَور ، وجعل ولده أبا العبّاس في كنف عضد الدولة وأوصاه به . انظر الكامل (٦٥٦/٨ - ٦٦١). (١) في المنتظم (٧٦/٧) : نصر الدولة . (٢) (٣) في ( ط ) : صلبه . في (ح ) : يشتد ، والمثبت من ( ب) و( ط ). (٤) ما بين حاصرتين من ( ب ) و( ط ) . (٥) ما بين حاصرتين من ( ب ) و( ط ) . (٦) نسبة إلى دبيق، بليدة كانت بين الفرما وتنيس من أعمال مصر، وتنسب إليها الثياب الدبيقية. معجم البلدان (٤٧٨/٢). (٧) (٨) العتابي: نسيج مخطط اشتهر في بغداد. انظر وفيات الأعيان (٣٨٩/٤). ٢٧٩ وفيات سنة ٣٦٥هـ وفيها جلس قاضي قضاة بغداد أبو محمد بن معروف في دار عز الدولة عن أمره له بذلك ، لفصل الحكومات ، وحكم بين الناس بين يديه . وفيها حجَّ بالناس أمير المصريين من جهة العزيز بن المعز الفاطمي بعدما حُوْصر أهل مكة ، ولقوا شِدَّة عظيمة ، وغَلَت الأسعار عندهم جداً . وذكر ابن الأثير أن في هذه السنة ذهب يوسف بلِّكين نائب المعز الفاطمي على [ بلاد }(١) إفريقية إلى سَبْتة ، فأشرف عليها من جبل مطل عليها ، فجعل يتأمل من أين يحاصرها نصف يوم ، فخافه أهلها خوفاً شديداً ، ثم انصرف عنها إلى مدينة هنالك يقال لها بصرة المغرب ، فأمر بهدمها ونهبها ، ثم سار إلى مدينة برغواطة ، وبها رجل يقال له عيسى بن أم الأنصار ، هو ملكها ، وقد اشتدَّت المحنة به لسحره وشعبذته وادَّعى أنه نبيٌّ ، فأطاعوه ، ووضع لهم شريعةً يقتدون به فيها ، فقاتلهم بلِّكين ، فهزمهم وقتل هذا الفاجر ، ونهب أموالهم ، وسبى ذراريهم ، فلم يُرَ سبيٌّ أحسن أشكالاً منهم فيما ذكره أهل تلك البلاد في ذلك الزمان(٢). وممن توفي فيها من الأعيان : أحمد بن جعفر بن [ محمد بن ]٣) سَلْم : أبو بكر الخُتُّلي . [ له ]٤) مسند كبير، روى عن عبد الله بن أحمد [ بن حنبل ]°) وأبي مسلمُ(٦) الكجِّي وخَلْق . [ وروى ٧٣) عنه الدَّارَ قُطْني وغيره، وكان ثِقَةً [ وقد ]٨) قارب التسعين. وثابت بن سنان بن ثابت بن قُرَّة الصَّابىء المؤرِّخ، فيما ذكره ابن الأثير في (( الكامل ) (٩) . الحسين بن محمد بن أحمد١٠) : أبو علي ، الماسَرْجسي ، الحافظ . (١) ما بين حاصرتين من (ب) و( ط ). (٢) انظر الكامل (٦٦٥/٨ - ٦٦٦). (٣) ما بين حاصرتين من (ب) و(ط). وترجمة الخُتُّلي في تاريخ بغداد (٤/ ٧١ - ٧٢) المنتظم (٨١/٧) سير أعلام النبلاء (٨٢/١٦ - ٨٣) العبر (٣٣٥/٢) غاية النهاية (٤٤/١) شذرات الذهب (٥٠/٣). (٤) ما بين حاصرتين من ( ب) و( ط ). ما بين حاصرتين من ( ط ). (٥) في ( ط ) : أبي محمد ، وهو تحريف. (٦) (٧) ما بين حاصرتين من ( ب). (٨) ما بين حاصرتين من ( ط ). (٩) الكامل (٦٦٨/٨). (١٠) المنتظم (٨١/٧) سير أعلام النبلاء (٢٨٧/١٦ - ٢٨٩) العبر (٣٣٦/٢ - ٣٣٧) تذكرة الحفاظ (٩٥٥/٣ - ٩٥٦) النجوم الزاهرة (١١١/٤) طبقات الحفاظ (٣٨٣) شذرات الذهب (٥٠/٣) الرسالة المستطرفة (٢٩). ٢٨٠ وفيات سنة ٣٦٥هـ رحل وسمع الكثير، وصنَّف مسنداً في ألف وثلاثمئة جزء(١)، بعِلَلِهِ وطُرُقه، وله ((المغازي والقبائل))، وخَرَّج على (( الصحيحين)) وغيرهما . قال ابن الجَوْزي : وفي بيته وسَلَفه تسعة عشر(٢) محدِّثاً، توفي في رجب من هذه السنة ، رحمه الله(٣). الحافظ أبو أحمد عبد الله بن عدي(٤) بن عبد الله بن محمد بن أبي أحمد ، الجُزْجاني [ الحافظ ]°) الكبير ، المفيد الإمام، العَلَم، الجَوَّال، النَّقَّال، الرَّحَال، وله كتاب ((الكامل)) في الجرح والتعديل ، لم يسبق إلى مثله ، ولا يلحق في شكله . قال حمزة عن الدَّارَ قُطْني: فيه كفاية ، لا يزاد عليه(٦) . ولد ابنُ عَدِيّ هذا في سنة سبعٍ وسبعين ومئتين ، وهي السنة التي توفي فيها أبو حاتم الرَّازي ، وتوفي [ ابن عَدِي (٧) في جمادى الآخرة من هذه السنة . المُعِزُّ الفاطمي(٨): باني القاهرة المعزية مَعَدُّ بن إسماعيل بن سعيد بن عبد(٩) الله، أبو تميم المدَّعي أنه فاطمي ، صاحب الدِّيار المصرية ، وهو أول من ملكها منهم يعني من الفاطميين ، كان ملكه ببلاد الذي بخط الذهبي: (( أكثر من ثلاثة آلاف جزء)) تاريخ الإسلام (٢٤٠/٨). (١) في المنتظم : بضع عشر محدثاً . (٢) (٣) المنتظم (٧/ ٨١). تاريخ جرجان (٢٢٥ - ٢٢٧) الأنساب (٢٢١/٣ - ٢٢٢) اللباب (٢٧٠/١) تذكرة الحفاظ (٩٤٠/٣ - ٩٤٢) سير (٤) أعلام النبلاء (١٥٤/١٦ - ١٥٦) العبر (٣٣٧/٢ -٣٣٨) مرآة الجنان (٢/ ٣٨١) طبقات الشافعية للسبكي (٣١٥/٣ - ٣١٦) النجوم الزاهرة (١١١/٤) طبقات الحفاظ (٣٨٠) شذرات الذهب (٥١/٣). (٥) ما بين حاصرتين من ( ب) و( ط ) . (٦) تاریخ جرجان (٢٢٦) .. (٧) (٨) ما بين حاصرتين من ( ب ) و( ط ) . المنتظم (٨٢/٧ - ٨٣) الكامل (٤٩٨/٨) وما بعدها، البيان المغرب (٢٢١/١) وما بعدها، وفيات الأعيان (٢٢٤/٥ - ٢٢٨) سير أعلام النبلاء (١٥٩/١٥ - ١٦٧) العبر (٣٣٩/٢) تاريخ ابن خلدون (٤٥/٤ - ٥١) اتعاظ الحنفا (١٣٤/١ - ٢٦٥) النجوم الزاهرة (٦٩/٤ - ١٠٤) شذرات الذهب (٥٢/٣ - ٥٤). (٩) كذا في الأصل و(ب) و(ط)، والصحيح: معد بن إسماعيل بن محمد القائم بن عبيد الله المهدي ، وقد ورد عند من لا يقر بصحة نسبهم أن اسم المهدي هو سعيد بن أحمد ، وقيل سعيد بن الحسين ، وأن اسم القائم نزار ، وقيل عبد الرحمن ، وقيل حسن . فكأن المصنف سمى القائم سعيداً ، وسمى أباه عبيد الله المهدي بعبد الله ، ولعله تصحيف له وفي هذا دليل على أن المصنف لا يذهب إلى صحة نسبه كذلك . انظر سير أعلام النبلاء (١٥/ ١٤١، ١٥٤) .