النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
أحداث سنة ٣٢٩هـ
قَطَن بن دِعَامة، أبو بكر الأنْباري، صاحب ((كتاب الوَقْف والابتداء )(١) وغير ذلك من المُصنَّفَات.
وكان من بحور العِلْم في اللغة والعربية ، [ والتفسير والحديث (٢) وغير ذلك.
سمع الكُدَيْميَّ ، وإسماعيل القاضي ، وثَعْلباً وغيرهم ، وكان ثِقَةً صدوقاً أديباً ، دَيِّناً فاضلاً من أهل
السُّنَّة، من أعلم النَّاس بالنَّحْو والأدب ، وأكثرهم حِفْظاً له ، كانت له من المحافظ مجلدات عظيمة
كثيرة ؛ أحمال جمال ، وكان لا يأكل إلا النقالى ، ولا يشربُ ماءً إلى قريب العصر ، مراعاةً لحفظه .
ويقال: إنه كان يحفظ مئة وعشرين تفسيراً، وحفظَ ((تعبير الرؤيا)) في ليلةٍ، وكان يحفظ في كلِّ
جمعة عشرة آلاف ورقة ، وكانت وفاته ليلة عيد النَّحْر من هذه السنة .
أم عيسى بنت إبراهيم الحَرْبي(٣) .
كانت عالمةً فاضلة ، تفتي في الفِقْه ، توفيت في رجب منها ، ودُفِنَتْ إلى جانب أبيها ، رحمهما
الله تعالى .
ثم دخلت سنة تسع وعشرين وثلاثمئة
في المنتصف من ربيع الأول منها كانت وفاة الخليفة الرَّاضي بالله(٤) أمير المؤمنين أبي العَبَّاس
أحمد(٥) بن المقتدر بالله جعفر بن المعتضد بالله أحمد بن الموفق أبي أحمد بن جعفر المتوكل بن محمد
المعتصم بن هارون الرّشيد بن المهدي بن المنصور ، العَبَّاسي .
استُخْلِفَ بعد عَمِّه القاهر لستِّ خَلَوْنَ من جمادى الأولى سنة ثنتين وعشرين وثلاثمئة ، وأمه أم ولد
روميَّة تسمى ظَلُوم .
كان مولده في رجب سنة سبع وتسعين ومئتين ، فكانت خلافته ست سنين وعشرة أشهر وعشرة أيام ،
(١) هو كتاب ((إيضاح الوقف والابتداء في كتاب الله عز وجل)) طبع في دمشق سنة (١٩٧١ م) في جزأين بتحقق محيي
الدين رمضان ، وقد صدر ضمن مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق .
(٢) ما بين حاصرتين من (ط ).
تاريخ بغداد (١٤/ ٤٤٣) المنتظم (٣١٥/٦) .
(٣)
(٤) أخبار الراضي والمتقي للصولي (١٨٥/١) مروج الذهب (٥١٩/٢) وما بعدها، معجم الشعراء للمرزباني (٤٣٠)
تاريخ بغداد (١٤٢/٢ - ١٤٥) المنتظم (٢٦٥/٦ - ٢٧١، ٣٢٤ -٣٢٥) الكامل لابن الأثير (٢٨٢/٨) وما بعدها،
النبراس (١١٤ - ١١٩) سير أعلام النبلاء (١٠٣/١٥ - ١٠٤) العبر (٢١٨/٢ -٢١٩) الوافي بالوفيات (٣٧٥/٢ -
٣٧٧) مرآة الجنان (٢٩٦/٢) النجوم الزاهرة (٢٧١/٣) تاريخ الخلفاء (٣٩٠ -٣٩٣) شذرات الذهب (٣٢٤/٢).
(٥) في تاريخ بغداد (٢/ ١٤٢) محمد، وفي سير أعلام النبلاء (١٠٣/١٥) محمد ، وقيل: أحمد .

١٤٢
أحداث سنة ٣٢٩ هـ
وعمره يوم مات إحدى وثلاثون سنة وعشرة أشهر . وكان أسْمَرَ رقيقَ السُّمْرة، دُرِّيَّ اللَّوْن، أسودَ الشعر
سَبْطَه ، قصيرَ القامة ، نحيفَ الجسم ، في وجهه طُول، وفي مقدَّم لحيته تمام ، وفي شَعْرِها رِقَّة . هكذا
وصفه من شاهده .
قال الخطيب البغدادي : كان للرّاضي فضائل كثيرة ، وختم الخلفاء في أمور عِدَّة ، منها : أنه آخر
خليفة له شِعْر، وآخر خليفة انفرد بتدبير الجيوش والأموال ، وآخر خليفة خَطَبَ على منبرٍ يومَ الجمعة ،
وآخر خليفة جالس الجلساء ووصل إليه الندماء ، وآخر خليفة كانت نفقته وجوائزه وعطاياه وجراياته
وخزائنه ومطابخه ومجالسه وخدمه وحجَّابه وأموره ، كل ذلك يجري على ترتيب المتقدِّمين من
الخلفاء(١).
وقال غيره : كان فصيحاً بليغاً كريماً جَوَاداً ممدَّحاً ، ومن جيد كلامه الذي سمعه منه محمدُ بنُ يحيى
الصُّولي : لله أقوامٌ هم مفاتيح الخير ، وأقوام هم مفاتيح الشر ، فمن أراد الله به خيراً قصد به أهل الخير ،
وجعله الوسيلة إلينا فنقضي حاجته ، فهو الشَّريك في الثَّواب والشكر . ومن أرادَ الله به شَرَّاً عَدَلَ به إلى
غيرنا ، فهو الشَّريك في الوِزْر والإثم ، والله المستعانُ على كلِّ حال(٢).
ومن ألطف الاعتذارات ما كتب به الرَّاضي إلى أخيه المتقي وهما في المكتب - وكان المتقي قد اعتدى
على الرَّاضي والراضي هو الكبير منهما - فكتب إليه الراضي : بسم الله الرحمن الرحيم ، أنا معترف لك
بالعبودية فرضاً ، وأنت معترفٌ لي بالأخوة فَضْلاً ، والعَبْدُ يذنب والمَوْلى يعفو ، وقد قال الشَّاعر:
يا ذا الذي يغضبُ من غير شيّ اعتبْ فَعَتْبَاك حبيبٌ إليّ
أعزّ خَلْقِ الله طُرَّاً عليّ
أنتَ - على أنَّكَ لي ظَالمٌ -
قال : فجاء إليه أخوه المتقي ، فأكبَّ عليه يقبّل يديه، وتعانقا واصطلحا(٣).
ومن لطيف شعره قوله فيما ذكره ابنُ الأثير في (( الكامل)):
يَصْفِرُ وَجْهي إذا تأمَّلَهُ طَرْفي ويحمَرُ وجهُهُ خَجَلا
منْ دَمِ جِسْمي إليه قد نُقِل(٤)
حتى كأنَّ الذي بِوَجْنتهِ
قال : ومما رثی به أباه المقتدرَ قوله :
ولو أنَّ حَيّاً كان قَبْراً لميِّتِ لَصَيَّرتُ أحشائي لأَعْظُمِهِ قِبْرا
تاريخ بغداد (٢/ ١٤٣) .
(١)
المصدر السالف ، والمصباح المضيء لابن الجوزي ١/ ٥٧٨ - ٥٧٩.
(٢)
(٣) انظر تاريخ بغداد (١٤٤/٢).
(٤) الكامل (٣٦٦/٨).

١٤٣
أحداث سنة ٣٢٩هـ
وساعَدَني المِقْدارُ قاسَمْتُهُ العُمْرا
ولو أنَّ عُمْري كان طَوْعَ مشيئتي
لقد ضمَّ منكَ الغَيْثَ واللَّيْثَ والبَدْرِ(١)
بنفسي ثرئٌ ضَاجَعْتَ في تُرِهِ البلی
ومن شعره الذي رواه الخطيب من طريق أبي بكر محمدٍ بنٍ يحيى الصُّولي النَّديم عنه قوله :
كل أمْنٍ إلى حَذَرْ
كلُّ صفْوٍ إلى كَدَزْ
ـمَوْتٍ فيه أو الكِبَرْ
ومصيرُ الشَّبابِ لِذْ
واعِظٍ يُنْذرُ البَشَرْ
دَرَّ دَرُّ المشيبِ منْ
تاهَ في لُجَّةِ الغَرَزْ
أيُّها الآمِلُ الذي
أينَ منْ كانَ قَبْلَنَا ؟
سَيَرُدُّ المُعارَ منْ
رَبِّ إني ذَخَرْتُ عِنْ
إنني مُؤْمنٌ بما٢)
واعترافي بتَرْكِ نَفْـ
ربِّ فَاغْفِرْ ليَ الخَطِيْـ
دَرَسَ العَيْنُ والأثَرْ
عُمْرُهُ كلُّهُ خَطَرْ
ـدَكَ أرجوكَ مُدَّخَرْ
بَيَّنَ الوَحْيُ في السُّوَزْ
ـعي وإيثاريَ الضَّرزْ
ـئَةَ يا خَيْرَ مِنْ غَفَ(٣)
ومما أنشده له ابنُ الجوزي في (( منتظمه)):
ربحُ المحامدِ متجرُّ الأشْرَافِ
لا تعذلي كرمي (٤) على الإسرافِ
وأشيدُ ما قد أسَّسَتْ أَسْلافي
أجري كآبائي الخلائفِ(٥) سَابقاً
معتادةُ الإخلافِ والإِثْلافِ(٦)
إني من القوم الذينَ أكفُّهمْ
وقد كانت وفاته بعِلَّة الاستسقاء في ليلة السادس عشر من ربيع الأوّل من هذه السنة . وكان قد أرسل
إلى بحكم وهو بواسطَ ليعهد إلى ولده الأصغر أبي الفَضْل ، فَلم يتفق له ذلك ، وبايع النَّاس أخاه
المُتَّقي لله إبراهيم بن المقتدر ، وكان أمر الله قدراً مقدوراً .
(١) المصدر السالف .
في ( ط ) : ربِّ إني مؤمن بما ، ووزنه غير مستقيم .
(٢)
تاريخ بغداد (٢/ ١٤٤ - ١٤٥) وانظر أخبار الراضي (١٨٥).
(٣)
(٤)
في ( ط ) : لا تكثرن لومي .
في ( ط ) أحوي لما يأتي المكارم سابقاً .
(٥)
(٦) المنتظم (٦/ ٢٦٧) .

١٤٤
خلافة المتقي لله أبي إسحاق إبراهيم بن المقتدر بالله
خلافة المتقي لله أبي إسحاق إبراهيم بن المقتدر بالله
لما مات أخوه الرَّاضي اجتمع القضاة والأعيان بدار بُجْكُم ، واشتوروا فيمن يولُّون عليهم ، فاتَّفقَ
رأيهم كلهم على المتقي الله إبراهيم هذا، فأحضروه إلى دار الخلافة ، وأرادوا بيعته ، فصلَّى ركعتين صلاة
الاستخارة وهو على الأرض . لم يصعد إلى الكرسي بَعْدُ، ثم صَعِدَ إلى السَّرير وبايعه الناس ، وكان ذلك
يوم الأربعاء لعشرٍ بقين من ربيع الأول من هذه السنة - أعني سنة تسع وعشرين وثلاثمئة - فلم يغيِّرْ على أحدٍ
شيئاً ، ولا غدر بأحد حتى ولا على سَرِيَّتِهِ لم يغيرها ، ولم يتسرَّ عليها . وكان كما سمَِّ المتقي الله ، كثيرَ
الصَّلاة والصِّيام والتعبّد . وقال : لا أريد أحداً من الجلساء ، حسبي المصحف نديمي ، لا أريد نديماً
غيره . فقعد عنه الجلساءُ والندماء ، والتفوا على بُجكم ، فكان يجالسهم فيحادثونه ويتناشدون عنده
الأشعار ، فكان لا يفهم كثيرَ شيءٍ مما يقولون لعجمته ، وكان في جُمْلتهم سنان بن ثابت الصَّابىء
المتطبب ، فكان بُجْكُم يشكو إليه قوة النفس الغضبية فيه ، فكان سِنَان يهذِّب من أخلاقه ويسكن
جَأْشَه١) ، ويروضها حتى سكن عن بعض ما كان يتعاطاه من سَفْكِ الدِّماء .
وكان المتقي بالله حسنَ الوجه ، معتدل الخَلْق ، قصيرَ الأنف ، أبيضَ مُشْرباً حمرةً ، في شعره شُقْرة
وجُعودة، كثَّ اللحية، أشهل العينين(٢)، أبيَّ النفس، لم يَشْرَبِ النَّبيذ قط، فالتقى فيه الاسم والفعل ،
ولله الحمد . ولما استقر المتقي الله في الخلافة أنفذ الرُّسل والخِلَع إلى بُجْكُم وهوبواسط ، ونفذت
المكاتبات إلى الآفاق بولاية المتقي لله .
وفي هذه السنة تحارب أبو عبد الله البريدي وبُجْكم بناحية الأهواز، فَقُتلَ بُجْكم في الحرب(٣)،
واستظهر البريديُّ عليه وقوي أمره ، فاحتاط الخليفةُ على حواصل بُجْكم ، فكان في جملة ما أخذ من
أمواله ألف ألف دينار ومئتي ألفِ دينار . وكانت أيام بُجْكم على بغداد سنتين وثمانية أشهر وتسعة أيام .
ثم إن البريدي حدَّثته نفسه ببغداد ، فأنفق المتقي أموالاً جزيلة في الجند ليمنعوه من ذلك ، فركب
بنفسه ، فخرج إلى أثناء الطَّريق ليمنعه من ذلك ، فخالفه البريدي ، ودخل بغداد في ثاني رمضان ، ونزل
بالشّفيعي ، فلما تحقق المتقي ذلك بعث إليه يهنئه ، وأرسل إليه بالأطعمة ، وخوطب بالوزير ولم يخاطبه
بإمرة الأمراء . فأرسل البريدي يطلب من الخليفة خمسمئة ألف دينار ، فامتنع الخليفة من ذلك ، فبعث
(١) الجأش: النفس. اللسان ( جأش ).
(٢)
الشهلة في العين : أن يشوب سوادَها زرقة . اللسان ( شهل ) .
انفرد ابن كثير بهذا الخبر ، والمشهور أنه قتل وهو يتصيد عقب هذه المعركة التي لم يشترك بها ، انظر الكامل
(٣)
(٣٧١/٨) وانظر وفيات هذه السنة .

١٤٥
خلافة المتقي لله أبي إسحاق إبراهيم بن المقتدر بالله
[ إليه (١) يتهدَّده ويتوعَّده ويذكره ما حَلَّ بالمعز والمستعين والمهتدي والقاهر. واختلفت الرُّسل
بينهما ، ثم كان آخر ذلك أن بعث الخليفة إليه بذلك قهراً ، ولم يتفق اجتماع الخليفة والبريدي ببغداد حتى
خرج منها البريدي إلى واسط ؛ وذلك أنه ثارت عليه الدَّيالمة ، والتفوا على كبيرهم كورتكين ، وراموا
حريق دار البريدي حين قبضَ المال من الخليفة ، ولم يعطهم شيئاً ، وكانت البجكمية طائفة أخرى قد
اختلفت معه أيضاً وهم والديالمة قد صاروا حزبين ، فانهزم البريدي من بغداد٢) يوم سَلْخ رمضان ،
فاستولى كورتكين على الأمور ببغداد ، ودخل [ إلى (٣) المتقي، فقلّده إمارة الأمراء ، وخلع عليه ،
واستدعى المتقي عليَّ بنَ عيسى وأخاه عبد الرحمن ، ففوَّض إلى عبد الرحمن تدبير الأمور من غير تسمية
بوزارة ، ثم قبض كورتكين على رئيس الأتراك تكينك غلام بُجْكُم وغَرَّقه . ثم تظلَّمتِ العامة من الدَّئلم ؛
أنهم يأخذون منهم دُورهم ، فشكوا ذلك إلى كورتكين فلم يشكهم ، فمنعتِ العامة الخطباء أن يصلُّوا في
الجوامع ، واقتتل الدَّيْلَم والعامة ، فَقُتَلَ من الفريقين خَلْقٌ كثير ، وجمِّ غفيرِ .
وكان الخليفة قد كتب إلى أبي بكر محمد بن رائق ؛ صاحب الشام يستدعيه إليه ليخلصه من الديلم
والبريدي ، فركب إلى بغداد في العشرين من رمضان ومعه جيشٌ عظيم ، وقد صار إليه من الأتراك
البجكمية خَلْقٌ كثير، وحين وصل إلى المَوْصل حاد عن طريقه ناصرُ الدَّولة بن حَمْدان ، فتراسلا ثم
اصطلحا ، وحمل ابنُ حَمْدان مئة ألف دينار ، فلما اقترب ابنُ رائق من بغداد خرج كورتكين في جيشه
ليقاتله ، فدخل ابن رائق بغداد من غربها ، ورجع كورتكين بجيشه فدخل من شَرْقها ، ثم تصافَّوا ببغداد
للقتال ، فساعدت العامةُ ابنَ رائق على كورتكين ، فانهزم الدَّيْلم ، وقُتل منهم خلقٌ كثير ، وهرب
كورتكين فاختفى ، واستقرَّ أمر ابن رائق على بغداد ، وخلع عليه الخليفة ، وركب هو وإياه في دِجْلة ،
وظفر ابنُ رائق بكورتكين ، فأودعه السِّجْن الذي في دار الخِلافة .
قال ابن الجَوْزي : وفي يوم الجمعة الثَّاني عشر من جمادى الأولى حضر النَّاس لصلاة الجمعة بجامع
براثى، وقد كان المقتدر أحرق هذا المسجد(٤) لأنه كبس ، فوجد فيه جماعةً من الشيعة يجتمعون فيه
للسبِّ والشتم ، فلم يزل خراباً حتى عمَّره بُجْكم في أيام الرَّاضي ، ثم أمر المتقي بوضع منبر فيه كان عليه
اسم الرّشيد، وصلَّى الناس فيه هذه الجمعة . قال: فلم تزل تقام فيه إلى بعد سنة خمسين وأربعمئة(٥) .
(١) ما بين حاصرتين من (ط ).
(٢) في ( ط ): ورامو حريق دار البريدي، ونفرت عن البريدي طائفة من جيشه ، يقال لهم البجكمية ، لأنه لما قبض
من الخليفة لم يعطهم منه شيئاً ، وكانت من البجكمية طائفة أخرى قد أخلفت معه أيضاً وهم والديالمة قد صاروا
حزبين ، والتفوا مع الديالمة فانهزم البريدي من بغداد .
ما بين حاصرتين من ( ط ) .
(٣)
انظر أحداث سنة (٣١٣هـ) .
(٤)
(٥) انظر المنتظم (٦/ ٣١٧).

١٤٦
وفیات سنة ٣٢٩هـ
قال ابن الجوزي : وفي جمادى الآخرة في ليلةِ سابعه كانت ليلةَ بردٍ ورعد وبرق ، فسقطت القُتَّة
الخضراء من قصر المنصور ، وقد كانت هذه القبة تاجَ بغداد وعلم البلد ، ومأثرةً من مآثر بني العَبَّاس
عظيمةً ، بُنيت أوَّلَ مُلْكهم ، فكان بين بنائها وسُقُوطها مئة وسبع وثمانون سنة (١) .
قال : وخرج التشرينان والكانونان من هذه السنة ولم تمطر بغداد فيها شيئاً سوى مطرة واحدة لم ينبلَّ
منها التراب ، فَغَلَتِ الأسعار ببغداد حتى بيع الكر بمئة وثلاثين ديناراً ، ووقع الفَناء في الناس حتى كان
الجماعة يُدْفنون في القبر الواحد من غير غُسْل ولا صلاة ، وأبيع العقار والأثاث بأرخص الأسعار ؛ اشْتُري
بالدِّرهم ما يساوي الدينار(٢).
ورأتِ امرأةٌ رسولَ الله ◌َ ليهِ في منامها وهو يأمرها بخروج النَّاس إلى الصحراء لصلاة الاستسقاء ، فأمر
الخليفةُ بامتثال ذلك ، فصلَّى الناس واستسقوا ، فجاءتِ الأمطارُ فزادتِ الفُرَات شيئاً لم يُرَ مثله ، وغرقت
العباسية ، ودخل الماءُ شوارع بغداد ، فسقطتِ القنطرة العتيقة والجديد(٣) .
وقطعتِ الأكراد على قافلةٍ من خراسان الطريق ، فأخذوا منهم ما قيمته ثلاثة آلاف ألف دينار(٤) ،
وكان أكثر ذلك من أموال بُجْكم التركي .
وخرج الناس للحجِّ في هذه السنة ، ثم رجعوا من أثناء الطريق بسبب رجلٍ من العلويين قد ظهر
بالمدينة النبوية ، ودعا إلى نفسه ، وخرج عن الطاعة (٥) .
وممن توفي فيها من الأعيان :
أحمد بن إبراهيمُ(٦) بن نَوْمَرْ!(٧) : الفَقيه ، أحد أصحاب ابن سُرَيج .
خرج من الحَمَّام ، [ إلى خارجه ]٨) فسقط عليه [الحِمام](٨)، فمات من فوره، رحمه الله.
(١) المنتظم (٣١٧/٦ -٣١٨).
(٢)
المنتظم (٣١٩/٦).
انظر المنتظم (٣١٨/٦ -٣١٩).
(٣)
في مطبوع المنتظم (٣١٨/٦): ثلاثة آلاف دينار ؛ والمثبت من (ح) و(ب) وانظر أخبار الراضي والمتقي للصولي
(٤)
(١٩٢) .
(٥)
انظر المنتظم (٣١٩/٦).
تاريخ جرجان (٤٩ - ٥٠) الأنساب (١٢/ نومرد) اللباب: (٢٤٦/٣) طبقات الشافعية للسبكي (٩/٣) طبقات
(٦)
الشافعية للإسنوي (٣٤٦/١).
في ( ب) و(ح) : مرد، وفي ( ظا): برمود، وفي ( ط ) : تزمرد، وكله تصحيف، والمثبت من الأنساب
(٧)
(١٢ / نومرد) .
(٨) ما بين حاصرتين من (ط).

١٤٧
وفيات سنة ٣٢٩هـ
يُجْكُم التُّرْكي(١) الذي تولى إمرة الأمراء ببغداد قبل بني بُوَيْه ، وكان عاقلاً يفهم بالعربية ولا يتكلّم
بها ، يقول : إني أخاف أن أخطىء والخطأ من الرئيس قبيح . وكان مع ذلك يحبُّ العِلْم وأهله ، وكان
كثير الأموال والصَّدَقات ، ابتدأ بعمل البيمارَسْتان ببغداد فلم يتمَّ ، فجدَّده عضد الدولة بن بُوَيْه ، وكان
[ بُجْكُم (٢) يقول : العدل أربح للسُّلْطان في الدُّنيا والآخرة .
وكان يَدْفِنُ أموالاً كثيرة بالصحارى ، فلما مات لم يُدْرَ أين هي ، وكان ندماء الراضي قد انحدروا إلى
بُجْكُم وهو بواسط ، قد ضمنها بثمانمئة ألف دينار ، فكانوا يسامرونه كالخليفة ، وكان لا يفهم أكثر
ما يقولون ، وراض له مزاجه الطبيب سنان بن ثابت الصَّابىء حتى لان خلقُهُ وحَسُنَتْ سيرته ، وقلَّتْ
سطوته ، ولكن لم يعمّر إلا قليلاً بعد ذلك .
وقد دخل عليه رجلٌ فوعظه فأبكاه ، فأمر له بألف دِرْهم ، فلحقه بها الغلام ، فقال بُجْكُم لجلسائه :
ما أظنه يقبلها ، هذا رجل متخرق بالعبادة ، ماذا يصنع بالدَّراهم؟ فرجع الغلام وليس معه شيء ، فقال :
قبلها ؟ قال : نعم ! قال بحكم : كلُّنا صيادون ولكن الشباك تختلف .
وكانت وفاته لتسع بقين من رجب هذه السنة . وسببها أنه خرج يتصيد ، فلقي طائفةً من الأكراد ،
فاستهان بهم ، فقاتلوه ، فضربه رجلٌ منهم فقتله . وكانت إمرته على بغداد سنتين وثمانية أشهر وتسعة
أيام ، وخلّف من الأموال والحواصل ما ينيف على ألفي ألف دينار ، أخذها كلها المتقي لله .
أبو محمد البَزْبَهاري الواعظ ٣): الحسن بن علي بن خَلَف، أبو محمد ، البَزْبَهاري العالم الزَّاهد ،
الفقيه الحنبلي الواعظ .
صَحِبَ المَرُوذي ، وسهلاً التُّسْتَري، وتنزَّه عن ميراث أبيه - وكان سبعين ألفاً - لأمرٍ كرهه. وكان
شديداً على أهل البِدَع والمعاصي ، وكان كبيرَ القَدْرِ عند الخاصَّة والعامة ، وقد عَطَسَ يوماً وهو يعظ
النَّاس فشمَّته(٤) الحاضرون، ثم شمَّته منْ سمعهم حتى شمته أهلُ بغداد، فانتهت الضَّجة إلى دار
الخلافة ، فغار الخليفة من ذلك ، وتكلم فيه جماعةٌ من أرباب الدولة ، فَطُلِبَ ، فاستر عند أُخت
(١) أخبار الراضي للصولي (١٩٣ - ١٩٧) المنتظم (٣٢٠/٦ - ٣٢٣).
(٢) ما بين حاصرتين من (ط).
(٣) طبقات الحنابلة (١٨/٢ - ٤٥) المنتظم (٣٢٣/٦) سير أعلام النبلاء (٩٠/١٥ - ٩٣) العبر (٢١٦/٢ -٢١٧) الوافي
بالوفيات (١٤٦/١٢ - ١٤٧) شذرات الذهب (٣١٩/٢).
(٤) شمت العاطس، وسمت عليه: دعا له أن لا يكون في حال يشمت به فيها، والسين لغة. ((لسان العرب))
( شمت ) .

١٤٨
أحداث سنة ٣٣٠هـ
توزون (١) شهراً، ثم أخذه القيام(٢)، فمات عندها، فأمرت خادمها أن يصلِّي عليه، فصلَّى، فامتلأتٍ
الدار رجالاً عليهم ثياب بيض، فدفنته عندها ، ثم أوْصَتْ أن تُدْفنَ عنده . وكان عمره يوم مات ستاً
وتسعين سنة ، رحمه الله(٣).
يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن البُهْلول(٤) : أبو بكر الأزْرَق - لأنه كان أزرق العينين - التَّوخي ،
الكاتب .
سمع جدَّه، والزبير بن بكّار ، والحسن(٥) بن عَرَفة، وغيرهم، وكان خَشِنَ العيش كثير الصَّدقة ؛
يقال : إنه تصدَّقَ بمئة ألف دينار، وكان أمَّاراً بالمعروف ، نهاءً عن المنكر ، روى عنه الدَّار قطني وغيرُه
من الحُفَّاظ ، وكان ثِقَةٌ عَذْلًا .
توفي في ذي الحجَّة من هذه السنة عن اثنتين وتسعين سنة .
[ ثم دخلت ٦) سنة ثلاثين وثلاثمئة
قال ابن الجَوْزي : في المحرَّم منها ظهر كوكب بذنبٍ ، رأسُه إلى المغرب وذنبه إلى المشرق ، وكان
عظيماً جداً ، وذنبه منتشرٌ، وبقي ثلاثة عشر يوماً إلى أن اضمحل(٧).
قال : وفي نصف ربيع الأول بلغ الكُرُ من الحِنْطة مئتي دينار وعشرة دنانير ، ومن الشعير مئة وعشرين
ديناراً، ثم بلغ الكر الحنطة ثلاثمئة وستة عشر ديناراً ، وأكل الضُّعفاء المَيْتة ، ودام الغلاء وكَثُرَ الموت ،
(١) في النسخ الخطية و(ط): بوران، وهو تحريف، والمثبت من المنتظم (٦/ ٣٢٣) وهو أحد القواد الأتراك ، خلع
عليه المتقي لله ، وجعله أميراً للأمراء ، ودامت إمارته حتى وفاته سنة (٣٣٤ هـ) ، وهو الذي سمل المتقي وخلعه ،
وبايع المستكفي ، وأخباره مبثوثة في حوادث هذه السنين .
(٢)
في المنتظم (٦/ ٣٢٣): قيام الدم.
(٣) هذه هي رواية ابن الجوزي في المنتظم، أما الذهبي فذكر في تاريخ الإسلام (٧/ ٥٧٣) والسير (٩٣/١٥) أنه عاش
سبعاً وسبعين سنة .
(٤) أخبار الراضي والمتقي (٢١٣) تاريخ بغداد (١٤ /٣٢١ -٣٢٢) الأنساب (٢٠٠/١ - ٢٠١) المنتظم (٣٢٥/٦) سير
أعلام النبلاء (٢٨٩/١٥ - ٢٩٠) العبر (٢١٩/٢) مرآة الجنان (٢٩٦/٢) الجواهر المضية (٢٣٤/٢) شذرات الذهب
(٣٢٤/٢) .
(٥) في (ط ) : الحسين ، وهو تحريف.
(٦) ما بين حاصرتين من ( ط).
(٧) المنتظم (٣٢٥/٦ -٣٢٦).

١٤٩
أحداث سنة ٣٣٠هـ
وتقطعتِ السُّبُّل، وشُغِلَ الناسُ بالمرض والفَقْر ، وترك دفن الموتى ، وشغل الناس عن الملاهي
واللعب(١).
قال : ثم جاء مطرٌ كأفواه القُرَب، وبلغتْ زيادة دِجْلة عشرين ذراعاً وثلثا(٢).
وذكر ابن الأثير في « کامله » أن محمد بن رائق - الذي هو أمیر الأمراء ببغداد حينئذٍ - وقعت بينه وبين
أبي عبد الله البريدي الذي بواسط وحشة بسبب منع البريدي الخراج الذي عنده ، فركب إليه ابنُ رائق
ليتسلم ما عنده من المال ، فوقعت مصالحة ، ورجع ابن رائق [ إلى بغداد (٣) ، فطالبه الجند بأرزاقهم ،
وضاق عليه حالُه، وتحيَّز جماعةٌ من الأتراك إلى البريدي ، فَضَعُفَ جانب ابن رائق ، فكاتب البريدي
بالوزارة ببغداد ، ثم قَطَعَ اسم الوزارة عنه، فاشتدَّ حَتَقُ البريدي(٤) [عليه °) ، وعزم على أخْذِ بغداد ،
فبعث أخاه أبا الحسين في جيشٍ [ إلى بغداد ](٥) ، فتحصَّن ابنُ رائق مع الخليفة بدار الخلافة ، ونُصِبَتْ
فيه المجانيق والعرَّادات(٦)، وعلى دجلة أيضاً، فاضطربت بغداد، ونهب النَّاسُ بعضَهم بعضاً ليلاً
ونهاراً ، وجاء أبو الحسين أخو أبي عبد الله البريدي بمن معه ، فقاتلهم الناس في البر وفي دِجْلة ، وتفاقم
الحال ، واشتدَّ الخطب جداً مع الغلاء والوباء والفناء ، فإنَّا لله وإنا إليه راجعون . ثم إن الخليفة وابنَ رائق
انهزما في جمادى الآخرة ، ومع الخليفة ابنه أبو منصور في عشرين فارساً ، فقصدوا نحو الموصل ،
واستحوذ أبو الحسين على دار الخلافة ، فَقَتَلَ أصحابُ البريدي منْ وجدوا بدار الخلافة من الحاشية ،
ونهبوها حتى وصل النَّهْبُ إلى الحريم ، ولم يتعرَّضوا للقاهر وهو إذ ذاك أعمى مكفوفاً ، وأخرجوا
كورتكين من الحبس ، فبعثه أبو الحسين إلى أخيه عبد الله البريدي ، فكان آخر العهد به ، ونهبوا بغدادَ
جِهاراً علانية ، ونزل أبو الحسين بدار مُؤْنس التي كان يسكنها ابن رائق ، وكانوا يَكْبسون الدُّور ،
ويأخذون ما فيها من الأموال والجواري ، وغلتِ الأسعار ، وضرب أبو الحسين المَكْس على الحِنْطة
والشَّعير ، وذاق أهلُ بغداد لباس الجوع والخوف ، وكان مع أبي الحسين في الجيش طائفة كبيرة من
القرامطة ، فأفسدوا في البلد فساداً عظيماً ، فوقعت بينهم وبين الأتراك حروبٌ طويلة شديدة ، فغلبهم
الأتراك وأخرجوهم من بغداد ، ووقعت الحرب بين العامَّة والذَّيلم أيضاً(٧) .
(١) المصدر السالف .
(٢) المصدر السالف .
(٣) ما بين حاصرتين من ( ط).
(٤) انظر الكامل (٣٧٩/٨).
(٥) ما بين حاصرتين من (ط).
(٦) في (ط) بين معترضين: العرادة شيء أصغر من المنجنيق.
(٧) انظر الكامل (٣٧٩/٨ - ٣٨١).

١٥٠
أحداث سنة ٣٣٠ هـ
وفي شعبان من هذه السنة اشتدَّ الحال أيضاً ، ونُهبتِ المساكنُ ، وكُبِسَ أهلُها ليلاً ونهاراً ، وخرج
الجُنْدُ من أصحاب البريدي ، فنهبوا الغلات من القرى والحيوانات ، وجرى ظُلْمٌ لم يسمعْ بمثله، فإنَّا لله
وإنا إليه راجعون
قال ابن الأثير: وإنما ذكرنا هذا لِيَعْلِمَ الظَّلَمَةُ أنَّ أخبارَهُمْ تنقل وتبقى على وجه الدَّهر (٢)، فربما
تركوا الظُّلْمَ لهذا إن لم يتركوه لله عزَّ وجلَّ (٣) .
وقد كان الخليفة أرسل وهو ببغداد إلى ناصر الدولة بنِ حَمْدان ؛ نائب الموصل والجزيرة يستمدُّه
. ويستجيش(٤) به على البريدي ، فأرسل ناصر الدولة أخاه سيف الدولة علياً في جيش كثيف ، فلما كان
بتكريت إذِ الخليفة وابنُ رائق قد هربا ، فرجع معهما سيفُ الدَّوْلة إلى أخيه ، وقدَّمُ(٥) سيف الدولة للخليفة
المتقي الله خدمةً عظيمة في مسيره هذا ، ولما وصلوا إلى المَوْصل خرج عنها ناصرُ الدولة ، فنزل شرقيها ،
وأرسل التُّحف والضِّيافات ، ولم يجىء [ إلى الخليفة (٦) خوفاً من الغائلة من جهة ابن رائق ؛ نائب
العراق وصاحب الشام ، فأرسل الخليفة ولدَه أبا منصور ومعه ابن رائق للسَّلام على ناصر الدولة ، فصارا
إليه ، فأمر [ ناصر الدولة](٦) أن يُنْثَرَ الذَّهب والفِضَّة على رأس ولد الخليفة ، وجلسا عنده ساعة ، ثم
قاما ليرجعا ، فركب ابنُ الخليفة ، وأراد ابنُ رائق أن يركب معه ، فقال له ناصر الدولة : اجلس اليوم
عندي حتى نفكر فيما نصنع في أمرنا هذا . فاعتذر إليه بابن الخليفة ، واستراب بالأمر ، فقبض ابنُ حمدان
بكمه ، فَجَبَذْه ابنُ رائق منه جَبْذةً شديدة ، فانقطع كُمُّه ، وركب سريعاً ، فسقط عن فرسه ، فأمر ناصر
الدولة بقتله فَقُتِلَ ، وذلك يوم الإثنين لسبع بقين من رجب من هذه السنة ، فأرسل الخليفةُ إلى ابنٍ حمدان
فاستحضره ، وخلع عليه ، ولقبه ناصرَ الدّولة يومئذٍ، وجعله أميرَ الأُمراء ، وخلع على أخيه أبي الحسن
علي ولقبه سيفَ الدولة يومئذٍ أيضاً .
ولما قُتِلَ ابنُ رائق ، وبلغ خبرُ قتله إلى صاحب مصر وهو الإخشيذ محمد بن طُغْج ركب إلى دمشق
فتسلَّمها من محمد بن يزداد ؛ نائب ابن رائق ، ولم ينتطح فيها عنزان . ولما بلغ خبر مقتله إلى بغداد فارق
أكثر الأتراك أبا الحسين البريدي لسوء سيرته وخبث سريرته ، قبحه الله ، وقصدوا الخليفة وابنَ حمدان في
(١) المصدر السالف .
(٢) في (ط) و( ظا) و( ب): الأرض، والمثبت من (ح).
(٣) في ( ط): وإنما ذكرنا هذا ليعلم الظلمة أن أخبارهم الشنيعة تنقل وتبقى بعدهم على وجه الأرض ، وفي الكتب ،
ليذكروا بها ويذموا ويعابوا ، وذلك لهم خزي في الدنيا ، وأمرهم إلى الله ، لعلهم أن يتركوا الظلم لهذا إن لم يتركوه
لله. وانظر الكامل (٣٨٢/٨) .
(٤) وفي ( ط ) يستحثه ، وهو تحريف.
(٥) في (ح) و( ط ): وخدم ، وهو تحريف .
(٦) ما بين حاصرتين من ( ط ).

١٥١
وفيات سنة ٣٣٠هـ
المَوْصل فتقوَّى بهم ناصر الدولة ، وركب هو والخليفة المتقي الله إلى بغداد ، [ فلما اقتربوا منها هرب
عنها أبو الحسين البريدي ، ودخل الخليفة المتقي الله إلى بغداد (١) ومعه بنو حمدان في جيوش كثيرة ،
وذلك في شوال من هذه السنة ، ففرح به المسلمون فرحاً شديداً ، وبعث [ الخليفة (٢) إلى أهله - وقد
كان أخرجهم إلى سامرَاء - فردَّهم ، وتراجع أعيان الناس إلى بغداد بعدما كانوا قد ترخَّلوا عنها .
وردَّ الخليفة أبا إسحاق القراريطي(٣) إلى الوزارة ، وولَّى توزون شرطة جانبيْ بغداد ، وبعث ناصرُ
الدولة أخاه سيف الدولة في جيشٍ وراء أبي الحسين البريدي ، فلحقه عند المدائن ، فاقتتلوا قتالاً شديداً
في أيام نحسات ، ثم كان آخر الأمر أن انهزم أبو الحسين إلى أخيه بواسط ، وقد ركب ناصر الدولة
بنفسه ، فنزل المدائن قوةً لأخيه ، وقد انهزم سيفُ الدولة مَرَّة من أبي الحسين فردَه أخوه ، وزاده جيشاً
آخر حتى كسر البريدي ، وأسر جماعةً من أعيان أصحابه ، وقُتِلَ منهم خلق كثير وجمٌّ غفير . ثم أرسل
أخاه سيفَ الدولة إلى واسط لقتال أبي عبد الله البريدي ، فانهزم منه البريدي وأخوه إلى البصرة ، وتسلّم
سيف الدولة واسط ، وسيأتي ما كان من خبره مع البريدي في السنة الآتية ، إن شاء الله تعالى .
وأما ناصر الدولة فإنه عاد إلى بغداد ، فدخلها في ثالث عشر ذي الحِجَّة ، وبين يديه الأسارى على
الجمال ، ففرح النَّاس واطمأنوا ، ونظر في المصالح العامة ، وأصلح معيار الدينار ؛ وذلك أنه وجده قد
غُيِّرَ عما كان عليه ، فضرب دنانيرَ سماها الإبريزية ، فكانت تباع كل دينار بثلاثة عشر دِزْهماً ، وإنما كان
يباع التي قبلها بعشرة .
وعزل الخليفة بدراً الخَرْشني عن الحجابة ، وولاها سلامة الطُولوني ، وجعل بدراً على طريق
الفُرَات ، فسار إلى الإخشيذ ، فأكرمه واستنابه على دمشق ، فمات بها .
وفيها وصلتِ الرومُ إلى قريب حلب ، فقتلوا خلقاً ، وأسروا نحواً من خمسة عشر ألف إنسان ، فإنا
لله وإنا إليه راجعون .
وفيها دخل الثملي من طَرَسوس إلى بلاد الرُّوم ، فقتل وسبى وغَنِم وسَلِم وأسَرَ من بطارقتهم
المشهورين منهم خلقاً كثيراً ، ولله الحمد والمنَّة .
وممن توفي فيها من الأعيان :
إسحاق بن محمد أبو يعقوب(٤) النَّهْرَ جُوري(٥) : أحد مشايخ الصُّوفية .
(١) ما بين حاصرتين من ( ط) و(ب).
(٢) ما بين حاصرتين من (ط).
(٣) في ( ط ) : الفزاري ، وهو تحريف .
في ( ط ) : ابن يعقوب ، وهو وهم .
(٤)
(٥) طبقات الصوفية (٣٧٨ - ٣٨١) حلية الأولياء (٣٥٦/١٠) الرسالة القشيرية (٢٧) المنتظم (٣٢٦/٦ - ٣٢٧) العبر =

١٥٢
وفيات سنة ٣٣٠هـ
صَحِبَ الجُنَيِّد بن محمد ، وغيره من أئمة الصُّوفية ، وجاور بمكَّة حتى مات بها في هذه السنة . ومن
كلامه الحسن قوله : مفاوزُ الدُّنيا تُقْطعُ بالأقدام ، ومفاوز الآخرة تقطع بالقلوب (١) .
الحسين بن [ إسماعيل بن محمد بن ]٢) إسماعيل بن سعيد بن أبان(٣) : أبو عبد الله، الضَّبِّي ،
القاضي ، المَحاملي ، الفقيه الشَّافعي ، المحدِّث .
سمع الكثير ، وأدرك خَلْقاً من أصحاب ابن عيينة نحواً من سبعين رجلاً .
وروى عن جماعةٍ من الأئمة، وعنه الدَّارَقُطني وخلْق .
وكان يحضُرُ مجلسه نحوٌ من عشرة آلاف ، وكان صدوقاً ديِّناً فقيهاً محدِّثاً ، ولي قضاء الكوفة ستين
سنة ، وأضيف إليه قضاء فارس وأعمالها ، ثم استعفى من ذلك كلُّه ، ولزم منزله ، واقتصر على إسماع
الحديث .
وكانت وفاته في ربيع الآخر من هذه السنة عن خمسٍ وتسعين سنة ، رحمه الله .
وقد تناظر هو وبعض الشّيعة بحضرة بعض الأكابر ، فجعل الشِّيعي يذكر مواقف عليٍّ يوم بدر وأُحُد
والخندق وخيبر وحُنَّيْن وشجاعته . ثم قال للمَحَاملي : أتعرفها ؟ قال : نعَمْ، ولكن أتعرف أين كان
الصدِّيق يوم بدر؟ كان مع رسول الله وَ له في العريش بمنزلة الرئيس الذي يُحامى عنه كما يُحامى عن
رسول الله وَلخير، وعلي في مقام المبارزة ، ولو فرض أنه انهزم أو قتل لم يخذل الجيش بسببه . فأُفحم
الشيعي. وقال له المحامي: وقد قدّمه الذين رووا لنا الصَّلاة والزكاة والوضوء بعد رسول الله اليهم
حيثُ لا مال له ولا عبيد ولا عشيرة تمنعه وتجاحف عنه، وإنما قدَّموه لعلمهم أنَّه خَيْرُهم . فأُفحم
أيضا٤ً) .
عليٌّ بن محمد بن سَهْل(٥): أبو الحسن الصَّائغ ؛ أحد الزّهاد العُبَّاد ، أصحاب الكرامات .
(٢٢١/٢) سير أعلام النبلاء (٢٣٢/١٥ - ٢٣٣) الوافي بالوفيات (٤٢٣/٨ - ٤٢٤) النجوم الزاهرة (٢٧٥/٣)
=
شذرات الذهب (٣٢٥/٢).
(١) انظر طبقات الصوفية (٣٧٩).
ما بين حاصرتين من ( ط ) .
(٢)
(٣) أخبار الراضي والمتقي للصولي (٢٣٠) الفهرست (٢٨٨) تاريخ بغداد (١٩/٨ - ٢٣) المنتظم (٣٢٧/٦ - ٣٢٨)
اللباب: (١٠٣/٣ - ١٠٤) سير أعلام النبلاء (٢٥٨/١٥ - ٢٦٣) تذكرة الحفاظ (٨٢٤/٣ -٨٢٦) العبر (٢٢٢/٢)
الوافي بالوفيات (٣٤١/١٢ -٣٤٢) مرآة الجنان (٢٩٧/٢) طبقات الحفاظ (٣٤٣) شذرات الذهب (٣٢٦/٢).
(٤)
انظر تاريخ بغداد (٢١/٨ - ٢٢).
طبقات الصوفية (٣١٢ _ ٣١٥) حلية الأولياء (٣٥٣/١٠ - ٤٠٨) الرسالة القشيرية (٣٢) المنتظم (٣٢٨/٦) صفة
الصفوة (٦٠/٤) حسن المحاضرة (٢٩٤/١) طبقات الشعراني (١٩/١).
(٥)

١٥٣
ترجمة أبي صالح الدمشقي
رويَ عن مُمْشاء(١) أنه شاهد أبا الحسن الصَّائغ يصلِّي في الصحراء في شدَّة الحر ، ونسرٌ قد نشر
جناحه يظلُّه من الحرِّ .
قال ابن الأثير : وفي هذه السنة توفي [ أبو الحسن ]٢) عليٌّ بن إسماعيل، الأشْعريُّ المتكلِّم ،
صاحب المذهب المشهور ، وكان مولده سنة ستين ومئتين ، وهو من ولدٍ أبي موسى الأشعري .
قلت : الصَّحيح أن الأشعريَّ توفي سنةَ أربع وعشرين كما تقدَّمُ(٣) .
قال: وفيها توفي محمد بن يوسف بن النَّصْر ، الهَرَوي ، الفقيه الشَّافعي(٤) ، وكان مولده سنة تسعٍ
وعشرين ومئتين ، أخذَ عن الربيع بن سليمان ؛ صاحب الشَّافعي .
قلت : وقد توفي فيها أبو حامد بن بلال(٥) . وزكريا بن أحمد البَلْخي(٦) . وعبد الغافر بن سلامة
الحافظ (٧). ومحمد بن رائق الأمير(٨). والشيخ أبو صالح مفلح الحنبلي واقف مسجد أبي صالح ظاهر
باب شرقي من دمشق ، وكانت له کرامات وأحوال ومقامات .
ترجمة أبي صالح الدِّمَشْقي (٩)
الذي ينسب إليه المسجد ظاهر باب شرقي بدمشق .
مفلح بن عبد الله ، أبو صالح المتعبد ، صَحِبَ الشيخ أبا بكر محمد بن سيد حَمْدويه الدِّمَشْقي ،
وتأذَّب به ، وروى عنه الموحِّد بن إسحاق بن البَرِّي ، وأبو الحسن علي بن القُجَّة ؛ قيم المسجد ،
وأبو بكر محمد بن داود الدِّينوري الدُّقِّي .
روى الحافظ ابنُ عساكر من طريق الدُّقِّي عن الشيخ أبي صالح ، قال : كنت أطوف بجبل اللُّكام
أطلب الزُّهَّاد ، فمررت برجلٍ جالسٍ على صخرةٍ مطرقاً ، فقلت له : ما تصنع هاهنا؟ فقال : أنظر
(١) ترجمته في طبقات الصوفية (٢١٦).
(٢) ما بين حاصرتين من ( ط ).
(٣) انظر وفيات سنة (٣٢٤هـ)، وانظر الكامل لابن الأثير (٣٩٣/٨).
(٤)
ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٥/ ٢٥٢ - ٢٥٤).
هو المعروف بالخَشَّاب ، ترجمته في السير (٢٨٤/١٥ -٢٨٥).
(٥)
(٦)
ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٥/ ٢٩٣ - ٢٩٤).
(٧)
ترجمته في السير (٢٩٤/١٥).
سلفت أخباره في حوادث السنة الفائتة ، وله ترجمة في سير أعلام النبلاء (٣٢٥/١٥ -٣٢٦).
(٨)
تاريخ ابن عساكر (س) (خ) (١٩ / ٤١أ - ٤١ ب) سير أعلام النبلاء (٨٤/١٥ - ٨٥) العبر (٢٢٤/٢) مرآة الجنان
(٩)
(٢٩٨/٢) النجوم الزاهرة (٢٧٥/٣) الدارس في تاريخ المدارس (١٠٢/٢ - ١٠٣) القلائد الجوهرية (١٦٧/١)
شذرات الذهب (٣٢٨/٢) .

١٥٤
أحداث سنة ٣٣١هـ
وأرعى . فقلت : لا أرى بين يديك شيئاً إلا الحجارة ، فقال : أنظر خواطر قلبي ، وأرعى أوامر ربي ،
وبحقِّ الذي أظهرك عليَّ إلا جزتَ عني (١) . فقلت: كلِّمني بشيءٍ أنتفع به حتى أمضي. فقال لي : من
لَزِمَ البابَ أَثبت في الخدم ، ومن أكثر ذكر الذنوب(٢) أكثر الندم، ومن استغنى بالله أمِنَ العدم. ثم تركني
ومضى (٣).
وعن الشيخ أبي صالح : مكثتُ ستة أو سبعة أيام لم آكل ولم أشرب ، ولحقني عطشٌ عظيم ، فجئت
النهرَ الذي وراء المسجد، فجلست أنظر إلى الماء، فتذكَّرْتُ قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ, عَلَى الْمَآءِ﴾
[ هود: ٧ ] فذهب عني العطش ، فمكثت تمام العشرة أيام(٤) .
وعنه قال : مكثت أربعين يوماً لم أشرب ماءً ، فلقيني الشيخ أبو بكر محمد بن سيد حمدويه ، فأخذ
بيدي فأدخلني منزله وجاء بماء ، وقال لي : اشرب . فشربت ، فأخذ فضلتي ، وذهب إلى امرأته فقال
لها : اشربي فَضْلَ رجلٍ قد مكث أربعين يوماً لم يشرب الماء . قال أبو صالح : ولم يكن اطلع على ذلك
مني أحدٌ إلا الله عزَّ وجلّ(٥) .
ومن كلام أبي صالح : الدُّنيا حرامٌ على القلوب حلال على النفوس ؛ لأن كلَّ شيء يحل لك أن تنظر
[ إليه ] بعين رأسك، فيحرم عليك أن تنظر [ إليه ] بعين قلبك(٦).
وكان يقول : البدن لباس القلب ، والقلب لباسُ الفؤاد ، والفؤاد لباس الضَّمير ، والضمير لباس
السِّرِّ، والسِّرُّ لباسُ المعرفة .
ولأبي صالح مناقبُ كثيرةٌ رحمه الله وأكرم مثواه ، وقد كانت وفاته في جُمادى الأولى من هذه
السنة .
ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين وثلاثمئة
في هذه السنة دخل سيف الدولة إلى واسط ، وقد انهزم عنها أبو عبد الله البريدي وأخوه أبو الحسين ،
فاختلف التُّرْك على سيف الدولة ، ومالوا إلى توزون ، وهمَّ بالقبض على سيف الدولة ، فهرب منهم
(١) في (ط ): وبالذي أطلعك علي إلا صرفت بصرك عني.
(٢)
في ( ط ) : الموت .
((تاريخ ابن عساكر)) (س) (خ) : ١٤١.
(٣)
((تاريخ ابن عساكر)) (خ) : ٤١أ .
(٤)
تاريخ ابن عساكر ( خ)) ٤١أ - ٤١ ب .
(٥)
(٦) المصدر السالف ، وما بين حاصرتين منه .

١٥٥
أحداث سنة ٣٣١ هـ
قاصداً إلى بغداد ، وبلغ أخاه ناصر الدولة أبا محمد الحسن بن عبد الله بن حمدال(١) الملقب بأمير الأمراء
ببغداد الخبر ، فخرج من بغداد إلى المَوْصل ، فنهبت داره ببغداد . فكانت إمارة ناصر الدولة على بغداد
ثلاثة عشر شهراً وخمسة أيام . وجاء أخوه سيف الدولة بعد خروجه منها ، فنزل بباب حَرْب ، وطلب من
الخليفة أن يمدَّه بمالٍ يتقوَّى به على حرب توزون ، فبعث إليه بأربعمئة ألف دِرْهم ، ففرَّقها في أصحابه .
وحين سمع بقدوم توزون خرج من بغداد ، ودخلها توزون في الخامس والعشرين من رمضان ، فخلع عليه
المتقي ، وجعله أمير الأمراء ، واستقر أمره ببغداد .
وعند ذلك رجع أبو عبد الله البريدي إلى واسط ، وأخرج منْ كان بها من أصحاب توزون ، وكان في
أسر توزون غلامٌ لسيف الدولة يقال له ثمال ، فأرسله إلى مولاه ، فَحَسُنَ موقع ذلك عند آل حمدان .
وفي هذه السنة كانت زَلْزلةٌ عظيمة ببلاد نسا ، سقط منها عِماراتٌ كثيرة ، وهَلَك بسببها خَلْقٌ كثير .
قال ابن الجوزي : وكان ببغداد في أيلول وتشرين حرّ شديد يأخذ بالأنفاس . وفي صفر ورد الخبر
بورود الرُّوم إلى أرْزَن ومَيَّافارِقِين، وأنهم سَبَوْا وحرقُوا٢) .
وفي ربيع الآخر من هذه السنة عُقِدَ عقد أبي منصور إسحاق بن الخليفة المتقي لله على علوية بنت ناصر
الدولة أبي محمد بن حمدال(٣) ، على صَداق مئة ألف دينار وألف ألف درهم ، وولي العقد على الجارية
أبو عبد الله محمد بن أبي موسى الهاشمي ، ولم يحضر ناصر الدولة ، وضَرَبَ ناصر الدولة سكّة زاد في
الكتابة عليها : عبد آل محمد (٤) .
قال ابنُ الجوزي : وفي آذار من هذه السنة غَلَتِ الأسعار حتى أكلَ الناس الكلاب ، ووقع الوباء في
الناس ، ووافى من الجراد شيءٌ كثير جداً ، حتى أبيع منه كل خمسين رطلاً بدرهم ، فارتفق النَّاسُ به في
الغلاء(٥) .
وفيها ورد كتابُ ملكِ الرُّوم إلى الخليفة يطلب فيه منديلاً بكنيسة الرُّها ، كان المسيح قد مسحَ وجهه به
فصارت صورة وجهه فيه ، ويعد المسلمين أنه إذا أرسل إليه يبعث من أسارى المسلمين خلقاً كثيراً ،
فأحضر الخليفة العلماء ، فاستشارهم في ذلك ، فمن قائلٍ نحن أحق بعيسى منهم ، وفي بعثه إليهم
غضاضة(٦) على المسلمين وَوَهْنٌ ، فقال عليٍّ بنُ عيسى الوزير : يا أمير المؤمنين ، إنقاذ أسارى
في (ح) و (ظا): أبا عبد الله الحسين بن سعيد بن حمدان ، وهو وهم.
(١)
(٢)
المنتظم (٣٣٠/٦).
في النسخ الخطية : ناصر الدولة بن محمد بن حمدان ، وهو وهم .
(٣)
(٤)
انظر أخبار الراضي والمتقي (٢٣١) .
المنتظم (٣٣١/٦).
(٥)
(٦) أي ذل . اللسان ( غضض ).

١٥٦
وفيات سنة ٣٣١هـ
المسلمين من أيدي الكُفَّار أنفعُ للنّاس من بقاء ذلك المنديل بتلك الكنيسة . فأمر الخليفة بإرسال ذلك
المنديل إليهم ، وتخليص الأسارى من أيديهم(١) .
قال الصُّولي : ووصل الخبر بأن القِرْمِطي ولد له مولود ، فأهدى إليه أبو عبد الله البريدي هدايا
عظيمة ، منها مهدٌ من ذهب مرضَّع بالجوهر (٢) .
وكثر الرَّفض ببغداد ، فنودي بها : منْ ذكر أحداً من الصحابة بسوء فقد بَرِئَتْ منه الذِّمَّة .
وبعث الخليفة إلى عماد الدولة بن بُوَيْه خِلَعاً ، فقبلها ولبسها بحضرة القضاة والأعيان .
وفيها كانت وفاة السعيد نصر بن أحمد بن إسماعيل السَّاماني ، صاحب خُرَاسان وما وراء النهر ، وقد
مَرِضَ قبل موته بالسل سنة وشهراً ، فاتخذ في داره بيتاً سماه بيت العِبَادة ، فكان يَلْبَس ثياباً نظافاً ويمشي
[ إليه ] حافياً ويصلِّي فيه، ويتضرع ، وأكثر الصيام ، وتجنب المنكرات والآثام إلى أن مات ، رحمه
الله ، فقام بالأمر من بعده ولدُه نوح بن نصر السَّاماني في شعبان من هذه السنة ، ولقب بالأمير الحميد ،
وقَتَلَ محمد بن أحمد النَّسفي البردهي - وكان قدطعن فيه عنده - وصلبه .
وممن توفي فيها من الأعيان :
سنان بن ثابت بن قُرَّةُ(٣) الصَّابىء(٤) : أبو سعيد المتطبب .
أسلم على يد القاهر بالله ولم يُسْلم ولده ولا أحدٌ من أهل بيته ، وكان مقدَّماً في الطب ، وفي علومٍ
أخر كثيرة . وكانت وفاته في ذي القَعْدة من هذه السنة بعلة الذَّرَبِ(٥) ، فلم تُغنِ عنه صناعته شيئاً حين
جاءه الموت .
وما أحسن ما قال بعض الشعراء في هذا المعنى :
قُلْ للذي صَنَعَ الشَّرابَ بكفِّهِ أَتَرُدُّ مَقْدوراً [عليكَ إذا ] جَرَى (٦)
صنَعَ الشَّرابَ بكفِّهِ ومنِ اشْتَرى
ماتَ المُدَاوي والمُدَاوئ والذي
المنتظم (٣٣١/٦).
(١)
أخبار الراضي والمتقي (٢٣٣).
(٢)
في النسخ الخطية و ( م ) : ثابت بن سنان بن قرة ، وهو وهم .
(٣)
(٤)
عيون الأنباء في طبقات الأطباء (٣٠٠ - ٣٠٤).
داء يعرض للمعدة فلا تهضم الطعام ، ويفسد فيها ولا تمسكه . اللسان ( ذرب ) .
(٥)
في (ح): أترد مقدوراً جرى مقتدراً، وفي (ظا) و (ب): أترد مقدوراً جرى ، وأضيف ما بين حاصرتين في
(ط ) : أترد مقدوراً [ عليك قد ] جرى، وقد أثبتنا ما رأيناه أتمَّ للمعنى وأوفق للوزن .
(٦)

١٥٧
وفيات سنة ٣٣١هـ
أبو الحسن الأشعري(١): وذكر ابنُ الجوزي في (( المنتظم)) وفاة الأشعري في هذه السنة وتكلّم فيه ،
وحطَّ عليه كما جرت عادة الحنابلة ؛ يتكلَّمون في الأشعرية قديماً وحديثاً . وذكر أنه ولد سنة ستين
ومئتين ، وأنه توفي في سنة إحدى وثلاثين وثلاثمئة ، وأنه صَحِبَ الجُبَّائي أربعين سنة ، ثم رجع عنه ،
وأنه توفي ببغداد ، ودفن بمشرعة الرّوايا٢) .
محمد بن أحمد بن يعقوب بن شَيْبَة٣ُ) بن الصَّلْت : السَّدُوسي مولاهم ، أبو بكر .
سمع جدَّه، وعباساً الدُّوري ، وغيرهما ، وعنه أبو عمر(٤) بن مهدي .
وكان ثقةً .
روى الخطيب أن والد محمد هذا حين ولد أخذ طالعَ مولده المنجمون ، فحسبوا عمره [ وقالوا : إنه
يعيش كذا وكذا ]°)، فأرصد له أبوه حُبَّاً) [فكان يلقي (٧) فيه عن كلِّ يوم ديناراً، ثم أرصد له حُبّاً آخر
لذلك، ثم آخر لذلك ، فكان يعدل كل يوم بثلاثة دنانير ، ومع هذا ما أفاده شيئاً ، بل افتقر حتى صار
يستعطي من الناس ، ويحضر مجلس السماع عليه بلا إزار ، ويتصدَّق عليه أهل المجلس بشيءٍ يقوم
بأَوَدِ(٨) . والسَّعيد من أسعدَه الله .
محمد بن مَخْلَد بن حَفْصُ(٩): أبو عمر(١٠)، الدُّوري١١ّ)، العَطَّار.
كان يسكن الدُّور ؛ وهي محلة بطرف بغداد .
(١) سلفت ترجمته في وفيات (٣٢٤هـ).
(٢) انظر المنتظم (٣٣٢/٦ -٣٣٣).
تاريخ بغداد (٣٧٣/١ - ٣٧٥) الأنساب (٥٩/٧ - ٦٠) المنتظم (٣٣٣/٦ - ٣٣٤) سير أعلام النبلاء (٣١٢/١٥ -
(٣)
٣١٣) العبر: (٢٢٥/٢ -٢٢٦) الوافي بالوفيات (٣٩/٢) شذرات الذهب (٣٢٩/٢).
(٤)
في ( ط ) أبو بكر ، وهو تحريف .
ما بين حاصرتين من ( ط) .
(٥)
في (ح) و (ب) و (ط): جباً، وهو تصحيف، والحُبُّ : الجرة ، أو الضخمة منها.
(٦)
ما بين حاصرتين من ( ط ) .
(٧)
(٨)
انظر تاريخ بغداد (٣٧٤/١ _ ٣٧٥) .
(٩) في ( ط ) : جعفر وهو تحريف .
(١٠) في مصادر ترجمته: ((أبو عبد الله)). وهو الصواب ، فكأنه اشتبه عليه بأبي عمر الدوري .
(١١) الفهرست (٣٢٥) تاريخ بغداد (٣١٠/٣ - ٣١١) طبقات الحنابلة (٧٣/٢ - ٧٤) المنتظم (٣٣٤/٦) تذكرة الحفاظ
(٨٢٨/٣ - ٨٢٩) سير أعلام النبلاء (٢٥٦/١٥ - ٢٥٧) العبر (٢٢٧/٢) طبقات الحفاظ (٣٣٤ - ٣٤٥) شذرات
الذهب (٣٣١/٢) .

١٥٨
أحداث سنة ٣٣٢ هـ
سمع الحسن بنَ عرفة، والزُّبير بن بكَّار، ومُسْلم بن الحَجَّاج ، وغيرهم . وعنه الدَّارَقُطني ،
وجماعةٌ من الحفاظ .
وكان ثِقَةٌ ، فَهِماً، واسعَ الرِّواية ، مشكورَ الدِّيانة ، مشهوراً بالعبادة .
.
وكانت وفاته في جمادى الآخرة من هذه السنة، وقد استكمل سبعاً وتسعين (١) سنة وثمانية أشهر
وواحداً وعشرين يوماً .
المجنون البغدادي(٢) : روى ابنُ الجَوْزي من طريق أبي بكر الشِّبْلي قال : رأيت مجنوناً عند جامع
الرُّصَافة وهو عُزيان وهو يقول : أنا مجنون الله، أنا مجنون الله . فقلت له : ما لك ، ألا تستتر وتدخل
الجامع وتصلّي ؟ فأنشأ يقول :
يقولونَ زُرْنا واقْضٍ واجِبَ حَقِّنا وقد أسْقَطَتْ حالي حُقُوقَهُمُ عنّي
إذا هُمْ رَأوْا حالي ولم يأنفوا لها ولم يأنفوا منها أنفتُ لهم منِّيُ(٣)
ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمئة
فيها خرج المتقي من بغداد إلى المَوْصل مغاضباً لتوزون أمير الأمراء ، وكان إذ ذاك بواسط ، وقد
زوَّج ابنته من أبي عبد الله البريدي، وصارا يداً واحدةً على الخليفة . وأرسل ابنَ شيرزاد في ثلاثمئة غلام
إلى بغداد، فأفسد فيها، وقَطَعَ وَوَصَل، واستقلَّ بالأمور من غير مراجعةِ المتقي الله ، فغضب المتقي ،
وخرج منها مغاضباً [ له(٤) بأهله وأولاده ووزيره ، ومن اتَّبعه من الأمراء وأعيان أهل بغداد ، قاصداً ابنّيْ
حمدان ، فتلقاه سيفُ الدولة إلى تكريت ، ثم جاءه ناصرُ الدولة وهو بتكريت أيضاً ، وحين خرج المتقي
أكثر ابنُ شيرزاد الفساد ببغداد ، وظلَمَ أهلها وصادَرَهم ، وأرسل يعلم توزون ، فأقبل مسرعاً نحو تكريت
فتقاتل هو وسيف الدولة بن حمدان ، فَهُزمَ سيفُ الدولة ، وأخذ معسكره ومعسكر أخيه ناصر الدولة ، ثم
كَرَّ إليه سيفُ الدولة ، فهزَمه توزون أيضاً، وانهزم الخليفة المتقي وناصر الدولة وسيف الدولة من
المَوْصل إلى نَصيبين، وجاء توزون فدخل إلى الموصل ، وأرسل إلى الخليفة يطلب رضاه ، فأرسل
الخليفة يقول : لا سبيل إلى ذلك إلا أن تصالح بني حمدان ، فاصطلحوا ، وضَمِنَ ناصرُ الدولة بلادَ
الموصل بثلاثة آلاف ألف وستمئة ألف ، ورجع توزون إلى بغداد ، وأقام الخليفة عند بني حَمْدان .
(١) في ( ط) : وسبعين، وهو تصحيف.
المنتظم (٣٣٥/٦) .
(٢)
المنتظم (٣٣٥/٦).
(٣)
(٤) ما بين حاصرتين من ( ط ).

١٥٩
أحداث سنة ٣٣٢هـ
وفي غيبة توزون عن واسط أقبل إليها معزُّ الدولة بن بُوَيْه في خَلْقٍ من الدَّیلم کثیرین ، فانحدر توزون
مسرعاً إلى واسط ، فاقتتل مع معز الدولة بضعة عشر يوماً ، وكان آخرَ الأمر أن انهزم معزُّ الدولة ، ونُهِبَتْ
حواصله ، وقُتِلَ من جيشه خَلْقٌ كثير ، وأُسر جماعة من أشراف أصحابه .
ثم عاود توزون ما كان يعتريه من مرض الصَّرْع ، فشغل بنفسه ، فرجع إلى بغداد .
وفي هذه السنة قَتَلَ أبو عبد الله البريدي أخاه أبا يوسف ، وكان سبب ذلك أن أبا عبد الله قَلَّ ما كان
عنده من الأموال ، فكان يستقرض من أخيه أبي يوسف ، فيقرضه القليل ، ثم يشنِّع عليه ، ويذُ تصرُّفه ،
فمال الجُنْدُ إلى أبي يوسف ، وأعرضوا عن أبي عبد الله، فخشيَ أبو عبد الله أن يبايعوه ويتركوه ، فأرسل
إليه طائفةً من غِلْمانه، فقتلوه غِيْلَةً، ثم انتقل إلى داره ، وأخذ جميعَ حَوَاصله وأمواله ، فكان قيمة
ما استحوذ عليه من الأموال يقارب ثلاث آلاف ألف(١) دينار. ولم يمتَّع بعده إلا ثمانية أشهر ، مرض فيها
مرضاً شديداً بالحمَّى الحادة، حتى كانت وفاته في شؤَّال من هذه السنة، فقام بالأمر بعده أخوه أبو الحسين
- قبحه الله - فأساء السيرة في أصحابه ، فثاروا به ، فلجأ إلى القرامطة ، فاستجار بهم ، وقام بالأمر من
بعده أبو القاسم بن أبي عبد الله البريدي في بلاد واسط والبصرة وتلك النواحي من الأهواز وغيرها .
وأما الخليفة المتقي الله فإنه لما أقام عند آل حَمْدان بالمَوصل ظهر له منهم تضجُّر ، وأنهم يرغبون في
مفارقته ، فكتب إلى توزون في الصُّلْح ، فاجتمع توزون مع القضاة والأعيان ببغداد ، وقرؤوا كتاب
الخليفة ، وقابله بالسمع والطاعة ، وحلف له ، ووضع خطّة بالإقرار له ، ولمن معه بالإكرام والاحترام
والخضوع ، فكان من الخليفة ودخوله إلى بغداد ما سيأتي في السنة الآتية .
وفي هذه السنة أقبلت طائفةٌ من الرُّوس في البحر إلى نواحي أذْرَبيجان ، فقصدوا برذعة ،
فحاصروها ، فلما ظفروا بأهلها قتلوهم عن آخرهم ، وغنموا أموالهم ، وسَبَوْا منِ استحسنوه من
نسائهم ، ثم مالوا إلى مَرَاغة ، فوجدوا فيها ثماراً كثيرة ، فأكلوا منها ؛ فأصابهم وباءً شديد ، فمات
أكثرهم ، فكان إذا مات أحدهم دفنوا معه سلاحه وماله ، فيأخذه المسلمون ، وأقبل إليهم المَرْزُبان بن
محمد ، فقاتلهم فقتل منهم خلقاً كثيراً أيضاً مع ما أصابهم من الوباء الشديد ، وطهَّرَ الله تلك البلاد منهم .
وفي ربيع الأول من هذه السنة جاء الدمستق ؛ ملك الرُّوم إلى رأس العين (٢) في ثمانين ألفاً ،
فدخلَها ، ونَهَبَ ما فيها ، وقتلَ أهلها وسبى منهم نحواً من خمسة عشر ألفاً ، وأقام بها ثلاثة أيام ،
وقصدته الأعراب من كل وجه ، فقاتلوه قتالًاً عظيماً حتى انجلى عنها .
وفي جُمَادى الأولى غلتِ الأسعار ببغداد جداً ، وكَثُرتِ الأمطار جداً حتى تهدَّم البناء ، ومات كثير
(١) في (ح) و( ط ): ثلاثمئة ألف ألف.
(٢) من مدن الجزيرة بين حران ونصيبين ودنيسر ((معجم البلدان)): (١٤/٣).

١٦٠
وفيات سنة ٣٣٢هـ
منَ الناس تحت الهَدْم ، وتعطلت كثير من الحمَّامات والمساجد من قِلَّة الناس ، ونقصت قيمة العقار حتى
كان يباع بالدِّرْهم ما كان يساوي الدِّينار، وخَلَت أكثر الدور ؛ فكان المُلاك يعطون من يسكنها أُجرة
ليحفظها عليهم من الدَّاخلين إليها لتخريبها . وكَثُرَتْ الكبسات من اللصوص بالليل ، حتى كان الناس
يتحارسون بالبوقات والطُّبول ، وكثرت الفِتنُ من كل جهة ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، ونعوذ بالله من
شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا .
وفي رمضان من هذه السنة كانت وفاة(١) :
أبي طاهر سليمان بن أبي سعيد الحسن الجَنَّابِيِ(٢) الهَجَريّ(٣) القِرْمِطِي: رئيس القرامطة، لعنه الله،
وهذا هو الذي قَتَلَ الحجيج حولَ الكعبة وفيها ، وسلبها كُسْوتها(٤) وبابها وحليتها ، واقتلع الحجر الأسود
من ركنها ، وحمله إلى بلده هَجَر ، وهو في هذه المدة كلها عنده من سنة سبع عشرة كما ذكرنا٥) ، ولم
يردّه الأخابث إلى سنة تسع وثلاثين كما سيأتي(٦).
ولما مات أبو طاهر هذا قام بالأمر بعده في القرامطة إخوته الثلاثة ، وهم : أبو العباس الفَضْل ،
وأبو القاسم سعيد ، وأبو يعقوب يوسف بنو أبي سعيد الجَنَّابي لعنهم الله ، وكان أبو العَبَّاس ضعيفَ
البدن ، مقبلاً على قراءة الكتب ، وكان أبو يعقوب مقبلاً على اللهو واللعب ، ومع هذا [ كانت (٧) كلمة
الثلاثة واحدة لا يختلفون في شيء ، وكان لهم سبعة من الوزراء متفقون أيضاً ، قبحهم الله أجمعين .
وفي شوال منها توفي أبو عبد الله البَرِيْدي كما ذكرنا ، فاستراح المسلمون من هذا وهذا .
وممن توفي فيها من الأعيان :
أبو العبَّاس بن عُقْدة الحافظ(٨) أحمد بن محمد بن سعيد بن عبد الرحمن ، أبو العَبَّاس ، الكوفي ،
(١) ذكر ابن خلكان في ((وفياته)): (٢/ ١٥٠) أنه قتل ، والصحيح أنه مات بالجدري كما ذكر كل من ترجم له .
(٢) أنظر حاشيتنا على وفيات سنة (٣٠١هـ).
تاريخ أخبار القرامطة (٣٦) وما بعدها، المنتظم (٣٣٦/٦) الكامل لابن الأثير (١٤٣/٨) وما بعدها، وفيات
(٣)
الأعيان (١٤٨/٢ - ١٥٠) سير أعلام النبلاء (١٥/ ٣٢٠ _ ٣٢٥) العبر (١٦٧/٢ -١٦٨) الوافي بالوفيات (٣٦٣/١٥ -
٣٦٦) مرآة الجنان: (٢٧١/٢ - ٢٧٣) تاريخ ابن خلدون (٣٧٧/٣ - ٣٧٩) النجوم الزاهرة (٢٢٤/٣ - ٢٨١)
شذرات الذهب (٣٣١/٢ -٣٣٢).
(٤)
في ( ح ) : وسلبها ستورها وحليتها.
انظر أحداث سنة (٣١٧هـ) .
(٥)
انظر أحداث سنة (٣٣٩هـ) .
(٦)
(٧) ما بين حاصرتين من (ط).
(٨) الفهرست للطوسي (٢٨ - ٢٩) تاريخ بغداد (١٤/٥ - ٢٢) المنتظم (٣٣٦/٦ - ٣٣٧) تذكرة الحفاظ (٨٣٩/٣ -
٨٤٢) سير أعلام النبلاء (٣٤٠/١٥ - ٣٥٥) العبر (٢٣٠/٢) ميزان الاعتدال (١٣٦/١ - ١٣٨) الوافي بالوفيات =