النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ وفيات سنة ٣٢٠هـ إبراهيم بن محمد بن علي(١) بن بطحاء بن علي بن مقلة ٢) ، أبو إسحاق التميمي ، المحتسب ببغداد . روى عن عباس الدُّوري ، وعليٍّ بن حرب وغيرهما ، وكان ثِقَةً فاضلاً . مَرَّ يوماً على باب القاضي أبي عمر محمد بن يوسف ، والخصوم عكوفٌ على بابه ، والشمس قد ارتفعت عليهم ، فبعث حاجبه إليه يقول له: إما أن تخرج فتفصلَ بينهم ، وإما أن تبعث إليهم فتعتذر إليهم إن كان لك عذر حتى يعودوا إليك بعد هذا الوقت(٣) . أبو علي بن خَيْرَانُ(٤) : الفقيه الشَّافعي ، أحد أئمة المذهب . هو الحسين بن صالح بن خَيْران ، أبو علي ، الفقيه الكبير الورع البارع ، عُرِضَ عليه منصبُ القضاء فلم يفعل ، فخَتم الوزير عليٌّ بنُ عيسى على بابه ستة عشر يوماً ، ولم يجد له أهله ماء إلا منْ بيوت الجيران ، ومع هذا كله يمتنع عليه وعليهم ، ولم يل لهم شيئاً . فقال الوزير : إنما أردنا أن نُعْلِمَ النَّاس أنْ ببلدنا وفي مملكتنا من عُرِضَ عليه قضاء القضاة شرقاً وغرباً فلم يقبل . وقد كانت وفاتُهُ في ذي الحجَّة من هذه السنة، وقد ذكرنا ترجمته في ((طبقات الشَّافعية )) بما فيه كفاية ، رحمه الله(٥) . عبد الملك بن محمد بن عُدِي(٦): الفقيه ، الإسْتِرَاباذِي، أَحدُ أئمة المسلمين والحُفَّاظ المحدِّثين، وقد ذكرناه أيضاً في ((طبقات الشَّافعية)(٧) . = (٧٩٥/٣ - ٧٩٨). تاريخ بغداد (١٦٤/٦) المنتظم (٢٤٢/٦) . (١) (٢) في تاريخ بغداد (١٦٤/٦): مستقلة؛ وإخالها تصحيفاً. في تاريخ بغداد (١٦٤/٦) توفي في صفر سنة (٣٣٢هـ)، وفيها ترجمه الذهبي في تاريخ الإسلام (٧/ ٦٥٩)، وهو (٣) الصواب . (٤) تاريخ بغداد (٥٣/٨ - ٥٤) طبقات الفقهاء الشيرازي (١١٠) المنتظم. (٢٤٤/٦ - ٢٤٥) وفيات الأعيان (١٣٣/٢ - ١٣٤) سير أعلام النبلاء (٥٨/١٥ -٦٠) الوافي بالوفيات (٣٧٨/١٢ -٣٧٩) وفي ( ط ) خيزان، وهو تصحيف. (٥) ثمة خلاف حول سنة وفاته بين عشر وثلاثمئة ، أو عشرين وثلاثمئة . وقد ناقش المسألة السبكي في طبقات الشافعية (٢٧٣/٣ - ٢٧٤) . (٦) تاريخ جرجان (٢٣٥) وتاريخ بغداد (٤٢٨/١٠ - ٤٢٩) الأنساب (٢١٤/١ - ٢١٥) المنتظم (٢٤٥/٦، ٢٨٠) معجم البلدان (١٧٥/١) اللباب (٤٠/١). (٧) في تاريخ جرجان والأنساب : توفي سنة (٣٢٣ هـ) . ١٠٢ أحداث سنة ٣٢١هـ القاضي أبو عمر المالكي(١) محمد بن يوسف [بن يعقوب ]٢) بن إسماعيل بن حمَّاد بن زيد ، أبو عمر ، القاضي ببغداد ومعاملاتها من سائر البلاد . وكان من أئمة الإسلام عِلْماً ومعرفة، وفصاحةً وبلاغةً ، وعقلاً ورياسة ، بحيث كان يُضْربُ بعقله وحِلْمِهٍ(٣) المثل. وقد روى الكثير عن المشايخ، وحدَّث عنه الدَّارَقُطْني وغيره من الحُفَّاظ ، وحمل النَّاس عنه عِلْماً كثيراً من الفِقْه والحديث، وقد جُمِعَ له قضاء القضاة في سنة سبع عشرة وثلاثمئة وله مُصنَّفات كثيرة . وجَمَعَ مُسْنداً حافلاً ، وكان إذا جلس للتحديث جلس أبو القاسم البغوي عن يمينه وهو قريبٌ من سنِّ أبيه ، وعن يساره ابنُ صاعد، وبين يديه أبو بكر النَّيْسَابوري، وسائر الحُفَّظ حول سريره من كلِّ جانب . قالوا : ولم يُنتقد عليه حُكْمٌ من أحكامه أخطأ فيه . قلت : وكان من أعظم صواب أحكامه قَتْلُه الحسين بن منصور الحلاج(٤) - قبحه الله وأخزاه - وذلك في سنة تسع وثلاثمئة كما تقدم(٥) . وقد كان جميلَ الأخلاق ، حسنَ المعاشرة ، اجتمع يوماً عنده أصحابُهُ فجيء بثوبٍ فاخرٍ ليشتريه بنحوٍ من خمسين ديناراً ، فاستحسنه الحاضرون ، فاستدعى بالقَلانسي وأمَرَه أنْ يقطعَ ذلك الثوبَ قلانسَ بعددِ الحاضرين . وله مناقبُ ومحاسن ، رحمه الله تعالى . وكانت وفاته في رمضان من هذه السنة عن ثمانٍ وسبعين سنة ، وقد رآه بعضُهم في المنام فقيل له : ما فعل بكَ رَبُّك؟ فقال: غَفَرَ لي بدعوة الرجل الصالح إبراهيم الحَرْبي(٦) ، رحمهما الله. ثم دخلت سنة إحدى وعشرين وثلاثمئة في صفر منها أحضر الخليفة رجلاً كان يقطع الطريق بدِجْلَة ، فَضُرِبَ بين يديه ألف سوط ، ثم ضربت عنقه ، وقُطِّعَتْ أيدي أصحابه وأرجُلُهم . (١) تاريخ بغداد (٤٠١/٣ - ٤٠٥) المنتظم (٢٤٦/٦ - ٢٤٨) الكامل في التاريخ (٢١٣/٨ و٢٤٧) سير أعلام النبلاء (١٤ / ٥٠٥٥ - ٥٥٧) الوافي بالوفيات (٢٤٥/٥ -٢٤٦). (٢) ما بين حاصرتين من تاريخ بغداد (٤٠١/٣). (٣) في (ح ) : وحكمه . (٤) قال بشار : الذي يفهم من النص الذي ذكره الخطيب في محاكمة الحلاج بحضور القاضي أبي عمر أنه لم يكن راغباً في الحكم بقتله ، وأن ذلك إنما كان بإلحاح من الوزير حامد، قال الخطيب: (( وألح عليه حامد بالمطالبة بالكتاب إلحاحاً لم يمكنه معه المخالفة ، فكتب بإحلال دمه)) ( ٨/ ٧١٨ بتحقيقنا). (٥) انظر أحداث سنة (٣٠٩هـ) . (٦) تاريخ بغداد (٤٠٤/٣). ١٠٣ أحداث سنة ٣٢١ هـ وفيها أمر القاهر بالله بإبطال الخمور والمغاني والقِيَان ، وأمر ببيع الجواري المغنيات في سوق النَّخْس على أنهن سواذج . قال ابن الأثير : وإنما فعل القاهر ذلك لأنه كان محباً للغناء ، فأراد أن يشتري الجواري المغنيات بأرخص الأثمان ، نعوذ بالله من هذه الأخلاق(١) . وفيها أشاعت العامة بينهم بأن الحاجب عليَّ بن بُلَيق (٢) يريد أن يلعنَ معاويةَ على المنابر، فلما بلغَ ذلك الحاجبَ بعث إلى رئيس الحنابلةِ أبي محمد البَرْبَهاري(٣) الواعظ ليقابلَه على ذلك ، فهرب واختفى ، فأمر بجماعةٍ من أصحابه ، فَحَدَروا بهم إلى البصرة . وفيها عَظِّمَ الخليفة وزيرَه أبا علي بن مُقْلة وخاطبه بالاحترام والإكرام ، ثم إن الوزير ومؤنساً الخادم وعليَّ بن بليق وجماعةً من الأمراء اشتوروا فيما بينهم على خَلْع القاهر بالله ، وتولية أبي أحمد بن المكتفي ، وبايعوه فيما بينهم سِرّاً، وضيّقوا على القاهر بالله في رِزْقهَ، و[على ]٤) من يجتمع به وأرادوا القبضَ عليه سريعاً ، فبلغ ذلك الخليفة على يدي طريف السبكري(٥) ، فسعى في القبض عليهم ، فوقع في مخاليبه الأمير الكبير المظفَّر مُؤْنس الخادم ، وأمر بحبسه قبل أن يراه والاحتياط على دوره وأملاكه - وكانت فيه عَجَلَة وجُزْأة وهَوَج وخَرَقٌ شديد - وجعل في منزلته - إمرة الأمراء ورياسة الجيش - طريفاً السبكري، وقد كان أحدَ الأمراء(٦) عند مؤنس الخادم قبل ذلك . وقَبَضَ على بُلَيْق ، واختفى ولده علي بن بُلَيق ، وكذا هرب الوزير أبو علي بن مُقْلَة ، فاستوزر مكانه أبا جعفر محمد بن القاسم بن عبيد الله في مستهل شعبان ، وخلع عليه ، وأمر بتحريق دار أبي علي بن مُقْلة ، ووقع النَّهْبُ ببغداد ، وهاجتِ الفتنة ، وأمر القاهر بأن يجعل أبو أحمد بن المكتفي بين حائطين ويُسَدَّ عليه بالآجُرِّ والكلس ، وهو حيٌّ ، فمات . وأرسل إلى المختفين فنادى : إن منْ أخفاهم [ قتل و (٧) خربت داره . فوقَعَ بعلي بن بليق فقتله ؛ ذُبحَ بين يديه كما تُذْبِحُ الشاة ، فأخذ رأسه في طَسْتٍ ، ودخل القاهر بنفسه على أبيه بُلَيْق ، فوضع الرأس بين يديه ، فلما رآه بكى ، وأخذ يقبله ويترشفه ، فأمر بذبحه أيضاً فَذُبِحَ ، ثم أخذ الرأسين في الكامل (٢٧٣/٨). (١) في بعض المصادر : يلبق ، وما أثبتناه هو الصواب . (٢) (٣) سترد ترجمته وفيات سنة (٣٢٩هـ) . (٤) ما بين حاصرتين من ( ط ) . (٥) في ( ط ) و( ظا) : اليشكري . في ( ط ) : الأعداء ؛ وهو تحريف . (٦) (٧) ما بين حاصرتين من ( ط ). ١٠٤ ذکر ابتداء أمر بني بُوَيْه وظهور دولتهم طَسْتين ، فدخل بهما على مُؤْنس الخادم ، فلما رآهما تشهّد ولعن قاتلهما ، فقال القاهر عند ذلك : جروا برجل الكلب ، فأُخِذَ فَذُبحَ أيضاً ، وأُخِذَ رأسه فوضِعَ في طَسْتٍ ، وطيف بالرؤوس في بغداد [ ونودي عليهم ]١) : هذا جزاء منْ يخون الإمام ، ويسعى في الدولة فساداً . ثم أعيدت الرؤوس إلى خزائن السِّلاح . وفي ذي القَعْدة قَبَضَ القاهر على الوزير أبي جعفر محمد بن القاسم بن عبيد الله وسجنه ، وكان مريضاً بالقُولَنْج ، فبقي ثمانية عشر يوماً ومات ، فكانت وِزَارَتُه ثلاثةَ أشهر واثني عشر يوماً . واستوزر مكانه أبا العَبَّاس أحمد بن عبيد الله بن أحمد (٢) الخَصِيبي، ثم قبض على طريف السبكري [ الذي تعاون على مؤنس وابن بليق ]٣) وسَجَنه ، [ ولهذا قيل: من أعان ظالماً سلطه الله عليه ]٤) فلم يَزَلْ فيه حتى خُلِعَ القاهر . وفيها جاء الخبر بموتٍ تكين الخاصَّةُ(٥) بديار مصر ، وأن ابنه محمداً قد قام بالأمر بعده ، وسارت الخِلَع إليه من القاهر بالله تنفيذاً لولايته واستقرارها . ذِكْرُ ابتداءِ أمر بني بُوَيْه وظهور دَوْلتهم في هذه السنة وهم ثلاثة إخوة : عمادُ الدَّولة أبو الحسن علي ، وركن الدَّولة أبو علي الحسن ، ومعز الدولة أبو الحسين أحمد أولاد أبي شجاع بُوَيْه بن فتَّاخُسْرُو بن تَمَام بن كوهي بن شيرزيل الأصغر بن شيركنده(٦) بن شيرزيل الأكبر بن شيران شاه بن شيرفتَّه بن سَسْتال(٧) شاه بن سَسَن(٨) فَرُو بن شَرْوزيل بن سنساذَ(٩) بن بَهْرَام جُور الملك بن يَزْدَ جِزْد الملك [ بن هُزْمُز الملك ١٠٤) بن سابور (١) ما بين حاصرتين من (ط). في النسخ الخطية و( ط ): سليمان، وهو تحريف. انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (٢٩٢/١٥ -٢٩٣). (٢) (٣) ما بين حاصرتين من ( ط). ما بين حاصرتين من ( ط ) . (٤) ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٥ / ٩٥ - ٩٦). (٥) (٦) في وفيات الأعيان (١٧٥/١): شيركوه، وفي الإكمال لابن ماكولا (٣٧٢/١) شير كذه. في النسخ الخطية : سنان ، وهو تحريف . والمثبت من الإكمال ، وفي وفيات الأعيان : شستان . (٧) (٨) في النسخ الخطية : سيس فيروز ، والمثبت من الإكمال ووفيات الأعيان . (٩) في النسخ الخطية : سنسا، والمثبت من الإكمال . (١٠) ما بين حاصرتين من الإكمال. ١٠٥ ذكر ابتداء أمر بني بُوَيْه وظهور دَوْلتهم الملك بن سابور ذي الأكتاف الفارسي . كذا نسبهم الأمير أبو نصر بن ماكُولا في كتابه (١) . وإنما قيل لهم الديالمة ؛ لأنهم جاوروا الدَّيْلَم ، وكانوا بين أظهرهم مُدَّة ، وقد كان أبوهم أبو شجاع بُوَيْه فقيراً مُدْفَعاً ، يصطاد السَّمَك ، ويحتطب بنوه الحطب على رؤوسهم ، فماتت امرأته ، وخلَّفت له هؤلاء الأولاد الثلاثة ، فَحَزْنَ عليها ، فبينما هو ذات يوم عند بعض أصحابه وهو شهريار بن رستم الدَّيْلمي ، إذ مَرَّ منجم فاستدعاه فقال له : إني رأيتُ مناماً غريباً [ أحب أن تفسره لي (٢) رأيت كأني أبول ، فخرج من ذَكّري نارٌ عظيمة حتى كادت تبلغ عَنَان السماء ، ثم انفرقت ثلاث شُعَب ، ثم انتشرت كلُّ شعبة إلى شُعَبٍ كثيرة ، فأضاءت الدنيا بتلك النَّار ، ورأيت البلاد والعِبَاد قد خضعت لهذه النار . فقال له المنجّم : هذا منامٌ عظيم لا أفسِّره لك إلا بمالٍ جزيل . فقال : والله لا شيء عندي أعطيك ، ولا أملك غير فرسي هذه . فقال : هذا يدُلُّ على أنه يملك من صلبك ثلاثة ملوك ، ثم يكون من سلالة كل واحد منهم ملوك عِدَّة . فقال له : ويحك ، أتسخر بي ؟ وأمر بنيه فصفعوه ، وأعطاه عشرة دراهم . فقال لهم المنجم : اذكروا هذا إذا قَدِمْتُ عليكم وأنتم ملوك . وخرج وتركهم . وهذا من أعجب الأشياء ، وذلك أن هؤلاء الإخوة الثلاثة كانوا عند ملك يقال له ما كان بن كالي في بلاد طَبَرْستان ، فتسلَّط عليه مَزْدَاويج، فَضَعُفَ ما كان ، فشاوروه في مفارقته حتى يكون من أمره خير ، فخرجوا عنه ومعهم جماعةٌ من الأمراء ، فصاروا إلى مَرْدَاويج ، فأكرمهم واستعملهم على الأعمال في البلدان، فأعطى عماد الدولة علي بن بُوَيِه نيابة الكَرَجُ(٣) ، فأحسن فيها السِّيرة ، والتفَّ عليه الناس وأحبوه ، فحسده مرداويج ، وبعث إليه يعزله عنها ، ويستدعيه إليه ، فامتنع من القدوم عليه ، وصار إلى أصبهان ، فحاربه نائبها فقهره عماد الدولة واستولى عليها . وإنما كان معه سبعمئة فارس ، فَرَدَّ بها عشرة آلاف ، وعَظُمَ في أعين الناس ، فلما بلغ ذلك مرداويج قَلِقٍ منه ، وأرسل إليه جيشاً ، فأخرجوه من أصبهان، وقَصَدَ أرَّجال(٤) ، فأخذها من نائبها ، وحصل له من الأموال شيءٌ كثير جداً ، ثم أخذ بلداناً كثيرة، واشتهرَ أمره وبَعُدَ صيته، وحَسُنَتْ سيرته ، [ فقصده الناس محبة وتعظيماً }(٥) واجتمع إليه من الجند خَلْقٌ كثير وجمٌّ غفير ، وقد آل بهم الحال إلى أن ملكوا بغداد من أيدي الخلفاء العباسيين ، وصار لهم [ فيها ] القَطْع والوصل، والولاية والعَزْل، وإليهم تجبى الأموال ، ويرجع إليهم في سائر الأمور والأحوال ، على ما سنذكر ذلك مبسوطاً ، والله المستعان المحمود على كل حال . (١) انظر الإكمال (١/ ٣٧٢). (٢) ما بين حاصرتين من ( ط). (٣) في ( ط ) : الكرخ ؛ وهو تصحيف . (٤) في ( ط ) : أذربيجان ؛ وهو تحريف . (٥) ما بين حاصرتين من ( ط ). ١٠٦ وفيات سنة ٣٢١هـ وممن توفي في هذه السنة من الأعيان : أحمد بن محمد بن سَلامة١ُ) بن سَلمة بنِ عبد الملك: أبو جعفر، الطَّحَاوي، نسبةً إلى طَحًا ، وهي قرية بصعيد مصر (٢). الفقيه الحَنَفي ، صاحب المصنفات المفيدة والفوائد [الغزيرة]٣)، وهو أحد الثقات الأثبات ، والحُفَّاظ الجهابذة، وطَحَا : بَلْدةٌ بديار مِصْر. وهو ابن أخت المُزَني (٤) رحمهما الله . وكانت وفاته في مستهل ذي القَعْدة من هذه السنة عن ثنتين وثمانين سنة ، وذكر أبو سَعْدِ السَّمْعاني أنه ولد سنة تسع وعشرين ومئتين(٥) ، فعلى هذا يكون قد جاوز التسعين ، والله أعلم . وذكر ابن خَلِّكان في ((الوَفَيَات)) أن سبب انتقاله إلى مذهب أبي حنيفة ، ورجوعه عن مذهب خاله المُزَني، أنَّ خاله قال له يوماً: والله لا يجيء منك شيءٌ. فَغَضِبَ، واشتغل على أبي جعفر بن أبي عِمْران الحنفي، حتى برع وفاق أهل زمانه، وصنَّف كتباً كثيرة. منها (( أحكام القرآن)). و((اختلاف العلماء)). و((معاني الآثار))، و((التاريخ الكبير))، وله في الشُّروط كتاب، وكان بارعاً فيها٦) . وقد كتب للقاضي أبي عبيد الله محمد بن عَبْدَ(٧)، وعدَّله القاضي أبو عُبيد بن حَرْبَويه(٨) ، وكان يقول : رحم الله المُزَني ، لو كان حياً لكفَّر عن يمينه . وكانت وفاته في مستهل ذي القَعْدَة ، ودفن بالقَرَافة ، وقبره هنالك مشهور بها ، رحمه الله تعالى . وترجمه ابنُّ عساكر ، وذكر أنه قَدِمَ دمشق سنة ثمانٍ وستين ومئتين ، وأخذ الفِقْه عن قاضيها أبي خازم . (١) طبقات الفقهاء للشيرازي (١٤٢) الأنساب (٢١٨/٨) تاريخ ابن عساكر (١٨٩/٢ - ١٩٠) المنتظم (٢٥٠/٦) وفيات الأعيان (١/ ٧١ - ٧٢) سير أعلام النبلاء (٢٧/١٥ - ٣٢) الوافي بالوفيات (٩/٨ -١٠). (٢) في معجم البلدان (٢٢/٤): وليس [ أي الطحاوي ] من نفس طحا، وإنما هو من قرية قريبة منها يقال لها طحطوط . (٣) ما بين حاصرتين من ( ط). (٤) سلفت ترجمته في وفيات سنة (٢٦٤ هـ) . في أصول الأنساب (٢١٨/٨) ولد سنة (٢٣٩هـ)، ولعله في غير النسخ التي اعتمد عليها المحقق يوافق ما نقله ابن (٥) كثير وغيره عن السمعاني ، أو ربما الذي ذكره السمعاني هنا كتبه في غير كتابه الأنساب . انظر وفيات الأعيان (٧١/١) وانظر مظان بعض نسخ كتبه المذكورة في تاريخ التراث العربي لسزكين (٦) ( مج١/ح٣/ ص٩٤ ) وما بعدها . (٧) في ( ط ) : أبي عبيد الله محمد بن عبد الله ، وهو تصحيف وتحريف . (٨) سلفت ترجمته في وفيات سنة (٣١٩هـ). ١٠٧ وفيات سنة ٣٢١هـ أحمد بن محمد بن موسى بن النَّضْر(١) : بن حكيم بن علي بن زربى ، أبو بكر بن أبي حامد ، صاحب بيت المال . سمع عَبَّاساً الدُّوري وخلقاً ، وعنه : الدَّارَقُطْني وغيره. وكان ثِقَةً صدوقاً ، جَواداً ممدَّحاً ، اتفق في أيامه أن رجلاً من أهل العلم كانت له جارية يحبها حُبَّاً شديداً ، فَرَكِبَتْهُ ديونٌ كثيرة اقتضى الحال أن باع تلك الجارية في الدَّيْن ، فلما قَبَضَ ثمنها نَدِمَ ندامةً عظيمةً جداً [على فراقها ]٢)، وبقي متحيراً في أمْرِه ، وأباعها الذي كانت عنده ، فبلغ سيِّدَها أن الجارية قد اشتراها ابن أبي حامد صاحب بيت المال ، فتشفَّع إليه ببعض أصحابه في أنْ يردّها إليه بثمنها . [ وذكر له أنه يحبها ، وأنه من أهل العلم ، وإنما باعها في دين ركبه لم يجد له وفاء ]٣) فلما قال له ذلك لم يكن عند [ ابن أبي حامد ]٤) شعور بها ، وذلك أن امرأته اشترتها له ولم تعلمه بَعْدُ بأمرها حتى تحل من استبرائها ، وكان ذلك اليوم آخره فألبسوها الحُليَّ والمَصَاغِ ، وصنعوها له ، وحين شفع عنده في أمرها بُهِتَ لعدم علمه بها . ثم دخل يستكشف خبرها من منزله ، فإذا بها قد هُيِّئتْ له وزخرفت ، ففرح فرحاً شديداً إذ وجدها [ كذلك ]°) من أجل ذلك الرجل . فأخرجها معه وهو يُظْهر السرور ، [ وامرأته تظن أنه إنما أخذها ليطأها ، فأتى بها إلى ذلك الرجل بحليها وزينتها ]٦) فقال لسيدها : هذه جاريتك ؟ فلما رآها [ على تلك الصفة في ذلك الحلي والزينة مع الحسن الباهر ]٧) اضطرب كلامه، واختلط في عقله مما رأى من حُسْن منظرها وهيئتها. قال: نعم . قال : خذها بارك الله لكَ فيها . فَفَرِحَ الفتى [ بها (٨) فرحاً شديداً. وقال : يا سيدي ، تأمر منْ يحمل معي المال ؟ فقال : ولا حاجة لي به ، وأنت في حِلِّ منه ، فإني أخشى - إن لم يبق معك شيء - أن تبيعها ثانية ممن لا يردُّها عليك. فقال: يا سيدي، فهذا الحُليُّ والمَصَاغ الذي عليها؟ قال : هذا شيء وهبناه لها لا نعود فيه أبداً. فاشتدَّ فرح الفتى ، وأخذها معه . فلما وَدِّعَ ابنُ أبي حامد قال للجارية : أيما كان أحبُّ إليك نحن أو سيِّدُك هذا؟ فقالت : أما أَنْتم فأغنيتموني ، فجزاكم الله خيراً ، وأما سيدي هذا فلو أني مَلَكْتُ منه ما ملك مني لم أبِعْهُ بالأموال الجزيلة . فاسْتَحْسَنَ الحاضرون ذلك منْ قولها ، مع صغر سنِّها٩) . تاريخ بغداد (٩١/٥ - ٩٣) المنتظم (٢٥٠/٦ -٢٥٢). (١) (٢) ما بين حاصرتين من ( ط ) . ما بين حاصرتين من ( ط ) . (٣) ما بين حاصرتين من ( ط ) . (٤) ما بين حاصرتين من ( ط ) . (٥) ما بين حاصرتين من ( ط ) . (٦) (٧) ما بين حاصرتين من ( ط). (٨) ما بين حاصرتين من ( ط). (٩) انظر الخبر في تاريخ بغداد والمنتظم بغير هذا السياق . وكذلك في مطبوع البداية والنهاية . ١٠٨ وفيات سنة ٣٢١هـ شَغَبَ أُمّ أمير المؤمنين المقتدر بالله الملقَّة بالسَيّدة (١) : كان دخل أملاكها في كلِّ سنة ألف ألف دينار ، وكانت تتصدَّق بأكثر من ذلك على الحجيج في أشْرِبَةٍ وأزواد وأطباء يكونون معهم ، و[ في ]٢) تسهيل الطُرقات والموارد . وكانت في غاية الحِشْمَةِ والرِّياسة ونفوذ الكلمة أيام خلافة ولدها ، فلما قُتْلَ كانت مريضةً فزادها [ قتله ]٣) مرضاً إلى مرضها، ولما استقر أمْرُ القاهر في الخِلافة وهو ابنُ زَوْجها المُعْتضِد ، أخو ابنها [المقتدر ]٤) - وقد كانت حضنته حين توفيت أُمُّه، وخلَّصَتْهُ من ابنها لما كان مؤنس قد بايعه ، ولم يتمَّ ذلك - فعاقبها°) القاهر عقوبة عظيمة جداً ، حتى كان يعلِّقها برِجْلها وَرأْسُها منكوس ، فربما بالت ، فينحدر على وجهها ، ليقررها على الأموال التي في يدها ، فلم يجد لها شيئاً سوى ثيابها ومَصَاغها وحُلِيِّها في صناديق لها ، قيمتها مئة ألف وثلاثون ألف دينار ، وجميع ما كان يدخلها تتصدَّق به ، ووقفت شيئاً كثيراً ، ولكن كان لها أملاك أمر ببيعها وأتى بالشهود ليشهدوا عليها بالتوكيل في بيعها ، فامتنع الشُّهود من أداء الشهادة حتى يجلوها ، فَرُفِعَ السَّتْر بإذن الخليفة . فقالوا لها : أنت شَغَبَ جارية المعتضد أم جعفر المقتدر ؟ فبكت بكاءً طويلاً ثم قالت : نعم . وكتبوا حِلْيَتَها ؛ عجوز ، سمراء اللون ، دقيقة الجبين . وبكى الشهود وتفكروا في تقلُّبِ الزمان وتنقل الحَدَثان ، [ وأن الدنيا دار بلاء لا يفي مرجوها بمخوفها ، ولا يسلم طلوعها من كسوفها ، من ركن إليها أحرقته بنارها !٦) . وكانت وفاتها في جُمَادى الأولى من هذه السنة ، ودُفِنتْ بالرُّصَافة . عبد السَّلام بن محمد(٧) بن عبد الوهّاب بن سَلام بن خالد بن حُمران بن أبان : مولى عثمان بن عَفَّان ، وهو أبو هاشم بن أبي علي الجُبَّائي المتكلّم ابن المتكلّم ، المعتزلي ابن المعتزلي ، وإليه تنسب البَهْشَمِيَّةُ(٨) من المعتزلة ، وله مصنفات في الاعتزال كما لأبيه منْ قَبْلِهِ . مولده سنة سبع وأربعين ومئتين ، وتوفي في شعبان من هذه السنة . قال القاضي ابن خَلِّكان : وكان له ابن يقال له أبو علي ، فدخل يوماً على الصَّاحب بن (١) المنتظم (٦/ ٢٥٣ - ٢٥٤). (٢) ما بين حاصرتين من (ط ). (٣) ما بين حاصرتين من ( ط). ما بين حاصرتين من ( ط ) . (٤) في (ط ) : ثم رجع ابنها إلى الخلافة ، فشفعت في القاهر ، وأخذته إلى عندها ، فكانت تكرمه وتشتري له (٥) الجواري ، فلما قتل ابنها ، وتولى مكانه ، طلبها وهي مريضة فعاقبها .. (٦) ما بين حاصرتين من ( ط ). تاريخ بغداد (٥٥/١١ - ٥٦) الملل والنحل (٧٨/١ - ٨٤) الأنساب (١٧٦/٣ - ١٧٧) المنتظم (٢٦١/٦) وفيات (٧) الأعيان (١٨٣/٣ - ١٨٤) سير أعلام النبلاء (١٥ / ٦٣ - ٦٤) طبقات المعتزلة لابن المرتضى (٩٤ - ٩٦). (٨) في (ط ) الهاشمية، وهو تحريف. ١٠٩ وفيات سنة ٣٢١هـ عَبَّاد١) ، فأكرمه واحترمه وسأله عن شيءٍ [ من المسائل ]٢) فقال: لا أعرف نصفُ العلم . فقال : صدقتَ ، وسبقك أبوك إلى النصف الآخر(٣). محمد بن الحسن بن دريد بن عَتَاهية٤ُ) : أبو بكر بن دُرَيد ، الأزْدِي ، اللُّغوي النَّحْوي ، الشّاعر ، صاحب (( المقصورة (٥) . ولد بالبَصْرة في سنة ثلاثٍ وعشرين ومئتين ، وتنقَّلَ في البلاد لطلب العِلْم والأدب ، وكان أبوه من ذوي اليَسَار ، وقَدِمَ بغداد وقد أسَنَّ ، فأقام بها إلى أن توفي . روى عن عبد الرحمن ابن أخي الأصْمَعي ، وأبي حاتم ، والرِّياشي. وعنه أبو سعيد السِّيْرافي، وأبو بكر بن شَاذَان ، وأبو عبيد الله المَرْزُباني ، وغيرهم . ويقال : كان أعلم الشعراء ، وأشعر العلماء . وقد كان متهتِّكأ٦) في الشراب . قال أبو منصور الأزهري: دَخَلْتُ عليه فوجدْتُه سكران، فلم أعد إليه (٧) . وسُئِلَ عنه الدَّارَقُطْني فقال : تكلَّموا فيه . وقال ابنُ شاهين : كنا ندخل عليه فنستحيي مما نرى من العِيْدان المعلّقة [ وآلات اللهو ]٨) والشَّراب المصفَّى ، وقد جاوز التسعين وقارب المئة (٩) . وكانت وفاته في يوم الأربعاء لثنتي عشرة بقيت من شعبان . وفي هذا اليوم كانت وفاة أبي هاشم بن أبي علي [ الجبائي المعتزلي ١٠٣) فصُلِّيَ عليهما معاً، ودُفِنا في مقبرة الخيزرانية وقال النَّاس: مات اليوم علم اللغة ، وعلم الكلام . وكان ذلك يوماً مطيراً . (١) سترد ترجمته في وفيات سنة (٣٨٥هـ) . (٢) ما بين حاصرتين من ( ط). (٣) في ( ط ): وسبقك أبوك إلى الجهل بالنصف الآخر . وهي زيادة مقحمة على النص لا تتفق واحترام ابن عباد لأبي هاشم . والخبر في وفيات الأعيان (٣/ ١٨٣) وفيه: إلا أن أباك تقدَّم بالنصف الآخر . (٤) في (ح) ابن عبد الله، وهو تحريف. وترجمته في مروج الذهب (٥١٨/٢) طبقات الزبيدي (٢٠١) معجم الشعراء (٤٢٥) الفهرست (٩١ - ٩٢) تاريخ بغداد (١٩٥/٢ - ١٩٧) الأنساب (٣٠٥/٥ -٣٠٦) نزهة الألباء (١٧٥ - ١٧٨) معجم الأدباء (١٨/ ١٢٧ - ١٤٣) إنباه الرواة (٩٢/٣ - ١٠٠) المنتظم (٢٦١/٦ -٢٦٢) وفيات الأعيان (٣٢٣/٤ - ٣٢٩) سير أعلام النبلاء (٩٦/١٥ -٩٨). (٥) طبعت غير مرة . (٦) في (ظا) و( ب ) منهمكاً . (٧) مقدمة التهذيب (١/ ٣١) . (٨) ما بين حاصرتين من ( ط ). (٩) نزهة الألباء (١٧٦). (١٠) ما بين حاصرتين من (ط). ١١٠ أحداث سنة ٣٢٢ هـ ومن مصنَّفَات ابن دريد ((الجمهرة في اللغة))(١) نحو عشر مجلدات. وكتاب (( المطر)) و((المقصورة))، والقصيدة الأخرى فى ((المقصور والممدود))، وغير ذلك، سامحه الله. ثم دخلت سنة ثنتين وعشرين وثلاثمئة فيها قصد (٢) ملك الرُّوم مَلَطْية في خمسين ألفاً، فحاصرهم ، ثم أعطاهم الأمان حتى يتمكَّنَ منهم ، فقتل خلقاً كثيراً ، وأسر ما لا يحصون كثرةً ، فإنَّا لله وإنا إليه راجعون . وفيها وردت الأخبار بأن مَرْدَاويج قد تسلَّم أصْبَهَان وانتزعها من عليٍّ بن بُوَيْه ، وأنَّ عليَّ بنَ بُوَيْه توجه إلى أرَّجان فأخذها ، وقد أرسل ابن بويه إلى الحضرة الخليفية بالطَّاعة والمعونة ، وإن أمكن أن يقبّل العَتَبة الشريفة، ويحضُر بين يدي الخليفة إن رسم، أو يذهب إلى شِيْراز ، فيكون مع ابنٍ ياقوت . ثم اتفق الحال بعد ذلك أن صار إلى شيراز ، وأخذها من نائبها ابن ياقوت بعد قتالٍ عظيم ، ظفر فيه ابنُ بويه بابن ياقوت وأصحابه ، فقتل منهم خلقاً وأسر جماعة، فلما تمكن أطلقهم وأحسنَ إليهم وخَلَعَ عليهم ، وعَدَلَ في النَّاس، وكانت معه أموالٌ كثيرة قد استفادها من أصبهان ، وقبلها٣) من الكَرَج ومن هَمَذان وغيرها، إلا أنه كان كريماً جواداً مِعْطاءً للجيوش الذين قد التفوا عليه ، ثم إنه أملق في بعض الأحيان وهو بشيراز، وطالبه الجُنْدُ بأرزاقهم ، وخاف أن ينحلَّ نظامُ أمره ، فاستلقى يوماً على قفاه مفكراً في أمره ، وإذا حَيَّةٌ قد خرجت من شِقٍّ في سقف المكان الذي هو فيه ، ودخلت في آخر ، فأمر بنَزْع تلك السُّقوف ، فوجد هنالك مكاناً فيه من الذهب شيءٌ كثير جداً ؛ نحو من خمسمئة ألف دينار ، فأنفق في جيشه ما أراد ، وبقي عنده شيء كثير . وركب ذات يوم يتفرَّج في جوانب البلد ، وينظر إلى أبنية الأوائل ، ويتعظ بمن كان قبله ، فانخسفت الأرض من تحت قائمة جواده ، فأمر بحفر ما هنالك ، فوجد من الأموال شيئاً كثيراً أيضاً . واستعمل عند رجلٍ خياط قماشاً ليلبسه ، فاستبطأه في صنعتها ، فأمر بإحضاره ، فلما أُوقف بين يديه تهدَّده - وكان الرجل أصمَّ لا يسمع جيداً فقال : والله أيها الملك ما لابن ياقوت عندي سوى اثني عشر صندوقاً لا أدري ما فيها . فأمر بإحضارها ، فإذا فيها أموال عظيمة تقارب ثلاثمئة ألف دينار ، واطلع على (١) الكتاب مشهور متداول مطبوع في حيدر آباد (١٣٤٤ - ١٣٥٢) في ثلاثة مجلدات مع مجلد خاص بالفهارس ، بتحقيق وعناية الشيخ محمد السورتي ، والمستشرق الألماني سالم كرنكو . (٢) في النسخ الخطية: ( حضر) ، والمثبت من ( ط ). (٣) في (ظا) و(ب): نقلها، والمثبت من (ح). ١١١ ذكر خَلْعِ القاهر وسَمْلٍ عينيه ودائع كانت ليعقوب وعمرو ابني اللَّيْث ، فيها من الأموال ما لا يُحَدُّ ولا يوصف كثرةً ، فقوي أمره ، وعَظُمَ سلطانه جداً. وهذا كلُّه من الأمور المُقَدَّرة لما يريده الله بهم من السّعادة الدنيوية [ بعد الجوع والقلة }١) ﴿ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارٌ﴾ [ القصص: ٦٨]. وكتب إلى الرَّاضي (٢) ووزيره أبي علي بن مُقْلة يطلب أن يُقاطعَ على ما قبله من البلاد على ألف ألفٍ في كلِّ سنة ، فأجاب الرَّاضي إلى ذلك ، وبعث إليه بالخِلع واللِّواء وأبهة الملْك . وفيها قتل القاهر بالله أميرين كبيرين ، وهما إسحاق بن إسماعيل النُّوبَخْتي ، وهو الذي كان قد أشار على الدولة (٣) بخلافة القاهر . وأبو السَّرايا بن حَمْدان أصغرُ ولد أبيه ، وكان في نفس القاهر منهما بسبب أنهما زايداه من قبل أن يلي الخلافة في جاريتين مغنِّيتين ، فاستدعاهما إلى المسامرة ، فتطيّيا وحضرا ، فأمر بإلقائهما في جُبِّ هنالك ، فتضرّعا إليه ، فلم يرحمهما ، فألقيا فيها وطينها عليهما . ذِكْرُ خَلْع القاهر وسَمْلٍ عينيه وكان سبب ذلك أن الوزير أبا علي بن مُقْلة كان قد هرب من القاهر حين قَبَضَ على مؤنس الخادم ، واختفى في داره ، وكان يراسل الجند ويغريهم بالقاهر ، ويخوِّفهم سطوته وإقدامه وسُرْعةً بطشه ، وأخبرهم أن القاهر قد أعدَّ لأكابر الأمراء أماكن يسجنهم فيها ، ومهالك يلقيهم فيها ، كما فعل بفلان وفلان . فَهَيَّجَهُمْ ذلك وأسهم في القبض على القاهر ، فاجتمعوا وأجمعوا رأيهم على مناجزته في هذه السَّاعة ، وركبوا مع الأمير المعروف بسيما ، وقصدوا دارَ الخِلافة، فأحاطوا بها ، ثم هَجَمُوا على القاهر من سائر أبوابها ، فخرج الوزير الخصيبي مستتراً في زي امرأة ، وانهزم القاهر وهو مخمور ، فاختفى في سَطْحِ حمام ، فظهروا عليه ، فقبضوا عليه ، وحبسوه في مكان طريف السبكري ، وأخرجوا طريفاً من السجن ، واضطربت بغداد ونُهِبَتْ ، وذلك يوم السبت لثلاثٍ خَلَوْن من جُمَادى الأولى من هذه السنة [ في الشهر الذي ماتت فيه شغب ، فلم يكن بين موتها والقبض عليه وسمل عينيه وعذابه بأنواع العقوبات إلا مقدار سنة واحدة ، وانتقم الله منه (٤) ، ثم أحضروه ، فسملوا عينيه على خديه ، وارتكب منه أمر عظيم لم يسمع بمثله في الإسلام ، ثم أرسلوه ، فكان تارةً يحبس ، وتارة يخلى سبيله . وقد تأخر موته إلى سنة تسع وثلاثين وثلاثمئة(٥) ، وافتقر حتى قام يوماً بجامع المنصور فسأل ، فأعطاه رجل خمسمئة درهم ، (١) ما بين حاصرتين من ( ط). (٢) وكانت الخلافة قد أفضت إليه كما سيأتي . (٣) في (ط ) : الأمراء . (٤) ما بين حاصرتين من (ط) . (٥) في (ط ) والنسخ الخطية: ثلاث وثلاثين وثلاثمئة، وهو وهم ، وستأتي ترجمته في وفيات سنة (٣٣٩هـ). ١١٢ خلافة الرَّاضي بالله أبي العبَّاس محمد بن المقتدر بالله ويقال: إنه إنما أراد بهذا الصنيع التشنيع على المستكفي بالله ، فالله أعلم. وستأتي ترجمته إذا ذكرنا وفاته. خلافة الرَّاضي بالله أبي العَبَّاس محمد(١) بن المقتدر بالله لما خلعتِ الجندُ القاهر ، وسملوه ، أحضروا أبا العبّاس محمد بن المقتدر بالله ، فبايعوه على الخلافة ولقبوه الرَّاضي بالله. وكان أبو بكر الصُّولي قد أشار بأن يلقب بالمرتضي بالله(٢) فلم يقبل ، وعدل إلى هذا اللقب ، وذلك يوم الأربعاء لستِّ خلون من جمادى الأولى من هذه السنة - أعني سنة ثنتين وعشرين وثلاثمئة - وجاؤوا بالقاهر وهو أعمى قد سُمِلَتْ عيناه ، فأوقف بين يديه ، فَسَلَّم عليه بالخلافة وسلَّمها إليه ، فقام الراضي بأعبائها ، وكان من خيار الخلفاء على ما سنذكره . وأمر بإحضار أبي علي بن مُقْلة فولَاه الوزارة ، وجعل عليَّ بن عيسى ناظراً عليه، وأطلق كلَّ منْ كان في حبس القاهر ، واستدعى عيسى طبيب القاهر فصادره بمئتي ألف دينار ، وتسلّم منه الوديعة التي كان القاهر أودعها عنده ، وكانت جملة مستكثرة من الذهب والفِضَّة والنفائس . وفي هذه السنة عَظُمَ أمر مَرْدَاويج بأصبهان ، وتحدث الناس أنه يريد قَصْدَ بغداد ، وأنه ممالىء لصَاحب البحرين(٣) [ أمير القرامطة }٤) وقد اتفقا على رَدّ الدَّوْلة من العرب إلى العَجَم ، وأساء السيرة في رعيته ، لاسيما في خواصه من الأتراك ؛ فتمالؤوا على قتله فقتلوه ، وكان القائم بأعباء ذلك أخص مماليكه وأحظاهم عنده ، وهو بُجْكُمْ بيَّض الله وجهه ، وهذا الأمير هو الذي استنقذ الحجر الأسود من أيدي القرامطة ، وافتداه منهم بخمسين ألف دينار ، بذلها لهم حتى ردُّوه إلى مكة ، كما سيأتي(٥). ولما قُتِلَ مَرْدَاويج بن زيَّار الدَّيْلَمي عَظُمَ أمر علي بن بُوَيْه ، وارتفع قدرُه بين النَّاس ، وعلا شأنه في الملوك ، وسيأتي ما آل إليه حاله . ولما خُلِعَ القاهر وولي الراضي طَمِعَ هارون بن غريب في الخلافةُ(٦) ، لكونه ابن خال المقتدر ، (١) في بعض المصادر : أحمد . في (ط) والنسخ الخطية : المرضي بالله، والمثبت من أخبار الراضي والمتقي للصولي (ص٢ - ٤). (٢) (٣) يعني أبا طاهر القرمطي . ما بين حاصرتين من ( ط ) . (٤) من المعروف أن القرامطة أبوا أن يردوا الحجر الأسود لقاء ما دفعه لهم بجكم ، وقالوا : أخذناه بأمر وما نرده إلا (٥) بأمر ، ويعنون بذلك أنهم أخذوه بأمر صاحب مصر العبيدي ، وقد ردوه سنة (٣٣٩هـ) كما سيأتي في أحداث ذلك العام . (٦) لا يمكن أن يطمع بالخلافة لأنه ليس من نسل العباسيين ، والأصح أنه طمع بإمرة الأمراء ، وهي ما عبر عنه ابن الأثير بالدولة ، الكامل (٢٨٨/٨ -٢٨٩). ١١٣ وفاة المهدي صاحب إفريقية وكان نائباً على ماه والكوفة والدِّينور وماسَبَذَان فدعا إلى ذلك، واتبعه خَلْقٌ منَ الجُند والأمراء ، وجبى الأموال ، واستفحل أمره ، وقويت شوكته ، وقصد بغداد ، فخرج إليه محمد بن ياقوت رأس الحجبة في جميع جيش بغداد ، فاقتتلوا هنالك ، فخرج في بعض الأيام هارون بن غريب يتقصد لعله يعمل حيلة في أسر محمد بن ياقوت ، فتقنطر به فرسه ، فسقط في نهرٍ ، فضربه غلامٌ له حتى قتله ، وأخذ رأسه وجاء به إلى محمد بن ياقوت ، فانهزم أصحاب هارون ، ورجع محمد بن ياقوت فدخل بغداد ورأس هارون بن غريب يحمل بين يديه على رمح ، ففرح الناس بذلك ، وكان يوماً مشهوداً . وفيها ظَهَرَ رجل ببغداد يعرف بأبي جعفر محمد بن علي الشَّلْمغاني، ويقال له ابن أبي العَزَاقر(١)، فذُكر عنه أنه كان يدَّعي ما كان يدَّعيه الحلاج من الإلهية ، وكان قد مسك في دولة المقتدر عند حامد بن العَبَّاس ، واتهم بأنه يقول بالتَّنَاسخ، فأنكر ذلك ، ولما كانت هذه المرة أحضره الرَّاضي ، وادعى عليه بما ذُكرَ عنه ، فأنكر ثم أقر بأشياء ، فأفتى قوم أن دَمَه حلال إلا أن يتوب من هذه المقالة ، [ فأبى أن يتوب (٢) فضرب ثمانين سوطاً ، ثم ضربت عنقه ، وصلب وألحق بالحلاج ، قبحهما الله . وقتل معه صاحبه ابن أبي عَوْنُ(٣) لعنه الله . وكان هذا اللعين من جملة طائفة ممن اتبعوه وصدَّقوه فيما يزعمه من الكفر . وقد بسط ابن الأثير في ((كامله )(٤) مذهب هؤلاء الكفرة بسطاً جيداً . وادعى رجل آخر ببلاد الشَّاش النبوة ، وأظهر مخاريق وأشياء كثيرة من الحيل ، فجاءته الجيوش فقاتلوه فقتلوه ، وانطفأ خبره ، واضمحل أمره . وفاة المَهْدي صاحب إفريقية أول خلفاء الفاطميين فيما زعموا وفيها مات أبو محمد بن عبيد الله - المدَّعي أنه علوي ، الملقب بالمهدي ، باني المهدية - بمدينته المهدية عن ثلاثٍ وستين سنة، وكانت ولايته - منذ دخل رَقَّادة(٥) وادَّعى الإمامة - أربعاً وعشرين سنة وشهراً وعشرين يوماً وهو أول الخلفاء الفاطميين . وقد كان شهماً شجاعاً ، ظَفِرَ بجماعةٍ ممن خالفه وناوأه وقاتله وعاداه ، وقد قام بأمر الخلافة من بعده ولدُه أبو القاسم الملقب بالخليفة القائم بأمر الله . (١) في ( ط ) : ابن العرافة ، وهو تحريف. (٢) ما بين حاصرتين من ( ط ). انظر ترجمته في معجم الأدباء (٢٣٤/١ - ٢٥٣). (٣) انظر الكامل (٢٩٠/٨ - ٢٩٤). (٤) (٥) بلدة كانت بإفريقية بينها وبين القيروان أربعة أيام. معجم البلدان (٥٥/٣). ١١٤ وفاة المهدي صاحب إفريقية وحين توفي أبوه كَتَمَ موته سنةً حتى دبّر ما أراده من الأمور ، ثم أظهر ذلك ، وعزَّاه الناس فيه . وقد كان شهماً شجاعاً كأبيه : فَتَحَ البلاد ، وأرسل السرايا إلى بلاد الرُّوم ، ورام أخذ الديار المصرية فلم يتفق له ذلك ، وإنما جرى ذلك على يدي ابن ابنه المُعِزّ الفاطمي الذي بنى القاهرة المعزية كما سنذكره إن شاء الله تعالى. قال القاضي ابن خَلِّكان في (( الوفيات)): وقد اختلف في نسب المهدي هذا اختلافاً كثيراً جداً ، فقال صاحب (( تاريخ القيروان)): هو عبيد الله بن الحسن بن علي (١) [ بن محمد بن علي ]٢) بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب . وقال غيره : هو عبيد الله بن التقي وهو الحسين بن الوفي أحمد بن الرضي عبد الله ، وهؤلاء الثلاثة يقال لهم المستورون ، لخوفهم من خلفاء بني العباس . والرضي عبد الله هذا هو ابن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصّادق . وقيل غير ذلك في نسبه . قال القاضي ابن خَلِّكان : والمحققون ينكرون دعواه في النسب(٣). قلت : قد كتب غيرُ واحدٍ من الأئمة ، منهم الشيخ أبو حامد الإسفراييني ، والقاضي الباقلاني ، والقُدُوري ، أن هؤلاء أدعياء ليس لهم نسب صحيح فيما يزعمونه ، وأن والد عبيد الله هذا كان يهودياً صباغاً بَسَلِمِيَّة، وقيل كان اسمه سعد(٤) ، وإنما لقب بعبيد الله . وكان زوج أمه الحسين بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن ميمون القَدَّاح، وسمِّ القَدَّاح لأنه كان كخَالًا يقدح العيون(٥) . وكان الذي وطأ له الأمر بتلك البلاد أبو عبد الله الشِّيعي - كما قدمنا - ثم استدعاه ، فلما قَدِمَ [ عليه]٦) من بلاد المشرق وقع في يد صاحب سِجِلْماسة فسجنه، فلم يزل الشيعي [ يحتال به }٧) حتى استنقذه [ من يده (٨) وسلَّم إليه الأمر، ثم ندم الشيعي [على تسليمه الأمر }٩) وهمَّ بقتله ، ففطن عبيد الله له ، فقتله وقتل معه أخاه . في ( ط) و( ح ) : ابن محمد بن علي. (١) (٢) ما بين حاصرتين من وفيات الأعيان (٣/ ١١٧). (٣) انظر وفيات الأعيان (١١٧/٣ - ١١٨). (٤) في أغلب المصادر سعيد . (٥) انظر الدراسة حول نسبهم كتاب (( أصول الإسماعيلية)) لبرنارد لويس . وممن ثبت نسبهم ابن خلدون في تاريخه (٤/ ٣١) قال: ((ولا عبرة بمن أنكر هذا النسب)). وعلق السخاوي عليه في الإعلان بالتوبيخ (٩٤): وابن خلدون كان لانحرافه عن آل علي يثبت نسبة الفاطميين إليهم لما اشتهر من سوء معتقد الفاطميين ... ، وانظر أيضاً الكامل (٢٤/٨ - ٣١) ومقدمة ابن خلدون (٢٣٩/١ - ٢٤٤). (٦) ما بين حاصرتين من (ط). (٧) ما بين حاصرتين من ( ط ). (٨) ما بين حاصرتين من (ط). (٩) ما بين حاصرتين من (ط). ١١٥ وفيات سنة ٣٢٢هـ ويقال : إن الشِّيعي لما دخل السجن [ الذي قد حبس فيه عبيد الله هذا }١) وجد صاحب سِجِلْمَاسة قد قتله ، ووجد في السجن رجلاً مجهولًا فأخرجه للناس ، وقال : هذا هو المهدي . ورَوَّج به الأمر ، فهؤلاء من سلالته ، حكاه القاضي ابن خلكان (٢) . وكان مولد المهدي هذا في سنة ستين ومئتين ، وقيل قبلها ، وقيل بعدها ، بَسَلَميَّة ، وقيل بالكوفة . وأول ما دُعي له على منابر رفَّدة والقيروان يوم الجُمُعة لتسع بقين من ربيع الآخر سنة سَبْعٍ وتسعين ومئتين ، بعد رجوعه من سِجِلْماسة ، وكان ظهوره بها في ذي الحِجَّة من السنة الماضية - سنة ست وتسعين - وزالت دولة بني العبّاس عن تلك الناحية من هذا الحين إلى أن هلك (٣) العاضد في سنة سَبْعٍ وستين وخمسمئة . وكانت وفاته بالمهدية - التي بناها في أيامه - ليلة الثلاثاء النصف من ربيع الأول من هذه السنة ، وقد جاوز الستين على المشهور ، وإلى الله عاقبة الأمور ، وسيفصل بين الآمر والمأمور يوم البعث والنشور . وممن توفي فيها من الأعيان : أحمد بن عبد الله بن مُسْلمُ(٤) بن قتيبة : الدِّيْنَوَرِي ، قاضي مصر . حدَّث عن أبيه (٥) بكتبه المشهورة ، وتوفي وهو على قضاء الديار المصرية (٦) في ربيع الأول من هذه السنة . محمد بن أحمد بن القاسم أبو علي الرُّؤْذْبَاري (٧) : وقيل: اسمه أحمد بن محمد ، ويقال : (١) ما بين حاصرتين من ( ط). (٢) وفيات الأعيان (١١٨/٣). (٣) في (ط ) : ملك ، وهو تحريف. (٤) الولاة والقضاة (٤٨٥، ٥٤٦، ٥٤٨) تاريخ بغداد (٢٢٩/٤) المنتظم (٢٧٢/٦) معجم الأدباء (١٠٣/٣ - ١٠٤) إنباه الرواة (٤٥/١ -٤٦) وفيات الأعيان: (٤٣/٣)، العبر للذهبي (١٩٣/٢)، النجوم الزاهرة (٢٤٦/٣)، حسن المحاضرة (١٥٦/١)، الديباج المذهب: (٣٥)، شذرات الذهب (٢/ ١٧٠). (٥) انظر ترجمة أبيه في وفيات سنة (٢٧٠ هـ) و(٢٧٦ هـ) من هذا الكتاب . (٦) في ((الولاة والقضاة)): ثم صرف [ عن القضاء ] يوم الثلاثاء لسبع خلون من شهر رمضان سنة إحدى وعشرين وثلاثمئة . قلت : وهذا يعني أنه مات معزولاً من القضاء ، ويبدو أن ابن كثير تابع ابن يونس كما تابعه أكثر المؤرخين في ذكره أنه مات وهو قاضٍ. انظر (( الولاة والقضاة)) (٥٤٧ -٥٤٨). طبقات الصوفية (٣٥٤ - ٣٦٠) حلية الأولياء (٣٥٦/١٠ - ٣٥٧) تاريخ بغداد (٣٢٩/١ - ٣٣٣) الرسالة القشيرية (٧) (٢٦) الأنساب: (١٨٠/٦ - ١٨١) المنتظم (٢٧٢/٦ - ٢٧٣) معجم البلدان (٧٧/٣) العبر للذهبي (١٩٥/٢) طبقات الشافعية للسبكي (٤٨/٣ - ٥٤) طبقات الشافعية للإسنوي (٥٧٦/١ - ٥٧٨) حسن المحاضرة (٢٢٥/١) طبقات الأولياء (٥٠ - ٥٨) شذرات الذهب (٢٩٦/٢ - ٢٩٧). ١١٦ وفيات سنة ٣٢٢هـ الحسن بن هَمَّام ، والصحيح الأول(١). أصله من بغداد ، وسكن مصر ، وكان من أبناء الرؤساء والوزراء والكتبة ، وصحب الجُنَيْد ، وسمع الحديث، وحفظ منه كثيراً، وتفقَّ بإبراهيم الحَرْبي (٢)، وأخذ النَّحْوَ عن ثعلب، وكان كثير الصَّدَقة والبر للفقراء ، وكان إذا أعطى الفقيرَ شيئاً جعله في كفِّه ، ثم يتناوله الفقير ؛ يريد ألا تكون يد الفقير تحت يد(٣) . ومن شعره : ولو مضَى الكلُّ منّي لم يكُنْ عَجَباً وإنما عَجَبِي فِي الْبَعْضِ كيفَ بَقِي قَبْلَ الفِراقِ فهذا آخِرُ الرَّمَقِّ أدرِكُ بقيّة روحٍ فيكَ(٤) قد تَلِفَتْ محمد بن إسماعيل : المعروف بخير النَّسَاجُ(٦) أبو الحسن الصُّوفي ، من كبار المشايخ ذوي الأحوال الصالحة ، والكرامات المشهورة . أدرك سَرياً السَّقَطي وغيره من مشايخ القَوْم ، وعاش مئة وعشرين سنة . ولما حضرته الوفاة نظر إلى زاوية البيت فقال : قِفْ ، رحمك الله ، فإنك عَبْدٌ مأمور وأنا عبد مأمور ، وما أُمِرْتَ به لا يفوت ، وما أمرتُ به يفوت. ثم قام فتوضأ ، وصلَّى وتمدد ، فمات رحمه الله . وقد رآه بعضهم في المنام فقال له : ما فعل الله بك ؟ فقال: استرحنا من دنياكم الوَضِرة (٧) . (١) انظر الاختلاف حول اسمه في تاريخ بغداد (٣٣٠/١) وقد رجح السبكي في طبقات الشافعية (٤٨/٣) أنه أحمد بن محمد . (٢) كذا في النسخ الخطية و( ط ) ، والذي في مصادر ترجمته أنه تفقه بأبي العباس بن سريج ، وأخذ الحديث عن إبراهيم الحربي ، انظر طبقات الصوفية (٣٦٠) وفي تاريخ بغداد (٣٣١/١) ذكر أن أستاذه في الحديث والفقه إبراهيم الحربي . (٣) في ( ط ) أقوال للروذباري منقولة عن أبي نعيم في ((الحلية)) ليست في النسخ الخطية . وليست هي أيضاً في النسخة المصرية ، وهي بلا ريب من إضافات النساخ ، لأنها لا تتفق ومنهج ابن كثير في اختصار أخبار الصوفية حين إيراد تراجمهم . في النسخ الخطية و( ط ) : منك؛ والمثبت من تاريخ بغداد (٣٣٢/١). (٤) في تاريخ بغداد (٣٣٣/١) عن أبي زرعة الطبري أنه توفي سنة (٣٢٣هـ)، وهذا ما اعتمده ابن الأثير في ((اللباب)). (٥) طبقات الصوفية (٣٢٢ - ٣٢٥) حلية الأولياء (٣٠٧/١٠ - ٣٠٨) تاريخ بغداد (٤٨/٢ - ٥٠، ٣٤٥/٨ - ٣٤٧) (٦) الرسالة القشيرية (٢٥) المنتظم (٢٧٤/٦) وفيات الأعيان (٢٥١/٢ - ٢٥٢) سير أعلام النبلاء (٢٦٩/١٥ - ٢٧٠) العبر (١٩٣/٢) مرآة الجنان (٢٨٥/٢) شذرات الذهب (٢٩٤/٢). (٧) أي الوسخة . وفي ( ط ) الوخيمة . ١١٧ أحداث سنة ٣٢٣ هـ ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين وثلاثمئة فيها أحضر ابنُ شَنَبُوذ المقرىء ، فأنكر جماعةٌ من الفقهاء والقُرّاء عليه حروفاً انفرد بها ، فاعترف ببعضها وأنكر بعضها ، فاستتيب من ذلك، واستكتب بخطُّه الرجوع عما نُقِمَ عليه، وضُرِبَ سبع درر بإشارة الوزير أبي علي بن مُقْلة ، ونفي إلى البصرة أو غيرها ، فدعا على الوزير أن تُقْطع يده ويشتَّت شملُه ، فكان ذلك عما قريب . وفيها في جمادى الآخرة منها نادى بدر الخَرْشَني(١) صاحبُ الشُّرطة في الجانبين من بغداد أن لا يجتمع اثنان من أصحاب أبي محمد البَرْبَهاري الواعظ الحَنْبلي . وحبس منهم جماعة ، واستتر البَزْبَهاري فلم يظهر مدة . قال ابن الجَوْزي في (( المنتظم )): وفي شهر أيار تكاثفتِ الغيوم واشتد الحر جداً ، فلما كان آخر يوم منه - وهو الخامس والعشرين من جمادى الآخرة من هذه السنة - هَبَّتْ ريح شديدة جداً، وأظلمت ، واسودَّتْ إلى بعد العصر، ثم خَقَّتْ (٢)، ثم عادت إلى بعد عشاء الآخرة (٣) . و[ فيها ]٤) استبطأ الأجناد أرزاقهم، فقصدوا دار الوزير أبي علي بنِ مُقْلة ، فنقبوها وأخذوا ما فيها . ووقع حريقٌ عظيم في طريق البزَّازين ، فاحترق بسببه للنَّاس شيء كثير ، فعوَّض عليهم الراضي بالله بعضَ ما كان ذهبَ لهم . وفي رمضان اجتمع جماعةٌ من الأمراء على بيعة جعفر بن المكتفي ، وظهر الوزير على أمرهم ، فحبس جعفراً ، ونهب داره ، وحبس جماعةً ممن كان بايعه ، وانطفأت ناره . وخرج الحُجَّاج في خَفَارة الأمير لؤلؤ ، فاعترضهم أبو طاهر سليمان بن أبي سعيد الجَنَّابي لعنه الله ، فقتل أكثرهم ، ورجع من انهزم منهم إلى بغداد ، وبَطَلَ الحُّ في هذه السنة من طريق العراق ، وكان قتله لهم في ليلة الأربعاء لاثنتي عشرة خلت من ذي القعدة . (١) في (ط ) الحرسي ، وهو تصحيف . وبدر هذا كان من أكابر القواد ، وكان صاحب الشرطة كما هو مذكور ، ثم صرف عنها ، ثم تولى الحجابة للخليفة المتقي الله سنة (٣٢٩هـ)، ثم قلده طريق الفرات ، فهرب إلى الإخشيد مستأمناً ، فقلده إمرة دمشق ، فوليها شهرين ، ومات سنة (٣٣١هـ) . انظر أمراء دمشق للصفدي (١٧) والنجوم الزاهرة (٢٧٩/٣) وأخباره مبثوثة في (( الكامل)) لابن الأثير، وانظر حوادث سنة (٣٣٠هـ) من هذا الكتاب. (٢) في ( ح ) : صفت. (٣) المنتظم (٢٧٦/٦). (٤) ما بين حاصرتين من ( ط ). ١١٨ أحداث سنة ٣٢٣ هـ قال ابن الجَوْزي : وفي هذه الليلة بعينها تساقطت كواكب كثيرة ببغداد والكوفة على صفة لم يُر مثلها، ولا ما يقاربها ، قال: وغلا السعر في هذه السنة حتى أبيع الكُرّ من الحِنْطة بمئة وعشرين دينارا١ً). وفيها - على الصحيح - كان مقتل مَرْدَاويج بن زَيَّار الدَّيْلَمي، وكان - قبحه الله - سيِّىء السيرة والسريرة ، يزعم أن روح سليمان بن داود حلّت فيه - وله سرير من ذهب يجلس عليه - وأنَّ الأتراك بين يديه هم الجن الذين سُخِّروا لسليمان بن داود ، فكان يسيء المعاملة لهم ، ويحتقرهم غاية الاحتقار ، فما زال ذلك دَأْبُه حتى أمكنهم الله منه ، فقتلوه شرقتلة في حَمَّام ، وكان الذي مالاً على قتله غلامه بُجْكُم التُّركي - جزاه الله عن الإسلام وأهله خيراً - وكان رُكْنُ الدَّولة بن بُوَيْه رهينةً عنده ، فلما قتل أُطلق من القيد والسجن ، فذهب إلى أخيه عماد الدولة ، وذهبت طائفة من الأتراك معه إلى أخيه ، والتفت طائفة أخرى من الأتراك على بُجْكم ، فسار بهم إلى بغداد بإذن الخليفة ، ثم صُرفوا إلى البصرة فكانوا بها . وأما الدَّيلم فإنهم بعثوا إلى أخي مَرْدَاويج وهو وشمكير ، فلما قدم عليهم تلقوه إلى أثناء الطريق حفاة مشاة ، فملكوه عليهم لئلا يذهب ملكهم ، فانْتُدبَ لمحاربته السَّعيد نصر بن أحمد السَّاماني ، صاحب خراسان وما والاها من تلك البلاد والأقاليم ، فانتزع منه بلداناً هائلة . وفيها بعث القائم بأمر الله الفاطمي جيشاً من إفريقية في البحر إلى ناحية الفرنج ، فافتتحوا مدينة جَنوه ، وغنموا غنائم كثيرة وثروة ، ورجعوا سالمين غانمين . وفيها بعث عماد الدولة بن بُوَيْه أخاه ركن الدولة إلى أصبهان ، فاستولى عليها وعلى بلاد الجبل ، واتسعت مملكة عماد الدولة ، وقويت شوكته ، وعظمت منزلته . وفيها كان غلاءٌ شديد بخراسان وفناء كثير ، بحيث كان يهمهم أمر دفن الموتى . وفيها قتلَ ناصرُ الدولة أبو محمد الحسن بن عبد الله بن حَمْدان نائب المَوْصل عمَّه أبا العلاء سعيد بن حمدان ؛ لأنه أراد أن ينتزعها منه ، فبعث إليه الخليفة وزيره أبا علي بن مُقْلة في جيوشٍ ، فهرب منه ناصر الدولة، فلما طال مقَام ابن مُقْلة بالمَوْصل [ولم يقدر على ناصر الدولة ]٢) رجع إلى بغداد ، فاستقرت يد ناصر الدولة على المَوْصل ، وبعث إلى الخليفة يسأل أن يضمن تلك الناحية ، فأجيب إلى ذلك ، واستمرَّ الحال على ما كان . وخرج الحجيج فلقيهم القِرْمطي في القادسية ، فقاتلوه فظفر بهم ، فسألوه الأمان ، فأمّنهم على أن يرجعوا إلى بغداد، فرجعوا ، وتعطل الحج عامهم ذاك(٣) . (١) انظر المنتظم (٦/ ٢٧٧) . (٢) ما بين حاصرتين من ( ط). (٣) سبق أن مر خبر خروج القرامطة على الحجيج في حوادث هذه السنة، ويبدو أن إعادته هنا سهو من المصنف ، رحمه الله. ١١٩ وفيات سنة ٣٢٣هـ وممن توفي فيها من الأعيان : ◌ِفْطَوَيْهِ النَّحْوي(١) إبراهيم بن محمد بن عَرَفَة بن سليمان بن المغيرة بن حبيب بن المُهَلَّب بن أبي صُفْرَة الأَزْدِي ، أبو عبد الله العَتَكِيّ ، المعروف بنِفْطويه النَّحْوي . له مصنفات فيه ، وقد سمع الحديث ، وروى عن المشايخ ، وحدَّث عنه الثقات من الناس ، وكان صدوقاً ، وله أشعار حسنة . وروى الخطيب عن نِفْطَوَيْه أنه مَرَّ يوماً على بقالٍ ، فقال له : أيها الشيخ ، كيف الطريق إلى درب الرّأَاسين - يعني درب الرؤَّاسين - فالتفت البقال إلى جاره فقال له: قبح الله غلامي ، أبطأ علي بالسّلْق، فلو كان عندي لصفعت هذا بِجُرْزةٍ منه . فانصرف عنه نفطويه ، ولم يردّ عليه (٢) . توفي نِفْطَوَيْه عن ثلاثٍ وثمانين سنة في صفر من هذه السنة ، وصلَّى عليه البَرْبَهَاري رئيس الحنابلة ، ودفن بمقابر باب الكوفة . ومما أنشده له أبو علي القالي في ((الأمالي)): قلبي عليك أرَقُ(٣) مِنْ خَدَّيْكا وقُوَايِ(٤) أوْهَى مِن قُوَى جَفْنَيْكا ظُلْماً ويَعْطِفُهُ هواهُ عليكا٦) لِمَ لا تَرِقُّ لمِنْ تُعَذِّب(٥) نفسَهُ قال ابن خَلِّكان: وفي نِفْطَوَيْه يقول أبو عبد الله محمد(٧) بن زيد بن علي بن الحسين الواسطي المتكلم المشهور صاحب ((الإمامة)) و((إعجاز القرآن))، وغير ذلك: فليجتهدْ أن لا يرى نفطوية منْ سَرَّه أن لا يرى فاسقاً وصيَّرَ الباقي صُراخاً عليه (٨) أحرقه الله بنصف اسمه (١) طبقات النحويين واللغويين (١٧٢) تاريخ بغداد (١٥٩/٦ - ١٦٢) نزهة الألباء (١٧٨ - ١٨٠) المنتظم (٢٧٧/٦ - ٢٧٨) معجم الأدباء (٢٥٤/١ - ٢٧٢) إنباه الرواة (١٧٦/١ - ١٨٢) وفيات الأعيان (٤٧/١ -٤٩) سير أعلام النبلاء (٧٥/١٥ - ٧٧) . (٢) انظر تاريخ بغداد (٦/ ١٦١). (٣) في النسخ الخطية: قلبي أرق عليك ... والمثبت من (( الأمالي)). (٤) في ( ط ) : وفؤادي ، وهو تحريف . في النسخ الخطية و(ط): يعذب، والمثبت من ((الأمالي)). (٥) (٦) انظر الأمالي (٢٠٩/١) . في ( ط ) أبو محمد عبد الله بن زيد، وهو خطأ، انظر ترجمته في الوافي بالوفيات (٨٢/٣). (٧) (٨) وفيات الأعيان (٤٨/١). ١٢٠ أحداث سنة ٣٢٤هـ قال الثعالبي : إنما سمي نِفْطَوَيْه لدمامته وأُدْمَتِهٍ(١) . وقال ابن خَالَوَيْه : لا نعرف من اسمه إبراهيم وكنيته أبو عبد الله سواه . عبيد الله(٢) بن عبد الصَّمَد بن المهتدي بالله(٣) أبو عبد الله الهاشمي العَبَّسي: حدَّث عن سَيَّر بن نصر الحلبي وغيره . وعنه الدَّارَقُطْني وغيره ، وكان ثِقَةً فاضلاً فقيهاً شافعياً . عبد الملك بن محمد بن عدي(٤) ، أبو نُعَيْم الإسْتِراباذي . المحدِّث الفقيه الشافعي أيضاً ، توفي عن ثلاثٍ وثمانين سنة . علي بن الفَضْل بن طاهر(٥) بن نصر بن محمد: أبو الحسن البَلْخي، كان من الجوّالين في طلب الحديث ، وكان ثِقَةً حافظاً ، سمع أبا حاتم (٦) الرَّازي وغيره. وعنه الذَّارَقُطْني وغيره. محمد بن أحمد بن أسد (٧) : أبو بكر الحافظ ، ويعرف بابن البُسْتَنبان ، سمع الزبير بن بكّار وغيره ، وعنه الدَّارَقُطْني وغيره . جاوز الثمانين . ثم دخلت سنة أربع وعشرين وثلاثمئة فيها جاءت الجند ، فأحدقوا بدار الخلافة وقالوا : ليخرج إلينا الخليفة الراضي بنفسه فيصلّ بالناس . فخرج إليهم ، فصلَّى بهم وخطبهم . وقبض الغِلْمان على الوزير أبي علي بن مقلة ، وسألوا من الخليفة أن يستوزر غيره ، فَرَدَّ الخِيَرَةَ إليهم ، فاختاروا عليّ بن عيسى فلم يقبل ، وأشار بأخيه عبد الرحمن بن عيسى فاستوزره . وأحرقت دار أبي علي بن مقلة، وسُلِّم هو إلى عبد الرحمن بن عيسى، فَضُربَ ضرباً عنيفاً، وأُخذ خَطُّه بألف ألف دينار . (١) لطائف المعارف (٤٨). تاريخ بغداد (٣٥١/١٠ -٣٥٢) المنتظم (٢٧٩/٦) . (٢) في النسخ الخطية و( ط ) : عبد الله ، وهو تصحيف . (٣) سلفت ترجمته في وفيات سنة (٣٢٠هـ) . (٤) تاريخ بغداد (٤٧/١٢ -٤٨) المنتظم (٢٨٠/٦) سير أعلام النبلاء (٦٩/١٥ - ٧٠) تذكرة الحفاظ (١٣ / ٨٧١) طبقات (٥) الحفاظ (٣٥٦ - ٣٥٧) شذرات الذهب (٣٢٣/٢ - ٣٢٤). (٦) في (ط) : هاشم، وهو تحريف . تاريخ بغداد (٢٧٩/١ - ٢٨٠) الإكمال (١٧٢/٧) المنتظم: (٢٨٠/٦). (٧)