النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
أحداث سنة ٣١٧ هـ
لأُمِّ المقتدر بالله ستمئة ألف دينار ، [ وكانت }١) قد دفنتها في قبر بتربتها ، فحُمِلَتْ إلى بيت المال.
وأُخرج المقتدر وأمه وخالته وخواصُّ جواريه من دار الخلافة ، وذلك بعد محاصرة دار الخلافة ،
وهَرَب منْ كان بها من الحجبة والخدم منها ، وولي نازوك الحجوبة مضافاً إلى ما بيده من الشرطة ، وأُلزم
المقتدر بأن كتب على نفسه كتاباً بالخلع من الخلافة ، وأشهد على نفسه بذلك جماعةً من الأمراء
[ والأعيان (٢)، وسلَّم الكتاب إلى القاضي أبي عمر محمد بن يوسف، فقال لولده أبي الحسين (٣):
احتفظ بهذا الكتاب ، فلا ترينَّه أحداً من خلق الله . ولما أُعيد المقتدر إلى الخلافة بعد يومين ردَّه إليه ،
فشكره على ذلك جداً، وولَّه قضاء القُضَاة.
ولما كان يوم الأحد السادس عشر من المُحرَّم جلس القاهر بالله في منصب الخلافة ، وجلس بین یدیه
الوزير أبو علي بن مُقْلة ، وكتب إلى العمال بالآفاق يخبرهم بولاية القاهر بالله الخلافة عوضاً عن
المقتدر ، وأطلق عليَّ بن عيسى من السجن ، وزاد في إقطاع جماعةٍ من الأمراء الذين قاموا بنصره ، منهم
أبو الهيجاء بن حَمْدان .
ولما كان يوم الإثنين جاء الجند ، وطلبوا أرزاقهم وشغبوا، وسارعوا إلى نازوك فقتلوه ، وكان
مخموراً ، ثم صلبوه . وهرب الوزير والحَجَبة ، ونادوا : يا مقتدر يا منصور . ولم يكن مؤنس يومئذٍ
هناك، وجاءت الجنود إلى بابه يطالبونه بالمقتدر ، فأغلق بابه ، وحاجف (٤) دونه خَدَمه . فلما رأى
مؤنس أنه لابد من تسليم المقتدر إليهم أمره بالخروج ، فخاف(٥) أن يكون حيلة عليه ، ثم تجاسر فخرج ،
فحمله الرجال على أعناقهم حتى أدخلوه دار الخلافة ، فسأل عن أخيه القاهر وأبي الهيجاء بن حمدان
ليكتب لهما أماناً ، فما كان عن قريبٍ حتى جاءه خادم ومعه رأس أبي الهيجاء قد احتَّزه وأخرجه من بين
كتفيه ، وجاء المقتدر بالله فجلس في الدست ، واستدعى بالقاهر ، فأجلسه بين يديه واستدناه إليه ، وقبّل
بين عينيه ، وقال : يا أخي أنت لا ذنب لك، وقد عَلِمْتُ أنك قهرت . والقاهر يقول : الله الله ! نفسي
نفسي يا أمير المؤمنين . فقال : وحَقّ رسول الله لا جرى عليك مني سوء أبداً . وعاد ابن مقلة فكتب إلى
الآفاق يعلمهم بعود المقتدر [ إلى الخلافة ]٦) .
وتراجعت الأمور إلى حالها الأوّل ببغداد ، واستقر المقتدر في الخلافة ، وحُمِلَ رأس نازوك
(١) ما بين حاصرتين من (ط) . وفيها : وأخذوا لأم المقتدر خمسمئة ألف دينار.
(٢) ما بين حاصرتين من ( ط ).
(٣) في (ط ) الحسين ، وهو خطأ.
أي دافع . اللسان ( حجف ) .
(٤)
في ( ط ) : فخاف المقتدر .
(٥)
(٦) ما بين حاصرتين من ( ط ).

٨٢
ذكر أخذ القرامطة الحجر الأسود إلى بلادهم
وأبي الهيجاء بن حمدان فنودي عليهما : هذا رأس من عصى مولاه ، وهَرَبَ أبو السَّرايا بن حَمْدان إلى
المَوْصل ، وكان ابن نفيس من أَشَدِّ النَّاس على المقتدر ، فلما عاد إلى الخلافة خرج من بغداد متنكراً
فدخل المَوْصل ، ثم صار إلى إزمينيَة، ثم لحق بمدينة القُسْطَنْطينيّة، فتنصَّرَ [ بها ]١) مع أهلها لعنه الله
وإياهم . وأما مُؤْنس فإنه لم يكن في الباطن على المقتدر ، وإنما وافق جماعة الأمراء مكرهاً ، ولهذا لما
أودع المقتدر في داره لم ينله منه سوء ، بل كان يطيِّبُ قلبه ، ولو شاء لقتله لما طُلب من داره . فلهذا لما
عاد [المقتدر ]٢) إلى الخلافة رجع إلى دار مؤنس فبات [ بها ]٣) عنده لثقته به. وقرَّر أبا علي بن مقلة
على الوزارة ، وولَّى محمد بن يوسف أبا عمر قضاء القضاة ، وجعل محمداً أخاه - وهو القاهر بالله - عند
والدته بصفة محبوس(٤) عندها ، فكانت تحسن إليه غاية الإحسان ، وتشتري له السَّراري ، وتكرمه غاية
الإكرام .
ذِكْرُ أخْذِ القرامطة الحجر الأسود إلى بلادهم
وما كان منهم إلى الحجيج ، لعن الله القرامطة
خرج ركب العراق وأميرهم مَنْصور الدَّيْلَمي ، فوصلوا إلى مكة سالمين ، وتوافت الركوب من كلِّ
جانب(٥) ، فما شعروا إلا بالقِرْمطي قد خرج عليهم في جماعته يوم التروية ، فانتهب أموالهم ، واستباح
قتالهم ، فقتل النَّاس في رحاب مكة وشعابها حتى في المسجد الحرام ، وفي جَوْف الكعبة ، وجلس
أميرهم أبو طاهر سليمان بن أبي سعيد الجَنَّابي لعنه الله على باب الكعبة ، والرجال تصرع حوله ،
[ والسيوف تعمل في الناس]٦) في المسجد الحرام في الشهر الحرام ثم في يوم التروية ، الذي هو من
أشرف الأيام ، وهو يقول :
أنا بالله وبالله أنا يخلق الخَلْق وأُفنيهم أنا
فكان النَّاس يفرون [ منهم ]٧) فيتعلَّقون بأستار الكعبة، فلا يجدي ذلك عنهم شيئاً، [ بل ]^)
(١) ما بين حاصرتين من (ط ).
(٢) ما بين حاصرتين من ( ط).
(٣) ما بين حاصرتين من (ط).
في النسخ الخطية : بصفته محتبس عندها ، والمثبت من ( ط ) .
(٤)
في ( ط ) : وتوافت الركوب هناك من كل مكان وجانب وفج .
(٥)
ما بين حاصرتين من ( ط ) .
(٦)
(٧) ما بين حاصرتين من (ط).
(٨) ما بين حاصرتين من ( ط).

٨٣
ذكر أخذ القرامطة الحجر الأسود إلى بلادهم
يقتلون وهم كذلك ، ويطوفون فيقتلوه في الطّواف ، وقد كان بعض أهل الحديث يومئذٍ يطوف ، فلما
قضى طوافه أخذته السُّيوف ، فلمّا وَجَبَ(١) إلى الأرض أنشد وهو كذلك :
ترى المحبّينَ صَرعى في ديارِهُمُ كِفِتْية الكهفِ لا يدرُونَ كم لبثوا
ثم أمر(٢) القِرْمِطِي أن يُدْفن القتلى في بئر زمزم ، ودُفن كثير منهم في أماكنهم من الحرم حتى في
المسجد الحرام ، ويا حَبَّذا تلك القتلة وتلك الضجعةُ(٣). ولم يُغسلوا ولم يكفنوا، ولم يُصَلَّ عليهم ،
لأنهم [ مُخْرِمون (٤) شهداء في نفس الأمر ومن خيار الشهداء . وهَدَمَ قبة زمزم ، وأمر بِقَلْعِ باب الكعبة ،
ونَزَعَ كسوتها عنها ، وشققها بين أصحابه ، وأمر رجلاً أن يصعد على ميزاب الكعبة ، فأراد ذلك الرجل أن
يقتلعه من موضعه ، فسقط على أَمِّ رأسه ، فمات لعنه الله ، وصار إلى أمه الهاوية ، فانكفَّ اللعين عند
ذلك عن الميزاب ، ثم أمر بأن يقلع الحجر الأسود ، وجاءه رجل فضرب الحجر بمثقَّل في يده وقال : أين
الطير الأبابيل ؟ أين الحجارة من سجيل؟ ثم قلع الحجر الأسود - شرفه الله وكرمه وعظمه - وأخذوه حين
راحوا معهم إلى بلادهم ، فمكث عندهم ثنتين وعشرين سنة حتى ردّوه كما سنذكره في موضعه في سنة
تسعٍ وثلاثين وثلاثمئة ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .
ولما رجع إلى بلاده تبعه أمير مكة هو وأهل بيته وجنده ، وسأله وتشفع إليه في أن يرد الحجر
[ الأسود }٥) ليوضع في مكانه ، وبذل له جميع ما عنده من الأموال ، فلم يفعل ، فقاتله أمير مكة ، فقتله
القِرْمِطِي ، وقتل أكثر أهله وجُنْده ، واستمر ذاهباً إلى بلاده لعنه الله ومعه الحجر وأموال الحجيج . وقد
ألحد [ هذا اللعين }٦) في المسجد الحرام إلحاداً لم يسبقه إليه أحد ، ولا يلحقه فيه أحد ، وسيجازيه
على ذلك الذي ﴿ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (﴿ وَلَا يُؤثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ ﴾ [ الفجر: ٢٥ -٢٦].
وإنما حمل هؤلاء على هذا الصَّنيع لأنهم كانوا كفاراً زنادقة ، وقد كانوا ممالئين للفاطميين الذين نبغوا
في هذه السنين ببلاد إفريقية من أرض المغرب ، ويلقب أميرهم بالمهدي ، وهو أبو محمد عُيَيد الله بن
ميمون القَدَّاح، وقد كان صباغاً بسَلَمْيَةُ(٧)، ( وكان (٨) يهودياً ، فادعى أنه أسلم ، ثم سار منها فصار
(١) أي سقط . اللسان (وجب ) .
في ( ط ) : فلما قضى القرمطي لعنه الله أمره ، وفعل ما فعل بالحجيج من الأفاعيل القبيحة أمر ..
(٢)
(٣)
في ( ط ) وذلك المدفن والمكان .
ما بين حاصرتين من ( ط ) .
(٤)
ما بين حاصرتين من ( ط ) .
(٥)
(٦) ما بين حاصرتين من (ط).
(٧) قال ياقوت: وأهل الشام يقولون: سَلَميَّة، وهي بلد من أعمال حمص معجم البلدان (٢٤٠/٣ - ٢٤١) وفى
(ط ) : صباغاً .
(٨) ما بين حاصرتين من ( ط).

٨٤
ذكر أخذ القرامطة الحجر الأسود إلى بلادهم
إلى بلاد إفريقية ، فادعى أنه شريف فاطميّ ، فصدَّقه على ذلك طائفةٌ كثيرة من البربر وغيرهم من الجهلة ،
وصارت له دولة ، فملك مدينة سِجِلْمَاسةُ(١) ، ثم ابتنى مدينةً وسماها المَهْدية ، فكان قرار ملكه بها ،
وكان هؤلاء القرامطة يراسلونه ويدعون إليه ، ويترامون عليه ، ويقال : إنهم إنما كانوا يفعلون ذلك سياسة
ودولة لا حقيقة له (٢).
وذكر ابنُ الأثير أن المهديَّ كتب إلى أبي طاهر القِرْمطي يلومه على فعله بمكة ، حيث سلَّط النَّاس
على الكلام في عرضهم ، وانكشفت أسرارهم التي كانوا يبطنونها بما ظهر من صنيعهم هذا القبيح ، وأمره
برَدِّ ما أخذ منها ، وعَوْده إليها . فكتب إليه بالسَّمْعِ والطاعة ، وأنه قد قبل ما أشار به من ذلك(٣).
وقد أُسر بعض أهل الحديث في أيدي هؤلاء القرامطة لعنهم الله(٤)؛ ثم فرّج الله عنه ، فكان يحكي(٥)
أن الذي أسره كان يستخدمه [ في ]٦) أشق الخدمة وأشدها، وأنه كان يعربد عليه إذا سكر . فقال لي ذات
ليلة وهو سكران: ما تقول في محمدكم؟ فقلت : لا أدري . فقال : كان رجلاً سائساً . ثم قال :
ما تقول في أبي بكر؟ فقلت : لا أدري . فقال : كان ضعيفاً مهيناً . وكان عمر فظاً غليظاً . وكان عثمان
جاهلاً أحمق . وكان عليٍّ ممخرقاً، أليس(٧) كان عنده أحد يعلمه ما ادَّعى أن في صدره من العِلْم ؟ أما
كان يمكنه أن يعلِّم هذا كلمة وهذا كلمة ؟ ثم قال : هذا كله مخرقة . فلما كان الغد قال لي : لا تخبر بهذا
الذي قلت لك أحداً . رواه ابن الجَوْزي في ((منتظمه(٨).
وروي عن بعضهم [ أنه]٩) قال: كنت في المسجد الحرام يوم اقتلع الحجر الأسود ١٠)، إذ
دخل رجل وهو سكران ، راكب على فرس ، فصفر لها حتى بالت في المسجد الحرام في مكان
الطواف ، ثم حمل على رجلٍ كان إلى جانبي فقتله، ثم نادى بأعلى صوته: يا حمير(١١) ، أليس
قلتم في بيتكم هذا ﴿ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ ءَامِنَا﴾ [ آل عمران: ٩٧] فأين الأمن؟ فقلت له: أتسمع
(٢)
(١) مدينة في جنوب المغرب، بينها وبين فاس عشرة أيام تلقاء الجنوب. معجم البلدان (١٩٢/٣).
سترد ترجمة المهدي في وفيات سنة (٣٢٢هـ) .
(٣)
الكامل (٢٠٨/٨) .
في ( ط ) : فمكث في أيديهم مدة .
(٤)
في ( ط ) : يحكى عنهم عجائب من قلة عقولهم وعدم دينهم ، وأن ...
(٥)
ما بين حاصرتين من ( ط ) .
(٦)
(٧) في ( ط ) ليس ، وهو خطأ .
(٨) المنتظم (٢٢٤/٦).
(٩) ما بين حاصرتين من ( ط ).
(١٠) في (ط ) كنت في المسجد الحرام يوم التروية في مكان الطواف ، فحمل على رجل كان إلى جانبي فقتله القرمطي .
(١١) في (ط ): ورفع صوته بذلك.

٨٥
ذكر أخذ القرامطة الحجر الأسود إلى بلادهم
جواباً ؟ قال: نعم. قلت : إنما أراد الله: فأمّنوه . قال: فثنى رأس فرسه، وانصرف(١).
وقد سأل بعضهم هاهنا سؤالًا ، فقال : قد أحلَّ الله عزَّ وجلَّ بأصحاب الفيل - وكانوا نصارى وهؤلاء
شرٌّ منهم - ما ذكره في كتابه العزيز حيث يقول: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَبِ اَلْفِيلِ ﴿ أَلَمْ بَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي
تَضْلِيلٍ ﴾ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيّْا أَبَابِيلَ (٥ تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِيلٍ ﴿ فَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ﴾(٢) [الفيل: ١ - ٥]
ومعلوم أن القرامطة شرٌّ من اليهود والنصارى والمجوس ، بل ومن عَبَدَةِ الأصنامُ(٣)، فهلا عوجلوا
بالعقوبة كما عوجل أصحاب الفيل ؟
وقد أجيب عن ذلك بأن أصحاب الفيل إنما عوقبوا إظهاراً لشرف البيت الحرام ، لما يراد به من
التشريف العظيم بإرسال النبي الكريم من البلد الذي كان هذا البيت فيه ، ليُعْلَم شرف هذا الرسول الكريم
الذي هو خاتم الأنبياء ، فلما أراد إهانة هذه البقعة التي يراد تشريفها عما قريب أهلكهم الله ، سريعاً عاجلاً
غير آجل كما ذكر في كتابه(٤) . وأما هؤلاء فكان من أمرهم ما كان بعد تقرر الشَّرائع وتمهيد القواعد ،
والعلم بالضرورة من دين الله بشرف مكة والكعبة ، وكل مؤمنٍ يعلم أن هؤلاء(٥) من أكبر الملحدين
الكافرين ، بما تبين من كتاب الله وسنَّة رسوله ، فلهذا لم يحتج الحال إلى معاجلتهم بالعقوبة، بل أخّرهُمُ
الرَّبُّ جل جلاله ليوم تشخص فيه الأبصار ، والله سبحانه وتعالى يمهل ويملي ويستدرج ، ثم يأخذ أخذ
عزيز مقتدر، كما قال رسول الله وَله: ((إن الله ليملي للظّالم حتى إذا أخذه لم يفلته)(٦)، ثم قرأ:
﴿ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَيِّكَ إِذَا أَخَذَ اُلْقُرَى وَهِىَ ظَلِمَّةُ إِنَّ أَخْذَهُ، أَلِمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢] وقال رسول الله لَّه:
((لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم يجعلون له ولداً وهو يرزقهم ويعافيهم)(٧) . وقال تعالى :
﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَفِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَرُ﴾ [إبراهيم: ٤٢] وقال
تعالى: ﴿ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِى الْبِلَدِ (١) مَتَعُ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَنُهُمْ جَهَنَّمٌ وَبِئْسَ الِهَادُ﴾ [ آل عمران: ١٩٦ -
١٩٧] وقال تعالى: ﴿ نُمِنِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٤]. وقال: ﴿ مَتَحُ فِي الدُّنْيَا
ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [ يونس: ٧٠] .
وفيها وقعت فتنة ببغداد بين أصحاب أبي بكر المَؤُّوذي الحَنْبلي(٨)، وبين طائفة من العامة ، اختلفوا
(١) المنتظم (٢٢٣/٦).
(٢)
في ( ط ) : ولم يفعلوا بمكة شيئاً مما فعله هؤلاء.
(٣)
في ( ط ) : وأنهم فعلوا بمكة ما لم يفعله أحد .
في ( ط ) : ولم يكن شرائع مقررة تدل على فضله ، فلو دخلوه وأخربوه لأنكرت القلوب فضله .
(٤)
في ( ط ) : قد ألحدوا في الحرم إلحاداً بالغاً عظيماً ، وأنهم من أكبر .
(٥)
هو في صحيح البخاري (٤٤٠٩) في التفسير، وصحيح مسلم (٢٥٨٣) في البر والصلة .
(٦)
(٧)
صحيح مسلم (٢٨٠٤/ ٥٠) في صفة الجنة .
(٨) سلفت ترجمة أبي بكر في وفيات سنة (٢٧٥ هـ) من هذا الكتاب .

٨٦
وفيات سنة ٣١٧ هـ
في تفسير قوله تعالى: ﴿عَسَّ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا فَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]. فقال الحنابلة : يجلسه معه
على العرش . وقال الآخرون : المراد بذلك الشَّفاعة العُظْمى ، فاقتتلوا بسبب ذلك ، وقتل بينهم قتلى ،
فإنَّا لله وإنا إليه راجعون. وقد ثبت في ((صحيح)) البخاري(١) أن المراد بذلك مقام الشفاعة العظمى،
يشفع عند الله عزَّ وجلَّ في أن يأتي لفصل القضاء بين عباده ، وهو المقام الذي يرغب إليه فيه الخلق كلهم ،
حتى إبراهيم الخليل ، ويغبطه به الأوَّلون والآخرون .
وفيها وقعت فتنة بالمَوْصل بين العامة فيما يتعلق بأمر المعاش ، وانتشرت ، وكثر أهل الشر
[ فيها ]٢) واستظهروا، وجرت بينهم شرور ثم سكنت(٣).
وفيها وقعت فتنة ببلاد خُرَاسان بين بني سامانٌ(٤) وأخيهمُ(٥) نصر بن أحمد الملقب السَّعيد (٦).
وخرج في شعبان خارجيٌّ بالمَوْصِل ، وخرج آخر بالبوازيج(٧) ، فقاتلهم أهل تلك الناحية حتى سكن
شَرُّهم وتفرق أصحابهم(٨).
وفيها التقى مفلح السَّاجي وملك الرُّوم الدُّمُسْتق ، فهزمه مفلح ، وطرد وراءه إلى أرض الروم ، وقتل
منهم خلقاً كثيراً ، ولله الحمد .
وفيها هبت ريح شديدة ببغداد تحمل رماداً أحمر يشبه رمل أرض الحجاز ، فامتلأت منه البيوت .
وممن توفي فيها من الأعيان :
أحمد بن الحسن (٩) [ بن العباس (١٠) بن الفرجُ(١١) بن شُقَيْر(١٢)، أبو بكر النَّحْوي.
(١) حديث الشفاعة في صحيح البخاري (٤٤٣٥) في التفسير، وصحيح مسلم (١٩٤) في الإيمان.
(٢) ما بين حاصرتين من (ط) .
(٣) الكامل لابن الأثير (٢١٢/٨ -٢١٣).
(٤)
في ( ط ) ساسان ، وهو تصحيف .
(٥) من (ط ) وأميرهم ، وهو تحريف.
(٦)
الكامل (٢٠٨/٨ -٢١٢) .
البواريج - بالراء المهملة - وهو تصحيف . والبوازيج : بلد قرب تكريت على فم الزاب الأسفل ، حيث يصب في
(٧)
دجلة . معجم البلدان (١/ ٥٠٣) .
(٨) الكامل (٢١٤/٨) وسيأتي خبره في أحداث سنة (٣١٨هـ).
(٩) في معجم الأدباء (١١/٣) الحسين، وهو تحريف.
(١٠) ما بين حاصرتين من تاريخ بغداد (٨٩/٤).
(١١) تاريخ بغداد (٨٩/٤) نزهة الألباء (١٧١ - ١٧٢) معجم الأدباء (١١/٣) إنباه الرواة (٣٤/١ - ٣٥) تاج العروس
( شقر ) .
(١٢) في (ط) و(ح ) سفيان، وهو تحريف.
٠

٨٧
وفيات سنة ٣١٧هـ
كان عالماً بمذهب الكوفيين ، وله فيه تصانيف .
أحمد بن مهدي بن رستمُ(١) : العابد الزَّاهد ، أنفق في طلب العِلْم ثلاثمئة ألف دِزْهم ، ومكث
أربعين سنة لا يأوي إلى فراش ، وقد روى الحافظ أبو نُعَيْم بسنده عنه أنه جاءته امرأة ذات ليلة فقالت له :
إني قد امتحنت بمحنة ؛ أكرهت على الزِّنا وأنا حُبْلى منه ، وقد تسترتُ بك، وزعمت أنك زَوْجي ، وأن
هذا الحَمْلِ منك ، فاسترني سَتَرَك الله ولا تفضحني . فسكت عنها ، فلما وضعت جاءني أهل المحلَّة
وإمام مسجدهم يهنئونني بالولد ، فأظهرت البِشْر ، وبعثت فاشتريت بدينارين شيئاً حلواً
[وأطعمتهم ]٢)، وجعلت أرسل إليها مع إمام المسجد كل شهر دينارين صفة نفقة الولد ، [ وأقول :
اقرئها مني السَّلام ، فإنه قد سبق مني ما فَرَّق بيني وبينها ]٣) . فمكثت كذلك سنتين ، ثم مات المولود ،
فجاؤوني يعزونني فيه ، فأظهرت التغمم والحزن عليه ، فجاءتني المرأة بالدَّنانير التي كنت أرسل بها إليها
[ نفقة الولد ]٤)، قد جمعتها [ في صرة ]°) عندها [ فقالت لي: سترك الله وجزاك خيراً، وهذه الدنانير
التي كنت ترسل بها]٦) فقلت: يا هذه إني إنما كنت أرسل بها صِلَةً للولد [وقد مات وأنت ترثينه ]٧)،
فخذيها ، فافعلي بها ما شئت . [ فدعت ، وانصرفت ]٨) .
بَدْر بن الهَيْئمُ(٩) بن خَلَف بن خالد بن راشد بن الضَّحَّاك بن النُّعْمان [ بن محرق بن النعمان بن
المنذر }١٠) أبو القاسم، اللَّخْميُ(١١) ، القاضي ، الكوفي .
نزل بغداد، وحدَّث بها عن أبي كُرَيب وغيره . وكان سماعُه للحديث بعدما جاوز أربعين سنة ، وكان
ثِقَةٌ نبيلاً ، عاش مئة سنة وسبع عشرة سنة .
وكانت وفاته في شوال من هذه السنة بالكوفة .
(١) في (ط) رميم، وهو تحريف وترجمته في حلية الأولياء (٣٩٦/١٠ - ٣٩٧) المنتظم (٢٢٥/٦ -٢٢٦) النجوم
الزاهرة (٢٢٦/٣).
(٢) ما بين حاصرتين من ( ط ).
ما بين حاصرتين من ( ط ) .
(٣)
ما بين حاصرتين من ( ط ) .
(٤)
ما بين حاصرتين من ( ط ) .
(٥)
ما بين حاصرتين من ( ط ) .
(٦)
(٧) ما بين حاصرتين من ( ط).
(٨) ما بين حاصرتين من (ط).
(٩) تاريخ بغداد (١٠٧/٧ - ١٠٨) المنتظم (٢٢٦/٦) سير أعلام النبلاء (٥٣٠/١٤ - ٥٣١).
(١٠) ما بين حاصرتين من ( ط).
(١١) في (ط ) البلخي، وهو تحريف.

٨٨
وفيات سنة ٣١٧هـ
عبد الله بن محمَّد بن عبد العزيز(١) بن المَرْزُبان بن سابور بن شاهِنْشاه، أبو القاسم، البَغَويُ(٢)،
ويعرف بابن بنت مَنيع .
ولد سنة ثلاث عشرة ، وقيل أربع عشرة ومئتين .
ورأى أبا عبيد [ القاسم بن سلام ]٣) ولم يسمع منه، وسمع من أحمد [ بن حنبل ]٤) ، وعليٍّ بن
المَديني ، ويحيى بن معين، وعلي بن الجَعْد ، وخَلَف بن هشام البَزَّار ، وخَلْق .
وكان معه جُزْءٌ فيه سماعه من ابن معين ، فأخذه منه موسى بن هارون الحافظ ، فرماه في دِجلة ،
وقال : تريد أن تجمع بين الثلاثة ؟ وقد تفرَّد عن سبعة وثمانين شيخاً ، وكان ثِقَةً حافظاً ضابطاً ، روى عنه
الحُفَّاظ ، وله مصنَّفات .
قال موسى بن هارون الحافظ : كان ابن بنت منيع ثقة صدوقاً ، فقيل له : إن هاهنا ناساً يتكلَّمون
فيه . فقال : يحسدونه ، ابن بنت منيع لا يقول إلا الحق .
وقال ابن أبي حاتم وغيره : [ أحاديثه ]°) تدخل في الصَّحيح .
وقال الدَّار قطني : كان البغوي قلَّما يتكلّم على الحديث ، فإذا تكلَّم كان كلامه كالمِسْمار في السَّاج .
وقد ذكره ابن عديٍّ في ((كامله))، فتكلَّم فيه، وقال: حَدَّث بأشياء أُنكرت عليه ، وكان معه طرف
من معرفة الحديث والتَّصانيف .
وقد انتدب ابن الجَوْزي للردِّ على ابن عَدِيٍّ في هذا الكلام ، وذَكَرَ أنَّه توفِّي ليلة عيد الفِطْر من هذه
السنة، وقد استكمل مئة سنة وثلاث سنين وشهوراً، وهو مع ذلك صحيح السَّمْع والبَصَر والأسنان ، يطأ
الإماء(٦) .
وكانت وفاته ببغداد ، ودُفِن بمقبرة باب التِّبْن ، رحمه الله وأكرمَ مثواه .
(١) تاريخ بغداد (١١١/١٠ - ١١٧) طبقات الحنابلة (١٩٠/١ - ١٩٢) الأنساب (٢٥٥/٢) المنتظم (٢٢٧/٦ - ٢٣٠)
سير أعلام النبلاء (١٤ / ٤٤٠ -٤٥٦).
قيل له البغوي لأن جده أحمد بن منيع أصله من بغ، أما هو فقد ولد ببغداد ، وبها نشأ. الأنساب (٢٥٥/٢).
(٢)
(٣)
ما بين حاصرتين من ( ط ) .
ما بين حاصرتين من ( ط ) .
(٤)
(٥) ما بين حاصرتين من (ط).
(٦) المنتظم (٢٢٩/٦ - ٢٣٠).

٨٩
وفيات سنة ٣١٧هـ
محمد بن أبي الحسين [ أحمد ]١) بن محمد بن عمَّار(٢): الشَّهيد الحافظ ، أبو الفَضْلِ الهَرَوي ،
ويُعْرَف بابن أبي سَعْد(٣) .
قَدِمَ بغداد ، وحدَّث بها عن محمد بن عبد الله الأنصاري .
وحدَّث عنه ابنُ المُظَفَّر الحافظ .
وكان من الثِّقات الأثبات الحُفَّاظ المتقنين، له مناقشاتٌ على بضعة عشر حديثاً من ((صحيح))
مُسْلم .
قتلته القرامطة يوم التّروية بمكة في هذه السَّنة في جُمْلة منْ قَتَلوا ، رحمه الله وأكرم مثواه ، وجعل
جنات الفِرْدوس منقلبه ومثواه .
الكَعْبِيُّ المُتَكَلِّمُ(٤) : هو أبو القاسم ، عبد الله بنُ أحمدَ بن محمود ، البَلْخي، الكَعْبي،
المتكلِّمُ(٥) ، نسبةً إلى بني كعب ؛ أحد مشايخ المُعْتزلة ، وهو الذي تنسب إليه الطائفة الكَعْبية منهم .
قال القاضي ابن خَلِّكان : وكان من كبار المتكلِّمين ، وله اختياراتٌ في عِلْم الكلام ؛ من ذلك أنه كان
يزعم أن أفعال الله تعالى تقع بلا اختيار ولا مشيئة(٦) .
هكذا أورده عنه .
قلت : وقد خالف الكَعْبِيُّ نَضَّ القرآن في غير ما موضع منه. قال الله تعالى: ﴿ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ
وَيَخْتَارٌ﴾ [ القصص: ٦٨]. وقال: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوَّةٌ﴾ [الأنعام: ١١٢] وقال: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَنَيْنَا كُلَّ
نَفْسِ هُدَنهَا﴾ [السجدة: ١٣] وقال: ﴿ وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ تُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِبهَا فَفَسَقُواْ فِيَهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَهَا
تَدْمِيرًا﴾ [ الإسراء: ١٦] إلى غير ذلك مما هو معلوم بالضرورة بصريح العقل وصحيح الشرع.
(١) في النسخ الخطية محمد بن الحسين، وهو وهم، وما بين حاصرتين من سير أعلام النبلاء (١٤ / ٥٣٩).
(٢) فى (ط) عثمان، وهو تحريف. وترجمته في سير أعلام النبلاء (١٤/ ٥٤٠/٥٣٨) تذكرة الحفاظ (٨٣٤/٣ - ٨٣٥)
العبر (١٦٩/٢) طبقات الحفاظ (٣٤٧).
(٣) هو جده لأمه يحيى بن منصور الزاهد الهروي ، المتوفى سنة (٢٨٧ هـ) وقيل سنة (٢٩٢ هـ) ترجمته في تاريخ بغداد
(١٤ / ٢٢٥ -٢٢٦) والعبر (٨٠/٢، ٩٤) وفيه أبو سعيد، وهو تصحيف.
(٤) الفرق بين الفرق (١٦٥ - ١٦٧) تاريخ بغداد (٣٨٤/٩) الملل والنحل (٧٦/١ - ٧٨) الأنساب (٤٤٤/١٠ - ٤٤٥)
المنتظم (٢٣٨/٦) وفيات الأعيان (٤٥/٣) سير أعلام النبلاء (٣١٣/١٤، ٢٥٥/١٥) طبقات المعتزلة (٨٨ -
٨٩) .
(٥) ثمة اختلاف بين المؤرخين في سنة وفاته ، أغلب المصادر على أنها سنة (٣١٩ هـ)، وصححها الذهبي في سير أعلام
النبلاء (٣١٣/١٤) على أنها سنة (٣٢٩هـ)، وذكر ابن خلكان وفاته سنة (٣١٧هـ)، وتابعه على ذلك ابن كثير
هنا .
(٦) وفيات الأعيان (٤٥/٣).

٩٠
أحداث سنة ٣١٨ هـ
ثم دخلت سنة ثماني عشرة وثلاثمئة
فيها عزل الخليفة المقتدر بالله وزيره أبا علي بن مُقْلة، فكانت مُدَّة وزارته سنتين وأربعة أشهر وثلاثة
أيام ، واستوزر مكانه سليمان بن الحسن بن مَخْلَد ، وجعل عليَّ بن عيسى ناظراً معه .
وفي جُمادى الأولى منها أُحرقت دار أبي علي بن مقلة ، وكان قد أنفقَ عليها مئةَ ألفِ دينار ، فانتهبَ
النَّاس أخشابها وما وجدوا فيها منْ حديدٍ ورصاصٍ وغير ذلك ، وصادره الخليفة بمئتي ألف دينار .
وفيها طرد الخليفة الرَّجَّالة الذين كانوا بدار الخلافة عن بغداد ؛ وذلك أنهم لما ردُّوا المقتدر إلى
الخلافة شرعوا يَنْفِسُون بكلام كثير عليهم(١) ، يقولون: منْ أعان ظالماً سُلَّط عليه. ومن أصعد الحمار
إلى السطح [ لم (٢) يقدر ينزله. فأمر بإخراجهم عن بغداد ، ومن أقام منهم عوقب .. فأُحرقت دورٌ كثيرة
من أقربائهم ، واحترق بعض نسائهم وأولادهم ، فخرجوا منها في غاية الإهانة ، فنزلوا واسط ، وتغلَّبوا
عليها ، وأخرجوا عامِلَها [ منها ]٣) ، فركب إليهم مؤنسٌ الخادم ، فأوقع بهم بأساً شديداً ، وقتل منهم
خَلْقاً كثيراً ، فلم يقم لهم بعد ذلك راية (٤) .
وفي ربيع الأول منها عَزَلَ الخليفة ناصرَ الدَّوْلة بنَ حمدان عن المَوْصل ، وولَّى عليها عمَّيْه سعيداً
ونصراً ابني حمدان ، وولَّاه ديار ربيعة : نَصِيبين وسِنْجار والخابور ورأس العين ، ومعه مَيَّافارقين
وأرْزَن ، ضمن ذلك من الخليفة بمالٍ يحمله [ إليه ]°) في كل سنة .
وفي جمادى الأولى خرج رجل ببلاد البوازيج يقال له صالح بن محمود ، فاجتمع عليه جماعةٌ من بني
مالك ، ثم سار إلى سِنْجار فحاصرها ، فدخلها ، وأخذ شيئاً كثيراً من أموالها ، وخطب بهاخطبة ، وعظ
وذكر وحذر ، فقال في جملة ما قال: نتولَّى الشَّيْخين، ونبرأُ من الخبيثين(٦)، ولا نرى المسحَ على
الخُفَين . ثم سار فعات في الأرض فساداً ، فانْتُدبَ له نصر بن حمدان فقاتله ، فَأُسر صالح بن محمود هذا
ومعه ابنان له ، فحمل إلى بغداد ، فدخلها وقد أُشهر شهرة فظيعة(٧) .
(١) في ( ط ) عليه ، وهو تصحيف.
(٢) ما بين حاصرتين من ( ط).
(٣) ما بين حاصرتين من ( ط ).
(٤)
في ( ط ) قائمة.
ما بين حاصرتين من ( ط ).
(٥)
في النسخ الخطية و( ط) الحسين، وهو تحريف، والمثبت من الكامل لابن الأثير (٢٢٠/٨).
(٦)
(٧) سلفت نتف من أخباره في أحداث سنة (٣١٧هـ).
٠

٩١
وفيات سنة ٣١٨هـ
وخرج آخر ببلاد المَوْصل ، فاتَّبعه ألف رجل ، فحاصر أهل نَصِيبين ، فخرجوا إليه ، فاقتتلوا معه ،
فَقَتَلَ منهم مئة وأسر ألفاً ، ثم باعهم من نفوسهم ، وصادر أهلها بأربعمئة ألف دِرْهم ، فانْتُدُبَ له ناصر
الدولة بن حمدان فقاتله ، فظفر به ، فأسره وسيره إلى بغداد أيضاً ، ولله الحمد .
وفيها خلع الخليفة على ابنه هارون ، وركب معه الوزير والجيش ، وأعطاه نيابة فارس وگزمان
وسِجِسْتان ومُكْرَانٌ(١)، وخلع على ابنه أبي العَبَّاس الرَّاضي، وجَعَله نائب بلاد المغرب ومِصْر والشَّام،
ويكون مؤنس الخادم يَسُدُّ عنه أمورها .
وحجَّ بالنَّاس في هذه السنة عبد السميع بن أيوب بن عبد العزيز الهاشمي ، وخرج الحجيج بخُفَارة
وبَذْرَقَةٍ (٢) حتى سلموا في الذهاب والإياب من القرامطة ، ولله الحمد .
وممن توفي فيها من الأعيان :
أحمد بن إسحاق(٣) بن البُهْلول بن حَسَّان بن سِنَانُ(٤) : أبو جعفر، التَّنُوخي ، القاضي ، الحَنَفي ،
العَدْل الثِّقة ، الرِّضى .
وكان فقيهاً ثقة نبيلاً ، سمع الحديث الكثير ، وورى عن أبي كُرَيب حديثاً واحداً ، وكان عالماً
بالنَّحْو ، فصيحَ العِبارة ، جَيِّدَ الشّعْر ، محموداً في الأحكام .
اتفق أن السيدة أُمَّ المقتدر وقفت وقفاً ، وجعل الحاكم هذا عنده نسخة في سلة الحكم ، ثم أرادت أن
تنقض ذلك الوقف ، فطلبت الحاكم وأن يُخْضِرَ معه كتاب الوقف لتأخذه منه فتعدمه ، فلما حَضَرَ من وراء
الستارة فَهِمَ المقصود فقال لها : لا يمكن هذا ، لأني خازن المسلمين ، فإما أن تعزلوني عن القضاء
وتولّوا على هذا غيري ، وإما أن تتركوا هذا الذي تريدونه ، فلا سبيل إليه . فشكته إلى ولدها المقتدر ،
فشفع عنده المقتدر بذلك ، فذكر له صورة الحال . فرجع إلى أمه فقال : إن هذا الرجل ممن يُرغب فيه ،
ولا سبيل إلى عزله والتلاعب به . فرضيت السيدة عنه ، وبعثت تشكره على ما صنع من ذلك . فقال : من
قَدَّم أمر الله على أمر العباد كفاه الله شرَّهمُ(٥)، [ ورزقه خيرهم ]٦) .
(١) في (ط ) ومكرمات، وهو تحريف.
(٢) البذرقة تعني أيضاً الخفارة ، فارسي معرب . اللسان (بذرق ).
(٣) تاريخ بغداد (٣٠/٤ - ٣٤) نزهة الألباء (١٧٢ - ١٧٥) المنتظم (٢٣١/٦ - ٢٣٤) معجم الأدباء (١٣٨/٢ -
١٦١) سير أعلام النبلاء (١٤ / ٤٩٧ - ٥٠٠).
(٤) في ( ط ) ابن أبي سنان ، وهو خطأ .
(٥) المنتظم (٢٣٣/٦ - ٢٣٤).
(٦) ما بين حاصرتين من ( ط ).

٩٢
أحداث سنة ٣١٩هـ
كانت وفاته فى هذه السنة ، وقد جاوز الثمانين .
يحيى بن محمد بن صاعد (١): أبو محمد ، مولى أبي جعفر المنصور.
رحل في طلب الحديث ، وكتب وَسَمعَ وحفظ، وكان من كبار الحُفَّاظ ، وشيوخ الرُّواة ، وكتب عنه
جماعة من الأكابر ، وله تصانيف تَدُلُّ على حفظه وفقهه وفهمه .
وكانت وفاته ببغداد ، ودُفن بباب الكوفة في هذه السنة ، وله تسعون (٢) سنة .
الحسن بن علي بن أحمد (٣) بن بشَّار بن زياد: المعروف بابن العلاف، الضَّرير، النَّهْرواني ، الشَّاعر
المشهور .
كان أحد سُمَّار الخليفة المعتضد بالله ، وله مَرْثَاة طَنَّنة في هِرَّ له ، قتله جيرانه لأنه أكل فراخ الحمام
من أبراجهم ، وفيها آداب ورِقَّة ، ويقال : إنه أراد بها رثاء ابن المعتز(٤) ، لكنه لم يتجاسر أن ينسبها إليه
من الخليفة المقتدر بالله حين قتله . وأولها :
يا هِرُ فارقْتَنَا ولم تَعُدِ وكُنْتَ عِنْدِي بِمَنْزِلِ الوَلَدِ
وهي خمسة وستون بيتاً .
ثم دخلت سنة تسع عشرة وثلاثمئة
في المحرم من السنة دخل الحجيج إلى بغداد ، وقد خرج مؤنس الخادم للحج في هذه السنة في جيشٍ
كثيف ، خوفاً من القرامطة ، ففرح المسلمون بذلك ، وزينت بغداد يومئذٍ ، وضربت الخيام والقباب
لمؤنس الخادم ، وقد بلغ مؤنس الخادم في أثناء الطريق أن القرامطة أمامه ، فعدل بالناس عن جادة
(١) تاريخ بغداد (٢٣١/١٤ - ٢٣٤) المنتظم (٢٣٥/٦ - ٢٣٦) تذكرة الحفاظ (٧٧٦/٢ - ٧٧٨) سير أعلام النبلاء
( ١٤ / ٥٠١ _٥٠٦ ) .
(٢) في ( ط ) سبعون ، وهو تصحيف .
تاريخ بغداد (٣٧٩/٧ _ ٣٨٠) الأنساب (٩٥/٩ - ٩٦) المنتظم (٢٣٧/٦ -٢٣٨) وفيات الأعيان (١٠٧/٢ -
(٣)
١١١) سير أعلام النبلاء (١٤ / ٥١٤ - ٥١٨).
(٤) وقيل : إنما كنى بالهر عن المحسن بن الفرات أيام محنته ، وذكر أيضاً أنها في غلام أبي بكر الذي قتل لأنه هوي
جارية لعلي بن عيسى. وفيات الأعيان (١٠٨/٢ - ١٠٩) وفيه مقاطع من القصيدة ، وأيضاً سير أعلام النبلاء
(٥١٥/١٤ - ٥١٨) وقال الصفدي في نكت الهميان (١٤٢): وأنا شديد التعجب ممن يزعم أن هذه القصيدة رثا
بها غير هر .

٩٣
أحداث سنة ٣١٩ هـ
الطريق ، فأخذ بهم في شعاب وأودية ، فتاهوا هنالك أياماً ، فشاهد النَّاس هنالك عجائب ، وغرائب
ورأَوا عظاماً في غاية الضخامة ، وشاهدوا أناساً قد مُسخوا حجارة ، ورأى بعضهم امرأةً واقفة على تَنُّور
[ تَخبز فيه (١) قد مُسِخت حجراً، والتَّنُّور قد صار حجراً. وحمل مؤنسٌ من ذلك شيئاً كثيراً إلى
الحضرة ليصدق ما يخبر به من ذلك . ذكره ابنُ الجَوْزي في « منتظمه)) . فيقال : إنهم مِنْ قَوْمٍ عاد أو
ثمود٢) .
وفيها عزل المقتدر سليمان بن الحسن الوزير بعد سنة وشهرين وتسعة أيام ، واستوزر مكانه أبا القاسم
عبيد الله بن محمد الكَلَوْذاني ، ثم عزله بعد شهرين وثلاثة أيام ، واستوزر الحسين بن القاسم ، ثم عزله
أيضاً .
وفيها وقعت وحشة بين الخليفة ومؤنس الخادم ؛ بسبب أن الخليفة ولّى الحِسْبة لرجل اسمه محمد بن
ياقوت ، وكان أميراً على الشرطة أيضاً . فقال مؤنس : إن الحسبة لا يتولاها إلا القضاة والعدول ، وهذا
لا يصلح لها . ولم يزل بالخليفة حتى عزل محمد بن ياقوت عن الحسبة والشرطة أيضاً ، وانصلح الحال
بينهما . ثم تجدَّدتِ الوحشة بينهما في ذي الحِجَّة من هذه السنة ، وما زالت تتزايد حتى آل الحال إلى قتل
المقتدر بالله كما سنذكره(٣) .
وفي هذه السنة أوقع ثَمَل متولي طَرَسُوس بالرُّوم وقعةً عظيمة جداً، قتل منهم خَلْقاً كثيراً ،
وأسر نحواً من ثلاثة آلاف ، وغنم من الذهب والفضة والدِّيباح شيئاً كثيراً جداً ، ثم أوقع بهم مَرَّة ثانية
كذلك .
وكتب ابن الدَّيْراني الأزمني إلى الرُّوم يحضُّهم على الدُّخول إلى بلاد الإسلام، ووعَدَهُمْ منه النَّصْر
والإعانة ، فدخلوا في جحافلَ كثيرة جداً ، وانضاف إليهم الأزمني ، فركب إليهم مفلح غلام يوسف بن
أبي السَّاج وهو يومئذ نائب أذْرَبِيجَان ، واتبعه خَلْقٌ كثير من المطَّوِّعة ، فقصد أولاً بلاد ابن الدَّيْراني ،
فقتل من الأزْمَن نحواً من مئة ألف ، وأسر خَلْقاً كثيراً، وغنم أموالًا جزيلة جداً ، وتحصَّن ابن الدَّيْراني
بقلعة له هنالك ، وكاتَب(٤) الرُّومَ ، فوصلوا إلى سُمَيْساط فحاصروها ، فبعثوا يستصرخون بسعيد بن
حمدان ؛ نائب المَوْصل ، فسار إليهم مسرعاً ، فوجدَ الرُّوم قد كادوا يفتحونها ، فلما عَلِموا بقدومه أجلوا
عنها ، واجتازوا بمَلَطْية فانتهبوها ، ورجعوا خاسئين إلى بلادهم ، ومعهم ابن نفيس الذي كان قد تنصر
(١) ما بين حاصرتين من (ط).
(٢) المنتظم (٢٣٦/٦) وفي (ط): من قوم عاد أو من قوم شعيب أو من ثمود ، فالله أعلم .
(٣) انظر أحداث سنة (٣٢٠هـ).
(٤) في (ح): وجاءت.

٩٤
وفيات سنة ٣١٩هـ
معهم ، وقد كان من أهْلِ بغداد قبل ذلك كما ذكرناه قبل . وركب ابن حمدان في آثار الرُّوم ، فدخل
بلادهم ، فقتل خلقاً كثيراً منهم [وأسر ]١) وغَنِمَ أشياء كثيرة أيضاً .
قال ابنُ الأثير : وفي هذه السنة في شوال منها جاء سَيْلٌ [ عظيم ]٢) إلى تكريت ارتفع في أسواقها
أربعة عشر شبراً ، وغرق بسببه أربعمئة دار ، وخَلْقٌ لا يعلمهم إلا الله ، حتى كان المسلمون والنصارى
يُدْفنون جميعاً ، لا يعرف هذا من هذا٣) .
قال : وفيها هاجت بالمَوْصل ريحٌ فيها حمرة ، ثم اسْوَدَّت حتى كان الإنسان لا يبصر صاحبه
[ نهاراً ]٤)، وظَنَّ النَّاس أن القيامة قد قامت، ثم انجلى ذلك بمطرٍ أرسله الله عليهم(٥).
•
وممن توفي فيها من الأعيان :
الحسين بن الحسين بن عبد الرحمن(٦): أبو عبد الله الأنطاكي، قاضي ثغور الشَّام ، ويُعْرف بابن
الصَّابوني ، وكان ثِقَةً نبيلاً ، قَدِمَ بغداد ، وحدَّث بها .
علي بن الحسين بن حَرْب بن عيسى (٧) : أبو عبيد بن حَرْبَوَيْه القاضي بمصر مُدَّة طويلة جداً .
وكان ثِقَةً عالماً جليلاً ، من خيار القُضَاة وأعدلهم ، وكان يتفقه على مذهب أبي ثور(٨) ، وقد ذكرناه
في (( طبقات الشافعية)) بما فيه مقنع وكفاية ، وقد استعفى عن القضاء ، فعزل عنه في سنة إحدى عشرة
وثلاثمئة ، ورجع إلى بغداد ، فأقام بها حتى مات بها في هذه السنة في صفر ، وصلَّى عليه أبو سعيد
الإضْطَخْري ، ودفن بداره .
قال الدَّارَقُطْني: حدَّث عنه أبو عبد الرحمن النَّسائي في ((الصحيح))، ولعله مات قبله بعشرين سنة.
وذَكَرَ من جلالته وفضله(٩) ، رحمه الله .
(١) ما بين حاصرتين من (ط).
(٢) ما بين حاصرتين من (ط).
(٣) الكامل (٢٣٥/٨ -٢٣٦).
ما بين حاصرتين من ( ط ) .
(٤)
(٥)
الكامل (٢٣٦/٨).
تاريخ بغداد (٣٩/٨ -٤٠) المنتظم (٢٣٨/٦).
(٦)
(٧)
الولاة والقضاة (٥٢٣ - ٥٣١) تاريخ بغداد (٣٩٥/١١ - ٣٩٨) طبقات الفقهاء للشيزازي (١١٠) الأنساب
(٩٨/٤ - ٩٩) المنتظم (٢٣٨/٦ - ٢٣٩) سير أعلام النبلاء (١٤/ ٥٣٦ - ٥٣٨) طبقات الشافعية للسبكي
(٤٤٦/٣ -٤٥٥) رفع الإصر (٣٨٩/٢).
(٨) سلفت ترجمته في وفيات سنة (٢٤٠ هـ) من هذا الكتاب.
(٩) انظر تاريخ بغداد (١١/ ٣٩٧).

٩٥
وفيات سنة ٣١٩هـ
محمد بن الفَضْل بن العباسُ(١) : أبو عبد الله ، البَلْخِي، الزَّاهد .
حُكي عنه أنه مكث أربعين سنةً لم يخط فيها خُطوة لغير الله ، ولا نظر إلى شيء ، فاستحسنه حياءً من
الله عزَّ وجلَّ ، وأنه مكث ثلاثين سنة لم يُمْلِ على مَلَكَيْه قبيحا٢ً) .
محمد بن سَعْدٍ (٣) أبو الحسين الوَرَّاق : صاحب أبي عثمان النَّيْسابوري .
وكان فقيهاً يتكلَّم على المعاملات ، ومن جَيِّد كلامه قوله : مَنْ غَضَّ بصره عن مُحرَّم أوْرَثَه الله بذلك
حكمةً على لسانه يهتدي بها سامعوه ، ومن غَضَّ بَصَره عن شُبْهةٍ نوَّر الله قلبه بنورٍ يهتدي به إلى طُرُقِ
مرضاته .
يحيى بن عبد الله بن موسى(٤) . أبو زكريا الفارسي. كتب بمِصْر عن الرَّبيع بن سليمان ، وكان ثِقَةً
صدوقاً ، حسن الصلاة ، عدلاً عند الحكام(٥) .
(١) طبقات الصوفية (٢١٦/٢١٢) حلية الأولياء (٢٣٢/١٠ -٢٣٣) الرسالة القشيرية (٢١) المنتظم (٢٣٩/٦ -
٢٤٠) سير أعلام النبلاء (١٤/ ٥٢٣ -٥٢٦).
(٢) انفرد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء (١٤ / ٢٢٥ -٢٢٦) نقلاً عن السُّلَمي وابن مندة أنه توفي (٣١٧هـ) ، وقد
وهَمَ من قال: سنة تسع عشرة . والذي في مطبوع (( طبقات الصوفية)) يوافق ما عندنا ، وكذلك كل مصادر
ترجمته .
(٣) طبقات الصوفية (٢٩٩ - ٣٠١) المنتظم (٢٤٠/٦) طبقات الشعراني (١٣٤/١ - ١٣٥) وفيه: أبو الحسن
محمد بن سعيد ؛ وهو تحريف .
(٤) المنتظم (٦/ ٢٤٠).
(٥) انفردت نسخة ( ب) و(ظا) في هذه الترجمة ، وهي مخالفة لأسلوب ابن كثير في إيراد تراجمه ، ولمنحاه
الفكري .
ابن مَسَرَّة المغربي
محمد بن عبد الله بن مسرة ، أبو عبد الله ، مولى قريش ، أحد أفراد زمانه ، وبلغاء أهل عصره وأوانه ، له المصنفات
العديدة ، والفوائد في الأصول والفروع والتصوف ، وله اليد الطولى في التفسير والحديث والكلام على أحوال
القلوب والمعاملات، وقد أطراه ابن عبد الرؤوف؛ أحد أولياء العهد بالأندلس في ((طبقاته))، وذكر عنه
أعاجيب ، قال : وجملة القول فيه أنه عالم الدهر ، وحبر العصر ، وبديع البشر، ورباني الأمة ، وعلم الهدى ،
وكهف التقى ، وبحر العلم ، ومعدن الحلم ، والسراج المنير ، والطور المنيف ، ومن جعل القرآن عصمته ، والسُّنَّة
قِبْلَتَه ، والآخرة همته ، والزهد ذخيرته . كان كثير العلم بالأخبار والرواية للآثار ، وفيلسوفاً عظيماً ، طبيباً حكيماً ،
منطقياً جدلياً ، منجماً فلكياً ، شاعراً مغلقاً ، خطيباً مطبقاً .
ثم أطنب فيما ذكره إلى أن قال : وقد أولع به قوم غيره جهلة من أهل مصرنا وعصرنا ، فيقولون ويسبون ، وينسبون
إليه ما لا يعلمون . إلى أن قال : وصاحب أين كان هو الجماعة والإجماع .
وذكره محمد بن الحارث بن أسد القيرواني الفقيه، أحد أهل الشَّورى بقرطبة في (( تاريخ الأندلس)) ، فقال : الناس
فيه فرقتان : فرقة تبلغ به مبلغ الإمامة في العلم والزهد ، لما ظهر من براعته في العلم ، وصدقه في الزهد . وفرقة =

٩٦
أحداث سنة ٣٢٠هـ
ثم دخلت سنة عشرين وثلاثمئة(١)
فيها كان مقتل الخليفة المقتدر بالله ، وكان سبب ذلك أن مؤنساً الخادمَ خرج من بغداد في المُحرَّم من
هذه السنة مغاضباً للخليفة في مماليكه وحشمه، متوجّهاً نحو المَوْصِل ، وَرَدَّ من أثناء الطريق مولاه
بشرى إلى المقتدر ليستعلم له [ أمره ]٢)، وبعث معه رسالة يخاطب بها أمير المؤمنين ، [ ويعاتبه في
أشياء ]٣) فلما وصل أمَرَه الوزير الحسين بن القاسم - وكان من أكبر أعداء مؤنس ـ بأن يؤديها إليه ،
. فامتنع من أدائها إلا إلى الخليفة ، فأحضره بين يديه ، فأمره أن يقولها للوزير فامتنع ، وقال : ما أمرني
صاحبي بهذا . فشتمه الوزير ، وشتم صاحبه [ مؤنساً ]٤) وأمر بضَرْبِهِ ومصادرته بثلاثمئة ألف دينار ،
وأخذ خطَّه بها ، وأمر بنهب داره ، ثم أمر الوزير بالقَبْض على إقطاع مؤنس وأملاكه وأملاك من معه ،
فحصل من ذلك مالٌ عظيم ، وارتفع أمر الوزير عند المقتدر ، ولقبه عميد الدَّولة ، وضرب اسمه على
الدَّرَاهم والدَّنانير، وتمكّن من الأمور جداً، فَعَزل وولَّى، وقطعَ ووصل ، وفرح بنفسه حيناً قليلاً .
وأرسل إلى هارون بن غريب الخال(٥) ، وإلى محمد بن ياقوت يستحضرهما إلى الحَضْرة عِوَضاً عن
مؤنس ، فصمَّم المُظفَّر مؤنس في مسيره إلى الموصل ، وجعل يقول لأمراء الأعراب : إن الخليفة قد
ولَّني المَوْصل وديار ربيعة . فالتفَّ عليه [ منهم (٦) خَلْقٌ كثير ، وجعل ينفق فيهم الأموال الجزيلة ، وله
إليهم قبل ذلك أيادٍ سابغة . وقد كتب الوزير إلى آل حَمْدان - وهم ولاة المَوصل وتلك النواحي - يأمرهم
بمحاربة مؤنس الخادم ، فركبوا إليه في ثلاثين ألفاً ، وواجههم مؤنس في ثمان من ممالكيه وخدمه ،
فهزمهم ، ولم يُقتل منهم سوى رجلٍ واحد ، يقال له داود ، وكان من أشجعهم ، وقد كان مؤنس رَبَّاه وهو
صغير .
تطعن عليه في البدع لما ظهر لها من كلامه في الوعد والوعيد ، ولتأويلات يذكرها في الكتاب والسُّنَّة ، ومخالفته
=
العلوم المشهورة بالأندلس ، الجارية على مذهب التقليد والتسليم .
قال : وكان محمد بن مَسَرَّة قد رحل عن حاضرة قرطبة إلى مكان من جبلها ، وانقبض عن أكثر الناس ، وكانت وفاته
في شوال سنة تسع عشرة وثلاثمئة .
قلت : انظر ترجمته في جذوة المقتبس (٥٨ - ٥٩) تاريخ قضاة الأندلس للنباهي (٧٨) تاريخ علماء الأندلس لابن
الفرضي ( ق ٣٩/٢ - ٤٠) تاريخ السلكة الأندلسي (٣٢٦ -٣٣٢).
(١)
في (ظا ) من الهجرة النبوية .
(٢) ما بين حاصرتين من ( ط ).
(٣) ما بين حاصرتين من ( ط).
(٤) ما بين حاصرتين من ( ط).
في ( ط ) الحال ... بالحاء المهملة. وهو تصحيف .
(٥)
(٦) ما بين حاصرتين من (ط).

٩٧
أحداث سنة ٣٢٠ هـ
ودخل مؤنس المَوْصل فقصدته العساكر من كلِّ جانب يدخلون في طاعته ؛ لإحسانه إليهم قبل ذلك
من أهل بغداد والشَّام ومصر ومن الأعراب ، حتى صار في جحافل من الجنود .
وأما الوزير الحسين بن القاسم ، فإنه ظهرت خيانته وعجزه ، فعزله المقتدر في ربيع الآخر [ منها ]١)
وولّى مكانه الفَضْل بن جعفر بن محمد بن الفُرَات، فكان آخر وزراء المقتدر .
وأقام مؤنس بالمَوصل تسعة أشهر ، ثم ركب في الجيوش في شؤَّال قاصداً بغداد ليطالب المقتدر
بأرزاق الأجناد وإنصافهم ، فسار - وقد بَعَثَ بين يديه الطلائع - حتى جاء فنزل بباب الشَّمَّاسيَّة من
بغداد ، وقابله عنده ابنُ ياقوت وهارون بن غريب عن كره منه ، وأُشير على الخليفة بأن يستدين منْ
والدته ما ينفق في الأجناد ، فقال : لم يبق عندها شيء . وعزم الخليفة على الهرب إلى واسط ، وأن
يترك بغداد لمؤنس حتى يتراجع أمْرُ النَّاسِ ، ثم يعود إليها ، فردّه عن ذلك ابنُ ياقوت ، وأشار عليه
بمواجهة مؤنس وأصحابه ، فإنهم متى رَأَوْه كرُّوا كلُّهم إليه ، وتركوا مؤنساً . فَرَكبّ وهو كارهٌ ، وبين
يديه الفقهاء ، ومعهم المصاحف منشرةً ، وعليه البُرْدة والنَّاس حَوْله ، فوقف على تلِّ عالٍ بعيدٍ من
المعركة ، ونُوديّ في جيشه : منْ جاء برأسٍ فله خمسة دنانيرٍ ، ومن جاء بأسيرٍ فله عشرة دنانير ، ثم
بعث إليه أمراؤه يعزمون عليه أن يتقدّم ، فامتنع من التقدُّم إلى محلّة المعركة ، ثم ألحّوا عليه ، فجاء
بعد تمنُّع شديد ، فما وصل إليهم حتى انهزموا وفرُّوا راجعين ، ولم يلتفتوا إليه ولا عطفوا عليه ، فكان
أول من لقيه من أمراء مؤنس علي بن بُلَيق، فلما رآه ترجَّل ، وقبّل الأرض بين يديه وقال : لعن الله منْ
أشار عليك بالخروج في هذا اليوم . ثم وّل به قوماً من المغاربة البربر ، فلما تركهم وإياه شهروا عليه
السلاح، فقال لهم: ويلكم، أنا الخليفة. فقالوا : قد عرفناك يا سِفْلَة، إنما أنت خليفةُ إبليس،
تنادي في جيشك من جاء برأسٍ فله خمسة دنانير؟ وضربه أحدُهم بسيفه على عاتقه (٢) ، فسقط إلى
الأرض ، وذبحه آخر ، وتركوا جثته ، وقد سلبوه كلَّ شيء كان عليه ، حتى سراويله ، ويقي مكشوف
العورة ، مجدَّلاً على وجه الأرض، حتى جاء رجلٌ فغطّى عورته بحشيشٍ ، ثم دفنه في موضعه وعفّى
أثره .
وأخذت المغاربة رأسَ المقتدر على خشبةٍ قد رفعوها وهم يلعنونه ، فلما انتهوا به إلى مؤنس - ولم
يكن حاضراً الوقعة - فحين نظر إلى رأس المقتدر لطم رأسه ووجهه وقال : ويلكم، لم آمركم بهذا ،
(١) ما بين حاصرتين من (ط).
(٢) العاتق: ما بين المنكب والعنق. اللسان ( عنق ).

٩٨
ترجمة المقتدر بالله أمير المؤمنين
لعنكم الله، قتلتموه والله لنقتلن كلّنا. ثم ركب ووقف عند دار الخلافة حتى لا تنهب ، وهرب
عبد الواحد بن المقتدر وهارون بن غريب ، وابنا رائق إلى المدائن ، وكان صنيع مؤنس هذا سبباً لطمع
أصحاب الأطراف في الخلفاء ، وضَعْفِ أمْرِ الخلافة جداً ، مع ما كان المقتدر يعتمده من التبذير والتفريط
في الأموال ، وطاعة النساء ، وعَزْلِ الوزراء ؛ حتى قيل: إن جُمْلَة ما صرفه في الوجوه الفاسدة والتبذير
ما يقارب ثمانين ألف ألف دينار .
وهذه ترجمة المقتدر بالله أمير المؤمنين(١)
هو جعفر أمير المؤمنين المقتدر بالله بن المعتضد بالله أحمد بن أبي أحمد المُوَفَّق بن جعفر المتوكل
[ على الله (٢) بن محمد المعتصم بن هارون الرّشيد بن محمد المهدي بن عبد الله أبي جعفر المنصور بن
محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ، يكنَّى أبا الفضل العَبَّاسي .
مولده في ليلة الجمعة لثمانٍ بقين من رمضان سنة ثنتين وثمانين ومئتين ، وأمه أمُّ ولدٍ اسمها شَغَب ،
ولقِّبَتْ في خِلافة ولدها بالسيدة .
وبويع له بالخلافة بعد أخيه المكتفي ، يوم الأحد لأربع عشرة مَضَتْ من ذي القَعْدة من سنة خمس
وتسعين ومئتين ، وهو يومئذٍ ابن ثلاث عشرة سنة وشهر وأيام . ولهذا أراد الجُنْدُ خَلْعَه في ربيع الأول من
سنة ست وتسعين محتجين بصغره وعدم بُلُوغه ، وتولية عبد الله بن المعتز ، فلم يتمَّ ذلك ، وانتقض الأمر
في ثاني يوم كما ذكرنا٣) . ثم لما كان شهر المحرم من سنة سبع عشرة وثلاثمئة أحضره مؤنس واجتمع
الأمراء والقواد ، وألزموه بخلع نفسه ، وأحضروا أخاه محمد بن المعتضد ، فبايعوه بالخلافة ، ولقبوه
القاهر ، فلم يتمَّ ذلك سوى يومين ، ثم رجع المقتدر إلى الخلافة كما ذكرنا٤) .
وقد كان المقتدر بالله رَبْعةً من الرجال ، حسن الوجه والعينين ، بعيد ما بين المنكبين ، حسن
الشَّعْر، مدوَّر الوجه ، مُشْرب اللون، حَسَن الخَلْق ، قد شاب رأسه وعارضاه ، وقد كان كريماً
جواداً ممدَّحاً ، له عقل جيد ، وفهم وافر ، وذِهْنٌ صحيح ، وقد كان كثيرَ التحجب والتوسُّع في
النَّفقات ، وزاد في رُسوم الخلافة وأمور الرِّياسة ، وما زاد شيءٌ إلا نَقَصَ . كان في داره أحدَ عشر
(١) مروج الذهب (٥٠١/٢) تاريخ بغداد (٢١٣/٧ - ٢١٩) المنتظم (٢٤٣/٦ - ٢٤٤) الكامل (٨/٨) وما بعدها ،
النبراس (٩٥ - ١٨٣) سير أعلام النبلاء (٤٣/١٥ -٥٦) العبر (١٨١/٢ -١٨٢) تاريخ الخلفاء (٣٧٨ -٣٨٦).
(٢) ما بين حاصرتين من ( ط).
(٣) انظر حوادث سنة (٢٩٦ هـ) من هذا الكتاب.
(٤) انظر أحداث سنة (٣١٧هـ) .

٩٩
ترجمة المقتدر بالله أمير المؤمنين
ألف خادمٍ خصي، غير الصَّقَالبة [ وأبناء فارس }١) والروم والسودان ، وكان له دار يقال لها دار
الشجرة ، فيها من الأثاث والأمتعة شيء كثير جداً ، كما ذكرنا ذلك في سنة خمس وثلاثمئة حين قَدِمَ
رسول ملك الروم(٢) . وقد ركب المقتدر يوماً في حرَّاقة وجعل يستعجل الطّعام، فأبطؤوا به فقال لملاح
حراقته : ويلك ، أعندك شيء نأكله ؟ قال : نعم . فأتاه بشيءٍ من لحم الجداية وخبز خشن وملوحات
وغير ذلك . فأعجبه ، ثم استدعاه فقال : هل عندك شيء من الحَلْواء ، فإني لا أحسُّ بالشبع حتى آكل
شيئاً من الحلواء . فقال: يا أمير المؤمنين، إن حلاوتنا التمر والكسب . فقال: هذا شيء لا أُطيقه. ثُمَّ
جيء بطعامه ، فأكل منه وأتي بالحلاوات ، فأكل وأطعَمَ الملاحين ، وأمر بترتيب حلاوة تعمل في كل
يوم بنحو مئتي درهم تكون في الحراقة إن اتفق ركوبه فيها يأكل منها ، [ وإن لم يتفق ركوبه كانت
للملاح ]٣) . فكان الملاح يأخذ ذلك في كل يوم مدة سنين متعددة ، ولم يتفق ركوب المقتدر فيها مرة
أخرى .
وقد أراد بعض خواصِّه أن يطهر ولده ، فعمل أشياء هائلة ، ثم طلب من أم الخليفة أن يعار القرية التي
عُمِلَتْ في طهور المقتدر من فِضَّة ليراها الناس في هذا المهم ، فتلطّفَتْ أم المقتدر عنده حتى أطلقها له
بالكلية ، وكانت صِفَة قريةٍ من القرى ، كلُّها من فضة ؛ بيوتها وأهاليها وأبقارها وأغنامها وجمالها
وخيولها ، وأشجارها وزروعها وثمارها وأنهارها ، وما يتبع ذلك مما يكون في القرى ، الجميع من فِضَّة
مصوَّر، وأمر بنقل سِمَاطه(٤) إلى دار هذا الرَّجل ، وأن لا يتكلَّف شيئاً من المطاعم سوى سمك طري .
فاشترى الرجل بثلاثمئة دينار سمكاً ، وكان جملة ما أنفق المقتدر على سماطه يومئذٍ ألفاً وخمسمئة
دينار(٥) .
وكان كثير الصَّدقة والإحسان إلى أهل الحرمين وأرباب الوظائف ، وكان كثير التنفل بالصلاة
والصَّوْم والعِبَادة ، ولكنه كان مؤثراً لشهواته ، مطيعاً لحظياته(٦) ، كثير التلون والولاية والعزل ،
وما زال ذلك دَأْبه حتى كان هلاكه على يدي مؤنس الخادم كما ذكرنا ، فقتل عند باب الشَّمَّاسية لليلتين
بقيتا من شوّال من هذه السنة - أعني سنة عشرين وثلاثمئة - وله من العمر ثمانٍ وثلاثون سنة وشهر
(١) ما بين حاصرتين من ( ط).
(٢) انظر أحداث سنة (٣٠٥هـ) .
(٣) ما بين حاصرتين من ( ط ).
السماط : ما يمد ليوضع عليه الطعام في المآدب ونحوها. المعجم الوسيط (١/ ٤٥١).
(٤)
(٥)
في ( ط ) : والجميع من عند المقتدر .
(٦) في ( ط ) لخصاياه.

١٠٠
خلافة القاهر - وفيات سنة ٣٢٠هـ
وخمسة أيام ، وكانت مدة خلافته أربعاً وعشرين سنة وأَحَدَ عشر شهراً وأربعة عشر يوماً ، فكان أكثر مدَّة
من كل من تقدَّمه .
خِلافة القاهر
لما قُتِلَ المقتدر بالله - كما ذكرنا - عزم مؤنس الخادم على تولية أبي العبّاس بن المقتدر(١) بعد أبيه
ليطيب قلب أُم المقتدر ، فعدل عن ذلك جمهور منْ حضر من الأمراء ، فقال أبو يعقوب إسحاق بن
إسماعيل النُّؤْبختي : بعد التعب والكد نبايع لخليفةٍ له أم وخالات يطيعهن ويشاورهن ؟ ثم أحضر (٢)
محمدَ بنَ المعتضد - وهو أخو المقتدر - وبايعه القضاة والأمراء والوزراء ، ولقبوه القاهر بالله ، وذلك في
سَحَر يوم الخميس لليلتين بقيتا من شوال من سنة عشرين وثلاثمئة ، واستُوزر له أبو علي بن مُقْلة ، ثم
أبو جعفر محمد بن القاسم بن عبيد الله٣)، ثم أبو العباس بن الخَصيب(٤) .
وشرع القاهر في مصادرة أصحاب المقتدر وتتُّع أولاده ، واستدعى بأم المقتدر وهي مريضة
بالاستسقاء ، وقد تزايد بها [ الوجع ٣°) من شدة جزعها على ولدها حين بلغها قتلُه، وكيف بقي مكشوفَ
العورة ، فبقيت أياماً لا تأكل شيئاً ، ثم وعظها النساء حتى أكلت شيئاً يسيراً من الخبز والمِلْح ، ومع هذا
كله استدعى بها القاهر ، فقرَّرها على أموالها ، فذكرت له ما يكون للنساء من الحُلِيِّ والمصاغ والثياب ،
ولم تقرّ بشيء من الأموال والجواهر ، وقالت : لو كان عندي من هذا شيء ما سلَّمْتُ ولدي ، فأمر
بضربها ، وعلقت برجلها ، ومسّها بعذاب شديد من العقوبة ، وأشهدت على نفسها ببيع أملاكها ، فأخذه
الجند مما يحاسبون به من أرزاقهم . وأرادها على بيع أوقافها ، فامتنعت من ذلك، وأبت أشدَّ الإباء .
واستدعى القاهر بجماعةٍ من أولاد المقتدر ، منهم : أبو العبّاس الراضي وهارون والعَبَّاس وعلي
والفَضْل وإبراهيم، فأمر بمصادرَتِهم وحَبْسهم ، وسلَّمهم إلى حاجبه علي بن بُلَيق، وتمكَّن الوزير
أبو علي بن مُقْلة فعزَلَ وولّى ، وأخذ وأعطى ، ومنع بني البريدي من أعمالهم .
وممن توفي فيها من الأعيان :
أحمد بن عُمَيْر بن جَوْصَا٦) : أبو الحسن الدِّمَشْقي ، أحد المحدِّثين الحُفَّاظ، والرواة الأيقاظ.
(١) هو الراضي بالله، وقد ولي الخلافة بعد القاهر، انظر أحداث سنة (٣٢٢هـ).
(٢)
في ( ط ) أحضروا ، وهو تصحيف .
(٣)
في ( ط ) عبد الله ، وهو تصحيف .
ترجمته في سير أعلام النبلاء ٢٩٢/١٥ - ٢٩٣).
(٤)
ما بين حاصرتين من ( ط ) .
(٥)
(٦) تاريخ ابن عساكر س (خ) (٢٦/٢ب ـ ٢٨ ب) المنتظم (٢٤٢/٦) سير أعلام النبلاء (١٥/١٥ -٢١) تذكرة الحفاظ =