النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ ذكر صفة مقتل الحلاج دار الشُّلْطان ، ومن غِلْمان نَصْر القشوري الحاجب ، وزعم لهم أنه يحيي الموتى ، وأن الجنَّ يخدمونه ، ويحضرون له ما يختاره ويشتهيه (١) . وقال: إنه قد أحيا عِدَّة من الطَّير. وذُكرَ لعلي بن عيسى أن رجلاً يقال له محمد بن علي القُنَّائي(٢) الكاتب يعبُدُ الحلاَّج، ويدعو النَّاس إلى ذلك، فطلبه وكَبَسَ منزله، [ فأخذه (٣) فأقرّ أنه من أصحاب الحلاج ، ووجد في منزله أشياء بخطّ الحلاج مكتبة بماء الذهب في ورق الحرير مجلدة بأفخر الجلود . ووجد عنده سَفَطُ) فيه من رجيعُْ) الحلاج وبوله ، وأشياء من آثاره ، وبقية الخبز من زاده ، فطلب الوزير من الخليفة المقتدر أن يتكلّم في أمر الحلاج ، ففوَّض أمره إليه، فاستدعى بجماعة من أصحاب الحلاَّج، فتهدَّدهم ، فاعترفوا له أنه قد صحَّ عندهم أنه إله(٦) ، وأنه يحيي الموتى، وكاشفوا الحلاج بذلك(٧)، فجحده(٨) وكذَّبهم وقال: أعوذ بالله أن أدعي الربوبية أو النُّبوة، وإنما أنا رجل أعبد الله، وأكثر(٩) الصَّوْم والصلاة وفعل الخير ، ولا أعرف غير ذلك . وجعل لا يزيد على الشَّهادتين والتوحيد، ويكثر أن يقول : سبحانك لا إله إلا أنت، عملت سوءاً وظلمتُ نفسي فاغفر لي ، إنه لا يغفر الذُّنوب إلا أنت . وكانت عليه مِدْرعة (١) سوداء ، وفي رجليه ثلاثة عشر قيداً ، وهي واصلة إلى ركبتيه . قالوا: وكان مع ذلك يصلِّي في كل يوم وليلة ألف ركعة(١) . وكان قبل احتياط الوزير حامد بن العبّاس عليه في حُجْرة من دار نصر القشوري الحاجب ، مأذوناً لمن يدخل إليه ، وكان يسمِّي نفسه تارة بالحسين بن منصور ، وتارة محمد بن أحمد الفارسي ، وكان نَصْر الحاجب قد افتتن به ، وظنَّ أنه رجل صالح ، وكان قد أدخله على المقتدر بالله فَرَقاه من وجعٍ حَصَلَ له ، فاتفق زواله [ عنه (١٣) وكذلك وقع لوالدته السيدة أم المقتدر ، فزالت عِلَّتها ، فَنَفَقَ سوقه ، وحظي في دار السلطان ، فلما انتشر الكلام فيه سُلُّم إلى الوزير حامد بن العباس ، فحبسه في قيود كثيرةٍ في رجليه ، (١) في ( ط ) : وجعل لهم في جملة ما أدعاه أنه يحيي الموتى ، وأن الجن يخدمونه ، ويحضرون له ما شاء ويختار ويشتهيه . (٢) في (ب) و( ظ ) : القباني ، وهو تصحيف . (٣) ما بين حاصرتين من ( ط ) . وعاء كان يوضع فيه الطيب وما أشبهه من أدوات النساء . المعجم الوسيط (٤٣٥/١ -٤٣٦). (٤) (٥) هو النجو ، ، هو ما يخرج من البطن من غائط . اللسان ( رجع ) و( نجا ) . (٦) في ( ط ) : أنه إله مع الله. في ( ط ) : ورموه في وجهه . (٧) (٨) في ( ط ) : فجحد ذلك . في ( ط ) : له . (٩) لباس من الصوف الغليظ كان يرتديه العبيد وفقراء العامة . المعجم المفصل بأسماء الملابس عند العرب (١٤٩). (١٠) (١١) تاريخ بغداد (١٣٢/٨ - ١٣٣). (١٢) ما بين حاصرتين من (ط ). ٤٢ ذكر صفة مقتل الحلاج وجمع له الفقهاء ، فأجمعوا على كفره وزندقته ، وأنه ساحر ممخرق . ورجع [ عنه }١) رجلان صالحان ممن كان اتبعه ، أحدهما : أبو علي هارون بن عبد العزيز الأوارجي (٢)، والآخر يقال له الدَّبَّاس، فذكرا من فضائحه ، وما كان يدعو النَّاسَ إليه من الكذب والفجور والمخرقة والسحر شيئاً كثيراً ، وكذلك أُحضرت زوجة ابنه سليمان ، فذكرت عنه فضائح كثيرة ؛ من ذلك أنه أراد أن يغشاها وهي نائمة فانتبهت فقال : قومي إلى الصَّلاة ، وإنما كان يريد أن يطأها . وأمر ابنتها٣) بالُّجود له ، فقالت : أو يسجد بشر لبشر؟! فقال : نعم، إله في السَّماء وإله في الأرض. ثم أمرها أن تأخذ من تحت باريَّة٤ُ) هنالك ما أحبت(٥)، فوجدت تحتها دنانير كثيرة مبذورة(٦) . ولما كان معتقلاً في دار حامد بن العباس دخل عليه بعض الغِلْمان ، ومعه طبق فيه طعام ليأكل منه ، فوجده قد ملأ البيت من سقفه إلى أرضه، فذعر ذلك الغلام(٧)، وألقى ما كان في يده من ذلك الطّبق والطعام، ورجع محموماً ، فمرض عِدَّة أيامُ(٨). ولما كان آخر مجلس (٩) أُحضر القاضي أبو عمر محمد بن يوسف ، وجيء بالحلاج ، وقد أُحضر له كتاب من دور بعض أصحابه وفيه : من أراد الحجّ ولم يتيسر له ، فليين في داره بيتاً لا يناله شيء من النجاسات ، ولا يمكِّن أحداً من دخوله ، فإذا كان في أيام الحج فليصم ثلاثة أيام ، وليطف به كما يُطاف بالكعبة ، ثم يفعل في داره ما يفعله الحجيج بمكة ، ثم يستدعي بثلاثين يتيماً ؛ فيطعمهم من طعامه ، (١) ما بين حاصرتين من (ط). (٢) كان الأوارجي هذا كاتباً ، توفي سنة (٣٤٤هـ) ، وهو ممدوح المتنبي بقصيدته التي مطلعها : أمن ازديارك في الدجى الرقباء إذ حيث كنت من الظلام ضياء ٠ وهذه النسبة إلى الأوارجة : من كُتُب أصحاب الدواوين في الخراج ونحوه ، ويقال هذا كتاب التأريج وهو معرب أواره أي الناقل . يعني بما نعرفه اليوم بدفتر الحساب الذي يسجل فيه الداخل والمصروف . تاريخ بغداد (١٣٤/٨). ووفيات الأعيان (١٧٢/٢) وديوان المتنبي (١٢/١ - ١٣) وتاج العروس (أرج ) وقاموس الفارسية . ( أوار ) . (٣) في (ح) و(ظا) وأمرتها ابنتها، وفي (ب) وأمرها ابنها، وفي تاريخ بغداد (١٣٥/٨): وأمرتها ابنته، والمثبت من ( ط ) وهو الأشبه . (٤) البارية : الحصير المنسوج ، فارسي معرب . اللسان ( بور ) . (٥) في ( ط ) : ما أرادت . تاریخ بغداد (١٣٤/٨ - ١٣٥). (٦) في ( ط ) : وفزع فزعاً شديداً . (٧) تاريخ بغداد (١٣٧/٨ -١٣٨). (٨) (٩) في ( ط ) : من مجالسه. ٤٣ ذكر صفة مقتل الحلاج ويتولَّى خدمتهم بنفسه ، ثم يكسوهم قميصاً قميصاً ، ويعطي كلَّ واحدٍ [ منهم ]١) سبعة دراهم - أو قال: ثلاثة دراهم - فإذا فعل ذلك قام له مقام الحج(٢) . وأن من صام ثلاثة أيام لا يُفْطر إلا في اليوم الرَّابع على ورقات هِنْدَبا٣) أجزأه ذلك عن صيام رمضان . ومن صلَّى في ليلةٍ ركعتين من أوَّل الليل إلى آخره أجزأه ذلك عن الصلاة بعد ذلك . وأن من جاور بمقابر الشُّهداء ويمقابر قريش عشرة أيام يصلِّي ويدعو ويصوم ، ثم لا يُفْطر إلا على شيء من خُبْز الشعير والملح الجريش(٤) أغناه ذلك عن العبادة في بقية عمره . فقال له القاضي أبو عمر : من أين لك هذا؟ فقال: من (( كتاب الإخلاص)) للحسن البَصْري. فقال له : كذبت يا حلالَ الدَّم ، قد سمعنا (( كتاب الإخلاص )) للحسن بمكة ، وليس فيه شيء من هذا . فأقبل الوزير حامد بن العباس على القاضي أبي عمر فقال له : قد قلتَ يا حلالَ الدم ، فاكتبْ ذلك في هذه الورقة . وألغَّ عليه ، وقدَّم إليه الدَّواة ، فكتب ذلك في تلك الورقة ، وكتب من حضر خطوطهم فيها ، وأنقذها الوزير إلى المقتدر ، وجعل الحلاج يقول لهم : ظهري حِمَى، ودمي حَرَام ، وما يحلُّ لكم أن تتأولوا عليَّ [ ما يبيحه ]°) واعتقادي الإسلام ، ومذهبي السُّنَّة ، وتفضيل أبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي ، وطلحة ، والزُّبير ، وسعد، وسعيد ، وعبد الرحمن بن عوف ، وأبي عبيدة بن الجرَّاح ، ولي كتب في السُّنَّة موجودة في الورَّاقين ، فاللهَ اللهَ في دمي. فلا يلتفتون(٦) إلى شيءٍ مما يقول . وهو يكرره وهم يكتبون خُطوطهم بما كان من الأمر ، ورُدَّ الحلاج إلى محبسه ، وتأخر جواب المقتدر ثلاثة أيام حتى ساء ظنُّ الوزير حامد بن العباس ، فكتب إلى الخلیفة يقول : إن الحلاج قد اشتهر أمره ، ولم يختلف فیه اثنان ، وقد افتتن کثیر من الناس به . فجاء الجواب بأن يُسلَّم إلى محمد بن عبد الصَّمد ؛ صاحب الشُّرطة ، فليضربه ألف سَوْط ، فإن مات وإلا ضُربَتْ عنقه . فَفَرحَ الوزير بذلك ، وطلب صاحب الشُّرْطة ، فسلَّمه إليه ، وبعث معه طائفةً من غِلْمانه يوصلونه معه إلى محل الشُّرْطة من الجانب الغربي خوفاً من أن يُستنقذ من أيديهم ، وذلك بعد عِشاء الآخرة من ليلة الثلاثاء لستِّ بقين من ذي القَعْدة من هذه السَّنة . وركب على بغل عليه إكاف (٧)، (١) ما بين حاصرتين من ( ط). (٢) تاريخ بغداد (١٣٨/٨). (٣) يمد ويقصر ، وهو نبات بقلي ، وله أنواع عديدة ، وهو معروف عندنا بالشام اللسان ( هندب ) والموسوعة في علوم الطبيعة (٢/ ٦١٧). (٤) أي لم يتطيب . اللسان ( جرش ). ما بين حاصرتين من ( ط ). (٥) (٦) في ( ط ) : فلا يلتفتون إليه ولا إلى شيء مما يقول . (٧) برذعة : المعجم الوسيط (٢/ ١٠٦٧). ٤٤ ذكر صفة مقتل الحلاج وحوله جماعة من السَّاسة١) على مثل شَكْله، فاستقر منزله بدار الشُّرْطة في هذه الليلة ، فَذُكر أنه بات يصلِّي في هذه الليلة ، ويدعو دعاء كثيرا٢ً) . فقال أبو عبد الرحمن الشُّلَمي: سمعت أبا بكر الشَّاشي يقول : قال أبو الحديد - يعني المصري(٣) - : لما كانتِ الليلة التي قُتل في صبيحتها الحسين بن منصور قام من الليل فصلَّى ما شاء الله ، فلما كان آخر الليل قام قائماً فتغطى بكسائه ، ومذَّ يديه نحو القِبلة ، فتكلّم بكلام جار(٤) الحِفْظ ، فكان مما حفظت أن قال : نحن شواهدك ، نلوذ بسنا عزك لتبدي(٥) ما شئت من شأنك ومشيئتك ، وأنت الذي في السَّماء إله وفي الأرض إله ، تتجلَّى لما تشاء مثل تجليك في مشيئتك كأحسن الصُّورة ، والصورة فيها الرُّوح الناطقة بالعِلْم والبيان والقُدْرة ، ثم أوعزت إلى شاهدك الآنيِّ في ذاتك الهُوي كيف أنت إذا مثَّلْتَ بذاتي عند عقيب كرَّاتي(٦)، ودَعَوتَ إلى ذاتي بذاتي ، وأبديتَ حقائق علومي ومعجزاتي ، صاعداً في معارجي إلى عروش أزلياتي عند القول من بريَّاتي(٧)، إني احتُضرتُ وقُتِلْتُ وصُلبت وأُحرقت واحتملت سافياتي الذَّاريات ، ولججت في الجاريات ، وأن ذرة من ينجوج مكان هاكول(٨) متجلياتي لأعظم من الرَّاسيات ، ثم أنشأ يقول : فيما ورا الحيث أوْفى شاهد القِدَ(٩) أَنْعَى إليك نفوساً طاحَ شاهِدُها سحائبُ الوَحْي فيها أبْخُرَ الحِكَمِ أنعى إليك قلوباً طالما هَطَلَتْ أوْدَى وتَذْكَارُهُ في الوَهْمِ كَالعَدَمِ أنعى إليك لسانَ الحقِّ منكَ ومَنْ أقوالُ كلِّ فصيحٍ مِقولٍ فَهِمٍ أنعى إليك بَيَاناً تستكينُ لهُ (١) في (ط ) أعوان السياسة . وهي تصحيف . وكان المقصود بهذه الخطة إخفاء الحلاج عن أعين أنصاره أثناء نقله من بيت الوزير إلى دار الشرطة خوفاً من محاولة تخليصه . (٢) تاریخ بغداد (١٣٨/٨ - ١٤٠). كذا في النسخ الخطية و( ط )، ومثله في ترجمة الحلاج للسلمي في الأصول الأربعة (٢٢) وفي أخبار الحلاج (١١) (٣) ذكر الخبر عن قاضي القضاة أبي بكر بن الحداد المصري ، وهو الأشبه . (٤) في ( ط ) جائز ، وهو تصحيف . في ( ط ) نحن شواهدك فلو دلتنا عزتك لتبدي ما شئت .. وهي تحريف .. وفي أخبار الحلاج (١١) : نحن (٥) بشواهدك نلوذ ، وبسنا عزتك نستضيء ، لتبدي .. وهي قراءة مستقيمة أيضاً . (٦) في (ط ) عند حلول لذاتي ، وهو تحريف. (٧) في ( ط ) عند التولي عن برياني . في (ب) و(ظا): هاكرك، وفي سير أعلام النبلاء (٣٤٩/١٤): هيكل، وفي (ط ) هالوك، والمثبت من (٨) (ح) وترجمة الحلاج للسلمي في الأصول الأربعة (٢٢) وأخبار الحلاج (١١). (٩) في (ب) و(ظا) العدم، وفي (ح): فيما درى الحب أو في شاهد العدم، والمثبت من ترجمة الحلاج للسلمي في الأصول الأربعة: ٢٢ . ورواية الديوان (٢٤) فيما وراء الحيث يلقى شاهد القدم. ٤٥ ذكر صفة مقتل الحلاَّج لم يبقَ منهنَّ إلّ دارسُ العَلَمُ(١) أنعى إليكَ إشاراتِ العقولِ معاً أنعى وحُبُكَ أخلاقاً لطائفةٍ كانتْ مطاياهمُ من مُكْمِدِ الكظمِ مضيَّ عادٍ وفُقْدانَ الأُلى إِرَمِ مضَى الجميعُ فلا عَيْنٌ ولا أثرٌ أعْمَى من البُهْم بلْ أعمى من النَّعَمّ(٢) وَخَلَّفوا معشراً يحذونَ لبستهمْ قالوا : ولما أُخرج الحلاج من المنزل الذي بات فيه ليذهب به إلى القتل أنشد : فَلَمْ أَرَ لي بأَرْضٍ مستقرًا طَلَبْتُ المُسْتَقرَّ بكلِّ أرضٍ وَلَوْ أَنِّي قَنِعْتُ لعشتُ حُوَّا٣ً) أَطَعْتُ مطامعي فَاسْتَعْبَدتني وقيل : إنه قالها حين قُدّم إلى الجذع ليصلب عليه ، والمشهور ما ذكرناه . ثم مشى(٤) وهو يتبختر في مشيته ، وفي رجليه ثلاثة عشَرَ قيداً ، وجعل ينشد : إلى شيءٍ من الحَيْفِ نديمي غيْرُ مَنْسوبٍ بُ فِعْلَ الضَّيْفِ بالضَّيْفِ سَقَاني مِثْلَ ما يَشْرَ دَعا بالنِّطْعِ والسَّيْفِ فلَمَّا دارتِ الخمرُ مَعَ التِّين في الصَّيْفِ(٥) كذا منْ يشربُ الرَّاخَ ثم قال: ﴿ يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُ﴾ [ الشورى: ١٨]، ثم ما نطق بعد ذلك حتى فُعِلَ به ما فعل (٦). قالوا: ثم قُدِّمَ فَضُرِبَ ألفَ سَوْط ، ثم قُطعت يداه ورجلاه وهو في ذلك [ كله (٧) ساكت لا ينطق بكلمة، ولم يتغيَّر لونه ، ويقال : إنه جعل يقول مع كل سَوْط: أحَدٌ أحد(٨). (١) في ترجمة الحلاج للسلمي (٢٢) العدم ، وفي الديوان (٢٥) : الرحم . (٢) الأبيات في الديوان (٢٤ - ٢٥) مع اختلاف في بعض الألفاظ . وأيضاً في ترجمة الحلاج للسلمي في الأصول الأربعة (٢٢ - ٢٣) وأخبار الحلاج (١١ - ١٢) وبداية الحلاج لابن باكويه في الأصول الأربعة (٣٤) مع اختلاف في بعض الألفاظ . (٣) البيتان في ديوان أبي العتاهية (١٤١) وفي ( ط ) زيادة بيت بينهما ، وهو: وجدت مذاقه حلواً ومُرَّا وذقتُ من الزمان وذاق مني وهو ليس في الديوان المذكور . في ( ط ) : فلما أخرجوه للصلب مشى إليه وهو يتبختر . (٤) الأبيات في ديوان الحلاج (٧٣) وأخبار الحلاج (٣٥) مع اختلاف في بعض الألفاظ . (٥) (٦) تاريخ بغداد (١٣٢/٨). ما بين حاصرتين من ( ط ) . (٧) تاريخ بغداد (١٣١/٨). (٨) ٤٦ ذكر صفة مقتل الحلاج قال أبو عبد الرحمن : سَمِعْتُ عبدَ الله بن علي يقول : سمعت عيسى القَصَّار يقول : آخر كلمة تكلّم بها الحلاّج حين قُتْلَ أن قال: حَسْبُ الواجد(١) إفراد الواحد . فما سَمِعَ بهذه الكلمة أحدٌ من المشايخ إلا رَقَّ له ، واستحسن هذا الكلام منه (٢) . وقال السُّلمي : سمعت أبا بكر البَجَلي (٣) يقول: سمعت أبا الفاتك البَغْدادي - وكان صاحبَ الحلاج - قال : رأيتُ في النَّوْم بعد ثلاثٍ من قَتْلِ الحلاج كأني واقفٌ بين يدي ربي عزَّ وجلَّ وأقول : يا ربّ، ما فَعَلَ الحسين بن منصور؟ فقال: كاشَفْتُه بمعنى فدعا الخَلْقَ إلى نفسه، فأنزلت به ما رأيت (٤). ومنهم منْ قال : بل جَزِعَ عند ذلك(٥) جزءاً شديداً ، وبكى بكاءً كثيراً ، فالله أعلم . وقال الخطيب : حدثنا عبيد الله(٦) بن أحمد بن عثمان الصَّيْرفي قال: قال لنا أبو عمر بن حيُّوية : لما أخرج الحسين (٧) الحلاج ليقتل مضيت في جُملة النَّاس، ولم أزل أُزاحم حتى رأيته (٨) ، فقال لأصحابه : لا يَهُولنَّكُمْ هذ(٩)، فإني عائد إليكم بعد ثلاثين يوماً. ثم قتل(١٠) . وذكر الخطيب أنه قال وهو يُضرب لمحمد بن عبد الصَّمَد والي الشُّرْطة : أدع بي إليك ، فإن عندي نصيحة تعدِلُ فتحَّ القُسْطَنْطينيّة. فقال له : قد قيل لي إنك ستقول مثل هذا ، وليس إلى رَفْع الضَّرْب عنك سبيل . ثم قُطِعتْ يداه ورِجْلاه، وحُزَّ راسه ، وأُحرقت جثته، وأُلْقي برمادها في دِجلة ، ونُصبَ الرأس يومين ببغداد على الجسر ، ثم حُملَ إلى خُراسان، وطيف به في [ تلك} (١) النَّواحي، وجَعَلَ أصحابه يَعِدُون أنفسهم برجوعه إليهم بعد أربعينُ(١٢) يوماً. وزَعَمَ بعضُهم أنه رأى الحلاج من آخر ذلك اليوم وهو (١) في ( ط ) الواحد - بالحاء المهملة . , (٢) ترجمة الحلاج للسلمي في الأصول الأربعة (٢٥). (٣) في ( ط ) المحاملي ، وهو تحريف. (٤) المصدر السابق .. (٥) في ( ط ) القتل . (٦) في (ب) و(ظا) و(ط) عبد الله، وهو تصحيف، وترجمته في تاريخ بغداد (٣٨٥/١٠). في ( ط ) : الحسين بن منصور الحلاج . (٧) (٨) في ( ط ) : فدنوت منه . (٩) في (ط) : هذا الأمر. (١٠) في (ط): فما عاد. والخبر في تاريخ بغداد (٨/ ١٣١) وما في نسخنا المخطوطة أقرب إلى عبارة الخطيب. (١١) ما بين حاصرتين من ( ط). (١٢) في ( ط ) ثلاثين، وهو تحريف. ٤٧ ذكر صفة مقتل الحلاج راكبٌ على حمار في طريق النّهروان ، فقال: لعلكم مثل هؤلاء النفر(١) الذين ظنوا أني أنا هو المضروب المقتول(٢). فكانوا بجهلهم يقولون: إنما قَتَلَ عدواً من أعداء الحلاج(٣) . وقال بعض علماء ذلك الزمان : إن كان هذا الرأي صادقاً ، فلعل دابة ؛ يعني من الشياطين تبدَّى على صورته ، ليضِلَّ به الناس(٤) ، كما ضَلَّت فرقة النَّصارى بالمصلوب . قال الخطيب : واتفق أنَّ دِجْلَة زادت في هذا العام زيادةً كبيرة ، فقالوا : إنما زادت لأن رماد الحلاج(٥) خالطَها٦) . ونُوديَ ببغداد ألا يشتري أحدٌ من كتب الحلاج شيئاً ولا يبيعه(٧). وكان قتل الحلاج في يوم الثلاثاء لستِّ بقين من ذي القَعْدة من سنة تسع وثلاثمئة ببغداد . وذكره القاضي ابن خلِّكان في ((الوفيات))، وحكى اختلاف النَّاس فيه ، ونقل عن الغزالي في ((مشكاة الأنوار)) أنه كان يتأول كلامه ويحمله على ما يليق(٨). ثم نقل (٩) عن إمام الحَرَمين أنه كان يذمُّه ، ويقول : إنه اتفق هو والجنَّبي وابن المُقَفَّع على إفساد عقائد النَّاس، وتفرَّقوا في البلاد ، فكان الجَنَّبي في هَجَر والبحرين، وابن المُقَفَّع ببلاد التُّرك، ودخل الحلاج العِراقُ(١٠). قال القاضي ابن خَلِّكان : وهذا لا ينتظم ؛ فإن ابن المُقَفَّع كان قبل الحلاج بدهر ؛ فإنه كان في أيام السَّفَّاح والمنصور، ومات سنة خمس وأربعين ومئةً (١) أو قبلها. ولعل إمامَ الحرمين أراد المقنَّعْ(١٢) الخُرَاساني الذي ادَّعى الرُّبوبية، وأوتي القمر(١٣)، واسمُه عطاء، وقد قتل نفسه بالسُّمِّ في سنة ثلاث وستين ومئة ، ولا يمكن اجتماعه مع الحلاج أيضاً ، وإذا أردنا أن نصحِّحَ كلام إمام الحرمين ، ونذكر في تاريخ بغداد : البقر . (١) في ( ط ) : إني لست به ، وإنما ألقي شبهي على رجل ، ففعل به ما رأيتم. (٢) (٣) تاريخ بغداد (١٤٠/٨ -١٤١). في ( ط ) فذكر هذا لبعض علماء ذلك الزمان ، فقال : إن كان هذا الرأي صادقاً فقد تبدى له شيطان على صورة (٤) الحلاج ليضل به الناس . (٥) في ( ط ) : جثة الحلاج . في ( ط ) : وللعوام في مثل هذا وأشباهه ضروب من الهذيانات قديماً وحديثاً. (٦) (٧) تاريخ بغداد (١٤١/٨) وما في نسخنا المخطوطة أقرب إلى عبارة الخطيب . (٨) مشكاة الأنوار (٥٧ - ٥٨) . (٩) في ( ط ) : ثم نقل ابن خلكان . (١٠) في (ط): فحكم صاحباه عليه بالهلكة لعدم انخداع أهل العراق بالباطل. (١١) في (ط) ومئتين، وهو تحريف، ووفاته في أكثر المصادر سنة (١٤٢ هـ) . (١٢) في (ط ) ابن المقفع ، وهو تصحيف . (١٣) في ( ط ) العمر ، وهو تصحيف . وكان المقنع قد أظهر لهم من جملة تمويهاته صورة قمر يطلع ويراه الناس من مسافة شهرين من موضعه ، ثم يغيب . وفيات الأعيان (٣/ ٢٦٤). ٤٨ وفيات سنة ٣٠٩هـ ثلاثة قد اجتمعوا في وقتٍ على ما ذكر(١)، فيكون أراد بذلك الحلاج، وابن الشَّلْمَغَاني(٢) ؛ يعني أبا جعفر محمد بن علي ، والقرمطي الجَنَّابي وهو أبو طاهر سليمان بن أبي سعيد الحسن بن بَهْرام ؛ الذي قتل الحُجَّاج ، وأخذ الحجر الأسود ، وردم زمزم بالقتلى ، ونهب أستار الكعبة . كما سيأتي ذلك مبسوط(٣) . ذكره ملخصاً القاضي هاهنا٤). وممن توفي فى هذه السنة من الأعيان : أبو العبّاس بن عَطَاء أحد أئمة الصُّوفيةُ(٥): وهو أحمد بن محمد [ بن سهل ]٦) بن عطاء الأدَمي(٧). حدث عن يوسف بن موسى القَطَّان، والفَضْل(٨) بن زياد وغيرهما٩) . وكانٌ(١) يقرأ في كل يوم وليلة ختمة ، وفي شهر رمضان يقرأ في كل يوم وليلة ثلاث ختمات ، وكانت له ختمة يتدَبَّر فيها معاني القرآن ، يتلوها من سَبْع عشرة سنة ، ومات ولم يختِمْها . وهذا الرجل ممن كان قد اشتبه عليه أمْرُ الحلاَّج ، وأظهر موافقته ، فعاقبه الوزير حامد بن العَبَّاس بالضَّرْبِ البليغ على شِدْقيه ، وأمر بنَزْعِ خُفَّيه وضَرْبه بهما على رأسه حتى سال الدَّمُ من مَنْخِرَيْه ، ومات بعد سبعة أيام من ذلك ، وكان قد دعا على الوزير بأن تُقْطع يداه ورِجْلاه ويقتل شَرَّ قِتْلة . فما مات الوزير إلا كذلك(١١) . (١) في (ط ) فذكر ثلاثة قد اجتمعوا في وقت واحد على اضلال الناس وإفساد العقائد كما ذكر ، فيكون المراد بذلك الحلاج .. (٢) في (ط): السمعاني، وهو تحريف، وسيرد ذكره في أحداث سنة (٣٢٢هـ). (٣) في أحداث سنة (٣١٧هـ) . (٤) وفيات الأعيان (١٤٦/٢ - ١٥٧). (٥) طبقات الصوفية (٢٦٥ - ٢٧٢) حلية الأولياء (٣٠٢/١٠ - ٣٠٥) تاريخ بغداد (٢٦/٥ -٣٠) الرسالة القشيرية (٢٣ - ٢٤) المنتظم (١٦٠/٦) سير أعلام النبلاء (٢٥٥/١٤ - ٢٥٦) طبقات الأولياء (٥٩ - ٦١) طبقات الشعراني (١٢٥/١ -١٢٨) . (٦) ما بين حاصرتين من طبقات الصوفية (٢٦٥). (٧) هذه النسبة إلى من يبيع الأدم. الأنساب (١/ ١٦١). (٨) في (ط ) المفضل، وهو تصحيف، وترجمته في تاريخ بغداد (١٢ / ٣٦٣). (٩) في (ط ) : وقد كان موافقاً للحلاج في بعض اعتقاده على ضلاله . (١٠) في (ط ): وكان أبو العباس هذا .. (١١) انظر صفة مقتل الحلاج من هذا الجزء. ٤٩ وفيات سنة ٣٠٩ هـ وفيها توفي : أبو إسحاق إبراهيم بن هارون الطَّبيب الحَرَّاني . وأبو محمد عبد الله بن حمدون النَّدِيمُ(١) (١) على هامش (ح): بلغ مقابلة بالأصل المنقول منه. وقد انفردت ( ب) في إيراد مسألة في الحلاج ، نسوقها فيما يلي : مسألة في الحلاج سئل شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية - تغمده الله برحمته وأسكنه فسيح جنته - قال : أنا [ كذا في الأصل ولعل الصواب من ] اعتقد ما يعتقده الحلاج ، ماذا يجب عليه ، ويقول : إنما قتل ظلماً كما قتل بعض الأنبياء ، صلوات الله عليهم ، ويقول الحلاج من أولياء الله تعالى ، فماذا يجب عليه بهذا الكلام ، وهل قتل بسيف الشرع الشريف أم لا ، أفتونا مأجورين . الحمد لله ، من اعتقد ما يعتقده الحلاج من المقالات التي قتل الحلاج عليها ، فهو كافر مرتد باتفاق المسلمين ، فإن المسلمين إنما قتلوه على الحلول والاتحاد ونحو ذلك من مقالات أهل الزندقة والاتحاد كقوله أنا الله ، وقوله : إله في السماء وإله في الأرض . وقد علم بالاضطرار من دين الإسلام أنه لا إله إلا الله ، وأن الله خالق كل شيء ، فكل ما سواه مخلوق، و﴿ إِن كُلُّ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ إِلَّ ءَاتِ الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٥) لَّقَدْ أَحْصَنْهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدَّا لِي وَكُلُّهُمْ ءَاتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٣ -٩٥] وقد قال تعالى: ﴿يَّأَهْلَ الْكِتَبِ لَا تَغْلُواْ فِ دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى الَّهِ إِلَّا الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ: أَلْقَنِهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوٌ مِنْهُ فَامِنُوا بِاللّهِ وَرُسُلِّهِ، وَلَا تَقُولُواْ ثَتَهُ أَنْتَهُواْ خَيرًاً لَكُمْ إِنََّا اللَّهُ إِلَهٌ وَحِدٌ سُبْحَنَهُ: أَن يَكُونَ لَهُ وَلََّّ لَّهُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضُِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (الَّنْ يَسْتَنْكِفَ اَلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَ الْمَلَئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ الآية [النساء: ١٧١ - ١٧٢]. وقال تعالى: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهُ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَيْءٍ إِلَّ إِلَهٌ وَحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنَتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمُ (شِّـ أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِّرُونَهُ, وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (﴿ مَّا الْمَسِيحُ أَبْتُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرَّسُلُ وَأُتُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الَّعَامُّ أَنْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْأَيَتِ ثُمَّ أَنْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [ المائدة : ٧٣ - ٧٥ ] . فالنصارى الذين كفَّرهم الله ورسوله ، واتفق المسلمون على كفرهم ، كان من أعظم كفرهم دعواهم الحلول والاتحاد بالمسيح بن مريم ، فمن قال بالحلول والاتحاد في غير عيسى كما يقول الغالية في عليّ ، وكما يقوله الحلاجية في الحلاج ، والحاكمية في الحاكم ، وأمثال هؤلاء ، فقوله شرٌّ من قول النصارى ، لأن المسيح أفضل من هؤلاء كلهم ، وهؤلاء من جنس أتباع الدجال الذي يدعي الإلهية فيتبع ، مع أن الدجال يقول للسماء امطري فتمطر ، وللأرض أنبتي فتنبت ، وللخربة أخرجي كنوزك ، فيخرج معه كنوز الذهب والفضة ، ويقتل رجلاً مؤمناً ، ثم يأمر به فيقوم ، ومع هذا فهو الأعور الدجال الكذاب ، فمن ادَّعى الإلهية بدون مثل هذه الخوارق كان دون هذا الدجال . والحلاج كانت له مخاريق وأنواع من السحر ، وله كتب منسوبة إليه في السحر ، وبالجملة فلا خلاف بين الأمة أن من قال بحلول الله في البشر أو اتحاده به ، أو أن البشر يكون إلاهاً وجزءاً من الإله ، فهو كافر ، مباح الدم ، وعلى هذا قتل الحلاج . ومن قال : إن الله نطق على لسان الحلاج ، وأن الكلام المسموع من الحلاج كان كلام الله ، وأن الله هو القائل على لسانه فهو أيضاً كافر باتفاق المسلمين ، لأن الله لا يحل في بشر ، ولا يتكلم على لسان بشر .. ولكن يرسل الرسل بكلامه ، فيقولون عليه ما أمرهم ببلاغه ، فيقول على ألسنة الرسل ما أمرهم بقوله ؛ كما قال النبي ◌َّلفي أن الله قال على لسان نبيه: سمع الله لمن حمده . فإن المعروف في خطاب الناس أن كل واحد من الرسل والرسول يقول على لسان الآمر كما قال أحمد بن حنبل للمروذي : قل على لساني ، وكما يقال : هذا يقول على= ٥٠ وفيات سنة ٣٠٩هـ لسان السلطان كيت وكيت . فمثل هذا معناه مفهوم ، وأما أن الله هو المتكلم على لسان البشر كما يتكلم الجني على = لسان المصروع ، فهذا كفر صريح . وأما إذا ظهر مثل هذا القول عن غائب قد رفع عنه القلم لكونه مصطلماً في حال من أحوال الفناء والسكر ، فهذا تكلَّمَ به في حال دَفَعَ عنه فيها القلمُ ، فالقول وإن كان باطلاً لكن القائل غير مؤاخذ ، ومثل هذا تعرض لمن استولى عليه سلطان الحب مع ضعف القلب ، كما يقال : إن محبوباً ألقى نفسه في اليم ، فألقى المحب نفسه خلفه ، فقال : أنا وقعت ، فلم وقعت خلفي؟ قال : غبت بك عني ، فظننت أنك أني . وقد ينتهي بعض الناس إلى مقام يغيب معبود عن عبادته ، وبمذكوره عن ذكره ، وبمعروفه عن معرفته ، فإذا ذهب تمييز هذا ، وصار غائب العقل بحيث يرفع عنه القلم لم يكن معاقباً على ما تكلم به في هذه الحال ، مع العلم بأنه خطأ وضلال ، وآفة حال لا يكون لألباء الرجال . وما يحكى عن الحلاج من ظهور كرامات له عند قتله ، مثل كتابة دمه أربعين كلمة ، أو إظهار الفرح بالقتل ، أو نحو ذلك، كله كذب . وقد جمع المسلمون أخبار الحلاج في مواضع كثيرة، كما ذكر ثابت بن سنان في (( أخبار الخلفاء)) وقد شهد مقتله، وكما ذكر المحسن التنوخي، وكما ذكر إسماعيل بن علي الخطبي في (( تاريخ بغداد))، وقد شهد قتله، وكما ذكر الحافظ أبو بكر الخطيب في ((تاريخه))، وكما ذكر القاضي أبو يعلى في ((المعتمد))، وكما ذكر القاضي أبو بكر بن الطيب وأبو محمد بن حزم وغيرهما ، وكما ذكر أبو يوسف القزويني وأبو الفرج بن الجوزي فيما جمعا من أخباره. وقد ذكر أبو عبد الرحمن السلمي في (( طبقات الصوفية)» أن أكثر المشايخ أخرجوه عن الطريق. ولم يذكره أبو القاسم القشيري في ((رسالته)) في المشايخ الذين عدَّهم من مشايخ الطريق ، وما يعلم أحد من أئمة الإسلام ذكر الحلاج بخير لا من العلماء ولا من المشايخ ، ولكن بعض الناس يقف فيه ، لأنه لم يعرف أمره ، فأبلغ من يحسن الظن به يقول : إنه وجب قتله في الظاهر ، والقاتل مجاهد ، والمقتول شهيد . وهذا أيضاً خطأ . وقول القائل : إنه قتل مظلوماً ظلماً باطل ، فإن وجوب قتله على ما أظهره من الإلحاد أمر واجب باتفاق المسلمين ، لكن لما كان يظهر الإسلام ويبطن الإلحاد إلى أصحابه صار زنديقاً ، فلما أخذ وحبس أظهر التوبة ، والفقهاء متنازعون في قبول توبة المرتدين ، وأكثرهم لا يقبلها ، وهو مذهب مالك وأهل الحديث ، ومذهب أحمد في أشهر الروايتين عنه ، وهو أحد القولين في مذهب أبي حنيفة ، ووجه في مذهب الشافعي ، والقول الآخر يقبل توبته . وقد اتفقوا على أنه إذا قتل قبل هذا لا يقال إنه قتل ظلماً . وأما قول القائل إن الحلاج من أولياء الله [ كذا والعبارة فيها سقط ] فإن ولي الله من مات على ولاية الله ، والله يحبه ويرضى عنه ، والشهادة بهذا لغير من شهد له النبي وَطير بالجنة لا يجوز عند كثير من العلماء أو أكثرهم ، وذهبت طائفة من السلف كأبي حنيفة وعلي المديني إلى أنه لا يشهد بذلك لغير النبي ◌َّقير ، وقال طائفة : بل من استفاض في المسلمين الثناء عليه شهد له بذلك، لأن النبي ليه مر عليه بجنازة ، فأثنوا عليها خيراً . فقال: وجبت وجبت . ومر عليه بجنازة ، فأثنوا عليها شراًفقال : وجبت وجبت . قال : يا رسول الله ، ما قولك وجبت وجبت؟ قال : هذه الجنازة أثنيتم عليها خيراً ، فقلت : وجبت لها الجنة . وهذه الجنازة أثنيتم عليها شراً ، فقلت : وجبت لها النار ، أنتم شهداء الله في الأرض. [ صحيح البخاري (١٣٠١) في الجنائز، وصحيح مسلم (٩٤٩) في الجنائز ] . وإذاً جوز أن يشهد لبعض الناس أنه من أولياء الله في الباطن ، إما بنصٌّ ، وإما بشهادة الأمة ، فالحلاج ليس من هؤلاء ولا من هؤلاء ، فجمهور الأمة يطعن عليه ، ويجعله من أهل الإلحاد ، وإن قدر أنه يطلع على بعض الناس أنه ولي الله بكشف ونحو ذلك مما يختص به بعض أهل الصلاح ، فهذا الذي أثنى على الحلاج ، ووافقه على اعتقاده ضالٌّ من وجوه ، أحدها أنه لا يعرف فيمن قتل بسيف الشرع على الزندقة أحد قتل ظلماً وكان ولياً لله ، فقد قتل الجهم بن صفوان والجعد بن درهم وغيلان القدري ومحمد بن سعيد المصلوب. وبشار بن برد الأعمى ، وأمثال = ٥١ وفيات سنة ٣٠٩هـ هؤلاء كثير ، ولم يقل أهل العلم واللب في هؤلاء ( كذا وكان ثمة سقط ) وأما الأنبياء فقتلهم الكفار ، وكذلك = الصحابة الذين استشهدوا قتلهم الكفار ، وعثمان وعلي والحسين ونحوهم قتلهم الخوارج البغاة ، لم يقتلوا بحكم الشرع على مذاهب فقهاء أئمة الدين كمالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد وغيرهم ، فإن أئمة الدين متفقون على تحريم دماء هؤلاء ، وهم متفقون على حل دم الحلاج وأمثاله . الوجه الثاني : إن الاطلاع على أولياء الله لا يكون إلا ممن يعرف طريق الولاية ، وهو الإيمان والتقوى ، ومن أعظم الإيمان والتقوى أن يجتنب مقالة أهل الإلحاد ، كأهل الحلول والاتحاد ، فمن وافق الحلاج على مثل هذه المقالة لم يكن عارفاً بالإيمان والتقوى ، فلا يكون عارفاً بطريق أولياء الله ، فلا يجوز أن يميز بين أولياء الله وغيرهم . الثالث : أن هذا القائل قد أخبر أنه يوافقه على مقالته ، فيكون من جنسه ، فشهادته له بالولاية شهادة لنفسه ، كشهادة اليهودي والنصراني والرافضي لنفسه أنه على الحق ، وشهادة المرء نفسه فيما لا يعلم فيه كذبه ولا صدقه مردودة ، فكيف تكون شهادته لنفسه ولطائفته الذين ثبت بالكتاب والسُّنة والإجماع أنهم أهل ضلال . الرابع : إن ما يقال إما كون الحلاج عند الموت تاب فيما بينه وبين الله ، أو لم يتب ، فهذا غيب يعلمه الله . وأما كونه إنما كان يتكلم بهذا عند الاصطلام ، فليس كذلك ، بل كان يصنف الكتب ، ويقوله وهو حاضر يقظان ، وقد تقدم أن غيبة العقل تكون عذراً في الباطن وإن لم تكن عذراً في الظاهر ، فهذا لو فرض لم يجز أن يقال قتل ظلماً ، ولا يقال إنه موافق له على اعتقاده ، ولا يشهد بما لا يعلم ، فكيف إذا كان الأمر بخلاف ذلك؟ وغاية المسلم المؤمن إذا عذر الحلاج أو يدعي فيه الاصطلام أو الشبهة ، فإما أن يوافقه على ما قيل عليه ، فهذا حال أهل الزندقة والإلحاد ، وكذلك من لم يجوِّز قتل مثله فهو مارق من دين الإسلام ، ونحن إنما علينا أن نعرف التوحيد الذي أمرنا به ، ونعرف طريق الله [ الذي ] أمرنا به ، وقد علمنا بكلاهما أن ما قاله الحلاج باطل ، وأنه يجب قتل مثله ، وأما نفس الشخص المعين ، هل كان في الباطن له أمر يغفر الله له به ، من توبةٍ أو غيرها؟ فهذا أمره إلى الله ، ولا حاجة إلى العلم بحقيقة ذلك ، والله أعلم . وسئل أيضاً رضي الله عنه عمن يعتقد أن كرامات الأولياء حق ، وأن منهم من يكاشف ماضي ومستقبل ، فهل هذا الاعتقاد صحيح أو لا؟. أجاب : كرامات الأولياء حق باتفاق أئمة أهل الإسلام والسنة والجماعة ، وقد دلَّ عليها القرآن في غير موضع ، والأحاديث الصحيحة والآثار المتواترة عن الصحابة والتابعين وغيرهم ، وإنما أنكرها أهل البدع من المعتزلة والجهمية ومن تابعهم . وأما أئمة الإسلام وشيوخه المقبولون عند الله فلم ينكروها ، لكن كثير ممن يدعيها أو تدعى له يكون كذاباً ، أو ملبوساً عليه ، وأيضاً فإنها لا تدلُّ على عصمة صاحبها ولا على وجوب اتباعه في كل ما يقول ، بل قد تصدر بعض الخوارق من الكشف وغيره عن بعض الكفار من المشركين وأهل الكتاب ، ومن هو شر منه ، كما بينت في الصحيح أن الدَّجَّال يقول للسماء : أمطري، فتمطر . ويقول للأرض : أنبتي ، فتنبت ، وأنه يقتل واحداً ، ثم يحيا ، وأنه يخرج خلفه كنوز الذهب والفضة ، ولهذا اتفق أئمة الدين على أن الرجل لو طار في الهواء ، أو مشى على الماء، لم يغترَّ به حتى ننظر وقوفه عند الأمر والنهي الذي بعث الله به رسوله وَلير، وهذه جملة مختصرة مفصلة مبسوطة في غير هذا الموضع ، والله أعلم . مسألة أيضاً سئل عنها شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن تيمية رحمه الله في الحلاج ، هل كان صدِّيقاً أو زنديقاً؟ وهل كان من أولياء الله المتقين ، وله حال رحماني ، أو من إخوان الشياطين ، وله حال شيطاني ؟ وهل قتل على الزندقة بمحضر من علماء المسلمين ، أو قتل ظلماً ؟ وماذا قالت العلماء في ذلك ؟ = ٥٢ وفيات سنة ٣٠٩هـ أجاب : الحمد لله ، الحلاج قتل على الزندقة ، والزندقة هي النفاق بعينه التي ثبت عليه بإقراره وبغير إقراره ، وبغير = الأمر الذي ثبت عليه مما يوجب القتل باتفاق المسلمين ، ومن قال إنه قتل بغير حق فهو منافق ملحد ، وإما جاهل ضال . وكان قد استفاض عنه من أنواع الكفر ما يوجب بعضه القتل فضلاً عن جميعه . ولم يكن من أولياء الله المتقين ، بل كان له عبادات ورياضات ومجاهدات ، بعضها شيطاني ، وبعضها نفساني ، وبعضها كان موافقاً للشريعة ، فلبس الحق بالباطل ، وكان قد ذهب إلى أرض الهند ، وتعلم أنواعاً من السحر ، وصنف كتاباً في السحر معروفاً، وهو موجود إلى اليوم ، وكانت له أحوال شيطانية ، ومخاريق بهتانية ، وقد جمع العلماء أخباره في كتب كثيرة ، أخبر بها الذين كانوا في زمانه ، والذين نقلوا عن أولئك ، مثل أحمد بن علي الخطيب، ذكره في ((تاريخ بغداد))، وأبو يوسف القزويني صنف كتاباً مجلداً في أخباره ، وأبو الفرج ابن الجوزي ، له فيه مصنف سماه ((رفع اللجاج في أخبار الحلاج)) وسبطه ذكره في ((تاريخه))، وذكر أبو عبد الرحمن السلمي في كتاب ((طبقات الصوفية)) أن أكثر المشايخ ذموه ، وأنكروا عليه ، ولم يعدوه من مشايخ الطريقة ، وممن ذمه أبو القاسم الجنيد رضي الله عنه ، ولم يقتل في حياة الجنيد ، بل قتل بعد موت الجنيد ، فإن الجنيد توفي سنة ثمان وتسعين ومئتين ، والحلاج قتل سنة بضع وثلاثمئة ، أظنه سنة تسع وثلاثمئة ، وكان قد قُدم به إلى بغداد راكباً على جمل ينادى عليه : هذا داعي القرامطة . وأقام في الحبس مدة حتى وجد من كلامه من الكفر والزندقة ما اعترف به ، مثل أنه ذكر في كتابٍ له أنه من فاته الحج ، فإنه يبني في داره بيتاً ، ويطوف به كما يطوف بالبيت ، ويتصدق على ثلاثين يتيماً بصدقة ذكرها ، وقد أجزأه ذلك عن الحج . فقالوا له : أنت قلت هذا . قال : نعم . قالوا له : من أين لك هذا؟ قال: ذكره الحسن البصري في ((كتاب الصلاة))، فقال له القاضي أبو عمر : تكذب يا زنديق ، أنا قرأت هذا الكتاب ، وليس هذا فيه . فطلب منهم الوزير أن يشهدوا بما سمعوا منه ، ويفتوا بما يجب عليه ، فأفتوا واتفقوا على وجوب قتله . لكن العلماء لهم قولان في الزنديق إذا أظهر التوبة ، هل تقبل منه توبته فلا يقتل ، أم يقتل لأنه لا يعلم صدقه ، فإنه ما زال يظهر ذلك؟ فأفتى طائفة بأنه يستتاب ولا يقتل ، وأفتى الأكثرون بأنه يقتل وإن أظهر التوبة ، فإن كان صادقاً في توبته نفعه ذلك عند الله في الآخرة ، وقتل في الدنيا ، وكان الحد تطهيراً له ، كما لو تاب السارق والزاني والشارب بعد أن رفعوا إلى ولي الأمر ، فإنه لابد من إقامة الحد عليهم ، وإذا كانوا صادقين في التوبة نفعهم ذلك في الآخرة ، وقبل الله توبتهم ، وكان قتلهم كفارة لهم ، ومن كان كاذباً في التوبة كان قتله عقوبة لهم . فإن كان الحلاج تاب وقت القتل ، صادقاً في التوبة ، فإن الله ينفعه بتلك التوبة ، وإن كان كاذباً في التوبة ، فإنه قتل كافراً . ولم يظهر له وقت القتل شيء من الكرامات ، وكل من ذكر أن دمه كتب على الأرض اسم الله ، وأن دجلة انقطع ماؤها ، أو غير ذلك من الأكاذيب التي تشبه هذا ، فإنه كاذب ، وهذه الأمور لا يحكيها إلا جاهل أو منافق ، وإنما وضعها الزنادقة أعداء الإسلام ، حتى يقول القائل : إن شرع محمد بن عبد الله يقتل أولياء الله ، وإلا فقد قتل أنبياء كثيرون ، وقتل من الصحابة والتابعين وغيرهم من الصالحين ما لا يحصي عدده إلا الله ، قتلوا بسيوف الكفار والفجار ، ولم يكتب دم أحدهم اسم الله ، فهل الحلاج خير من هؤلاء كلهم؟ ولقد جزع وقت القتل ، وأظهر التوبة ، فلم يقبل ذلك منه ، لأنه لو عاش افتتن به كثير من الجهال ، لأنه كان صاحب خزعبلات بهتانية وأحوال شيطانية ؛ ولهذا إنما يعظمه من يعظم الأحوال الشيطانية والنفسانية والبهتانية ، وأما أولياء الله المتقون العالمون بحال الحلاج فليس فيهم أحد يعظمه ، ولهذا لم يذكره القشيري في مشايخ ((رسالته))، وإن كان قد ذكر من كلامه كلمات استحسنها ، وکان الشيخ أبو يعقوب النهر جوري قد زوجه بابنته ، فلما اطلع على زندقته نزعها منه ، وکان عمرو بن عثمان المكي يذكر أنه كافر ، ويقول : كنت معه ، فسمع قارئاً يقرأ القرآن ، فقال : أقدر أن أصنف مثل هذا = ٥٣ وفيات سنة ٣٠٩هـ القرآن . أو نحو هذا الكلام ، وكان يظهر عند كل قوم ما يستجلبهم به إلى تعظيمه ؛ فيظهر عند أهل السنة أنه سني ، وعند الشيعة أنه شيعي ، ويلبس لباس الزهاد ، وتارة لباس الأجناد ، وكان من مخاريقه أن يبعث بعض أصحابه إلى مكان من البرية يخبىء فيه شيئاً من الفاكهة والحلواء ، ثم يخرج بجماعة إلى قرب ذلك المكان ، فيشتهي عليه أحدهم فاكهة أو حلاوة ، فيذهب إلى ذلك ، فيأخذ ما خبأ هنالك ويجيبه ، فيظن الحاضرون أن هذه كرامة له ، وكان صاحب سيميا وشياطين ، وكانت الشياطين تخدمه أحياناً ، كانوا مرة على جبل أبي قبيس ، فطلبوا منه حلاوة ، فذهب إلى مكان قريب منهم ، ثم جاء معه بصحن حلاوة ، فكشفوا الأمر ، فوجدوا ذلك قد أحضر من حانوت حلاوي في اليمن ، حمله الشيطان من الحانوت إليه . ومثل هذا يجري كثيراً لغير الحلاج ممن له حال شيطاني ، ونحن نعرف كثيراً من هؤلاء في زماننا ، وفي غير زماننا ، مثل شيخ أخبر عن نفسه بأنه كان يزني بالنساء ، ويتلوط بالجواري ولا يصلي ، وكان يقوله ، قال : وكان يأتيني كلب أسود بين عينيه نكتتان بيضاوان ، فيقول لي : فلان بن فلان ، قد نذر لك نذراً ، وغداً يأتيك به ، وأنا قضيت حاجته لأجلك ، فيصبح ذلك الشخص يأتيه بذلك النذر ، ويكاشفه هذا الشيخ الكافر بذلك . قال : وكنت إذا طلب مني تغيير مثل اللاذن أقوله حتى أغيب عن عقلي ، فإذا باللاذن في يدي أو فمي ، وأنا لا أدري من وضعه . قال : وكنت أمشي وبين يدي عمود أسود عليه نور ، فلما تاب ، وصار يصلي ويصوم ، ويجتنب الفواحش ذهب الكلب الأسود ، وذهب النور ، وذهب التغيير من اللاذن وغيره . وشيخ آخر كان له شياطين يرسلهم يصرعون بعض الناس ، فيأتي أصحاب الصروع إلى الشيخ يطلبون منه إبراء ذلك المصروع ، وهم لا يعلمون أن شياطين الشيخ صرعته ، فيرسل إلى أتباعه من الجن ، فيفارقونه ، ويعطون الشيخ دراهم . وآخر كان مشتغلاً بالعلم ، فجاءته الشياطين أغوته ، وقالوا له : نحن نسقط عنك الصلاة ، ونحضر لك كل ما تريد . فكانوا يأتونه بالحلاوة والفاكهة حتى حضر عند بعض الشيوخ العارفين ، فاستتابه ، وأعطى أهل الحلاوة عن حلاوتهم التي أحضرها ذلك المفتون بالشيطان . فكل من خرج عن الكتاب والسنة ، وكان له حال من مكاشفة أو تأثير ، فإنه صاحب حال شيطاني أو نفساني وإن لم يكن له حال ، بل هو متشبه بأصحاب الأحوال ، فهو صاحب محال بهتاني . وعامة أرباب الأحوال الشيطانية يجمعون بين الحال الشيطاني والمحال البهتاني، كما قال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِئُكُمْ عَلَى مَنْ تَغَزَُّ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَشِمِ ﴾ تَغَزَّلُ الشَّيَاطِينُ [ الشعراء: ٢٢١ - ٢٢٢] والحلاج كان من أئمة هؤلاء أهل الحال الشيطاني والمحال البهتاني ، وهؤلاء طوائف كثيرة ، وائمة هؤلاء هم شيوخ المشركين الذين يعبدون الأصنام ، مثل الكهان والسحرة الذين كانوا للعرب والمشركين بأرض الهند والغرب وغير ذلك ، ومن هؤلاء من إذا مات لهم ميت يعتقدون أنه يحيا بعد الموت ، فيكلمهم ، ويقضي ديونه ، ويرد ودائعه ، ويوصيهم بوصايا ، فإنه يأتيهم ما يعتقدون أنه تلك الصورة التي كانت في الحياة ، وهو شيطان يتمثل في صورته ، فيظنونه إياه . وكثير ممن يستغيث بالمشايخ الموتى والأحياء ، فيقول : يا سيدي فلان ، أو يا شيخ فلان ، اقض لي حاجة كذا وكذا . فيرى صورة ذلك الشيخ ، فيخاطبه ، ويقول له : أنا أقضي حاجتك ، أو طيب قلبك ، أو يدفع عنه عدوه ، أو يحضر له بعض ما يطلبه ، ويكون ذلك شيطاناً قد تمثل له في صورة الشيخ لما أشرك الداعي بالله ، فدعا غير الله . وأنا أعرف من هذا وقائع متعددة ، ويقولون : ما في الوجود غيره ولا سواه ؛ بمعنى أن المخلوق هو الخالق ، والمصنوع هو الصانع ، حتى إن طائفة من أصحابي ذكروا أنهم استغاثوا بي في شدائد أصابتهم ، أحدهم كان خائفاً من الأرمن ، والآخر كان خائفاً من النتر ، فذكر كل منهم أنه لما استغاث رآني في الهواء ، وقد دفعت عنه عدوه ، فأخبرتهم أني لا أعلم بهذا ،= ٥٤ أحداث سنة ٣١٠هـ ثم دخلت سنة عشر وثلاثمئة فيها أُطْلقَ يوسفُ بن أبي السَّاحِ من الضِّيق، وكان معتقلاً، وردَتْ إليه أمواله ، وأُعيد إلى عمله ، وأضيف إليه بُلْدان أخرى ، ووظّف عليه في كل سنة خمسمئة ألف دينار يحملُها إلى الحَضْرة ، فبعث ولا دفعت عنهم شيئاً ، وإنما هذا شيطان تمثل لأحدهم ، فأغواهم لما أشركوا بالله . وهكذا جرى لغير واحد من = أصحابنا من المشايخ مع أصحابهم ؛ يستغيث أحدهم بالشيخ في أمرٍ فيرى الشيخ وقد جاء وقضى حاجته ، ويقول لي ذلك الشيخ : إني لم أعلم بهذا . ويتبين أن ذلك كان شيطاناً ، وشيخ كان يقال له السياخ توبناه ، وجدَّد إسلامه ، كان له قرين من الجن يقال له عنتر ، يخبره بأشياء ، فيصدق تارة ويكذب أخرى ، ولما ذكرت له أنك تعبد شيطاناً من دون الله اعترف بأنه يقول له : يا عنتر ، لا سبحانك ، إنك إله قذر . وتاب من ذلك في قصة مشهورة . وقد قتل بسيف الشرع من قتل من هؤلاء ، مثل الشخص الذي قتلناه سنة خمس عشرة وسبعمئة ، وكان له قرين يأتيه ويكاشفه بأشياء ، فيصدق تارة ، ويكذب أمره أن ذلك القرين صار يقول : أنا رسول الله . ويذكر له أشياء في حال الرسول وَ له، فشهد عليه بأنه قال: إن النبي يأتيني، ويقول لي كذا وكذا من الأمور التي يكفر من أضافها إلى الرسول اليه ، فذكرت لولاة الأمور أن هذا من جنس الكهان ، وأن هذا الذي يأتيه شيطان ، ولهذا لا يأتيه في الصورة المعروفة للنبي وَ ليم ، بل في صورة منكرة . ويذكر عنه أنه يخضع له ، ويبيح له أن يتناول المسكر وأموراً أخر ، وكان كثير من الناس يظنون أنه كاذب فيما يقول ويخبر به من الرؤية ، ولم يكن كاذباً أنه رأى تلك الصورة ، لكن كافراً في اعتقاده أن ذلك رسول الله، ومثل هذا كثير ، فمن لم ينور الله قلبه بحقائق الإيمان واتباع القرآن ، التبس عليه الحق بالباطل ، كما التبس على كثير من الناس حال مسيلمة الكذاب صاحب اليمامة وغيره من الكذابين ، فاعتقدوا فيهم أنهم أنبياء ، وإنما كانوا كذابين ، وقد قال النبي ◌َّ لا تقوم الساعة حتى يخرج فيكم أقوام دجالون كذابون ، كلهم يزعم أنه رسول الله، وأعظم الدجاجلة فتنة الدجال الكبير الذي يقتله عيسى بن مريم، فإن النبي ولو قال: ما من خلق آدم إلى قيام الساعة فتنة أعظم من فتنة الدجال . وأمر المسلمين أن يقول أحدهم في الصلاة : اللهم ، إني أعوذ بك من عذاب جهنم ، ومن عذاب القبر ، ومن فتنة المسيح الدجال ، ومن فتنة المحيا والممات [ صحيح البخاري (١٣١١) في الجنائز ، صحيح مسلم (٥٨٨) في المساجد ومواضع الصلاة ] . وثبتٍ في الصحيح عن النبي ◌ُّه أنه يقول للسماء : أمطري ، فتمطر ، ويقول للأرض : أنبتي ، فتنبت ، وأنه يقتل رجلاً مؤمناً ثم يقول له : قم ، فيقوم ، فيقول : أنا ربك . فيقول : كذبت ، بل أنت الأعور الكذاب الذي أخبرنا عنه رسول الله وَّه، والله ما ازددت فيك إلا بصيرة، فيقتله مرتين، ثم يريد أن يقتله في المرة الثالثة ، فلا يسلط عليه. وهو يدعي الإلهية. وقد بين النبي ◌ّير فيه ثلاث علامات تنافي ذلك؛ أحدها : أنه أعور ، وقال : إن ربكم ليس بأعور . [ صحيح البخاري (٤١٤١) في المغازي والسير] . والثاني: أنه مكتوب بين عينيه : كافر ك ف ر ، ويقرأه كل مؤمن من قارىء وغير قارىء . والثالث قوله ومَير: واعلموا أن أحداً منكم لن يرى ربه حتى يموت . فهذا هو الدجال الكبير ، ودون هذا دجاجلة ، منهم من يدعي النبوة ، ومنهم من يكذب بغير دعوى النبوة كقول النبي وَ # « يكون في آخر الزمان أقوام دجالون كذابون، فإياكم وإياهم)) [ صحيح مسلم (٧/ ٧) في المقدمة . فالحلاج كان من الكذابين الدجاجلة بلا ريب ، وقد قتل بحق بلا ريب ، ولكن إذا قيل للرجل : هل تاب قبل الموت أو لم يتب قال : الله أعلم . والله أعلم . ٥٥ أحداث سنة ٣١٠هـ حينئذٍ إلى مؤنس الخادم يطلُب منه أبا بكر بن الأَدَمي القارىء(١)، وكان قد قرأ بين يديه حين اعتُقِلَ وأُشهر في سنة إحدى وسبعين(٢) ومئتين ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَيِّكَ إِذَا أَخَذَ أَلْقُرَى وَهِىَ ظَلِمَّةُ إِنَّ أَخْذَهُ، أَلِيمٌ شَدِيدُ ﴾ [ هود: ١٠٢]. فخاف القارىءُ من سَطْوته واستعفى من مُؤْنس الخادم فقال له مؤنس: اذهب وأنا شريكُك في الجائزة . فلما دَخَلَ عليه قرأ بين يديه ﴿ وَقَالَ الْمَلِكُ اثْنُونِي بِهِ: أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِ فَلَمَّا كَلَّمَّهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينُ أَمِينٌ﴾ [ يوسف: ٥٤]. فقال: بل أُحبُّ أن تقرأ ذلك العَشْر الذي قرأْتَه عند إشهاري(٣) ﴿ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ اَلْقُرَى وَهِىَ ظَلِمَّةُ﴾ [ هود: ١٠٢] فإنَّ ذلك كان سببَ تَوْبتي (٤) إلى الله عزَّ وجلَّ، وكان ذلك على يديك . ثم أمَرَ له بمالٍ جزيلٍ وأحْسَنَ إليه . وفيها مَرِضَ عليٍّ بنُ عيسى الوزير فجاءه هارون بن المقتدر ليعودَه(٥)، فَبَسَطَ له الطريق ، فلما اقتربَ من دارِهِ تحاملَ وخرج إليه ، وبلَّغه سلامَ الخليفة ، وجاء مُؤْنس الخادم معه ، ثم جاء الخبر بأن الخليفة قد عَزَمَ على عيادته ، فاستعفى من مؤنس الخادم ، وركب على جَهْدٍ عظيم حتى سلّم على الخليفة لئلا يكلفه الرُّكوب إليه . وفي هذه السنة قُبِضَ على القَهْرمانة أُمّ موسى ومن ينتسب إليها ، فكان حاصل ما حُمِلَ إلى بيت المال من جهتها ألف ألف دينار . وفي يوم الخميس لعشر بقين من ربيع الآخر ولَّى المقتدر منصبَ القضاء أبا الحسين عمر بن الحسن(٦) بن علي الشَّيْباني المعروف بابن الأَشْناني - وكان من حُفَّاظ الحديث وفقهاء الناس - ولكنه عُزِلَ بعد ثلاثة أيام ، وكان قبل ذلك محتسباً ببغداد . وفيها عُزِلَ محمد بن عبد الصَّمد عن شُرْطَة بغداد ، ووليها نازُوك ، وخُلع عليه . وفي جُمادَى الآخرة ظهر كوكبٌ له ذنب طوله ذِرَاعان وذلك في برج السُّنْبُلَة . وفي هذه السنة في شعبان منها وَصَلَت هدايا نائب مصر وهو الحسين بن الماذَرَائِ(٧)، وفيها بغلة معها فَلُؤُها٨) ، وغلام يصل لسانُه إلى طرف أنفه . سترد ترجمته في وفيات سنة (٣٤٨هـ) . (١) في (ح) و(ط): وستين، وهو تحريف، والمثبت من (ظا) و(ب). المنتظم (٨٠/٥ - ٨١). (٢) (٣) في ( ط ) : عند سجني وإشهاري . (٤) في ( ط ) : توبتي ورجوعي . (٥) في ( ط ) : ويبلغه سلام أبيه عليه . في (ح) و(ب) و(ط ) الحسين، وهو تصحيف. ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٥ / ٤٠٦ - ٤٠٧). (٦) (٧) في النسخ الخطية و( ط ) : المارداني، وهو تحريف ، وكان على خراج مصر، توفي سنة (٣١٤هـ) ، وقيل سنة (٣١٧ هـ)، ترجمته في معجم البلدان (٣٤/٥). (٨) أي ولدها . اللسان ( فلا ). ٥٦ وفيات سنة ٣١٠هـ وفي [ هذا (١) الشهر قُرِتَتِ الكتب على المنابر بما كان من الفتوح على المسلمين ببلاد الرُّوم. وفي هذه السنة وَرَدَ الخبر بأنه انشقَّ بأَرْض واسطَ فُلُوعُ(٢) في الأرض [ في (٣) سبعة عشر موضعاً أكبرها طوله ألف ذِراع ، وأقلها مئتا ذراع ، وأنه غَرِقَ من أمهات القرى ألف وثلاثمئة قرية . وحجَّ بالناس إسحاق بن عبد الملك الهاشمي . وممن توفي فيها من الأعيان : محمد بن أحمد(٤) بن حمَّاد بن سَعْد(٥)، أبو بِشْر الدَّولابي(٦) ، مولى الأنصار، ويعرف بالورَّاق. أحد أئمة حُفَّاظ الحديث ، وله تصانيف حسنة في التاريخ ، وغير ذلك(٧) . وروى عن جماعةٍ كثيرة . قال ابن يونس : وكان يُضَعَّف(٨)، وتوفِّي وهو قاصد إلى الحج بين مكَّة والمدينة بالعَرْج في ذي القَعْد(٩) . أبو جَعْفر بن جرير الطَّبري١٠ّ) محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب ، الإمام أبو جعفر الطَّبري . (١) ما بين حاصرتين من المنتظم (٦/ ١٦٧). (٢) أي شقوق . اللسان ( فلع ) . ما بين حاصرتين من ( ط ) . (٣) الأنساب (٣٧١/٥ - ٣٧٢) اللباب (٤٣١/١) المنتظم (١٦٩/٦) وفيات الأعيان ٣٥٢/٤ - ٣٥٣) تذكرة الحفاظ (٤) (٧٥٩/٢ - ٧٦٠) سير أعلام النبلاء (٣٠٩/١٤ -٣١١) المغني في الضعفاء (٥٥٠/٢). (٥) في ( ط ) أبو سعيد ، وهو تحريف . قال السمعاني : الصحيح في هذه النسبة فتح الدال ، ولكن الناس يضمونها .. وظني أنه نسب بعض أجداده إلى (٦) عمل الدولاب ، وأصله من الري ، فيمكن أن يكون من قرية الدولاب . الأنساب (٣٦٩/٥ - ٣٧١). (٧) طبع له في جزأين كتابه (( الكنى والأسماء)) بمطبعة مجلس دائرة المعارف بحيدر آباد سنة (١٣٢٢ هـ)، وهو كتاب مشهور ، متداول . في ( ط ) يصعق ، وفي الأنساب (٥/ ٣٧١) يصنف، وكلاهما تحريف. والمثبت من (ح) و(ب). (٨) في الأنساب واللباب ووفيات الأعيان توفي سنة (٣٢٠هـ) وهو وهم . (١٠) تاريخ بغداد (١٦٢/٢ - ١٦٩) طبقات الفقهاء للشيرازي (٩٣) الأنساب (٢٠٥/٨ - ٢٠٧) اللباب (٨١/٢) المنتظم (٩) (١٧٠/٦ - ١٧٢) معجم الأدباء (١٨ - ٤٠ - ٩٤) إنباه الرواة (٨٩/٣ - ٩٠) وفيات الأعيان (١٩١/٤ - ١٩٢) سير أعلام النبلاء (١٤/ ٢٦٧ - ٢٨٢) تذكرة الحفاظ (٧١٠/٢ - ٧١٦) ميزان الاعتدال (٤٩٨/٣ -٤٩٩) طبقات الشافعية للسبكي (١٢٠/٣ -١٢٨) طبقات المفسرين للداودي (١٠٦/٢ - ١١٤). ٥٧ وفيات سنة ٣١٠هـ كان مولده في سنة أربع وعشرين ومئتين(١)، وكان أسمر، أعْيَنَ، مليح الجسم (٢)، مديد القامة، فصيح اللِّسان . روى الكثير عن الجمِّ الغفير ، ورحل إلى الآفاق في طلب الحديث ، وله التاريخ الحافل ، والتفسير الكامل(٣)، وغيرهما من المصنَّفَات النافعة في الأصول والفروع. ومن أحسن ذلك ((تهذيب الآثار )(٤)، لكن لم يتمَّه . وقد روي عنه أنه مكث أربعين سنة يكتب في كلِّ يوم أربعين ورقة . قال الحافظ أبو بكر الخطيب : استوطن ابن جرير بغداد(٥) ، وكان أحد أئمة العلماء ، يُحكم بقوله ويُرجع إليه لمعرفته وفَضله ، وكان قَدْ جمع من العلوم ما لم يشارِكُه فيه أحدٌ من أهل عَصْره ، وكان حافظاً لكتاب الله ، عارفاً بالقراءات ، بصيراً بالمعاني ، فقيهاً في الأحكام ، عالماً بالسُّننِ وطُرُقها ، وصحيحها وسقيمها ، وناسخها ومنسوخها، عارفاً بأقوال الصَّحابة والتَّابعين ومنْ بَعْدهم، عارفاً بأيام النَّاس وأخبارهم ، وله الكتاب المشهور في تاريخ الأمم والملوك ، وكتاب في التفسير لم يُصنّف أحدٌ مِثْلهُ ، وكتاب سَمَّاه ((تهذيب الآثار)) لم أرَ سواه في معناه ، إلا أنه لم يتمَّه ، وله في أُصول الفِقْه وفروعه كتبٌ كثيرة واختيارات ، وتفرَّد بمسائل حُفِظتْ عنه(٦) . قال الخطيب : وبَلَغني عن الشَّيْخ أبي حامد أحمد بن أبي طاهر الفقيه الإسْفَرَابيني أنه قال : لو سافر رجلٌ إلى الصِّين حتى يُحصِّلَ له (٧) كتاب تفسير محمد بن جرير الطَّبَري لم يكن ذلك كثيراً ، أو كلاماً هذا معناه(٨). وروى الخطيب عن إمام الأئمة أبي بكر محمد بن إسحاق بن خُزيمة أنه طالع كتاب التفسير لابن جرير في سنين منْ أوَّله إلى آخره، ثم قال: ما أعْلَمُ على أَدِيم(٩) الأرض أعلم من ابن جرير، ولقد ظَلَمَتْه (١) انظر الخلاف حول سنة ولادته في معجم الأدباء (١٨ / ٤٧ -٤٨). (٢) في ( ط) مليح الوجه، وفي تاريخ بغداد (١٦٦/٢) نحيف الجسم. (٣) في (ط ) الذي لا يوجد له نظير . (٤) في (ط): ولو كمل لما احتيج معه إلى شيء، ولكان فيه الكفاية ، قلت : وقد طبعت منه بعض المسانيد بتحقيق العلامة محمود محمد شاكر . (٥) في (ط ): وأقام بها إلى حين وفاته . (٦) انظر تاريخ بغداد (٢/ ١٦٣). (٧) في (ط) حتى ينظر في كتاب تفسير ابن جرير، وما في نسخنا الخطية يوافق ما في ((تاريخ بغداد)). (٨) المصدر السابق . (٩) في (ح) وجه . ٥٨ وفيات سنة ٣١٠ هـ الحنابلة(١). وقال (٢) لرجلٍ رَحَلَ إلى بغداد يكتب(٣) عن المشايخ - ولم يتفق له سماع من ابن جرير ؛ لأن الحنابلة كانوا يمنعون أن يجتمع به أحد - فقال(٤) : لو كتبتَ عنه لكان خيراً لك من كل منْ كتبتَ عنه(٥) . قلت : وكان من العبادة والزَّهادة والوَرَع والقيام في الحَقِّ لا تأخذُه في ذلك لومةُ لائمٍ ، وحُسْنٍ القراءة(٦) على أحسن (٧) الصفات، وكان من كبار الصَّالحين، وهو أحد المحمَّدين(٨) الذين اجتمعوا بمصر في أيام الأمير [ ابن ]٩) طولون، وهم: محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة إمام الأئمة ، ومحمد بن نصر المَرْوزي ، ومحمد بن هارون الرُّؤْياني ، ومحمد بن جرير الطَّبَري هذا - وقد ذكرنا ذلك في ترجمة محمد بن نَصْر المَرْوَزِيُ(١٠) - وكان الذي قام يصلِّي محمد بن إسحاق بن جُزَيمة ، وقيل محمد بن نصر ، فرزَقَهم الله ببركة صلاته (١١) . وقد أراد الخليفة المقتدر بالله (١٢) في بعض الأحيان أن يكتب كتابَ وَقْف تكون شروطه متفقاً عليها بين الفقهاء، فقيل له: لا يَقْدِرُ على استحضار هذا إلا محمد بن جرير (١٣)، فَطَلَبَ منه ذلك فكتبها ، فاستدعاه الخليفة إليه(١٤)، وقال له: سَلْ حاجتك، فقال: لا حاجة لي. فقال: لا بُدَّ أن تسألني شيئً(١٥) . فقال: أسأل من أمير المؤمنين أن يتقدَّم أمره إلى الشُّرطة حتى يمنعوا السُّؤَّال يوم الجُمُعة أن يدخلوا إلى مقصورة الجامع . فأمر الخليفة بذلك . وكان ينفق على نفسه من مغل قرية تركّها له أبوه بطبرِسْتان . (١) تاريخ بغداد (٢/ ١٦٤). (٢) في (ط ) : وقال محمد. قلت : يعني ابن خزيمة . (٣) في ( ط ) : يكتب الحديث . في ( ط ) : فقال ابن خزيمة . (٤) تاريخ بغداد (٢/ ١٦٤) وتعليق السبكي في طبقات الشافعية (١٢٥/٣). (٥) في ( ط ) وكان حسن الصوت بالقراءة . (٦) في ( ط ) : مع المعرفة التامة بالقراءات على أحسن . (٧) في (ط ) المحدثتين ، وهو تحريف . (٨) (٩) ما بين حاصرتين من (ط)، وانظر تعليقنا في وفيات سنة (٣٠٣هـ) من هذا الجزء. (١٠) انظر ترجمة محمد بن نصر في وفيات سنة (٢٩٤ هـ) من هذا الكتاب. (١١) تاريخ بغداد (١٦٤/٢ - ١٦٥). (١٢) في سير أعلام النبلاء (١٤ / ٢٧٠) وطبقات الشافعية للسبكي (١٢٤/٣): المكتفي. (١٣) في (ط ) الطبري. (١٤) في ( ط ) : وقرب منزلته عنده . (١٥) في (ط ) : أن تسألني حاجة أو شيئاً. ٥٩ وفيات سنة ٣١٠هـ ومن شِعْره : وأستَغْني فيَسْتغني صديقي إذا أعْسَرْتُ لم يَعلمْ رفيقي وَرِفْقي في مُطالبتي رَفِيقي حَيّائي حافِظٌ لي ماءَ وجهي لكنتُ إلى الغِنِى سَهْلَ الطّريقِ(١) ولو أني سَمَحْتُ بِبَذْلِ وَجْهِي ومن شِعره أيضاً : بَطَرُ الغِنى ومَذَلَّةُ الفَقْرِ خُلُقان لا أرْضَى طريقَهُما فإذا غنيتَ فلا تكُنْ بَطِراً وإِذا افْتَقَرْتَ فَتِهْ على الدَّهْرِ(٢) وقد كانت وفاتُه وَقْتَ المَغْرب من عَشِيَّة يوم الأحد ليومين بقيا من شوَّال من سنة عشر وثلاثمئة ، وقد جاوز الثمانين سنة بخمس سنين أو ست سنين ، وفي شَعْر رأسه ولحيته سوادٌ كثير ، ودفن في داره لأن بعض الرَّعاع من عوام الحنابلة منعوا من دفنه نهاراً ، ونسبوه إلى الرَّفْض ، ومن الجهلة منْ رماه بالإلحاد ، وحاشاه من هذا ومن ذاك ، بل كان أحدَ أئمة الإسلام في العلم(٣) بكتاب الله وسُنَّة رسوله ، وإنما تقلّدوا ذلك عن أبي بكرٍ محمد بن داود(٤) ، حيث كان يتكلّم فيه ويرميه بالعَظَائم وبالرَّفْض . ولما توفي اجتمع النَّاس من سائر البلد ، وصلَّوا عليه بداره ، ودُفنَ بها ، ومکث الناس يترددون إلى قَبْره شهوراً يصلُّون عليه ، رحمه الله . قلت : وقد رأيتُ له كتاباً جَمَعَ فيه أحاديث غدير خُمُ(٥) في مجلّدين ضخمين ، وكتاباً جمع فيه طُرُقَ حديث الطير(٦) . ونُسِبَ إليه أنه كان يقول بجواز مَسْح القَدَمين في الوضوء ، وأنه لا يوجب الغَسْلَ، وقد اشْتُهرَ عنه هذا . فمن العلماء منْ يزعمُ أن ابنَ جريرٍ اثنان : أحدهما شيعي وإليه ينسب ذلك، ويبرؤون أبا جعفر هذا من هذه الصِّفَات. والذي عُوِّلَ عليه كلامُه في (( التفسير)) أنه يوجب غَسْلَ القدمين، ويوجب مع الغَسْلِ دَلْكَهُما، ولكنه عَبَّر عن الدَّلْكِ بالمَسْح ، فلم يَفْهم كثير من تاريخ بغداد(٢ / ١٦٥). (١) (٢) تاريخ بغداد (٢ /١٦٥ - ١٦٦) . (٣) في ( ط ) علماً وعملاً بكتاب الله . (٤) في ( ط ) : الفقيه الظاهري. هو قول النبي ◌َّ لعلي في غدير خم ـ وهو وادٍ بالجحفة ـ((من كنت مولاه فعلي مولاه)) وهو حديث صحيح، ومتنه (٥) متواتر ، أخرجه أحمد في مسنده برقم (٩٥٠) . (٦) هو الحديث الذي رواه أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: كنت أخدم رسول الله وَ طير ، فقدم له فرخ مشوي، فقال : اللهم ، ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير فجاء علي رضي الله عنه فأكل معه . وقد أخرجه الترمذي (٣٧٢١) . وضعفه . ٦٠ أحداث سنة ٣١١ هـ النَّاس مرادَه جيداً، فنقلوا عنه أنه يوجب الجَمْع بين الغَسْلِ والمَسْحُ(١) والله أعلم(٢). وقد رثاه جماعةٌ من أهل العلم ، منهم ابن الأعْرَابي(٣) حيث يقول : دقَّ عن مِثْلِه اصْطِبَارُ الصَّبُورِ حَدَثْ مُفْظِعُ(٤) وخَطْبٌ جَليلُ قامَ ناعي محمد بنِ جرير قام ناعي العُلومِ أجمعَ لمَّا مُؤْذِناتٌ رُسُومُها بالدُّنُورِ فَهَوتْ أنْجُمٌ لها زَاهراتٌ ـراقٍ ثوبُ الدُّجُنَّةِ الدَّئِجُودِ وتَغَشَى ضياءها النيِّرَ الإشـ ثم عادتْ سهولُها كالوُعُورِ وغدا روضُها الأنيقُ هَشِيماً غيرَ واٍ في الجدِّ والتَّشمير يا أبا جَعْفَرٍ مضيتَ حَميداً يٍ وسَعْىٍ إلى التُّقَى مَشْكُورٍ بينَ أجْرٍ على اجتهادِكَ مَوْفُو مستحقاً به الخلودَ لدى جنَّ (م) ـةِ عَدْنٍ فِي غِبْطةٍ وسُرورٍ (٥) ولأبي بكر بن دُرَيد - رحمه الله - فيه مَزْثاة طويلة طَنَّانة أوردها الخطيب(٦) بتمامها، والله سبحانه أعلم . ثم دخلت سنة إحدى عشرة وثلاثمئة فيها دخل أبو طاهر سليمان بن أبي سعيد الجَنَّبي أمير القَرَامطة في ألف وسبعمئة فارسٍ إلى البَصْرة ليلاً، نصب السلالم الشَّعْر في سُورِها، فدخلها قومه (٧) ، وفتحوا أبوابها ، وقتلوا من لقوه من أهلها ، وهرب أكثر النَّاس ، فألقوا أنفسهم في الماء ، فغَرِقَ كثيرٌ منهم ، ومكَثَ بها سبعة عشر يوماً يقتل ويأسر من نسائها وذراريها، ويغنم(٨) ما يختاره من أموال أهلها، ثم عاد إلى بلده هَجَر ، (١) في (ط )، ومن فهم مراده نقلوا عنه أنه يوجب الغسل والمسح - وهو الدلك - والله أعلم. (٢) مدار الخلاف حول المسح أو الغسل هو وجه قراءة الآية ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوْةِ فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَأَمْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِّ﴾ [المائدة: ٦] فمن قرأ ((وأرجلكم)) بالنصب : أوجب الغسل، ومن قرأها بالخفض أوجب المسح. وانظر ((تفسير الطبري)) طبعة دار المعارف (١٠/ ٦٣ - ٦٤). (٣) سترد ترجمته في وفيات سنة (٣٤١هـ) . (٤) مفظع : شديد ، شنيع ، مبرّح . اللسان ( فظع ) . (٥) الأبيات في تاريخ بغداد (١٦٦/٢ - ١٦٧). (٦) في (ط) البغدادي وقصيدة ابن دريد في تاريخ بغداد (١٦٧/٢ - ١٦٩) وسير أعلام النبلاء (٢٨٠/١٤ -٢٨٢). (٧) في (ط) قهراً، واخاله تحريفاً. (٨) في (ط) ويأخذ .