النص المفهرس
صفحات 381-400
٣٨١ وفيات سنة ٢٩١ هـ وفيها : بعث ملك الروم عشرة صلبان ، مع كلِّ صليب عشرة آلاف ، فأغاروا على أطراف البلاد ، وقتلوا خَلْقاً ، وسبّوا ناساً من الذرية . وفيها : دخل نائب طَرَسُوس بلاد الروم ، ففتح مدينة أنطاكية ، وهي مدينة عظيمة على ساحل البحر تعادل عندهم القسطنطينية ، وخلص (١) من المسلمين خمسة آلاف أسير ، وأخذ للروم ستين مركباً ، وغنم شيئاً عظيماً جداً ، وبلغ نصيب كل من الغزاة ألف دينار . وحجَّ بالناس في هذه السنة : الفضلُ بن عبد الملك . وممن توفي فيها من الأعيان : أحمد بن يحيى بن زيد بن سيَّارُ(٢) : أبو العباس الشيباني مولاهم ، الملقَّب بثعلب ، إمام الكوفيين في النحو واللغة ، مولده سنة مئتين . سمع محمد بن زياد بن الأعرابي ، والزُّبير بن بكّار ، والقَواريري ، وغيرهم . وعنه : ابنُ الأنباري ، وابن عرفة ، وأبو عمر (٣) الزاهد . وكان ثقة حجَّةً ، ديناً صالحاً ، مشهوراً بالصدق والحفظ ، وذكر أنه سمع من القواريري مئة ألف حديث . وكانت وفاته يوم السبت لثلاث عشرة بقيت من جمادى الأولى من هذه السنة ، عن إحدى وتسعين سنة . قال ابن خلكان(٤) : وكان سبب موته أنه خرج من الجامع وفي يده كتاب ينظر فيه ، وكان قد أصابه صممٌ شديدٌ ، فصدمته فرس فألقته في هُوَّةٍ فاضطرب دماغه ، فمات من اليوم الثاني . قال(٥): وهو مصنّف كتاب ((الفصيح))، وهو صغير الحجم ، كبير الفائدة ، وله كتاب (١) في اً : وظفر . (٢) طبقات اللغويين والنحويين (١٤١)، تاريخ بغداد (٢٠٤/٥)، نزهة الألباء (٢٢٨)، المنتظم (٤٤/٦)، معجم الأدباء (١٠٢/٥)، إنباه الرواة (١٣٨/١)، وفيات الأعيان (١٠٢/١)، سير أعلام النبلاء (١٤ /٥)، بغية الوعاة (٣٩٦/١)، شذرات الذهب (٢٠٧/٢). (٣) في آ، ب ، ط: أبو عمرو ، وأثبت ما جاء في ظا . وهو محمد بن عبد الواحد بن أبي هاشم ، أبو عمر الزاهد ، المعروف بغلام ثعلب ، توفي سنة ٣٤٥هـ . (٤) وفيات الأعيان (١/ ١٠٤). (٥) وفيات الأعيان (١٠٣/١، ١٠٤). ٣٨٢ وفيات سنة ٢٩١ هـ ((المصون))، و((اختلاف النحويين))، و((معاني القرآن))، وكتاب ((القراءات))، و((معاني الشعر)) و(( ما يلحن فيه العامّة))، وذكر أشياء كثيرة أيضاً . وممّا نسب إليه من الشعر [ قوله }١): فكم تَلْبَثُ النَّفْسُ التي أنتَ قُوتُها إذا كنْتَ قُوتَ النَّفْسِ ثمَّ هَجَرْتَها أقامَ لدى دَيْمُومَةٍ(٢) النبت حُوتُها ستبقَى بقاءَ الضَّبِّ في الماءِ أوْ كما وفي النَّفْسِ مِنِّي منكَ ما سَيُمِيتُها أغَرَّكَ أَنِّي قدْ تَصْبَّرْتُ جاهداً وبِالرِّيحِ ما هَبَّتْ وطالَ خُفُوتُها فلوْ كانَ ما بي بالصُّخُورِ لَهَذَّها فَصَبْراً لعلَّ اللهَ يجمَعُ بيننا فأشكُو هُموماً مِنْكَ فِيكَ(٣) لَقِيتُها القاسم بن عُبَيد الله(٤) : ابن سليمان بن وَهْب الوزير ، تولَّى بعد أبيه الوزارة في آخر أيام المعتضد ، ثم وزر لولده المكتفي من بعده ، فلمَّا كان رمضان من هذه السنة مرض فبعث إلى السجون فأطلق من فيها من المظلَّمين ، ثم كانت وفاته في ذي القعدة منها ، وقد قارب ثلاثاً وثلاثين سنة ، وقد كان حظياً عند الخليفة جداً ، وخلّف من الأملاك ما يعدل سبعمئة ألف دينار . محمد بن محمد بن إسماعيل بن شدّا(٥) : أبو عبد الله البصري ، القاضي بواسط ، المعروف بالجذوعي . حدَّث عن مسدَّد ، وعن عليّ بن المَديني ، وابن نمير ، وغيرهم ، وكان من الثقات والقضاة الأجواد العدول الأمناء . وممن توفي فيها من الأعيان : محمد بن إبراهيم البُوشَنجي(٦) (١) من (ط). الشعر في معجم الأدباء (١٤٥/٥)، ووفيات الأعيان (١٠٣/١). في معجم الأدباء : ديمومة البيد حوتها ، وفي المطبوع : ديمومة الماء صوتها ، وفي الوفيات : يعيش ببيداء المهامه (٢) حوتُها ، و(( الديمومة)): الفلاة الواسعة . (٣) في معجم الأدباء : كنتُ لقيتُها . في ب ، ظا : فيك منك . مروج الذهب (٤٩٤/٢)، المنتظم (٤٦/٦)، إعتاب الكتاب (١٨٢)، وفيات الأعيان (٣٦١/٣)، سير أعلام (٤) النبلاء (١٨/١٤). (٥) المنتظم (٤٨/٦). أبو عبد الله العبدي البوشنجي ، شيخ أهل الحديث في عصره ، سمع بمصر وبالحجاز والكوفة والبصرة وبغداد (٦) والشام ، روى عنه البخاري ومحمد بن إسحاق الصغاني . توفي في هذه السنة ودفن في نيسابور . المنتظم (٤٨/٦)، سير أعلام النبلاء (١٣ /٥٨١). ومحمد بن علي الصَّائعُ(١) . وقُتْبُل(٢) ، أحد مشاهير القرَّاء ، وأئمة العلماء. ثم دخلت سنة ثنتين وتسعين ومثتين فيها : دخل محمد بن سليمان في نحو من عشرة آلاف مقاتل من جهة الخليفة المكتفي إلى الدِّيار المصرية لقتال هارون بن خُمَارَوَيْه ، فبرز إليه هارون فاقتتلا ، فقهره محمد بن سليمان ؛ وجمع آلَ طولون فكانوا سبعة (٣) عشر رجلاً، فقتلهم(٤) ، واستحوذ على أموالهم وأملاكهم . وانقضت دولة الطولونية عن الدِّيار المصرية ؛ وكتب بالفتح إلى المكتفي . وحَّ بالناس الفضلُ بن عبد الملك الهاشمي ، أمير الحجاج في السنين المتقدِّمة . وممن توفي فيها من الأعيان : إبراهيم بن عبد الله بن مُسْلم، أبو مسلم الكَجِّيُ(٥): أحد المشايخ المعمّرين ، كان يحضر مجلسه خمسون(٦) ألفاً ممن معه مِحْبَرة، سوى النَّظَّارة، ويستملي عليه سبعة مُسْتَملين ؛ كلٌّ يبلِّغ صاحبه، ويكتب بعضُ الناس وهم قيام . وكان كلما حدَّث بعشرة آلاف حديث تصدَّق بصدقة . ولمَّا فرغ من قراءة السُّنن عليه عَمِلَ مأْدُبةً غرم عليها ألف دينار ، وقال : شهدت اليومَ على رسول الله وَّم فقبلت شهادتي وحدي ، أفلا أعمل شكراً لله عز وجل ؟. وروى ابن الجوزي(٧) والخطيب(٨) عن أبي مسلم الكَجِّيّ ، قال : خرجت ذات ليلة من المنزل بليل ، فمررت بحمَّام وعليَّ جنابة ، فدخلته ، فقلت للحمَّامي : أدَخَلَ حمَّامَكَ أحدٌ بعدُ؟ فقال : لا ، فدخلْتُ ، فلمَّا فتحت باب الحمام الداخل إذ قائل يقولُ: أبا مسلم ! أسلم تسلم . ثم أنشأ يقولُ : (١) هو محمد بن علي بن زيد المكي، الصَّائغ، أبو عبد الله، المحدّث الثقة. سير أعلام النبلاء (١٣/ ٤٢٨). (٢) هو محمد بن عبد الرحمن بن خالد المخزومي ، مولاهم ، المكي ، الملقب بقنبل ، شيخ القراء بالحجاز . مات عن ست وتسعين سنة . سير أعلام النبلاء (١٤ / ٨٤)، غاية النهاية في طبقات القراء (١٦٥/٢). (٣) في الطبري وغيره : بضعة عشر رجلا . (٤) في الطبري وابن الأثير : فقيَّدهم ، وفي المنتظم : فقتلهم . (٥) في آ: البلخي، وهو تحريف. وترجمته في تاريخ بغداد (١٢٠/٦)، المنتظم (٩٢/٢)، سير أعلام النبلاء (٤٢٣/١٣)، الوافي بالوفيات (٢٩/٦)، شذرات الذهب (٢١٠/٢). (٦) في أ : خمسين ، وفي ب ، ظا : نحواً من خمسين ، وأثبت ما جاء في ط . (٧) المنتظم (٥١/٦) . تاريخ بغداد (٦/ ١٢٢) . (٨) ٣٨٤ أحداث سنة ٢٩٣ هـ وإمَّا على نقمةٍ تُدْفَعُ(١) لَكَ الحمدُ إمَّا على نِعْمَةٍ وتسمَعُ مِنْ حَيْثُ لا تسمَعُ تشاءُ فتفعَلُ مَا شِئْتَهُ قال : فبادرت فخرجت فقلت للحمَّامي : أنتَ زعمْتَ أنَّه لم يدخل حمامك أحدٌ ؟ فقال : نعم ! وما ذاك؟ فقلت : إنِّي سمعتُ قائلاً يقول كذا . فقال : أو سمعته ؟ قلت : نعم . فقال : يا سيدي ! هذا رجل من الجان يتبدَّى لنا في بعض الأحيان ، فينشد أشعاراً ، ويتكلَّم بكلام حسن فيه مواعظ . فقلت : هل حفظت من شعره شيئاً ؟ فقال : نعم . ثم أنشدني من شعره ، فقال : أيُّها المذنبُ المفرِطُ مَهْلاً كم تَمَادى وتركب الذَّنْبَ جَهْلا سَمِجٍ وهو يُحْسِنُ الصُّنْعَ فِعِلا كَمْ وكَمْ تُسْخِط الجليلَ بفِعْلٍ أَرَضي عنهُ مَنْ على العرشِ أمْ لا کیف تَهْدی جُفونُ منْ لیس یدري عبد الحميد بن عبد العزيز : أبو خازم(٢) ، القاضي الحنفي ، كان من خيار القضاة وأعيان الفقهاء ومن أئمة العلماء ، ورِعاً نزهاً ، كثيرَ الصيانة والديانة والأمانة . وقد ذكر له ابن الجوزي في ((المنتظم)(٣) آثاراً حسنة وأفعالًا جميلة ، رحمه الله تعالى ورضي عنه . ثقَّ دخلت سنة ثلاث وتسعين ومثتين فيها : التفّ على أخي الحسين القُرمطيّ ، المعروف بذي الشامة ، الذي قدَّمنا ذكر مقتله في السنة الماضية ، خلائقُ من القرامطة والأعراب واللصوص وأهل البوادي بطريق الفرات ، فعاث بهم في الأرض فساداً ، ثم قصد طبريّة ، فامتنعوا من إيوائه ، فدخلها قَهْراً ، فقتل بها خلْقاً كثيراً من الرجال ، وأخذ شيئاً كثيراً من الأموال ، ثم كرَّ راجعاً إلى البادية . ودخلت فرقة أخرى من القرامطة إلى هِيت(٤) ، فقتلوا أهلها إلا القليل، وأخذوا منها أموالاً جزيلة حملوها على ثلاثة آلاف بعير معهم ، فبعث إليهم الخليفة المكتفي جيشاً فقاتلوهم وأخذوا رئيسهم فضربت عنقه .. ونبغ رجل من القرامطة يقال له : الداعية باليمن ، فحاصر صنعاء ، فدخلها قَهْراً ، وقتل خلقا من في ا : نقفل . (١) (٢) في الأصول: أبو حازم، وترجمت في المنتظم (٦/ ٥٢)، وسير أعلام النبلاء (٥٣٩/١٣) .. (٣) المنتظم (٦/ ٥٣) . (٤) ((هيت)): بلدة على الفرات من نواحي بغداد، وبها قبر عبد الله بن المبارك (ياقوت )، ولا تزال تعرف بهذه التسمية في بلاد العراق . ٣٨٥ أحداث سنة ٢٩٣ هـ أهلها ، ثم سار إلى بقية مدن اليمن ، فأكثر فيها الفساد ، وقتل خلقاً من العباد ، ثم قاتله أهلُ صنعاء فظفروا به وهزموه ، فانحاز إلى بعض مدنها ، وبعث الخليفة إليها المظفّر بن حاج نائباً ، وخلع عليه ، فسار إليها فلم يزل بها(١) حتى مات . وفي يوم عيد الأضحى دخلت طائفة من القرامطة نحو من ثمانمئة إلى الكوفة ، والناس في عيدهم ، فنادوا : يا ثارات الحسين ، يعنون المصلوب ببغداد ، [ وهو ابن زكروَيْه ، وشعارهم يومئذ : يا أحمد ، يا محمّد، يعنون (٢) اللَّذين قتلا معه ببغداد ](٣) ، فبادر الناس الدخول إلى الكوفة ، فوَلَجَ خلفهم القرامطة ، فرمتهم العامة بالحجارة وغير ذلك ، فقتلوا منهم نحواً من عشرين ، ورجع الباقون خاسئين ، ولله الحمد والمنة . وفي هذه السنة : ظهر رجل بمصر يقال له : الخلنجيّ ، فخلع الطاعة ، واجتمع إليه طائفة من الجند ، فأمر الخليفة أحمد بن كَيْغَلَغ نائبَ دمشق وأعمالها ، فركب إليه ، فاقتتلا بظاهر مصر فهزمه الخلنجيّ هزيمة منكرة ، فبعث الخليفة إليه جيشاً آخر ، فهزموا الخلنجيَّ وهرب ، فاستتر بمصر ، فأحضر وسلَّم إلى الأمير الخليفة ، وانطفأ خبره ، ولله الحمد . ولمَّا اشتغل الجيش بأمر الدِّيار المصرية ، بعث زكروَيْه بن مهروَيْه . بعد مقتل أبيه الحسين ببغداد ، جيشاً صحبة رجلٍ كان يعلّم الصبيان ، يقال له : عبد الله بن سعيد ، فقصد بُصرى وأذرِعاتَ والبثنية ، فحاربه(٤) أهلها ، ثم أمَّنهم ، فلمَّا أن تمكن منهم قتل المقاتلة [وسَى الذرية ](٥) . ورام الدخول إلى دمشق ، فقاتله نائب أحمد بن كَيْغَلغ ، وهو صالح بن الفضل ، فهزمه القُرمطيُّ ، وقتل صالح فيمن قتل ، وحاصر دمشق ، فلم يمكنه فتحها ، فانصرف إلى طَبَريَّة ، فقتلوا أكثر أهلها كما ذكرنا ، ونهبوا منها شيئاً كثيراً . ثم صاروا إلى هيت ففعلوا كذلك ، ثم جَهز الخليفة إليهم جيشاً ، فأخذ رئيسهم من بينهم ، ونجا بقيَّتُهم . ثم صاروا إلى الكوفة في يوم عيد الأضحى كما ذكرنا ، فلم ينتج لهم أمر ، ولله الحمد والمنة . وكُلُّ ذلك بإشارة زكروَيْه بن مهروَيْه وهو مختفٍ في بلده بين ظهراني قومٍ من القرامطة ، إذا ألحَ في طلبه نزل إلى بئر قد اتخذه ، وعلى بابه تثُّور ، فتقوم امرأة تسجره وتخبز فيه ، فلا يشعر أحد بأمره أصلاً ، فبعث الخليفة إليه جيشاً كثيفاً ، فقاتلهم زكروَيْه بنفسه ومَن أطاعه ، فهزم جيش الخليفة ، وغنم من (١) في آ، ب : به . (٢) في الكامل : يعنون : ابني زكرويه المقتولين . (٣) ما بين قوسين لم يرد في آ، وأثبته من ب ، ظا . (٤) في الكامل لابن الأثير : فحارب . (٥) زيادة من ط . ٣٨٦ وفيات سنة ٢٩٣هـ أموالهم شيئاً كثيراً جدّاً، فتقوى به ، واشتدَّ أمره ، فندب الخليفة إليهم جيشاً كثيفاً آخر ، فكان من أمره وأمرهم ما نذكره . وفيها : افتتح إسماعيل بن أحمد السامانيُّ نائبُ خراسان وما وراء النهر طائفةً من بلاد الأتراك . وفيها : أغارت الروم على بعض أعمال حلب، [ فقتلوا ونهبوا وسبَوا }(١). وفيها : حجَّ بالناس الفضل بن عبد الملك الهاشميّ . وممن توفي فيها من الأعيان : عبد الله بن محمد أبو العبّاس النَّاشِى(٢): الشاعر، المعتزلي ، أصله من الأنبار ، وأقام ببغداد مدَّة ، ثم انتقل إلى مصر فمات فيها . وكان [ جيِّد الذّهن ]٣) يعاكس الشعراء، ويردُّ على المنطقيين والعَرُوضيينُ(٤)، وكان شاعراً مطبقاً، إلا أنه كان فيه هَوَسُ(٥). وله قصيدة حسنة في نسب رسول الله و ليل قد ذكرناها في السيرة (٦). قال القاضي ابن خلكان(٧) : كان متبحّراً في عدَّة علومٍ ؛ من جملتها علم المنطق ، كان ذكياً فطناً ، وله قصيدة في فنون من العلوم على رويٍّ واحدٍ تبلغ أربعة آلاف بيت ، وله عدة تصانيف جميلة ، وأشعار كثيرة . قال(٨): وأمَّا النَّاشىء الأصغر فسيأتي. عبيد الله بن محمد بن خلف: أبو محمد البزَّار(٩) ، أحد الفقهاء من أصحاب أبي ثَوْر ، وكان عنده فقه ١٠) ، وكان من الثقات النبلاء . (١) زيادة من ط. (٢) تاريخ بغداد (٩٢/١٠)، المنتظم (٥٧/٦)، وفيات الأعيان (٩١/٣)، سير أعلام النبلاء (١٤/ ٤٠)، شذرات الذهب (٢١٤/٢) . (٣) زيادة من ط . قال الذهبي في السير : كان قويّ العربيّة والعروض ، أدخل على قواعد الخليل شُبَهاً ومثَّلَها بغير أمثلة الخليل . (٤) بعدها في ا: وقد ارتحل إلى مصر ، فمات بها في هذه السنة . وهي عبارة مكررة لم ترد في ب ، ظا ، ط . (٥) السيرة النبوية للمؤلف (٧٧/١ - ٨١)، والبداية والنهاية (١٩٥/٢ -١٩٨)، وهي قصيدة طويلة مطلعها: (٦) رسول الله أبغي بمدحه وُفُور خُوظي من كريمِ المَآرب وفيات الأعيان (٩١/٣). (٧) وفيات الأعيان (٩١/٣، ٣٦٩ - ٣٧١). (٨) (٩) المنتظم (٥٨/٦). (١٠) في ط والمنتظم : فقه أبي ثور . ٣٨٧ أحداث سنة ٢٩٤ هـ ـ ذكر مقتل زكرويه نصر بن أحمد بن عبد العزيز(١): أبو محمد الكِنْديّ، الحافظ، المعروف بنَصْرَك، كان أحد حفَّاظ الحديث المشهورين ، وكان الأمير خالد بن أحمد الذُّهْليّ نائبُ بُخارى قد أخذه إليه ، وصنف له ((المسند))، وكانت وفاته ببخارى في هذه السنة. ثم دخلت سنة أربع وتسعين ومثتين في المحرم من هذه السنة اعترض زكروَيْه - لعنه الله - وأصحابه الحجّاج من أهل خراسان وهم قافلون من مكة ، فقتلهم عن آخرهم ، وأخذ أموالهم، وسبَى نساءهم ؛ وكان قيمة ما أخذه منهم ألفَيّ ألف دينار ، وعدَّة من قتل عشرين ألف إنسان ، وكانت نساء القرامطة يَطُفْنَ بين القتلى من الحجّاج بالماء ، صفة أنهنَّ يسقين الجرحى ، فمن كلَّمهن من الجرحى قتلْنَه وأجهزْنَ عليه ، لعنهن الله وقبَّح أزواجهن . ذكر مقتل زَکروَيْه ، لعنه الله لمَّا بلغ الخليفةَ خبرُ الحجيج وما أوقع بهم الخبيثُ زَكروَيْه ، جهز إليه جيشاً كثيفاً ، فالتقوا معه ، فاقتتلوا قتالاً شديداً جداً ؛ قُتل من القرامطة ٢) خلقٌ كثير ، ولم يبقَ منهم إلا القليل ، وذلك في أول ربيع الأول منها . وضُرب زكرَويه - لعنه الله - بالسيف في رأسه ، فوصلت الضربة إلى دماغه ، وأخذ أسيراً فمات بعد خمسة أيام ، ففتحوا عن بطنه وصبروه ، وحمل وجماعة من رؤوس أصحابه إلى بغداد ، واحتوى العسكر على ما كان بأيدي القرامطة من الأموال والحواصل ، ولله الحمد والمنة . وأمر الخليفة بقتل أصحاب القرمُطيّ ، وأن يطاف برأس القرمطي في سائر بلاد خراسان ، لئلا يمتنعَ الناس عن الحجِّ ؛ وأطلق من كان بأيدي القرامطة من النساء والصبيان الذين أسروهم . وفيها : غزا أحمد بن كَيْغَلَغ نائبُ دمشق بلاد الروم من ناحية طَرَسُوس ، فقتل منهم نحواً من أربعة آلاف ، وأسر من ذراريهم نحواً من خمسين ألفاً . وأسلَم بعضُ البطارقة من الروم ، وجاء معه بنحوٍ من مئتي أسير(٣) كانوا في حصنه ، فأرسل ملك الروم جيشاً في طلبه ، فركب هو في جماعة من المسلمين ، فكبس الروم فقتلهم ، وغنم منهم غنيمة كثيرة جداً . ولمَّا قدم على الخليفة أكرمه وأحسن إليه وأعطاه ما تمنَّه عليه . تاريخ بغداد (٢٩٣/١٣)، والمنتظم (٥٩/٦)، وهو نصر بن أحمد بن نصر بن عبد العزيز . (١) (٢) في أ : فقتل من الفريقين . في الكامل لابن الأثير : فخرج ومعه مئتي أسير من المسلمين كانوا في حصته . (٣) ٣٨٨ وفيات سنة ٢٩٤ هـ وفيها : ظهر بالشام رجل ، فادَّعى أنَّه السّفيانيُّ ، فأخِذَ وبُعث به إلى بغداد ، فادعى أنه مُؤَسْوِسٌ . وحجَّ بالناس الفضلُ بن عبد الملك الهاشميّ . وممن توفي فيها من الأعيان : الحسين بن محمد بن حاتم : ابن يزيد بن عليّ بن مروان، أبو عليّ، المعروف بعُبَيْد العِجْلُ(١). كان حافظاً مكثراً ، متقِناً ، ثقةً ، مقدّماً في حفظ المسندات (٢) ، توفي في صفر منها. صالح بن محمَّد بن عمرو بن حَبيب(٣) : أبو علي الأسدي ، أسد خُزَيْمة ، المعروف بجَزَرة ؛ لأنه قرأ على بعض المشايخ أنَّ أبا أمامة كانت له خَرزةٌ يرقي بها المريض ، فقرأها جَزَرة ، تصحيفاً منه ، فلقّب بذلك. وقد كان حافظاً مكثراً جوَّالاً رخَالاً ، طاف الشام ومصر وخراسان ، وانتقل من بغداد فسكن بخارى ، وكان ثقةً صدوقاً أميناً ، وله رواية كثيرة عن يحيى بن معين ، وسؤالات كثيرة . كان مولده بالكوفة(٤) سنة عشر ومئتين . وتوفي في هذه السنة : محمّد بن عيسى بن محمّد(٥) : ابن عبد الله بن عليّ بن عبد الله بن العبَّاس ، المعروف بالبياضي ، لأنه (٦) حضر مجلس الخليفة وعليه ثيابُ البياض ، فقال الخليفة : من ذاك البياضي ؟ فعرف به . وكان ثقة ، روى عن ابن الأنباري ، وابن مقسم . قتلته القرامطة في هذه السنة . محمد بن الإمام إسحاق بن راهَوَيْه(٧) : سمع أباه ، وأحمد بن حنبل ، وغيرهما . وكان عالماً بالفقه والحديث ، جميل الطريقة . وقدم بغداد ، فحدَّث بها ، وقتلته القرامطة فيمن قتلوا من الحجيج في هذه السنة . محمَّد بن نَصْر المَروزيّ(٨): أحد أئمة الفقهاء ، أبو عبد الله المروزي ، الفقيه . ولد ببغداد ، ونشأ في الأصول : العجلي. وترجمته في المنتظم (٦١/٦)، وسير أعلام النبلاء (١٤ / ٩٠). (١) (٢) في السير وغيره : في حفظ المسند خاصة؛ قاله أحمد بن المنادي . تاريخ بغداد (٣٢٢/٩)، المنتظم (٦٢/٦)، سير أعلام النبلاء (٢٣/١٤)، شذرات الذهب (٢١٦/٢). (٣) ذكر الذهبي في سير أعلام النبلاء (١٤ /٢٤) وتذكرة الحفاظ (٦٤٢/٢)، أنه ولد ببغداد سنة خمس ومئتين . (٤) (٥) المنتظم (٦٢/٦)، اللباب (١٩٥/١). في اللباب : لأن جدّه حضر مجلس بعض الخلفاء .. وهو وهم من مؤلفه .. (٦) (٧) المنتظم (٦٣/٦)، سير أعلام النبلاء (١٣ /٥٤٤)، لسان الميزان (٦٥/٥). تاريخ بغداد (٣١٥/٣)، المنتظم (٦٣/٦)، سير أعلام النبلاء (٣٣/١٤)، طبقات الشافعية للسبكي (٢٤٦/٢)، (٨) شذرات الذهب (٢١٦/٢) . ٣٨٩ وفيات سنة ٢٩٤ هـ بنيسابور ، واستوطن سَمَرْقَنْد . وكان من أعلم الناس باختلاف الصحابة والتابعين ، فمن بعدهم من أئمة الإسلام بالأحكام . وقد رحل إلى الآفاق وسمع من المشايخ الكثير النافع ، وصنَّ الكتب المفيدة الحافلة النافعة ، وكان من أحسن الناس صلاة وأكثرهم فيها خشوعاً ، وقد صنَّف كتاباً عظيماً في الصلاة . روى الخطيب البغدادي(١) عنه أنه قال : خرجت من مصر قاصداً إلى مكَّة ، فركبت البحر ، ومعي جارية لي ، فغرقَت السفينة ، فذَهَبَ لي في الماء ألفا جزءٍ ، وسلمْتُ أنا والجارية ، فلجأنا إلى جزيرة ، فطلبنا بها ماءً فلم نجد ، فوضعت رأسي على فخذ الجارية ، ويئست من الحياة ، فبينا أنا كذلك إذا رجل قد أقبل وفي يده كُوز ، فقال : هاه! فأخذته ، فشربت منه وسقيت الجارية ، ثم ذهب فلم أدرِ من أين أقبَلَ ولا إلى أين ذهب(٢) . وقد كان من أكرم الناس وأسخاهم نفساً . وكان إسماعيل بن أحمدٌ ١) يصله في كل سنة بأربعة آلاف ، [ويصلُه أخوه إسحاق بن أحمد بأربعة آلاف، ويصله أهلُ سَمَرْقَند بأربعة آلاف (٤) ، فينفق ذلك كلَّه، فقيل له : لو ادَّخَرْتَ منها شيئاً لنائبةٍ؟ فقال: يا سبحانَ الله! أنا مكثت في مصر مدّة أنفق فيها في كلِّ سنةٍ عشرين درهماً ، أفرأيت إذا لم يحصل لي شيء من هذا لا يتهيّأ لي في السنة عشرون درهماً) !. وكان محمد بن نَصْر المَرْوَزيّ إذا دخل على إسماعيل بن أحمد السَّامانيّ ينهض له ويكرمه ، فعاتبه يوماً أخوه إسحاق بن أحمد ، فقال له : تقوم لرجلٍ في مجلس حكمك وأنت ملك خراسان ؟ قال إسماعيل: فبتُّ تلك الليلة وأنا متقسِّم٢ القلب(٧)، فرأيتُ رسولَ اللهِ وَله في المنام، وهو يقول: يا إسماعيل! ثبتَ ملكُكَ وملكُ بنيك بتعظيمك محمّد بن نَصْر ، وذَهَبَ ملكُ أخيك باستخفافه بمحمّد بن نَصْر(٨). وقد روي أنه اجتمع بالدِّيار المصرية محمّد بن نَصْر ، ومحمد بن جرير الطبري ، ومحمد بن المنذر ، فجلسوا في بيتٍ يكتبون الحديث ولم يكن عندهم في ذلك اليوم شيء يقتاتونه ، فاقترعوا فيما بينهم مَن يسعى لهم في شيء يأكلونه ؛ ليدفعوا عنهم ضرورتهم ، فجاءت ١١ القُرعة على أحدهم ، فنهض تاريخ بغداد (٣١٧/٣)، المنتظم (٦٤/٦). (١) بعدها في ط : ثم إن الله سبحانه أغاثنا فنجانا من ذلك الغم . (٢) هو إسماعيل بن أحمد السَّاماني ، صاحب خراسان ، وسيترجم له المؤلف في حوادث سنة ٢٩٥ هـ . (٣) (٤) ما بين قوسين ساقط في آ. (٥) المنتظم (٦٥/٦)، سير أعلام النبلاء (٣٧/١٤). في ب ، ظا: منزعج ، وفي ط : مشتت ، وأثبت ما جاء في آ والمنتظم والسير . (٦) (٧) بعدها في ط : من قول أخي ، وكانوا هم ملوك خراسان وما وراء النهر ، قال . (٨) المنتظم (٦٥/٦)، سير أعلام النبلاء (٣٨/١٤ -٣٩). في ط : فوقعت القرعة على محمد بن نصر هذا ، فقام إلى الصلاة .. (٩) ٣٩٠ أحداث سنة ٢٩٥ هـ إلى الصلاة ، فجعل يصلِّ ويدعو الله عزَّ وجلَّ، وذلك وقت القيلولة ، فرأى نائبُ مصرَ ، وأظنه أحمدَ بن طولون، وهو نائم وقت القيلولة، رسولَ الله وَ لقر وهو يقول له: أنت هاهنا والمحمَّدون ليس عندهم شيء يقتاتونه ! فانتبه الأمير من منامه ، فسأل : من هاهنا من المحدّثين ؟ فذكر له هؤلاء الثلاثة ، فأرسل إليهم في الساعة الراهنة بألف دينار ، فدخل بها عليهم ، وأزال الله ضرورتهم ، ويسَّر عليهم (١) . وقد بلغ محمّد بن نَصْر سناً عالياً ، وكان يسألُ اللهَ ولداً ، فأتاه يوماً إنسان فبشَّره بولد ذكر قد وُلِدَ له ، فرفع يديه فحمد الله وأثنى عليه، وقال: ﴿ اٌلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى وَهَبَ لِى عَلَى الْكِبَرِّ إِسْمَعِيلَ﴾ [إبراهيم: ٣٩]، فاستفاد الحاضرون من ذلك فوائدَ : منها أنه قد وُلِدَ له على كبر السن ولدٌ ذكرٌ بعدَما كان يسأل الله في ذلك؛ ومنها أنه سمَّاه في يوم مولده كما سمَّى رسولُ اللهَ وَّله ولدَه إبراهيم قبلَ السابع ؛ ومن ذلك اقتداؤه بالخلیل في تسميته أول ولدٍ له إسماعيل . موسى بن هارون بن عبد الله(٢) أبو عمران : المعروف والده بالجمّال، ولد سنة أربع عشرة ومئتين ، وسمع أحمد بن حنبل ، ويحيى بن معين ، وغيرهما . وكان إمام أهل عصره في حفظ الحديث ومعرفة الرجال والإتقان . وكان ثقة ، شديد الورع ، عظيم الهيبة . قال عبد الغني بن سعيد الحافظ المصري : كان أحسن الناس كلاماً على الحديث عليّ بن المَديني ، ثم موسى بن هارون ، ثم الدَّارَ قطنيٌ(٣) . ثقّ دخلت سنة خمس وتسعين ومثتين فيها : كانت المفاداة بين المسلمين والروم ، فكان من جملة من استنقذ من المسلمين من رجال ونساء نحواً من ثلاثة آلاف نسمة ، ولله الحمد . وفي المنتصف من صفر منها كانت وفاة إسماعيل بن أحمد السّامانيّ ، أمير خراسان [ وما وراء النهر (٤) ، وقد كان عاقلاً عادلاً، حسن السيرة في رعيته ، حليماً حكيماً ، جواداً، ممدَّحاً ، وهو الذي كان يحسن إلى محمّد بن نَصْر المَزوزي ويعظّمه ويكرمه ويحترمه ، ويقوم له في مجلس ملكه . بعدها في ط : واشترى طولون تلك الدار وبناها مسجداً ، وجعلها على أهل الحديث ، وأوقف عليها أوقافاً جزيلة . (١) (٢) المنتظم (٦٦/٦)، تاريخ بغداد (٥٠/١). (٣) تاريخ بغداد (١٣ / ٥١) . زيادة من ط . وانظر ترجمته في المنتظم (٧٧/٦)، ووفيات الأعيان (١٦١/٥)، وسير أعلام النبلاء (١٤ / ١٥٤). (٤) وشذرات الذهب (٢١٩/٢). ٣٩١ وفاة الخليفة المکتفي بالله وقد ولي بعدَه ولده أحمد بن إسماعيل ، وبعث إليه الخليفة المكتفي بالله بالولاية والتشريف . وقد تذاكر الناس عند إسماعيل بن أحمد ذات ليلة الفخر بالأنساب ، فقال : ينبغي أن يكون الإنسان عصامياً لا عظامياً. يعني: ينبغي أن يفتخر بنفسه لا بنسبه ، وبكدِّه وجِدِّه لا بأبيه وجَدِّه . كما قال بعضهم : وبچِديِّ سَمَوْتُ لا بجدودي وقال آخر : ولسْتُ مِن هاشمٍ ولا العَرَبِ حسبي فخاراً وشيمتي(١) أدبي ليسَ الفتى مَنْ يقوّلُ كانَ أبي إنَّ الفتى مَن يقولُ ها أنا ذا وفي ذي القعدة من هذه السنة كانت : ٠ وفاة الخليفة المُكتفي بالله أبو محمّد عليّ بن المعتضد . وهذه ترجمته وذكر وفاته (٢): هو [ الخليفة أمير المؤمنين المكتفي بالله }٣) ، أبو محمّد ، عليّ بن أمير المؤمنين المعتضد بالله أبي العبّاس أحمد بن الأمير أبي أحمد الموفَّق بن المتوكّل بن المعتصم بن الرشيد هارون بن المهدي بن منصور ، رحمهم الله . وقد ذكرنا٤) أنه ليس من الخلفاء من اسمه سواه بعد عليّ بن أبي طالب ؛ رضي الله عنه ، ولم يكن في الخلفاء من يكنى بأبي محمد سوى الحسن بن عليّ ، وموسى الهادي ، وهو ، والمستضيء بأمر الله . وكان مولده في رجب من سنة أربع وستين ومئتين ، وبُويع له بالخلافة بعد أبيه في حياته يوم الجمعة لإحدى عشرة بقيت من ربيع الآخر من سنة تسعٍ وثمانين ومئتين ، وعمره نحو من خمس وعشرين سنة ، وكان رَبْعَة من الرجال جميلاً ، رقيق اللون ، حسن الشعر ، وافر اللحية عريضها . ولما مات أبوه المعتضد ، وباشر هو منصب الخلافة ، دخل عليه بعضُ الشعراء فأنشده(٥) : وأسْنَى العطايا أن يقومَ إِمامُ أجَلُّ الرَّزايا أن يموتَ إمامُ ودامت تحياتٌ لهُ وسلامُ فأسقى الذي ماتَ الغمامُ وجادهُ (١) في بعض النسخ : وشيمة . (٢) تاريخ بغداد (٣١٦/١١)، المنتظم (٣١/٦ - ٣٣ و٧٩)، سير أعلام النبلاء (٤٧٩/١٣)، تاريخ الخلفاء (٦٠٠)، شذرات الذهب (٢١٩/٢). (٣) زيادة من ب . (٤) حوادث سنة ٢٨٩ هـ. (٥) المنتظم (٣٢/٦). ٣٩٢ وفاة الخليفة المكتفي بالله مواهب لا يفنى لهنَّ دوامُ وأبقى الذي قام الإلّهُ وزادَهُ وتمَّتْ له الآمالُ واتصلتْ بها فوائدُ موصولٌ بهنَّ تمامُ عناهُ بركنٍ منهُ ليسَ يُرامُ هو المکتفي بالله یکفیه كلَّما وقد كان يقول الشعر ، فمن ذلك قولُه(١): فيعرف الصَّبوة والعشقا مَنْ لي بأنْ يعلمَ ما ألقى صِيَّرني عَبْداً لهُ رِقًّا ما زالَ لي عبداً وحبِّي لهُ مِن حُبِّهِ لا أملكُ العِتقا العتقُ مِن شأني ولكنَّني وكان نقش خاتمه: (( علي يتوّل(٢) على ربه )). وكان له من الولد محمّد ، وجعفر، وعبد الصَّمد ، وموسى ، عبد الله ، وهارون ، والفضل ، وعيسى ، والعيَّاس، وعبد الملك(٣). وفي أيَّامه فتحت أنطاكية ، واستُنقذت من أيدي الروم ، وكان فيها من أسارى المسلمين بشرٌ كثيرٌ وجمِّ غفير ، وأخذ المسلمون من غنائمهم شيئاً كثيراً جداً، كما تقدَّم . ولما حضرته الوفاة سأل عن أخيه أبي الفضل جعفر بن المعتضد ، فصحَّ عنده أنه بالغ ، فأحضره في يوم الجمعة لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي القعدة من هذه السنة ، وأحضر القضاة ، وأشهدهم على نفسه بأنه قد جعل الخلافة إليه من بعده ، ولقَّبه بالمقتدر بالله . وتوفي المكتفي بالله بعد ثلاثة أيام ، رحمه الله . وقيل : في آخر يوم السبت بين الظهر والعصر . وقيل : بعد المغرب ، ليلة الأحد ، لاثنتي عشرة ليلة خلَتْ من ذي القعدة ، ودفن في دار محمد بن عبد الله بن طاهر ، عن ثنتين ، وقيل : ثلاث وثلاثين سنة ، وكانت خلافته ستَّ سنين وستة أشهر وتسعة عشر يوماً . وكان قد أوصى بصدقةٍ من خالص ماله ، ستمئة ألف دينار ؛ كان جمعها وهو صغير . وكان مرضه بداء الخنازير(٤)، رحمه الله تعالى . : (١) المصدر السابق . (٢) في ب ، ظا : متوكل ، وفي ط : المتوكل . (٣) المنتظم (٣٣/٦)، جمهرة الأنساب (ص٢٩)، ولم يذكر هارون . (٤) داء الخنازير : علة معروفة ، وهي قروح صلبة تحدث في الرقبة . ٣٩٣ خلافة المقتدر بالله خلافة المقتدر بالله أمير المؤمنين ، [ أبي الفَضْلِ جَعْفر بن المعتضِد }(١) جُدِّدت له البيعة بعد موت أخيه وقت السحر ، لأربع عشرة ليلة خلَتْ من ذي القعدة من هذه السنة ، أعني سنة خمس وتسعين ومئتين، وعمره إذ ذاك ثلاثَ عشرةَ سنةً وشهر وأحد عشر٢ُّ) يوماً ، ولم يل الخلافة أحدٌ قبلَه أصغر سناً منه . ولمَّا جلس في منصب الخلافة صلَّى أربع ركعات ، ثم سلَّم ، ورفع صوته بالدُّعاء والاستخارة ، ثم بايعه الناس بيعة العامّة، وكُتب اسمه على الرُّقوم، وغيرها: (( المقتدر بالله )). وكان في بيت مال الخاصة خمسة عشر ألف ألف دينار ، وفي بيت مال العامة ستمئة ألف دينار ونيف . وكانت الجواهر الثمينة من الحواصل من لدن بني أمية وأيام بني العبّاس قد تَنَاهى جمعها، فما زال يفرِّقها في حظاياه وأصحابه حتى أنفذها٣) . وقد استوزر جماعة من الكتَّاب يكثر تعدادهم ، منهم أبو الحسن علي بن محمد بن الفرات ، ولاه ثم عزله بغيره ، ثم أعاده ثم عزله بغيره ، ثم أعاده ، ثم عزله ، ثم قتله ؛ وقد تقصّى ذكرهم أبو الفرج بن .(٤) الجوزيّ . وكان له من الخدم والحجّاب والحشمة التامة شيء كثير جداً . وكان كريماً جداً ، وفيه عبادة مع هذا كلِّه ، وكثرة صلاة ، وصيام تطوّع . وفي يوم عرفة أول ولايته فرّق من الأغنام والأبقار ثلاثين ألف رأس ، ومن الإبل ألفي بعير . وردًّ الرسوم والكلف والأرزاق إلى ما كانت عليه في أوائل(٥) العباسيين ، وأطلق أهل الحبوس الذين يجوز إطلاقهم ، ووكّل أمر ذلك إلى القاضي أبي عمر محمد بن يوسف . وكان قد بنيت أبنية في الرحبة، دخلُها) كلّ شهر ألف دينار ، فأمر بهدمها ليوسّع على المسلمين زيادة من ب ، ظا . وسيترجم له المؤلف في حوادث سنة ٣٢٠هـ . (١) (٢) في المنتظم : وعشرين يوماً . (٣) بعدها في ط : وهذا حال الصبيان وسفهاء الولاة . (٤) المنتظم (٦٧/٦ - ٦٨). (٥) في ب ، ظا ، ط : زمن . كذا في اً، وفي ب ، ظا : وعليها في كل شهر ، وفي ط : صرف عليها في كل شهر . (٦) ٣٩٤ وفيات سنة ٢٩٥ هـ الطرقات . وسيأتي(١) ذكر شيء من أيامه وترجمته إن شاء الله تعالى. وممن توفي فيها من الأعيان : [ أبو إسحاق المُزَكّي ]٢) : إبراهيم بن محمد بن نوح بن عبد الله ، أبو إسحاق المزكي ، الحافظ ، الزاهد ، إمام أهل عصره بنيسابور في معرفة الحديث والرجال والعلل ، وقد سمع خلقاً من المشايخ الكبار ، ودخل على الإمام أحمد وذاكره ، وكان مجلسه مهيباً ، ويقال : إنه كان مجاب الدعوة ، وكان لا يملك إلا داره التي يسكنها، وحانوتاً يستغلّه كلَّ شهر سبعة عشر درهما ينفقها على نفسه وعياله ، وكان لا يقبل من أحدٍ شيئاً ، وكان يطبخ له الجزر بالخل فيتأدَّم به طول الشتاء . وقال أبو علي الحسين بن علي الحافظ النيسابوري : لم تر عيناي مثله . أبو الحسين التُّوري أحد أئمة الصوفية (٣): أحمد بن محمد ، ويقال : محمّد بن محمّد، والأوّل أصُ ، أبو الحسين النُّوري . ويعرف بابن البَغَويّ، وأصله من خراسان ، وحدَّث عن سَرِيّ السَّقَطَيّ ، ثم صار هو من أكابر أئمة القوم . قال أبو أحمد المَغَازلي : ما رأيت أحداً قطُ أعبدَ من أبي الحسين النّوري . قيل له : ولا الجُنَيّد ؟ قال : ولا الجنيد . وقال غيره(٤) : صام عشرين سنة لا يعلم به أحدٌ لا من أهله ولا من غيرهم . وكانت وفاته في مسجدٍ وهو مقنّع ، فلم يعلم به أحد إلا بعد أربعة أيام . إسماعيل بن أحمد بن أسد بن سَامان السّاماني(٥) : أحد ملوك خراسان للخلفاء ، وهو الذي قتل عمرو بن الليث الصفَّار الخارجيّ ، وكتب بذلك إلى الخليفة المعتضِد ، فولاه خراسان ، ثم ولاه المكتفي الرّيَّ وما وراء النهر ، وبلادَ الترك، فأوقع بهم بأساً شديداً . وبنى الرُّبط في الطرقات يسَعُ الرِّباطُ منها ألفَ فارس ، وأوقف عليها أوقافاً جزيلة . وقد أهدى إليه طاهر بن محمد بن عمرو بن الليث هدايا عظيمة ؛ منها ثلاث عشرة جوهرة ، زنة كلِّ واحدةٍ منها ما بين السبعة مثاقيل إلى العشرة ، وبعضها أحمر ، وبعضها أزرق ، قيمتها مئة ألف دينار ، فبعث بها إلى الخليفة المعتضد ، وشفع في طاهر فشفَّعَه فيه . (١) سيأتي ذلك كما ذكرنا في حوادث سنة ٣٢٠ هـ. (٢) زيادة من ط ، وترجمته في المنتظم (٧٦/٦). (٣) حلية الأولياء (٢٤٩/١٠)، تاريخ بغداد (١٣٠/٥)، صفة الصفوة (٤٣٩/٢)، المنتظم (٧٧/٦)، سير أعلام النبلاء (١٤ / ٧٠)، طبقات الأولياء (٦٢). (٤) هو أبو جعفر الفرغاني، كما في المنتظم (٧٧/٦)، وصفة الصفوة (٤٣٩/٢). (٥) المنتظم (٧٧/٦)، وفيات الأعيان (١٦١/٥)، سير أعلام النبلاء (١٥٤/٤)، شذرات الذهب (٢١٩/٢). ٣٩٥ وفيات سنة ٢٩٥ هـ ولما مات إسماعيل بن أحمد ، وبلغ المكتفيَ موتُه تمثّل بقول أبي نواس (١): لنْ يُخلفَ الذَّهرُ مثلهمْ أبداً هَيهَاتَ هَيهاتَ شأنُهُمْ عَجَبُ المَعْمَريّ الحافظ(٢): صاحب ((عمل اليوم والليلة)). الحسن بن عليّ بن شَبيب، أبو علي المَعْمَريّ ، الحافظ . رحل وسمع من الشيوخ وأدرك خلقاً ، منهم : عليّ بن المديني ، ويحيى بن مَعين . وعنه : ابنُ صاعد ، والنَّجَّاد ، والخلدي . وكان من بحور العلم وحفاظ الحديث ، صدوقاً ، ثبتاً ، يشبِّك أسنانه بالذهب من الكبر ؛ لأنه جاوز الثمانين ، وكان يكنى أولًا بأبي القاسم ، ثم بأبي عليّ. وقد ولي القضاء للبِرْتي على القصر (٣) وأعمالها. وإنما قيل له المَعْمَريّ بأُمُّه ؛ أمّ الحسن بنت سفيان بن أبي سفيان صاحب مَعْمَر بن راشد . وكانت وفاته ليلة الجمعة لإحدى عشرة بقيت من محرم هذه السنة . عبد الله بن الحسن بن أحمد بن أبي شُعَيب(٤): [ واسم أبي شُعَيْب ]٥) عبد الله بن الحسن ، أبو شعيب الأموي الحَرَّاني المؤدّب ، المحدّث ابن المحدّث . ولد سنة ست ومئتين ، وسمع أباه ، وجدَّه ، وعفَّان بن مُسلم ، وأبا خيثمة . وكان صدوقاً ثقة مأموناً . توفي في ذي الحجة من هذه السنة . عليّ بن أحمد المكتفي بالله بن المعتضد ، تقدم ذكر ترجمته قريباً من هذه السنة . أبو جَعْفر التِّرْمذيّ(٦): محمّد بن أحمد بن نَصْر أبو جعفر التِّرْمِذيّ ، الفقيه الشافعي. وكان من أهل العلم والزُّهد . قال الدَّارَقُطني(٧) : هو ثقةٌ مأمونٌ ناسكٌ. وقال القاضي أحمد بن كامل (٨): لم يكن لأصحاب الشافعيّ بالعراق أرأس منه، ولا أوْرَع. (١) المنتظم (٧٨/٦). (٢) تاريخ بغداد (٣٦٩/٧)، المنتظم (٧٨/٦)، اللباب (٢٣٦/٣)، سير أعلام النبلاء (١٣/ ٥١٠)، شذرات الذهب (٢١٨/٢) . في المنتظم : على البصرة ، وما هنا كما في تاريخ بغداد والسير . (٣) تاريخ بغداد (٤٣٥/٩)، المنتظم (٧٩/٦)، سير أعلام النبلاء (٥٣٦/١٣)، شذرات الذهب (٢١٨/٢). (٤) (٥) زيادة من ط . تاريخ بغداد (٣٦٥/١)، المنتظم (٨٠/٦)، وفيات الأعيان (١٩٥/٤)، سير أعلام النبلاء (٥٤٥/١٣)، طبقات (٦) السبكي (١٨٧/٢)، شذرات الذهب (٢٢٠/٢). (٧) سير أعلام النبلاء (١٣ / ٥٤٦). (٨) سير أعلام النبلاء (١٣ / ٥٤٧). ٣٩٦ أحداث سنة ٢٩٦ هـ كان متقلّلاً في المطعم على حال(١) عظيمة فقراً وورعاً وصبراً، وكان ينفق عليه في كلِّ شهر أربعة دراهم ، وكان لا يسأل أحداً شيئاً ، وكان قد اختُلط في آخر عمره . وتوفي في المحرم من هذه السنة . ثم دخلت سنة ست وتسعين ومثتين في ربيع الأول منها اجتمع جماعة من القوّاد والجند على خلع المقتدر بالله وتولية عبد الله بن المعتز الخلافة عوضاً عنه ، فأجابهم على أنه لا يُسفك بسببه دم . وكان المقتدر قد خرج للعب بالصوالجة ، فقصد إليه الحسين بن حمدان [ يريد أن (٢) يفتك به ، فلمَّا سمع المقتدر الضّجَّة بادر إلى دار الخلافة فأغلقها دون الجيش . واجتمع القوّاد والأعيان والقضاة في دار المخر(٣) ، فبايعوا عبد الله بن المعتز ، وخوطب بالخلافة ، ولُّقِّب بالمرتضي بالله . وقال الصولي : إنما لقبوه : المنتصف بالله . واستوزر أبا عبد الله محمد بن داود ، وبعث إلى المقتدر يأمره بالتحوّل من دار الخلافة إلى دار ابن طاهر لينتقل هو إليها ، فأجيب بالسمع والطاعة ، فركب الحسين بن حمدان من الغد إلى دار الخلافة ليتسلَّمها ، فقاتله الخدم ومَن فيها ، ولم يسلموها إليه ، فلم يقدر على تخليص أهله وبعض ماله إلا بالجهد الجهيد . فلما قدر عليهم ارتحل من فوره إلى الموصل ، فتفرّق نظام الجماعة . وأراد ابن المعتزّ أن يتحوَّل إلى سامُرًا لينزلها ، فلم يتبعه أحد من الأمراء ، فدخل إلى دار ابن الجصاص فاستجار به . ووقع النهب بالبلد ، واختبط الناس ، وبعث المقتدر إلى أصحاب ابن المعتز فقبض عليهم ، وقتل أكثرهم ، وأعاد ابنَ الفرات إلى الوزارة ، فجددت البيعة للمقتدر ، وأرسل إلى دار ابن الجصاص فكبسها ، وأحضر ابن المعتز وابن الجصّاص ، فصادر ابنَ الجصَّاص بمالٍ جزيلٍ جداً ، يقال : إنه وزن ستة عشر ألف ألف درهم مصادرة ، ثم أطلقه واعتقل ابن المعتز ، فلمَّا دخل في ربيع اخر ليلتان ظهر للناس موتُه ، وأخرجت جثته فسلِّمت إلى أهله فدفن ، وصفح المقتدر عن بقية من سعى في هذه الفتنة حتى لا تفسد نيات الناس . قال ابن الجوزي(٤): ولا يُعرف خليفة خُلع ثم أعيد سوى الأمين والمقتدر . وفي يوم السبت لأربع بقين من ربيع الأول سقط ببغداد ثلج عظيم حتى اجتمع على الأسطحة منه نحو من أربع أصابع ، وهذا مستغرب في بغداد جداً . (١) في آ، ظا، ط : حالة، وأثبت ما جاء في ب ، وهو الموافق لما في تاريخ بغداد. (٢) زيادة من ط . في آ: في دارة الخلافة . (٣) (٤) المنتظم (٦/ ٨٢). ٣٩٧ وفيات سنة ٢٩٦ هـ ولم تخرج السنة حتى خرج الناس للاستسقاء من تأخّر المطر عن أيَّامه(١). وفي شعبان خُلع على مؤنس الخادم ، وأمر بالمصير إلى طَرَسُوس لغزو الروم . وفي هذه السنة أمر المقتدر بألّا يُستخدم أحد من اليهود ولا النصارى في الدواوين ، وألزموا بيوتهم ، وأمرو(٢) بلبس العسلي وجعل الزّقاع بين أظهرهم ليعرفوا بها . وحجَّ بالناس في هذه السنة الفضلُ بن عبد الملك الهاشميّ ، ورجع كثير من الناس من قلة الماء بالطريق ، فإنا لله وإنا إليه راجعون . وممن توفي فيها من الأعيان : أحمد بن محمد بن زكريا بن أبي عَّاب(٣) : أبو بكر البغدادي الحافظ ، ويعرف بأخي ميمون . روى عن نَصْر بن عليّ الجهضمي وغيره ، وروى عنه الطَّبَرانيّ، وكان يمتنع أن يحدِّثَ ، وإنَّما٤) يسمع منه في المذاكرات . توفي(٥) في شؤَّال منها . أبو بكر الأَثْرَ(٦): أحمد بن محمد بن هانىء ، أبو بكر الطائي الأثرم ، تلميذ الإمام أحمد . وقد سمع عفَّان ، وأبا الوليد القَعْنبيّ، وأبا نُعيم ، وخلقاً كثيراً . وكان حافظاً صادقاً قويّ المذاكرة . كان ابن مَعين يقول : كان أحد أبويه جنّاً ؛ لسرعة فهمه وحفظه وحذقه . وله كتب مصنفة في العلل والناسخ والمنسوخ ، وكان من بحور العلم . خلف بن عمرو بن عبد الرحمن بن عيسى (٧): أبو محمد العُكْبَري(٨). سمع الحديث ، وكان ظريفاً، له ثلاثون خاتماً وثلاثون عكَّزاً ، يَلْبَسُ في كُلِّ يومٍ من الشهر خاتماً ، ويأخذ في يده عكَّازاً ، ثم يستأنف ذلك في الشهر الثاني ، وكان له سوط معلَّق في منزله ، فإذا سئل عن ذلك يقول : ليرهب العيال منه . ابن المعتزّ الشاعر الذي بُويع له بالخلافة ٩) : عبد الله بن المعتزّ بالله محمد بن المتوكّل على الله (١) في ط : عن إبَّانه . (٢) في ب ، ظا : وأخذوا . (٣) المنتظم (٦/ ٨٢). (٤) في ب ، ظا : وأنا أسمع . (٥) في المنتظم : توفي بمصر . لم يرد العنوان في ا. وترجمته في المنتظم (٨٣/٦)، وتهذيب الكمال (٤٧٦/١). (٦) (٧) تاريخ بغداد (٣٣١/٨)، والمنتظم (٨٤/٦)، سير أعلام النبلاء (١٣ / ٥٧٧). في أ : العسكري ، وهو تحريف . (٨) (٩) تاريخ الطبري (١٠/ ١٤٠)، أشعار أولاد الخلفاء (١٠٧)، الأغاني (٢٨٦/١٠)، تاريخ بغداد (٩٥/١٠)، المنتظم (٨٤/٦)، وفيات الأعيان (٧٦/٣)، سير أعلام النبلاء (٤٢/١٤)، شذرات الذهب (٢٢١/٢). ٣٩٨ وفيات سنة ٢٩٦هـ جعفر بن المعتصم محمّد بن الرشيد هارون ، ويكنى ابن المعتز ، الشاعر أبو العبّاس الهاشميّ العباسيّ ، الفصيح(١) البليغ المطبق . وقريش قادة الناس في الخير والشر . وقد سمع المبرِّدَ ، وثعلباً . وقد رُوي عنه من الحكم والآداب شيء كثير ؛ فمن ذلك قوله : أنفاس الحيِّ خطاه [ إلى أجله (٢). أهلُ الدُّنيا ركْبٌ يُسار بهم وهم نيام. ربَّما أوردَ الطَّمَعُ ولم يصدُزْ . ربّما شرِقَ شاربُ الماء قبلَ رِيِّه . مَنْ تجاوز الكفَافَ لم يغنِهِ الإكثارُ . كلَّما عظم قدر المنافَسِ فيه عظُمتِ الفَجيعةُ به. من ارْتَحَله(٣) الحِرصُ أضناه(٤) الطَّلَبُ . الحرصُ يُنقص من قدر الإنسان ولا يزيد في حظّه . أشقى النَّاس أقربُهُم من السُّلطان، كما أنَّ أقربَ الأشياء إلى النار أسرعُها احتِراقاً . مَن شارك السُّلطان في عزِّ الدُّنيا شاركه في ذُلِّ الآخرة . يكفيك(٥) من الحاسد أنه يغتمُّ وقتَ سرورك . الفرصة سريعة الفَوْتِ بعيدةُ العَوْد . الأسرار إذا كثُر خُزَّانُها ازدادت ضياعاً . [ ذلُّ﴾(٦) العَزْل يضحك من تيه الولاية . الجَزَعُ أتعبُ من الصَّبر. لا تشِنْ وَجْهَ العَفْو بالتَّريع. تَرِكةُ الميت عِزْ(٧) للورثة. ومن شعره في الحكم مما يناسب المعنى الأخير قوله : سابِقْ إلى مالِكَ وُرَّاثَهُ ما المرءُ في الدُّنيا بِلَبَّاتٍ كَمْ صامِتٍ (٨) تُختَقُ أكياسُهُ قدْ صاح في ميزانٍ مِيراثٍ (٩) وله ١٠) : يا ذا الغنَى والسَّطْوةِ القاهِرَةُ والدَّولةِ النَّاهيةِ الآمِرَه ويا عَبِيدَ الشّهوةِ الفاجِرَةْ ويا شياطينَ بني آدمٍ (١) في ط : كان شاعراً مطيقاً فصيحاً بليغاً مطبقاً. (٢) تكملة من المنتظم . وفي آ: خطاياه ، وفي ظا : خطا . المنتظم : أرحله . و : ارتحل الحرص : جعله راحلة يركبها ، كوسيلة إلى غرضه . (٣) في ب ، ظا : أقصاه الطلب ، وفي المنتظم : أنضاه الطلب . وبعدها في ط : وروي : أنضاه الطلب ، أي أضعفه ، (٤) والأول معناه أمرضه . (٥) في المنتظم : يشفيك . (٦) زيادة من المنتظم . (٧) في ب والمنتظم : عزاء. والمنتظم (٨٤/٦ - ٨٥). (٨) في ط: جامع يخنق، وليس بشيء. وفي أ: يخنق. و((الصامت)): الذهب والفضة. (٩) البيتان في المنتظم (٨٧/٦)، ومعاهد التنصيص (٤٦/٢). (١٠) في آ، ظا: قوله . والأبيات في المنتظم (٦/ ٨٧). ٣٩٩ وفيات سنة ٢٩٦هـ انْتَظِروا الدُّنيا فقد (١) اقتربَتْ وعن قَليلٍ تَلِدُ الآخِرَةْ وله أيضا٢ً) : توبةً قَبْلَ المَمَات أعط يا نفْسُ وهاتي سرُبِينٍ وَشَتات قَبْلَ أن يفجَعَنا الدَّهْـ وقامَتْ بي نُعاتيٍ(٣) لا تخونيني إذا متُّ مَنْ وَفَى بَعْدَ وَفَاتي(٤) إنَّما الوافي بعَهْدي وقال الصُّوليّ : نظر ابن المعتزّ في حياة أبيه الخليفة إلى جاريةٍ فأعجبته ، فمرض من حبِّها ، فدخل أبوه عليه عائداً ، فقال له : كيف تجدُك؟ فأنشأ يقول : وانظروا حُسْنَ وَجْهِها تعذروني أيُّها العاذِلون لا تعذُلوني إنْ رأيْتُم شبيهَها فاعذُلُوني وانظروا هل تَرَوْنَ أحسَنَ منها ففحص أبوه عن القضية ، واستعمل خبرَ الجارية ، ثم بعث إلى سيّدها فاشتراها بسبعة آلاف دينار ، وبعثها إليه(٥) . وقد ذكرنا أنَّ في ربيع الأول من هذه السنة اجتمع القوّاد والأعيان والقضاة على خلع المقتدر وتولية عبد الله بن المعتزّ هذا، ولقّب بالمرتضى ، أو المنتصف بالله . فما مكث في الخلافة إلا يوماً أو بعض يوم ، ثم غلب المقتدر ، وقتل عامَّةً مَن خرج معه ، واعتقله في دار السلطان عند مؤنس الخادم ، فقُتِلَ في أوائل ربيع الآخر لليلتين خلتا منه . ويقال : إنه أنشد في آخر يوم من حياته [ وهو معتقل ]٦) : خانتكِ مِنْ بَعْدِ طُولِ الأمْنِ دنياكٍ يا نفْسُ صَبْراً لعلَّ الخيرَ عُقْبَاكِ طُوبَاكِ يا ليتني إِيَّاكِ طُوباكِ مَرَّتْ بنا سَحَراً طيرٌ فقلْتُ لها : شاطِي الصّراةٍ(٧) ابلغي إنْ كانَ مسراكِ إنْ كان قَصْدُكِ شَرْقاً فالسَّلامُ على في ط : وقد أدبرت ، وفي المنتظم : فقد أقربت ، وهما أصح في الوزن . (١) (٢) المنتظم (٨٦/٦) . (٣) في ب ، ظا : نعياتي . (٤) في آ : مماتي . (٥) المنتظم (٨٥/٦) وفيه البيتان . زيادة من ب ، ظا. والأبيات في المنتظم (٨٨/٦)، ومعاهد التنصيص (٤٥/٢). (٦) (٧) في معاهد التنصيص : الفرات .. مثواك. ٤٠٠ وفيات سنة ٢٩٦هـ يبكي الدِّماءَ على إلفٍ لهُ باكي مِن مُوثَقٍ بالمنايا لا فَكَاكَ لَهُ وَرُبَّ مُفْلتةٍ مِنْ بين أشراكِ فرُبَّ آمنةٍ جاءتْ منيَّتُها وأوشَكَ اليوم أن يبكي لِيَ الباكي أظنُّهُ آخرَ الأيّامٍ من عُمُرِي ولما قُدِّم ليقتل أنشأ يقول(١) : فَقُلْ للشَّامِتِينَ بنا رُوَيْداً أمَامَكُمُ المصَائبُ والخُطُوبُ هُوَ الذَّهْرُ الذي لا بُدَّ مِنْ أنْ يَكُونَ إِلِيكُمُ منهُ ذُنوبُ ثم كان ظهور قتله لليلتين خلتا من ربيع الأول من هذه السنة . وقد ذكر له القاضي ابن خلكا(٢) مصنفات كثيرة؛ منها: ((طبقات الشعراء)) وكتاب (( أشعار الملوك))، وكتاب ((الآداب)) وكتاب ((البديع))، وكتاب ((في(٣) الغناء)) وغير ذلك. وذكر(٤) أن طائفة من الأمراء خلعوا المقتدر وبايعوه يوماً وليلة ، ثم تمزَّقُ(٥) شمله ، واختفى في بيت ابن الجصَّاص الجوهري ، ثم ظهر عليه فقُتِلَ ، وصُودر ابن الجصَّاص بألفي ألف دينار ، وبقي معه سبعمئة ألف دينار . وكان [ ابن المعتز ] أسمَرَ اللون، مدوَّر الوجه ، يخضِبُ بالسَّواد ، عاش خمسين سنة. وذكر(٦) شيئاً من كلامه وأشعاره ، رحمه الله . محمد بن الحسين بن حبيب(٧) : أبو حَصين الوادِعي القاضي ، صاحب المسند ، من أهالي الكوفة ، وقدم بغداد ، وحدَّث بها عن أحمد بن يونس [ اليربوعيّ ا) ، ويحيى بن عبد الحميد ، وجندل بن والق . وعنه : ابنُ صاعد ، والنَّجَّاد ، والمحاملي . قال الدَّارَقُطْني : كان ثقة . توفي بالكوفة في هذه السنة . محمّد بن داود بن الجراح(٩) : أبو عبد الله الكاتب ، عم الوزير عليّ بن عيسى . كان من أعلم الناس المنتظم (٨٨/٦). (١) (٢) وفيات الأعيان (٧٧/٣) . هو الجامع في الغناء كما في وفيات الأعيان ، وشذرات الذهب . (٣) (٤) وفيات الأعيان (٧٦/٣) مع اختلاف في اللفظ . (٥) في ب ، ظا : تفرَّق . (٦) وفيات الأعيان (٧٧/٣ - ٨٠). المنتظم (٨٨/٦)، واللباب (٣٤٤/٣)، وشذرات الذهب (٢٢٥/٢). (٧) (٨) زيادة من ط والمنتظم . المنتظم (٨٩/٦)، العبر (١١٤/٢)، شذرات الذهب (٢٢٥/٢). (٩)