النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١
أحداث سنة ٢٨٨ هـ
كتاب (( السُّنَّة)) في أحاديث الصفات على طريقة السلف ، وكان حافظاً كبيراً جليلاً ، وقد ولي قضاء
أصبهان بعد صالح بن الإمام أحمد ، وكان قد طاف البلاد في طلب الحديث ، وصحب أبا تراب
النَّخْشَبِي ، وغيرَه من مشايخ الصوفية .
وقد اتفق له مرة كرامة هائلة ، وهو أنه كان هو واثنان من كبار الصالحين في سفر فنزلوا يوماً على رمل
أبيض ، فجعل أبو بكر هذا يقلبه بيده ، ويقول : اللهم ارزقنا خبيصةً(١) يكون بلون هذا . فلم يكن بأسرع
من أن أقبل أعرابي وبيده قصعة فيها خَبيص بلون ذلك الرمل في بياضه ، فأكلوا منه (٢) ؛ رحمه الله .
وكان يقول : لا أحبُّ أن يحضر مجلسي مُبتدع ولا طعَّان ولا لقَان ولا فاحش ولا بذيء ، ولا
منحرف عن الشافعيّ وأصحاب الحديث(٣).
وكانت وفاته في هذه السنة بأصبهان . وقد رآه بعضهم [ في المنام (٤) بعد وفاته وهو يصلِّي ، فلما
انصرف قال له : ما فعل بك ربُّك ؟ قال : يؤنسني ربِّي عزّ وجلّ.
ثم دخلت سنة ثمان وثمانين ومئتين
اتفق في هذه السنة مصائب عديدة .
منها : أنَّ الروم قصدوا بلاد الرََّّة في جحافلَ من البر والبحر ، فقتلوا خلقاً ، وأسروا نحواً من خمسة
عشر ألفاً من الذرية .
ومنها : أن بلاد أذْرَ بيجان أصاب أهلها وباءٌ شديد، حتَّى لم يبقَ أحدٌ يقدر على دفن الموتى ، فتركوا
بالطرقات لا يوارون .
ومنها : أنَّ بلاد أردبيل أصابتها ريح شديدة من بعد العصر إلى ثلث الليل ، ثم زُلزلوا زلزالاً شديداً،
واستمرّ ذلك عليهم أياماً ، فتهدَّمت الدور والمنازل ، وخسف بآخرين منهم ، فكان جملة من مات تحت
الهدم مئة ألف وخمسين ألفاً®) ؛ فإنا لله وإنّا إليه راجعون .
(١) ((الخَبيص)): الحلواء المخبوصة من التّمر والسّمن، جمع أخبصة.
(٢) مختصر تاريخ ابن عساكر (١٩٨/٣)، وسير أعلام النبلاء (٤٣٢/١٣)، وأضاف الذهبي: كان الثلاثة : عثمان بن
صخر الزَّاهد . وأبو تراب . وابن أبي عاصم ، وكان هو الذي دعا .
(٣)
مختصر تاريخ ابن عساكر (١٩٨/٣).
(٤)
من ب ، ظا .
(٥) ذكر الخبر في المنتظم (٢٧/٦) ، ولم يرد عند الطبري وابن الأثير.

٣٦٢
وفيات سنة ٢٨٨هـ
وفيها : اقترب القرامطة من البصرة ، فخاف أهلها منهم خوفاً شديداً ، وهمُّوا بالرحيل منها فمنعهم
واليها .
وممن توفي فيها من الأعيان :
بِشْر بن موسى بن صالح أبو علي الأسَديّ(١): ولد سنة تسعين ومئة. وسمع من رَوْح بن عُبَادة حديثاً
واحداً ، وسمع الكثير من هَوْذَةً بن خليفة ، والحسن بن موسى الأشْيَب ، وأبي نُعَيم ، وعليّ بن الجَعْد ،
والأصمعيّ ، وغيرهم .
وعنه ابن المنادي ، وابن مَخْلد، وابن صاعد ، والنَّجَّاد ، وأبو عمرو الزَّاهد ، والخلدي ،
والسلمي ، وأبو بكر الشافعي ، وابن الصَّوَّاف ، وغيرهم .
وكان ثقة أميناً نبيلاً حافظاً ، وهو من أهل البيوتات ، وكان أحمد يُكْرِمه . ومن شعره(٢) :
وينكرُ منه كلُّ ما كانَ يعرفُ
ضعفتُ ومن جازَ الثمانينَ يضعُفُ
يداني خطاهُ في الحديدِ ويرسِفُ(٣)
ويمشي رويداً كالأسير مقيَّداً
ثابت بن قُرَّ( ٤) : ابن هارون ، ويقال : ابن زهرون بن ثابت بن كرايا®) بن إبراهيم الصابىء ،
الفيلسوف ، الحرّاني، صاحب التصانيف؛ ومنها : أنَّه حرَّر كتاب إقليدس الذي عرَّبه حنين بن إسحاق
العبادي . وكان أصله صيرفياً بحرّان ، فترك ذلك واشتغل بعلم الأوائل ، فنال منه رتبة سامية عند أهله ،
ثم صار إلى بغداد فعظم شأنه بها ، وكان يدخل مع المنجّمين على الخليفة وهو باقٍ على دين الصابئة .
وحفيده ثابت بن سنان له تاريخ أجاد فيه وأحسن ، وكان بليغاً ماهراً حاذقاً بالغاً .
وعمه إبراهيم بن ثابت بن قُرَّة ، كان طبيباً عارفاً أيضاً .
سردهم كلَّهم في هذه الترجمة القاضي ابن خلكان ، رحمه الله .
الحسن بن عمرو بن الجهم (٦) ، أبو الحُسين الشيعيّ ، من شيعة المنصور لا من الروافض .
(١) تاريخ بغداد (٨٦/٧)، طبقات الحنابلة (١٢١/١)، المنتظم (٢٨/٦)، سير أعلام النبلاء (٣٥٢/١٣)، تذكرة
الحفاظ (٦١١/٢)، العبر (٨٠/٢)، شذرات الذهب (١٩٦/٢).
(٢)
المنتظم (٢٨/٦) .
(٣)
(((رَسَف في القيد)»: مشى فيه رويداً.
المنتظم (٢٩/٦)، عيون الأنباء في طبقات الأطباء (٢٩٥)، وفيات الأعيان (٣١٣/١)، سير أعلام النبلاء
(٤)
(٤٨٥/١٣)، شذرات الذهب (١٩٦/٢).
(٥)
في ط: (( كدام))، محرف .
(٦) تاريخ بغداد (٣٩٦/٧)، والمنتظم (٢٩/٦)، ووقع في ط: ((أبو الحسن))، محرف.

٣٦٣
أحداث سنة ٢٨٩ هـ
حدَّث عن عليّ بن المديني ، وحكى عن بشر الحافي . وعنه أبو عمرو بن السماك .
عُبَيْد الله بن سليمان بن وَهْب (١)، وزير المعتضد، كان حظيّاً عنده، وقد عزَّ عليه وفاته ، وتألَّم
لفقده ، وأهمّه من يجعله من بعده ، فعقد لولده القاسم بن عُبَيد الله الوزارة من بعد أبيه ؛ جبراً لمصابه به .
وأبو القاسم ، عثمان بن سعيد بن بشّار ، المعروف بالأنْماطي ، أحد كبار الشَّافعيَّة ؛ وقد ذكرناه في
(٢)
طبقاتهم(٢) .
هارون بن محمد بن إسحاق بن موسى بن عيسى ، أبو موسى الهاشمي ، إمام الناس في الحجّ . سمع
وحدَّث ، وتوفي بمصر في رمضان من هذه السنة (٣) .
ثم دخلت سنة تسع وثمانين ومثتين
فيها عائت القرامطة بسَواد الكوفة ، فظفر بعض العمّال بطائفة منهم ، فبعث برئيسهم إلى المعتضد ،
وكان يقال له : أبو الفوارس(٤) ، فنال من العبّاس بين يدي الخليفة، فأمر به، فقُلِعَتْ أضراسُه، وخُلِعَتْ
يداه ، ثم قُطعتا مع رجليه ، ثم قتل وصلب ببغداد ، واشتهر أمره .
وفيها : قصدت القرامطة دمشقَ في جحفل عظيم ، فقاتلهم نائبها طغج بن جُفّ من جهة هارون بن
خُمَارَوَيْه ، فهزموه مراتٍ متعددة ، وتفاقم الحال بهم ، وكان ذلك بسفارة يحيى بن زَکروَيْه بن مهروَيْه ،
الذي ادَّعى عند القرامطة أنَّه محمد بن عبد الله بن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن
الحسين بن عليّ بن أبي طالب ، وقد كذب في ذلك. وزعم لهم أنَّه قد اتبعه على أمره مئة ألف، وأنَّ
ناقته مأمورة ، حيثما توجَّهَتْ به نُصِرَ على أهل تلك الناحية . فراج ذلك عندهم ، ولقَّبوه الشيخ ، واتبعه
طائفة من بني الأصبغ ، وسُمُّوا بالفاطميين .
وقد بعث الخليفة إليهم جيشاً كثيفاً فهزموه ، ثم اجتازوا بالرُّصافة ، فأحرقوا جامعها ، لم يجتازوا
بقرية إلَّ انتهبوها ، ولم يزل ذلك دأبهم حتى وصلوا إلى دمشقَ ، فقاتلهم نائبها فهزموه مراتٍ ، وقتلوا من
أهلها خلقاً كثيراً، وانتهبوا من أموالها شيئاً كثيرا٥ً) ؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون .
(١) الكامل لابن الأثير (٧/ ٥١٠)، سير أعلام النبلاء (١٣ / ٤٩٧).
(٢) وذكر الذهبي في السير عن أبي إسحاق قوله : إنه كان السبب في نشاط الناس ببغداد لكتب فقه الشافعي وتحفُّظه .
سير أعلام النبلاء (٤٢٩/١٣)، طبقات الشافعية للسبكي (٣٠١/٢).
(٣)
المنتظم (٣٠/٦)، وأضاف: وكان ثقة عدلاً، رحمه الله.
(٤)
في الطبري : ابن أبي الفوارس .
(٥) الكامل لابن الأثير (٥١١/٧-٥١٢).

٣٦٤
أحداث سنة ٢٨٩ هـ
وفي هذه الحال الشديدة اتفق موت الخليفة المعتضد بالله ، في ربيع الأول من هذه السنة ، أحسن الله
خاتمتها .
وهذه ترجمة المعتضِد بالله(١) : أحمد بن الأمير أبي أحمد الموفَّق الملقب بناصر دين الله ، واسم
أبي أحمد محمد ، وقيل : طلحة بن جعفر المتوكّل بن محمد المعتصم بن هارون الرَّشيد ، أبو العباس ،
أمير المؤمنين ، الخليفة ، المعتضد بالله .
ولد في سنة اثنتين ، وقيل : ثلاث وأربعين ومئتين ، وأمه أم ولد .
وكان أسمر ، نحيفَ الجسم ، معتدل القامة، قد وخَط( ٢) الشيب ، في مقدم لحيته طول ، وفي
رأسه شامة بيضاء . وبويع له بالخلافة صبيحة يوم الإثنين لإحدى عشرة بقيت من رجب سنة تسع
وسبعين ، فاستوزر عبيد الله بن سليمان بن وَهْب، وولَّى القضاء إسماعيل بن إسحاق ، ويوسف بن
يعقوب ، وابن أبي الشَّوارب .
وكان أمر الخلافة قد ضعف في أيام عمِّه المعتمد على الله ، فحين وليها المعتضد أقام شعارها ، ورفع
منارها ، وشيَّد دعائمها ، وحيطانها، وأطّر أركانها. وكان شجاعاً فاضلاً، من رجالات قريش حزماً
وجرأة وغزواً وعزّاً ، وإقداماً وحرمة ؛ وكذلك كان أبوه من قبله .
وقد أورد ابن الجوزي(٣) بإسناده أن المعتضد اجتاز في بعض أسفاره بقرية فيها مَفْئَأة ، فوقف صاحبُها
صائحاً مستصرخاً بالخليفة ، فاستدعى به فسأله عن أمره ، فقال : إنَّ بعض الجيش أخذوا لي شيئاً من
القِنَّاء وهم من غلمانك . فقال : أتعرفهم ؟ قال : نعم ، فعرضهم عليه ، فعرف منهم ثلاثة ، فأمر الخليفة
بتقييدهم وحبسهم ، فلمَّا كان الصباح نظر الناس إلى ثلاثة أنفس مصلّبين على جادة الطريق (٤) ، فاستعظم
الناس ذلك وأنكروه ، وعاب كثير من الناس ذلك على الخليفة ، وقالوا : قتل ثلاثةً بسبب قِثّاء أخذوه ؟
فلما كان بعد قليل أمر الخواص من مسامره أن ينكر عليه ذلك وليتلطف في مخاطبته بذلك ، فدخل عليه
ذات ليلة وهو عازم على المفاوضة معه في ذلك ، ففهم الخليفة ما في نفسه من كلام يريد أن يبديه ، فقال
له: إني أفهم أنَّ في نفسك كلاماً، فما هو ؟ قال: يا أميرَ المؤمنين ، وأنا آمن ؟ قال : نعم . قلت له : فإن
(١) مروج الذهب (٤٦٢/٢)، تاريخ بغداد (٤٠٣/٤)، المنتظم (١٢٣/٥ -١٣٨)، سير أعلام النبلاء (١٣ /٤٦٣)،
الوافي بالوفيات (٤٢٨/٦)، شذرات الذهب (١٩٩/٢).
في الأصول : وخط الشيب ، والمثبت من المطبوع والمنتظم .
(٢)
المنتظم (١٢٣/٥ - ١٢٤).
(٣)
(٤) ((جادة الطريق)): وسطه .

٣٦٥
أحداث سنة ٢٨٩ هـ
الناس ينكرون عليك تسرّعك في سفك الدماء . فقال : والله ما سفكْتُ دماً حراماً منذ وُلِّيت إلا بحقِّه .
فقلت له : فعلام قتلْتَ أحمد بن الطَّيِّبُ(١)، وقد كان خادمك ولم يظهر لك (٢) جناية ؟ فقال: ويحك !
إنه دعاني إلى الإلحاد والكفر بالله فيما بيني وبينه ، فقلت له : يا هذا ! أنا ابن عم صاحب الشريعة ، وأنا
منتصب في منصبه ، فأكفر حتى أكون مَن (٣) ؟ فقتلته(٤) .
فقلت له : فما بال الثلاثة الذين قتلتهم على القِثَّاء ؟ فقال : والله ما كان أولئك الذين أخذوا القِنَّاء ،
وإنَّما كانوا لصوصاً قد(٥) وجب قتلهم ؛ بعثت فجئت بهم من السجون فقتلتهم أنهم الذين أخذوا القِّاء ،
وأردت أن أهول على الجيش لئلا يُفسِدوا في الأرض .
ثم أمر بإخراج أولئك الذين كان حبسهم بسب القِّاء ، فأطلقهم بعدما استتابهم ، وخلع عليهم ،
وردّهم إلى أرزاقهم التي كانت لهم .
قال ابن الجوزي(٦) : وخرج المعتضد يوماً فعسكرَ بباب الشماسية ، ونهى أن يأخذ أحدٌ من بستان أحدٍ
شيئاً ، فأتى بأسود قد أخذ عِذْقاً من بُسْرٍ(٧) ، فتأمَّله طويلاً ، ثم أمر بضرب عنقه ، ثم التفت إلى أصحابه
وقال: إنَّ العامة ينكرون هذا، ويقولون: إنَّ رسول اللهلَ ◌ّمَ قال: ((لا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ ولا كَثَرٍ )(٨).
ولم يكفه أن يقطع يده حتى قتله ، وإني لم أقتل هذا على سرقته ، وإنَّما هذا الأسود له خبر عجيب ؛
هذا رجلٌ من الزّنج كان قد استأمن في حياة أبي ، وإنه تقاول هو ورجل من المسلمين ، فضرب المسلمَ
فقطع يده ، فمات الرجل ، فأهدر أبي دمَ الرجل تأليفاً للزّنج ، فآليت على نفسي إن أنا قدرت عليه
لأقتلنَّه ، فما وقعت عيني عليه إلا هذه الساعة ، فقتلته بذلك الرجل(٩).
(١) هو الفيلسوف أحمد بن الطَّيِّب السَّرَخْسي ، من بحور العلم الذي لا ينفد ، وكان مؤدِّب المعتضد ، ثم صار نديمه
وصاحب سرّه ومشورته، وقتله المعتضد لفلسفته وخبث معتقده سنة ٢٨٦ هـ. سير أعلام النبلاء (٤٤٨/١٣).
(٢)
في ب ، ظا ، ط : له .
في آ: من قوم وفي ط : من غير قبيلته ، والمثبت من ب ، ظا والمنتظم .
(٣)
(٤)
بعدها في ط : على الكفر والزندقة .
(٥)
في ط : قد قتلوا وأخذوا المال فوجب قتلهم .
(٦)
المنتظم (١٣٦/٥) .
((العِذْق)): كل غصن له شُعَب، وقنو النخلة . والبُسْر: ثمر النخل قبل أن يُرْطِب.
(٧)
رواه أحمد في مسنده (٤٦٣/٣)، وأبو داود في الحدود رقم (٤٣٨٨)، والترمذي رقم (١٤٤٩)، في الحدود ،
(٨)
والنسائي (٨٧/٨)، وابن ماجه رقم (٢٥٩٣)، ومالك في الموطأ (٨٣٩/٢)، والدارمي (١٧٤/٢). وهو حديث
صحيح ، ويروى هذا الحديث موصولًا ومنقطعاً كما بينه الإمام الترمذي ، وقد قال الطحاوي : هذا الحديث تلقت
العلماء متنه بالقبول .
و ((الكَثَرُ)): جُمَّ النَّخْل، وهو شحمه الذي وسط النَّخْلة. النهاية .
(٩) هذه القصة وردت في ب ، ظا بعد الفقرة التالية.

٣٦٦
أحداث سنة ٢٨٩ هـ
وقال أبو بكر الخطيب(١): أخبرنا محمد بن أحمد بن يعقوب ، حدثنا محمد بن نعيم الضَّبِّي ،
سمعت أبا الوليد حسان بن محمد الفقيه ، يقول : سمعت أبا العبّاس بن سُرَيج ، يقول : سمعت
إسماعيل بن إسحاق القاضي ، يقول : دخلتُ على المعتضد وعلى رأسه أحداثٌ رُومٌ ، صباحُ الوجوه ،
فنظرت إليهم ، فرآني المعتضد وأنا أتأملهم ، فلمَّا أردت القيام أشار إليَّ، فمكثت ساعة ، فلمَّا خلا ،
قال لي : أيُّها القاضي ! والله ما حَلَلْتُ سَراويلي على حرامٍ قَطُ .
وروى البيهقيُّ ، عن الحاكم ، عن حسّان بن محمد ، عن ابن سُرَيْج القاضي ، عن إسماعيل بن
إسحاق ، قال : دخلت يوماً على المعتضد ، فدفَعَ إليَّ كتاباً ، فقرأته ، فإذا قد جمع له الرُّخص من زَلل
العلماء ، فقلت : يا أميرَ المؤمنين إنَّما جمع هذا زِنْديق . فقال : فكيف ؟ فقلت: إنَّ من أباح النبيذ لم
يبح المتعة ، ومن أباح المتعة لم يبح النبيذ(٢) ، ومن جمع زَلَل العلماء ثم أخذ بها ذهب دينه ؛ فأمر
بتحريق ذلك الكتاب(٣) .
وروى الخطيب(٤) بسنده عن صافي الحرمي الخادم ، قال : انتهى المعتضد وأنا بين يديه إلى منزل
شغَب(٥) وابنُه المقتدر جعفر جالس فيه(٦) ، وحوله نحو من عشر من الوصائف ، والصبيان من أصحابه في
سنّه ، وبين يديه طبقٌ من فضة، فيه عنقود عنب ، وكان العِنبُ إذ ذاك عزيزاً جداً ، وهو يأكل عِنَبَةً
واحدة ، ثم يفرِّق على كلِّ واحدٍ من جلسائه عِنَبَة عِنَبَة ، فتركه المعتضد وجلس في بيت مهموماً . فقلت
له : ما لكَ يا أميرَ المؤمنين ؟ فقال : ويحك! والله لولا النار والعار لأقتلَنَّ هذا الغلام ، فإنَّ في قتله
صلاحاً للأمة . فقلت : أعيذك بالله يا أمير المؤمنين ! العن الشيطان ، فقال : ويحك يا صافي ! إنَّ هذا
الغلام في غاية السَّخاء ، فإنَّ طباع الصبيان تأبى الكرم ، وهذا في غاية الكرم ، وإن الناس من بعدي
لا يولون عليهم إلَّ مَن هو من ولدي، فَسَيلي عليهم المكتفي ، ثم لا تطول أيامه للعلة التي به ، وهي داء
الخنازير ، ثم يموت فيولّى على الناس جعفر هذا ، فيصرف جميع أموال بيت المال إلى الحظايا ؛ لشغفه
بهنَّ، وقرب عهده من بيتهن ، فتضيع أمور المسلمين ، وتعطل الثغور ، وتكثر الفتن والخوارج
والشرور .
تاريخ بغداد (٤٠٤/٤)، وسير أعلام النبلاء (١٣ /٤٦٥).
(١)
في آ: العلماء ، وفي السير : الغناء ، والمثبت من ب ، ظا. وأضاف في السير: وما من عالم إلا وله زَلَّةً. وعبارة
(٢)
ط : إن من أباح المتعة لم يبح الغناء ، ومن أباح الغناء لم يبح إضافته إلى آلات اللهو .
(٣)
سير أعلام النبلاء (١٣ / ٤٦٥).
(٤)
تاريخ بغداد (٢١٦/٧).
في ط : شعث وهو تحريف . وهي شغب زوجه وأم المقتدر .
(٥)
في تاريخ بغداد : وله إذ ذاك خمس سنين أو نحوها .
(٦)

٣٦٧
أحداث سنة ٢٨٩ هـ
قال صافي : فوالله لقد شاهدت ما قاله سواء سواء .
وروى ابن الجوزي (١) عن بعض خدم المعتضد ، قال : كان الخليفة يوماً نائماً وقت القيلولة ، ونحن
حول سريره ، فاستيقظ مذعوراً ، فصرخ بنا ، فجئنا فقال : ويحكم ! اذهبوا إلى دجلة ، فأول سفينة
تجدونها فارغةً منحدرةً فأتوني بملاحها واحتفظوا بها . فذهبنا سراعاً، فوجدنا ملاحاً في سُمَّيْريَّةُ(٢) فارغة
منحدراً ، فأتينا به الخليفة ، فلما رأى الخليفةَ كاد يتلَفُ ، فصاح به الخليفة صيحةً عظيمة ، فكادت روح
الملاح تخرج ، فقال له الخليفة : ويحك يا ملعون ! اصدقني عن قصتك مع المرأة التي قتلتها اليوم وإلا
ضربْتُ عنقك . قال : فتلعثم ، ثم قال : نعم يا أميرَ المؤمنين ، كنت اليوم سَحَراً في مشرعتي الفلانية ،
فنزلت امرأة لم أرَ مثلها ، وعليها ثياب فاخرة وخُليّ كثير وجوهر ، فطمِعْتُ فيها ، واحتَلتُ عليها حتى
سددت فاها ، وغرّقتها ، وأخذْتُ جميع ما كان عليها من الحلي والثياب ، وخشيت أن أرجع به إلى منزلي
فيشتهر خبرها ، فأردت الذهاب إلى واسطَ ، فلقيني هؤلاء الخدم . فقال له : وأين حليُّها ؟ قال : في
صدر السفينة تحت البواري(٣) .
فأمر الخليفة بإحضار الحُليِّ ، فجيء به ، فأمر عند ذلك بتغريق الملاح في المكان الذي غرّق فيه
المرأة ، وأمر أن ينادَى على أهل المرأة ليحضروا حتى يتسلَّموا مال وليَّتهم ، فحضروا بعد ثلاثة أيام ،
فسلّم إليهم ما كان مع تلك المرأة من الحليِّ والثياب . فقال له خدمه: يا أميرَ المؤمنين! من أين علمت
هذا؟ قال : رأيت في نومي ذلك كأنَّ شيخاً أبيضَ الرأس واللحية والثياب وهو ينادي : يا أحمد !
يا أحمد ! خذ أوَّل ملاح ينحدِرُ السَّاعةَ فاقبض عليه ، وقرّره عن خبر المرأة التي قتلها اليوم وسلبها ، فأقم
عليه الحد ، فكان ما شاهدتم .
وعن خفيف (٤) السَّمَرْ قَنْديّ الحاجب ، قال : كنت مع مولاي المعتضد في بعض متصيِّداته ، وقد
انقطع عن العسكر وليس معه غيري ، إذ خرج علينا أسد فقصدنا ، فقال لي المعتضد : يا خفيف ، أفيك
خير ؟ قلت : لا والله يا مولاي ! فقال : ولا حتى تمسك فرسي وأنزل أنا ؟ فقلت : بلى . قال : فنزل عن
فرسه ، فأمسكتُها ، وغرز أطراف ثيابه في منطقته، واستلَّ سيفه، ورمى بقُرابه إليّ ، ثم تقدَّم إلى
الأسد ، فوثب الأسدُ عليه ، فضربه المعتضد بالسيف فأطار يده ، فاشتغل الأسد بيده ، فضربه ثانية على
هامته ففلقها ، فخرّ الأسد صريعاً ، فدنا منه فمسح سيفه في صوفه ، ثم أقبل إليَّ فأغمد سيفه ، وركب
فرسه ، ثم عدنا إلى العسكر . قال : وصحبته إلى أن مات ، فوالله ما سمعته ذكر ذلك لأحدٍ ، فما أدري
(١) المنتظم (١٢٧/٥).
(٢) ((السُّمَيْريَّة)): ضرب من السفن.
(٣) ((البُوري)): الحصير المنسوج من القصب ، فارسي معرب.
(٤) في آ: حنيف وفي ط : جعيف .

٣٦٨
أحداث سنة ٢٨٩ هـ
من أي شيء أعجب ؟ أمن شجاعته أم من عدم احتفاله بذلك حيث لم يذكره لأحد ؟ أم من عدم عَتْبه عليّ
حيث ضننت بنفسي عنه؟ والله ما عاتبني في ذلك قطُ(١).
وروى الحافظ ابن عساكر(٢) عن أبي الحسين النوري أنه اجتاز بزورق فيه خمر مع ملاح ، فقال :
ما هذه ؟ ولمن هذه ؟ فقال له : هذه خمر للمعتضد . فصعد أبو الحسين إليها ، فجعل يضرب الدِّنان
بعمود في يده حتى كسرها كلَّها سوى واحدٍ تركه ، واستغاث الملاح ، فجاءت الشُّرَط فأخذوه ، فأوقفوه
بين يدي المعتضد ، فقال له: ما أنت(٣) ؟ فقال: أنا محتسب . فقال: ومن ولَّاك الحِسْبة ؟ فقال:
الذي ولَّاك الإمامة ولَّني الحسبة يا أمير المؤمنين . فأطرق رأسه ثم رفعه ، فقال : ما الذي حملك على
ما فعلتَ ؟ قال : شفقةً عليك ؛ لدفع الضرر عنك . فأطرق رأسه ثم رفعه فقال : ولم تركت من الدِّنان
واحداً ؟ فقال : إني أقدمت عليها فكسرتها إجلالًا لعظمة الله ، ولم أبال أحداً من الناس حتى انتهيت إلى
هذا الدَّنِّ ، دخل نفسي إعجاب من قبيل أني أقدمت (٤) على مثلك ، فتركته ، فقال له المعتضد : اذهب ،
فقد أطلقت يدك ، فغيِّر ما أحببت أن تغيِّرَه من المنكر . فقال له النوري : الآن نقص(٥) التغيير، فقال:
ولمَ ؟ قال: لأني كنت أغيِّر عن الله، وأنا الآن أغيِّر عن شرطي . فقال: سَل حاجتك . فقال : أحبُّ أن
تخرجني من بين يديك سالماً . فأمر به فأخرج ، فصار إلى البصرة ، فأقام بها مختفياً خشية أن يشقَّ عليه
أحدٌ في حاجةٍ عند المعتضد . فلمَّا توفي المعتضد رجع إلى بغداد .
وذكر القاضي أبو الحسن محمد بن عبد الواحد الهاشمي ، عن شيخ من التجار ، قال : كان لي على
بعض الأمراء مال كثير ، فماطلني ومنعني حقّي ، وجعل كلَّما جاء ليطالبه حجبه عنه ويأمر غلمانه يؤذونه ،
فاستعدى عليه إلى الوزير ، فلم يفد فيه شيئاً ، وإلى أولياء الأمر ، فلم يقطع عنده ، وما زاده ذلك إلا منعاً
وجحوداً ، فدلّ(٦) ذلك الرجل على رجلٍ خياط أمام مسجدٍ هناك ، فقصده ، فقام معه ، فحين عاينه
(١) المنتظم (١٢٩/٥)، سير أعلام النبلاء (٤٦٦/١٣).
(٢) سقطت ترجمته من المخطوط .
(٣)
في ا : من أنت .
في ب : فحزنت على نفسي كثيراً أني قد أقدمت .
(٤)
(٥)
في ط : انتقض عزمي عن التغيير .
في ط : فأيست من المال الذي عليه ، ودخلني هم من جهته ، فبينما أنا كذلك وأنا حائر إلى من أشتكي ، إذ قال لي
(٦)
رجل : ألا تأتي فلاناً الخياط ، إمام مسجد هناك ؟ فقلت : وما عسى أن يصنع خياط مع هذا الظالم ، وأعيان الدولة
لم يقطعوا فيه ؟ فقال لي : هو أقطع وأخوف عنده من جميع من اشتكيت إليه ، فاذهب إليه لعلك أن تجد عنده
فرجاً . قال : فقصدته غير محتفل في أمره ، فذكرت له حاجتي ومالي وما لقيت من هذا الظالم ، فقام معي ، فحين
عاينه الأمير ، قام إليه وأكرمه واحترمه وبادر إلى قضاء حقي الذي عليه ، فأعطانيه كاملاً من غير أن يكون منه إلى
الأمير كبير أمر ، غير أنه قال له : ادفع إلى هذا الرجل حقه وإلا أذنت ، فتغيّر لون الأمير ودفع إليَّ حقي. قال
التاجر : فعجبت من ذلك الخياط ..

٣٦٩
أحداث سنة ٢٨٩ هـ
الأمير أكرمه واحترمه ، وبادر إلى إعطائه حقّه والخلاص من أمره ، فتعجب ذلك التاجر من ذلك الخياط
مع رثاثة حاله وضعفه كيف انطاع ذلك الأمير له ، فعرض عليه شيئاً من المال الذي قبضه من الأمير ، فلم
يقبل منه شيئاً . فسأله عن خبره ، وذكر له تعجبه من ذلك وألحَّ عليه ، فقال : إن سبب ذلك أنه كان عندنا
هاهنا رجل تركي ، شاب حسن ، أمير ، فلما كان ذات يوم ، أقبلت امرأة حسناء قد خرجت من حمام ،
وعليها ثياب مرتفعة ، فعلق بها وهو سكران يريدها على نفسها ليدخلها منزله ، وهي تأبى عليه وتصرخ
بأعلى صوتها : يا معشر المسلمين ! أنا امرأة ذات زوج ، وهذا يريدني على نفسي ليدخلني منزله ، وقد
حلف زوجي بالطلاق ألا أبيتَ في غير منزله ، ومتى بثُّ هاهنا طلقت من زوجي ، ولحقني بسبب ذلك عار
لا تدحضه الأيام .
قال : فقمت إليه فأنكرت عليه ، فضربني بدبوس في يده فشجَّ رأسي ، وغلب المرأة على نفسها
وأدخلها منزله قهراً ، فرجعت أنا ، فغسلت الدَّم عنِّي ، وعصبت رأسي ، وصلَّيت بالناس العشاء وقلت
لهم : إن هذا قد فعل ما قد علمتم فقوموا بنا إليه لننكر عليه ، فقام الناس معي ، فهجمنا عليه داره ، فثار
إلينا في جماعة من غلمانه بأيديهم العصي والدبابيس يضربون الناس ، وقصدني هو من بين الناس ،
فضربني ضرباً شديداً مبرِّحاً ، وأخرجنا من منزله ونحن في غاية الإهانة ، فرجعت إلى منزلي وأنا لا أهتدي
من الوجع ، فنمت على فراشي وأنا لا يأخذني نوم ، وحرت ماذا أصنع حتى أنقذ هذه المرأة من يده في
هذه الليلة ، حتَّى لا يقع على زوجها الطلاق ، فترؤَّيت أن أؤذن للصبح في أثناء الليل ؛ لكي يخرجها من
منزله . فقمت إلى المنارة ، فأذنت ، وجعلت أنظر إلى باب داره لكي يخرج المرأة ، وصمَّمت إن لم
تخرج أن أقيم للصلاة حتى يتحقق الصباح .
فبينا أنا أنظر، إذ امتلأ الطريق فرساناً ، ورجَّالة، وهم يقولون : أين الذي أذن [ هذه الساعة }(١) ؟
فقلت : ها أنا ذا ، وأنا أريد أن يعينوني عليه ، فقالوا : انزل ، فنزلت ، فأخذوني وذهبوا بي لا أملك من
نفسي شيئاً ، وما زالوا بي حتى أدخلوني على الخليفة المعتضد بالله ، فلما رأيته جالساً في مقام الخلافة
أرعدت (٢) من الفرق ، فقال لي : ليسكن جأشك ، ثم قال : أنت الذي أذّنت ؟ قلت : نعم، يا أميرَ
المؤمنين ، فقال : ما حملكَ على أن أذّنت ، وقد بقي من الليل كثير، فيغترّ بذلك الصوَّام
[ والمسافرون ]٣) ؟ فقلت: يؤمِّنني أمير المؤمنين حتى أقصَّ عليه(٤) خبري ؟ فقال: أنت آمن . فذكرت
(١) زيادة من ط .
(٢) في ط : ارتعدت من الخوف ، وفزعت فزعاً شديداً ، فقال : ادن ، فدنوت ، فقال لي : ليسكن روعك ، وليهدأ
قلبك . وما زال يلاطفني حتى اطمأننت وذهب خوفي ، فقال : أنت الذي ...
(٣) زيادة من ب ، ظا ، وهي فيهما والمسافرين.
(٤) في ا : عليك .

٣٧٠
أحداث سنة ٢٨٩ هـ
له سبب أذاني في هذه الساعة ، فغضب غضباً شديداً ، وأمر بإحضار ذلك الرجل والمرأة التي في منزله ،
فأحضرا سريعاً ، فبعث المرأة إلى زوجها مع ثقة من جهته ، وأمره أن يأمر زوجها بالعفو عنها ، والصفح
والإحسان إليه ؛ فإنها مكرهة ومعذورة . ثم أقبل على ذلك الشاب ، فقال : ما رزقُك ؟ وكم لك من
المال ؟ وكم عندك من الجواري والزوجات ؟ فذكر له شيئاً كثيراً . فقال له : ويحك ! ما كفاك ما أنعم الله
به عليك حتى انتهكت حرمة الله ، وتجرأت على السلطان ، وتعدَّيْتَ حدود الله ، وما كفاك ذلك حتى
عمدت إلى رجلٍ أمرك بالمعروف ونهاك عن المنكر فضربته وأهنته ؟ فلم يكن له جواب . فأمر به فجعل في
قيدٍ ، وفي عنقه غِلّ، وأدخل في جُوالق(١) ، وضُرب ضرباً شديداً حتى خَفَتَ صوته ، ثم ألقاه في دجلة ،
وأمر بدراً صاحبَ الشرطة أن يحتاط على ما في داره من الحواصل والأموال التي كان يتناولها من بيت
المال بغير حلّها ، ثم قال لذلك الرجل الصالح : كلَّما شاهدت منكراً صغيراً كان أو كبيراً ولو على هذا ،
وأشار إلى صاحب الشرطة ، فأعلمني به ؛ فإن اتفق اجتماعك بي ، وإلا فعلامة ما بيني وبينك أن تؤذن في
مثل وقت أذانك هذا .
قال : فبهذا السبب لا آمر أحداً من هؤلاء الدولة بشيء من الخير أو أنهى عن الشر، إلا بادر إلى
امتثاله وقبوله ؛ خوفاً من المعتمد ، ومااحتجت أن أؤذن في مثل تلك السّاعة إلى الآن .
وذكر الوزير عُبَيد الله بن سليمان بن وَهْب ، قال : كنتُ يوماً عند المعتضد وخادم واقف على رأسه
يذبُّ عنه بمذّة في يده ، إذ حرَّكها فجاءت في قَلَنْسُوة الخليفة ، فسقطت ، فأعظمتُ ذلك جدّاً، وخفت
من هول ما وقع ، ولم يكترث الخليفة بذلك ، بل أخذ قَلَنْسُوَته فلبسها ، ثم قال لبعض الخدم : مُزْ هذا
فليذهب لراحته ؛ فإنَّه قد نعس ، وزيدوا في عدَّة من يذبُّ بالنوبةُ(٢).
قال الوزير : فأخذت في الشكر للخليفة على حلمه ، فقال: إنَّ هذا البائس لم يتعمَّدْ هذا، وإنَّما
نعس ، وليس العقاب والمعاتبة إلا على المتعمِّد لا على المخطىء والسَّاهي.
وقال خفيف السَّمَزْقَنْدي الحاجب : لمَّا جاء الخبر إلى المعتضد بموت وزيره عُبيد الله بن سليمان
وتحقَّق ذلك ، خَرَّ ساجداً طويلاً ، فقيل له : يا أميرَ المؤمنين! لقد كان يخدمك وينصحك(٣) ، فقال :
إنَّما سجدت شكراً لله أني لم أعزله ولم أؤذه . ثم استشار الحاضرين فيمن يستوزره من بعده ، وذكر هو
رجلين ، أحدهما : جرادة ، وكان حازم الرأي قوياً ، والآخر : أحمد بن محمد بن الفرات ، فعدل به
بدر صاحب الشرطة عنهما ، وأشار عليه بالقاسم بن عبيد الله ، فسفَّه رأيه في ذلك ، فألحَّ عليه ، فولاه
(١) ((الجُوالِقِ)): وعاء من الأوعية، معروف، معرّب.
(٢)
في ا : بالمذبة .
(٣) في ب ، ظا: لقد كان تكفل بخدمتك وبنصحك . وفي ط : لقد كان عبيد الله يخدمك وينصح لك.

٣٧١
أحداث سنة ٢٨٩ هـ
وبعث إليه يعزِّيه في أبيه ، ويهنِّيه بالوزارة . فما لبث القاسم بن عبيد الله حتَّى ولي المكتفي الخلافة من بعد
أبيه المعتضد ، حتى قتل بدراً . وكان المعتضد ينظر إلى ما بينهما من العداوة من وراء ستر رقيق ، وهذه
فراسة عظيمة وتوسّم قويٌ(١) .
وقد رفع إلى المعتضد أنَّ أقواماً يجتمعون على معصية ٢) فاستشار وزيره في أمرهم ، فقال : ينبغي أن
يصلب بعضُهم ويحرَّقَ بعضهم . فقال : ويحك! لقد برَّدتَ لهب غضبي عليهم بقسوتك هذه ، أما علمت
أنَّ الرعيَّة وديعة الله عند سلطانها ، وأنه سائله عنها؟ ولم يقابلهم بما قال الوزير فيهم(٣) .
وبهذه النيّة لمّا ولي الخلافة كان بيتُ المال صفراً من المال ، والأحوال فاسدة ، والأعراب تعيث في
الأرض فساداً في كل جهةٍ ، فلم يزل برأيه وتدبيره حتى كثرت الأموال في بيت المال ، وصلحت الأحوال
في سائر الأقاليم والآفاق والمحال .
ومن شعره في جارية له توفيت فوجد عليها وجداً عظيماً، فقال(٤):
ــدِلُهُ عندي حبيبُ
یا حبیباً لم يكُنْ یَغْ
أنتَ عَنْ عيني بَعيدٌ
ليسَ لي بعدك في شـ
لكَ مِنْ قلبي على قلبي
وخيالي منكَ مُذْ غِبْ
لو تراني کیفَ لي بَغْـ
وفؤادي حَشْوُهُ مِنْ
لتَّقَّنْتَ بأنّي
ما أرى نَفْسي وإن طَّـ
ليسَ دمعٌ ليَ يَعصيـ
ومِنَ القلبِ قريبُ
ـيءٍ مِنَ اللَّهوِ نصيبُ
وإنْ بِنْتَ رَقِيبُ
ـتَ خيالٌ ما يَغیبُ
ـدَكَ عَوْلٌ ونَحِيبُ
حَرَقِ الحزنِ لَهِيبُ
بكَ محزون كئيبُ
ـبْتُها عنكَ تَطِيبُ(٥)
سني وصَبري ما يُجيبُ
وقال فيها أيضا٦ً) :
لم أبْكِ للدَّارِ ولكن لِمَنْ قَدْ كانَ فيها مرَّةً ساكنا
(١) المنتظم (١٣٤/٥ - ١٣٥).
(٢)
في أ : عصبية .
(٣)
المنتظم (١٣٦/٥ - ١٣٧).
المنتظم (١٣٧/٥)، تاريخ الخلفاء للسيوطي (٣٨٢).
(٤)
(٥)
في ا: تغيب .
(٦) المنتظم (١٣٧/٥).

٣٧٢
أحداث سنة ٢٨٩ هـ
فخانني الدَّهْرُ بفقدانِهِ وكنتُ مِنْ قبلُ لَهُ آمنا
قلبي معهُ ظاعنا
وبانٌ (١)
وَدَّعتُ صبري عند توديعه
وقد بعث إليه ابن المعتز يعزِّيه ويسلِّيه عن مصيبته(٢) فيها٣) :
ـمٌ وأفنيتنا وعِشْتَ سليما
يا إمامَ الهُدَى بنا لا بكَ الغـ
ـرَ وعندَ المصائبِ التَّسليما
أنتَ علَّمتنا على النِّعَمِ الشُّكْـ
نتْ سُروراً صَارَتْ ثواباً عظيما
فاسل عمَّا مَضَى فإنَّ التي كا
إنَّ عندي في ذاكَ حظّاً جسيما
قدْ رَضينا بأن نموتَ وتحيى
أعطي فوزاً وماتَ موتاً كريما
مَنْ يمُت طائعاً لديك فقدْ
وقد اجتمع ليلة عند المعتضد ندماؤه ، فلمَّا انقضى السَّمَرُ وصار إلى حظاياه ، ونام القوم ، أهبهم
خادم من عند الخليفة ، وقال : يقول لكم : إنه قد أصابه أرق بعدكم ، وقد عمل بيتاً أعياه ثانيه ، فمن
أجازه فله جائزة ، وهو هذا البيت :
ولمَّا انتَهْنَ(٤) لِلخيالِ الَّذِي سَرَى إذا الدَّارُ قَفْرَى والمَزَارُ بَعِيدُ
فجلس القوم من فرشهم يفكّرون في ثانيه ، فبدر واحدٌ منهم ، فقال :
فقلتُ لِعَيْنِي عاوِدي النَّوْمَ واهْجَعِي لَعَلَّ خَيَالًا طارقاً سَيَعُودُ
فلمَّا رجع به الخادم إلى الخليفة وَقَعَ منه موقعاً جيداً وأمر له بجائزة سنية .
واستعظم(٥) المعتضد يوماً من بعض الشعراء قول الحسن بن منير المازنيّ البصريّ :
وَزَادَ قَلْبي على أَوْجَاعِهِ وَجَعا
لَهْفي عَلَى مَنْ أطارَ النَّوْمَ فَامْتَنَعا
حُسْناً أو البَدْرُ مِن أردانِه (٦) طَلَعا
كأنَّمَا الشَّمْسُ من أعطافِهِ لَمَعَتْ
منه الإساءةُ معذورٌ بما صَنَعا
مستقبلٌ بالذي يَهوى وإن عظُمت
من القلوب وجيه حيثما شفعا
في وَجْهِهِ شافعٌ يمحو إساءتهُ
ولما كان ربيع الأول من هذه السنة - أعني سنة تسع وثمانين ومئتين - اشتد وجع الخليفة المعتضد
في المنتظم : وسار .
(١)
في ب ، ظا : مصابه .
(٢)
المنتظم (١٣٨/٥) .
(٣)
في ا، ظا : انتهينا .
(٤)
في ب ، ظا : واستطعم .
(٥)
(٦) في ب ، ظا : أزراره .

٣٧٣
أحداث سنة ٢٨٩ هـ
بالله، فاجتمع رؤساء القوّاد ، منهم مؤنس(١) الخادم، إلى الوزير القاسم بن عبيد الله، وأشاروا بأن
يجتمع الناس لتجديد البيعة للمكتفي بالله عليّ بن المعتضد بالله ، ففعل ذلك ، وتأكد العهد ، وكان في
ذلك خيرٌ كثير .
وحين حضرت المعتضد الوفاة أنشد لنفسه ٢) :
تَمَنَّحْ مِنَ الدُّنيا فإِنَّكَ لا تَبْقَى
ولا تأمَنَنَّ الذَّهْرَ إِنِّي أمِنْتُهُ
قَتَلْتُ صَنادِيدَ الرِّجالِ فَلَمْ أَدَعْ
وأخْلَيْتُ دارَ الملكِ من كلِّ نازع (٥)
فلمّا بَلِغْتُ النَّجْمُ(٦) عِزّاً وَرِفِعَةً
رَمَانِي الرَّدَى سَهْماً فأحمَدَ جَمْرَتِي
ولم يغنِ عنِّي ما جمعْتُ ولم أجدْ
وأفسَدْتُ دُنْيايَ وَدِيني سَفَاهةً
فيا لَيْتَ شِعْرِي بعدَ مَوْتي ما ألقى
وَخُذْ صَفْوَها ما إن صَفَتْ وَدَعِ الرَّنقا٣)
فلم يُبْقِ لي حالاً ولم يَرْعَ لي حقًّا
عَدُوّاً ولم أُمْهِلْ على خُلُقٍ(٤) خَلْقًا
فشرَّدْتُهُمْ غَزْباً وَمَزَّقْتُهُمْ شَرْقا
وصارَتْ رقابُ الخَلْقِ أجمع لي رِقًّا
فها أنا ذا في حُفْرَتي عاجلاً أُلقَى
لدى ملك الأحياء في حُبّها رِفق(٧)
فَمَنْ ذا الذي مِنِّي بمصْرَعِهِ أَشْقَى ؟
إِلَى نعمةٍ للهِ أمْ نارِهِ ألْقَى ؟
وكانت وفاته - رحمه الله تعالى - ليلة الإثنين لثمان بقين من ربيع الأول من هذه السنة ، ولم يبلغ
الخمسين . فكانت خلافته تسعَ سنين وتسعة أشهر وثلاثة عشر يوماً .
وخلّف من الأولاد الذكور : عليّاً المكتفي ، وجعفر المقتدر ، وهارون . ومن البنات إحدى عشرة
بنتاً ، ويقال : سبعَ عشرة بنتاً . وترك في بيت المال سبعة عشر ألف ألف دينار . وكان ماسكاً(٨) عن
صرف الأموال في غير وجهها، فلهذا كان بعض الناس يبخِّله . ومن الناس من يجعله من الخلفاء الراشدين
المذكورين في الحديث الاثني عشر المنصوص عليهم في حديث جابر بن سمرة(٩) ، فالله أعلم .
(١) في آ، ط : يونس.
(٢) الكامل لابن الأثير (٥١٤/٧)، سير أعلام النبلاء (١٣ / ٤٧٧)، تاريخ الخلفاء للسيوطي (٥٩٥).
(٣)
((الرّنق)): الكدر .
في السير وتاريخ الخلفاء : على ظِنَّة .
(٤)
في السير : وأخليت دور الملك من كل بازل .
(٥)
(٦)
في ب ، ظا : المجد .
لم يرد هذا البيت في الكامل والسير وتاريخ الخلفاء .
(٧)
في ب ، ظا : ماسك اليد ، وفي ط : يمسك .
(٨)
حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه ، رواه أحمد في المسند (٥/ ٨٧)، والبخاري (١٨١/١٣)، في الأحكام ،
(٩)
باب في الاستخلاف ، ومسلم رقم (١٨٢١) في الإمارة ، باب الناس تبع لقريش، والترمذي رقم (٢٢٢٣) في =

٣٧٤
أحداث سنة ٢٨٩ هـ
وقد عمل أبو العبّاس عبد الله بن المعتزّ العبّاسيّ في ابن عمه المعتضد مرثاةً حسنةً ، يقول فيها١):
وأنتَ والدُ سوء تأكلُ الوَلَدا
يا دَهْرُ وَيْحَكَ ما أبقيتَ لي أحَدا
أستغْفِرُ اللهَ بَلْ ذا كُلُّهُ قَدَرٌ
يا سَاكِنَ القَبْرِ في غَبْرَاءَ مُظْلِمَةٍ
أينَ الجُيوشُ الَّتي قد كُنْتَ تشحنها٣)
أينَ السَّريرُ الَّذِي قد كُنْتَ تَمْلَؤُهُ
أينَ القُصُورُ التي شيَّدْتَها فعلَتْ
قدْ أتعبوا كلَّ مرقالٍ مذكّرةٍ
أينَ الأعادي الألى ذَلَّلْتَ صعبهم(٤)
أينَ الوفودُ على الأبواب عاكفةً
أينَ الرِّجالُ قِياماً في مراتبِهِمْ
أينَ الجيادُ التي حَجَّلْتَها بِدَمٍ
أينَ الرِّماحُ التي غَذَّيْتَها مُهَجاً
أين السيوفُ وأينَ النَّبْلُ مرسلةً
أينَ المجانيقُ أمثالُ الفيولِ إذا
أينَ الفعالُ التي قدْ كنتَ تبدعها
أينَ الجِنانُ التي تجري جَدَاوِلُها
رَضِيتُ بالله ربّاً واحداً صَمَدا
بالطَّاهريَّةِ ٢) مُقْصَى الدَّارِ منفردا
أينَ الكُنُوزُ التي أحْصَيْتَها عَدَدا
مَهابةً مَنْ رأتْهُ عَيْنُهُ ارْتَعَدا
وَلاحَ فيها سَنَا الإبريزِ فاتَّقَدَا
وجناءَ تنثرُ منْ أشداقها الزَّبدا
أينَ اللُُّوثُ التي صَيَّرْتَها نُقَد(٥)
وردَ القطا صفراً ما جالَ واطَّردا
مَنْ رَاحَ منهمْ ولم يقتل فقدْ سعدا
وَكُنَّ يحمِلْنَ منكَ الضَّيْغَمَ الأسَدَا
مُذْ مِثَ ما وَرَدَتْ قَلْباً ولا كَبِدا
يصبْنَ ما شئتَ مِن قَرْنٍ وإن بعدا
رمينَ حائط حصنٍ قائم قعدا
ولا ترى أنَّ عفواً نافعاً أبدا
وتَسْتَجِبُّ إليها الطائرَ الغردا
الفتن ، باب ما جاء في الخلفاء ، من حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه ، ولفظه عند مسلم : لا يزال الإسلام
=
عزيزاً ما وليهم اثنا عشر رجلاً)) ، وله ألفاظ أخر بمعناه ، وكلهم من قريش .
قال الحافظ في الفتح (١٣/ ١٨٥): فإن جميع من ولي الخلافة من الصدّيق إلى عمر بن عبد العزيز أربعة عشر
نفساً ، منهم اثنان لم تصح ولايتهما ، ولم تطل مدتهما ، وهما : معاوية بن يزيد ، ومروان بن الحكم ، والباقون
اثنا عشر نفساً على الولاء، كما أخبر ◌َّر، وكانت وفاة عمر بن عبد العزيز سنة إحدى ومئة، وتغيرت الأحوال
بعده . وانقضى القرن الأول الذي هو خير القرون . تاريخ الخلفاء للسيوطي صفحة (١٠-١٢).
(١) لم ترد الأبيات في ديوانه (ط. صادر)، وورد أكثرها في سير أعلام النبلاء (٤٧٨/١٣)، وتاريخ الخلفاء
للسيوطي (٥٩٧) .
في ظا، ط : بالظاهرية . والطاهرية : قرية ببغداد . ( ياقوت ) .
(٢)
في ب والسير : تسحبها .
(٣)
في السير والتاريخ : مصعبهم .
(٤)
في ب، ظا والسير: بُعَدا، وفي تاريخ الخلفاء بددا. و((النقد)): بضم النون وكسرها : القليل اللحم، وأراد أنها
(٥)
أصبحت ضعيفة هزيلة .

٣٧٥
خلافة المكتفي بالله
أينَ الوصَائفُ كالغِزلانِ رائحةً
أين الملاهي وأينَ الرَّاحُ تَحسَبُها
أينَ الوثوبُ إلى الأعداءِ متَبعا١ً)
ما زِلْتَ تقسِرُ مِنْهُمْ كلَّ قَسْوَرةٍ
ثم انقضَيْتَ فلا عَيْنٌ ولا أثَرٌ
لا شيءَ يبقى سوى خيرٍ تُقدّمُهُ
ورواها ابن عساكر في ((تاريخه)) الكبير(٣).
يَسْحَبْنَ مِنْ حُلَلٍ موشِيَّةٍ جُدُدَا
ياقُوتةً كُسِيَتْ مِنْ فِضَّةٍ زَرَدا
صلاحَ مُلكِ بَنِي العَبَّاسِ إِذْ فِسَدا
وتَخْبِطُ العاتيّ(٢) الجَبَّارَ مُعْتَمِدا
حتَّى كأنَّك يوماً لَمْ تكُنْ أحدا
ما دامَ مُلكٌّ لإنسانٍ ولا خَلُدا
خلافة المكتفي بالله أبي محمد(٤)
عليّ بن المعتضد بالله أمير المؤمنين . بويع له بالخلافة بعد موت أبيه في ربيع الأول من هذه السَّنة ،
وليس في الخلفاء من اسمه عليّ سوى هذا ، وعليّ بن أبي طالب ، وليس فيهم من يُكنى بأبي محمّد إلا
هذا ، والحسن بن عليّ بن أبي طالب ، والهادي ، والمستضيء بأمر الله .
وحين ولِّي المكتفي بالله بعد أبيه ، كثرت الفتن وانتشرت في البلاد .
وفي رجب زلزلت الأرض زلزلةً عظيمة جداً .
وفي رمضان تساقط وقتَ السَّحر من السَّماء نجومٌ كثيرةٌ ، ولم يزل الأمر كذلك حتى طلعت الشمس .
ولما أفضت الخلافة إليه كان بالرَّقَّة ، فكتب إليه الوزيرُ وأعيانُ الأمراء ، فركب ودخل بغداد في يومٍ
مشهود ، وذلك يوم الإثنين لثمانٍ خلون من جمادى الأولى من هذه السنة .
وفيها في هذا اليوم أمر بقتل عمرو بن الليث الصَّفَّار ، وكان معتَقلاً في سجن أبيه ، وأمر بتخريب
المَطَامير التي كان اتخذها أبوه للسجن ، وأمر ببناء جامع مكانها .
وخلع في هذا اليوم على الوزير القاسم بن عُبَيد الله بن سليمان بن وَهْب ست خِلَع ، وقلَّده سيفاً .
وكان عمره يومئذٍ خمساً وعشرين سنة ، وبضع أشهرٍ .
(١) في ط والسير وتاريخ الخلفاء : مبتغياً .
في ظا : العاند ، وفي السير وتاريخ الخلفاء : العالي .
(٢)
(٣)
سقطت مع ترجمة المعتضد من مخطوطة تاريخ ابن عساكر .
تاريخ بغداد (٣١٦/٦٦)، المنتظم (٣١/٦ -٣٣)، و(٧٩ - ٨٠)، الكامل لابن الأثير (٥١٦/٧) و(٨/٨)، سير
(٤)
أعلام النبلاء (٤٧٩/٣)، تاريخ الخلفاء للسيوطي (٦٠٠)، شذرات الذهب (٢١٩/٢).
وسيترجم له المؤلف في حوادث سنة (٢٩٥) .

٣٧٦
وفيات سنة ٢٨٩هـ
وفي هذه السنة : انتشرت القرامطة بعد موت المعتضد في الآفاق ، وقطعوا الطريق على الحجيج ،
وتسمَّى بعضُهم بأمير المؤمنين . فبعث المكتفي إليهم جيوشاً كثيرة ، وأنفق أموالًا غزيرة ، حتَّى أطفأ الله
بعض شرِّهم ؛ قبَّحهم الله .
وفي هذه السنة : خرج محمد بن هارون عن طاعة إسماعيل بن أحمد السَّاماني ، وكاتبه أهل الرَّيّ بعد
قتله محمد بن زيد الطالبيّ ، فصار إليهم ، فسلّموا إليه البلد ، فاستحوذ عليها ، فقصده إسماعيل بن
أحمد بالجيوش ، فقهره وأخرجه منها مذموماً مدحوراً .
قال ابن الجوزي في ((المنتظم)(١): وفي يوم التاسع من ذي الحجّة صلَّى الناس العصر في زمن
الصيف ، وعليهم ثياب الصيف ، فهبَّت ريح باردة جدّاً، حتى احتاج الناس مع ذلك إلى الاصطلاء
بالنار ، ولبسوا الفراء والمحشوات ، وجمد الماء كفصل الشتاء .
قال ابن الأثير(٢): وكذا وقع بمدينة حمص .
قال(٣) : وهبت ريح عاصف بالبصرة ، فاقتلعت شيئاً كثيراً من نخيلها ، وخسف بموضع منها ،
فمات تحته ستة آلاف نسمة .
قال ابن الأثير(٤) وابن الجوزي(٥) : وزلزلت بغداد في رجب من هذه السنة مرّات متعددة ، ثم
سکنت .
وحجَّ بالناس في هذه السنة الفضل بن عبد الملك الهاشميّ .
وممن توفي فيها من الأعيان :
إبراهيم بن محمد بن إبراهيم ، أحد الصُّوفية الكبار . قال ابن الأثير(٦) : وهو من أقران السَّرِيّ
السَّقَطَيّ. [ قال: لأن ترد إلى الله ذرة من همك خير لك مما طلعت عليه الشمس ]٧) .
أحمد بن محمّد المعتضد بالله ، غلب عليه سوء المزاج والجفاف لكثرة الجماع ، وكان الأدباء
(١)
المنتظم (٦/ ٣٣) .
الكامل لابن الأثير (٥٢٢/٧).
(٢)
(٣)
المصدر السابق (٧/ ٥٢٢) .
المنتظم (٣٣/٦)، والكامل لابن الأثير (٧/ ٥٢٢).
(٤)
المنتظم (٣٣/٦)، والكامل لابن الأثير (٥٢٢/٧).
(٥)
الكامل (٥٢٢/٧) وفيه: أبو حمزة بن محمد بن إبراهيم الصوفيّ ، وقد اختلف في سنة وفاته فقيل : سنة ٢٦٩ ،
(٦)
وقيل سنة ٢٨٩ ، سير أعلام النبلاء (١٣ /١٦٥ -١٦٨)، ومصادر ترجمته.
(٧) ما بين قوسين زيادة من ( ط ) فقط.

٣٧٧
أحداث سنة ٢٩٠ هـ
يصفون له ما يرطب بدنه ، فيستعمل ضدّ ذلك حتى سقطت قوته ، وقد ذكرنا كيفية وفاته في ترجمته آنفاً .
بدر غلام المعتضد ورأس الجيش(١) : كان القاسم بن عبيد الله الوزير قد عزم في حياة المعتضد على
أن يصرف الخلافة عن أولاد المعتضد ، وفاوض في ذلك بدراً هذا ، فامتنع عليه وأبى إلا البيعة لأولاد
مولاه . فلمَّا ولي المكتفي خاف الوزير من غائلة ما كان أسرَّ به إلى بدر ، فعمل عليه في الباطن عند
المكتفي ، ولم يزل حتى احتاط الخليفة على حواصله وأمواله وهو بواسط ، ثم بعث إليه بالأمان ، فقدم ،
فأمر الوزير مَنْ قتله ، فقتل يوم الجمعة لستِّ خلون من رمضان من هذه السنة ، وحمل رأسه ، وبقيت جثته
فأخذها أهله ، ثم بعثوها في تابوت إلى مكة ، فدفن بها ، وذلك أنَّه أوصى بذلك ، وكان قد أعتق كلَّ
مملوك له قبل وفاته . وحين أريد قتله صلَّى ركعتين لله عزَّ وجلَّ ، ثم قتلوه .
الحسين بن محمد(٢) : ابن عبد الرحمن بن الفَهْم بن مُحْرز بن إبراهيم ، أبو علي ، الحافظ
البغدادي .
سمع خَلَف بن هشام ، ويحيى بن مَعين ، ومحمد بن سَعد ، وغيرهم .
وعنه : الخُطَبِيّ ، والطُّوماري . وكان عِسراً في التحديث إلا لمن لازمه ، وكانت له معرفة جيدة
بالأخبار والنسب والشعر وأسماء الرجال ، يميل إلى مذهب العراقيين في الفقه . مات عن ثمان وسبعين
سنة. وقد قال الدَّار قطني(٣): ليس بالقوي.
عمارة بن وثيمة بن موسى، أبو رفاعة الفارسي(٤)، صاحب (( التاريخ)) على السنين ، وقد ولد
بمصر ، وحدث عن أبي صالح كاتب الليث ؛ وغيره .
عمرو بن الليث الصَّفَّارُ(٥) ، أحد الأمراء الكبار ، قُتِلَ في السّجن أوّل ما قدِمَ المكتفي بغداد .
[ ثقَ دخلت ] سنة تسعين ومئتين من الهجرة النبوية
فيها : أقبل يحيى بن زَكْرَوَيْه بن مهرويه ، أبو القاسم القرمطيّ ، المعروف بالشيخ ، في جحافل من
القرامطة ، فعاث بناحية الرَّقَّة فساداً ، فجهز إليه الخليفة جيشاً كثيفاً في نحو عشرة آلاف فارس .
(١) تاريخ الطبري (٨٩/١٠)، والمنتظم (٣٤/٦)، والكامل لابن الأثير (٥١٧/٧).
(٢) تاريخ بغداد (٩٢/٨)، المنتظم (٣٦/٦)، سير أعلام النبلاء (٤٢٧/١٣)، طبقات الحفاظ (٢٩٥)، شذرات
الذهب (٢٠١/٢) .
(٣) سؤالات الحاكم للدارقطني (٨٥)، وتاريخ بغداد (٨/ ٩٢).
(٤)
المنتظم (٣٧/٦) .
(٥) تاريخ الطبري (٨٨/١٠)، والكامل لابن الأثير (٥١٦/٧).

٣٧٨
وفيات سنة ٢٩٠ هـ
وفيها : ركب الخليفة المكتفي بالله من بغداد إلى سامُرّا يريد الإقامة بها ، فثنى رأيه عن ذلك الوزير
القاسم بن عبيد الله ، ورجع به إلى بغداد .
وفيها : قتل يحيى بن زَكْرَوَيْه بن مهرويه على باب دمشق ، قتله جيش المصريين ، زرقه رجل من
المغاربة بمزراق من نار فحرقه ، وذلك بعدما كان قتل خلقاً كثيراً من جيشها ، من أصحاب طغج بن
جفّ ، نائبها ، ثم مَنَّ الله على الناس بقتله ، ففرح المسلمون بذلك فرحاً شديداً ، فقام بأمر القرامطة من
بعده أخوه الحسين ، وتسمَّى بأحمد ، وتكنَّى بأبي العبَّاس ، تلقَّب بأمير المؤمنين ، وأطاعته القرامطة ،
فحاصر دمشق ، فصالحه أهلها على مالٍ ، ثم سار إلى حمص فافتتحها ، وخُطِبَ له على منابرها ، ثم سار
. إلى حَماة ومعرَّة النعمان ، فقهر أهلَ تلك النواحي واستباح أموالهم وحريمهم ، فكان يقتل الدَّوابّ
والصبيان في المكاتب ، ويبيح لمن معه وطء النساء ، فربما وطىء الواحدةَ الجماعةُ الكثيرة من الرجال ،
فإذا ولدت هنّىء به كلُّ واحدٍ منهم ، فكتب أهل الشام إلى الخليفة يشكون إليه ما يلقون من هذا اللعين ،
فجهز المكتفي جيوشاً كثيفة ، وأنفق أموالاً جزيلة لحربه ، وركب في رمضان ، فنزل الرَّقَّة ، وبثَ
الجيوش في كلِّ جانبٍ لقتال القُرْمُطيّ ، وكان القُرْمُطيُّ يكتب إلى أصحابه : من عبد الله أحمد بن عبد الله
المهدي المنصور بالله ، الناصر لدين الله ، القائم بأمر الله ، الحاكم بحكم الله ، الدَّاعي إلى كتاب الله ،
الذات عن حريم الله ، المختار من ولد رسول الله . وكان يدَّعي أنه من سلالة عليّ بن أبي طالب من
فاطمة ، وهو كاذب أفك [ في ذلك }(١)؛ قَبَّحه الله ، فإنه كان من أشدّ الناس عداوةً لقريش ، ثم لبني
هاشم؛ دخل سَلَمِيّةُ(٢) فلم يَدَعْ بها أحداً من بني هاشم حتى قتله ، وقتل أولاده ، واستباح نساءه .
وفيه : ولي ثغر طَرَسُوس أبو العشائر أحمد بن نصر ، عوضاً عن مظفّر بن حاج ؛ لشكوى أهل الثغر
منه .
وحجَّ بالناس الفضل بن محمد العباسي(٣).
وممن توفي فيها من الأعيان :
عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل (٤) : أبو عبد الرَّحمن الشَّيْيانيّ . كان إماماً حافظاً ثقة ثبتاً ، مكثراً عن
أبيه وغيره .
(١) من ب ، ظا .
((سَلمية)) : بليدة تعدّ من أعمال حمص .
(٢)
في الطبري وابن الأثير والمنتظم: (( الفضل بن عبد الملك بن عبد الله بن العباس بن محمد)).
(٣)
تاريخ بغداد (٣٧٥/٩)، طبقات الحنابلة (١/ ١٨٠)، المنتظم (٣٩/٦)، سير أعلام النبلاء (٥١٦/١٣)، تهذيب
(٤)
الكمال (٢٨٥/١٤)، تهذيب التهذيب (١٤١/٥)، شذرات الذهب (٢٠٣/٢).

٣٧٩
وفيات سنة ٢٩٠هـ
قال ابن المنادي(١): لم يكن أحد أروى عن أبيه منه؛ سمع منه ((المُسْنَد)) ثلاثين ألفاً، و((التفسير))
مئة ألف حديث وعشرون ألفاً؛ من ذلك سماع، ومن ذلك وجَادة(٢)؛ ومن ذلك ((النَّاسخ والمنسوخ))،
و ((المقدَّم والمؤخّر في كتاب الله)) و((التاريخ))، و((حديث شعبة)) و((جوابات القرآن))، و((المناسك
الكبير))، و((الصّغير))، وغير ذلك من التَّصانيف، وحديث الشُّيوخ.
قال(٣) : وما زلنا نرى أكابرَ شيوخنا يَشهدون له بمعرفة الرِّجال، وعلل الحديث، والأسماء
والكُنى ، والمواظَبة على طلب الحديث في العراق وغيرها ، ويذكرون عن أسلافهم الإقرار له بذلك ،
حتَّى إنَّ بعضَهم أسرَفَ في تقريظه إيّاه بالمعرفة ، وزيادة السَّماع للحديث على أبيه .
ولمَّا مرض ، قيل له : أين تُدفن؟ فقال: صحَّ عندي أنَّ بالقطيعةُ(٤) نبيّاً مدفوناً ، ولأنْ أكونَ في
جوار نبيِّ أحبُّ إليَّ من أن أكون في جوار أبي (٥).
فمات في جمادى الآخرة في هذه السنة عن سبع وسبعين سنة ، كما مات لها أبوه ، وكان الجمع كثيراً
جدّاً، وصلَّى عليه زهير ابن أخيه ، ودفن في مقابر التِّبن ، رحمه الله .
عبد الله بن أحمد بن سعيد ، أبو بحر الرباطي المروزي ، صحب أبا تراب النَّخشبي ، وكان الجنيد
يمدحه ويثني عليه (٦) .
عمر بن إبراهيم ، أبو بكر ، الحافظ ، المعروف بأبي الآذان ، وكان ثقة ثبتا٧ً) .
محمد بن الحسين بن الفرج، أبو ميسرة الهمداني، صاحب ((المسند))، وكان أحد الثقات
المشهورين ، والمصنفين المنصفين(٨).
محمد بن عبد الله أبو بكر الزَّقَّاق (٩) : أحد أئمة الصوفية وعبَّادهم . رُوي عن الجنيد أنه قال: رأيتُ
(١) سير أعلام النبلاء (١٣/ ٥٢١)، وابن المنادي هو: أبو الحسين ، أحمد بن جعفر بن المنادي.
(٢) في ب ، ظا، ط: إجازة ، ويوافق ما أثبته ما جاء في السير ، الحاشية رقم (٢) منه. وقد ردَّ الحافظ الذهبي هذه
الحكاية التي قالها ابن المنادي ، وبين عدم وجود مثل هذا التفسير الكبير للإمام أحمد (السير ١٣/ ٥٢٢).
(٣)
أي ابن المنادي ، سير أعلام النبلاء (١٣/ ٥٢١).
(٤)
هي قطيعة أم جعفر ، وبإزائها باب التبن حيث دفن عبد الله بن أحمد بن حنبل .
(٥)
سير أعلام النبلاء (١٣ / ٥٢٣) .
(٦)
المنتظم (٦/ ٤٠)، وزاد بعدها: ويقول : هو رأس فتيان خراسان، وكان كريماً حسن الخلق .
(٧)
المنتظم (٤١/٦) وفيه : سكن سُرَّ من رأى، وتوفي بها في هذه السنة ، وله ثلاث وستون سنة.
(٨)
المنتظم (٦/ ٤٢).
(٩) في آ، ب، ط: الدقاق وأثبت ما جاء في ظا، وهو يوافق ما في المنتظم (٤٢/٦)، نقلاً عن السمعاني في
الأنساب . وفي صفة الصفوة (٢/ ٤١٥) : الرقاق.

٣٨٠
أحداث سنة ٢٩١ هـ
إبليس في المنام وكأنه (١) عريان، فقلت : ألا تستحي من الناس ؟ فقال: وهؤلاء أناس ؛ وأنا ألعب بهم
كما يلعب الصبيان بالكرة! إنَّما الناس جماعة في مسجد الشُّونِيزيّ قد أضنوا قلبي ، و[ وأتعبوا
جسدي }٢)، كلَّما هممت بهم أشاروا إلى الله عزَّ وجلَّ، فأكاد أحترق ! [ قال ]٣): فلمَّا انتبهت لبست
ثيابي وقصدت مسجد الشُّونيزي ، فإذا فيه ثلاثة جُلوسٌ ورؤوسهم في مرقَّعاتهم ، فرفع أحدهم رأسه من
جيبه، فقال : يا أبا القاسم ! أنت كلَّما قيل لك شيء تقبل؟ فإذا هم: أبو بكر الزَّقَّاق(٤) ، وأبو الحسين
النّوري، وأبو حمزة(٥) .
محمد بن عليّ بن علَّويه بن عبد الله الجرجانيّ ، الفقيه الشافعيّ، تلميذ المُزنيّ، ذكره ابن الأثير(٦).
٠
ثقَّ دخلت سنة إحدى وتسعين ومثتين
فيها : جرت وقعة عظيمة هائلة بين القرامطة وجند الخليفة ، فهُزمت القرامطة هزيمة عظيمة ، وأسر
رئيسهم الحسين بن زَكْرَوَيْه ، الملقب بأمير المؤمنين ، الذي يقال له : ذو الشامة ، وقد تسمَّی كما ذكرنا
بأحمد ، وتكنّى بأبي العباس ، والتف عليه خلائق من الأعراب وغيرهم ، واستفحل أمره جداً . فلما أُسِرَ
حُمِلَ إلى الخليفة في جماعة كثيرة من رؤوس أصحابه ، وأدخل بغداد على فيل مشهور للناس ، فأمر
الخليفة بعمل دقَّةٍ مرتفعةٍ ، فأجلس عليها القُرمطيّ ، وجيء بأصحابه ، فجعل يضرب أعناقهم بين يديه
وهو ينظر ، وقد جعل في فمه خشبة معترضة مشدودة إلى قفاه ، ثم أنزل فضرب مئتي سوط ، ثم قطعت
يداه ورجلاه ، وكوي ، ثم أحرق ، وحُمِلَ رأسه على خشبة وطيف به في أرجاء بغداد ، وذلك في شهر
ربيع الأول (٧) .
وفيها : قصدت الأتراك بلاد ما وراء النهر في جحافلَ عظيمة ، فبيَّتهم المسلمون فقتلوا منهم خلقاً
كثيراً وجمّاً غفيراً [ لا يحصون (٨)، وسبَوا منهم ما لا يحصون كثرة ﴿ وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُواْ
خَيْرًا﴾ [الأحزاب: ٢٥].
فى ا، ظا : وكان عرياناً ، وما أثبته من ب والمنتظم وصفة الصفوة .
(١)
(٢) زيادة من ط .
(٣)
زيادة من ط .
(٤)
في أ، ب ، ط : الدقاق .
المنتظم (٤٢/٦)، وصفة الصفوة (٤١٥/٢).
(٥)
الكامل (٥٢٩/٧).
(٦)
المنتظم (٦/ ٤٣).
(٧)
من ب ، ظا .
(٨)