النص المفهرس
صفحات 321-340
٣٢١ وفيات سنة ٢٧٧ هـ وروى ابن عساكر(١) عنه أنَّه قال : كنتُ أكتب في الليل على ضوء السِّراج في زمن الرحلة ، فبينا أنا ذات ليلة إذ وقع شيء على بصري ، فلم أبصر معه السِّراجَ ، فجعلت أبكي على ما فاتني من ذهاب بصري ، وما يفوتني بسبب ذلك من كتابة حديث رسول الله بَير، وما أنا فيه من الغربة ، ثم غلبتني عيني فنمت ، فرأيتُ رسولَ اللهِوَ له في المنام، فقال: ما لك (٢) ؟ فشكوت إليه ما أنا فيه من الغربة ، وما فاتني من كتابة السنة . فقال : اذْنُ مِنِّي ، فدنوتِ منه ، فوضع يده على عيني ، وجعل كأنه يقرأ شيئاً من القرآن . ثم استيقظت فأبصرت ، وجلست أنسخ . وقد أثنى عليه أبو زُرْعة الدمشقيّ ، والحاكم أبو عبد الله النيسابوري ، وقال : هو إمام أهل الحديث بفارس ، وقدم نيسابور وسمع منه مشايخنا ، وقد نسبه بعضهم إلى التشيّع . وذكر ابن عساكر(٣) : أن يعقوب بن الليث صاحب فارس بلغه عنه أنه يتكلم في عثمان بن عفان ، فأمر بإحضاره ، فقال له وزيره : أيها الأمير ، إنه لا يتكلّم في شيخنا عثمان بن عفان السِّجزي ، وإنما يتكلم في عثمان بن عفان الصحابي ، فقال : دعوه ، ما لي وللصحابي(٤) ، إني حسبته يتكلّم في شيخنا [ عثمان بن عفان السِّجزي }٥) . قلت : وما أظنُّ هذا صحيحاً عن يعقوب بن سفيان ؛ فإنَّه إمام محدِّث كبيرُ القدر ، وقد كانت وفاته قبل أبي حاتم الرَّازي بشهر في رجب من هذه السنة بالبصرة ، رحمه الله . وقد رآه بعضهم في المنام ، فقال له : ما فعل بك ربُّك ؟ قال : غفر لي وأمرني أن أمليَ الحديث في السَّماء كما كنت أمليه في الأرض ، فجلَسْتُ للإملاء في السماء الرابعة ، وجلس حولي جماعةٌ من الملائكة ؛ منهم جبريل ، يكتبون ما أمليه من الحديث بأقلام الذهب . وأما عَريب المأمونيّة (٦): فقد ترجمها الحافظ ابن عساكر في (( تاريخه))، وحكى قولاً لبعضهم أنها ابنة جعفر بن يحيى بن خالد البَرْمكي ، سُرِقَتْ وهي صغيرة عند ذهاب دولة البرامكة ، وبِيعتْ ، (١) حرف الياء من تاريخ ابن عساكر ساقط في النسخ المخطوطة المتوفرة منه. سير أعلام النبلاء (١٨١/٤١٣)، وتهذيب التهذيب (١١/ ٣٨٧)، وتهذيب الكمال ( لوحة ١٥٥١). (٢) في ب ، ظا : مالك كثيباً . (٣) سير أعلام النبلاء (١٣/ ١٨٢). (٤) في ب ، ظا : وللصحابة . (٥) زيادة من ط . (٦) الأغاني (٥٤/٢١ - ٩١)، تاريخ ابن عساكر تراجم النساء (ص٢٢٩ - ٢٣٩)، وابن الأثير (٧/ ٤٤٠). ٣٢٢ وفيات سنة ٢٧٧ هـ فاشتراها١) المأمون بن الرشيد . ثم روى (٢) عن حمّاد بن إسحاق، عن أبيه أنه قال: ما رأيت امرأةً قطّ أحسنَ وَجْهاً ، وأدَباً، وغناءً، وضَرْباً، وشِعراً، ولَعِباً بالشِّطْرنج والنَّرْد منها ؛ وما تشاء أن تجدَ خَصْلَة حسنةً ظريفةً بارعةً في امرأةٍ إلا وجدتَها فيها . وقد كانت شاعرة مطيفة فصيحةً بليغةً ؛ كان المأمون يتعشَّقُها ، ثم أحبَّها بعده المعتصم ، وكانت هي تتعشَّق لرجلٍ يقال له : محمد بن حامد (٣) ، وربما أدخلته إليها في دار الخلافة ، قبَّحها الله ، على ما ذكره ابن عساكر عنها . ثم تعشَّقت صالحاً المنذريّ ، وتزوجته سراً ، وكانت تقول فيه الشعر ، وربما غنّته بين يدي المتوكّل وهو لا يشعر فيمن هو ، فيضحك جواريه من ذلك ، فتقول لهن : يا سحّاقات ، هذا خيرٌ من عملكن(٤). وقد أورد ابن عساكر شيئاً كثيراً من شعرها ، فمن ذلك أنَّها لمَّا دخلت على المتوكّل تعودُه من مرض أصابه ، أنشدته من شعرها وغنّته به(٥) : أتَوْني فَقَالوا : بالخليفةِ عِلَّةٌ فقلْتُ ونارُ الشَّوقِ تُوقدُ في صدري فكانتْ بيَ الحمَّى وكانَ له أجْري مِنَ الحُزْنِ إِنِّي بعدَ هذا لَذُو صَبْري وذاكَ قليلٌ للخليفةِ مِنْ شكري ألا لَيْتَ بي حُمَّى الخليفةِ جعفرٍ كفى حَزَناً أن قيلَ حُمّ فلم أمُتْ جُعِلْتُ فِداءً للخليفةِ جعفرٍ ولمَّا عُوفي دخلت عليه ، فغنَّته من قبلها٦) : دُمْتَ المعافَى من الآلام والسَّقَمِ واهتزَّ نَبْتُ رياضِ الجُودِ والكِرَمِ أَعَفُّ منكَ ولا أرعى على الذِّمَمِ شكراً لأنْعُم مَنْ عافاكَ مِنْ سَقَمٍ عادَتْ بُنُورِكَ للأيَّامِ بهجَتُها ما قامَ الدِّينِ بعدَ المصطفى مَلِكٌ فعمَّرَ اللهُ فينا جعفَراً ونفى بِنُورِ سَتِهِ عنَّا دُجَى الظُّلَمِ ولها في عافيته أيضً ٧) : في تاريخ ابن عساكر : واشتراها الأمين ، ثم اشتراها المأمون . (١) ابن عساكر ( تراجم النساء) (ص٢٢٩)، الأغاني (٢١/ ٥٤). (٢) في الأغاني : محمد بن حامد الخاقاني المعروف بالخشن ، أحد قواد خراسان ، وكان أشقر أصهب الشعر أزرق (٣) العينين . الأغاني (٢١/ ٧٢)، ابن عساكر تراجم النساء (ص ٢٣٥) . (٤) تاريخ ابن عساكر تراجم النساء (ص ٢٣٣) (٥) تاريخ ابن عساكر تراجم النساء (ص ٢٣٣) . (٦) تاريخ ابن عساكر تراجم النساء (ص ٢٣٤). (٧) ٣٢٣ أحداث سنة ٢٧٨ هـ على رُغْمٍ أشياخِ الضّلالةِ والكُفْرٍ حَمِدنا الذي عافَى الخليفةَ جَعْفراً وما كانَ إلا مثلَ بَدْرٍ أصابهُ سلامَتُهُ الدِّينِ عِزٌّ وَقُوَّةٌ مَرِضْتَ فأمرضْتَ البَريَّةَ كلَّها فلما استبانَ الناسُ مِنْكَ إفاقةً سلامةُ دنيانا سلامةُ جَعْفَرٍ كُسُوفٌ قِلَيْلٌ ثم أجْلَى عنِ البَدْرِ وعِلَُّه للدِّينِ قاصمةُ الظّهرِ وأظلَمَتِ الأمصارُ من شدَّةِ الذُّعرِ أفاقوا وكانوا كالنِّيالمُ(١) على الجَمْرِ فدامَ معافاً سالماً آخِرَ الدَّهرِ قريباً مِنَ التَّقوى بَعِيداً مِنَ الوِزْرِ إمامٌ يعمُّ الناسَ بالفضلُ(٢) والتُّقى ولها من الأشعار الرائقة الفائقة شيء كثير ، وفيما ذكرنا كفاية ، والله الموفق للصواب . قال ابن عساكر(٣) : بلغني أن مولدها في سنة إحدى وثمانين ومئة ، وتوفيت سنة سبع وسبعين ومئتين بسُرَّ من رأى ، ولها ستٌّ وتسعون سنة . ثم دخلت سنة ثمان وسبعين ومئتين قال ابن الجوزي(٤): في المحرم من هذه السنة طلع نجم ذو جُمَّة٥ٍ) ثم صارت الجُمَّةُ ذؤابةً(٦) . قال(٧) : وفي هذه السنة غار ماء النيل ، وهذا شيء لم يعهد مثله ، ولا بلغنا في الأخبار السابقة ، فغلت الأسعار بمصر بسبب ذلك جداً . قال(٨) : وخلع على عبيد الله بن سليمان بن وهب بالوزارة . قال(٩) : وفي المحرم منها قدم الموفَّق أبو أحمد من الغزو فتلقاه الناس إلى النهروان ، فدخل بغداد وهو مريض بالنقرس ، فاستقرَّ في داره في أوائل صفر ، ومات بعد أيام ، كما سيأتي في ترجمته في هذه السنة . - تاريخ ابن عساكر : كالقيام . (١) في ب ، ظا : بالعقل ، وفي تاريخ ابن عساكر بالعدل . (٢) (٣) تاريخ دمشق تراجم النساء (ص٢٣٩) . المنتظم (١٠٩/٥)، الطبري (١٩/١٠). (٤) ((الجُمَّة)»: مجتمع شعر الرأس . (٥) ((الذؤابة)) : الشعر المضفور من شعر الرأس . (٦) المنتظم (١١٠/٥) . (٧) المنتظم (١٠٩/٥) . (٨) (٩) المنتظم (١٠٩/٥). ٣٢٤ أول ظهور القرامطة [ أول ظهور القرامطة في سنة ثمان وسبعين ومئتين](١) قال ابن الجوزي(٢): وفي هذه السنة تحركت القرامطة، قبّحهم الله، وهم فرقة من الزنادقة الملاحدة أتباع الفلاسفة من الفرس الذين يعتقدون نبوّة زرادشت ومزدك ، وكانا يبيحان المحرمات . ثم [ هم ]٣) بعد ذلك أتباعُ كلِّ ناعقٍ إلى باطلٍ ، وأكثر ما يدخلون من جهة الرافضة(٤) ؛ لأنَّهم أقلُّ الناس عندهم وعند غيرهم عقولاً . ويقال لهم : الإسماعيلية ؛ لانتسابهم إلى إسماعيل الأعرج بن جعفر الصادق . ويقال لهم : القرامطة ؛ قيل : نسبة إلى قِرْمِط بن الأشعث البقار(٥). وقيل : إن رئيسهم كان في أول دعوته يأمر من اتبعه بخمسين(٦) صلاة في كُلِّ يوم وليلة ؛ ليشغلهم بذلك عمَّا يريد تدبيره من المكيدة . ثم اتخذ نقباء اثني عشر، وأسس لأتباعه دعوة ومسلكاً ، ودعا إلى إمام من أهل البيت . ويقال لهم : الباطنية ؛ لأنهم يظهرون الرفض ويبطنون الكفر المحضَ ، والخُرَّميَّة ، والبابكيَّة نسبة إلى بابَك الخرَّميّ الذي ظهر في أيام المعتصم ، فلم يزل يبعث خلفه الجيوش حتى جيء به أسيراً فقتله ، كما ذكرنا فيما سبق (٧) . ويقال لهم : المُحَمِّرة نسبة إلى صبغ الحمرة شعاراً ، مضاهاة لسواد بني العباس . والتعليمية ، نسبة إلى التعلم(٨) من الإمام المعصوم ، وترك الرأي ومقتضى(٩) العقل . ويقال لهم : السبعية ، نسبة إلى القول بأن الكواكب السبعة المتحيِّزة السيّارة مدبِّرة لهذا العالم فيما يزعمون ، لعنهم الله . وهي القمر في الأولى ، وعطارد في الثانية ، والزهرة في الثالثة ، والشمس في الرابعة ، والمرِّيخ في الخامسة ، والمشتري في السادسة ، وزحل في السابعة . (١) زيادة من ب ، ظا. (٢) المنتظم (١١٠/٥). (٣) من ب ، ط . في ب ، ظا : القرامطة . (٤) (٥) في المنتظم : قرمط بن الأشعب ، البقال . (٦) في اً: بخمس صلوات . حوادث سنة ٢٢٢ و٢٢٣ . (٧) (٨) في ب ، ظا : التعليم . في المنتظم : وإفساد تصرف العقل . (٩) ٣٢٥ أول ظهور القرامطة قال ابن الجوزي(١) : وقد بقي من البابكيّة جماعةٌ يقال: إنهم يجتمعون في كلِّ سنة ليلة هم ونساؤهم ، ثم يطفئون المصابيح ، وينتهبون النساء ، فمن وقع في يده امرأة حلت له ؛ ويقولون : هذا اصطياد مباحٌ ، لعنهم الله . وقد بسط أبو الفرج بن الجوزي في هذا الموضع من تاريخه المسمَّى (( بالمنتظم )) تفصيل قولهم ، لعنهم الله . وقد سبقه إلى ذلك القاضي أبو بكر الباقلاني (٢) المتكلِّم المشهور في كتابه ((هتك الأستار وكشف الأسرار )) في الردِّ على الباطنية ، في الكتاب الذي جمعه بعض قضاتهم بديار مصر في أيام الفاطميين الذي سماه (( البلاغ الأعظم والناموس الأكبر)) جعله ست عشرة درجة ، أول درجة: أن يدعوَ من يجتمع به أولاً إن كان من أهل السُّنَّة إلى القول بتفضيل عليٍّ على عثمان ، ثم ينتقل به إذا وافقه على ذلك إلى تفضيله على الشيخين أبي بكر وعمر ، ثم يترقَّى من ذلك إلى سبِّهما ؛ لأنهما ظلما علياً وأهلَ البيت الحقّ ، ثم يترقَّى بعد ذلك إلى تجهيل الأمة وتخطئتها في موافقة أكثرهم على ذلك ، ثم يشرع في القدْح في دين الإسلام من حیث هو . وقد ذكر لمخاطبته(٣) شبهاً وضلالات لا تروج إلا على كل غبيٍّ جاهل شقيٍّ ؛ كما قال تعالى : ﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُّكِ ﴿ إِنَّكُمْ لَفِى قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ ﴿َ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ [ الذاريات: ٧ - ٩]، أي يضلّ به من هو ضال. وقال تعالى: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ ﴿ مَآَ أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَتِينَّ (٨٦) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ اَلْحَحِيمِ﴾ [الصافات: ١٦١ - ١٦٣]. وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍ عَدُوًّا شَيَطِيْنَ اُلْإِنِسِ وَالْجِنِّ يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضِ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًاً وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ ! وَلِنَصْغَّىَ إِلَيْهِ أَفْعِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتِفُواْ مَا هُم مَا فَعَلُوَّةٌ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ تُقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢ - ١١٣]. والآيات في هذا المعنى كثيرة، ومضمونها أنَّ الجهلَ والصَّلال لا ينقاد له إلَّا شرار الرجال ، كما قال بعضُ الشعراء : إِنْ هو مستحوذاً على أحدٍ إلا على أضْعَفِ المَجَانِينِ ثم بعد هذا كلُّه لهم مقامات في الكفر والجهل والسخافة والُّعونة ما لا ينبغي لضعيف عقلٍ أو دينٍ ، أو تصور سماعه ، مما فتح عليهم إبليس من أبواب وأنواع الجهالات ، وربما أفاد بعضهم إبليس أشياء لم تكن عنده ، كما قال بعضهم : وكنتُ أمراً من جندٍ إبليسَ بُرهةً مِنَ الدَّهرِ حتَّى صَارَ إبليسُ مِنْ جُندي (١) المنتظم (١١٤/٥). (٢) هو محمد بن الطيب بن محمد ، من كبار علماء الكلام ، انتهت إليه الرئاسة في مذهب الأشاعرة . ولد في البصرة وسکن یغداد ، وتوفي فيها سنة ٤٠٣ هـ . (٣) بعدها في ط : لمن يريد أن يخاطبه بذلك . ٣٢٦ أول ظهور القرامطة والمقصود : أنَّ هذه الطائفة تحرَّكت في هذه السنة ، ثم استفحل أمرهم ، وتفاقم الحال بهم ، على ما سنذكره ، حتى آل الحال إلى أن دخلوا المسجد الحرام ، فسفكوا فيه دماء الحجيج في وسط المسجد حول الكعبة المكرمة ، وكسروا الحجر الأسود ، واقتلعوه من موضعه ، وذهبوا به إلى بلادهم في سنة سبع عشرة وثلاثمئة ، ثم لم يزل عندهم إلى سنة تسع وثلاثين وثلاثمئة ، فمكث غائباً عن موضعه ثنتين وعشرين سنة ، فإنا لله وإنا إليه راجعون(١) . واتفق في هذه السنة شيئان ؛ أحدهما : ظهور هؤلاء ، والثاني : موتُ حسام الإسلام وناصر الدين أبي أحمد الموفَّق ، تغمده الله برحمته ، وأسكنه بحبوحة جنته ، بكرمه ومنّه . لكن أبقى الله للمسلمين بعده ولده أبا العباس أحمد بن أبي أحمد الموفَّق ، الملقب بالمعتضد . وقد كان [ الموفَّق أبو أحمد (٢) شهماً شجاعاً فاتكاً جواداً ممدَّحاً . وهذه ترجمة أبي أحمد الموثَّق (٣)، رحمه الله: هو الأمير الناصر لدين الله ، الموفَّق بالله، أبو أحمد ، محمد ، ويقال : طلحة بن المتوكّل على الله جعفر بن محمد المعتصم بن هارون الرشيد . كان مولده في يوم الأربعاء لليلتين خلتا من ربيع الأول سنة تسع وعشرين ومئتين ، وكان أخوه المعتمد حين صارت إليه الخلافة قد عهد إليه بالولاية بعد ابنه جعفر ، ولقَّبه الموفَّق بالله، ثم لمَّا قُتِل صاحب الزّنج وكسر جيشه تلقَّب بناصر دين الله ، وصار إليه العقد والحلّ والولاية والعزل ، وإليه يُجبى الخراج ، وكان يخطب له على المنابر ، فيقال : اللهم أصلح الأمير الناصر لدين الله ، أبا أحمد الموفَّق بالله ، ولي عهد المسلمين ، أخا أمير المؤمنين . ثم اتفق موته قبل أخيه المعتمد بستة أشهر ، رحمه الله ، وكان غزير العقل ، حسن التدبير ، [ كريماً، جواداً، ممدّحاً، شجاعا، مقداماً، رئيساً ، حسن المحادثة والمجالسة ، عادلاً ، حسن السيرة (٤) ، يجلس للمظالم ، وعنده القضاة ، فينصف المظلوم من الظالم ، وكان عالماً بالأدب ، والنسب ، والفقه ، وسياسة الملك وغير ذلك ، وله محاسن ومآثر كثيرة جداً . وكان سبب موته : أنَّه أصابه مرض النِّقْرس في السَّفر ، ثم قدم إلى بغداد وهو عليل ، فاستقرَّ في داره (١) بعده في المطبوع ما نصه: ((وكل ذلك من ضعف الخليفة وتلاعب الترك بمنصب الخلافة واستيلائهم على البلاد وتشتت الأمر . (٢) من ب ، ظا . له ترجمة في تاريخ الطبري ، وتاريخ بغداد (١٢٧/٢)، المنتظم (١٢١/٥)، الكامل لابن الأثير (٤٤١/٧)، سير (٣) أعلام النبلاء (١٦٩/١٣)، العبر (٣٩/٢، ٤٣، ٤٧، ٥٩ - ٦٠)، الوافي بالوفيات (٢٩٤/٢)، شذرات الذهب (٢/ ١٧٢) . (٤) زيادة من ب ، ظا . ٣٢٧ وفيات سنة ٢٧٨ هـ في أوائل صفر وقد تزايد به المرض ، وتورَّمت رجله حتى عظمت جداً ، وكان يوضع عليها الأشياء المبرّدة كالثلج ونحوه ، فكان يحمل سريره أربعون رجلاً بالنوبة ، عشرون ، عشرون . فقال لهم ذات يوم : ما أظنكم إلا قد مللتم ، فياليتني كواحدٍ منكم ، آكل كما تأكلون ، وأشرب كما تشربون في عافية . وقال أيضاً : في ديواني مئة ألف مرتزق ليس فيهم أسوأ حالاً مني . ثم كانت وفاته في القصر الحسيني ليلة الخميس لثمان بقين . قال ابن الجوزي(١) : من هذه السنة . وقال ابن الأثير(٢) : في صفر من هذه السنة . قال ابن الجوزي(٣) : وله سبع وأربعون سنة تنقص شهراً وأياماً. ولما توفي أبو أحمد الموفَّق اجتمع الأمراء على أخذ البيعة بولاية العهد من بعده لولده أبي العباس أحمد ، فبايع له المعتمد بولاية العهد بعد ابنه المفوّض ، وخطب له على المنابر بعد المفوّض ، وجعل إليه ما كان إلى أبيه من الولاية والعزل والقطع والوصل ، والعقد والحل ، ولقّب المعتضد بالله . وممن توفي فيها أيضاً : إدريس بن سُليم القَعْنبي(٤) الموصلي ، قال ابن الأثير(٥) : وكان كثير الحديث والصلاح . وإسحاق بن كنداجيق(٦) ، نائب الجزيرة، وكان من ذوي الرأي، وقام(٧) بما كان إليه ولدُه محمد. ويا زمان(٨) ، نائب طَرَسُوس ، جاءه حجر مِنْجنيق من بلدة كان يحاصرها ببلاد الروم ، فمات منه ، وذلك في رجب من هذه السنة ، ودفن بطَرَسوس ، فولّي نيابة الثغر بعده أحمد العُجيفيّ بأمر خُمَارَوَيْه بن أحمد بن طولون ، ثم عزله عن قريب بابن عمه محمد بن موسى بن طولون . وعبدة بن عبد الرحيم، قبَّحه الله. ذكر ابن الجوزي في ((المنتظم)(٩) : أن هذا الشقيَّ كان من (١) المنتظم (١٢٢/٥) وفيه: من صفر هذه السنة. (٢) الكامل لابن الأثير (٤٤٣/٧). (٣) المنتظم (١٢٢/٥) . في المطبوع وابن الأثير الفَقْعَسيّ . (٤) (٥) الكامل لابن الأثير (٧/ ٤٥١). (٦) في ط : كنداج . عبارة ابن الأثير (٧/ ٤٥١): وولي ما كان إليه من أعمال الموصل وديار ربيعة ابنه محمد . (٧) في ب ، ظا : مازيار . (٨) (٩) المنتظم (١٢٠/٥). ٣٢٨ أحداث سنة ٢٧٩ هـ المجاهدين كثيراً في بلاد الروم ، فلما كان في بعض الغزوات والمسلمون محاصرون لبلدةٍ من بلاد الروم إذ نظر إلى امرأة في ذلك الحصن فهويها ، فراسلها : ما السبيلُ إليك؟ فقالت : أن تتنصَّرَ وتصعدَ إليَّ، فأجابها إلى ذلك ، قَبَّحه الله ، فما راع المسلمين إلا وهو عندها ، فاغتمَّ المسلمون بسبب ذلك غمَّاً شديداً ، وشق عليهم مشقةٌ عظيمةٌ . فلمّا كان بعد مدة مروا عليه وهو مع تلك المرأة في ذلك الحصن ، فقالوا له : يا فلان ، ما فعل قرآنُك؟ ما فعل [عملك ]١) ؟ ما فعل صيامك وصلاتك ؟ فقال : اعلموا أني أنسيت القرآن كلّه إلا قوله: ﴿زُّبَمَا يَوَدُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوْمُسْلِمِينَ ﴿ ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلِهِهِمُ اَلْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٢ -٣]. ثم دخلت سنة تسع وسبعين ومثتين في أواخر المحرم منها خلع جعفر المفوّض من ولاية العهد ، واستقلَّ بولاية العهد من بعد المعتمد أبو العباس بن الموفّق ، ولقّب بالمعتضد ، وجعل إليه السلطنة ، كما كان أبوه ، وخطب بذلك المعتمدُ على رؤوس الأشهاد ، وكان يوماً مشهوداً . ففي ذلك يقول يحيى بن علي يهنّىء المعتضد (٢): حباكَ بهِ ربِّ بفضلِكَ أعلمُ ليهنكَ عقدٌ أنتَ فيهِ المقدَّمُ فأنتَ غداً فينا الإمامُ المعظّمُ فإِنْ كْتَ قد أصبحتَ واليَ عهدِنا مُنَاهُ ومَنْ عاداكَ يخزى ويندمُ ولازال من والاكَ فيك مبلَّغاً فعادَ بهذا العهدِ وهوَ مقوَّمُ وكانَ عمودُ الدينِ فيه تأؤُدٌ يضيءُ لنا منهُ الذي كانَ يُظلِمُ وأصبحَ وجهُ المُلكِ جذلانَ ضاحكاً فإنَّكَ دونَ الناسِ فيهِ المُحَكّمُ فدونكَ فاشددْ عَقْدَ ما قَدْ حويتَهُ وفيها : نودي ببغداد أن لا يمكّن القصّاصُ الطرقية والمنجمون ومن أشبههم من الجلوس في المساجد ولا في الطرقات ، وأن لا تباع كتبُ الكلام والفلسفة والجدل بين الناس ، وذلك بهمَّة أبي العباس المعتضد سلطان الإسلام . وفي هذه السنة وقعت حروبٌ بين هارون الشاري وبين بني شيبان في أرض الموصل ، وقد بسط ذلك ابنُ الأثير(٣) في ((كامله)). (١) زيادة من ب ، ظا . وفي المطبوع والمنتظم : علمك. (٢) الكامل لابن الأثير (٤٥٢/٧). (٣) الكامل لابن الأثير (٧/ ٤٥٣ - ٤٥٤). ٣٢٩ وفيات سنة ٢٧٩هـ وفي رجب منها كانت وفاة المعتمد على الله ليلة الإثنين لتسع(١) عشرة خلت منه. وهذه ترجمة المعتمد(٢) : هو أمير المؤمنين المعتمد على الله بن المتوكل على الله بن المعتصم بن الرشيد ، واسمه أحمد بن جعفر بن محمد بن هارون الرشيد بن المهدي محمد بن عبد الله أبي جعفر المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس . استمرت أيامه في الخلافة ثلاثاً وعشرين سنة وستة أيام ، وكان عمره يوم مات خمسين سنة وستة أشهر ، كان أسنَّ من أخيه أبي أحمد الموفّق بستة أشهر ، وتأخَّر بعده أقل من سنة ، ولم يكن إليه من الأمر شيء ، وإنَّما كان الأمر كلّه فيما يتعلّق بتدبير الخلافة إلى الموفّق ، وقد اتفق أنَّ المعتمد طلب في بعض الأيام ثلاثمئة دينار فلم يحصل له ، فقال في ذلك (٣): يَرَى ما قَلَّ ممتنِعاً علیهِ أليسَ مِنَ العجائبِ أنَّ مثلي وما مِن ذاكَ شيءٌ في يَدَیْهِ وتؤخَذُ باسْمِهِ الدُّنيا جميعاً ويُمنَعُ بعض ما يُجْبَى إليهِ إليه تُحمَّلُ الأموالُ طُرّاً وكان أول خليفة انتقل من سامُرًا إلى بغداد بعدما بنيت سامُرًا ، ثم لم يعد إليها أحد من الخلفاء ، بل جعلوا دار إقامتهم ببغداد ، وكان سبب هلاكه فيما ذكر ابن الأثير(٤) أنه شرب تلك الليلة شراباً كثيراً ، وتعشَّى عشاءً كثيراً . وكانت وفاته في القصر الحَسَني من بغداد ، وحين مات أحضر المعتضدُ القضاة والأعيان وأشهدهم أنه مات حتف أنفه ، ثم غسّل وكفّن ، وصلّى عليه ، ثم حمل فدفن بسامُرًّا. وفي صبيحة العزاء بُويع للمعتضد بالله . البلاذري المؤرِّخ ، أحد المشاهير(٥) : أحمد بن يحيى بن جابر بن داود أبو الحسن ، ويقال : أبو جعفر ، ويقال : أبو بكر البغدادي البَلاذُرِي ، صاحب التاريخ المنسوب إليه . سمع هشام بن عمَّار ، وأبا عُبَيْد القاسم بن سلام ، وأبا الرَّبيع الزهراني وجماعة . (١) في ب ، ظا: لسبع عشرة . مصحف ، وما أثبتناه موافق لمصادر ترجمته . (٢) في الأصول : وهذه ترجمته . وترجمته في تاريخ الطبري (٤٧٤/٩)، تاريخ بغداد (٦٠/٤)، الكامل لابن الأثير ، الجزء السابع ، في أماكن متفرقة ، فوات الوفيات (٦٤/١)، الوافي بالوفيات (٢٩٢/٦)، سير أعلام النبلاء (١٢/ ٥٤٠)، شذرات الذهب (١٧٣/٢) . (٣) الكامل لابن الأثير (٧/ ٤٥٥)، فوات الوفيات (٦٦/١)، سير أعلام النبلاء (٥٤٨/١٢ و٦٠٢) ، الوافي بالوفيات (٢٩٣/٦)، تاريخ الخلفاء للسيوطي (٣٧٥). (٤) الكامل لابن الأثير (٤٥٥/٧). (٥) تأخرت ترجمة البلاذري في (أ) ووردت بعد ترجمة المعتضد . وترجمته في الفهرست لابن النديم ، المقالة الثالثة، الفن الأول ، مختصر تاريخ ابن عساكر (٣١٩/٣)، معجم الأدباء (٨٩/٥)، فوات الوفيات (١٥٥/١٠)، الوافي بالوفيات (٢٣٩/٨)، سير أعلام النبلاء (١٦٢/١٣)، لسان الميزان (٣٢٢/١). ٣٣٠ خلافة المعتضد بالله وعنه : يحيى بن النَّديم ، وأحمد بن عمَّار ، وأبو يوسُف يعقوب بن نعيم بن قَرْقَارة الأزدي. قال ابن عساكر(١): كان أديباً ، راوية ، له كتبٌ جيادٌ ، ومدَحَ المأمون بمدائحَ ، وجالس المتوكّل ، وتوفي أيام المعتضد ، وَوُسوس في آخر عمره . وروى ابن عساكر(٢) عن البَلاذُري قال : قال لي محمود الورّاق : قُلْ من الشعر ما يبقى ذلك ذكره ، ويزول عنك إثمه ، فقلت : لنجَاةٍ فالحَازِمُ المُسْتَعِدُ استعدّي يا نفسُ للموتِ واسعَيْ ـيٍّ خُلودٌ ولا مِنَ الموتِ بُدُّ قد تبيَّنْتُ أنَّه ليس للحـ إنَّما أنتِ مستعيرةٌ ما سَوْ أنْتِ تَسْهِينَ والحوادِثُ لا تَسْـ فَ تَرُدِّينَ والعَوَارِي تُرَؤُ(٣) ـهُو وَتَلْهِينَ والمَنَايا تَعُدُّ؟) لامرىءٍ حتُلهُ مِنَ الأرْضِ لَحْدُ أيُّ مُلْكٍ في الأرضِ أيُّ حَظّ ت ودَارٍ حتوفُها لكِ وِزْدُ لا تُرَجِّي البَقَاءَ في مَعْدِنِ المَوْ كيفَ يَهْوَى امْرُؤٌ لَذَاذَةَ أَيَّا م عليه الأنفاسُ فيها تُعَدُّ خلافة المعتضد بالله (٥) أمير المؤمنين أبي العباس أحمد [ ابن الأمير أبي أحمد الموفّق بن جعفر المتوكّل ]٦) . وكان من خيار خلفاء بني العباس ورجالهم . كانت البيعة له صبيحة موت المعتمد لعشرٍ بقِين من رجب من هذه السنة ، أعني سنة تسع وسبعين ومئتين ، وقد كان أمر الخلافة دائراً فأحياه بهمَّته وعدله وشهامته وصرامته وشجاعته ، استوزر عبيد الله بن سليمان بن وَهْب ، وولَّى مولاه بَدْراً الشُّرْطَة ببغداد ، وجاءته هدايا عمرو بن الليث ، ويسأل منه أن يولِيه إمرةَ خراسان ، فأجابه إلى ذلك ، وبعث إليه بالخِلَع واللواء ، فنصبه عمرو بن الليث في داره ثلاثة أيام فرحاً وسروراً بذلك(٧). وعزل رافعَ بن هَرْثَمة عن إمرة خراسان ، ودخلها عمرو بن الليث ، فلم يزَلْ يتبع رافعاً من بلدٍ إلى بلدٍ (١) مختصر تاريخ ابن عساكر (٣١٩/٣)، ومعجم الأدباء (٩٩/٥)، والوافي بالوفيات (٢٣٩/٨). (٢) مختصر تاريخ ابن عساكر (٣١٩/٣)، ومعجم الأدباء (٩٧/٥ - ٩٨). (( العارة والعارية)): ما تعطيه غيرك على أن يعيده إليك، يقال : عارية مستردة ، والجمع العواري. (٣) (٤) في مختصر تاريخ ابن عساكر ومعجم الأدباء : تَجدُّ . سترد ترجمته مفصلة في حوادث سنة (٢٨٨هـ) . (٥) (٦) زيادة من ب ، ظا ، ط . الكامل لابن الأثير (٤٥٦/٧). (٧) ٣٣١ وفيات سنة ٢٧٩هـ حتَّى قتَلَه في سنة ثلاث وثمانين كما سيأتي ، وبعث برأسه إلى المعتضد ، وصَفَتْ إمرةُ خراسان لعمرو بن الليث (١). وفي هذه السنة قَدِمَ الحسين بن عبد الله المعروف بابن الجصَّاص من الدِّيار المصرية ، بهدايا عظيمة من خُمَارَوَيْه صاحب مصر إلى المعتضد بالله ، فتزوَّج المعتضدُ بابنة ثُمَارَويه ، فجهّزها أبوها بجهازٍ لم يُسْمَعْ بمثله ، حتَّى قيل : إنه كان فيه من الهواوين الذهب مئة هاون ، فحمل ذلك كلّه من الدِّيار المصرية إلى بغداد صحبة العروس ، وكان وقتاً مشهوداً . وفي هذه السنة تملَّك أحمد بن عيسى بن الشيخ قَلْعة ماردين ، وكانت قبل ذلك لإسحاق بن كنداجيق (٢). وفيها : حجَّ بالناس هارون بن محمد العبّاسي ، وهي آخر حجة حجَّها ، وكان أوَّل حجَّة حجّها بالناس سنة أربع وستين ومئتين [ إلى هذه السنة ]٣). وممن توفي فيها من الأعيان : أحمد(٤) أمير المؤمنين المعتمد ، كما تقدَّم في ترجمته قريباً . أبو بكر بن أبي خَيْئمةُ(٥) : واسمه : أحمد بن زهير بن خيثمة ، صاحب التاريخ وغيره . سمع أبا نعيم ، وعفَّان . وأخذ علم الحديث عن أحمد بن حنبل ، ويحيى بن معين ؛ وعلمَ النسب عن مصعب الزبيري ؛ وأيامَ الناس عن أبي الحسن علي بن محمد المدائني ، وأخذ علمَ الأدب عن محمد بن سلام الجمحي . وكان ثقة حافظاً ضابطاً مشهوراً ، وفي تاريخه هذا فوائد كثيرة وفرائد غزيرة . وقد روى عنه البغوي ، وابنُ صاعد ، وابن أبي داود ، وابن المنادي . وقد كانت وفاته في جمادى الأولى من هذه السنة عن أربع وتسعين سنة ، رحمه الله . (٦) ، كانت له أحوال وكرامات . خاقان أبو عبد الله الصوفى (١) انظر الكامل لابن الأثير (٧/ ٤٥٧_٤٥٩). (٢) في ط والطبري : كنداج . (٣) تكملة من الطبري وابن الأثير . حتى قوله : قريباً لم يرد في ب ، ظا . (٤) تاريخ بغداد (١٦٢/٤)، المنتظم (١٣٩/٥)، تذكرة الحفاظ (٥٩٦/٢)، شذرات الذهب (١٧٤/٢). (٥) (٦) كان من كبار الصوفية البغداديين ، له أخبار في المنتظم (١٤٠/٥). ٣٣٢ وفيات سنة ٢٧٩ هـ [ نصر بن أحمد بن أسد بن سامان(١) : الساماني ، أحد ملوكهم الأكابر ، وقد كانوا من سلالة الأكاسرة ، كان جدهم سامان من أصحاب أبي مسلم الخراساني ، وأصله من ذرية بهرام بن أزدشير بن سابور ، ثم كان ابنه أسد من عقلاء الرجال . وخلّف نوحاً وأحمد ويحيى وإلياس ، وقد ولي كل واحد من هؤلاء مملكة ، ناحية من النواحي ؛ وهم السامانية ]٢) . التِّرْمِذيّ(٣) : محمد بن عيسى بن سَوْرة بن موسى بن الضَّخَّاك ، وقيل : محمد بن عيسى بن يزيد بن سَوْرة بن السَّكَن ، ويقال : محمد بن عيسى بن سَوْرة بن شدَّاد أبو عيسى السّلمي التِّرمذيّ الضرير ، ويقال : إنه ولد أكْمَهُ(٤) . وهو أحد أئمة هذا الشأن في زمانه، وله المصنفات المشهورة: ((جامعه))، و((الشمائل))، و(( أسماء الصحابة)) وغير ذلك . وقد صار كتابه هذا من الكتب الستة التي يرجع إليها العلماء في سائر الآفاق والأرجاء ، وجهالة ابن حزم لأبي عيسى حيث قال في محلاه(٥) : ومَن محمد بن عيسى بن سَوْرة ؟ لا تضرّه في دينه ودنياه ، ولا تضع من قدره عند أهل العلم ، بل تحطّ من منزلة ابن حزم عند الحفاظ : وكيفَ يَصِحُ في الأذهانِ شيءٌ إذا احْتَاجَ النَّهارُ إلى دَلِيلِ وقد ذكرنا مشايخه في كتابنا ((التكميل)). وروى عنه غيرُ واحد من العلماء ؛ منهم: محمد بن إسماعيل البخاري في غير (( الصحيح)) ؛ والهَيْثَم بن كُلَيْب الشَّاشي، صاحب (( المسند))؛ ومحمد بن أحمد بن محبوب المحبوبي ، راوي ((الجامع )) عنه ؛ ومحمد بن المنذر شَكَّر . قال الحافظ أبو يعلى الخليل بن عبد الله الخليليّ القَزْوينيّ في كتابه ((علوم الحديث)(٦) : محمد بن عيسى بن سَوْرة بن شدَّاد ، الحافظ ، متفق عليه ، وله كتاب في السنن ، وكلام في الجرح والتعديل ، (١) المنتظم (١٤١/٥)، وابن الأثير (أماكن متفرقة) والنجوم الزاهرة (٨٣/٣). (٢) ما بين قوسين لم يرد في ا، ط . (٣) وفيات الأعيان (٢٧٨/٤)، تهذيب الكمال (خ ١٢٥٤)، سير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٧٠)، تذكرة الحفاظ (٦٣٣/٢)، العبر (٦٢/٢)، الوافي بالوفيات (٢٩٤/٤)، تهذيب التهذيب (٣٨٧/٩)، شذرات الذهب (٢/ ١٧٤) . (٤) ((الأكْمَه)): الذي يولد أعمى. واستبعد الذهبي ذلك وقال في السير: والصحيح أنه أضرَّ في كبره ، بعد رحلته وكتابته العِلم . (٥) أي كتابه المحلى في الفقه . اسم كتابه : الإرشاد في معرفة المحدّثين وهو فيه (٣/ ٩٠٤ - ٩٠٥). (٦) وكان الخليلي ثقة حافظاً ، عارفاً بالرجال والعلل ، كبير الشأن ، توفي بقزوين في آخر سنة ست وأربعين وأربعمئة ، وكان من أبناء الثمانين . سير أعلام النبلاء (١٧ / ٦٦٦). ٣٣٣ وفيات سنة ٢٧٩هـ روى عنه ابن مَحْبُوب والأجلاء ، وهو مشهور بالأمانة والعلم ، مات بعد الثمانين ومئتين ؛ كذا قال في تاريخ وفاته . وقد قال الحافظ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن سليمان الغُنْجَار(١) في ((تاريخ بخارى)): محمد بن عيسى بن سَوْرة بن موسى بن الضَّحَّاك السّلميّ التِّرمذيّ، الحافظ ، دخل بُخَارَى وحدَّث بها ، وهو صاحب ((الجامع)) و((التاريخ))؛ توفي بالتِّزْمِه (٢) ليلة الإثنين لثلاث عشرة خلت من رجب سنة تسع وسبعين ومئتين . وذكره الحافظ أبو حاتم بن حبَّان في ((الثِّفات (٣) ، فقال: كان ممن جَمَعَ ، وصنَّف ، وحِفِظَ ، وذاكر . قال التِّرْمذيُّ: كتب عنِّي البخاري حديثَ عَطِيَّة، عن أبي سعيد، أنَّ رسول اللهِ وَ لَه قال(٤): (( لا يَحِلُّ لأحدٍ [أنْ ] يُجنبَ في هذا المسجد غيري وغيرُك (٥) . وروى ابن نقطة(٦) في ((تقييده (٧) عن الترمذي ، أنه قال : صنفت هذا المسند الصحيح فعرضته على علماء الحجاز فرضوا به ، وعرضته على علماء العراق فرضوا به ، وعرضته على علماء خراسان فرضوا به ، ومن كان في بيته هذا الكتاب فكأنَّما في بيته نبيٌّ يتكلّم . قالوا: وجملة المسند الجامع الذي صنفه الترمذي مئة وأحد وخمسون كتاباً، وكتاب (( العلل)) صنفه بسمَرْقَند ، وكان فراغه منه في يوم عيد الأضحى سنة سبعين ومئتين . (١) الإمام الحافظ، محدّث بخاري، وصاحب ((تاريخها))، توفي سنة ٤١٢ هـ وقد شاخ. سير أعلام النبلاء (٣٠٤/١٧) . (٢) اختلف في كيفية هذه النسبة ، بعضهم يقول بفتح التاء ، وبعضهم يقول بضمها ، وبعضهم يقول بكسرها . وهي مدينة مشهورة من أمهات المدن على نهر جيحون من جانبه الشرقي . ( ياقوت ) . (٣) ثقات ابن حبان (٩/ ١٥٣). (٤) في ط : قال لعلي . (٥) رواه الترمذي في جامعه رقم (٣٧٢٧) ، في مناقب علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وفي سنده عطية بن سعد العوفي ، وهو ضعيف . وقال الترمذي : هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، وقد سمع مني محمد بن إسماعيل هذا الحديث واستغربه . (٦) في آ : ابن عطية، والمثبت من ب . وهو محمد بن عبد الغني بن أبي بكر بن شجاع بن أبي نصر البغدادي الحنبلي ، أبو بكر ، معين الدين ، ابن نقطة . عالم بالأنساب ، حافظ للحديث ، من أهل بغداد ، ثقة ، ديّن ، توفي سنة ٦٢٩ هـ . (٧) التقييد لمعرفة رواة السنن والمسانيد (ص ٩٧ - ٩٨). ٣٣٤ أحداث سنة ٢٨٠ هـ قال ابن نقطة(١): [ أنبأنا عبد القادر بن عبد الله الفهمي ، قال: حدثنا عبد الرحيم بن أبي الوفاء الحاجي بأصبهان ، قال: (٢) سمعت محمد بن طاهر المقدسي ، سمعت أبا إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري يقول : كتاب الترمذي عندي أفيدٌ(٣) من كتابَي البخاري ومسلم . قلت : ولم ؟ قال : لأنه لا يصل إلى الفائدة منهما إلا مَنْ هو من أهل المعرفة التامة ، وهذا الكتاب قد شرح أحاديثه وبيَّنها ، فيصل إليه كلُّ أحدٍ من الناس ؛ من الفقهاء والمحدّثين وغيرهما . قلت : والذي يظهر من حاله أنه طرأ عليه العَمَى بعد أن رحلَ وسمعَ وكتبَ وذاكرَ وناظرَ وصنَّف ، ثم اتفق موتُه في بلده في رجب من هذه السنة على الصحيح المشهور ، والله أعلم . ثم دخلت سنة ثمانين ومثتين ( من الهجرة النبوية (٤) في المحرم منها قتل المعتضدُ رجلاً من أمراء الزّنج كان قد لجأ إليه بالأمان ويعرف بِشَيْلَمِهُ(٥) ، ذكر له أنه كان يدعو إلى رجلٍ لا يعرف من هو ، وقد أفسد جماعةً ، فاستدعى به فقرَّره فلم يقرّ ، وقال : لو كان تحت قدميَّ ما أقررت (٦) به، فأمر به فشُدَّ على عمود خيمةٍ ، ثم لوّحه على النار حتى تساقط جلده عن عظامه ، ثم أمر بضَرْب عنقه ، وصلبه ، لسبع ليال خلون من المحرم . وفي أول صفر ركب الخليفة المعتضد بالله من بغداد قاصداً بني شيبان من أرض المَوْصِل ، فأوقع بهم بأساً شديداً عند جبل يقال له : نوبا(٧) . وكان مع المعتضد حادٍ جيد الحداء ، فقال في بعض تلك الليالي يحدو بالمعتضد (٨): التقييد (ص٩٨) . (١) ما بين حاصرتين إضافة من (( التقييد)) لا يستقيم النص من غيرها . (٢) (٣) في سير أعلام النبلاء : أنفع ، وفي ط : أنور . (٤) زيادة من ب ، ظا . في الطبري : محمد بن الحسن بن سهل ، المعروف بشيلمة . وفي أ: بشيملة ، وفي ط : بسلمة . (٥) (٦) في الطبري وابن الأثير : ما رفعتهما عنه . في المنتظم : نوباذ . وفي معجم البلدان : تَوْباذ بفتح التاء ثم السكون ، آخره ذال معجمة ، جبل بنجد ، ثم ذكر (٧) الأبيات الثلاثة مع بيت رابع بعدها ، وهو : وأقلق والحيّان مؤتلفان إني لأبكي اليوم من حذري غداً (٨) المنتظم (١٤٢/٥)، ومعجم البلدان (٢/ ٥٥): توباذ . ٣٣٥ ذکر بناء دار الخلافة ببغداد وهلَّلتُ(١) للرحمنِ حينَ رآني فأجْهَشْتُ لِلنَّوْبادِ حِينَ رأيتُهُ بظلّكَ في(٢) أمن وأين زماني وقلتُ له أينَ الَّذين عَهدتُهُمْ ومَن ذا الَّذِي يَبْقَى على الحَدَثاِ(٣) فقالَ مضوا واستخْلَفُوني مكانَهُم قال : فتغرغرت عينا المعتضد ، وقال : من ذا الذي يبقى على الحَدَثان!؟. وفي هذه السنة أمر المعتضد بتسهيل عقبة حُلْوان ، فغُرم عليها عشرون ألف دينار ، وكان الناس يلقون منها شدة عظيمة(٤) وفيها : وسَّع المعتضد جامع المنصور بإضافة دار المنصور إليه ، وغُرم عليه عشرون ألف دينار ، وكانت الدارُ قبلتَه ، فبناها مسجداً على حدة وفتح بينهما سبعة عشر باباً°) ، وحوَّل المنبر والمحراب(٦) إلى المسجد ؛ ليكون في قبلة الجامع على عادة الخطب(٧). قال الخطيب البغدادي(٨): وزاد بَدْر مولى المعتضد المسقطات من قصر المنصور المعروفة بالبدرية في هذا الوقت . ذكر بناء دار الخلافة ببغداد أول من بناها المعتضد في هذه السنة . وكان أول من سكنها من الخلفاء إلى آخر دولتهم ، وكانت أولًا داراً للحسن بن سهل تعرف بالقصر الحسني ، ثم صارت بعد ذلك لابنته بوران التي تزوج بها المأمون ، فعمَّرت فيها حتى استنزلها المعتضد عنها ، فأجابته إلى ذلك ، ثم أصلحت ما وَهَى منها ورمَّمت ما كان قد تشعَّث فيها ، وفرشَتْ في كُلِّ موضع منها ما يليق به من المفارش ، وأسكنت فيه ما يليق به من الجواري والخدم ، وأعدت بها المآكل الشهية ، وما يحسن ادِّخاره في ذلك الزمان ، ثم أرسلت بمفاتيحها إلى المعتضد ، فلما دخلها أذهله ما رأى فيها من الخيرات ، ثم وسَّعها وزاد فيها ، وجعل لها سوراً حولها ، فكانت قدر مدينة شيراز ، وبنى الميدان(٩) ، ثم بنى قصراً مشرفاً على دجلة . ثم (١) في المنتظم : وهلَّل، وفي معجم البلدان : وسبَّح . في ط : في أمنٍ ولين زمان ، وفي المنتظم : في خفض وأمن زمان ، وفي معجم البلدان : في خفض وعيسى ليان . (٢) (٣) ((الحَدَثان)): الليل والنهار. وحَدَثان الدهر : نوائبه ومصائبه. المنتظم (١٤٣/٥)، وانظر في حلوان ونخلتيها معجم البلدان . (٤) (٥) في المنتظم : طاقاً . (٦) بعدها في المنتظم : والمقصورة . (٧) تاريخ بغداد (٦١/٥)، المنتظم (١٤٣/٥). وفي ب، ظا: على عادة الخطيب. المنتظم (١٤٣/٥) . (٨) (٩) في ب ، ظا : الميدان والثريا . ٣٣٦ وفيات سنة ٢٨٠هـ بنى فيها المكتفي التاج ، ثم كانت أيام المقتدر فزاد فيها زيادات (١) عظيمة جداً. تأخرت آثارها إلى أيام التتار الذين خربوها وسبوا من كان بها من الحرائر الآمنات ، كما سيأتي بيانه في موضعه - إن شاء الله تعالى - من سنة ست وخمسين وستمئة . قال الخطيب البغدادي (٢): والذي يشبه أن تكون بوران سلمت دار الخلافة إلى المعتمد : فإنها لم تعش (٣) إلى أيام المعتضد . وفيها : زُلزلزت أزْدَبيل (٤) ست مرات ، فتهدَّمت دورها فلم يبقَ منها مئةُ دارٍ ، ومات تحت الردم مئة ألف وخمسون ألفاً ، فإنا لله وإنا إليه راجعون . وفيها : غارت المياه ببلاد الرَّيِّ وطَبَرِستان حتَّى بيعَ الماءُ كل ثلاثة أرطال بدرهم ، وغلت الأسعار هنالك جدا٥ً) . وفيها : غزا إسماعيل بن أحمد السامانيُّ بلادَ الترك ، ففتح مدينة ملكهم ، وأسر امرأته الخاتون وأباه ونحواً من عشرة آلاف أسير ، وغنم من الدّواب والأمتعة والأموال شيئاً كثيراً ، أصاب الفارس ألف درهم(٦) . وحجّ بالناس في هذه السنة أبو بكر محمّد بن هارون بن إسحاق العباسي(٧). وممن توفي فيها من الأعيان : أحمد بن سيَّار بن أيوب ، الفقيه الشافعي المشهور بالعبادة والزهادة ٨). وأحمد بن أبي عِمران(٩) : موسى بن عيسى ، أبو جعفر البغدادي ، كان من أكابر الحنفية ، تفقَّه على (١) في المطبوع : زيادات أخر كباراً كثيرة جداً ، ثم بعد هذا كله خربت حتى كأن لم يكن موضعها عمارة ، وتأخرت ... (٢) تاريخ بغداد (٩٩/١)، والمنتظم (١٤٤/٥) . (٣) ماتت بوران سنة (٢٧١)، وقد تقدمت ترجمتها في حوادث تلك السنة . (٤) عند الطبري وابن الأثير : دَبيل . (٥) الكامل لابن الأثير (٤٦٥/٧). الكامل لابن الأثير (٧ /٤٦٥). (٦) في الطبري وابن الأثير : المعروف بابن تُرُنجة . (٧) وهو أبو الحسن المَرْوزي ، إمام أهل الحديث في بلده علماً وأدباً وزهداً وورعاً ، وكان يقاس بعبد الله بن المبارك في (٨) عصره ، وكان حافظاً ثقة . توفي سنة ٢٦٨هـ . وليس في هذه السنة كما ذكر المؤلف نقلاً عن ابن الأثير في تاريخه . تهذيب الكمال (٣٢٣/١)، وسير أعلام النبلاء (٦٠٩/١٢)، وحوادث سنة ٢٦٨ هـ (٤٢/١١). (٩) طبقات الفقهاء (١٤٠)، المنتظم (١٤٦/٥)، سير أعلام النبلاء (٣٣٤/١٣)، شذرات الذهب (١٧٥/٢). ٣٣٧ وفيات سنة ٢٨٠ هـ محمد بن سَمَاعة، وهو أستاذ أبي جَعْفَر الطَّحاوي . وكان ضريراً، سمع الحديث من عليّ بن الجَعْد وغيره ، وقدِمَ مصرَ فحدَّث بها من حفظه ، وتوفي بها في المحرم من هذه السنة ، وقد وثقه ابن يونس في تاريخ مصر . أحمد بن محمد بن عيسى بن الأزهر(١): أبو العباس البِرْتي (٢) ، القاضي بواسط ، صاحب المسند . روى عن مسلم بن إبراهيم ، وأبي سلمة التَُّوذكيّ، وأبي نعيم ، وأبي الوليد ، وخَلْق . وكان ثقة ثبتاً ، تفقَّه بأبي سليمان الجوزجاني ، صاحب محمد بن الحسن . وقد حكم بالجانب الشرقيّ من بغداد في أيام المعتز(٣) ، فلما كان أيام الموفّق طلب منه ومن إسماعيل القاضي أن يعطياه ما بأيديهما من أموال اليتامى الموقوفة ؛ فبادَرَ إلى ذلك إسماعيل القاضي ، واستنظره أبو العباس البِرْتي هذا، ثم بادر إلى كلِّ من أنس منه رشداً فدفع إليه ماله ، فلمَّا طولب به قال : ليس عندي منه شيء ، دفعْتُه إلى أهله ، فعزل عن القضاء ولزم بيته ، فتعبَّد إلى أن توفي في ذي الحجة من هذه السنة . وقد رآه بعضهم في المنام وقد دخل على رسول الله وَّر ، فقام إليه وصافحه وقبّل بين عينيه ، وقال : مرحباً بمن يعمل بسنتي وأثري . وفيها توفي : جعفر بن المعتمد ، وكان يسامر(٤) المعتضد . وراشد مولى الموفَّق بمدينة الدِّينور ، فحمل إلى بغداد(٥) . وعثمان بن سعيد الدَّارِميّ(٦)، مصنف (الرد على بِشْر المَرِيسيِّ)) فيما ابتدعه من التأويل لمذهب الجَهْميّة، وقد ذكرناه في ((طَبَقات الشافعية)). (١) تاريخ بغداد (٦١/٥)، طبقات الفقهاء (١٤٠)، المنتظم (١٤٥/٥)، تذكرة الحفاظ (٥٩٦/٢)، سير أعلام النبلاء (٤٠٧/١٣)، شذرات الذهب (١٧٥/٢). (٢) في الأصول : البرقي . (٣) في المنتظم : المعتمد . وفي تاريخ بغداد (٥/ ٦٢): ولي قضاء بغداد بعد أبي هشام الرّفاعي لما توفي في سنة تسع وأربعين ومئتين . قلت : وكانت خلافة المعتز من سنة ٢٥٢ إلى سنة ٢٥٥هـ، والمعتمد بعده . (٤) في الأصول : جعفر بن المعتضد ، وكان يسامر أباه وصححت من الطبري وابن الأثير . وعبارة الطبري : وذكر أن جعفر بن المعتمد توفي في يوم الأحد لاثنتي عشرة خلت من شهر ربيع الآخر منها ، وأنه كان مقامه في دار المعتضد لا يخرج ولا يظهر ، وقد كان المعتضد نادمه مراراً . (٥) الطبري (٣٤/١٠)، وابن الأثير (٤٦٥/٧). (٦) وهو أبو سعيد التميمي الدارمي، صاحب ((المسند)) الكبير والتصانيف، وكان إماماً يقتدى به . سير أعلام النبلاء (٣١٩/١٣)، العبر (٦٤/٢). ٣٣٨ أحداث سنة ٢٨١ هـ ومسرور الخادم(١) ، وكان من أكابر الأمراء . ومحمد بن إسماعيل بن يوسف أبو إسماعيل التَّرْمذيّ ، صاحب التصانيف الحسنة في رمضان من هذه السنة ؛ قاله ابن الأثير (٢)، وشيخنا الذهبيّ(٣). وهلال بن العلاء(٤)، المحدِّث المشهور، وقد وقع(٥) لنا من حديثه طرف(٦) . ثم دخلت سنة إحدى وثمانين ومثتين فيها : دخل المسلمون بلاد الروم فغنموا وسلموا ، ولله الحمد . وفيها : تكامل غور المياه ببلاد الرّيّ وطَبَرِستان ، وغلت الأسعار جداً ، وجهد الناس وقحطوا ، حتى أكل بعضهم بعضاً ، وكال(٧) الرجل يأكل ابنته ، فإنا لله وإنا إليه راجعون . وفيها : حاصر المعتضد قلعة ماردين ، وكانت بيد حَمدان بن حمدون ففتحها قسراً ، وأخذ ما كان فيها ، ثم أمر بتخريبها فهدمت . وفي هذه السنة وصلت قطر النَّدى بنت خُمَارَوَيْه نائب الدِّيار المصرية إلى بغداد في تجمّل عظيم ، ومعها من الجهاز شيء عظيم ، حتى قيل : إنه كان في الجهاز مئة هاون من ذهب ، ثم بعد كلِّ حساب معها مئة ألف دينارٍ ليشترى بها من العراق ما قد تحتاج إليه ، مما لا يتهيأ مثله بالديار المصرية(٨). وفيها : خرج المعتضد إلى بلاد الجبل ، وولَّى ولده عليّاً المكتفي نيابة الرَّيّ ، وقَزوين ، وزَنْجان وقُم ، وهَمْذان ، والدِّينَوَر، وجعل على كتابته أحمد بن الأصْبَعِ، وولَّى عمر بن عبد العزيز بن أبي دُلَفَ نيابةً أصبهان ، ونَهَاوند ، والكَرَج ، ثم عاد راجعاً إلى بغداد . (١) إنما هو مسرور البلخي الأمير ، وليس مسروراً خادم الرشيد . وانظر أخباره في فهارس الطبري وابن الأثير . (٢) ابن الأثير (٤٦٥/٧). سير أعلام النبلاء (١٣ /٢٤٢)، والعبر (٦٤/٢)، وتذكرة الحفاظ (٦٠٥/٢). (٣) هلال بن الغلاء بن هلال بن عمر ، أبو عمر الباهلي ، مولى قتيبة بن مسلم ، الأمير الرّقيّ . قال النسائي : ليس به (٤) بأس ، روى أحاديث منكرة عن أبيه ، ولا أدري : الريب منه ، أو من أبيه ، وله شعر رائق ، من أبناء التسعين . (٥) في آ: وقع لنا حديثه من طرق . والمثبت من ب ، ط . تأتي بعد هذا في ب ، ظا، ط ترجمة سيبويه إمام النحاة المتقدمة ترجمته في وفيات سنة (١٨٠) من هذا الكتاب ، (٦) ولم ترد في (( أ)) وهو الصواب حيث أقحمت هنا بلا معنى ، وابن كثير لا يمكن أن يتوهم مثل هذا الوهم الفاحش ، فهي بلا شك من زيادات بعض جهلة النساخ ، لذلك حذفناها . (٧) في المنتظم (١٤٧/٥): وأكل إنسان منهم ابنته . المنتظم (١٤٧/٥) . (٨) ٣٣٩ وفيات سنة ٢٨١هـ وحجّ بالناس محمد بن هارون بن إسحاق . وأصاب الحجّاج في الأجْفُر(١) مطر عظيم ، فغرق منهم بشر كثير ، كان الرجل يغرق في الرمل(٢) فلا يقدر أحد على خلاصه . وممن توفي فيها من الأعيان : إبراهيم بن الحسين بن دِيْزِيل(٣)، الحافظ، صاحب كتاب(٤) المصنفات ، منها في (( صفين)) مجلدٌ كبير . أحمد بن محمد الطائيّ ، بالكوفة ، في جمادى ، منها٥) . إسحاق بن إبراهيم(٢) : المعروف بابن الجَبُّلي ، سمع وكان يفتي الناس بالحديث ، وكان يوصف بالفهم والحفظ . ابن أبي الدُّنيا٧): عبد الله بن محمد بن عُبَيد بن سفيان بن قَيْس القرشيّ ، مولى بني أمية . أبو بكر بن أبي الدُّنيا ، الحافظ ، المصنّف ، المشهور ، له التصانيف النَّفعة الشائعة الذائعة في الرقائق وغيرها ، تزيد على مئة مصنف ، رحمه الله . [ وقيل: إنها نحو ثلاثمئة مصنَّف ، وقيل: أكثر ، وقيل: أقلّ }٨) . سمع إبراهيم بن المنذر الحِزاميّ ، وخالد بن خِداش ، وعليّ بن الجَعْد ، وخلقاً . وكان مؤدّب المعتضد وابنه عليّ بن المعتضد الملقَّب بالمكتفي ، وكان له عليه في كل شهر خمسة عشر ديناراً . وكان ثقة صدوقاً حافظاً ذا مروءة ، لكن قال صالح بن محمد جزرة : إلا أنه كان يروي عن رجل يقال له : (١) ((الأجْفر)): بضم الفاء، جمع جَفر، وهو البئر الواسعة لم تطو، وهو موضع بين فَيْد والخُزَيمية، بينه وبين فَيَد ستة وثلاثون فرسخاً نحو مكة . ياقوت . (٢) في المنتظم : الوحل . (٣) أبو إسحاق، الهمذاني، الكسائي، وكان يلقَّب بدابّة عفَّان لملازمته له، ويلقَّب بسيْفَنة، و((سيفنة)): طائر ببلاد مصر ، لا يكاد يحط على شجرة إلا أكل ورقها ، فكذلك كان إبراهيم ، إذا ورد على شيخ لم يفارقه حتى يستوعب ما عنده . قال الحاكم : ثقة مأمون . سير أعلام النبلاء (١٣ / ١٨٤). (٤) لفظة كتاب لم ترد في ب ، ظا . (٥) الطبري (٣٦/١٠)، وابن الأثير (٧/ ٤٦٧). تاريخ بغداد (٣٧٨/٦)، طبقات الحنابلة (١١٠/١)، المنتظم (١٤٨/٥)، سير أعلام النبلاء (٣٤٣/١٣). (٦) و((جَبُّل)): بُليدة من سواد العراق . (٧) ترجمته في تاريخ بغداد (٨٩/١٠)، طبقات الحنابلة (١٩٢/١)، المنتظم (١٤٨/٥)، سير أعلام النبلاء (٣٩٧/١٣)، طبقات الحفاظ (٢٩٤). (٨) ما بين قوسين زيادة من المطبوع . وأحصيتُ مؤلفاته في مقدمة كتاب الشكر فبلغت أزيد من مئتي مؤلف . ٣٤٠ أحداث سنة ٢٨٢ هـ محمد بن إسحاق البلخي ، وكان هذا الرجل كذاباً يضع للكلام إسناداً ، ويروي أحاديث منكرة . ومن شعر ابن أبي الدنيا أنه جلس أصحاب له ينتظرونه ليخرج إليهم ، فجاء المطر فحال بينه وبينهم ، فكتب إليهم رقعة فيها مكتوب(١) : يا أخِلائي وسَمْعي والبصَرْ أنا مشتاقٌ إلي رُؤیتُمْ حالَ فيما بيننا هذا المَطْرْ کیفَ أنساكُمْ وقلبي عندَكُمْ توفي ببغداد في جمادى الأولى من هذه السنة عن سبعين سنة ، وصلَّى عليه يوسف بن يعقوب القاضي ، ودفن بالشونيزية ، رحمه الله . عبد الرحمن بن عمرو (٢) ، أبو زُرْعَة الدّمشقيّ ، الحافظ الكبير ، الشهير بين أهل العلم . محمد بن إبراهيم(٣) ، ابن المؤَّاز ، الفقيه المالكي ، له اختيارات في مذهب الإمام مالك ؛ فمن ذلك وجوب الصلاة على رسول الله وّيها في الصَّلاة. ثم دخلت سنة اثنتين وثمانين ومثتين في خامس ربيع الأول يوم الثلاثاء دخل المعتضد بالله بزوجته ابنة خُمَارَوَيْه ، وكان قدومها إلى بغداد صحبة عمِّها وصحبة ابن الجصَّاص ، وكان الخليفة غائباً ، وكان دخولها إليه يوماً مشهوداً ، ومُنع النَّاسُ من المرور في الطرقات . وفيها : نهى الخليفة المعتضد أن يعمل للناس في يوم النيروز(٤) ما كانوا يتعاطَونه ؛ من إيقاد النيران ، وصبّ الماء ، وغير ذلك من الأفعال المشابهة للمجوس ، ومنع من حمل هدايا الفلاحين إلى المنقطعين(٥) في هذا اليوم، وأمر بتأخير ذلك إلى الحادي عشر من حزيران ، وسمى النوروز المعتضدي ، كتب بذلك إلى الآفاق وسائر العمال . وفي ذي الحجّة من هذه السنة قدم إبراهيم بن أحمد الماذرائيّ من دمشق على البريد ، فأخبر (١) المنتظم (١٤٩/٥). في الأصول : عمر ، وهو عبد الرحمن بن عمرو بن عبد الله النصري ، الدمشقي ، وكانت داره عند باب الجابية . (٢) وله تاريخ مفيد، طبع في مجمع اللغة العربية بدمشق. سير أعلام النبلاء (١٣ / ٣١١). أبو عبد الله ، فقيه الديار المصرية ، صاحب التصانيف ، انتهت إليه رئاسة المذهب . قدم دمشق في صحبة السلطان (٣) أحمد بن طولون . وجعل بعضهم وفاته سنة ٢٦٩ هـ. سير أعلام النبلاء (١٣ /٦). في ب ، ظا : النوروز . وفي القاموس : النيروز : أول يوم من السنة ، معرَّب نوروز . (٤) (٥) في المنتظم : المتغلبين .