النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨١ أحداث سنة ٢٦٦ هـ أسيراً ، فنفر إليهم أهلُ نَصيبين وأهلُ الموصل ، فهربت منهم الرّوم ورجعوا إلى بلادهم ، لعنهم الله . وفيها : ولّى عمرو بن الليث شرطة بغداد وسامُرًّا لعبيد الله بن عبد الله بن طاهر ، وبعث إليه أبو أحمد بالخلعة ، وخلع عليه عمرو بن الليث أيضاً ، وأهدى إليه عمودين من ذهب ، وذلك مضافاً إلى ما كان أخوه يليه من البلدان . وفيها : سار أغرتمش لقتال عليّ بن أبان المهلبيّ، فاجتاز(١) بِتُسْتَر، فأخذ من كان في السّجن من أصحاب عليّ بن أبان المهلبيّ من الأمراء ، فقتلهم عن آخرهم ، ثم سار إلى عليّ بن أبان ، فاقتتلا قتالًا شديداً في مرّات عديدة ، كانت آخراً لعليّ بن أبان المهلبيّ ، قتل خلقاً من أصحاب أغرتمش ، وأسر بعضهم فقتلهم، وبعث برؤوسهم إلى الخبيث صاحب الزّنج، فنصب رؤوسهم على سور مدينته، قبَّحه الله. وفيها : وثب أهلُ حمص على عاملهم عيسى الكرخيّ ، فقتلوه في شوّال منها . وفيها : دعا الحسنُ بن محمد بن جعفر بن عبد الله بن حسن الأصغر العقيقيُّ أهلَ طبرستان إلى نفسه ، وأظهر لهم أن الحسن بن زيد قد أُسِر ، ولم يبقَ مَنْ يقوم بهذا الأمر غيرُه ، فبايعوه . فلمَّا بلغ ذلك الحسن بن زيد قصده ، فقاتله فقتله ، ونهب أموال من اتّبعه وحرق دورهم . وفيها : وقعت فتنة بالمدينة ونواحيها بين الجعفريّة والعَلويّة، وتغلب عليها رجلٌ(٢) من أهل البيت من سلالة الحسن بن زيد الذي تغلَّب على طَبَرستان ، وجرت شرور كثيرة هنالك بسبب قتل(٣) الجعفريّة والعَلَويّة ، يطول ذكره٩) . وفيها : وثبت طائفة من الأعراب على كُسوة الكعبة، فانتهبوها. وصار(٥) بعضها إلى صاحب الزّنج ، وأصاب الحجيجَ منهم شدَّة عظيمةٌ ، وبلاءٌ شديد. وفيها : أغارت الروم أيضاً على ديار ربيعة . وفيها : دخل أصحابُ صاحب الزّنج إلى رَامَهُزْمُز، فافتتحوها بعد قتال طويل . وفيها : دخل ابنُ أبي الساج مكّة ، فقاتله ابن المخزومي(٦) ، فقهره ابنُ أبي الساج ، وحرق داره ، واستباح أمواله ، وذلك يوم التروية من هذه السنة . وقد جعل إلى ابن أبي الساج إمرة الحرمين من جهة الخليفة . في ا : فأجاز تستر . (١) هو أبو القاسم أحمد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد ، ابن عم الحسن بن زيد صاحب طبرستان. الطبري (٩/ ٥٥٣). (٢) (٣) في ب ، ظا : قتال . (٤) انظر تاريخ الطبري (٥٥٢/٩ - ٥٥٣) . في آ، ط : وسار . (٥) في آ: المخرمي . (٦) ٢٨٢ وفيات سنة ٢٦٦ هـ وحجَّ بالناس في هذه السنة هارون بن محمد المتقدّم ذكره قبلها . وفي هذه السنة عمل محمد بن عبد الرحمن الداخل - خليفةُ الأندلس وبلاد المغرب - مراكبَ في نهر قُرطُبة ؛ ليدخل بها إلى البحر المحيط ، لتسير الجيوش في أطرافه إلى بعض البلدان ليقاتلوهم ، فلمَّا دخلت المراكبُ البحرَ المحيط تكسَّرت وتقطّعت ولم ينجُ من أهلها إلا اليسير، وغرق أكثرهم(١). وفيها : التقى أسطول المسلمين وأسطول الروم ببلاد صِقِلِّيّة ، فاقتتلوا ، فقتل من المسلمين خلق كثير ، فإنا لله وإنا إليه راجعون . وفيها : حارب لؤلؤ غلام أحمد بن طولون لموسى بن أتامش فكسر جيشه ، وأسره لؤلؤ ، وبعث به إلى مولاه أحمد بن طولون نائب الشام ومصر وإفريقية من جهة الخليفة . ثم اقتتل لؤلؤ هذا وطائفة من الرّوم فقتَلَ من العدوّ خلقاً كثيراً . قال ابن الأثير(٢): وفيها : اشتدَّ الحال وضاق الناس ذرعاً بكثرة الهيج ، وتغلَّب القواد والأجناد على كثير من البلاد بسبب ضعف الخليفة المعتمد على الله ، واشتغال أخيه أبي أحمد بقتال الزّنج. قال (٣): وفيها: اشتدَّ الحرُّ في تشرين الثاني جدّاً، ثم قوي به البرد حتَّى جَمَدَ الماء. وممن توفي فيها من الأعيان : إبراهيم بن أورمَةُ(٤) . وصالح ابن الإمام أحمد(٥) ، قاضي أصبهان . ومحمّد بن شُجَاعِ الثَّلْجيّ(٦)، أحدُ [عبَّاد }٧) الجهميّة. الكامل لابن الأثير (٣٣٤/٧). (١) (٢) الكامل لابن الأثير (٣٣٦/٧). الكامل لابن الأثير (٣٣٦/٧) . (٣) أبو إسحاق الأصبهاني ، الحافظ البارع ، أحد الأذكياء المحدّثين . روى عنه ابن أبي الدنيا وآخرون . ثقة نبيل . (٤) سير أعلام النبلاء (١٣ /١٤٥)، والعبر (٣٢/٢). صالح بن أحمد بن محمد بن حنبل ، أبو الفضل الشيباني البغدادي ، قاضي أصبهان ، المحدث الحافظ الفقيه ، سمع أباه ، وتفقَّه عليه . صدوق ، ثقة . وهو أكبر إخوته . (٥) سير أعلام النبلاء (٥٢٩/١٢)، طبقات الحنابلة (١/ ١٧٣). (٦) في الأصول : البلخي ، وهو محمد بن شجاع ، أبو عبد الله ، البغدادي الحنفي ، ويعرف بابن الثَّلْجي. من بحور العلم ، كان صاحب تعبد وتهجّد وتلاوة . قال أحمد بن حنبل : الثلجي متبوع صاحب هوى . متروك الحديث ، مات وله خمس وثمانون سنة . المنتظم (٥٧/٥)، سير أعلام النبلاء (١٢/ ٣٧٩) .. (٧) من ب ، ظا ، ط . ٢٨٣ أحداث سنة ٢٦٧ هـ ومحمد بن عبد الملك الدَّقِيقيّ(١) ثم دخلت سنة سبع وستين ومئتين فيها وجَّه أبو أحمد الموفّق ولده أبا العباس في نحوٍ من عشرة آلاف فارس وراجلٍ في أحسن هيئة وأكمل تجمّل ؛ لقتال الزَّنج ، فساروا نحوهم ، فكان بينهم من القتال والنزال في أوقات متعددات ووقَعات مشهورات ما يطول بسطه، وقد استقصاه الإمام أبو جعفر ابنُ جرير، رحمه الله، في ((تاريخه(٢) مبسوطاً. وحاصل ذلك : أنه آل الحال وانتهى الحرب والجدال إلى أن استحوذ أبو العباس بن الموفّق على ما كان استولى عليه الزَّنج ببلاد واسط وأراضي دِجْلة ، هذا وهو شاب حَدَث لا خبرة له بالحرب ، ولكن سلَّمه الله وغنَّمه وأعلى كلمته ، وسدّد رميته ، وأجاب دعوته ، وفتح على يديه ، وأسبغ نعمه عليه ، وهذا الشاب هو الذي ولي الخلافة بعد عمِّه المعتمد ، ولقب بالمعتضد ، كما سيأتي . ثم ركب أبو أحمد الموفّق ناصرُ دين الله من بغداد في صفر من هذه السنة في جيوش كثيفة ، فدخل واسط في ربيع الأول منها ، فتلقاه ابنه فأخبره عن الجيوش(٣) الذين معه، وما تحمَّلوا من أعباء الجهاد ، فخلع عليه وعلى الأمراء كلَّهم خِلَعاً سنّةً ، ثم سار بجميع الجيوش إلى صاحب الزَّنج وهو بالمدينة التي أنشأها وسمَّاها المنيعة ، فقاتلوا دونها قتالاً شديدا٤ً) ، فقهرهم ، ودخلها عنوةً ، وهربوا منها ، فبعث(٥) في آثارهم جيشاً ، فلحقوهم إلى البطائح يقتلون ويأسرون . وغنم أبو أحمد من المدينة شيئاً كثيراً ، واستنقذ من النساء المسلمات خمسةَ آلاف امرأةٍ ، وأمر بإرسالهن إلى أهاليهن(٦) بواسط ، ثم أمر بهدم سور البلد ، وطمِّ خندقها وجعلها بَلْقَع٧ً) بعدما كانت للبشر(٨) مجمعاً، وعادت يبابا٩ً) بعدما كانت للخبيث جَنَاباً . (١) أبو جعفر الواسطي الدَّقيقي، محدّث حجة، سمع يزيد بن هارون وغيره. سير أعلام النبلاء (١٢/ ٥٨٢)، العبر (٣٤/٢) . الطبري (٩/ ٥٥٧) وما بعدها . (٢) في ب ، ظا : الجيش الذي . (٣) في اً: عظيماً . (٤) (٥) في أَ : فبعثوا . في ب ، ظا : أماكنهن . (٦) أي قفراً . (٧) في ط : للشر . (٨) (٩) ((اليباب)): الخراب. و((الجَنَاب)): الكَنَف والمحلة. ٢٨٤ ذكر مسيرة الموفق إلى المدينة ثم سار الموفّق إلى المدينة التي يقال لها : المنصورة ، من إنشاء الزَّنج أيضاً ، بها سليمان بن جامع ، فحاصرها ، وقاتلوه دونها ، فَقُتِلَ خلْقٌ كثير من الفريقين ، ورَمَّى أبو العباس بن الموفّق أحمد بن هندي بسهم ، فأصابه في دماغه فقتله ، وكان من أكابر أمراء صاحب الزَّنج ، فشقَّ ذلك عليه جدّاً، وأصبح الناس محاصرين مدينة الزَّنْج ، وذلك يوم السبت لثلاث بقين من ربيع الآخر ، والجيوش الموفَّقيَّة مرتَبة أحسن الترتيب ، فتقدَّم الموفَّق ، فصلَّى أربع ركعات ، وابتهل إلى الله في الدعاء ، واجتهد في حصارها ، فهزم الهُ مقاتلتها ، وانتهى إلى خندقها فإذا هو قد حُصِّن غاية التحصين ، وإذا قد جعلوا حول البلد خمسة خنادق وخمسة أسوار ، فجعل كلَّما جاوز سوراً قاتلوه دون الآخر ، فيقهرهم ويجوز إلى الذي يليه ، حتى انتهى إلى البلد فقتل منهم خلقاً كثيراً، وهرب بقيَّتُهم ، وأسر من نساء الزَّنج ومن حلائل سليمان بن جامع وذويه نسالا) كثيراً وصبياناً، واستنقذ من أيديهم من النساء المسلمات والصبيان من أهل البصرة والكوفة [ وواسط ؟) نحواً من عشرة آلاف نسمة، فسيّرهم إلى أهاليهم، جزا(٣) الله خيراً. ثم أمر بهدم فنادقها وأسوارها وردم خنادقها وأنهارها ، وأقام بها سبعة عشر يوماً ، وبعث في آثار من انهزم من الزَّنج ، فكان لا يؤتى بأحدٍ منهم إلا استماله إلى الخير برفقٍ ولينٍ وصفحٍ ، وأضافه إلى بعض الأمراء ، وكان مقصوده رجوعهم إلى الحقّ . ثم ركب إلى الأهواز، فأجلاهم عنها ، وطردهم منها ، وقتل خلقاً كثيراً من أشرافهم ؛ منهم : أبو عيسى محمد بن إبراهيم البصري ، وكان رئيساً فيهم مطاعاً . وغنم شيئاً كثيراً من أموالهم ، وكتب الموفّق إلى صاحب الزَّنج - قبحه الله - كتاباً يدعوه إلى التوبة والإنابة مما ارتكبه من المآثم والمظالم والمحارم ودعوى النبوّة والرسالة وخراب البلدان واستحلال الفروج والأموال ، ويبذل له الأمان إن هو رجعٍ إلى الحقّ ، فلم يردّ عليه صاحبُ الزَّنج جواباً . ذكر مسيرة أبي أحمد الموفّق إلى المدينة التي فيها صاحب الزَّنج وهي المختارة ليحاصرها ٠ لمَّا كتب أبو أحمد إلى صاحب الزَّنْج يدعوه إلى الحقِّ فلم يجبه ، استهانةً به ، ركب في جيوشٍ عظيمةٍ قريب من خمسين ألف مقاتل ، قاصداً إلى مدينته التي أنشأها وسمَّاها المختارة ، فلما انتهى إليها وجدها في غاية الإحكام ، وقد حوط عليها من آلات الحصار شيئاً كثيراً، وقد الغفّ على صاحب الزَّنج في ا : شيئاً كثيراً . (١) زیادة من ب ، ظا . (٢) فياً : جزاهم . (٣) ٢٨٥ وفيات سنة ٢٦٧ هـ نحو من ثلاثمئة ألف مقاتل بسيفٍ ورمحٍ ومقلاع ، ومن يكثر سوادهم ، فقدَّم الموفّق ولدَه أبا العباس بين يديه ، فتقدَّم حتى وقف تحت قصر الملك ، فحاصره محاصرة لم ير مثلها ، وتعجبت الزَّنج من إقدامه وجرأته مع صغر سنه وحداثة عمره ، فتراكمت الزنوج عليه من كلِّ مكان ، فهزمهم ، وأثبت بهبوذ أكبر أمرائه بالسهام والحجارة ، ثم خامرت (١) جماعة من أمراء صاحب الزَّنج وأجناده إلى الموفّق ، فأكرمهم وأعطاهم خِلَعاً سنية ، فرغب إلى ذلك جماعة كثيرون منها ، فصاروا إليه . وركب أبو أحمد في يوم النصف من شعبان ونادى في الناس كلُّهم بالأمان إلا صاحب الزَّنج ، فتحوَّل خلْق من جيشه إلى أبي أحمد ، ولله الحمد . وابتنى الموفّق تجاه مدينة صاحب الزَّنج مدينة سمّاها الموفَّفيّة، وأمر بحمل الأمتعة والتجارات إليها ، فاجتمع بها من أنواع الأشياء وصنوفها ما لم يجتمع في بلدٍ قبلها ، وعظم شأنها . وإنَّما بناها ليستعين بها على قتال صاحب الزَّنج ، ثم جرت بينهم حروب عظيمة ، وما زالت الحرب ناشبةً بينهم حتَّى انسلخت هذه السنة وهم محاصرون [ لبلد (٢) الخبيث ومن فيه ، وقد تحول منهم خلق كثير فصاروا على صاحب الزَّنج بعد أن كانوا معه ، بلغ عددهم قريباً من خمسين ألفاً من الأمراء الخواص والأجناد ، والموفّق وأصحابه ولله الحمد في ازدياد وقوة وظفر ونصر . وحجّ بالناس في هذه السنة هارون بن محمد بن إسحاق بن موسى بن عيسى الهاشمي . وممن توفي فيها من الأعيان : إسماعيل بن سَمُّويّا(٣) . وإسحاق بن إبراهيم ، شاذان(1) . وبحر(٥) بن نَصْر الخَوْلانيّ . وعباس الُرْقُفي (٦) . (١) ((خامرت)): خالطت وقاربت. (٢) من ب ، ظا . (٣) إسماعيل بن عبد الله بن مسعود، أبو بشْر العَبْدي الأصبهاني، سَمُويَه، صاحب الأجزاء الفوائد التي تنبىء بحفظه وصحة علمه، ثقة صدوق. سير أعلام النبلاء (١٠/١٣)، العبر (٣٥/٢). (٤) أبو بكر، الهشلي، الفارسي، شاذان، محدث، وثقه ابن حبَّان. سير أعلام النبلاء (٣٨٢/١٢)، العبر (٣٥/٢). في الأصول والمطبوع: يحيى. وهو بحر بن نَصْر بن سابق الخولاني مولاهم المصري، أبو عبد اله. محدّث ثقة. (٥) تهذيب الكمال (١٦/٤)، سير أعلام النبلاء (١٢ / ٥٠٢). (٦) عباس بن عبد الله بن أبي عيسى الباكُسائي الثَّرْتُفي، محدث حجة أحد الرحّالين في السنن، ثقة صالح عليد. سمر أعلام النبلاء (١٢/١٣)، والباب (١١٢/١). ٢٨٦ أحداث سنة ٢٦٨ هـ ومحمد بن حماد بن بكر بن حماد أبو بكر المقرىء (١) ، صاحب خلف بن هشام البزار ، ببغداد ، في ربيع الأول . ومحمد بن عُزَيز الأيلي(٢) . ويحيى بن محمد بن يحيى الذُّهْليّ، حَيْكان(٣) . ويونُس بن حَبيب (٤) ، راوي مسند أبي داود الطيالسيّ عنه . ثم دخلت سنة ثمان وستين ومثتين في المحرم منها استأمن جعفر بن إبراهيم المعروف بالسجَّان - وكان من أكابر أمراء صاحب الزَّنج وثقاتهم في أنفسهم - ففرح به الموفّق ، وخلع عليه وأمَّره ، فركب في سمريه ، فوقف تجاه قصر الملك ، فنادى في الناس وأعلمهم بكذب صاحب الزَّنج وفجوره ، وأنه في غرورٍ هو ومن اتبعه ، فاستأمن بسبب ذلك بشرٌ كثيرٌ منهم ، وبرد قتال الزَّنج إلى ربيع الآخر ، فعند ذلك أمر الموفّق أصحابَه بمحاصرة السور ، وأمرهم إذا نقبوه أن لا يدخلوا البلد حتى يأمرهم ، فنقبوا البلد ، وانثلم السور ، وعجلوا فدخلوا ، فقاتلهم الزَّنج فهزمهم المسلمون ، وتقدَّموا إلى وسط المدينة ، فجاءتهم الزَّنج من كلِّ جانب ، وخرجت الكمناء من أماكن لا يهتدون إليها ، فقتلوا من المسلمين خلقاً واستلبوهم ، وفرّ الباقون ، فلامهم أبو أحمد على مخالفته في(٥) العجلة، وأجرى الأرزاقَ على ذريَّة مَن قُتِلَ منهم ، فحسن ذلك عند الناس جدّاً . (١) سمع يزيد بن هارون وغيره . وكان أحد القراء المجودين ومن العباد الصالحين ، وكان أحمد بن حنبل يجلّه ويكرمه ويصلي خلفه شهر رمضان وغيره . المنتظم (٥/ ٦١). (٢) محمد بن عُزَيز بن عبد الله بن زياد ، الأيلي ، أبو عبد الله العقيلي . روى عنه النسائي وابن ماجه وأبو داود في غير السنن . قال ابن أبي حاتم : كان صدوقاً. توفي بأيلة . تهذيب التهذيب (٩/ ٣٤٤). (٣) أبو زكريا، الحافظ المجوّد الشهير، إمام أهل الحديث بنيسابور. قال الحاكم: هو إمام نيسابور في الفتوى والرئاسة ، وابن إمامها ، وأمير المطّوَّعة المجاهدين بخراسان بلا مدافعة. قتله أحمد الخُجُستاني ظلماً لكونه قام عليه ، وحاربه لاعتدائه وخسفه. سير أعلام النبلاء (١٢ /٢٨٥)، تهذيب التهذيب (٢٧٦/١١). (٤) أبو بشر العجليّ، مولاهم، الأصبهاني. روى عن أبي داود الطيالسيّ ((مسنداً)) في مجلد كبير . قال بعضهم : كان يونس محتشماً ، عظيم القدر بأصبهان ، موصوفاً بالدّين والصيانة والصلاح. سير أعلام النبلاء (١٢ / ٥٩٦) ، العبر (٣٧/٢) . (٥) في آ: من . ٢٨٧ وفيات سنة ٢٦٨ هـ وظفر أبو العباس بجماعةٍ من الأعراب وغيرهم كانوا يجلبون الطعام إلى الزَّنج فقتلهم ، وظفر بيهبوذ بن عبد الوهاب فقتله ، وكان ذلك من أكبر الفتح عند المسلمين ، وأعظم الرزايا عند الزَّنج ، ولله الحمد . وبعث عمرو بن الليث إلى أبي أحمد الموفّق ثلاثمئة ألف دينار وخمسين مَن١ّ) من مسكٍ ، وخمسين مَنَّاً من عنبر ، ومئتي مَنَّ عوداً ، وفضة بقيمة مئة ألف دينار ، وثياباً من وشي ، وغلماناً كثيرة جد(٢). وخرج ملك الروم المعروف بابن الصّقْلبّة ، فحاصر أهل مَلَطْيَةٍ ، فأعانهم أهلُ مَرْعش (٣) ، ففرَّ الخبيث خاسئاً . وغزا الصائفة من ناحية الثغور(٤) عاملُ ابن طولون ، فقتل من الرّوم سبعةُ(٥) عشر ألفاً . وحجّ بالناس فيها هارون بن محمد الهاشمي . وقتل أحمد بن عبد الله الخُجُسْتانيّ(٦) . وتوفي فيها من الأعيان : أحمد بن سيَّار(٧). وأحمد بن شيبان(٨) . وأحمد بن يونس الضَّبِّ(٩) . ((المَنُّ)): مكيال بوزن فيه رطلان بغداديان. ويعادل : ٨١٦ غراماً . (١) (٢) تاريخ الطبري (٩/ ٦٠٦) . في الطبري : أهل مرعش والحَدَث . (٣) (٤) الطبري : الثغور الشامية . (٥) الطبري : بضعة عشر . قتله غلام له في ذي الحجة ، كما في تاريخ الطبري (٩/ ٦١٢). (٦) (٧) أحمد بن سيَّار بن أيوب بن عبد الرحمن المَرْوَزيّ، أبو الحسن. إمام أهل الحديث في بلده علماً وأدباً وزهداً وورعاً ، وكان يقاس بعبد الله بن المبارك في عصره . وهو أحد من أدخل فقه الشافعي على خراسان ، أخذه عن الربيع وغيره . تهذيب الكمال (٣٢٣/١)، سير أعلام النبلاء (٦٠٩/١٢)، تهذيب التهذيب (٣٥/١). (٨) أحمد بن شيبان بن الوليد بن حيَّان، أبو عبد المؤمن الرَّملي، المحدّث الكبير الصدوق، وثقه الحاكم. سير أعلام النبلاء (٣٤٦/١٢). (٩) أحمد بن يونس بن المسيّب بن زهير بن عمرو، أبو العباس الضَّبِِّ الكوفي ، المحدّث القدوة . مات بأصبهان، وكان من جلة المسندين بها . سير أعلام النبلاء (١٢ / ٥٩٥). ٢٨٨ أحداث سنة ٢٦٩ هـ وعيسى بن أحمد البَلْخيّ(١). ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصريّ(٢) ، الفقيه المالكي ، وقد صحب الشافعيّ وروى عنه . ثم دخلت سنة تسع وستين ومثتين في هذه السنة اجتهد الموفق وفقه الله ، في تخريب سور مدينة صاحب الزَّنْج ، فخرب منه (٣) شيئاً كثيراً ، وتمكن الجيوش من العبور إلى البلد ، ولكن جاءه في أثناء هذه الحالة سهم في صدره من يد رجلٍ رومي يقال له : قرطاس ، فكاد يقتله ، ولكن اضطرب لذلك وهو يتجلّد ، ويحضر القتال مع ذلك ، وأقام ببلده الموفّقية أياماً يتداوى ، واضطربت الأحوال وخاف الناس جدّاً من صاحب الزَّنْج ، وأشاروا على الموفّق بالمسير إلى بغداد ، فلم يقبل ، وقويت علَّه، ثم منَّ الله عليه بالعافية في شعبان ، ففرح المسلمون بذلك فرحاً شديداً ، فنهض مسرعاً إلى الحصار ، فوجد الخبيثَ قد رمَّم كثيراً مما كان هدم الموفّقُ ، فأمر بتخريبه وما حوله وما قرب منه ، ثم لازم الحصار ، وما انفك حتَّى فتح المدينة الغربية ، وخرّب قصور صاحب الزَّنج ودورَ أمرائه ، واستلب من أموالهم شيئاً كثيراً مما لا يُحدُّ ولا يوصف كثرةً ، وأسر من نساء الزَّنج ، واستنقذ من نساء المسلمين وصبيانهم خلقاً كثيراً ، فأمر بردّهم إلى أهاليهم مكرمين ، وقد تحوَّل صاحبُ الزَّنج إلى الجانب الشرقيّ ، وعمل الجسر والقناطر الحائلة بينه وبين وصول السمريات إليه ، فأمر الموفّقُ بتخريبها وقطع الجسور ، واستمرّ الحصار في هذه السنة ، وما برح حتَّى تسلَّم الجانب الشرقيّ ، واستحوذ على حواصله وأمواله ، وفرّ الخبيثُ ذاهباً وكرَّ هارباً، وترك حلائله وأولاده وحواصله ، فأخذها الموفّق ولله الحمد والمنة ، وشرحُ ذلك كلّه يطول جدّاً؛ وقد حرره مبسوطاً ابنُ جري(٤)، ولخَّصه ابنُ الأثي(٥)، واختصره ابن كثير(٦)، والله الموفّق للصواب وإليه المرجع والمآب . ولما رأى الخليفة المعتمد أن أخاه قد استحوذ على أمور الخلافة وصار هو الحاكم الآمر الناهي ، (١) عيسى بن أحمد بن عيسى بن وردان، أبو يحيى البغدادي، ثم البَلْخي العسقلاني، المحدّث الثقة. سير أعلام النبلاء (١٢ / ٣٨١) . (٢) أبو عبد الله ، عالم الديار المصرية في عصره مع المزني ، من أصحاب مالك ، تفقّه به ، ولزمه مدَّة . له تصانيف كثيرة ، منها كتاب في الرد على الشافعي . سير أعلام النبلاء (١٢ / ٤٩٧). (٣) في آ : منها . انظر تاريخ الطبري (٦١٤/٩ - ٦٢٠ ,٦٢٢/٩ - ٦٥٢). (٤) (٥) الكامل (٣٧٤/٧ - ٣٩٣). يعني نفسه . (٦) ٢٨٩ وفيات سنة ٢٦٩ هـ الذي إليه تجلب الأموال ويحمل الخراج ، وهو الذي يولِّي ويعزل ، كتب إلى أحمد بن طولون يشكو إليه ذلك ، فكتب إليه أن يتحوّل إلى عنده ببلاد مصر ، ووعده النصر والقيام معه . فاستغنم غيبة أخيه الموفّق ، وركب في جمادى الأولى ومعه جماعة من القواد ، وقد أرصد له أحمد بن طولون جيشاً بالرقة يتلقَّونه ، فلمَّا اجتاز الخليفةُ بإسحاق بن كنداج نائب الموصل وعامة الجزيرة اعتقله عنده عن المسير ، وقيّد أعيان الأمراء الذين معه، وعاتَبَ الخليفة ولامَهُ على هذا الصّنيع أشدَّ اللوم، ثم ألزمه العَودَ إلى سامُرًا ومَنْ معه من الأمراء ، فرجعوا إليها في غاية الإهانة والمذلَّة . ولمَّا بلغ ذلك الموفَّق شكر سعي إسحاق ، وولاه جميعَ أعمال أحمد بن طولون إلى أقصى بلاد إفريقية ، وكتب إلى أخيه أن يلعن ابن طولون في دار العامّة ، فلم يمكن المعتمد إلا إجابته إلى ذلك ، وهو كاره ، وكان ابن طولون قد قطع من الخطبة ذكر الموفّق ، وأسقط اسمه عن الطرازات . وفي ذي القعدة وقعت فتنة بمكّة بين أصحاب الموفّق وأصحاب ابن طولون ، فقُتِلَ من أصحاب ابن طولون مئتان وهرب بقيتهم ، واستلبهم أصحاب الموفّق شيئاً كثيرا١ً) . وفي هذه السنة قطع الأعراب على الحجيج الطريقَ وأخذوا منهم خمسةَ آلاف بعير بأحمالها . وفيها توفي : إبراهيم بن مُنْقِذ الكِناني(٢) . وأحمد بن خلا(٣) ، مولى المعتصم ، وكان من دعاة المعتزلة ، أخذ الكلام عن جعفر بن معشر المعتزلي . وسليمان بن حفص المعتزليّ(٤) ، صاحب بشر المَرِيسيّ، وأبي الهُذيل العلاف. وعيسى بن الشيخ بن السّليل الشيباني(٥) ، نائب إرمينية ، وديار بكر . وأبو فروة يزيد بن محمد الرُّهاوي ، أحد الضعفاء(٦) . (١) تفصيل ذلك في الطبري (٩/ ٦٥٢)، والكامل لابن الأثير (٧/ ٣٩٤). (٢) أبو إسحاق الخولاني مولاهم ، المصري العُصْفري ، من أصحاب ابن وهب ، وكانت كتبه قد احترقت وبقيت منها بقية ، فحدث بما بقي. وهو ثقة . المنتظم (٦٧/٥)، سير أعلام النبلاء (١٢ / ٥٠٣). (٣) الكامل لابن الأثير (٣٩٨/٧) وفيه: أحمد بن مخالد أخذ الكلام عن جعفر بن مبشر . الكامل لابن الأثير (٣٩٨/٧)، وفيه : سلمان بن حفص بن أبي عصفور الإفريقي، وكان معتزلياً يقول بخلق (٤) القرآن ، وأراد أهل القيروان ، فسلم ذلك ، وصحب بشراً المريسي وأبا الهُذيل وغيرهما من المعتزلة . (٥) كان غلب على دمشق أيام المهتدي وأوّل أيام المعتمد ، فجاء عسكر المعتمد ، فالتقاهم ابنه ووزيره فهزموا ، وقتل ابنه وصلب وزيره، وهرب عيسى، ثم استولى على آمد وديار بكر مدة. العبر (٤٧/٢). (٦) هو يزيد بن محمد بن يزيد بن سنان ، المحدث ، سمع أباه والحسن بن موسى الأشيب وطائفة . قال ابن = ٢٩٠ أحداث سنة ٢٧٠ هـ سنة سبعين ومئتين من الهجرة فيها كان مقتل صاحب الزَّنْجِ قَبَّحه الله ؛ وذلك أن الموفَّق لمَّا فَرَغَ من شأن مدينة صاحب الزَّنج المختارة ، واحتاز ما كان بها من الأموال ، وقتل من كان بها من الرجال ، وسبّى مَن وجد فيها من النساء والأطفال ، وقد هرب الخبيث عن حومة الجلاد والنزال ، وسار إلى بعض البلاد طريداً شريداً بشرّ حال ، عاد الموفَّق وفقه الله ، إلى مدينته الموفّقية مؤيداً منصوراً ، وقدم عليه لؤلؤ غلامُ أحمد بن طولون منابذاً لسيده ، سامعاً مطيعاً لأبي أحمد الموفَّق ، فكان وروده عليه في ثالث المحرم من هذه السنة ، فأكرمه وعظّمه ، وأعطاه وخلع عليه وأحسن إليه ، وبعثه طليعة بين يديه لقتال صاحب الزَّنج ، وركب هو في الجيوش الكثيفة الهائلة وراءه ، فقصد الخبيثَ وقد تحصَّن ببلدة أخرى ، فلم يزل به محاصراً له حتى أخرجه منها ذليلاً وهو صاغر ، واستحوذ هو على ما كان بها من الأموال والمغانم ، ثم بعث السّرايا وراءه ، فأسروا عامّةَ مَنْ كان قد صحبه من خاصته وجماعتهم ؛ منهم سليمان بن جامع ، فاستبشر الناس بأسره ، وكثّروا فرحاً بالنصر والفتح ، وحمل الموفَّق بمن معه حملة واحدة على أصحاب الخبيث ، فاستحرَّ فيهم القتل ، وما انجلت الحرب حتى جاءه البشير بقتل الخبيث صاحبِ الزَّنج في المعركة ، وأتي برأس الخبيث مع غلام للؤلؤ ؛ فتى أحمد بن طولون ، فلمَّا تحقق الموفَّق أنه رأسه ، بعد شهادة الأمراء الذين كانوا من أصحابه بذلك، خرّ لله عزَّ وجلَّ ساجداً ، ثم انكفأ راجعاً إلى الموفَّقَّة ، ورأسُ الخبيث يُحمل بين يديه ، وسليمانُ معه أسير ، فدخل البلدَ وهو كذلك ، فكان يوماً مشهوداً ، وفرح المسلمون بذلك في المشارق والمغارب ، ثم جيء بأنكلاي ولدٍ صاحب الزَّنج ، وأبان بن عليّ المهلبيّ ، مسعر حربهم ، مأسورين ، ومعهما قريبٌ من خمسة آلاف أسير ، فتمَّ السرورُ، وهرب قرطاس الذي رمى الموفَّق في صدره بذلك السهم ، إلى رامهرمز ، فأخِذَ ، ويُعث به إلى الموفَّق ، فقتله أبو العباس ولدُ الموفَّق . واستأمن مَنْ بقي من جيوش الزَّنج ، فأمَّنهم الموفَّق ، وفَّقه الله ، ونادى في الناس بالأمان ، وأن يرجع الناس الذين أخرجوا من ديارهم بسبب فتنة الزَّنج إلى أوطانهم وبلدانهم . ثم قدَّم ولده أبا العباس بين يديه إلى بغداد ، ومعه رأسُ الخبيث يُحمل ليراه أهل بغداد ، فدخلها لثنتي عشرة بقيت من جمادى الأولى من هذه السنة ، وكان يوماً مشهوداً ببغداد ، وانتهت أيامُ صاحبِ الزَّنج المدّعي الكذاب ، قبحه الله تعالى . أبي حاتم : سألت أبي عن يزيد بن سنان ، فقال: محله الصدق ، والغالب عليه الغفلة ، يكتب حديثه ، ولا يُحتج = به . وسئل علي بن المديني عنه، فقال: ضعيف الحديث . الجرح والتعديل (٢٦٦/٩) ، وسير أعلام النبلاء (١٢ /٥٥٥) . ٢٩١ أحداث سنة ٢٧٠ هـ وقد كان ظهوره في يوم الأربعاء لأربع بقين من شهر رمضان سنة خمس وخمسين ومئتين ، وقتل في يوم السبت لليلتين خلتا من صفر سنة سبعين ومئتين . وكانت دولته أربع عشرة سنة وأربعة أشهر وستة أيام ، ولله الحمد والمنة . وقد قيل في انقضاء دولة الزَّنج وما كان من النصر عليهم أشعارٌ كثيرة (١) ؛ من ذلك قولُ يحيى بن محمّد الأسلميّ (٢). أعزَّتْ مِنَ الإسلامِ ما كان واهيا أقولُ وقد جاءَ البشيرُ بوقعةٍ جَزَى اللهُ خيرَ النَّاسِ للناسِ بَعْدَما تَفَرَّدَ إذْ لم ينصرِ اللّهَ ناصرٌ وتجديد(٣) مُلْكٍ قد وَهَى بعدَ عِزُهِ وَرَدَّ عِماراتٍ أزيلَتْ وأخْرِبتْ وتَرجِعَ أمصارٌ أبيحتْ وأحرِقَتْ ويَشِفِي صدورَ المسلمينَ بوقعةٍ ويُلَى كتابُ اللهِ في كلِّ مسجدٍ فأعرَضَ عن أحبابهِ ونعيمه أبیحَ حِماهُمْ خیرَ ما كانَ جازیا بتجديدِ دينٍ كانَ أَصبحَ باليا وأخذٍ بثارات تُبيرُ الأعاديا ليرجعَ فيءٌ قدْ تُخُرِّمَ وافِيا مِراراً فقد أمْسَتْ قِوَاءً عَوافِيا يُقرُّ بها منَّا العيونَ البواكيا ويُلفى (٤) دعيّ الطالبيين خاسيا وعنْ لذَّة الدنيا وأصبحَ غازيا [ وهي قصيدة طويلة هذا طرف منها ]°) . وفي هذه السنة أقبلت الروم في مئة ألف مقاتل ، فنزلوا قريباً من طَرَسُوسَ ، فخرج إليهم المسلمون فبيَّتوهم ، فقتلوا منهم في ليلةٍ واحدةٍ حتَّى الصباح نحواً من سبعين ألفاً من المقاتلة ، ولله الحمد والمنة . وقُتل المقدَّم الَّذي عليهم وهو بطريق البطارقة ، وجرح أكثر الباقين ، وغنم المسلمون منهم غنيمةً عظيمة ؛ من ذلك سبعة صلبان من ذهب وفضة ، وصليبهم الأعظم عندهم ، وهو من ذهب ، صامت مكلَّل بالجواهر ، وأربعة كراسي من ذهب ، ومنتا كرسي من فضة ، وآنية كثيرة من الفضة ، وعشرة آلاف علَم من ديباج، وغنموا حريراً كثيراً، وخمسة عشر ألف دابّة ، وسروجاً وسلاحاً وسيوفاً محلاةً ، وشيئاً كثيراً جداً ، ولله الحمد والمنة [أولاً وآخراً !٦). (١) ذكر الطبري قسماً منها في تاريخه (٩/ ٦٦٣ - ٦٦٥). الطبري (٩/ ٦٦٣)، والكامل لابن الأثير (٤٠٥/٧). (٢) (٣) في ط والطبري : وتشديد . في ظا والطبري وابن الأثير : ويلقى دعاء . (٤) من ب ، ظا . (٥) (٦) من ب ، ظا . ٢٩٢ وفيات سنة ٢٧٠ هـ وممن توفي فيها من الأعيان : أحمد بن طولون (١) : أبو العبّاس أميرُ الديار المصرية وباني الجامع بها المنسوب إليه ، وقد ملك دمشق ، والعواصم ، والثغور، مدَّة طويلة . وقد كان أبوه طولون من الأتراك الذين أهداهم نوح بن أسد بن سامان السامانيّ عامل بُخَارى إلى المأمون في سنة مئتين ، ويقال : إلى الرشيد في سنة تسعين ومئة . وولد أحمد هذا في سنة أربع عشرة ، وقيل (٢) : في سنة عشرين ومئتين ، ومات أبوه طولون في سنة ثلاثين ، وقيل : في سنة أربعين ومثتين . وحكى ابنُ خلِّكان(٣) أنه لم يكن ابنه وإنما تبنَّه ، والله أعلم . وحكى ابنُ عساكر(٤) أنه من جارية تركيَّة اسمها هاشم . ونشأ أحمد هذا في صيانةٍ وعفافٍ ودراسة للقرآن العظيم ، مع حسن الصَّوت . وكان يعيب على أولاد الترك ما يرتكبونه من المحرَّمات والأشياء المنكرات(٥). وحكى الحافظ ابن عساكر في ((تاريخه (٦) عن بعض مشايخ مصرَ : أن طولون لم يكن أباه ، وإنما كان قد تبنّاه ، وأنه كان ظاهر النجابة من صغره ، وأنَّه اتفق أنه بعثه طولون في حاجةٍ ليأتيه بها من قصر دار الإمارة ، فذهب فإذا حظيَّةٍ من حظايا أبيه مع بعض الخدم في فاحشةٍ ، فأخذ حاجته التي أمره بها [ أبوه (٧)، وكرّ راجعاً إليه سريعاً، ولم يخبره بشيء مما رأى من ذلك، فتوهَّمت الحظّة أن يكون قد أخبره [ بما رأى (1)، فجاءت إلى طولون، فقالت: إنَّ أحمد جاءني الآن إلى المكان الفلاني وراودني عن نفسي ، وانصرفت إلى قصرها ، فوقع في نفسه صدقُها ، فاستدعى أحمد ، وكتب معه في كتاب ، وختمه إلى بعض الأمراء : أن إذا وصل إليك حامل هذا الكتاب فاضرب عنقه ، وابعث برأسه سريعاً إليَّ . (١) مختصر تاريخ ابن عساكر لابن منظور (١٢٢/٣)، الطبري (٦٦٦/٩)، المنتظم (٧١/٥)، الكامل لابن الأثير (٤٠٨/٧)، وفيات الأعيان (١٧٣/١)، سير أعلام النبلاء (٩٤/١٣)، العبر (٤٣/٢)، الوافي بالوفيات (٦/ ٤٣٠)، النجوم الزاهرة (١/٣ - ٢١)، شذرات الذهب (١٥٧/٢). قوله : وقيل : في سنة عشرين لم يرد في ب ، ظا ، ط . (٢) وفيات الأعيان (١ / ١٧٤). (٣) (٤) مختصر تاريخ ابن عساكر (١٢٥/٣). بعدها في آ، ط : وكانت أمه جارية اسمها هاشم ولم ترد في ب ، ظا . (٥) (٦) مختصره لابن منظور (١٢٢/٣). (٧) من ب ، ظا . من ب ، ظا . (٨) ٢٩٣ وفيات سنة ٢٧٠ هـ فذهب أحمد وهو لا يدري ما في الكتاب ، فاجتاز في طريقه بتلك الحظية ، فاستدعته إليها ، فقال : إنِّي مشغول بهذا الكتاب لأوصله إلى فلان . فقالت : هلمَّ ، فلي إليك حاجة ، وأرادت أن تحبسه عندها ليكتب لها كتاباً ؛ لتحقق في ذهن الملك ما ذكرته من أمره ، وأرسلت بذلك الكتاب مع الخادم الذي كانت هي وإياه على الفاحشة . وجلس أحمد يكتب لها ، وذهب ذلك الخادم إلى ذلك الأمير بالكتاب . فلما قرأه أمر بضرب عنقه ، وأرسل برأسه إلى الملك طُولون . فتعجب الملك ، وقال : أين أحمد ؟ فطُلِبَ له ، فقال : ويحك ! أخبرني كيف صنعت منذ خرجت من بين يدي ؟ فأخبره بما جرى من الأمر . ولمَّا سمعت تلك الحظيّة بأنَّ رأسَ الخادم قد أُتِيَ به إلى الملك أسقط في يدها ، وتوهَّمت أنَّ الملك قد تحقَّق الحال ، فقامت إليه تعتذر وتستغفر مما وقع منها مع الخادم ، واعترفت بالحقِّ ، وبرّأت ساحة أحمد ، فحظي عنده ، وأوصى له بالملك من بعده١ً) . ثم ولي نيابة الديار المصرية للمعتزّ ، فدخلها يوم الأربعاء لسبع بقِين من رمضان سنة أربع وخمسين ومئتين ، فأحسن إلى أهلها إحساناً كثيراً ، وأنفق فيهم من بيت المال ومن صدقاته . واستغل الديار المصرية في بعض السنين أربعة آلاف ألف دينار [ وثلاثمئة ألف دينار (٢) ، وبنى بها الجامع ، وغرم عليه مئة ألف دينار وعشرين ألف دينار ، وكان فراغه في سنة تسع وخمسين ، وقيل : في سنة ست وستين . وكانت له مائدة في كلِّ يوم يحضرها الخاصّ والعامّ ، وكان يتصدَّق في كلِّ شهرٍ من خالص ماله بألف دينار . وقال له وكيله يوماً : إنَّه تأتيني المرأة وعليها إزار وبذلة وهيئة ، فتسألني ، أفأعطيها ؟ فقال : من مدَّ يده إليك فأعطه . وكان من أحفظ الناس لتلاوة القرآن ، ومن أطيبهم صوتاً به . وقد قيل فيما حكاه ابن خلِّكال(٣): إنه قتل صبراً نحواً من ثمانية عشر ألف نفسٍ ، والله أعلم . وبنى البيمارستان فغرم عليه ستين ألف دينار ، على المَيْدار(٤) مئة وخمسين ألفاً ، وكان له صدقات كثيرة جداً ، وإحسان زائد . ثم ملك دمشق بعد أميرها أماخور في سنة أربع وستين ومئتين ، فأحسن إليهم أيضاً ، واتفقَ أن وقع بها حريق عند كنيسة مريم ، فنهض بنفسه إليه ومعه أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو الحافظ الدمشقي ، وكاتبه أبو عبد الله أحمد بن محمد الواسطيّ . ثم أمر كاتبه أن يخرج من مال الأمير سبعين ألف دينار تصرف إلى أهل الدُّور والأموال التي أحرقت ، فصرف إليهم جميع قيمة ما ذكروه ، وبقي أربعة عشر ألف (١) مختصر تاريخ ابن عساكر (١٢٣/٣)، والنجوم الزاهرة (٢/٣). (٢) من ب ، ظا . (٣) وفيات الأعيان (١/ ١٧٣). (٤) في النجوم الزاهرة (٣/ ١٢): وعلى المَيْدان خمسين ألف دينار. ٢٩٤ وفيات سنة ٢٧٠ هـ دينار ، فأمر بها أن توزَّع عليهم على قدر حصصهم ، ثم أمر بمالٍ عظيم يفرّق على فقراء دمشق وغوطتها ، فأقل ما حصل للفقير دينار(١) . رحمه الله . ثم خرج إلى أنطاكية ، فحاصر بها صاحبها سيما حتَّى قتله وتسلَّم البلد ، كما ذكرنا ذلك فيما تقدَّم . ثم كانت وفاته بمصر في أوائل ذي القعدة من هذه السنة من علَّة أصابته من أكل لبن الجواميس ، فأصابه ذَرَبٌ (٢)، فداواه الأطباء [وأمروه أن يحتمي منه ]٣) فلم يقبل منهم ، فكان يأكل منه في الخفية ، فمات رحمه الله . وقد ترك من الأموال والأثاث والدّواب شيئاً كثيراً جداً ؛ من ذلك عشرة آلاف ألف دينار . وكان له ثلاثة وثلاثون ولداً، منهم سبعة عشر ذكراً ، فقام بالأمر من بعده ولدُه خُمَارَوَيْه، وسيأتي(٤) ما كان من أمره . وكان له من الغلمان أربعة وعشرون ألف غلام ، ومن الموالي سبعة آلاف مولى ، ومن البغال والخيل والجمال شيء كثير جدّاً . قال ابن خلِّكان(٥) : وإنما تغلَّب على البلاد لاشتغال الموفّق طلحة بن المتوكل بحرب صاحب الزَّنج ، وقد كان الموفّق نائبَ أخيه المعتمد(٦) على الله، وهو والد المعتضد ، رحمهم الله . وأحمد بن محمد بن عبد الكريم بن سَهْل الكاتب، صاحب كتاب ((الخراج))؛ قاله ابن خلكان(٧). وأحمد بن عبد الله بن البَرْقِيّ(٨). وأسيدُ بن عاصم الجَمَّال(٩) . (١) مختصر ابن عساكر (١٢٦/٣)، النجوم الزاهرة (١٣/٣ - ١٤). (٢) ((الذَّرَبُ)): داء يعرض للمعدة فلا تهضم الطعام، ويفسد فيها ولا تمسكه. (٣) زيادة من ط . سيأتي في وفيات سنة ٢٨٢ هـ . (٤) وفيات الأعيان (١/ ١٧٣). (٥) في آ: (( المعتمد على أخيه ، وهو والد المعتمد ، رحمهم الله )) وصححت من ب ، ظا . (٦) (٧) وفيات الأعيان (١٠١/١). (٨) أبو بكر ، المحدّث ، الصادق . له كتاب في معرفة الصحابة وأنسابهم ، وكان من أئمة الأثر ، وكان يمشي في سوق الدواب فضربته دابة فمات من يومه ، وهو من أبناء الثمانين . المنتظم (٧١/٥)، سير أعلام النبلاء (١٣ /٤٧). (٩) أسيد بن عاصم الثقفي الأصبهاني، أبو الحسين . المحدّث الحافظ. وثقه ابن أبي حاتم. والجمَّال لقب لأسيد بن زيد بن نجيح الجمَّال القرشي الهاشمي ، فلعله اختلط في ذهن المؤلف ، رحمه الله . سير أعلام النبلاء (٣٧٨/١٢)، وتهذيب الكمال (٣٣٨/٣). ٢٩٥ وفيات سنة ٢٧٠ هـ وبكَّار بن قُتيبة المصريّ(١) ، في ذي الحجة من هذه السنة . والحسن بن زيد العلويّ(٢) : صاحب طَبَرستان في رجب من هذه السنة ، وكانت ولايته تسع عشرة سنة وثمانية أشهر وستة أيام ، وقام من بعده [ بالأمر ]٣) أخوه محمّد بن زيد(٤) . وكان الحسن بن زيد كريماً جواداً ممدّحاً ، يعرف الفقه والعربية ، قال له شاعر في جملة قصيدة : الله فردٌ ، وابن زيد فردٌ ، فقال له : بفيك(٥) الإثلِبُ ، هلا قلت : اللهُ فردٌ ، وابن زيد عبدٌ . ثم نزل عن سريره وخرّ ساجداً لله ، وألصق خدَّه بالتراب ولم يعطِ ذلك الشاعرَ شيئاً . وامتدحه بعضهم ، فقال في أول قصيدته (٦) : لا تَقُلْ بُشرى ولكن بُشْرِيَان عِزَّةُ الدَّاعِي ويَوْمُ المِهْرَجانِ فقال له الحسن بن زيد : لو ابتدأت بالمصواع الثاني لكان أحسن ، وأبعد ذلك أن تبتدىءَ شعرك بحرف (( لا)) . فقال له الشاعر: ليس في الدنيا كلمة أجل من قول: لا إله إلا الله. فقال : أصبت ، وأمر له بجائزة سنية . والحسن بن عليّ بن عقَّان العامريّ(٧) . وداود بن علي (٨) الأصبهاني ثم البغدادي ، الفقيه الظاهري: إمام أهل الظاهر ، روى عن أبي ثور (٩) إبراهيم بن خالد ، وإسحاق بن راهَوَيْه ، وسليمان بن حَرْب ، وعبد الله بن مَسْلمة القَعْنَبِيّ، ومُسَدَّد بن مسَرْهَدٍ ١٠) ، وغيرٍ واحدٍ . (١) بكَّار بن قتيبة الثقفي البَكْراوي ، أبو بَكْرة ، العلامة المحدّث، قاضي الديار المصرية ، الفقيه الحنفي . له أخبار في العدل والعفة والنزاهة والورع . ولاه المتوكل القضاء . وكان أحمد بن طولون أراد بكاراً على لعن الموفَّق ، وليّ عهد المعتمد ، فامتنع ، فسجنه ، إلى أن مات ابن طولون. سير أعلام النبلاء (١٢ / ٥٩٩)، والعبر (٤٤/٢). (٢) تاريخ الطبري (٢٧١/٩ - ٢٧٦ و٦٦٦)، الكامل لابن الأثير (٧/ ١٣٠ - ١٣٤ و٤٠٧)، سير أعلام النبلاء ١٣٦/١٣٠) . وتحدث المؤلف عن خروجه في حوادث سنة ٢٥٠ . (٣) من ب ، ظا ، ط . الكامل لابن الأثير (٤٠٧/٧) . (٤) لفظة بفيك سقطت من ا. و((الإثلب)): التراب والحجارة . (٥) (٦) الكامل لابن الأثير (٤٠٨/٧) . أبو محمد الكوفيّ . المحدّث الثقة ، المسند . ذكره ابن حبَّان في الثقات. سير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٤)، تهذيب (٧) الكمال (٦/ ٢٥٧) . (٨) تاريخ بغداد (٣٦٩/٨)، المنتظم (٧٥/٥)، وفيات الأعيان (٢٥٥/٢)، ميزان الاعتدال (١٤/٢)، العبر (٤٥/٢)، طبقات السبكي (٢٨٤/٢)، النجوم الزاهرة (٤٧/٣)، شذرات الذهب (١٥٨/٢). (٩) هو أبو ثور الكلبي . (١٠) في آ، ط : مسهر . ٢٩٦ وفيات سنة ٢٧٠ هـ وروى عنه ابنه الفقيه أبو بكر بن داود ، وزكريّا بن يحيى السَّاجي. قال الخطيب(١): وكان فقيهاً زاهداً، وفي كُتُبِهِ حديثٌ كثيرٌ، والرواية عنه عزيزة جداً. وكانت وفاته ببغداد في هذه السنة ، وكان مولده في سنة مئتين . وذكر الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في ((طبقاته(٢) : أن أصله من أصبهان ، وولد بالكوفة ، ومنشَؤُه ببغداد ، وأنه انتهت إليه رئاسة العلم بها ، وكان يحضر مجلسه أربعمئة طَيْلسان أخْضَر ، وكان من المتعصِّبين للشَّافعي، وصنَّفَ (٣) مناقبه . وقال غيره : كان حسن الصلاة والتواضع. وقد قال الأزدي: تُرك حديثه . ولم يتابع(٤) الأزدي على ذلك . لكن روي عن الإمام أحمد أنَّه تكلّم فيه بسبب كلامه في القرآن وأنَّ لفظه به مخلوق ، كما نسب إلى الإمام البخاري ، رحمه الله . قلت : وقد كان من الفقهاء المشهورين ، ولكن حصر نفسه بنفيه القياس الصحيح ، فضاق بذلك ذرعه في أماكنَ كثيرةٍ من الفقه ، فلزمه القول بأشياء فظيعة صار إليها بسبب اتباعه الظاهر المجرد من غير تفهُّم لمعنى النص . وقد اختلف [الفقهاء (٥) القياسيُّون بعده في الاعتداد بخلافه ؛ هل ينعقد الإجماع بدونه مع خلافه أم لا ؟ على أقوالٍ ليس هذا موضع بسطها . وممن توفي فيها : الرَّبيع بن سليمان المُرادِيّ(٦)، صاحب الشافعيّ وقد ترجمناه في (( طبقات الشافعية)). والقاضي بكّار بن قتيبة ، الحاكم بالدِّيار المصرية من سنة ست وأربعين ومئتين إلى أن توفي بها مسجوناً في حبس أحمد بن طُولون ؛ لكونه لم يخلع الموفَّق في سنة سبعين ، رحمه الله . وكان عالماً عابداً زاهداً كثيرَ التلاوة والمحاسبة لنفسه ، وقد شَغَرَ منصبُ القضاء بعدَه بمصر ثلاث سنين . وقد بسط ابن خلكان(٧) ترجمته في الوفيات ، رحمه الله . تاريخ بغداد (٣٦٩/٨). (١) طبقات الفقهاء (٩٢)، سير أعلام النبلاء (١٣ / ١٠٢). (٢) (٣) صنَّف كتابين في فضائله والثناء عليه. طبقات الفقهاء (٩٢)، سير أعلام النبلاء (١٣/ ١٠٣). (٤) في ا: يتابعه . (٥) من ب ، ظا . أبو محمد ، المصري المؤذن ، صاحب الإمام الشافعي وناقل علمه ، وشيخ المؤذنين بجامع الفسطاط ، ومستملي (٦) مشايخ وقته . المحدث الفقيه الكبير . أفنى عمره في العلم ونشره . سير أعلام النبلاء (٥١٧/١٢)، طبقات الشافعية للسبكي (١٣٢/٢) . (٧) وفيات الأعيان (١/ ٢٨٠ - ٢٨٢). سير أعلام النبلاء (٥٩٩/١٢ - ٦٠٥). ٢٩٧ وفيات سنة ٢٧٠ هـ ابن قُتَيْبَةَ الدِّيْنَوَرِيّ(١) عبد الله بن مسلم بن قُتَيبة الدِّيْنَوَريّ : قاضيها ، النحويّ ، اللغويّ ، صاحبُ المصنفات البديعة المفيدة المحتوية على علوم جمة نافعة . اشتغل ببغداد وسمع بها الحديث على إسحاق بن رَاهَوَيْه ، وطبقته ، وأخذ اللغة عن أبي حاتم السجستانيّ وذويه، وصنَّف وجمَعَ وأَلَّف الكتب المشهورة الكثيرة ، فمن ذلك: كتاب (( المعارف)) ، و(( أدب الكاتب)) الذي شرحه أبو محمد بن السيد البطليوسي، وكتاب ((مشكل القرآن والحديث))، و ((غريب القرآن والحديث))، و((عيون الأخبار))، و ((إصلاح الغلط))، وكتاب ((الخيل))، وكتاب ((الأنوار))، وكتاب ((المسائل والجوابات))، وكتاب ((الميسر والقداح))، وغير ذلك. كانت وفاته في هذه السنة ، وقيل في التي بعدها٢) . ومولده في سنة ثلاث عشرة ومئتين ، ولم يجاوز الستين ، رحمه الله . وروى عنه ولدُه أحمدُ جميعَ مصنّفاته . وقد ولي ولده أحمد قضاء مصر سنة إحدى وعشرين وثلاثمئة ، وتوفي بها بعد سنة ، رحمه الله . ومحمد بن إسحاق بن جعفر الصاغاني(٣) . ومحمد بن مُسلم بن وَارَ( ٤) . ومُصعب بن أحمد بن مُصعب ، أبو أحمد الصّوفي (٥) ، كان من أقران الجُنَيْد. وفيها : توفي ملك الروم : ابن الصَّقلبيَّة ، لعنه الله . (١) طبقات النحويين واللغويين للزبيدي (١١٦)، الفهرست: المقالة الثانية، الفن الثالث، تاريخ بغداد (١٠/ ١٧٠)، المنتظم (١٠٢/٥)، إنباه الرواة (١٤٣/٢)، وفيات الأعيان (٤٢/٣)، تذكرة الحفاظ (٦٣٣/٢)، سير أعلام النبلاء (٢٩٦/١٣)، النجوم الزاهرة (٧٥/٣)، بغية الوعاة (٦٣/٢)، شذرات الذهب (١٦٩/٢). (٢) جعلها الذهبي في سير أعلام النبلاء سنة (٢٧٦ هـ)، وسيذكر المؤلف ترجمته في هذه السنة أيضاً. (٣) صلابة في الدين ، واشتهار بالسنة ، واتساع في الرواية. تاريخ بغداد (١/ ٢٤٠)، سير أعلام النبلاء (١٢ / ٥٩٢). في أ، ط : الصفار والمثبت من ب، ظا. وهو أبو بكر . حافظ مجوِّد حجة، ثقة. أحد الأثبات المتقنين ، مع (٤) محمد بن مُسلم بن عثمان بن عبد الله، أبو عبد الله ، ابن وارة الرَّازي . أحد الأعلام . كان يضرب به المثل في الحفظ ، على حُمْق فيه وَتِيه . قال النسائي: هو ثقة، صاحب حديث . سير أعلام النبلاء (٢٨/١٣)، العبر (٤٦/٢) . (٥) هو أبو أحمد القلانسي ، البغدادي ، شيخ الصوفيّة ، كان مقدماً على جميع مريدي بغداد؛ لما كان فيه من السخاء والأخلاق ، ومراعاته مذاهب النسك ، مع طيب القلب . تاريخ بغداد (١١٤/١٣)، سير أعلام النبلاء (١٣ /١٧٠) . ٢٩٨ أحداث سنة ٢٧٠ هـ وفيها : ابتدأ إسماعيل بن موسى ببناء مدينة لارِدَةً(١) من الأندلس(٢). ثم دخلت سنة إحدى وسبعين ومثتين فيها عزل الخليفةُ عمرو بن الليث عن ولاية خراسان ، وأمر بلعنه على المنابر ، وفوَّض أمرَ خراسان إلى محمد بن طاهر ، وبعث إلى عمرو جيشاً ، فَهُزِمُ(٣) عمرو . وفيها : كانت وقعة بين أبي العباس المعتضد بن الموفّق أبي أحمد وبين خُمَارَوَيْه بن أحمد بن طولون ، وذلك أن خُمَارَوَيْه لمَّا ملك بعد أبيه بلادَ مصر والشام ، جاءه جيشٌ من جهة الخليفة عليهم إسحاق بن كنداجيق ، نائب الجزيرة ، وابن أبي السَّاج ، فقاتلوه بأرض شِيرَز(٤) ، فامتنع من تسليم الشام إليهم ، فاستنجدوا بأبي العباس ، فقدِمَ إليهم، فكسَرَ جيشَ خُمَارَوَيْهِ بن أحمد ، وتسلَّمَ دمشقَ واحتازها، ثم سار نحو خُمَارَوَيْهِ لا إلى بلاد الرَّملة عند ماءٍ عليه طواحين ، فاقتتلوا هنالك ، فبذلك تسمَّى وقعة الطواحين ، ثم كانت النوبة أولًا لأبي العبّاس على خُمَارَوَيْه ، فهزمه حتَّى هرب خُمَارَوَيْه لا يلوي على شيء ، فلم يرجعْ حتَّى دخل الدِّيار المصرية ، فأقبل أبو العبّاس وأصحابُه على نَهْب معسكرهم ، فبينما هم كذلك إذْ أقبل كمينٌ لجيشٍ خُمَارَوَيْه ، وهم مشغولون بالغنيمة ، فوضعت المصريون فيهم السيوفَ، فقُتِلَ خلْقٌ كثير، وانهزم الجيش، وهرب أبو العبّاس المعتضدُ ، فلم يرجع حتَّى وصَل إلى دمشق ، فلم يفتح له أهلُها بابها ، فانصرف حتَّى وصل إلى طَرَسُوسَ . وبقي الجيشان المصري والعراقي يقتتلان ، وليس في واحدٍ منهما أمير ، ثم كان الظَّفَرُ للمصريين ؛ لأنَّهم أقاموا أبا العشائر أخا خُمَارَوَيْه عليهم أميراً ، فغَلَبوا بسبب ذلك، واستقرَّت أيديهم على دمشقَ وسائر الشام، وهذه٥) من أعجب الوقعات . وفيها : جرت حروب كثيرة بأرض الأندلس من بلاد المغرب(٦). وفيها : دخل إلى المدينة النبويّة محمّد وعليٍّ ابنا الحسين بن جعفر بن موسى بن جعفر بن محمّد بن . (١) ((لارِدَة)): مدينة مشهورة بالأندلس شرقي قرطبة. ياقوت. (٢) وتتمة الخبر في الكامل لابن الأثير (٧/ ٤١١): وكان مخالفاً لمحمد صاحب الأندلس ، ثم صالحه في العام الماضي ، فلما سمع صاحب برشلونه الفرنجيّ ، جمع وحشد وسار يريد منعه من ذلك ، فسمع به إسماعيل ، فقصده وقاتله ، فانهزم المشركون ، وقتل أكثرهم ، وبقي أكثر القتلى في تلك الأرض دهراً طويلاً . (٣) في ظ : فهزمه عمرو . تحرفت من ط إلى ويترز . وشِيْرَز: من قرى سَرَخْس ، شبيهة بالمدينة ، على طرف من طريق هراة . ياقوت . (٤) (٥) في ا: وهذا . الكامل لابن الأثير (٤١٦/٧ - ٤١٧). (٦) ٢٩٩ وفيات سنة ٢٧١ هـ عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، فقتلا خلقاً كثيراً من أهلها ، وأخذا أموالاً جزيلة ، وتعطّلت الصلوات في المسجد النبويّ أربعَ جمَع ، لم يحضر الناس فيه جمعة ولا جماعة ، فإنا لله وإنا إليه راجعون(١) . وجرت بمكّة فتنة أخرى ، واقتتل الناس على باب المسجد الحرام أيضً(٢) . وحجَّ بالناس في هذه السنة هارون بن إسحاق العباسي(٣). وممن توفي فيها من الأعيان : عبَّاس بن محمّد الدُّوريّ(٤) ، تلميذ ابن مَعين وغيره من أئمة الجرح والتعديل . وعبد الرحمن بن محمد بن منصور البصريّ(٥) . ومحمد بن حمَّاد الطُّهْراني (٦) . ومحمد بن سِنان القزَّاز(٧) . ويوسف بن مُسَلَّمْ(٨). بوران بنت الحسن بن سهل زوجة المأمون (٩) : ويقال : إن اسمها خديجة ، وبوران لقب ، والصحيح الأول . (١) الطبري (١٠/ ٧)، ابن الأثير (٤١٣/٧). (٢) تفصيل ذلك في الطبري (٨/١٠) . في أ: هارون بن موسى بن إسحاق ، والمثبت من ( ب، ظا) . وفي الطبري : هارون بن محمد بن إسحاق بن (٣) عيسى بن موسى العباسي . (٤) أبو الفضل الدُّوريّ ثم البغدادي، مولى بني هاشم، أحد الأثبات المصنفين ، من حفاظ وقته. سير أعلام النبلاء (١٢ / ٥٢٢). (٥) أبو سعيد الحارث ، البصري، ثم البغدادي، ولقبه كُرْبُزَان، محدّث، معمّر، ليس بالقوي. سير أعلام النبلاء (١٣٨/١٣)، العبر (٤٨/٢). (٦) أبو عبد الله الرازيّ الطّهراني. أحد من رحل إلى عبد الرزاق، وحدّث بمصر والشام والعراق ، وكان ثقة . توفي بعَسْقَلان وله نيف وثمانون سنة. سير أعلام النبلاء (١٢ / ٦٢٨)، العبر (٤٨/٢). (٧) في الأصول : العوفي ، خطأ، وهو محمد بن سنان القزَّاز، أبو الحسن ، أخو يزيد بن سنان القزَّاز . اتهمه أبو داود وكذَّبه ، وأما الدار قطني فقال : لا بأس به . وهناك محمد بن سنان الباهلي ، أبو بكر البصري ، المعروف بالعَوَفي ، المتوفى نحو سنة ٢٢٣ هـ. سير أعلام النبلاء (١٢ / ٥٥٤)، وتهذيب التهذيب (٢٠٥/٩). (٨) هو يوسف بن سعيد بن مُسَلَّم، أبو يعقوب المِصِّيصيّ، الحافظ الحجة المصنّف، محدِّث المصّيصة . قال النسائي : ثقة حافظ. سير أعلام النبلاء (١٢/ ٦٢٢)، العبر (٤٨/٢). (٩) وفيات الأعيان (٢٨٧/١)، مروج الذهب (٣٠/٤). ٣٠٠ أحداث سنة ٢٧٢ هـ عقد عليها المأمون بفم الصلح سنة ثنتين ومئتين ، ولها عشر سنين ، فنثر أبوها على الناس يومئذٍ بنادقَ المسك ، مكتوبٌ في ورقة وسط كُلِّ بندقة اسمُ قريةٍ ، أو مُلْكٌ ، أو جارية ، أو غلام ، أو فرس ، فمن التقط من ذلك شيئاً ملكه ، ونثر على عامّة الناس الدنانير ونَوافجُ(١) المسك وبَيْض العنبر. وأنفق على المأمون وعسكره مدة مقامه تلك الأيام خمسين ألف ألف درهم. فلما ترخّل [ المأمون (٢) عنه أطلق له عشرة آلاف ألف درهم ، وأقطعه فم الصلح . وبنى بها في سنة عشر(٣) . فلما جلس المأمون فرشوا له حصيراً من ذهبٍ ، ونثروا على قدميه ألفَ حبّةٍ جوهر ، وهناك تَوْرُ(٤) من . ذهب فيه شمعة من عنبرٍ ، زنة أربعين مَنّاً من عنبر ، فقال : هذا سَرَفٌ ، ونظر إلى ذلك الحب على الحصر يضيء ، فقال : قاتَلَ اللهُ أبا نُوَاس حيث يقول في صفة الخمر(٥) : كأنَّ صُغْرَى وكُبْرَى مِنْ فَقَاقِعِها حَصْباءُ دُرِّ على أرضٍ مِنَ الذَّهَبِ ثم أمر بالذُّرِّ فجُمع فوضع في حجرها ، وقال: هذا نِحْلَةُ(٦) منِّي لكِ ، وسلي حاجتك . فقالت لها جدتها : سلي سيدك ، فقد استنطقك . فقالت : أسألُ أميرَ المؤمنين أن يرضى عن إبراهيم بن المهديّ ، فرضي عنه . ثم أراد الاجتماع بها فإذا هي حائض ، وكان ذلك في شهر رمضان . ثم توفي المأمون في سنة ثماني عشرة ومئتين ، وتأخَّرت هي بعده حتى كانت وفاتها في هذه السنة ، ولها ثمانون سنة . ثم دخلت سنة ثنتين وسبعين ومثتين في جمادى الأولى منها سار نائب قزوين وهو أذكوتكين في أربعة آلاف مقاتل ، إلى محمد بن زيد العلويّ، صاحب طَبَرستان بعد أخيه الحسن بن زيد، وهو بالرّيّ، في جيشٍ عظيم من الدَّيلم وغيرهم ، فاقتتلوا قتالاً شديداً ، فهزمه أذكوتكين(٧) ، وغنم ما في معسكره ، وقتَلَ من أصحابه ستة (١) ((النوافج)): جمع نافِجة، وهي وعاء المسك في جسم الظبي. (٢) زيادة من ط . (٣) راجع حوادث سنة (٢٠٢) وسنة (٢١٠) . (٤) ((التَّوْر)) : إناء يشرب فيه . ديوان أبي نواس ، المطبعة العمومية ص (٢٤٣) . (٥) ((النُّحْلَة)»: العطيّة . (٦) في أَ : أزلرتكين . (٧)