النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١ وفيات سنة ٢٤٦ هـ فأحضِرْه . فقال : لا أدري أين هو ؟ فقال: بل أنا أدري ، هو في بطنك، قاتلك الله(١)! أحمد بن أبي الحواري (٢): واسمه(٣) عبد الله بن مَيْمون بن عياش بن الحارث، أبو الحسن التغلبيّ الغَطَفانيُّ، أحد الزهَّاد المشهورين ، والعبّاد المذكورين، والأبرار المشكورين(٤) ، ذوي الأحوال الصالحة ، والكرامات الصادقة ، أصلُه من الكوفة ، وسكن دمشق ، وتَلْمَذَ للشيخ أبي سليمان الدَّارانيِّ، رحمهما الله . وروى الحديث عن سُفيان بن عُيَيْنَةَ ، ووكيع ، وأبي أسامة ، وخلقٍ . وعنه : أبو داود، وابنُ ماجه، وأبو حاتِم، وأبو زُرْعَةَ الدِّمشقي، وأبو زُرْعَةُ(٥) الرَّازيُّ ، وخلق كثيرون . ذكره أبو حاتم ، فأثنى عليه . وقال يحيى بن معين : إني لأظنُّ أنَّ الله يَسقي أهلَ الشَّام به . وكان الجُنَيَّد بن محمد يقولُ: هو رَيْحَانةُ الشَّامِ . وقد روى الحافظ ابن عساكر(٦) أنَّه كان قد عاهد أبا سليمان الدَّارانيَّ ألا يغضبَه [ولا يخالفه ]٧)، فجاءه يوماً وهو يحدِّث الناس ، فقال: يا سيدي ، هذا قد سجروا التنور فماذا تأمُرُ؟ فلم يردّ عليه أبو سليمان ؛ لشغله بالناس ، ثم أعادها أحمدُ ثانية ، وثالثة ، فقال له في الثالثة : اذهبْ فاقعد فيه . ثم اشتغل أبو سليمان بحديث الناس ، ثم استفاق ، فقال لمن حَضَره : إنِّي قلتُ لأحمد : اذهب فاقعدْ في التَّتُّور ، وإني أخشى أن يكون قد فعل ذلك ، فقوموا بنا إليه . فذهبوا فوجدوه جالساً في التَّنُّور ولم يحترِقْ منه شعرةٌ واحدة . وروى(٨) : أن أحمد بن أبي الحَواريّ أصبحَ ذاتَ يومٍ وقد وُلِدَ له ولدٌ ولا يملك شيئاً يصلح به الولد ، فقال لخادمه : اذهبْ فاستدن لنا وزنةً من دقيق ، فبينما هو في ذلك إذ جاءه رجل بمئتي درهم ، فوضعها (١) بعده في ط : فهجاه بأبيات ذكر فيها بخله ومسكه . (٢) حلية الأولياء (٥/١٠)، الرسالة القشيرية (٢١)، صفة الصفوة (٢٣٧/٤)، مختصر تاريخ ابن عساكر (١٤٢/٣)، تهذيب الكمال (٣٦٩/١) سير أعلام النبلاء (٨٥/١٢). (٣) أي اسم أبي الحواري . (٤) في أ : المشهورين . في النسخ : والرازي ، والزيادة من ط . (٥) (٦) مختصر تاريخ ابن عساكر (١٤٣/٣). زيادة في ط . وعبارة المختصر : عقد ألا يخالفه . (٧) (٨) مختصر تاريخ ابن عساكر (١٤٤/٣) مع اختلاف في الرواية . ٢٠٢ وفيات سنة ٢٤٦هـ بين يديه ، فدخل عليه رجل في تلك الساعة فقال : يا أحمد ، إنه قد وُلِدَ لي الليلةَ ولدٌ ولا أملك شيئاً ، فرفع أحمد طرفه إلى السماء ، وقال : يا مولاي ، هكذا بالعجلة ، وقال للرجل : خُذْ هذه الدراهم لك ، فلم يُبق له منها درهماً ، واستدان لأهله دقيقاً . وروى(١) عنه خادمُه: أنه خرج إلى الثغر للرباط (٢)، فمازالت الهدايا تفد(٣) إليه من بُكْرَة النَّهار إلى الزَّوال ، ثم فرَّقها إلى الغروب ، ثم قال لي: كُنْ هكذا لا تردّ على الله شيئاً ، ولا تدَّخر عنه شيئاً . ولما جاءت المحنة في زمن المأمون إلى دمشق ، وعيّن فيها أحمد بن أبي الحَواريّ ، وهشام بن عمَّار ، وسليمان بن عبد الرحمن ، وعبد الله بن ذَكْوان ؛ فكلُّهم أجابوا إلا أحمد بن أبي الحَواريّ ، فحبس بدار الحِجارة ، ثم هُدِّد فأجاب توريةً مكرَهاً ، ثم أطلق ، رحمه الله . وقد قام ليلة بالثَّغْر يُكرِّر هذه الآية: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِيٌ﴾ [الفاتحة: ٥]، حتَّى أصبح . وقد ألقى كتبَه في البحر ، وقال : نعم(٤) الكتب دليل إلى الله عزَّ وجلَّ ، ولكن الاشتغال بالدليل بعدَ الوصول إليه محالٌ(٥) . ومن كلامه : لا دليلَ على الله سواه ، وإنَّما يُطلب العلم لآداب الخدمة (٦) . وقال : من عَرَف الدُّنيا زَهِدَ فيها، ومن عَرَفَ الآخرة رغِبَ فيها، ومن عرَفَ اللهَ آثر رضاه(٧). وقال : مَنْ نَظَر إلى الدنيا نظر إرادة وحُبِّ لها ، أخرَجَ اللهُ نورَ اليقين والزُّهْدِ من قلبه(٨) . وقال أيضاً : قلت لأبي سليمان الدَّارانيّ في ابتداء أمري : أوصني . فقال : أمستوصٍ أنت ؟ قلت : نعم، إن شاء الله تعالى . فقال : خالف نفسك في كُلِّ مراداتها ، فإنَّها الأمّارة بالسوء ، وإياك أن تحقر(٩) أحداً من المسلمين ، واجْعَلْ طاعة اللهِ دثاراً، والخوفَ منه شعاراً، والإخلاصَ زاداً، والصِّدْقَ جُنَّةً ، واقْبَلْ منِّي هذه الكلمة الواحدة ولا تفارقها ولا تغفُل عنها : إنَّه من استحيا من الله في كُلِّ أوقاته وأحواله (١) مختصر تاريخ ابن عساكر (١٤٥/٣). (٢) ابن عساكر : رباط بيروت . (٣) في ا : تنقل . في ط : نعم الدليل كنتٍ لي على الله وإليه . (٤) حلية الأولياء (٦/١٠). (٥) مختصر تاريخ ابن عساكر (١٤٥/٣). (٦) (٧) مختصر تاريخ ابن عساكر (١٤٦/٣). (٨) المصدر السابق . في آ : أن تحقر إخوانك المسلمين . (٩) ٢٠٣ أحداث سنة ٢٤٧ هـ ـ ترجمة المتوكل على الله وأفعاله ، بلغه إلى مقام الأولياء من عباده . قال : فجعلْتُ هذه الكلمات أمامي ، ففي كُلِّ وقتٍ أذكرها وأطالبُ نفسي بها(١) . والصحيح أنَّه توفي في هذه السنة ، وقيل : في سنة ثلاثين ومئتين ، وقيل غير ذلك . ثم دخلت سنة سبع وأربعين ومثتين في شوال منها كان مقتل الخليفة المتوكّلِ على الله على يدي ولده المنتصِر ، وكان سبب ذلك أنَّه أمر ابنه أبا عبد الله المعتز ، الذي هو وليّ العهد من بعده ، أن يخطبَ بالناس في يوم جمعةٍ ، فأدَّاها أداءً عظيماً بليغاً ، فبلغ ذلك من المنتصر كلَّ مبلغ ، وحنِقَ على أبيه وأخيه ، ثم اتفق أن أحضره أبوه بين يديه فأهانه ، وأمر بضربه في رأسه وصَفَعَه ، وصرَّح بعزله عن ولاية العهد، فاشتد أيضاً حَنَقُه أكثرَ ممَّا كان . فلمَّا كان يوم عيد الفطر خطب الخليفة المتوكل على الله بالناس ، وعنده بعضُ التشكّي من علَّةٍ به ، ثم عدل إلى خيام قد ضُربت له ، أربعة أميال في مثلها ، فنزل هناك ، ثم استدعى في يوم ثالث الشهر بندمائه ، وكان على عادته في سَمَرِه وحضرته وشربه ، ثم تمالأ ولدُه المنتصِرُ وجماعةٌ من الأمراء على الفَتْكِ به ، فدخلوا عليه ليلة الأربعاء لأربع خلون من شوال(٢)، [ ويقال: من شعبان (٣) من هذه السنة ، وهو على السِّماط ، فابتدروه بالسيوف فقتلوه ، ثم ولّوا بعده ولده المنتصر ، على ما سنذكره . وهذه ترجمة المتوكّل على الله(٤) جعفر بن المعتصم بن هارون الرشيد بن محمد المهدي بن أبي جعفر المنصور عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، أبو الفضل ، المتوكّل ، وأمُّه أم ولدٍ يقال لها : شجاع، وكانت من سَرَوات النّساء سخاءً وحزماً . كان مولده بفَم الصلح سنة سبع ومئتين(٥) ، وبويع له بالخلافة بعد أخيه الواثق في يوم الأربعاء لستِّ بقين من ذي الحجّة سنة ثنتين وثلاثين ومئتين ، كما تقدَّم . وروى الخطيبُ (٦) من طريقه عن يحيى بن أكثم ، عن محمد بن عبد الوهاب ، عن سفيان ، عن الأعمش ، عن موسى بن عبد الله بن يزيد ، عن عبد الرحمن بن هلال ، عن جرير بن عبد الله ، (١) مختصر تاريخ ابن عساكر (١٤٥/٣). (٢) في النسخ : من شعبان ، والمثبت من ط والطبري . (٣) زيادة من ط ، وفي اً: ويقال من شوال ، وهي ساقطة في ب ، ظا . (٤) تاريخ الطبري (٢٢٢/٩ - ٢٣٤)، تاريخ بغداد (١٦٥/٧)، وفيات الأعيان (٣٥٠/١)، الكامل لابن الأثير (٩٥/٧) وما بعدها، سير أعلام النبلاء (١٢/ ٣٠)، تاريخ الخلفاء (٣٥٢ - ٣٦٤). (٥) وقيل : سنة خمس ومئتين . (٦) تاريخ بغداد (١٦٦/٧)، مختصر ابن عساكر (٨٦/٦). ٢٠٤ ترجمة المتوكل على الله عن النبيّ بَّه قال: مَنْ حُرِمَ الرِّفْق حُرِمَ الخَيْرِ)(١)، ثم أنشأ المتوكّلُ يقول: الرِّفْقُ يُمْنٌّ والأناةُ سَعادَةٌ فَاسْتَأْنِ فِي رِفْقٍ تُلاقٍ نَجَاحًا لا خَيْرَ في حَزْمِ بِغَيْرِ رَوِيَّةٍ والشَّكُّ وَهْنٌ إِن أَرَدْتَ سَرَاحَا وقال الحافظ ابن عساكر في ((تاريخه)): وحدَّث عن أبيه المعتصم ، ويحيى بن أكثم القاضي . وروى عنه عليُّ بن الجهم الشاعر ، وهشام بن عمَّار الدمشقيّ . وقدِمَ دمشقَ في خلافته ، وابتنَى بها قصراً بأرض داريًّا . وقال يوماً لبعضهم(٢): إنَّ الخلفاء كانت تتصعَّبُ(٣) على الرعيَّةِ لتطيعَها، وإني (٤) ألينُ لهم لِيُحُّوني ويُطيعوني . وقال أحمد بن مروان المالكي : حدثنا أحمد بن علي البصري ، قال : وجَّه المتوكّلُ إلى أحمد بن المُعَذَّل وغيره من العلماء ، فجمعهم في داره ، ثم خرج عليهم، فقام الناس كلُّهم [ له ] غير أحمد بن المُعذَّل . فقال المتوكّلُ لعُبيد الله : إنَّ هذا لا يرى بيعتنا؟ فقال له : بلى ، يا أميرَ المؤمنين ولكن في بصره سوء . فقال أحمد بن المُعَذَّل: يا أميرَ المؤمنين ، ما في بصري سوء ، ولكن نزَّهتُكَ من عذاب الله. قال النبيُّ بَّهِ: ((مَنْ أَحَبَّ أن يَتَمَثَّلَ له الرِّجالُ قياماً، فليتَبَوَّأْ مَقعَدَهُ من النار)(٥) . (١) رواه الخطيب البغدادي في تاريخه (٧/ ١٦٦) من حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه . ورواه مسلم في صحيحه رقم (٢٥٩٢) في البر ، باب فضل الرفق ، وأبو داود رقم (٤٨٠٩) في الأدب ، باب في الرفق ، من حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه، بلفظ: (( من حرم الرفق حرم الخير ، أو من يحرم الرفق يحرم الخير)). ولفظ أبي داود: (( يحرم الخير كله )) . ليزيد بن محمد المهلبيّ ، كما في سير أعلام النبلاء (١٢ / ٣٢). (٢) في ط : تتغضب ، وفي فوات الوفيات (١/ ٢٩٠): تغضب. (٣) (٤) في ب ، ظا : وأنا . رواه الترمذي رقم (٢٧٥٥) في الأدب ، باب ما جاء في كراهية قيام الرجل للرجل ، وأبو داود رقم (٥٢٢٩) في (٥) الأدب ، باب في قيام الرجل للرجل ، من حديث معاوية رضي الله عنه ، وهو حديث صحيح ، ولفظه عند أبي داود: ((من أحب أن يَمْثُلَ له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار))، ولفظه عند الترمذي: ((من سَرَّه أن يتمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار» . قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى (٣٧٤/١): لم تكن عادة السلف على عهد النبي وَّة وخلفائه الراشدين أن يعتادوا القيام كلما يرونه ويّطير، كما يفعله كثير من الناس ، بل قد قال أنس رضي الله عنه : لم يكن شخص أحب إليهم من النبي وق طر ، وكانوا لا يقومون له لما يعلمون من كراهيته للقيام ، ولكن ربما قاموا للقادم من مغيبه تلقياً له ، قال : وأما القيام لمن يقدم من سفر ونحو ذلك تلقياً له ، فحسن ، ثم قال : وإذا كان من عادة الناس إكرام الجائي بالقيام ، ولو ترك لاعتقد أن ذلك لترك حقه أو قصد خفضه ، ولم يعلم العادة الموافقة للسنة ، فالأصلح أن يقام له؛ لأن ذلك أصلح لذات البين وإزالة التباغض والشحناء . وأما من عرف عادة القوم الموافقة = ٢٠٥ ترجمة المتوكل على الله فجاء المتوكل فجلس إلى جنبه (١) . وروى الخطيب(٢) البغدادي: أنَّ عليَّ بن الجَهم دخَلَ على المتوكّل وفي يده دُرَّتان يقلِّبُهما، فأنشده قصيدته التي يقول فيها : وإذا مَرَزْتَ بِئْرِ عُزْ وَةَ فاسْتَقِي من مائها٣) فأعطاه التي في يمينه وكانت تساوي مئة ألف . ثم أنشده(٤) : بِسُرَّ مَنْ رأى أميرُ عَدْلٍ تَغْرِفُ مِنْ بَحْرِهِ البِحارُ كَأنَّهُ جَنَّةٌ وَنَارُ يُرْجَى ويُخْشَى لِكُلِّ خَطْبٍ ما اخْتَلَفَ اللَّيْلُ والنَّهَارُ المُلْكُ فِيهِ وفِي بَنِیهِ عَلَيْهِ كِلْتَاهُما تَغَارُ يَدَاهُ في الجُودِ ضَرَّتانِ إلا أتَتْ مِثْلَهُ الْيَسَارُ لَمْ تَأْتِ مِنهُ الْيَمِينُ شَيئاً قال : فأعطاه التي في يساره أيضاً . قال الخطيب(٥) : وقد رويت (٦) هذه الأبيات للبُحتري في المتوكل . وروى ابنُ عساكر(٧) ، عن عليٍّ بن الجهم ، قال : وقفت قبيحة حظيّةُ المتوكّل بين يديه وقد للسنة فليس في ترك ذلك إيذاء له، وليس هذا القيام المذكور في قوله بَله: ((من سره أن يتمثل له الرجال قياماً = فليتبوأ مقعده من النار))؛ فإن ذلك أن يقوموا له وهو قاعد ، ليس هو أن يقوموا لمجيئه إذا جاء ، ولهذا فرقوا بين أن يقال : قمت له ، وقمت إليه ، والقائم للقادم ساواه في القيام ، بخلاف القائم للقاعد . اهـ . (١) انظر مختصر ابن عساكر (٨٨/٦). تاريخ بغداد (١٦٧/٧)، مختصر ابن عساكر (٨٩/٦)، وسير أعلام النبلاء (٣٢/١٢)، وتاريخ الخلفاء للسيوطي (٢) (٣٥٦) . (٣) ديوان علي بن الجهم صفحة (٣٧) ، وبئر عروة بالمدينة المنورة ، ماؤه أطيب المياه ، كان يحمل منه لهارون الرشيد في القوارير . (٥) (٤) تاريخ بغداد (١٦٧/٧). المصدر السابق . في الأصول : وقد رويت هذه الأبيات لعلي بن هارون البحتري في المتوكل ، والتصحيح من تاريخ بغداد (٦) (٧/ ١٦٧). وعلي بن هارون هذا راوية للشعر، ومن ندماء الخلفاء ، توفي سنة ٣٥٢هـ، وقد ذكره الخطيب بعد ذلك على أنه أنشد الأبيات للبحتري ، قال : أخبرنا علي بن أيوب القمي ، أخبرنا محمد بن عمران المرزباني ، قال : أنشدني علي بن هارون للبحتري .. وذكر الأبيات . (٧) مختصر ابن عساكر (٦/ ٩٠). والأبيات الثلاثة الأولى في الأغاني (١٩/ ٣١١) منسوبة إلى فضل الشاعرة. والأول والثاني في سير أعلام النبلاء (١٢/ ٣٣)، وتاريخ الخلفاء للسيوطي (٣٥٦). ٢٠٦ ترجمة المتوكل على الله كتبتْ على خدِّها بالغالية (١) ((جعفر))، فتأمَّل ذلك، ثم أنشأ يقول : بِنَفْسِي مَحَطُ(٢) المِسْكِ مِنْ حَيْثُ أَثَّرا وكاتِةٍ في الخدِّ بالمِسْكِ جَعْفَراً لَقَدْ أوْدَعَتْ قَلْبِي مِنَ الحُبِّ أسْطُرا لَئِنْ أوْدَعَتْ سَطْراً مِنَ المِسْكِ خدَّها سقَى اللهُ مِن سُقيا ثَنَايَاكِ جَعْفَرا فيا مَنْ مُناها في السَّرِيرةِ جَعْفَرٌ مُطِيعٍ لَهُ فيما أسَرَّ وأظْهَرا ويا مَنْ لِمَمْلُوكٍ لِمُلكِ يَمِينهِ قال ثم أمر المتوكّلُ عَريبا٣ً) فغنَّتْ به . وقال الفتح بن خاقان(٤) : دخلت يوماً على المتوكّلِ فإذا هو مطرِق مفكّر، فقلت : يا أميرَ المؤمنين ، مالك مفكراً؟ فوالله ما على الأرض أطيب منك عيشاً، ولا أنعم منك بالاً . فقال : أطيبُ منِّي [ عيشاً (٥) رجلٌ له دارٌ واسعةٌ ، وزوجة صالحة ، ومعيشة حاضرة ، لا يعرفنا فنؤذيه ، ولا يحتاج إلينا فنزدريه . وقد كان محبّباً إلى رعيته، قائماً بالسُّنَّة فيهم ، وقد شبَّهه بعضُهم بالصَّدِّيق في ردِّه على أهل الرِّدَّة ، حتى رجعوا إلى الدِّين ؛ وبعمرَ بن عبد العزيز حين رَدَّ مظالم بني أمية ؛ وقد أظهر السُّنَّة بعدَ البِدْعَةِ ، وأخْمَدَ البِدْعَة بعد انتشارها واشتهارها، فرحمه الله(٦). وقد رآه بعضُهم في المنام بعد موته وهو جالس في نور ، فقال : المتوكل ؟ فقال : المتوكل . قال : فما فعلَ الله بكَ ؟ قال : غفر لي . قلْتُ : بماذا؟ قال : بقليل من السُّنَّةَ أحْتَيْتُها . وروى الخطيب(٧) عن صالح بن أحمد ، أنَّه رأى في منامه ليلةَ مات المتوكّلُ كأنَّ رجلاً يُصعَدُ به إلى السَّماء ، وقائلاً يقول : ملكٌ يُقادُ إلى مليكِ عادلٍ متفضِّلٍ في العَفْوِ ليسَ بجائرٍ وروى عن عمرو بن شيبان الحلبيّ ، قال : رأيت ليلة قتل المتوكل قائلاً يقول : (١) ((الغالية)): أخلاط من الطيب. (٢) الأغاني : سواد المسك. (٣) وهي عَريب المأمُونيّة ، من أعلام العارفات بصنعة الغناء، وسيترجم لها المؤلف في حوادث سنة ٢٧٧ هـ. (٤) مختصر تاريخ ابن عساكر (٩٠/٦)، وتاريخ الخلفاء (٣٦٠). (٥) زيادة من ط . روي عن قاضي البصرة إبراهيم بن محمد التيمي أنه كان يقول : الخلفاء ثلاثة : أبو بكر الصدِّيق ، قاتل أهل الرِّدَّة، (٦) حتى استجابوا له ، وعمر بن عبد العزيز ردًّ مظالم بني أميّة ، والمتوكل محا البدع، وأظهر السُّنَّة . مختصر تاريخ ابن عساكر (٨٧/٦)، وسير أعلام النبلاء (٣٢/١٢). (٧) تاريخ بغداد (٧/ ١٧١) وتاريخ الخلفاء (٣٦١) وتاريخ الطبري (٢٣٠/٩) وابن الأثير (٧/ ١٠٠). ٢٠٧ خلافة محمد المنتصر بن المتوكل أفضْ دموعَكَ يا عَمْرو بن شَيبان يا نائمَ العينِ في أقطارُ(١) جُثْمانِ بالهاشميِّ وبالفتحِ بنِ خاقانِ أما ترى الفتية الأرجَاسَ ما فَعَلُوا أهْلُ السماواتِ من مَثْنَى وَوحْدَانِ وافَى إلى الله مظْلوماً فَضَجَّ لهُ تَوَفَّعُوها لَها شَانٌ مِنَ الشَّانِ وسَوْفَ يَأْتِيكُمُ أخْرَى مُسؤَّمة فَقَدْ بَكَاهُ جَمِيعُ الإنْسِ والجاِ(٢) فانْكُوا على جَعْفَرٍ وائِكُوا خَلِيفَتَكُمْ قال: فأصبحتُ(٣) فأخبرت النَّاسَ، فجاء نعيُه أنَّه قد قُتِلَ في تلك الليلة . قال : ثم رأيته بعد هذا بشهرٍ وهو واقفٌ بين يدي الله عزَّ وجلَّ ، فقلْتُ : ما فعل بك ريُّك ؟ قال : غفر لي ، قلْتُ: بماذا؟ قال: بقليل من السُّنَّةِ أحْبَيْتُها٤) . قلْتُ : فما تصنَعُ هاهنا ؟ قال : أنتظر ابني محمّداً أخاصِمُه إلى الله الحليم العظيم الكريم(٥) . وقد ذكرنا قريباً كيفيَّة مقتلِه وأنَّ ابنه محمداً المنتصر مالأ جماعةً من الأمراء على قتله ، فقتل في ليلة الأربعاء أوَّل الليل لأربع خَلَتْ من شوال من هذه السنة - أعني سنة سبع وأربعين ومئتين - بالمتوكّلية(٦) هي الماحوزة ، وصُلّ عليه يوم الأربعاء ، ودُفِنَ بالجعفري وله من العمر أربعون سنة ، وكانت مدة خلافته أربعَ عشرةَ سنةً وعشرة أشهرٍ وثلاثة أيام . وكان أسمر ، حسَنَ العينين ، نحيفَ الجسم ، خفيفَ العارضين ، أقربَ إلى القِصَر . خلافة محمد المنتصر بن المتو گّل قد تقدَّم : أنه تمالا هو وجماعةٌ من الأمراء على قتل أبيه ، فحين قُتِلَ الخليفة المتوكّل بُويعٍ له في الليل ، فلمَّا كان الصَّباح من يوم الأربعاء رابع شوال ، أُخِذَتْ له البيعةُ من العامَّة ، وكان أوَّل ما تكلّم به أن أَّهَم الفتح بن خاقان على قتل أبيه ، وقتله أيضاً . وبعث إلى أخيه المعتز فأحضره إليه ، فبايعه أخوه المعتز ، وقد كان وليّ العهد قبله ، ولكن أكرهه فسلّم وبايع . وبعث البيعة إلى الآفاق . في ط : في أوطان . (١) (٢) تاريخ بغداد (١٧١/٧). في تاريخ بغداد : فأصبحت فإذا الناس يخبرون أن جعفراً قد قتل في هذه الليلة . (٣) (٤) في تاريخ بغداد : تمسكت بها . تاريخ بغداد (١٧١/٧). (٥) ((المتوكلية)): مدينة بناها المتوكل قرب سامُرًا بنى فيه قصراً وسماه الجعفري. و((الماحوز)): ضرب من (٦) الرياحين . ٢٠٨ وفيات سنة ٢٤٧هـ وفي ثاني يوم من خلافته ولَّى المظالمَ لأبي عَمْرَة أحمد بن سعيد مولى بني هاشم ، فقال الشاعر(١): مَظَالِمَ النَّاسِ أبو عَمْرَةْ يا ضَيْعَةَ الإسلامِ لمَّا وَلِي ولَيْسَ مأُموناً على بَعْرَهْ صُيِّر مَأْمُوناً على أمَّةٍ وكانت البيعة له بالمتوكِّليّة ، وهي الماحوزة ، فأقام بها عشرة أيام ، ثم تحوَّلَ هو وجميعُ قُوَّاده وحشمه منها إلى سامراء . وفي ذي الحجة من هذه السنة أخرج المنتصر عمَّه عليّ بن المعتصم من سامرًا إلى بغداد ووگّل به . وحجّ بالناس محمد بن سليمان الزينبيّ . وممن توفي فيها من الأعيان : إبراهيم بن سعيد الجَوْهَريّ(٢) . وسفيان بن وكيع بن الجزَّاح(٣). وسَلَمَةُ بن شَبيب (٤) . وأبو عثمانَ المازِنيّ النَّحويُّ(٥) : واسمه بَكْرُ بنُ محمّد بن عثمان البَصرِيّ ، شيخُ النُّحاة في زمانه . أخَذَ عن أبي عُبَيْدَة ، والأصمعيِّ، وأبي زيد الأنصاريِّ وغيرهم. وأخذ عنه أبو العبّاس المبرِّدُ وأكثَرَ عنه . وللمازنيٌّ مصنَّفَات كثيرة في هذا الشأن . وكان شبيهاً بالفقهاء ، وَرِعاً ، زاهداً ، ثقةً ، مأموناً . روى عنه المبرِّد٦ِ) أنَّ رجلاً من أهل الذِّمَة طلبَ منه أن يقرأ عليه كتابَ سيبويه ويعطيه مئة دينارٍ ، (١) تاريخ الطبري (٢٣٩/٩)، وابن الأثير (١٠٩/٧). (٢) أبو إسحاق البغدادي ، الحافظ، صاحب المسند. وكان من أركان الحديث ، خرَّج مسند أبي بكر الصديق في نيف وعشرين جزءاً . مات مرابطاً بعين زَرْبة. سير أعلام النبلاء (١٤٩/١٢)، والعبر (٤٤٨/١). (٣) أبو محمد، الرُّؤاسي، محدّث الكوفة ، كان من أوعية العلم على لين لحقه . وكان شيخاً فاضلاً صدوقاً ، إلا أنه ابتلي بورَّاق سوء ، كان يدخل عليه الحديث . سير أعلام النبلاء (١٢/ ١٥٢). (٤) أبو عبد الرحمن الحَجْري المِسْمَعي النيسابوري، نزيل مكة . سمع يزيد بن هارون وطبقته ، وحدّث عنه من الكبار الإمام أحمد بن حنبل . صدوق . توفي من أكلة فالوذج . سير أعلام النبلاء (١٢ / ٢٥٦). (٥) أخبار النحويين البصريين (٧٤)، طبقات النحويين واللغويين (٨٧)، معجم الأدباء (٧/ ١٠٧)، وفيات الأعيان (٢٨٣/١)، سير أعلام النبلاء (١٢/ ٢٧٠)، العبر (٤٤٨/١). (٦) معجم الأدباء (٧/ ١١١). ٢٠٩ أحداث سنة ٢٤٨ هـ فامْتَنَعَ من ذلك ، فلامَهُ بعضُ النَّاس في ذلك فقال : تركت هذا لِما فيه من آيات الله تعالى . فاتفق بعد هذا أنَّ جارية غنّتْ بحضرة الواثق : أظَلُومُ إنَّ مُصَابَكُمْ رَجُلاً ردُّ السَّلامِ تَحِيَّةَ ظُلْمُ فاختلف مَن بحضرة الواثق في إعراب هذا البيت، وهل يكون ((رجلاً)) مرفوعاً أو منصوباً ، وبم نصَبَ؟ أهو اسم ((إنَّ)) أم ماذا؟ وأصرَّت الجارية على أنَّ المازنيَّ حفَّظها هكذا. قال: فأرسلَ الخليفة إليه ، فلمَّا مَثَل بين يديه ، قال له : أنتَ المازنيُ ؟ قال : نعم . قال : من مازن تميم ، أم من مازن ربيعة ؛ أم من مازن قيس ؟ قلت : من مازن ربيعة . قال : فأخذ يكلِّمُني بلغتي ، فقال : باسْمُك ؟ وهم يقولون (١) الباء ميماً والميم باءً ، فكرهت أنْ أقولَ مكر ، فقلت : بكر ، فأعجبه إعراضي عن المَكْرِ ، وعرَفَ ما أردْتُ. فقال: على (٢) ما انتصبَ رجلاً؟ فقلت: لأنَّه معمولُ المصدر ((مصابكم)) . فأخذ اليزيديُّ يعارضه ، فعلاه المازني بالحُجَّةِ ، فأطلق له الخليفةُ ألفَ دينارٍ وردَّه إلى أهله مكرَّماً ، وعوَّضه الله عن المئة الدينار . وروى المبرِّدُ عنه ، قال : أقرأتُ رجلاً كتابَ سيبويه إلى آخره ، فلمَّا انتهى ، قال لي : أمَّا أنت فجزاكَ اللهُ خيراً ، وأمَّا أنا فوالله ما فهِمْتُ منه حرفاً . توفي المازنيُّ في هذه السنة ، وقيل : في سنة ثمان وأربعين ومئتين . [ وأغرب من قال : سنة ست وثلاثين ، فالله أعلم (٣) . ثم دخلت سنة ثمان وأربعين ومثتين فيها : أغزى المنتصرُ وصيفاً التركيّ غزو الصائفة لقتال الروم ، وذلك أنَّ ملك الروم قصدَ بلاد الشام، وجهز معه جيشاً كثيفاً ورجالاً وعدداً ، وأمر له بنفقاتٍ كثيرة ، وأمره إذا فرغ من قتال الروم أن يقيمَ بالثَّغْر أربعَ سنين ، وكتب له إلى محمد بن عبد الله بن طاهر نائب العراق كتاباً عظيما٤ً) ، فيه آيات كثيرة ، في التَّحريض على القتال والترغيب فيه . وفي ليلة السبت لسبع بقين من صفر من هذه السنة المباركة خلع أبو عبد الله محمد المعتز ، والمؤيد إبراهيم أخوا أمير المؤمنين وليا العهد ، أنفسَهما من الخلافة ، وأشهدا عليهما بذلك ، وأنَّهما عاجزان عن (١) كذا في النسخ ، وفي ط : يقلبون . (٢) سقطت من ب ، ظا . (٣) زيادة من ب ، ظا. (٤) نصه في الطبري (٩/ ٢٤١ - ٢٤٣) . ٢١٠ أحداث سنة ٢٤٨ هـ الخلافة ، وأن المسلمين في حلٍّ من بيعتهما ، وذلك بعدما تهدَّدهما أخوهما المنتصرُ وتوَّدهما بالقتل ، ليفعلا ذلك، ومقصودُه توليةُ ابنه عبد الوهاب عن إشارة أمراء الأتراك بذلك . وخطبا١ً) بذلك على رؤوس الأشهاد بحضرة القّواد والقضاة وأعيان بني هاشم والناس عامة . وكتب بذلك إلى الآفاق والأقاليم ليعلموا بذلك ويخطبوا بذلك على المنابر ، ويزال اسماهما عن محل الكتابة ، والله غالبٌ على أمره ، فأراد أن يسلبَهما الملْكَ ويجعلَه في عقبه ، والأقدارُ تكذبه وتخالفه ، وذلك أنَّه لم يستكمِلْ بعدَ قتل أبيه سوى ستة أشهر ، ففي أواخر صفر عرضَتْ له عِلَّةٌ كان فيها حتفُه على ما سنذكره . وقد كان المنتصر رأى في منامه كأنَّه يصعد سلّماً ، فبلغ إلى آخر خمس وعشرين درجة . فقصّها على بعض المعبرين ، فقال له : هذه خمس وعشرون سنة تلي فيها الخلافة ، وإذا بها مدّة عمره ، وقد استكملها في هذه السنة . وقال بعضهم : دخلنا عليه يوماً فإذا هو يبكي وينتحب شديداً ، فسأله بعضُ أصحابه ، فقال : رأيتُ أبي المتوكّلَ في منامي هذا، وهو يقولُ : ويلك يا محمّد! قتلْتَني ، وظلمْتَي وغصبْتَني خلافتي ، والله لا مُتِّعْتَ بها بعدي إلا أياماً يسيرة ، ثم مصيرُك إلى النار! قال: فما أملك عيني ولا جَزَعي . فقال له بعضُ أصحابه (٢) : هذه رؤيا ، وهي تصدَّق وتكذب ، فقم بنا إلى الشراب ! فأحضر الشراب والندماء ، فأخذ فيه وهو منكسرُ الهمَّةِ ، وما زال كذلك مكسوراً حتَّى مات . وقد اختلفوا في علته التي كانت فيها وفاته ؛ فقيل : إنه أصابه داء في رأسه ، فقطر في أذنه دهن ، فلمَّا انتهى إلى دماغه عُوجل بالموت . وقيل : بل ورِمَتْ معدتُه ، فانتهى الوَرَمُ إلى قلبه فمات . وقيل : بل أصابته ذَبْحَةٌ فاستمرَّت به عشرة أيام . فمات . وقيل: بل فَصَده الحجَّام بمِبْضَعٍ مسموم فمات من يومه . قال ابن جرير(٣) : فأخبرني بعضُ أصحابنا : أن ذلك الحجّامَ رجع إلى منزله وهو محمومٌ ، فدعا أجيرا٤) له ليفصده ، فأخذ مباضعَ أستاذه ، فاختار منها أجودها ، فإذا له ذلك المٍبضع المسموم الذي فُصِد به الخليفة ، ففصَد أستاذه به وهو لا يشعرُ ، وأنسَى اللهُ سبحانه الحجَّام ، فما ذكر حتى رآه قد فَصَدَه به ، وتحكّم فيه السُّمُّ ، فأوصى عند ذلك ، ومات من يومه . فى أ، ط : وخطب ، والمثبت من ب ، ظا . وفي الطبري: ثم قاما بذلك على رؤوس الأشهاد. (١) بعده في ط : من الغرارين الذين يغرون الناس ويفتنونهم . (٢) (٣) تاريخ الطبري (٩/ ٢٥١) بتصرف يسير . (٤) في ط والطبري : تلميذاً. ٢١١ خلافة المستعين بالله وذكر ابنُ جرير (١) : أنَّه دخلت عليه أمُّه وهو في المرض الذي مات فيه ، فقالت له : كيف حالك ؟ فقال : ذهبَتْ منّي الدنيا والآخرة . ويقال : إنه أنشد لمَّا أحيط به ويئس من الحياة وهو في السّياق (٢): فما فَرِحَتْ نفسِي بِدُنيا أصَبْتُها ولكنْ إلى الرَّبِّ الكَريمِ أصيرُ ومات يوم الأحد لخمس بقين من ربيع الآخر من هذه السنة ، وقتَ صلاة العصر ، عن خمسٍ وعشرين سنة ، وقيل : وستة أشهر . ولا خلاف أنه إنما ولي الخلافة ستة أشهر ، لا أزيدَ منها . وذكر ابنُ جريٍ(٣) عن بعض أصحابه : أنه لم يزل يسمع الناس يقولون ؛ العامَّةُ وغيرهم ، حين ولي المنتصر : إنه لا يمكث في الخلافة سوى ستة أشهر ، كما مكث شيرويه بن كسرى حين قتل أباه ؛ وكذلك وقع سواء . وقد كان المنتصرُ أعيَنَ، أقنى(٤) ، قصيراً، مَهيباً ، جيد البدن ، وهو أوَّل خليفة من بني العباس قبرُه ، وذلك بإشارة أمِّه حبشيّة الرّومية. ـ :(٥) ومن جيّد كلامه قولُه: واللهِ ما عزَّ ذو باطلٍ قطّ ، ولو طلَعَ القمرُ من جبينه؛ ولا ذلَّ ذو حقٌّ قطّ، ولو أصفقَ العالَمُ عليه (٦) . خلافة المستعين بالله وهو أبو العبَّاس أحمد بن محمد بن المعتصم . بُويع له بالخلافة يوم مات المنتصِرُ ، بايعَهُ عمومُ النَّاس ، ثم خرجت عليه شِرْذِمةٌ من الأتراك يقولون : يا معتز ، يا منصور؛ فالتفَّ عليهم خلق . وقام بنصر المستعين جمهورُ الجيش ، فاقتتلوا قتالاً شديداً أياماً ، فقتل خلْقٌ من الفريقين ، وانتُهبت أماكنُ كثيرة من بغداد ، وجرت فتن كثيرة جداً ، ثم استقرَّ الأمر للمستعين، فَعَزَلَ وَوَلَّى، وقَطَعَ وَوَصَلَ، وأمَر ونَهَى(٧) . تاريخ الطبري (٩/ ٢٥٢) . (١) تاريخ الطبري (٢٥٤/٩)، والكامل لابن الأثير (١١٥/٧). (٢) (٣) تاريخِ الطبري (٢٥٢/٩) . ((القَنَا)): احديداب في الأنف. (٤) الطبري وابن الأثير : عرف قبره . (٥) (٦) الكامل لابن الأثير (١١٦/٧). (٧) بعده في ط : أياماً ومدة غير طويلة . ٢١٢ وفيات سنة ٢٤٨هـ ومات بُغا الكبير في جمادى الآخرة ، فولَّى الخليفةُ مكانَه ولَدَه : موسى بن بُغا . وقد كانت له همم(١) عالية ، وآثار سامية ، وغزوات في المشارق والمغارب متوالية . وفي هذه السنة ابتاع المستعين من أبي عبد الله المعتز شيئاً كثيراً من المتاع والأثاث والضياع بما قيمته عشرة آلاف ألف دينار ، وعشر حبَّات جوهر . ومن إبراهيم بما قيمته ثلاثة آلاف ألف دينار(٢) وثلاث حبّات . وفيها : عَدَا أهلُ حمصَ على عاملهم(٣) فأخرجوه من بين أظهرهم ، فبعث إليهم المستعين فأخذ منهم مئة رجلٍ من سَرَاتهم ، وأمر بهدمٍ سورهم . وحجَّ بالناس فيها محمد بن سليمان الزَّينبيّ . وتوفي فيها من الأعيان : أحمد بن صالح(٤) . والحسين بن علي الكَرَابيسيّ(٥) . وعبد الجبّار بن العلاء(٦). وعبد الملك بن شُعيب(٧) . في ب ، ظا : همة . (١) (٢) في الطبري (٢٥٩/٩): درهم . هو كيدر بن عبيد الله ، كما في الطبري (٢٥٩/٩) . (٣) أبو جعفر المصري ، المعروف بابن الطبري . حافظ زمانه بالديار المصرية ، ثقة ، مقرىء ، عالم بالحديث وعلله . كان أبوه من أجناد طبرستان ، وولد له أحمد بمصر . رحل إلى بغداد واجتمع بالإمام أحمد بن حنبل ، وأخذ كل منهما عن الآخر . توفي بمصر . (٤) سير أعلام النبلاء (١٢ / ١٦٠)، غاية النهاية في طبقات القراء (١/ ٦٢). (٥) الحسين بن علي بن يزيد البغدادي الكَرَابيسي، أبو علي، الفقيه المتكلّم . تفقَّ على الشافعيّ ، وسمع من إسحاق الأزرق وجماعة ، وصنف التصانيف . كان متضلعاً في الفقه والأصول والحديث ومعرفة الرجال . والكرابيس : الثياب الغلاظ ، كان أبو علي يبعيها فنسب إليها . سير أعلام النبلاء (٧٩/٢)، والعبر (٤٥٠/١). (٦) أبو بكر البصري ، ثم المكي المجاور . روى عن سفيان بن عيينة وطبقته ، ثقة، صاحب حديث . سير أعلام النبلاء (٤٠١/١١)، والعبر (٥١/١). (٧) عبد الملك بن شعيب بن الليث بن سعد الفَهْمي مولاهم المصري أبو عبد الله . سمع أباه وابنَ وَهْب . ثقة . كان فقيهاً محدثاً . تهذيب التهذيب (٣٩٨/٦) . ٢١٣ وفيات سنة ٢٤٨ هـ وعیسی بن حمًّا(١) (٢) ومحمد بن حُمَيْد الرازي . ومحمد بن زُنبور(٣) . ومحمد بن العلاء أبو كُرَيب (٤) . ومحمد بن يزيد أبو هشام الرِّفاعيُ(٥) . وأبو حاتم السّجِئْتانيُ(٦): واسمه سهلُ بن محمد بن عثمان بن يزيد الجُشَميُّ ، أبو حاتم ، النَّحويُّ، اللّغويُّ، صاحبُ المصنَّفات الكثيرة(٧) . وكان بارعاً في اللغة ؛ اشتغل فيها على أبي عُبَيْدة ، والأصمعيِّ، وأكثَرَ الرّواية عن أبي زيدِ الأنصاريِّ . وأخذ عنه المبرّد ، وابنُ دُرَيد ، وغيرهما . وكان صالحاً ، كثيرَ الصَّدَقة والتلاوة ، وكان يتصدَّق كلَّ يومٍ بدينارٍ ، ويقرأ في كُلِّ أسبوعٍ ختمة ، وله شعر كثير ؛ من(٨) ذلك قولُه : أبرزوا وَجْهَهُ الجميــ ــلَ ولامُوا مَنِ افْتَتَنْ (١) عيسى بن حمَّاد بن مسلم، التُّجيبي المصري، أبو موسى، لقبه زُغْبَة وهو لقب أبيه أيضاً. ثقة. وهو آخر من حدّث عن الليث بن سعد من الثقات. سير أعلام النبلاء (١١ /٥٠٦)، وتقريب التهذيب (٢/ ٩٧). (٢) أبو عبد الله . حافظ كبير ، كان من أوعية العلم . وهو مع إمامته منكر الحديث . سير أعلام النبلاء (١١/ ٥٠٣) . (٣) محمد بن زنبور بن أبي الأزهر ، واسم زنبور جعفر ، أبو صالح المكي . صدوق ، له أوهام . تقريب التهذيب (٢/ ١٦١) . (٤) محمد بن العلاء بن كُرَيب الهَمْداني، أبو كُرَيب ، الكوفي . الحافظ، شيخ المحدثين. صدوق . سير أعلام النبلاء (١١/ ٣٩٤) . (٥) العلامة ، الفقيه، المقرىء، قاضي بغداد . أخذ القراءة عن جماعة، وصنَّف كتاباً في القراءات فيه شذوذ كثير ، وهو صاحب غرائب في الحديث . سير أعلام النبلاء (١٢/ ١٥٣)، غاية النهاية (٢٨٠/٢). (٦) الجرح والتعديل (٢٠٤/٤)، أخبار النحويين البصريين (٩٣)، طبقات النحويين واللغويين (٩٤)، نزهة الألباء (١٨٩)، معجم الأدباء (٢٦٣/١١)، وفيات الأعيان (٢/ ٤٣٠)، سير أعلام النبلاء (٢٦٨/١٢)، إنباه الرواة (٥٨/٢)، غاية النهاية في طبقات القراء (٣٢٠/١). (٧) ذكر له القفطي في إنباه الرواة (٢/ ٦٢) ما يقرب من ثلاثة وثلاثين كتاباً . في آ: فمن قوله، وأثبت ما جاء في ( ب). والبيتان في وفيات الأعيان (٢/ ٤٣١) ، وبغية الوعاة للسيوطي (٨) (٦٠٧/١)، قالهما في المبرّد، وكان غلاماً وسيماً يحضر حَلْقته ويلازم القراءة عليه . ٢١٤ أحداث سنة ٢٤٩ هـ سَتَرُوا وَجْهَهُ الحَسَنْ لو أرادُوا صِيانتى قال ابن خلكان (١) : وكانت وفاته في المحرم ، وقيل : في رجب من هذه السنة . ثم دخلت سنة تسع وأربعين ومثتين في يوم الجمعة النصف من رجب منها التقى جمعٌ من المسلمين وخلقٌ من الروم بالقرب من مَلَطَة ، فاقتلوا قتالاً شديدا٢ً)، قُتل من الفريقين خلْق كثير، وقُتل أميرُ المسلمين عمرُ بن عُبَيد(٣) الله بن الأقطع ، وقُتل معه ألفا رجلٍ من المسلمين ، كذلك قُتل الأمير عليّ بن يحيى الأرمنيّ في طائفة من المسلمين أيضاً ، فإنا لله وإنا إليه راجعون . وقد كان هذان الأميران من أكبر أنصار الإسلام . ووقعت فتنةٌ عظيمة ببغداد في أول(٤) صفر من هذه السنة ، وذلك أنَّ العامّة كرهوا جماعةً من الأمراء الذين قد تغلَّبوا على أمر الخلافة وقتلوا المتوكّلَ ، واستضعفوا المنتصر والمستعين بعده ، فنهضوا إلى السّجن ، فأخرجوا مَنْ فيه ، وجاؤو(٥) إلى أحد الجسرين فقطعوه وضربوا الآخر بالنار ، فأحرقوا ونادَوا بالنَّفير ، فاجتمع خلْقٌ كثير وجَمٌّ غفير ، ونهبوا أماكنَ متعددةً ، وذلك بالجانب الشرقيّ من بغداد . ثم جمع أهلُ اليسار أموالاً كثيرة [ من أهل بغداد ]٦) لتُصرفَ إلى من ينهض (٧) إلى ثغور الروم لقتالهم عوضاً عمن قُتل من المسلمين هناك ، فأقبل خلق كثير من نواحي الجبال ، والأهواز ، وفارس ، وغيرها لغزو الروم ، وذلك أنَّ الخليفة والجيش تأخّروا عن النّهوض إلى بلاد الروم ، فغضبت العامّة من ذلك ، وفعلوا ما ذكرنا . ولتسعٍ بقين من ربيع الأول نهض عامة أهل سامُرَّاء إلى السجن ، فأخرجوا مَنْ فيه . وجاءهم قومٌ من الجيش يقال لهم الزرافة فهزمتهم العامة ، فركب عند ذلك وصيفٌ، وبُغَا الصغير ، وعامّة الأتراك ، فقتلوا من العامّة خلقاً كثيراً ، وجرت فتن طويلة كثيرة ، ثم سكنت . وفي المنتصف من ربيع الآخر وقعت فتنةٌ بين الأتراك ، وذلك أن الخليفة المستعين قد فوَّض أمر (١) وفيات الأعيان (٢/ ٤٣٣). (٢) في ا، ب : عظيماً. (٣) في أ، ط : عبد الله . في ب ، ظا : أول يوم من صفر . (٤) في الأول : وجاؤوا إلى الجسر ، والمثبت من ط والطبري . (٥) زيادة في ط : وفي الطبري : من أهل بغداد وسامرا . (٦) في ب ، ظا : نهض . (٧) ٢١٥ وفيات سنة ٢٤٩ هـ الخلافة والتصرف في أموال بيت المال إلى ثلاثة ؛ وهم : أتامش التركي ، وكان أخص مَن عنده ، وهو بمنزلة الوزير ، وفي حِجْره العباس بن المستعين يربّيه ويعلِّمه الفروسية ؛ وإلى شَاهك الخادم ؛ وإلى أم الخليفة ؛ كان لا يمنعها شيئاً تريده ، وكان لها كاتب يقال له : سلمة بن سعيد النصرانيّ . فأقبل أتامش فأسرف في أخذ الأموال حتى لم يُبقِ ببيت المال شيئاً ، فغضبت الأتراك من ذلك ، وغارت منه ، فعند ذلك اجتمعوا عليه ، وركبوا إليه ، فأحاطوا بقصر الخلافة وهو عند المستعين ، فلم يمكنه منعه منهم ، ولا دفعهم عنه ، فأنزلوه صاغراً فقتلوه ، وانتهبوا أمواله وحواصله ودوره ، واستوزر الخليفةُ بعده أبا صالح عبد الله بن محمد بن يزداد ، وولَّى بُغا الصغيرَ فلسطين ، وولَّى وصيفاً الأهوازَ ، وجرى خَبْط١ٌ) كثير، ووهنٌ كبير من أمر الخليفة ، وتحركت المغاربة بسامُرًا في يوم الخميس لثلاثٍ خلون من جمادى الآخرة ، وكانوا يجتمعون فيركبون ثم يتفرَّقون . وفي يوم الجمعة لخمسٍ بقين من جمادى الأولى، وهو اليوم السادس عشر من تُوز، مُطِرَ أهلُ سامُرًا مطر(٢) عظيماً برعدٍ وبرقٍ ، والغيم مطبق، والمطر مستهل كثير ، من أوَّل النَّهار إلى اصْفِرار الشمس . وفي ذي الحجة أصاب أهلَ الريّ زلزلةٌ شديدة جداً ، ورَجْفة هائلة تهدَّمت منها الدور ، ومات منها خلْق كثير ، وخرج بقيّة أهلها إلى الصحراء . وحَّ بالناس في هذه السنة : عبدُ الصّمد بن موسى بن محمد بن إبراهيم الإمام ، وهو والي مكة . وممن توفي فيها من الأعيان : أيّوب بن محمد الوَزَّانُ(٣) . والحسن بن الصَّبَّاحِ البَزَّار(٤)، صاحب (( كتاب السنـ وَرَجَاء بنُ مَرَجّى الحافظ(٥) . (١) ((الخَبْط)): الفوضى. (٢) في ب ، ظا : مطر عظيم . (٣) أيوب بن محمد بن زياد بن فَرّوخ الوَزَّان، أبو محمد الرَّقِّيّ ، كان يزن القطن في الوادي . ذكره ابن حبَّان في الثقات . تهذيب الكمال (٤٨٩/٣). (٤) الحسن بن الصَّبَّاح بن محمد، أبو علي الواسطي، البغدادي، البزَّار، ويعرف بابن البزَّار. سمع سفيان بن عُيينة وطبقته . وكان الإمام أحمد بن حنبل يرفع قدره ويجلّه ويحترمه ، وكانت له جلالة عجيبة ببغداد . سير أعلام النبلاء (١٢ / ١٩٢). (٥) رجاء بن مُرَجّى بن رجاء بن رافع، أبو محمد السمر قنديّ. روى عن النَّضْر بن شُمَيل فمن بعده . قال الخطيب البغدادي : كان ثقة ثَبْتاً إماماً في الحفظ والمعرفة . سير أعلام النبلاء (١٢ / ٩٨)، والعبر (٤٥٤/١) .. ٢١٦ وفيات سنة ٢٤٩ هـ وعَبْدُ بنُ حَميد، صاحب ((التفسير)) الحافل(١). وعمرو بن علي الفَلَّس(٢). وعليّ بن الجَهْمُ(٣): ابن بَدْر بن الجَهْم بن مسعود بن أسيد القرشي السَّامي، من وَلَد سَامَةَ بن لُؤيّ الخراسانيّ ، ثم البغدادي ، أحد الشعراء المشهورين وأهل الديانة المعتبرين . وله ديوان شعر فيه أشياء حسنة ، وكان فيه تحامل على عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه ، وكان له خصوصية بالمتوكّل ، ثم غضِبَ عليه فتفاه إلى خراسانَ ، وأمر نائبَه بها أن ينصبَه(٤) يوماً مجرداً ففعل به ذلك . ومن مستجاد شعره قوله (٥) : بَلاءُ لَيْسَ يَعْدِلُهُ بَلاءُ عَدَاوَةُ غيرِ ذِي حَسَبٍ وَدِينٍ يبيحكَ منه ◌ِرْضاً لم يَصُنْهُ وَيَرْتَعُ مِنْكَ في عِرْضٍ مَصُونٍ وإنَّما قال ذلك في مروان بن أبي حَفْصَة حين هجاه ، فقال في هجائه له (٦): لَعَمْرُكَ مَا الْجَهْمُ بْنُ بَدْرٍ بشاعرٍ وهذا عَلِيٍّ بَعْدَهُ يَذَّعِي الشِّعرا ولكنْ أبي قَدْ كانَ جَاراً لأمِّهِ فلمَّا اذَّعَى الأشْعارَ أوْهَمني أمْرَا كان عليّ بن الجَهْم قد قدِمَ الشَّام ثم عاد قاصداً العراق ، فلمَّا جاوز حلبَ ثار عليه أناسٌ من بني كَلْب ، فقاتلهم ، فجرح ، فكان فيه حتْقُه، فوجد (٧) بين ثيابه رقعة فيها مكتوب(٨): (١) عبد بن حُميد بن نصر، أبو محمد الكِسِّ، ويقال له الكَثِّي، بالفتح والإعجام. صاحب ((المسند)) و((التفسير)). سمع يزيد بن هارون وابن أبي فديك وطبقتهما. سير أعلام النبلاء (١٢ / ٢٣٥)، والعبر (٤٥٤/١). (٢) عمرو بن علي بن بحر ، أبو حفص الباهليّ الصيرفي الفلاَّس ، الحافظ المجوّد الناقد، أحد الأعلام ، ثقة . سير أعلام النبلاء (٤٧٠/١١)، والعبر (٤٥٤/١). (٣) الأغاني، ط، الدار (٢٠٣/١٠)، وفيات الأعيان (٣٥٥/٣)، تاريخ الطبري (٢٦٤/٩)، معجم الشعراء في ط : أن يضربه . وفي الأغاني : أن يصلب . (٤) للمرزباني (١٤٠)، تاريخ بغداد (١١/ ٣٦٧). (٥) ديوانه (١٨٧)، ووفيات الأعيان (٣٥٦/٣). ليسا في ديوان مروان بن أبي حفصة، ويبعد أن يكون قد قالهما فيه ، إذ توفي مروان سنة ١٨٢ هـ . وهما في وفيات (٦) الأعيان (٣٥٧/٣)، ترجمة علي بن الجهم . في آ : فوجد ثوباً به رقعة فيها مكتوب والمثبت من ب ، ظا . (٧) ديوانه (١٥٤)، ووفيات الأعيان (٣٥٦/٣). (٨) ٢١٧ أحداث سنة ٢٥٠هـ زح ماذا بنفسِهِ صَنَعا يا رَحْمَتا للغريب فى البلد النَّا بالعَيش مِنْ بعدِهِ وما أُنْتَفَعَا فارَقَ أحبابَهُ فما أَنتفَعُوا وكانت وفاته بهذا السبب في هذه السنة، رحمه الله(١). سنة خمسين ومئتين من الهجرة فيها كان ظهور أبي الحسين يحيى بن عمر بن يحيى بن حسين(٢) بن يزيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب بالكوفة ، وأمّه فاطمة بنت الحسين بن عبد الله بن إسماعيل بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب . وذلك أنَّه أصابته فاقةٌ شديدة فرحل إلى سامُرّاء ، فسأل وصيفاً أن يجريَ عليه رزقاً ، فأغلظ له القولَ . فرجع إلى أرض الكوفة ، فاجتمع عليه خلق من الأعراب ، وخرج إليه خلق من أهل الكوفة ، فنزل على الفَلُّوجَةُ(٣) وقد كثر الجمع معه ، فكتب محمد بن عبد الله بن طاهر نائب العراق إلى عامل الكوفة - وهو أيوب(٤) بن الحسن بن موسى بن جعفر بن سليمان - يأمره بمقاتلته . ودخل يحيى بن عمر قبل ذلك في طائفة من أصحابه إلى الكوفة ، فاحتوى على بيت ماله ، فلم يجدْ فيه سوى ألفي دينار وسبعين ألف درهم ، وظهر أمرُه بالكوفة وفَتَحَ السّجنَيْن وأطلق منْ فيهما ، وأخرَجَ نوَّاب الخليفة منها ، وأخذ اموالهم واستحوذ عليها ، واستحكم أمرُه بها ، والتفَّ عليه خلْقٌ من الزَّيديّة وغيرهم . ثم خرج من الكوفة إلى سوادها ، ثم كَرَّ راجعاً إليها ، فتلقاه عبد الرحمن بن الخطاب الملقَّب وَجْه الفَلْسِ، فقاتله قتالاً شديداً ، فانهزم وَجْهُ الفَلْس . ودخل يحيى بن عمر الكوفة ، ودعا إلى الرضا من آل محمد ، وقوي أمره جدّاً، وصار إليه جماعة من الناس من أهل الكوفة وغيرها ، وتولاه أهل بغداد من العامّة وغيرهم ممن ينسب إلى التشيّع ، وأحبّوه أكثر مما كانوا يحبُّون أحداً من الخارجين من أهل البيت . (١) قوله : رحمه الله ، لم يرد في ب ، ظا، ط . (٢) في الأصول : حسن والمثبت من ط والطبري وابن الأثير على الصواب . وتنظر ترجمته في مقاتل الطالبيين (ص ٤٥٣) . (٣) (( فلاليج السواد)): قراها ، واحدها الفلُّوجة . والفلُّوجة الكبرى والفلُّوجة الصغرى : قريتان كبيرتان من سواد بغداد والكوفة قرب عين التمر . ياقوت . وهذه التسمية مستعملة إلى هذا الوقت في بلاد العراق . (٤) في آ ، ط : أبو أيوب . ٢١٨ أحداث سنة ٢٥٠ هـ وشرع في تحصيل السلاح وطبعه (١)، وإعداد آلات العدد ، وجمع الرجال . وقد خرج نائب الكوفة منها - وهو الحسين بن إسماعيل - إلى ظاهرها، واجتمع إليه أمدادٌ كثيرة من جهة الخليفة ومحمد بن عبد الله بن طاهر ، واستراحوا وجمّت (٢) خيولهم . فلمَّا كان اليوم الثالث عشر من رجب أشار من أشار على يحيى بن عمر ممن لا رأي له ، أنْ يركبَ ويناجز الحسين بن إسماعيل ، ويكبسَ جيشه ، فركب في جيش كثير ، فيه خلْق من الفرسان والمشاة أيضاً من عامّة أهل الكوفة بغير أسلحة ، فساروا ، فلمّا انتهو(٣) إليهم نهضوا إليهم فاقتتلوا قتالاً شديداً في ظلمة آخر الليل ، فما طلَعَ الفجرُ إلا وقد انكشف أصحابُ يحيى بن عمر، [ وداستهم الخيل ، ووجدوا يحيى بن عمر ]٤) ، وقد تقنطر به فرسه ، وطعن في ظهره ، فحزُّوا رأسَه ، وحمله إلى الأمير فبعثه إلى محمد بن عبد الله بن طاهر ، فأرسله من الغد إلى الخليفة مع رجلٍ ، يقال له : عمر بن الخطاب ، أخي عبد الرحمن بن الخطاب ، فنُصب بسامُرًا ساعةً من النهار ، ثم بعث(٥) إلى بغداد ، فنصب عند الجسر ، فلم يمكن ذلك من كثرة٦) العامّة ، فجعل في خزائن السلاح . ولمّا جيء برأس يحيى بن عمر إلى محمد بن عبد الله بن طاهر ، دخل الناسُ يهنّونه بالفتح والظفر ، فدخَلَ عليه أبو هاشم داود بن الهيثم الجعفريّ ، فقال له : أيها الأمير! إنك لَتُهنّأ بقتْل رجلٍ لو كان رسولُ الله ◌ِِّ حَيّاً لَعُزِّيَ به. فما ردَّ عليه شيئاً، ثم خرج أبو هاشم الجعفريّ، وهو يقول(٧): يا بَني طاهرٍ كُلُوهُ وَبِيّاً إِنَّ لَحْمَ النَّبيِّ غيرُ مَرِيٍّ إنَّ وِتراً يكونُ طالِيَهُ اللــهُ لَوِتْرٌ نجاحُهُ بالحَرِيِّ وكان الخليفة المستعين قد وجَّه أميرا٨ً) إلى الحسين بن إسماعيل نائب الكوفة ، فلما قتل يحيى بن عمر، ودخلوا الكوفة ، أراد ذلك الأمير أن يضَعَ في أهلها السيفَ ، فمنعه الحسين بن إسماعيل ، وآمن الأسود والأبيض ، وأطفأ اللهُ هذه الفتنة . (١) لفظة وطبعه لم ترد في ب ، ظا، ط . في ط: وجمعوا. ومعنى ((وجمت)) : تركت تستريح فلم تركب . (٢) (٣) في ب ، ظا : انتهى . (٤) زيادة في ب ، ظا . في ب ، ظا : بعثه ، وفي ط : بعث به . (٥) (٦) في ب ، ظا : من جهة . تاريخ الطبري (٢٧٠/٩)، والكامل لابن الأثير (١٢٩/٧). (٧) (٨) هو كلباتكين، كما في الطبري (٩/ ٢٧٠). ٢١٩ خروج رجل آخر من أهل البيت ثم خرج آخر من أهل البيت أيضاً فلمَّا كان رمضان من هذه السنة ، خرج الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد بن الحسين بن علي بن أبي طالب بناحية طَبِرِستان . وكان سببُ ذلك أنَّه لما قُتل يحيى بن عمر أقطع المستعينُ لمحمد بن عبد الله بن طاهر طائفةً من أرض تلك الناحية ، فبعث كاتباً له يقال له : جابر بن هارون ، وكان نصرانيّاً ، ليتسلَّم تلك الأراضي ، فلمًا انتهى إليهم كرهوا ذلك جدّاً ، وأرسلوا إلى الحسن بن زيد هذا ، فجاء إليهم ، فبايعوه والتَفَّت عليه كلمة الدَّيلم وجماعة الأمراء في تلك النَّواحي ، فركب فيهم ودخل آمُل طبرستان ، وأخذها قَهْراً ، وجَبَى خراجها ، واستفحل أمرُه جدّاً. ثم خَرَجَ منها طالباً لقتال سليمان بن عبد الله أميرٍ تلك النَّواحي ، فالتقيا هنالك ، وكانت بينهما حروبٌ، ثم انهزم سليمان هزيمةً منكرةً ، وترك أهلَه ومالَه ، ولم يرجعْ دون جُرْجان. فدخل الحسنُ بن زيد (( سَارية(١) فأخذ ما فيها من الأموال والحواصل ، وسيَّر أهل سليمان إليه على مراكب مكرمين ، واجتمع للحسن بن زيد إمرة طَبرِستان بكمالها . ثم بعث إلى الرّيّ فأخذها أيضاً وأخرج منها الطَّاهريّة ، وصار له إلى جند همذان. ولما بلغ خبرُه المستعينَ - وكان مدبِّر ملكه يومئذٍ وصيفٌ التركيّ - اغتمَّ لذلك جداً ، واجتهد في بعث الجيوش والأمداد لقتال الحسن بن زيد هذا٢) . وفي يوم عرفة من هذه السنة ظهر بالرّيّ أحمد بن عيسى بن حسين الصغير بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب ، وإدريس بن موسى بن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن حسن بن حسن بن عليّ بن أبي طالب ؛ فصلَّى بالنَّاس يومَ العيد أحمدُ بن عيسى هذا، ودعا إلى الرِّضا من آل محمد ؛ فحاربه محمد بن عليّ بن طاهر، فهزمه أحمد بن عيسى هذا ، واستفحل أمرً(٣) . وفي هذه السنة وثبَ أهلُ حِمْصَ على عاملهم الفَضْل بن قارن [ أخي المازيار بن قارن }٤) ، فقتلوه في رجب ، فوجه إليه المستعين موسى بن بُغًا الكبير ، فاقتتلوا بأرض الرَّسْتَن ، فهزمهم ، وقتل جماعةً من أهلها ، وأحرَقَ أماكنَ كثيرةً منها ، وأسر أشراف أهلها٥) . (١) سارية: مدينة بطبرستان، جعلها الحسن بن زيد ومحمد بن زيد العَلَويان دار مقامهما، وبين سارية والبحر ثلاثة فراسخ ، وبين سارية وآمل ثمانية عشر فرسخاً . ياقوت . (٢) الطبري (٢٧١/٩ - ٢٧٥)، والكامل لابن الأثير (٧/ ١٣٠ - ١٣٤). (٣) الطبري (٢٧٥/٩ -٢٧٦)، والكامل لابن الأثير (١٣٤/٧). (٤) زيادة من ب ، ظا . الطبري (٢٧٦/٦)، وابن الأثير (٧/ ١٣٤). (٥) ٢٢٠ وفيات سنة ٢٥٠هـ وفيها : وثبت الشاكريّة والجُنْدُ في أرض فارس على عبد الله بن إسحاق بن إبراهيم ، فهرب منهم ، فانتهبوا دارَهُ ، وقتلوا محمد بن الحسن بن قارن . وفيها : غضِبَ الخليفةُ على جعفر بن عبد الواحد، ونفاه إلى البصرة (١). وفيها : أسقطت مرتبةُ جماعة من الأمويين في دار الخلافة . وحجَّ بالناس فيها جَعْفر بن الفضل ، أمير مكّة ، شرَّفها الله . وممن توفي فيها من الأعيان : أبو الطاهر ، أحمد بن عمرو بن الشَّرْحُ(٢). والبَزِّيّ ، أحد القراء المشاهير(٣). والحارث بن مسكين (٤) . وأبو حاتم السِّجِسْتانيُ(٥) ، أحد أئمة اللغة . وعبَّاد بن يعقوب الرَّوَاجِنيُّ(٦) . وعمرو بن بَحْر الجاحظ ٧) ، صاحب الكلام والمصنفات . (١) وذلك لأنه كان بعث إلى الشاكريّة، فزعم وصيفٌ أنه أفسدهم. الطبري (٢٧٦/٩)، وابن الأثير (٧/ ١٣٤). (٢) الفقيه المصري، مولى بني أميَّة. روى عن ابن عُيَينة وابن وَهْب . وكان من أبناء الثمانين. سير أعلام النبلاء (١٢ /٦٢)، والعبر (٤٥٥/١). (٣) هو أبو الحسن ، أحمد بن محمد البَزِّي، المقرىء، مؤذن المسجد الحرام وشيخ الإقراء به . وكان ليّن الحديث ، حجة في القرآن . سير أعلام النبلاء (١٢ / ٥٠)، والعبر (٤٥٥/١)، وغاية النهاية في طبقات القراء (١١٩/١). (٤) أبو عمرو ، الأموي ، المصري ، قاضي القضاة بمصر . أخذ في المحنة فحبس دهراً حتى أخرجه المتوكل . وكان من كبار أئمة السنة . ثقة ثبت . سير أعلام النبلاء (١٢ / ٥٤)، العبر (٤٥٥/١). (٥) هو سهل بن محمد بن عثمان ، أبو حاتم السِّجِسْتاني، ثم البصري ، المقرىء النحوي اللغوي ، صاحب المصنفات . حمل العربية عن أبي عبيدة والأصمعي ، وقرأ القرآن على يعقوب ، وكتب الحديث عن طائفة . وتخرّج به أئمة ، منهم : أبو العباس المبرّد . عاش ثلاثاً وثمانين سنة . معجم الأدباء (١١ / ٢٦٤)، سير أعلام النبلاء (١٢ /٢٦٨)، العبر (٤٥٥/١). (٦) أبو سعيد الأسدي الرَّواجنيّ الكوفي ، صدوق ، محدّث الشيعة ، روى عنه البخاري مقروناً بآخر. سير أعلام النبلاء (١١ / ٥٣٦)، والعبر (٤٥٦/١). (٧) عمرو بن بَخْر بن محبوب البصري المعتزلي ، أبو عثمان الجاحظ . صاحب التصانيف الكثيرة في الفنون . كان بحراً من بحور العلم ، رأساً في الكلام والاعتزال ، عاش تسعين سنة . =